Полный текст (5 319 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الْأُولَى وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا فَيَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَمَنْ لَا يَطْلُبُهُ كَالْمَجْدُورِ وَالْمَحْصُوبِ فَيَجُوزُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ مُسْنِدًا عَنِ ابْن عَبَّاس ﵄ أَنَّهُ قَالَ لَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يُتَيَمَّمُ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَأَنَّ الطَّلَبَ وَاجِبٌ وَأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَإِنْ جَمَعَ قَالَ ابْن الْقَاسِم فِي العتيبة يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ أَعَادَ أَبَدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يُعِيدُ أَبَدًا وَقَالَ أَصْبَغُ يُعِيدُ الْمُشْتَرِكَةَ فِي الْوَقْتِ وَالْمُبَايِنَةَ أَبَدًا التَّاسِعُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا قُلْنَا لَا يَجْمَعُ بَيْنَ فَرْضَيْنِ فَهَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ فَرْضٍ وَسُنَّةٍ أَوْ فَرْضٍ مُعَيَّنٍ وَفَرْضٍ عَلَى الْكِفَايَةِ؟ الْمَذْهَبُ الْجَوَازُ إِذَا قَدَّمَ الْفَرْضَ وَقَالَ سَحْنُونُ إِذَا تَيَمَّمَ لِلْعِشَاءِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَن لَا يُصَلِّيَ الْوِتْرَ وَإِذَا قُلْنَا يُصَلِّي الْجِنَازَةَ بِتَيَمُّمِ الْفَرِيضَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَثْرَةِ الْجَنَائِزِ وَقِلَّتِهَا وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لَا يُصَلِّي عَلَى جَنَائِزَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ لِفَرَائِضَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ الْعَاشِرُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا تَيَمَّمَ لِصَلَاةٍ ثُمَّ ذَكَرَ غَيْرَهَا فَإِنْ كَانَتِ الْمَذْكُورَةُ فِي التَّرْتِيبِ بَعْدَهَا تَيَمَّمَ لَهَا إِذَا فَرَغَ مِنَ الْأُولَى وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهَا لَمْ يَجُزْ تَيَمُّمُهُ لِلْأُخْرَى الْحَادِي عَشَرَ قَالَ لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ تَيَمَّمَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لِئَلَّا يَتَيَمَّمَ لِلْفَرْضِ قَبْلَهُ
стр. 352
(الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي وَقْتِ التَّيَمُّمِ)
قَالَ ابْنُ شَاسٍ إِنَّمَا شُرِعَ التَّيَمُّمُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ قَبْلَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ فَالرَّاجِي يَتَيَمَّمُ آخِرَ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ وَالْآيِسُ أَوَّلَهُ وَالشَّاكُّ وَسَطَهُ وَرُوِيَ آخِرَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَقِيلَ بَلْ وَسَطَهُ إِلَّا الرَّاجِي فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُ وَقِيلَ آخِرَهُ إِلَّا الْآيِسَ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ وَنَبْسُطُ ذَلِكَ عَلَى الْعَادَةِ فَنَقُولُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا يَتَيَمَّمُ مُسَافِرٌ أَوَّلَ الْوَقْتِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ آيِسًا فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَالْمَرِيضُ وَالْخَائِفُ يَتَيَمَّمَانِ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ لَا يَتَيَمَّمُ أَحَدٌ إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَنْبَلٍ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَتَيَمَّمُ الْمُسَافِرُ أَوَّلَ الْوَقْتِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُفَرِّقْ قَالَ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ بِدُخُولِ الْوَقْتِ قَدْ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ فَيُمَكَّنُ الْمُكَلَّفَ مِنْ فِعْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْأَعْذَارِ فَإِنْ سَقَطَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لِعُذْرٍ كَالْمَجْدُورِ يَتَيَمَّمُ أَوَّلَ الْوَقْتِ لِإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْوَقْتِ وَعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي التَّأْخِيرِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إِنْ سَقَطَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لِعَدَمِهِ أَوْ لعدم المناول أَو عدم الْأَمْن االموصل إِلَيْهِ كَالْآيِسِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ يَتَيَمَّمُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ عبد الحكم وَابْن الْمَاجشون وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَهُوَ عَلَى خِلَافِ أَصْلِهِ لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ عِنْدَهُ بِآخِرِ الْوَقْتِ وَأَمَّا الرَّاجِي فَيَتَيَمَّمُ آخِرَ الْوَقْتِ تَوَقُّعًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَة وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لِأَنَّ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ تُتْرَكُ لِرُخْصَةِ الْجَمْعِ وَالطَّهَارَةُ لَا تُتْرَكُ لِرُخْصَتِهِ وَإِنَّمَا تُتْرَكُ لِلْعَجْزِ وَأَمَّا الَّذِي لَا يَرْتَجِي وَلَا يَيْأَسُ كَالْجَاهِلِ بِموضع المَاء
стр. 353
يَتَيَمَّمُ وَسَطَ الْوَقْتِ عِنْدَ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَابْنِ الْجَلَّابِ فَرْعٌ لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ أَوْقَعَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لَهُ إِلَّا أَرْبَعَةٌ فَإِنَّهُمْ يُعِيدُونَ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلُ الشَّاكُّ فَإِنَّهُ كَالْمُقَصِّرِ فِي حَدْسِهِ وَلَوْ أَنَّهَا نِهَايَتُهُ لَأَوْشَكَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ قَالَ فِي الْكِتَابِ مَنْ أُمِرَ بِالتَّيَمُّمِ وَسَطَ الْوَقْتِ فَفَعَلَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فَإِنَّهُمْ يُعِيدُونَ إِلَّا الْمُسَافِرَ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَصِلُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَتَيَمَّمَ أَوَّلَهُ وَصَلَّى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لِأَنَّ هَذِهِ الْإِعَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمُسَافِرُ جُوِّزَ لَهُ تَرْكُ نِصْفِ الْعَزِيمَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةُ أَوْلَى وَيُعِيدُ غَيْرُهُ كَالْفَاقِدِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَأَمَّا قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَصِلُ الْمَاءَ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ كَمَا لَا يَمْنَعُ النَّافِلَةَ فَإِذَا فَعَلَ أَجْزَأَ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ كَانَ اعْتِقَادُ وِجْدَانِ الْمَاءِ يَمْنَعُ مِنَ الصِّحَّةِ لَكَانَتْ فَاسِدَةً تُعَادُ أَبَدًا فَالْفَائِتُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إِنَّمَا هُوَ فَضِيلَةُ الطَّهَارَةِ فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ يُعِيدُ لِتَحْصِيلِهَا قَالَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إِنْ لَمْ يُعِدْ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ أَبَدًا لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْوِجْدَانِ يَمْنَعُ التَّيَمُّمَ تَنْزِيلًا لِلِاعْتِقَادِ مَنْزِلَةَ الرُّؤْيَةِ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا صَلَّى وَلَمْ يَجِدْ مَاءً تَبَيَّنَ فَسَادُ اعْتِقَادِهِ وَصِحَّةُ صَلَاتِهِ وَإِذَا قُلْنَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ فَهُوَ الْقَامَةُ الْأُولَى عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ الْغُرُوبُ وَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ إِلَى الِاصْفِرَارِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّجَاسَةَ مَنَافِيةٌ مُقَارَنَةً وَالصَّلَاةُ هَهُنَا بِغَيْرِ مُنَافٍ الثَّانِي النَّاسِي لِلْمَاءِ فِي رَحْلِهِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا ذَكَرَ النَّاسِي أَعَادَ فِي الْوَقْتِ فَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ الصَّلَاةِ قَطَعَهَا وَأَعَادَهَا بِالْوُضُوءِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ الْإِعَادَةَ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَعبد الْملك وَابْن عبد الحكم وَوَافَقَ أَبُو حنيفَة الْمَشْهُور وَاخْتلف قَول الشَّافِعِي وَفرق بعض
стр. 354
أَصْحَابِهِ بَيْنَ النَّاسِي فَلَا يُجْزِئُهُ لِتَفْرِيطِهِ وَبَيْنَ الْجَاهِلِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ فِي سَاقِيَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَيُجْزِيهِ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَدَمَ الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا وَلَوْ أَدْرَجَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَقْطَعْ وَلَمْ يَقْضِ وَوَافَقَهُ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الطَّرَّازِ وَالَّذِي فِي الْكِتَابِ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقِسْمَيْنِ. حُجَّةُ الْمَشْهُورِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ سَقَطَ بِالْأَعْذَارِ كَاللُّصُوصِ وَالسِّبَاعِ وَتَقْلِيدِ إِنْسَانٍ فِي عَدَمِ الْمَاءِ وَالنِّسْيَانُ عُذْرٌ فَيَسْقُطُ وَإِخْبَارُ نَفْسِهِ كَإِخْبَارِ غَيْرِهِ لَهُ وَهُوَ نَاسٍ. حُجَّةُ الْوُجُوبِ أَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ لَا يُنَافِيهِ النِّسْيَانُ وَإِنَّمَا يُنَافِيهِ الْعَدَمُ وَالتَّيَمُّمُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْوُجُودِ لِلْآيَةِ وَلَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرْطُ وَقِيَاسًا عَلَى نِسْيَانِ الرَّقَبَةِ فِي مِلْكِهِ فِي الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وَعَلَى الْجَبِيرَةِ إِذَا صَحَّتْ وَنَسِيَ أَنْ يَنْزِعَهَا وَيَغْسِلَ مَا تَحْتَهَا وَعَلَى الْخُفِّ إِذَا نَسِيَ غَسْلَ مَا تَحْتَهُ وَالْعِلَّةُ فِي الْجَمِيعِ نِسْيَانُ الشَّرْطِ وَقَوْلُهُ إِنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ قَطَعَهَا لِأَنَّهُ مَعْنًى تُعَادُ الصَّلَاةُ لِأَجْلِهِ فِي الْوَقْتِ فَتُقْطَعُ لَهُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ إِحْرَامِهِ مُنْفَرِدًا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَيَتَخَرَّجُ فِيهَا قَوْلُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ كَمَنْ نَسِيَ ثَوْبَهُ الطَّاهِرَ وَصَلَّى بِنَجِسٍ ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ. فَرْعٌ مُرَتَّبٌ لَوْ سَأَلَ رُفْقَتَهُ الْمَاءَ فَنَسُوهُ فَلَمَّا تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَجَدُوهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إِنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِهِ مَنَعُوهُ لَا يُعِيدُ وَإِلَّا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ تَيَقَّنَ الْمَاءَ فِي رَاحِلَتِهِ وَاخْتَلَطَتْ فِي الْقَافِلَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ يَشْتَغِلُ بِشَدِّ مَتَاعٍ أَوْ إِصْلَاحِ شَأْنٍ فَيَعْرِضُ لَهُ ذَلِك كثيرا ولأصحاب الشَّافِعِي فِيهِ قَوْلَانِ. الثَّالِثُ الْخَائِفُ مِنَ اللُّصُوصِ. الرَّابِعُ الْعَادِمُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ لِتَقْصِيرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ فِي الْكِتَابِ.
стр. 355
هَذَا حُكْمُ مَنْ أَوْقَعَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَفِي الْجَوَاهِرِ وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَ مَا أَذِنَ لَهُ فِي تَقْدِيمِهِ فَلَا إِعَادَةَ وَمَنْ قَدَّمَ مَا أَذِنَ لَهُ فِي تَأْخِيرِهِ فَقيل يُعِيد فِي الْوَقْت وَقيل وَبعده وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلِ التَّأْخِيرُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى أَوِ الْأَوْجَبِ وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْعَالِمِ فَيُعِيدُ مُطْلَقًا وَبَيْنَ الظَّانِّ فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَمَنْ قدم مَا أَمر يتوسطه فَلَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ أَمَرْنَاهُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ فَنَسِيَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ بَعْدَ الْوَقْتِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كُلُّ مَنْ أَمَرْنَاهُ بِإِعَادَةٍ فِي الْوَقْتِ فَنَسِيَ أَعَادَ بَعْدَ الْوَقْتِ
الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي الْأَحْكَامِ التَّابِعَةِ لِلتَّيَمُّمِ
وَفِيهِ فُرُوعٌ عَشَرَةٌ: الْفَرْعُ الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْكِتَابِ الْآيِسُ مِنَ الْمَاءِ لَا يُعِيدُ خِلَافًا لطاووس لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ قَالَ خَرَجَ رَجُلَانِ لِسَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا وَصَلَّيَا ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ ثُمَّ أَتَيَا النَّبِي ﷺ َ - فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ وَقَالَ لِلْآخَرِ لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ وَقِيَاسًا عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالْقَصْرِ لِلصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَإِذَا زَالَتْ أَعْذَارُهُمْ لَا يُعِيدُونَ فَكَذَلِك هَهُنَا. الثَّانِي قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا طَلَعَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مَعَهُ مَاءٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْله وَقَالَ أَبُو حنيفَة يَقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ قَبْلَ السَّلَامِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقْطَعُ. لَنَا أَنه مأذوق لَهُ فِي الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ وَالْأَصْلُ بَقَاء ذَلِك
стр. 356
الْإِذْن وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَطْلُبُوا أَعمالكُم﴾ وَالْعَمَلُ كَانَ مَعْصُومًا قَبْلَ طَرَيَانِ الْمَاءِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ. حُجَّةُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْأَصْلَ إِيقَاعُ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَقَدْ قَدَرَ فَيَجِبُ وَلِأَنَّ كُلَّ مَا أَبْطَلَ الطَّهَارَةَ خَارِجَ الصَّلَاةِ أَبْطَلَهَا دَاخِلَ الصَّلَاةِ. جَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَنْتَقِضُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَسُؤْرِ الْحِمَارِ فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ ببطلانها. نقوض سنة: يَحْتَجُّ الْخَصْمُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَمَةِ تُعْتَقُ فِي الصَّلَاةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ وَالْعُرْيَانِ يَجِدُ ثَوْبًا فِي الصَّلَاةِ وَالْمُسَافِرِ يَنْوِي الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَائِهَا وَنَاسِي الْمَاءِ فِي رَحْلِهِ وَالْوَالِي يَقْدَمُ عَلَى وَالٍ آخَرَ فِي إِتْيَانِ الْجُمُعَةِ وَذِكْرِ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ وَالْفَرْقِ بَيْنَ صُورَةِ النِّزَاعِ وَبَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانيَِة أَنَّهُمَا دخلا بِغَيْر بدل وَهَهُنَا بِبَدَلٍ وَهُوَ التَّيَمُّمُ مَعَ أَنَّ ابْنَ يُونُسَ قَالَ إِذَا عُتِقَتِ الْأَمَةُ بَعْدَ رَكْعَةٍ وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ قَالَ أَشْهَبُ تَتَمَادَى وَلَا تُعِيدُ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ كَالْمُتَيَمِّمِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهَا خِمَارًا وَلَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ فَلَا تُعِيدُ وَإِنْ قَدَرَتْ أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ وَبَيْنَ الثَّالِثَةِ أَنَّ الْإِبْطَالَ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ وَفِعْلِهِ بِكَوْنِهِ قَصَدَ الْإِقَامَةَ وَالْقَصْرُ رُخْصَةٌ فِي السَّفَرِ وَبَيْنَ الرَّابِعَةِ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ لِلتَّفْرِيطِ لِنِسْيَانِهِ وَبَيْنَ الْخَامِسَةِ أَنَّ اسْتِنَابَةَ الثَّانِي عَنِ الْأَوَّلِ كَالْوَكِيلِ وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ بَدَلٌ عَنِ الْوُضُوءِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ أَبْقَيْنَا الْأَوَّلَ لَتَرَكْنَا الِاحْتِيَاطَ لِلنَّاسِ كَافَّةً فِي جَمْعِهِمْ وَبَيْنَ السَّادِسَةِ أَنَّ نِسْيَانَ الصَّلَاةِ كَانَ مِنْ قِبَلِهِ فَهُوَ مُفَرِّطٌ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَعَلَ الْوَقْتَ لِلْمَنْسِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﵇
فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتٌ لَهَا
الْحَدِيثَ فَتَكُونُ الْحَاضِرَةُ حِينَئِذٍ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَمَنْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ أَعَادَ أَمَّا الْمُتَيَمِّمُ فَصَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا بشروطها فتجزئه.
стр. 357
الثَّالِثُ قَالَ صَاحِبُ الْإِشْرَافِ إِذَا وَجَدَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ لَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ إِذَا خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يَخْشَ فَالْعُلَمَاءُ عَلَى بُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ إِلَّا أَبَا سَلَمَةَ. لَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اشْترط عَدو وُجُودِ الْمَاءِ وَهُوَ وَاجِدٌ. الرَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا وَجَدَ الْجُنُبُ الْمَاءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ وَخُرُوجِ الْوَقْتِ اغْتَسَلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَيُعِيدُ مَا صَلَّى فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَجَدَ فِيهِ الْمَاءَ. لَنَا مَا فِي أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ
الصَّعِيدُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمْسِسْهُ بَشَرَتَهُ وَحَكَى صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ فِي أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُشْكِلَةِ وَقَدْ آنَ أَنْ نَكْشِفَ عَنْهُ فَنَقُولَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ قَوْلُنَا التَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ مَعَ أَنَّ الْحَدَثَ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ كَالرِّيحِ لِلْوُضُوءِ وَالْوَطْءِ لِلْغُسْلِ مَثَلًا وَالثَّانِي الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعِبَادَةِ حَتَّى نَتَطَهَّرَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ الْفُقَهَاءُ بِقَوْلِهِمْ يَنْوِي الْمُتَطَهِّرُ رَفْعَ الْحَدَثِ فَإِنَّ رَفْعَ الْأَسْبَابِ مُحَالٌ. فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَوَّلَ فَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الثَّانِي فَقَدِ ارْتَفَعَ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْإِبَاحَةَ ثَابِتَةٌ إِجْمَاعًا وَمَعَ الْإِبَاحَةِ لَا مَنْعَ فَهَذَا بَيَانٌ ضَرُورِيٌّ لَا مَحِيصَ عَنْهُ. وَأَمَّا مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ وَكَانَ مُتَيَمِّمًا وَمِنْ إِيجَابِ الْغسْل على الْجنب إِذا وَجب الْمَاءُ وَمِنْ عَدَمِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَوَاتِ فَتَخَيُّلَاتٌ لَا تَحْقِيقَ لَهَا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ لِيَتَبَيَّنَ مَا عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنَ الْفِقْه
стр. 358
لَا عَلَى الْخَبَرِ وَالْكَلَامُ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا نَقُولُ عَلَى وَفْقِ الدَّلِيلِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَى الْجُنُبِ فَإِنَّ الْمَاءَ فِيهِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ لِلتَّقَرُّبِ مَا لَيْسَ فِي التُّرَابِ فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ لِمُنَاسَبَتِهِ لِمَعْنَى التَّقَرُّبِ لَا أَنَّ الْحَدَثَ بَاقٍ. وَأَمَّا عَدَمُ الْجَمْعِ بَيْنَ صَلَوَاتٍ فَذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ وَفِي الْوُضُوءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ وَالشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ وَالْأَصْلُ تَرْتِيبُ الْمُسَبَّبَاتُ عَلَى الْأَسْبَابِ وَكَذَلِكَ كَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَرَى أَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ. وَأَمَّا وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ إِذَا وَجَدَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُنَاسَبَتِهِ لِلنَّظَافَةِ وَأَصَالَتِهِ لَا لِبَقَاءِ الْحَدَثِ. وَقَدِ اشْتَدَّ نَكِيرُ صَاحِبِ الْقَبَسِ وَإِنَّهُ لَمَعْذُورٌ قَالَ رَفْعُ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّ الْمُوَطَّأَ كِتَابُهُ الَّذِي كَانَ يُعْنَى بِهِ وَيُقْرَأُ عَلَيْهِ طُولَ عُمُرِهِ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ الْقَائِلُ فِيهِ يَؤُمُّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ لِأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ قَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَيْسَ الَّذِي وَجَدَ الْمَاءَ بِأَطْهَرَ مِنْهُ وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ رَفْعُ الْحَدَثِ بِالتَّيَمُّمِ مُغَيٌّ بِطَرَيَانِ الْمَاءِ كَمَا أَن رفع بِالْوضُوءِ مغي بِطَرَيَانِ الْحَدَثِ. وَكَذَلِكَ اشْتَدَّ تَعَجُّبُ الْمَازِرِيِّ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ لَعَلَّ الْخِلَافَ فِي اللَّفْظِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى رَفْعِ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِن يُرِيد ليطهركم﴾ وَبِقَوْلِهِ ﵇
جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا
وَحَكَى فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ وَابْنِ شِهَابٍ.
стр. 359
وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَيْنِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ قَالَ وَفَائِدَةُ رَفْعِ الْحَدَثِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ وَطْءُ الْحَائِضِ إِذَا طَهُرَتْ بِهِ وَلُبْسُ الْخُفَّيْنِ بِهِ وَعَدَمُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَهُ وَإِمَامَةُ الْمُتَيَمِّمِ الْمُتَوَضِّئِينَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ زَادَ ابْنُ شَاسٍ التَّيَمُّمَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَتَكُونُ خَمْسَةً. نَظَائِرُ خَمْسَةٌ التَّيَمُّمُ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالْمَسْحُ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ وَالْغَسْلُ عَلَى الْأَظْفَارِ وَفِي الْجَمِيعِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَالْمَذْهَبُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ عَدَمُ الرَّفْعِ. الْخَامِسُ قَالَ فِي الْكِتَابِ يَؤُمُّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ وَإِمَامَةُ الْمُتَوَضِّئِ لَهُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى أَصْلِنَا فَيُكَرَهُ لِأَنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ كَصَاحِبِ السَّلَسِ وَالْإِجْزَاءِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ صَلَّى مُتَيَمِّمًا بِالْمُتَوَضِّئِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُومِئُ وَالْقَارِئِ خَلْفَ الْأُمِّيِّ أَنَّ السُّجُودَ وَالْقِرَاءَةَ مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ فَالْإِخْلَالُ بِهِمَا إِخْلَالٌ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ فَالْمَأْمُومُ حِينَئِذٍ آتٍ بِصَلَاةٍ لَا سُجُودَ فِيهَا وَلَا قِرَاءَةَ لِأَنَّ الصَّلَاتَيْنِ وَاحِدَةٌ وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَلَا تَبَعِيَّةَ فِيهَا وَلَا اخْتِلَاطَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا الِاسْتِبَاحَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ. السَّادِسُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا نَوَى بِتَيَمُّمِهِ الصَّلَاةَ جَاهِلًا لِلْجَنَابَةِ وَصَلَّى لَا يُجزئهُ وَيُعِيد أبدا وَهُوَ قَول أبي حنيفَة قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَرُوِيَ عَنْهُ الْإِجْزَاءُ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَيُعِيد فِي الْوَقْت. وَجه الأول قَوْلُهُ ﵊ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَهُوَ لَمْ يَنْوِ الْجَنَابَةَ فَلَا تَرْتَفِعُ وَلِأَنَّ الَّذِي نَوَاهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِلصَّلَاةِ لِانْدِرَاجِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فِي الْأَكْبَرِ فَأَشْبَهَ مَا إِذَا نَوَى الْأَكْلَ أَوِ الشُّرْبَ وَلَوْ سَلَّمْنَا
стр. 360
عَدَمَ الِانْدِرَاجِ لَكِنَّ التَّيَمُّمَ لِلْوُضُوءِ بَدَلٌ عَنِ الْوُضُوءِ وَالْوُضُوءُ نَفْسُهُ بَعْضُ أَعْضَاءِ الْجَنَابَةِ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا فَيَكُونُ بَدَلَهُ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَوَجْهُ الْإِجْزَاءِ أَنَّ صُورَةَ التَّيَمُّمِ لَهُمَا وَاحِدَةٌ وَمُوجِبُهُ لَهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ عَدَمُ الْمَاءِ فَيُجْزِئُ كَالْوضُوءِ للريح عَن الوضوئ مِنَ الْمَسِّ. فَلَوْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمَهَا هَلْ يُجْزِئُهُ عَنِ الْوُضُوءِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُجْزِئُهُ. السَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا تَيَمَّمَتِ الْحَائِضُ وَصَلَّتْ بَعْدَ طُهْرِهَا لَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا حَتَّى يَكُونَ مَعَهُمَا مِنَ الْمَاءِ مَا يَغْتَسِلَانِ بِهِ جَمِيعًا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُرِيدُ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُمَا مِنَ الْمَاءِ مَا يَتَطَهَّرَانِ بِهِ مِنَ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ لَهُ وَطْؤُهَا بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. لَنَا أَنَّ التَّيَمُّمَ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ فَيَقْتَصِرَ بِهِ عَلَى الصَّلَاةِ. حُجَّةُ الْجَوَازِ أَنَّهُ طَهَارَةٌ لِلصَّلَاةِ فَيَكُونُ طَهَارَةً لِغَيْرِهَا عَمَلًا بِارْتِفَاعِ الْمَنْعِ فِي الصُّورَتَيْنِ. الثَّامِنُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا تَيَمَّمَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ أَوْ نَفَرٌ يَسِيرٌ فَقَالَ رَجُلٌ وَهَبْتُ هَذَا الْمَاءَ لِأَحَدِكُمَا وَهُوَ يَكْفِي أَحَدَهُمَا قَالَ سَحْنُونُ مَنْ أَسْلَمَهُ لِصَاحِبِهِ انْتَقَضَ تَيَمُّمُ التَّارِكِ لَهُ وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ هُوَ لِأَحَدِكُمْ إِلَّا فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ كَالْجَيْشِ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْبَاقِينَ وَإِنْ قَلَّ كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ قَوْلَهُ يُوجِبُ التَّشْرِيكَ بَيْنَهُمْ وَنَصِيبُ كُلِّ وَاحِد لَا يَقع بِهِ الكفارية بِخِلَافِ قَوْلِهِ هُوَ لِأَحَدِكُمَا فَإِنَّهُمَا لَوْ تَقَارَعَا عَلَيْهِ حَصَلَ لِأَحَدِهِمَا فَمَنْ أَسْلَمَهُ مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ فَإِذَا كَانَ اثْنَانِ كَانَ ظَنُّ أَحَدِهِمَا لِحَوْزِهِ أَقْرَبَ مِنَ الثَّلَاثَةِ وَكُلَّمَا كَثُرَ الْعَدَدُ ضَعُفَ الظَّنُّ وَلَوْ وَجَدُوهُ فِي الصَّحْرَاءِ بَعْدَ تَيَمُّمِهِمْ بِمَكَانٍ لَا ينسون فِيهِ إِلَى تَفْرِيطٍ فَإِنْ بَدَرَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمْ فَتَوَضَّأ بِهِ قَالَ سَحْنُون فِي العتيبة لَا يَنْتَقِضُ تَيَمُّمُ الْبَاقِينَ فَلَوْ أَعْطَوْهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمُ اخْتِيَارًا قَالَ سَحْنُونُ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَنْتَقِضُ تيممهم أَجْمَعِينَ وَقَالَ فِي الجموعة لَا يَنْتَقِضُ إِلَّا تَيَمُّمُ الْمُسَلَّمِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمْ قَبْلَ حَوْزِهِ لَا يُعَدُّونَ مَالِكِينَ لَهُ وَإِنَّمَا مَلَكَهُ مَنْ حَازَهُ كَالصَّيْدِ وَلَوْ سَلِمَ مِلْكُهُمْ فَالَّذِي يُصِيبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا تَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لِجَمِيعِهِمْ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِذَا وَجَدَ الرُّجَلَانِ فِي السَّفَرِ مِنَ الْمَاءِ كِفَايَةَ أَحَدِهِمَا فَيَتَشَاحَّانِ عَلَيْهِ يَتَقَاوَمَانِهِ لِأَنَّ الْمُقَاوَمَةَ شِرَاءٌ وَشِرَاءُ الْمَاءِ وَاجِبٌ فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا الْمُقَاوَمَةَ قَبْلَ بُلُوغِهِ الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ بِهِ وَصَلَّى أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا فَلَوْ كَانَا مُعْدَمَيْنِ كَانَ لَهُمَا التَّيَمُّمُ جَمِيعًا إِلَّا أَنْ يُجِيبَا إِلَى الْقُرْعَةِ فَمَنْ صَارَ لَهُ انْتَقَضَ تَيَمُّمُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ صَاحِبِهِ دَيْنًا وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا كَانَ لِلْمُوسِرِ الْوُضُوءُ بِهِ وَيُؤَدِّي لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى نَصِيبِهِ مِنْهُ فَيُقَسَّمُ وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَا تَلْزَمُ الْمُقَاوَمَةُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إِلَّا أَنْ يَتَشَاحَّا وَأَمَّا إِنْ تَرَكَاهَا وَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا الْمَاءَ لِصَاحِبِهِ لَمْ يَنْتَقِضْ تَيَمُّمُ الدَّافِعِ قَالَ وَذَلِكَ بَعِيدٌ عِنْدِي. قَاعِدَةٌ الْمَوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ يُمْنَعُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ النِّكَاحَ قَبْلَهُ وَطَارِئًا عَلَيْهِ. وَالثَّانِي يُمْنَعُ ابْتِدَاءً فَقَطْ كَالِاسْتِبْرَاءِ يَمْنَعُ النِّكَاحَ ابْتِدَاءً وَإِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ لَا يُبْطِلُهُ. الثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَالْإِحْرَامِ يَمْنَعُ مِنْ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ ابْتِدَاءً وَإِنْ طَرَأَ عَلَى الصَّيْدِ اخْتُلِفَ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْمَاءُ مَعَ التَّيَمُّمِ وَعَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي رَدِّ الْفُرُوعِ إِلَى أَقْرَبِ الْأُصُولِ إِلَيْهَا فَيَعْتَمِدَ عَلَيْهِ. التَّاسِعُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لَوْ وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ مَاءً فَتَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى أَوْ لَمْ يُصَلِّ ثُمَّ عَلِمَ بِنَجَاسَتِهِ قَالَ سَحْنُونُ لَا يَنْتَقِضُ تَيَمُّمُهُ قَالَ وَيُرِيد بِالنَّجسِ غَيْرَ الْمُتَيَقَّنِ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِعَدَمِ اتِّصَالِ تَيَمُّمِهِ بِصَلَاتِهِ. الْعَاشِرُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِذَا أَصَابَ الْمُتَيَمِّمَ بَوْلٌ وَلَا مَاءَ مَعَهُ مَسَحَهُ بِالتُّرَابِ وَأَعَادَ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّهُ يزِيل الْعين.
стр. 361
صفحه فارغه
стр. 362
(الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْحَيْضِ)
وَلْنُقَدِّمِ الْكَلَامَ عَلَى لَفْظِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَسَبَبِهِ ثُمَّ الْكَلَامَ عَلَى فِقْهِهِ أَمَّا لَفْظُهُ فَحَكَى صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ حَاضَتِ السَّمُرَةُ إِذَا خَرَجَ مِنْهَا مَاءٌ أَحْمَرُ فَشَبَّهَ دَمَ الْحَيْضِ بِهِ. وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْحَيْضَ وَالْمَحِيضَ مُجْتَمَعُ الدَّمِ وَمِنْهُ الْحَوْضُ لِاجْتِمَاعِ الْمَاءِ فِيهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْحَوْضَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ وَالْحَيْضَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ وَلِذَلِكَ جَعَلَهُمَا صَاحِبُ الصِّحَاحِ فِي بَابَيْنِ وَتَقُولُ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا فَهِيَ حَائِضٌ وَحَائِضَةٌ وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ إِنْ أَرَدْتَ الْحَالَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ وَالصِّفَةَ الْمُعْتَادَةَ قُلْتَ حَائِضٌ وَطَاهِرٌ وَطَالِقٌ وَإِنْ أَرَدْتَ الْحَالَةَ الْحَاضِرَةَ قُلْتَ حَائِضَةٌ وَطَاهِرَةٌ وَطَالِقَةٌ وَالْحَيْضَةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَلَوْ دَفْعَةً بِفَتْحِ الْحَاءِ وَلَكِنَّ اصْطِلَاحَ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهَا الْمُدَّةُ الَّتِي تَعْتَدُّ بِهَا مِنْ زَمَانِ الْحَيْضِ فِي الْعَدَدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَالْحِيضَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ الِاسْمُ وَالْخِرْقَةُ الَّتِي تَسْتَثْفِرُ بِهَا وَكَذَلِكَ الْمَحِيضَةُ. وَالْحَيْضُ وَالطُّهْرُ يُسمى كل وَاحِد مِنْهَا قُرْءًا وَقُرْءًا بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِهَا
стр. 363
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ قِيلَ الْإِطْلَاقُ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ وَقِيلَ مُتَوَاطِئٌ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَرَكِ فَقِيلَ اجْتِمَاعُ الدَّمِ فِي الْجَسَدِ زَمَانَ الطُّهْرِ أَوْ فِي الرَّحِمِ زَمَانَ الْحَيْضِ فَإِنَّ أَصْلَ الْقُرْءِ الْجَمْعُ وَمِنْهُ قَرَأْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إِذَا جَمَعْتُهُ وَمِنْهُ الْقِرَاءَةُ لِلْكُتُبِ فَإِنَّهُ جَمْعُ حَرْفٍ إِلَى حَرْفٍ وَكَلِمَةٍ إِلَى كَلِمَةٍ وَقِيلَ الْمُشْتَرَكُ الزَّمَانُ لِقَوْلِهِمْ جَاءَ فُلَانٌ لِقُرْئِهِ أَيْ لِزَمَانِهِ وَلَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَمَانٌ يَخُصُّهُ قِيلَ لَهُ قُرْءٌ وَتَقُولُ الْعَرَبُ اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَمَرَّ دَمُهَا بَعْدَ أَيَّامِهِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ وَتَحَيَّضَتْ أَيْ قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا وَفِي الْحَدِيثِ
تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا
وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ فَهُوَ غُسَالَةُ الْجَسَدِ وَفَضَلَاتِ الْأَغْذِيَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلْبَقَاءِ وَلِذَلِكَ عَظُمَ نَتَنُهُ وَقَبُحَ لَوْنُهُ وَاشْتَدَّ لَذْعُهُ وَامْتَازَ عَلَى دَمِ الْجَسَدِ وَكَذَلِكَ عَلَى الَّذِي مِنْهُ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﵊ ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضَةٍ أَيْ عِرْقٌ انْشَقَّ فَخَرَجَ مِنْهُ دَمُ الْجَسَدِ وَلَيْسَ بِغُسَالَةٍ فَيَجْتَمِعُ ذَلِكَ مِنَ الْوَقْتِ إِلَى الْوَقْتِ ثُمَّ يَنْدَفِعُ فِي عُرُوقِ الدَّمِ فَيَخْرُجُ مِنْ فُوَّهَاتِهَا إِلَى تَجْوِيفِ الرَّحِمِ فَيَجْتَمِعُ هُنَاكَ ثُمَّ يَنْدَفِعُ فِي عُنُقِ الرَّحِمِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْوَطْءِ وَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الْأَرْحَامِ وَحِفْظًا لِلْأَنْسَابِ. وَأَمَّا سَبَبُهُ فَقِيلَ لَمَّا أَعَانَتْ حَوَّاءُ آدَمَ عَلَى الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا هَذَا الدَّمَ عُقُوبَةً لَهَا يُبْعِدُهَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهَا حَالَةَ مُلَابَسَتِهِ لَهَا وَأَقَرَّ ذَلِكَ فِي بَنَاتِهَا وَقِيلَ أَوَّلُ مَا امْتُحِنَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ. وَأَمَّا فِقْهُهُ فَنُمَهِّدُ لَهُ بِالنَّظَرِ فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَأَقْسَامِ الْحَيْضِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَدَمِ النِّفَاسِ فَهَذِهِ أَرْبَعَة فُصُول.
стр. 364
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ
وَأَقَلُّ الْحَيْضِ غَيْرُ مَحْدُودٍ بَلِ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضٌ سَوَاءٌ كَانَتَا فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ خِلَافًا لِمَكْحُولٍ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إِلَيْهَا بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ وَالدِّرَجَةُ بِكَسْرِ الدَّالِّ وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ دُرْجَةٍ بِضَمِّ الدَّالِّ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْخِرْقَةُ وَالْكُرْسُفُ الْقُطْنُ وَهُوَ أليق بالرحم اللينه وَتَجْفِيفِهِ لِمَا يَجِدُهُ وَصَفَائِهِ. وَالدَّفْعَةُ مِنَ الدَّمِ حيض خلافًا لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أَنَّهُمَا لَا يُعِدَّانِ حَيْضًا إِلَّا مَا كَانَ يَعْتَدُّ بِهِ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فَحَدَّدَهُ أَبُو حنيفَة وَابْن مسلمة بِثَلَاثَة أَيَّام وَالشَّافِعِيّ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَفِي التَّفْرِيعِ أَقَلُّ الْحَيْضِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ فِي الْعِدَدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ الْمَازِرِيُّ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَفِي الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَتَسْأَلُ عَنْهُ النِّسَاءَ فَإِنْ قُلْنَ يَقَعُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ اسْتَبْرَأَتْ بِهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ تَفْرِقَةُ مَالِكٍ بَيْنَ الْعَدَدِ وَالصَّلَاةِ اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ فَتَكُونُ الدَّفْعَةُ تَحْرُمُ بِهَا الصَّلَاةُ وَتَنْقَضِي بِهَا الْعِدَّةُ فَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَبَعْضِ يَوْمٍ. وَالْمَعْرُوفُ مِنَ الْمَذْهَبِ التَّفْرِقَةُ لِقَوْلِهِ ﵇
دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا رَأَيْتِ ذَلِكَ فَاتْرُكِي الصَّلَاة
وَقَوله تَعَالَى ﴿فل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ النِّفَاسِ غَيْرُ مَحْدُود فَكَذَلِك
стр. 365
فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ قَالَ فِي التَّلْقِينِ يَمْنَعَانِ أَحَدَ عَشَرَ حُكْمًا وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَصِحَّةَ فِعْلِهَا وَفِعْلَ الصَّوْمِ دُونَ وُجُوبِهِ وَالْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ وَمَا دُونَهُ وَالْعِدَّةُ وَالطَّلَاقُ وَالطَّوَافُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ وَالِاعْتِكَافُ وَفِي الْقِرَاءَةِ رِوَايَتَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَبِالْإِجْمَاعِ فَرْعٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لَوْ بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ رَكْعَةٌ فَابْتَدَأَتْ تُصَلِّي الْعَصْرَ فَلَمَّا فَرَغَتِ الرَّكْعَةُ غَابَتِ الشَّمْسُ وَحَاضَتْ قَالَ سَحْنُونُ تَقْضِيهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَحِضْ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا كَمَا لَوْ لَمْ تُصَلِّهَا وَقَالَ أَصْبَغُ لَا تَقْضِيهَا لِأَنَّ مَا تَوَقَّعَهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَوْ كَانَ زَمَنَ أَدَاءٍ لَكَانَتْ مَنْ إِذَا حَاضَتْ فِيهِ وَلَمْ تُصَلِّ الْعَصْرَ يَسْقُطُ عَنْهَا وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمَعْنَاهُ فَقَدْ أَدْرَكَ وَجُوبَهَا لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُصَلِّيهَا فَلَا يَكُونُ أَدَاءً وَخَبَرُ الشَّرْعِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا. وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ وُجُوبُ الصَّوْمِ قَالَ الْمَازِرِيُّ أَنْكَرَهُ عَلَى الْقَاضِي جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوَاجِبِ مَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ وَالْحَائِض لَا تعاقب على الصَّوْمِ وَالشَّيْءُ لَا يُوجَدُ بِدُونِ حَقِيقَتِهِ وَحْدَهُ فَلَا يَكُونُ الصَّوْمُ وَاجِبًا وَهُوَ مُحَرَّمٌ وَوَافَقَ الْقَاضِيَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الطَّاهِرِ وَجَمَاعَةٌ شُبْهَتُهُمْ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحَائِضَ تَنْوِي الْقَضَاءَ إِجْمَاعًا وَالْقَضَاءُ فَرْعُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ. الثَّانِي لَوْ كَانَ الصَّوْمُ لَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ لَكَانَ وُجُوبُهُ مُنْشَأً فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا احْتَاجَتْ إِلَى إِضَافَتِهِ لِرَمَضَانَ السَّابِقِ. وَجَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَضَاءَ فَرْعُ تَحَقُّقِ سَبَبِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا الْأَدَاءِ وَالسَّبَبُ مُتَحَقِّقٌ فِي حَقِّهَا وَهُوَ رُؤْيَة الْهلَال.
стр. 366
وَجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ الْحَاجَةَ لِإِضَافَتِهِ لِمَا سَبَقَ لَتَعَيَّنَ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ فَإِنَّ الْوُجُوبَ يَثْبُتُ حَالَةَ الطُّهْرِ مُضَافًا لِذَلِكَ السَّبَبِ وَمَقْصُودُ النِّيَّةِ تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنِ الْعَادَاتِ أَوْ تَمْيِيزُ مَرَاتِبِ الْعِبَادَاتِ وَلَا تَمْيِيزَ لِهَذَا الصَّوْمِ إِلَّا بِسَبَبِهِ فَوَجَبَتْ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ كَمَا تُضَافُ الصَّلَوَاتُ إِلَى أَسْبَابِهَا. وَأَمَّا الْوَطْءُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فَحَرُمَ وَنَبَّهَ عَلَى سَبَبِ الْمَنْعِ وَهُوَ الْأَذَى وَهَذَا الظَّاهِرُ يَقْتَضِي اعْتِزَالَهُنَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا سِيَّمَا إِذَا قُلْنَا فِي الْمَحِيضِ اسْمُ زَمَانِ الْحَيْضِ فَإِنَّ هَذَا الْبِنَاءَ يَصْلُحُ لِلْمَصْدَرِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي اقْتِصَارَ تَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ لِلْفَرْجِ فَقَطْ لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْمَحِيضَ اسْمُ مَكَانِ الْحَيْضِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَابْنِ حَبِيبٍ وَلَوْلَا السُّنَّةُ لَكَانَ النَّظَرُ مَعَهُمَا لِأَنَّ النُّصُوصَ تَتَّسِعُ عِلَلُهَا. وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ جَمَعَ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَفِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ َ - فَتَأْتَزِرُ بِإِزَارٍ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵇ كَانَ ﷺ َ - يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ يَبْلُغُ أَنْصَافَ الْفَخِذَيْنِ أَوِ الرُّكْبَتَيْنِ. فَائِدَتَانِ: الْأُولَى سَبَبُ سُؤَالِهِمْ لَهُ حَتَّى نزل قَوْله تَعَالَى ﴿ويسئلونك عَن الْمَحِيض﴾ فَقِيلَ كَانُوا يَعْتَزِلُونَ مَوَاضِعَ الْحُيَّضِ كَالْيَهُودِ فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْحَرَامَ الْجِمَاع بقوله تَعَالَى ﴿فِي الْمَحِيض﴾ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآيَةِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا تطهرن فأتوهن﴾ وَالْمُرَادُ بِالْإِتْيَانِ الْوَطْءُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَمْنُوع مِنْهُ هُوَ الْوَطْء وَأَنه هُوَ المغيا بِحَتَّى لِيَلْتَئِمَ السِّيَاقُ وَثَانِيهِمَا أَنَّا نَحْمِلُ الْمَحِيضَ عَلَى اسْمِ مَكَانِ الْحَيْضِ وَقِيلَ سَأَلُوا لِأَنَّهُمْ يجتنبون
стр. 367
الْحُيَّضَ فِي الْقُبُلِ وَيَأْتُونَهُنَّ فِي الدُّبُرِ فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالِاعْتِزَالِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَبَاحَ بَعْدَ الطُّهْرِ الْقُبُلَ فَقَطْ بِقَوْلِهِ ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ . الثَّانِيَةُ لَيْسَ عَلَى وَاطِئِ الْحَائِضِ كَفَّارَةٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ لَوَازِمِ التَّحْرِيمِ بِدَلِيلِ الْغَصْبِ وَالْغَيْبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ دَلِيل يقررها وَلم يُوجد فيقرر. وَقَالَ الشَّافِعِي وَابْنُ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٌ يُكَفِّرُ وَأَوْجَبَ الْحَسَنُ كَفَّارَةَ رَمَضَان وَأحمد يُخبرهُ بَيْنَ دِينَارٍ وَنِصْفِ دِينَارٍ وَقَتَادَةُ يُوجِبُ بِإِصَابَتِهِ فِي الدَّمِ دِينَارَيْنِ وَبَعْدَ انْقِطَاعِهِ نِصْفَ دِينَارٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ يُوجِبُ إِنْ أَصَابَهَا أَوَّلَ الدَّمِ دِينَارًا وَفِي آخِرِهِ نِصْفَ دِينَارٍ وَلَعَلَّ هَذِهِ الْأُمُور مِنْهُم اسْتِحْسَانٌ لِدَفْعِ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ فَرْعٌ فِي الْجَوَاهِرِ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ خلافًا للأبي حنيفَة فِي إِبَاحَتِهِ ذَلِكَ إِذَا انْقَضَى أَكْثَرُ الْحَيْضِ وَهُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عِنْدَهُ أَوْ وُجِدَ مَعْنًى يُنَافِي حُكْمَ الْحَيْضِ مِثْلَ حُضُورِ آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِآخِرِ الْوَقْتِ أَوْ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ وَوَافَقَهُ ابْنُ بُكَيْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْإِبَاحَةِ. لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يطهرن فَإِذا تطهرن فأتوهن﴾ فَاشْتَرَطَ انْقِطَاعَ الدَّمِ وَالْغُسْلَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْغُسْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التوابين وَيُحب المتطهرين﴾ مَدْحًا وَحَثًّا عَلَى التَّطْهِيرِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُكْتَسَبٌ وَانْقِطَاعُ الدَّمِ لَيْسَ بِمُكْتَسَبٍ. وَأَمَّا قَول أبي حنيفَة إِنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ الدَّمُ فَيَزُولُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ فَيُشْكِلُ عَلَيْهِ بِانْقِطَاعِهِ قَبْلَ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ فَلَوْ تييمت عَلَى مَذْهَبِنَا فَفِي جَوَازِ وَطْئِهَا بَعْدَ أَيَّامِ الدَّمِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَمْ لَا.
стр. 368
فرع فِي الْكتاب يجْبر الْمُسلم زَوجته الذِّمِّيَّة عَلَى غُسْلِ الْحَيْضِ دُونَ الْجَنَابَةِ لِأَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَغْسِلَ وَعَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْكِتَابِ لَا يُجْبِرُهَا لِأَنَّ الْغُسْلَ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ هُوَ الْغُسْلُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ مِنْهَا لِأَنَّهَا لَا تَنْوِي الْوُجُوبَ قِيلَ هُوَ يَنْوِي عَنْهَا فَقِيلَ كَيْفَ يَنْوِي الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ قِيلَ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ يَنْوِي غَيْرُ الْمَغْسُولِ. أُجِيبَ بِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فِعْلُ النَّاوِي فَلِذَلِكَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فَإِنَّ نِيَّةَ الْإِنْسَانِ إِنَّمَا تُخَصِّصُ فِعْلَهُ دُونَ فِعْلِ غُسْلِ غَيْرِهِ وَغُسْلُ الذِّمِّيَّةِ لَيْسَ فِعْلَ الزَّوْجِ فَنِّيَّتُهُ لَهُ كَنِيَّتِهِ لِصَلَاةِ غَيْرِهِ وَأَمَّا غُسْلُ الْمَيِّتِ فَفِعْلُ النَّاوِي فَظَهَرَ الْفَرْقُ وَعُلِمَ أَنَّ الْمُمْكِنَ مِنَ الذِّمِّيَّةِ لَيْسَ هُوَ شَرْطَ الْوَطْءِ وَشَرْطُ الْوَطْءِ لَيْسَ مُمْكِنًا مِنْهَا حَالَةَ الْكُفْرِ وَفِي هَذَا الْمَقَامِ اضْطَرَبَتْ آرَاءُ الْأَصْحَابِ وَتَزَلْزَلَتْ عَلَيْهِمُ الْقَوَاعِدُ فَرَأَوْا أَنَّ أَحَدَ الْإِشْكَالَيْنِ لَازِمٌ إِمَّا إِبَاحَةُ الْوَطْءِ بِدُونِ شَرْطِهِ أَو اعْتِقَاد مَا لَيْسَ بِشَرْطٍ شَرْطًا وَكَشْفُ الْغِطَاءِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَقُولَ: قَاعِدَةٌ خِطَابُ الشَّرْعِ قِسْمَانِ خِطَابُ وَضْعٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى عِلْمِ الْمُكَلَّفِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَلَا إِرَادَتِهِ وَلَا نِيَّتِهِ وَهُوَ الْخِطَابُ بِالْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَخِطَابُ تَكْلِيفٍ يَفْتَقِرُ إِلَى ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي مُقَدّمَة الْكتاب وَالْغسْل من الْحيض مِنَ الْحَيْضِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى خِطَابَانِ خِطَابُ وَضْعٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ شَرْطٌ وَخِطَابُ تَكْلِيفٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْخِطَابُ الثَّانِي هُوَ الْمُحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ فَعَدَمُ النِّيَّةِ يَقْدَحُ فِيهِ دُونَ الْأَوَّلِ فَيَبْطُلُ كَوْنُ هَذَا الْغُسْلِ عِبَادَةً وَيَبْقَى كَوْنُهُ شَرْطًا وَلَا يَلْزَمُ إِبَاحَةُ الْمُسْلِمَةِ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِأَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِخِلَافِ الذِّمِّيَّةِ وَكَانَ الْأَصْلُ إِبَاحَتَهَا خُولِفَ الدَّلِيلُ ثمت فَيبقى هَا هُنَا عَلَى مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ. وَأَمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ وَلِقَوْلِهِ ﵇ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إِلَّا طَاهِرٌ.
стр. 369
وَأَمَّا الْمَسْجِدُ فَلِقَوْلِهِ ﵇ لَا يَحِلُّ الْمَسْجِدُ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَأَجَازَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَقَالَ هُمَا طَاهِرَانِ وَإِنَّمَا يُخْشَى مِنْ دَمِ الْحَيْضِ. وَأَمَّا جَوَازُ الْقِرَاءَةِ فَلِمَا يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ وَالظَّاهِرُ اطِّلَاعُهُ ﵇ وَأَمَّا الْمَنْعُ فَقِيَاسًا عَلَى الْجُنُبِ وَالْفَرْقُ لِلْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَنَّ الْجَنَابَةَ مُكْتَسَبَةٌ وَزَمَانُهَا لَا يَطُولُ بِخِلَافِ الْحَيْضِ. فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ النُّكَتِ إِذَا وَقَعَ دَمُ الْحَيْضِ وَلَمْ تَغْتَسِلْ فَهِيَ كَالْجُنُبِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالْوُضُوءِ لِلنَّوْعِ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ أَمْرَهَا. الثَّانِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ قَبْلَ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا قَبْلَ وَقْتِ الْعَادَةِ إِنْ كَانَ حَيْضُهَا مِنَ الْأَمَامِ مَا يَمْنَعُ الْإِصَابَةَ جُعِلَ حَيْضًا وَإِلَّا كَانَ حَيْضَةً وَاحِدَةً قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَفِي الْقَدْرِ الْمَانِعِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا مَا فِي الْكِتَابِ مِنَ الْإِحَالَةِ عَلَى الْعُرْفِ وَالْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ. الثَّالِثُ إِذَا انْقَطَعَتِ الْحَيْضَةُ فَحَاضَتْ يَوْمًا وَطَهُرَتْ يَوْمًا قَالَ فِي الْكتاب تلْغي أَيَّام النَّقَاء خلافًا لأبي ح فَإِذَا كَمُلَ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ قَالَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ تُلَفِّقُ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ أَيَّامَهَا وَتَسْتَطْهِرُ بِثَلَاثٍ وَالْأَيَّامُ الَّتِي تُلْغَى هِيَ فِيهَا طَاهِرٌ تُصَلِّي وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ إِذْ لَعَلَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا وَلَا تَكُونُ حَائِضًا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَتَيَقَّنَ دَمَ الْحَيْضِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَسْتَطْهِرُ يَرِدُ إِذَا كَانَتْ دُونَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَفِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالِ الَّتِي تَأْتِي فِي الْمُعْتَادَةِ إِذَا جَاوَزَ دَمُهَا عَادَتَهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً فَخَالَفَ فِيهِ ابْنُ مَسْلَمَةَ عَلَى تَفْصِيلٍ فَإِنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِذا مضى
стр. 370
مِنَ الْأَيَّامِ أَكْثَرُ الْحَيْضِ وَأَقَلُّ الطُّهْرِ كَانَ الْآتِي بَعْدَ ذَلِكَ حَيْضًا تَامًّا وَتُلَفِّقُ أَيَّامَ الطُّهْرِ كَمَا يُلَفِّقُ الْحُيَّضُ فَإِذَا كَانَ الْحَيْضُ يَوْمًا بِيَوْمٍ لَفَّقَتْ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ خَمْسَةَ عشر يَوْم وَلَا تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً وَإِنْ كَانَ الْحَيْضُ يَوْمًا وَالطُّهْرُ يَوْمَيْنِ لَمْ تُلَفِّقْ أَيَّامَ الْحَيْضِ وَإِلَّا فَقَدْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ فَتَكُونُ مُسْتَحَاضَةً. وَضَابِطُهُ أَنَّ أَيَّامَ الدَّمِ إِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَيَّامِ الطُّهْرِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَحِيضُ أَكْثَرَ مِنْ زَمَنِ طُهْرِهَا وَإِنْ كَانَ زَمَنُ الطُّهْرِ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا فَهِيَ عِنْدَهُ حَائِضٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ الدَّمِ وَطَاهِرٌ فِي أَيَّامِ الِانْقِطَاعِ وَالْمَذْهَبُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ إِذَا يُعْلَمُ أَنَّ الدَّمَ الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ حَيْضَةٌ فَالْأَيَّامُ الْمُتَخَلِّلَةُ لَيْسَتْ فَاصِلَةً بَيْنَ حَيْضَيْنِ فَلَا يكون طهرا. حجَّة أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَنَّ حَدَّ الطُّهْرِ غَيْرُ مَوْجُود هَا هُنَا فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْمَحْدُودِ فَلَا يَكُونُ يَوْمُ النَّقَاءِ طُهْرًا فَيَكُونُ حَيْضًا إِذْ لَا وَاسِطَةَ. جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الطُّهْرَ مَحْدُودٌ بِحَسَبِ الْعدَد لَا بِحَسب الْعِبَادَة وَثَانِيهمَا أَن أَبَا حنيفَة قَدْ يُجَوِّزُ وَطْأَهَا فِي يَوْمِ النَّقَاءِ إِذَا اغْتَسَلَتْ أَوْ تَيَمَّمَتْ وَذَلِكَ دَلِيلُ الطُّهْرِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ فَلِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ إِذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. فَرْعَانِ مُرَتَّبَانِ. الْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ فِي الْيَوْمِ وَلَوْ سَاعَةً حَسِبَتْهُ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ وَإِنِ اغْتَسَلَتْ فِي بَاقِيهِ وَصَلَّتْ. الثَّانِي لَوْ طَلَّقَهَا فِي إِبَّانِ النَّقَاءِ قَالَ التُّونِسِيُّ مُخَيَّرٌ عَلَى رَجَعْتِهَا وَفِي النُّكَتِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ لَا يُخَيَّرُ لِأَنَّهُ زَمَانٌ يَجُوزُ الْوَطْءُ فِيهِ وَالْأول أظهر لقَوْله تَعَالَى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أَيْ لِاسْتِقْبَالِهَا وَهَذِهِ لَا تَسْتَقْبِلُ عِدَّتَهَا.
стр. 371
الرَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ عَلَامَةُ الطُّهْرِ الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ إِنْ كَانَتْ تَرَاهَا وَإِلَّا فَالْجُفُوفُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهِيَ أَنْ تُدْخِلَ الْخِرْقَةَ جَافَّةً فَتَخْرُجُ جَافَّةً كَذَلِكَ. وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْقَصِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَهُوَ الْجِيرُ وَمِنْه نَهْيه ﷺ َ - عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهَا تُشْبِهُ الْبَوْلَ وَرَوَى أَنَّهَا تُشْبِهُ الْمَنِيَّ وَلَعَلَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ فِي النِّسَاءِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهَا إِنْ رَأَتِ الْجُفُوفَ وَعَادَتُهَا الْقَصَّةُ فَلَا تُصَلِّي حَتَّى تَرَاهَا إِلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ قَالَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الطُّولُ خَوْفُ فَوَاتِ الصَّلَاةِ وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ الِاخْتِيَارِيُّ أَوْ هُوَ الضَّرُورِيُّ قَالَ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا لَا تَنْتَظِرُ زَوَالَ الْقَصَّةِ بَلْ تَغْتَسِلُ إِذَا رَأَتْهَا لِأَنَّهَا عَلَامَةُ الطُّهْرِ قَالَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ عَادَتُهَا الْجُفُوفُ لَا تَطْهُرُ بِالْقَصَّةِ وَمَنْ عَادَتُهَا الْقَصَّةُ تَطْهُرُ بِالْجُفُوفِ لِأَنَّ الْحَيْضَ دَمٌ ثُمَّ صُفْرَةٌ ثُمَّ تَرِيَّةٌ ثُمَّ كُدْرَةٌ ثُمَّ قَصَّةٌ ثُمَّ جَفَافٌ قَالَ ابْن شاش قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَامَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي حَقِّ مَنِ اعْتَادَتْهَا فَيَكُونُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَيَدُلُّ لِلْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ الْقَصَّةَ أَبْلَغُ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِدَاخِلِ الرَّحِمِ وَالْخِرْقَةُ لَا تَصِلُ إِلَى ذَلِكَ وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ لَا تعجلين حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَطْهُرُ حَتَّى تَرَى الْجَفَافَ ثُمَّ تَجْرِي بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ عَادَتِهَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَيَتَخَرَّجُ فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَا تَغْتَسِلُ حَتَّى تَرَى الْقَصَّةَ لِأَنَّهَا أَبْلَغُ وَالثَّانِي أَنَّهَا تَنْتَظِرُ عَادَةَ أَقَارِبِهَا مِنْ أَهْلِهَا فَإِنْ رَأَتْ عَادَتَهُنَّ اتَّبَعَتْهَا وَإِلَّا كَانَتْ عَلَى حُكْمَيْنِ إِذَا رَأَتْ خِلَافَ عَادَتِهِنَّ فَإِنِ اخْتَلَفَ أَقَارِبُهَا فَأَخَوَاتُهَا أَقْرَبُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأُمُّهَا وَخَالَاتُهَا أَقْرَبُ مِنْ عَمَّاتِهَا. فُرُوعٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ ثُمَّ رَأَتْ قَطْرَةَ دَمٍ أَوْ غُسَالَتَهُ لَمْ تُعِدِ الْغسْل وتتوضا وَهَذِه تسمى التربة بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ
стр. 372
الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂
كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا وَفِي الْكِتَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ لَا تُصَلِّي مَا دَامَتْ تَرَى التِّرِيَّةَ شَيْئًا مِنْ حَيْضٍ أَوْ حَمْلٍ لِأَنَّهُ دَمٌ مِنَ الرَّحِمِ وَقِيَاسًا عَلَى مَا إِذَا تَمَادَى يَوْمًا وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَعُدُّهُمَا طُهْرًا. الثَّانِي قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ خَرَجَتِ الْخِرْقَةُ بِالدَّمِ وَحَشَتْ غَيْرَهَا ثُمَّ أَخْرَجَتْهَا آخِرَ النَّهَارِ جَافَّةً كَانَتْ طَاهِرًا مِنْ قَبْلِ هَذَا الْحَشْوِ بِخِلَافِ مَا إِذَا رَأَتْ فِي الْحَشْوِ الثَّانِي الْقَصَّةَ فَإِنَّهَا تَكُونُ طَاهِرًا مِنْ حِينِ خُرُوجِهَا لِأَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الدَّمِ كَالصَّدِيدِ ثُمَّ عَلَيْهَا اعْتِبَارُ حَالِ خُرُوجِهَا فَإِنْ تَيَقَّنَتْهُ وَإِلَّا عَمِلَتْ بِالْأَحْوَطِ. الثَّالِثُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَقُومَ قَبْلَ الْفَجْرِ لِتَنْظُرَ طُهْرَهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَصَابِيحُ قَالَ وَالْقِيَاسُ ذَلِكَ لَكِنَّ الْعَمَلَ أَسْقَطَهُ فَتَعْتَبِرُهُ عِنْدَ إِرَادَةِ النَّوْمِ فَإِنِ اسْتَيْقَظَتْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهِيَ طَاهِرٌ وَحَزَرَتْ تَقَدُّمَهُ مِنَ اللَّيْلِ عَمِلَتْ عَلَى مَا قَامَتْ عَلَيْهِ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ حَتَّى تَتَيَقَّنَ الطُّهْرَ وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَيْضًا أَنْ تَنْظُرَ عِنْدَ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فِي أَوَائِلِهَا وُجُوبًا مُوَسَّعًا وَفِي أَوَاخِرِهَا وُجُوبًا مُضَيَّقًا بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ وَرَوَى صَاحِبُ الْمُنْتَقَى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ إِنْكَارَ قِيَامِ النِّسَاءِ بِالْمَصَابِيحِ بِاللَّيْلِ فَيَتَفَقَّدْنَ الطُّهْرَ وَقَالَتْ لَمْ يَكُنِ النِّسَاءُ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ وَهِيَ أَكْثَرُ عِلْمًا وَدِينًا
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْحُيَّضِ
وَهُنَّ سِتٌّ: الْأُولَى الْمُبْتَدَأَةُ إِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِعَادَةِ لِدَاتِهَا أَوْ دُونِهَا طَهُرَتْ وَإِنْ زَادَ فَثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فَفِي الْكِتَابِ تَمْكُثُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَرِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ تَغْتَسِلُ مَكَانَهَا
стр. 373
وَرِوَايَة ابْن وهب تستظهر وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ عَلَى غَالِبِ الْحُيَّضِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا فَمُسْتَحَاضَةٌ. حُجَّةُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﵇ تَتْرُكُ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ نِصْفَ دَهْرِهَا وَهَذَا لَا يُفْهَمُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ تَحِيضُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ نِصْفَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ قَدْ تَكُونُ عَادَةً فَهِيَ زَمَانُ حَيْضٍ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ دَمِهَا حَيْضٌ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ الِاسْتِظْهَارِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ رَوَى الْمَدَنِيُّونَ وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ قَوْلَهُ ﵊ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ اقْعُدِي أَيَّامَكِ الَّتِي كُنْتِ تَقْعُدِينَ وَاسْتَظْهِرِي بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الْجَسَدِ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَتَسْتَظْهِرُ لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَصْلُهُ لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ وَلِأَنَّ الدَّمَ لَمَّا كَانَ فَضْلَةَ الْغِذَاءِ وَغُسَالَةَ الْجَسَدِ فَلِذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْبَدَنِ مِنَ الدَّعَةِ وَالْغِذَاءِ وَالْأَحْوَالِ النَّفْسَانِيَّةِ فَكَانَ الِاسْتِظْهَارُ فِيهِ مُتَعَيَّنًا. وَوَجْهُ عَدَمِ الِاسْتِظْهَارِ أَنَّ إِلْحَاقَهَا بِأَقْرَانِهَا أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ كَدَمِ الِاسْتِظْهَارِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُعْتَادَة. تمسك الشَّافِعِي بِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ قَالَتْ حَمْنَةُ بنت جحش كنت أسحاض حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵇ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ قَالَ أَنْعِتُ لَكِ الْكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ قَالَتْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ اتَّخِذِي ثَوْبًا قَالَتْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا أَثِجُّ ثَجًّا قَالَ سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْتِ أَجْزَأَ عَنِ الْآخَرِ وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَيْتِ فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِيكِ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ حِينَ تَحِيضُ النِّسَاءُ فِي مِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ وَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ
стр. 374
تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ وَتُصَلِّينَ فَافْعَلِي وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا أَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُقَالُ إِنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ مُبْتَدَئَةً وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ
سِتًّا أَوْ سَبْعًا اعْتِبَارًا بَلِدَاتِهَا إِنْ كُنَّ يَحِضْنَ سِتًّا فَسِتًّا أَوْ سَبْعًا فَسَبْعًا قَالَ وَقِيلَ كَانَتْ لَهَا عَادَةً فَنَسِيَتْهَا هَلْ هِيَ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ فَأَمَرَهَا أَنْ تَجْتَهِدَ فِي عَادَتِهَا وَلِهَذَا قَالَ
فِي عِلْمِ اللَّهِ أَيْ مَا عَلِمَهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ
مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَصْلُ الرَّكْضِ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ وَجَدَ بِتِلْكَ سَبِيلًا لِلتَّشْكِيكِ عَلَيْهَا وَأَمَرَهَا بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ وَجَمْعِهَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ هُوَ الْأَصْلُ فِي جَمْعِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَصَاحِبِ السَّلَسِ فَائِدَةٌ اللِّدَاتُ بِكَسْرِ اللَّامِ جَمْعُ لِدَةٍ وَهِيَ الَّتِي وُلِدَتْ مَعَهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ التَّرْبُ الَّذِي خَرَجَ مَعَ الْإِنْسَانِ إِلَى التُّرَابِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَجَمْعُهُ أَتْرَابٌ. الثَّانِيَةُ الصَّغِيرَةُ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَنَحْوِهَا فَدَمُهَا لَيْسَ بِحَيْضٍ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَيَرْجِعُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَا يَقُولُهُ النِّسَاءُ فَإِن شككن أخذن بالأحوط. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَة قَالَ الشَّافِعِي رَأَيْتُ جَدَّةً بِالْيَمَنِ بِنْتَ عِشْرِينَ سَنَةً. الثَّالِثَةُ الْآيِسَةُ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُسْأَلُ عَنْهَا النِّسَاءُ فَإِنْ قُلْنَ إِنَّ مِثْلَهَا تَحِيضُ كَانَ حَيْضًا وَإِنْ قُلْنَ مِثْلُهَا لَا تَحِيضُ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي وَلَا يَكُونُ حَيْضًا وَلَا تَغْتَسِلُ لَهُ وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كَانَ حَيْضًا. قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَالْآيِسَةُ بِنْتُ السَّبْعِينَ وَالثَّمَانِينَ وَبِنْتُ الْخَمْسِينَ عِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ. حُجَّتُهُ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ بِنْتُ الْخَمْسِينَ عَجُوزٌ فِي الْغَابِرِينَ وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ إِنِ امْرَأَةٌ تُجَاوِزُ الْخَمْسِينَ فَتَحِيضُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ قرشية.
стр. 375
الرَّابِعَةُ الْمُعْتَادَةُ فَإِنْ نَقَصَ دَمُهَا مِنْ عَادَتِهَا أَوْ تَسَاوَى طَهُرَتْ وَإِنْ زَادَ فَخَمْسَةُ أَقْوَالٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الَّذِي كَانَ يَقُولُهُ مَالِكٌ طُولَ عُمُرِهِ إِنَّهَا تَقْعُدُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إِلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الِاسْتِظْهَارِ. قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ مَالِكٌ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَبِهِ يَقُولُ الْمَدَنِيُّونَ وَابْنُ مَسْلَمَةَ وَبِالثَّانِي قَالَ الْمِصْرِيُّونَ. الثَّالِثُ تَقْتَصِرُ عَلَى الْعَادَةِ وَهُوَ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة. الرَّابِع لأبي الجهم الاجتياط فِيمَا بَعْدَ الثَّلَاثِ فَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَلَا تُوطَأُ ثُمَّ تُعِيدُ الْغُسْلَ وَتُعِيدُ الصَّوْمَ. الْخَامِسُ لِلْمُغِيرَةِ وَأَبِي مُصْعَبٍ الِاحْتِيَاطُ مِنْ حِينِ مُفَارَقَةِ الْعَادَةِ وَلَا تُعِيدُ الْغُسْلَ إِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ فَوْقَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِأَنَّ الْغَيْبَ كَشَفَ أَنَّهُ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ وَالسَّابِقُ يَقُولُ لَعَلَّهُ حَصَلَ دَمُ حَيْضٍ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الدَّمِ. سُؤَالٌ الصَّلَاةُ مِنَ الْحَائِضِ حَرَامٌ وَمِنَ الطَّاهِرِ وَاجِبَةٌ وَالْقَاعِدَةُ مَتَى تَعَارَضَ الْمُحَرَّمُ وَالْوَاجِبُ قُدِّمَ الْحَرَامُ تَرْجِيحًا لِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَغْلِيبًا لجَانب الأَصْل فَكَانَ الِاحْتِيَاط هَهُنَا تَرْكَ الْعِبَادَةِ. جَوَابُهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الصَّلَاةِ مَشْرُوطٌ بِالْعِلْمِ بِالْحَيْضِ وَهُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ فَانْتَفَى التَّحْرِيمُ جزما. حجَّة الأول الحَدِيث الْمُتَقَدّم فِي المبتدئة. حُجَّةُ الثَّانِي حَدِيثُ الِاسْتِظْهَارِ. حُجَّةُ الثَّالِثِ أَنَّ الْغَالِبَ الْبَقَاءُ عَلَى الْعَوَائِدِ فَيَكُونُ الزَّائِدُ اسْتِحَاضَةً وَمَا فِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ فِي الْحَيْضَةِ يَتَمَادَى دَمُهَا
إِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ
стр. 376
دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي
وَصَلِّي وَهُوَ حُجَّةُ الِاسْتِظْهَارِ فَإِنَّ الْحَيْضَةَ قَدْ يَزِيدُ قَدْرُهَا وَقَدْ يَنْقُصُ. فُرُوعٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ إِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا تَسْتَظْهِرُ بِشَيْءٍ وَقَالَ فِي كتاب مُحَمَّد تسنظهر يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ شَطْرَ الْعُمر فِي سِيَاق الْمُبَالغَة فِي الذَّم فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْغَايَةُ وَالنِّهَايَةُ. الثَّانِي لَوْ تَأَخَّرَ الدَّمُ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ثُمَّ خَرَجَ فَزَادَ عَلَى قَدْرِهِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ لَا تَزِيدُ فِي الِاسْتِظْهَارِ عَلَى الثَّلَاثِ. الثَّالِثُ تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ قَالَهُ الْغَافِقِيُّ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾ وَاعْتبر أَبُو حنيفَة مَرَّتَيْنِ وَمِنْهُ الْعِيدُ. الْخَامِسَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ فَفِي الْكِتَابِ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَمَّنْ حَاضَتْ فِي شَهْرٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَفِي آخَرَ سِتَّةَ أَيَّامٍ وَفِي آخَرَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ كَمْ تَجْعَلُ عَادَتَهَا قَالَ لَا أَحْفَظُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَلَكِنَّهَا تَسْتَظْهِرُ عَلَى أَكْثَرِ أَيَّامِهَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تَسْتَظْهِرُ عَلَى أَقَلِّ أَيَّامِهَا إِنْ كَانَتْ هِيَ الْأَخِيرَةَ لِأَنَّهَا الْمُسْتَقِرَّةُ وَيَقُولُ ابْنُ الْقَاسِمِ لَعَلَّ عَادَتَهَا الْأُولَى عَادَتْ إِلَيْهَا بِسَبَبِ زَوَالِ سُدَّةٍ مِنَ الْمَجَارِي. وَقَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ إِنَّهَا تَمْكُثُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِأَنَّ الْعَادَةَ قَدْ تَنْتَقِلُ. قَالَ وَيَتَخَرَّجُ فِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهَا لَا تَسْتَظْهِرُ بِشَيْءٍ على القَوْل يَنْفِي الِاسْتِظْهَارِ عُمُومًا. السَّادِسَةُ فِي الْجِلَابِ الْحَامِلُ تَحِيضُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ اللَّهَ
стр. 377
تَعَالَى جَعَلَ الدَّمَ دَلِيلَ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَلَوْ حَاضَتْ لَبَطَلَ الدَّلِيلُ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊
دَمُ الْحَيْضِ أَسُودُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ
فَمَحْمُولٌ عَلَى الْحَائِلِ. لَنَا مَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ إِنَّهَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إِجْمَاعًا وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ وَكَمَا جَازَ النِّفَاسُ مَعَ الْحَمْلِ إِذَا تَأَخَّرَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ فَكَذَلِكَ الْحَيْضُ وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ لما راقها وَجه رَسُول الله ﷺ لَو رآاك الشَّاعِرُ مَا قَالَ شِعْرَهُ إِلَّا فِيكَ وَهُوَ قَوْلُهُ:
(وَمُبَرَّأً مِنْ كُلٍّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ … وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءِ مُغِيلِ)
مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيْضَ إِذَا جَرَى عَلَى الْوَلَدِ فِي الرَّحِمِ أَكْسَبَهُ بِسَوَادِهِ غَبَرَةً فِي جِلْدِهِ فَيَكُونُ أَقْتَمَ عَدِيمَ الْوَضَاءَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ مُتَعَارَفٌ عِنْدَهُمْ وَأَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَهِيَ عَلَى سَبِيلِ الْغَالِبِ وَحَيْضُ الْحَامِلِ هُوَ الْقَلِيلُ وَالنَّادِرُ فَلَا يُنَاقِضُ دَلَالَةَ الْغَالِبِ. فُرُوعٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَقُلْ مَالِكٌ فِي الْحَامِلِ إِنَّهَا تَسْتَظْهِرُ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنِ اسْتَمَرَّ دَمُهَا عَلَى عَادَتِهَا قَبْلَ الْحَمْلِ وَزَادَ دَمُهَا فِي بَعْضِ الشُّهُورِ تَجْرِي فِيهَا الْخَمْسَةُ الْأَقْوَالُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْحَائِلِ وَإِنْ لَمْ تَسْتَمِرَّ عَلَى عَادَتِهَا فَإِمَّا أَنْ تَنْقَطِعَ أَوْ تَنْقُصَ أَوْ تَزِيدَ فَإِنِ انْقَطَعَتْ أَوْ نَقَصَتْ وَدَامَ ذَلِكَ حَيْضًا ثُمَّ أَتَاهَا الدَّمُ فَزَادَ عَلَى عَادَتِهَا الْأُولَى فَفِيهَا ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ الْخَمْسَةُ السَّابِقَةُ السَّادِسُ يُجْتَهَدُ لَهَا فِي ذَلِكَ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ أَوَّلُ الْحَمْلِ كَآخِرِهِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ إِلَّا الِاجْتِهَادُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنْ رَأَتْ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَنَحْوِهَا تَرَكَتِ الصَّلَاةَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَنَحْوَهَا وَفِي التَّفْرِيعِ إِلَى عِشْرِينَ يَوْمًا وَإِنْ جَاوَزَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَإِلَى الْعِشْرِينَ وَقَالَ فِي التَّفْرِيعِ إِلَى الثَّلَاثِينَ السَّابِعُ أَنَّهَا تَقْعُدُ أَقْصَى عَادَةِ الْحَوَامِلِ لِمَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ الثَّامِنُ أَنَّهَا تضَاعف
стр. 378
أَيَّامَهَا الَّتِي كَانَتْ لَهَا قَبْلَ الْحَمْلِ وَتَغْتَسِلُ قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ قَالَ مَالِكٌ تَجْلِسُ فِي أَوَّلِ الشُّهُورِ عَادَتَهَا وَالِاسْتِظْهَارُ وَفِي الثَّانِي ضِعْفَ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا وَالِاسْتِظْهَارُ وَفِي الثَّالِثِ تَجْلِسُ مِثْلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَفِي الرَّابِعِ تُرَبِّعُهَا وَهَكَذَا حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ يَوْمًا فَلَا تَزِيدُ لِأَنَّهُ أَقْصَى مُدَّةِ النِّفَاسِ فَهُوَ أَعْظَمُ دَمٍ يَجْتَمِعُ فِي الرَّحِمِ بِسَبَبِ الْحَمْلِ وَأَنْكَرَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ هُوَ خَطَأٌ وَقَالَ النِّفَاسُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْوَضْعِ وَالِاسْتِحَاضَةُ أَوْلَى بِهَا وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَزِيدُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَأَمَّا إِنْ رَأَتْهُ أَوَّلًا بِزِيَادَةٍ وَقَدْ كَانَ قَبْلُ مُسْتَقِيمًا فَهِيَ فِي أَوَّلِهِ حَائِضٌ لِلزِّيَادَةِ مُسْتَحَاضَةٌ فِي قَدْرِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَاضِي فَكَأَنَّهُ يَكُونُ حَيْضًا بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ فَهَذِهِ عَادَةٌ انْتَقَلَتْ تَبْنِي عَلَيْهَا مَا يَفْعَلُ بِالْحَامِلِ. وَجْهُ الِاجْتِهَادِ أَنَّ الْحَمْلَ يَحْبِسُ الدَّمَ عَنِ الْخُرُوجِ فَإِذَا خَرَجَ كَانَ زَائِدًا وَرُبَّمَا اسْتَمَرَّ لِطُولِ الْمُكْثِ. وَوَجْهُ عَدَمِ الِاسْتِظْهَارِ هُوَ أَنَّهُ دَمٌ ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ كَأَيَّامِ الِاسْتِظْهَارِ. الثَّانِي لَوْ رَأَتِ الْحَامِلُ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي الْكِتَابِ لَا تُصَلِّي حَتَّى تَنْقَطِعَ عَنْهَا لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَأْمُرُ النِّسَاءَ بِذَلِكَ. الثَّالِثُ إِذَا رَأَتِ الْحَامِلُ مَاءً أَبْيَضَ عُقَيْبَ سَبَبِ إِسْقَاطٍ أَوْ نَحْوِهِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ دُونَ الْغُسْلِ وَلَا يَلْحَقُ بِالدَّمِ لِخُرُوجِهِ عَنْ صِفَتِهِ وَالْوُضُوءِ لِكَوْنِهِ خَارِجًا مُعْتَادًا مِنَ الْفَرْجِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ
وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الدَّمِ الْمُعْتَبر قَالَ ابْنُ شَاسٍ إِذَا حَكَمْنَا بِالِاسْتِحَاضَةِ فَالْحَائِضُ إِمَّا مُبْتَدَأَةٌ أَوْ مُعْتَادَةٌ وَكِلَاهُمَا إِمَّا مُمَيِّزَةٌ أَوْ غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ فَهَذِهِ أَقْسَامٌ أَرْبَعَةٌ
стр. 379
الْأَوَّلُ الْمُبْتَدَأَةُ الْمُمَيِّزَةُ فَحَيْضَتُهَا مُدَّةُ تَمْيِيزِهَا مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ غَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا وَأَمَّا الْمُعْتَادَةُ الْمُمَيِّزَةُ فَحَيْضَتُهَا مُدَّةُ التَّمْيِيزِ لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ تَخْتَلِفُ وَالتَّمْيِيزَ لَا يَخْتَلِفُ وَالنَّظَرَ إِلَى اللَّوْنِ اجْتِهَادٌ وَالْعَادَةَ تَقْلِيدٌ وَالِاجْتِهَادَ أَوْلَى وَأَمَّا الْمُعْتَادَةُ غَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْعَادَةِ لِلْمُغِيرَةِ وَأَبِي مُصْعَبٍ فَإِذَا شَكَّتْ أَهُوَ انْتِقَالُ عَادَةٍ أَوِ اسْتِحَاضَةٌ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَصَامَتْ وَلَا يُصِيبُهَا زَوْجُهَا احْتِيَاطًا فَإِنِ انْقَطَعَ الدَّمُ لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلِمَتِ انْتِقَالَ الْعَادَةِ فَكَانَتِ الْمُدَّةُ كُلُّهَا حَيْضًا وَإِنِ اسْتَمَرَّ الدَّمُ عُلِمَ أَنَّهَا اسْتِحَاضَةٌ وَثَبَتَ حَيْضُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَادَتِهَا وَتَقْضِي الصَّوْمَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. الثَّانِي قَالَ مُطَرِّفٌ تَبْلُغُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. الثَّالِثُ الِاسْتِظْهَارُ عَلَى الْعَادَةِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَتَجَاوَزُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ تَتَجَاوَزُ بِالْيَوْمَيْنِ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَأَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ. فُرُوعٌ تِسْعَةٌ: الْأَوَّلُ اسْتُحِبَّ لِلْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْكِتَابِ أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لَا يُخْتَلَفُ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَتْ جَاهِلَةً فَتَرَكَتِ الصَّلَاةَ فَأَنْكَرَ سَحْنُونٌ مَا ذُكِرَ مِنْ سُقُوطِهَا بِالْجَهْلِ وَاسْتُحِبَّ لَهَا الْوُضُوءُ وَلَمْ يُسْتَحَبَّ لَهَا الْغُسْلُ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ لِأَنَّ تَرْكَ الْغُسْلِ // (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) // وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْوُضُوءِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى عدم وجوب الْغسْل إِلَّا أَن تشك ودهب أَبُو ح وَش وَجَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَيْهَا وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ أَنَّ حَدِيثَ وُجُوبِهِ لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِمَّنِ اشْتَرَطَ الصِّحَّةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ زَادَ عُرْوَةُ ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَقَالَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَأَنْكَرَهَا صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ فِي الصَّلَاة أتمتها وأجزأتها.
стр. 380
وَوجه الاسحباب أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَحْدَاثِ كَالسَّلَسِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَضْلَةِ الْمَنِيِّ أَنَّهَا تُوجِبُ الْوُضُوءَ دُونَ الْغُسْلِ عَدَمُ الْحَرَجِ فِيهَا لِنُدْرَتِهَا بِخِلَافِهِ وَإِنَّمَا وِزَانُهُ سَلَسُ الْمَنِيِّ لَا جَرَمَ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَلَوْ خَرَجَتْ فَضْلَةُ الْمَنِيِّ فِي الصَّلَاةِ أَبْطَلَتْهَا وِفَاقًا بِخِلَافِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ. الثَّانِي قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْغُسْلِ وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوُضُوءَ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ كَالسَّلَسِ وَوَجْهُ الثَّانِي أَمْرُهُ ﵇ لِحَمْنَةَ بِهِ حِينَ أَمَرَهَا بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ تُرِكَ الْعَمَلُ بِالْغُسْلِ فِي الِابْتِدَاءِ وَكَانَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَأْمُرَانِ الْمُسْتَحَاضَةَ بِهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إِنْ قَوِيَتْ عَلَى ذَلِكَ نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ إِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً وَإِلَّا فَغُسْلُهَا عِنْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالِاسْتِحَاضَةِ يَكْفِي. الثَّالِثُ الْمُسْتَحَاضَةُ تُوطَأُ خِلَافًا لِابْنِ عُلَيَّةَ لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَت مُسْتَحَاضَة بأتيها زَوجهَا وَلقَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يطهرن﴾ وَهَذِهِ طَاهِرٌ وَلِأَنَّ مُطَلِّقَهَا لَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ فَتُوطَأُ قِيَاسًا عَلَى مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ. الرَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ الطُّهْرَ خَمْسَةً ثُمَّ الدَّمَ أَيَّامًا ثُمَّ الطُّهْرَ سَبْعَةً فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَرَادَ مُسْتَحَاضَةً فِي الدَّمِ الثَّانِي وَقِيلَ فِي السَّبْعَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِرَبْطِ هَذَا الدَّمِ بِالسَّبْعَةِ بَعْدَهُ وَأَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ بَعْدَ السَّبْعَةِ وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا أَيْضًا فَقَالَ التُّونِسِيُّ رَاعِي الطُّهْرَ خَمْسَةً وَالْأَيَّامُ أَقَلُّهَا يَوْمَانِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ سَبْعَةً مَعَ سَبْعَةٍ الطُّهْرُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَجَاءَ الدَّمُ وَلَمْ يَكْمُلِ الطُّهْرُ. وَقِيلَ الدَّمُ الْآتِي بَعْدَ السَّبْعَةِ عَلَى صِفَةِ الِاسْتِحَاضَةِ قَبْلَهَا قَالَ التُّونِسِيُّ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَيَّامُ الدَّمِ ثَلَاثَةً وَالدَّمُ الْآتِي بَعْدَ السَّبْعَةِ مِنْ جِنْسِ الْآتِي فِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي بَعْدَ الْخَمْسَةِ فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا مُسْتَحَاضَةً وَيَنْبَغِي إِذَا كَانَ عَلَى صِفَةِ الْحَيْضِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَرَى دَمًا تُنْكِرُهُ قَالَ وَالَّذِي قَالَهُ صَوَابٌ.
стр. 381
الْخَامِسُ إِذَا تَغَيَّرَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ إِلَى الْغِلَظِ وَالسَّوَادِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ لَمْ يَمْضِ بَعْدَ الْحَيْضِ زَمَانٌ هُوَ أَقَلُّ الطُّهْرِ عَلَى مَا تقدم فالستحاضة بَاقِيَةٌ وَإِنْ مَضَى فَهُوَ حَيْضٌ فَإِنْ تَمَادَى عَلَى صِفَتِهِ أَوْ تَغَيَّرَ قَالَ مُطَرِّفٌ تَجْلِسُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَفَرَّقَ عَبْدُ الْمَلِكِ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ ابْتِدَاءِ الِاسْتِحَاضَةِ فَقَالَ فِي تِلْكَ تَجْلِسُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَفِي هَذِهِ تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثٍ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ إِنْ عَلِقَ بِهَا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا لن تَسْتَظْهِرَ يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً تَسْتَظْهِرُ وَمَرَّةً لَا تَسْتَظْهِرُ قَالَ اللَّخْمِيُّ إِذَا جَاءَ الْمُسْتَحَاضَةَ دَمُ الْحَيْضِ وَزَادَ على الْعَادة وَهُوَ مثل الِاسْتِحَاضَة فَلَا تحاط لَهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ دَمِ الْحَيْضِ فَهِيَ حَائِضٌ وَإِنْ أَشْكَلَ فَالْأَحْسَنُ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ وَقِيلَ تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقِيلَ تَجْلِسُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. السَّادِسُ لَوْ تَمَادَى دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الطُّهْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الِاسْتِحَاضَةِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ التُّونِسِيُّ إِنْ أَشْبَهَ الْحَيْضَ فَهُوَ حَيْضٌ وَإِنْ أَشْبَهَ الِاسْتِحَاضَةِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَهَذَا مُشْكِلٌ بِأَنَّهَا رَأَتِ ابْتِدَاءَ الدَّمِ بَعْدَ طُهْرٍ تَامٍّ فَلَا تُرَاعِي صِفَتَهُ كَمَا لَوِ انْقَطَعَتِ الِاسْتِحَاضَةُ مُدَّةَ أَقَلِّ الطُّهْرِ ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ نَعَمْ لَوْ جَاءَ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ دَلَّتْ قَرِينَتُهَا عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ أَوْ قَبْلَ الْعَادَةِ عَلَى صِفَةِ الْحَيْضِ فَقَرِينَةُ الصِّفَةِ تَدُلُّ عَلَى الْحَيْضِ. فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْعَادَةِ عَلَى غَيْرِ صِفَةِ الْحَيْضِ فَاسْتِحَاضَةٌ لِانْتِفَاءِ الْقَرَائِنِ وَفِيهِ عَلَى هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّ دَمَ الْمَرَضِ قَدِ انْقَطَعَ وَالْحَيْضُ لَا يَتَغَيَّرُ زَمَانُهُ وَالِاحْتِيَاطُ أَحْسَنُ فَلَا تَدَعُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِمَا لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ السَّابِعُ إِذَا كَانَتْ لَا تَرَى الدَّمَ إِلَّا عِنْدَ وُضُوئِهَا فَإِذَا قَامَتْ ذَهَبَ عَنْهَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ إِلَّا أَنْ تَرَى دَمًا تُنْكِرُهُ يَعْنِي الْمُسْتَحَاضَةَ أَمَّا غَيْرُهَا فَتَغْتَسِلُ مِنْهُ وَلَا تَدَعُ الصَّلَاةَ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ فَإِذَا جَاوَزَ ذَلِكَ أَيَّامَهَا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ لَا تَغْتَسِلُ لَهُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ أَنَّهَا تَشُدُّهُ وَتُصَلِّي مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ لِأَنَّهَا مُسْتَنْكَحَةٌ بِذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ قَالَ قَالَ ابْن أبي زيد معنى قَوْله مَالِكٍ ﵁ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ عِنْدَ
стр. 382
كُلِّ وُضُوءٍ حَتَّى تُجَاوِزَ الْأَيَّامَ وَالِاسْتِظْهَارَ ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ قَالَ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ وَهُوَ أَوْلَى بِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ مِنَ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ. وَالْمُسْتَنَدُ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَنَّ امْرَأَةً اسْتَفْتَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فَقَالَتْ كُلَّمَا أَقْبَلْتُ أُرِيدُ الطَّوَافَ هَرَقْتُ الدَّمَ ثُمَّ إِذَا ذَهَبْتُ ذَهَبَ قَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ اسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَطُوفِي وَقَالَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمُرَادُهُ بِعَدَمِ الْغُسْلِ إِذَا أَصَابَهَا ذَلِكَ فِي زَمَنِ الِاسْتِحَاضَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ. الثَّامِنُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْتَحَاضَةِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ إِذَا تَطَهَّرْنَ أَنْ يُطَيِّبْنَ فُرُوجَهُنَّ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهُ ﵊ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْحَيْضِ فَأَرَاهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ
خُذِي فُرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَخَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ لَهَا تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ
التَّاسِعُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ مَالِكٌ إِذَا تَرَكَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الصَّلَاةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الِاسْتِظْهَارِ جَاهِلَةً لَا إِعَادَةَ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْإِعَادَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ قَالَ وَلَوْ طَالَ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مُتَأَوِّلَةٌ وَالْقَضَاءُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي النَّاسِي وَالنَّائِمِ لِتَفْرِيطِهِمَا وَقِيلَ تُعِيدُ إِنْ كَانَ يَسِيرًا وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ تُعِدْهُ قَالَ وَقَدْ سَأَلْتُ شَيْخَنَا ابْنَ رِزْقٍ فَقَالَ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِلْخِلَافِ أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَكَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي النِّفَاسِ
وَالْكَلَامُ عَلَى لَفْظِهِ وَحَقِيقَتِهِ. أَمَّا لَفْظُهُ فَالنِّفَاسُ فِي اللُّغَةِ وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ لَا نَفْسُ الدَّمِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَالصِّحَاحِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ دَمُ النِّفَاسِ وَالشَّيْءُ لَا يُضَافُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ بِكَسْر
стр. 383
النُّونِ وَالْمَرْأَةُ نُفَسَاءُ بِضَمِّهَا وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ وَالْجَمْعُ نِفَاسٌ بِكَسْرِهَا وَفَتْحِ الْفَاءِ. وَلَيْسَ فِي الْكَلَام مَا وَزنه فعلا يُجْمَعُ عَلَى فِعَالٍ غَيْرُ نُفَسَاءَ وَعُشَرَاءَ وَيُجْمَعَانِ أَيْضًا عَلَى نَفَسَاوَاتٍ وَعُشَرَاوَاتٍ بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَفَتْحِ الثَّانِي وَيُقَالُ نَفِسَتِ الْمَرْأَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَبِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَالْوَلَدُ مَنْفُوسٌ وَفِي الْحَدِيثِ
وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ
وَلَا يَتَعَيَّنُ اشْتِقَاقُهُ مِنَ النَّفْسِ بِمَعْنَى الدَّمِ لِأَنَّ النَّفْسَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الرُّوحِ وَالدَّمِ وَالْجَسَدِ وَالْعَيْنِ يُقَالُ أُصِيبَ فُلَانٌ بِنَفْسٍ أَيْ عَيْنٍ وَالنَّافِسُ الْعَائِنُ وَنَفْسُ الشَّيْءِ ذَاتُهُ نَحْوَ رَأَيْتُ زَيْدًا نَفْسَهُ وَالنَّفْسُ قَدْرُ دَبْغَةٍ مِمَّا يُدْبَغُ بِهِ الْأَدِيمُ مِنَ الْقَرَظِ وَغَيْرِهِ وَمَعَانِي هَذَا اللَّفْظِ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ فَهِيَ أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ إِذَا اشْتَغَلَ الرَّحِمُ بِالْوَلَدِ انْقَسَمَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَصْفَاهُ وَأَعْدَلُهُ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ لَحْمُ الْجَنِينِ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ تَتَوَلَّدُ مَنِ الْمَنِيَّيْنِ وَاللَّحْمَ يَتَوَلَّدُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالْقِسْمُ الَّذِي يَلِيهِ فِي الِاعْتِدَالِ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ لَبَنُ الْجَنِينِ غِذَاؤُهُ الَّذِي يَحِلُّ بَعْدَ الْوَضْعِ فِي الثَّدْيِ وَالثَّالِثُ الْأَرْدَأُ يَجْتَمِعُ فَيَخْرُجُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَدَمُ النِّفَاسِ فِي الْحَقِيقَةِ دَمُ حَيْضٍ اجْتَمَعَ. وَفِي الْفَصْلِ فُرُوعٌ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْكِتَابِ غَايَتُهُ سِتُّونَ يَوْمًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْعُرْفِ وَكَرِهَ التَّحْدِيدَ وَقَالَ الشَّافِعِي سِتُّونَ وَأَبُو حنيفَة أَرْبَعُونَ وَمَقْصُودُ الْفَرِيقَيْنِ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعُ حِيَضٍ فَلَمَّا كَانَ أَبُو حنيفَة يَقُولُ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةٌ قَالَ أَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ وَلما قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ خَمْسَةَ عَشَرَ قَالُوا أَكْثَرُهُ سِتُّونَ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى عَوَائِدَ عِنْدَهُمْ وَأَمَّا أَقَلُّهُ فَلَا حَدَّ لَهُ كَالْحَيْضِ خِلَافًا ح فِي أَنَّ أَقَلَّهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَحَدَ عَشَرَ لِيَزِيدَ النِّفَاسُ عَلَى الْحَيْضِ عِنْدَهُ بِيَوْم وَفَائِدَة الْخلاف هَهُنَا وَفِي الْحَيْضِ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنَ الصَّلَوَاتِ وَيَرِدُ عَلَى التَّحْدِيدِ
стр. 384
أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى النُّصُوصِ وَلَا نُصُوصَ فَلَا تَحْدِيدَ وَأَنَّ الرُّجُوعَ فِي هَذَا إِلَى مَا يَقُولُهُ النِّسَاءُ مُتَعَيَّنٌ. الثَّانِي قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا انْقَطَعَ ثُمَّ رَأَتْهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا كَانَ نِفَاسًا وَإِنْ بَعُدَ كَانَ حَيْضًا وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَقَلِّ الطُّهْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا كَانَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فَهُوَ نِفَاس وَالشَّافِعِيّ مِثْلَهُ مَرَّةً وَمِثْلَنَا أُخْرَى وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَشْكُوكٌ فِيهِ يُعْمَلُ فِيهِ بِالِاحْتِيَاطِ. لَنَا أَنَّ الطُّهْرَ التَّامَّ فَصْلٌ بَيْنَ دَمَيْنِ مَانِعَيْنِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَلَا يَلْحَقُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ قِيَاسًا عَلَى الْحَيْضَتَيْنِ. الثَّالِثُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ كَانَ اسْتِحَاضَةً قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ تَسْتَظْهِرُ إِلَى السَّبْعِينَ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يَزِيدُ كَالْحَيْضِ. وَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ اجْتِهَادٌ فَلَا يُزَادُ فِيهِ كَزَمَانِ الِاسْتِظْهَارِ. الرَّابِعُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا وَبَقِيَ آخَرُ إِلَى شَهْرَيْنِ وَالدَّمُ مُتَمَادٍ فَدَمُهَا مَحْمُولٌ عَلَى عَادَةِ النِّفَاسِ وَلِزَوْجِهَا الرَّجْعَةُ قَالَ وَقِيلَ إِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ الْوَلَدَ الثَّانِيَ وَقَدِ اخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. لَنَا أَنَّ حَقِيقَةَ دَمِ النِّفَاسِ مَوْجُودَةٌ وَأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ خُرُوجِ الدَّمِ إِنَّمَا هُوَ انْغِلَاقُ فَمِ الرَّحِمِ لِسَبَبِ الْحَمْلِ وَقَدِ انْفَتَحَ بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ الْخَارِجُ دَمَ نِفَاسٍ فَلَا يَتَوَقَّفُ جَعْلُهُ نِفَاسًا عَلَى الثَّانِي قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَالَّذِي يَرَى أَنَّهُ حَيْضٌ يَقُولُ تَجْلِسُ مُدَّةَ حَيْضِ الْحَامِلِ فَقَطْ وَقَالَ لَو جَعَلْنَاهُ نفاسا على وَهُوَ شَهْرَانِ وَتَضَعُ آخَرَ فَإِنْ قُلْنَا تَجْلِسُ شَهْرَيْنِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ النِّفَاسُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَا قَائِلَ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا لَا تَجْلِسُ مَعَ أَنَّهُ دَمٌ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ فَذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَالنِّفَاسُ بَعْدَ الْوَلَدِ الثَّانِي. فَرْعٌ إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ نِفَاسٌ فَوَضَعَتِ الثَّانِيَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ قَالَ التُّونِسِيُّ
стр. 385
يَكُونُ الثَّانِي نِفَاسًا فَإِنَّهُ كَأَيِّ وَلَدٍ فِي وِعَائِهِ بِدَمِهِ وَلِأَنَّ الرَّحِمَ يَنْصَبُّ إِلَيْهِ عِنْدَ حَرَكَةِ الْوَضْعِ مِنَ الدَّمِ مَا لَا يَنْصَبُّ إِلَيْهِ قَبْلَ الْوَضْعِ فَلَوْ وَضَعَتِ الثَّانِيَ قَبْلَ تَمَامِ النِّفَاسِ الْأَوَّلِ أَلْغَتِ الْمَاضِيَ وَاسْتَأْنَفَتْ مِنَ الثَّانِي. وَقَالَ أَبُو حنيفَة النِّفَاسُ مِنَ الْأَوَّلِ فَإِنْ أَتَمَّتْ أَرْبَعِينَ لَمْ يَكُنِ الثَّانِي نِفَاسًا وَتَابَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ الحيضتين لَا يتصلان فَكَذَلِك النفاسان وَقِيَاسًا على مَا إِذا اتصلا قَبْلَ الْوِلَادَةِ. الْخَامِسُ لَوْ وَضَعَتِ الْوَلَدَ جَافًّا فَفِي الْغُسْلِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهَا وَمَاؤُهَا لَوْ خَرَجَ لَوَجَبَ الْغُسْلُ أَو الْوضُوء فَكَذَلِكَ هُوَ أَوْ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الطّور إِلَى طور الْحَصَا وَنَحْوه. انْتهى الْجُزْء الأول من كتاب الذَّخِيرَة يَلِيهِ الْجُزْء الثَّانِي وأوله كتاب الصَّلَاة
стр. 386
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(كتاب الصَّلَاة)
وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وصل عَلَيْهِم إِن صلواتك سكن لَهُم﴾ أَيْ دَعَوَاتُكَ وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ صَلَاةً قِيلَ مَجَازًا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الدُّعَاءِ وَقِيلَ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِي الردف وأصلهما الصَّلَاة وَهُوَ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ يَفْتَرِقُ عِنْدَ عَجَبِ الذَّنَبِ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ فِي صِفَةِ الْفَرَسِ
(قَرِيبُ مَا بَيْنَ الْقَطَاةِ وَالْمَطَا … بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْقَذَالِ وَالصَّلَا)
وَلِذَلِكَ كُتِبَتِ الصَّلَاةُ بِالْوَاوِ فِي الْمُصْحَفِ قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ قِيلَ هُمَا عَظْمَانِ يَنْحَنِيَانِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَلَمَّا كَانَا يَظْهَرَانِ مِنَ الرَّاكِعِ سُمِّيَ مُصَلِّيًا لِذَلِكَ وَفِعْلُهُ صَلَاةً وَمِنْهُ الْمُصَلِّي وَهُوَ الثَّانِي مِنْ حَلْبَةِ السِّبَاقِ لِأَنَّ رَأْسَ فَرَسِهِ يَكُونُ عِنْدَ صَلْوَى
стр. 387
الأول وَقيل لِأَنَّهَا ثَانِيَة الْإِيمَان كالثاني فِي حلبة السباق وَقيل لِأَن فَاعِلَهَا مُتَابِعٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - كَمَا يُتَابِعُ الْفَرَسُ الثَّانِي الْأَوَّلَ وَقِيلَ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَصْلِيَةِ الْعُودِ بِالنَّارِ لِيَقُومَ وَلَمَّا كَانَتْ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ كَانَتْ مُقَوِّمَةً لِفَاعِلِهَا وَقِيلَ مِنَ الصِّلَةِ لِأَنَّهَا تَصِلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ أُطْلِقَ هَذَا الِاسْمُ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ النَّقْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَازِرِيِّ وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَجَمَاعَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ الْمجَاز فَقيل لما كَانَ الدُّعَاء جزءها وَهُوَ قَوْله تَعَالَى آمِرًا لَنَا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيم﴾ فَسُمِّيَتْ صَلَاةً مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ وَقِيلَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ لِأَنَّ كُلَّ مُصَلٍّ خَاضِعٌ مُتَذَلِّلٌ لِرَبِّهِ مُشْبِهٌ لِلدَّاعِي فِي ذَلِكَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا لَيْسَ فِي اللَّفْظِ نَقْلٌ وَلَا مَجَازٌ وَهُوَ مَذْهَبُهُ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ بَلْ لَفْظُ الصَّلَاةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ الدُّعَاءُ فَإِذَا قِيلَ لَهُ الدُّعَاءُ لَيْسَ مُجْزِئًا وَحْدَهُ وَيَصِحُّ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -
يَقُولُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ؟ نقُول عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِدَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى ضَمِّ أُمُورٍ أُخْرَى لِلدُّعَاءِ لَا مِنْ لَفْظِ الصَّلَاةِ وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَوَّلِ فَهَلْ لَمَّا نَقَلَ الشَّرْعُ هَذَا اللَّفْظَ جَعَلَهُ مُتَوَاطِئًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَوْ جَعَلَهُ مُشْتَرِكًا كَلَفْظِ الْعَيْنِ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَا فِيهِ
стр. 388
الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَعَلَى مَا لَا رُكُوعَ فِيهِ وَلَا سُجُودَ كَصَلَاةِ الْجَنَازَةِ وَعَلَى مَا لَا تَكْبِيرَ فِيهِ وَلَا سَلَامَ كَالطَّوَافِ وَعَلَى مَا لَا حَرَكَةَ لِلْجِسْمِ فِيهِ كَصَلَاةِ الْمَرِيضِ الْمَغْلُوبِ وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الصُّوَرِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَيَكُونُ اللَّفْظ مُشْتَركا
قَاعِدَة تقربات الْعباد على ثَلَاثَة أَقْسَامٍ أَحَدُهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ كَالْمَعَارِفِ وَالْإِيمَانِ بِمَا يَجِبُ وَيَسْتَحِيلُ وَيَجُوزُ عَلَيْهِ وَثَانِيها حق للعباد فَقَطْ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُتَمَكِّنُونَ مِنْ إِسْقَاطِهِ وَإِلَّا فَكل حق للْعَبد فَفِيهِ حق الله تَعَالَى وَهُوَ أمره بإيصاله لمستحقه كاداء الدُّيُون ورد الغضوب والودائع وَثَالِثهَا حق لله تَعَالَى وَحقّ للعباد وَالْغَالِبُ مَصْلَحَةُ الْعِبَادِ كَالزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْأَمْوَالِ الْمَنْذُورَاتِ وَالْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَالْوَصَايَا وَالْأَوْقَافِ وَرَابِعُهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ َ - والعباد كالأذان فحقه تَعَالَى التَّكْبِيرَاتِ وَالشَّهَادَةِ بِالتَّوْحِيدِ وَحَقُّ رَسُولِهِ ﵇ الشَّهَادَةُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَحَقُّ الْعِبَادِ الْإِرْشَادُ لِلْأَوْقَاتِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالْمُنْفَرِدِينَ وَالدُّعَاءُ لِلْجَمَاعَاتِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِينَ وَالصَّلَاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالنِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّشَهُّدِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَتَوَابِعِهَا مِنَ التَّوَرُّكِ وَالْكَفِّ عَنِ الْكَلَامِ وَكَثِيرِ الْأَفْعَالِ وَعَلَى حَقِّهِ ﵇ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيم وَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَعَلَى حَقِّ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ دُعَاؤُهُ لِنَفْسِهِ بِالْهِدَايَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا وَالْقُنُوتُ وَدُعَاؤُهُ فِي السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ لِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ سَلام عَلَيْنَا وَعَلَى حَقِّ الْعِبَادِ كَالدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ والقنوت وَطَلَبِ الْإِعَانَةِ وَالسَّلَامِ عَلَى
стр. 389
عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَالسَّلَامِ عَلَى الرَّسُولِ ﵇ وَالتَّسْلِيمِ آخِرَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَاضِرِينَ فَلِذَلِكَ كَانَتِ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ
تَمْهِيدٌ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ كَانَ الْمَفْرُوضُ مِنَ الصَّلَاةِ قبل الْخمس رَكْعَتَيْنِ غدوا وَرَكْعَتَيْنِ عشيا مَا كَانَ ﵇ يُصَلِّي بِمَكَّةَ تِسْعَ سِنِينَ وَفُرِضَتِ الْخَمْسُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ مَسْلَمَةَ مِنْ أَصْحَابنَا فرض الصَّلَوَات الْخمس نَاسخ لما كَانَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقِيلَ وُجُوبُهُ لَمْ يُنْسَخْ عَنْهُ ﵇ فِي خَاصَّتِهِ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ لَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ وَلَا الْعُلَمَاءُ فِي أَن الصَّلَاة أَنَّهَا فرضت بِمَكَّة لَيْلَة الْإِسْرَاء أَتَى جِبْرِيلُ مِنَ الْغَدِ لِصَبِيحَةِ الْإِسْرَاءِ فَصَلَّى بِهِ الصَّلَوَاتِ لِأَوْقَاتِهَا فِي يَوْمَيْنِ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ فَرْضِهَا فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُكْمِلَتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ أَرْبَعًا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَبَعْضُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ الزِّيَادَةُ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فُرِضَتْ أَرْبعا أَرْبعا إِلَّا الْمغرب فرضت ثَلَاثًا وَالصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ وَيُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ وَقَوله ﵊ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ ﵇ إِنَّمَا هِيَ صَدَقَهٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ يَعْنِي الْقَصْرَ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ قَالَ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 390
عَنْهَا أصح إِسْنَادًا وَالْجَوَاب لَهُ عَن النُّصُوص أَن ذَلِك بَعْدَ الْإِتْمَامِ بِالْمَدِينَةِ وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ وَهِي الظّهْر وَالْعصر ((إِلَى غسق اللَّيْل)) الْمغرب وَالْعشَاء ((وَقُرْآن الْفجْر)) الصُّبْحُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي جَمَاعَةٍ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵇ فِي الْمُوَطَّأِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَمَنْ جَاءَ بِهن لم يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لم يَأْتِ بِهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجنَّة وَفِي التِّرْمِذِيّ أَنه ﵇ قَالَ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ فَإِنِ انْتُقِصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ ﵎ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكْمِلُ بِهَا مَا انْتُقِصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ وَفِي الْكِتَابِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ بَابا
следующие страницы →