Полный текст (4 158 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ لِلْأَخِ السُّدُسَ فَرِيضَةً وَمَا بَقِيَ بينه وبين بن الْعَمِّ الَّذِي لَيْسَ بِأَخٍ لِأُمٍّ لِأَنَّهُ أَخَذَ فرضه بالقرآن وساوى بن عَمِّهِ بِالتَّعْصِيبِ
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حنيفة والثوري
وهو قول علي وزيد وبن عَبَّاسٍ ﵃
ذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا (إِسْحَاقَ) الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ أفتى بن مَسْعُودٍ مِنْ بَنِي عُمَرَ ثَلَاثَةً
أَحَدُهُمْ أَخٌ لِأُمٍّ فَأَعْطَى الْمَالَ لِلْأَخِ لِلْأُمِّ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا كَانَ إِلَّا عَالِمًا وَلَوْ أَعْطَى الْأَخَ مِنَ الْأُمِّ السُّدُسَ ثُمَّ قسم ما بقي بينهم
قال سفيان لا يؤخذ بقول بن مَسْعُودٍ
وَلَا خِلَافَ أَيْضًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِخْوَةَ الْأَشِقَّاءَ وَالَّذِينَ لِلْأَبِ يَحْجُبُونَ الْأَعْمَامَ مَنْ كَانُوا لِأَنَّ الْإِخْوَةَ بَنُو أَبِ الْمُتَوَفَّى وَالْأَعْمَامُ بَنُو جَدِّهِ فَهُمْ أَقْرَبُ مِنَ الْأَعْمَامِ إِلَى الْمَيِّتِ
وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ يَحْجُبُ أَيْ يَمْنَعُهُ الْمِيرَاثَ وَيَنْفَرِدُ بِهِ دُونَهُ فَالْأَبُ يَحْجُبُ أَبَوَيْهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُمَا لِلْمُتَوَفَّى وَيَحْجُبُ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ لِأَنَّهُمْ بِهِ يُدْلُونَ إِلَى الْمَيِّتِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ
وَإِذَا حَجَبَ الْإِخْوَةُ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يَحْجُبَ الْأَعْمَامَ كُلَّهُمْ وَبَنِيهِمْ
وَالِابْنُ يَحْجُبُ مَنْ تَحْتَهُ مِنَ الْبَنِينَ ذُكُورِهُمْ وَإِنَاثِهُمْ وَيَحْجُبُ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ وَيَحْجُبُ الْأَعْمَامَ بَنُوهُمْ
وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ الْجَدِّ وَحُكْمُهُ مَعَ الْبَنِينَ وَبَنِي الْبَنِينَ وَمَعَ الْإِخْوَةِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّنَازُعِ وَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ ها هنا
وَالْأَبُ يَحْجُبُ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْأَجْدَادِ بِإِجْمَاعٍ كَمَا يَحْجُبُ الْأَبُ الْأَعْمَامَ وَبَنِيهِمْ بِإِجْمَاعٍ لِأَنَّهُمْ بِهِ يُدْلُونَ إِلَى الْمَيِّتِ وَيَحْجُبُ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ بِإِجْمَاعٍ وَيَحْجُبُ بَنِي الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَبَنِي الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَبَنِي الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ بِإِجْمَاعٍ
وَالْبَنَاتُ وَبَنَاتُ الْبَنِينَ يَحْجُبْنَ الْإِخْوَةَ مِنَ الْأُمِّ
وَقَدْ مَضَى فِي بَابِهِمْ ذِكْرُ كُلِّ مَنْ يَحْجُبُهُمْ أَيْضًا وَالْأُمُّ تَحْجُبُ الْجَدَّاتِ كُلَّهُنَّ مِنْ قِبَلِهَا وَمِنْ قِبَلِ الْأَبِ
стр. 2242
وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي الْجَدَّةِ هَلْ تَرِثُ مَعَ ابْنِهَا
وَمَذْهَبُ زَيْدٍ وَالْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ أَنَّ الْأَبَ لَا يَحْجُبُ مِنَ الْجَدَّاتِ إِلَّا مَنْ كَانَ بِسَبَبِهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْجَدَّةِ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنَ الْجَدِّ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُخَالِفُونَهُ فِي ذَلِكَ وَالْجَدُّ عِنْدَهُمْ أَوْلَى بِالْوَلَاءِ كَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِالْمِيرَاثِ وَيَأْتِي بَابُ ((الْوَلَاءِ)) فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِتْقِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(١٢ - بَابُ مِنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ)
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ ببلدنا أن بن الْأَخِ لِلْأُمِّ وَالْجَدَّ أَبَا الْأُمِّ وَالْعَمَّ أَخَا الْأَبِ لِلْأُمِّ وَالْخَالَ وَالْجَدَّةَ أُمَّ أَبِي الْأُمِّ وَابْنَةَ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ لَا يَرِثُونَ بِأَرْحَامِهِمْ شَيْئًا
قَالَ وَإِنَّهُ لَا تَرِثُ امْرَأَةٌ هِيَ أَبْعَدُ نَسَبًا مِنَ الْمُتَوَفَّى مِمَّنْ سُمِّيَ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِرَحِمِهَا شَيْئًا وَإِنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ شَيْئًا إِلَّا حَيْثُ سُمِّينَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ مِيرَاثَ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا وَمِيرَاثَ الْبَنَاتِ مِنْ أَبِيهِنَّ وَمِيرَاثَ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأُمِّ وَوَرِثَتِ الْجَدَّةُ بِالَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا وَالْمَرْأَةُ تَرِثُ مَنْ أَعْتَقَتْ هِيَ نَفْسُهَا لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ فِي كِتَابِهِ (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) الْأَحْزَابِ ٥
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا كُلُّهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَفُقَهَاءُ الْحِجَازِ أَكْثَرُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهَمْ مِنْهُمُ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ الْمَدَنِيُّونَ وَأَبُو سَلَمَةَ وَسَالِمُ وبن شهاب وربيعة وأبو الزناد وعطاء وعمرو بن دينار وبن جُرَيْجٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مِيرَاثِ الْوَلَاءِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ
وَتَرْتِيبُ مَذْهَبِ زَيْدٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ بَنُو الْبَنَاتِ وَلَا بَنُو الْأَخَوَاتِ مِنْ قِبَلِ مَنْ كُنَّ وَلَا تَرِثُ عِنْدَهُ بَنَاتُ الْإِخْوَةِ بِحَالٍ أَيْضًا وَلَا بَنَاتُ الْأَعْمَامِ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَلَا يَرْثِ الْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِأُمِّهِ وَلَا بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ وَلَا الْعَمَّاتُ وَلَا
стр. 2243
الْأَخْوَالُ وَلَا الْخَالَاتُ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ وَمَنْ عَلَا مِنْهُمْ مِثْلُ عَمَّةِ الْأَبِ وَخَالَةِ الْجَدِّ لَا يَرِثُونَ وَلَا يَحْجُبُونَ عِنْدَ زَيْدٍ وَكَذَلِكَ الْجَدُّ أَبُو الْأُمِّ وَالْجَدَّةُ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ
وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ
وَأَمَّا سَائِرُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ يُوَرِّثُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ كُلَّهُمْ مَنْ كَانُوا
وَبِهَذَا قَالَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا نَذْكُرُهُ
فَأَمَّا عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانَ عُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَعَلِيٌّ يُوَرِّثُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ دُونَ الْمَوَالِي قَالَ وَكَانَ عَلِيٌّ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ
وَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيٍّ تَوْرِيثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَالْخَالِ وَبِنْتِ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الْأَخِ وَنَحْوِ ذَلِكَ من ذوي الأرحام
وهو قول بن مَسْعُودٍ
وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَمَسْرُوقٌ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَطَاوُسٌ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ والأعمش ومغيرة الضبي وبن أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَشَرِيكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ وَنُوحُ بْنُ دَرَّاجٍ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
وَبِهِ قال البصريون الحسن وبن سِيرِينَ وَحَمَّادٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ
وَرُوِيَ عَنِ بن عَبَّاسٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا قَوْلُ زَيْدٍ وَالْحِجَازِيِّينَ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَالْعِرَاقِيِّينَ
وَاخْتَلَفَ الْمُوَرِّثُونَ لِذَوِي الْأَرْحَامِ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى تَوْرِيثِهِمْ عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصِبَاتِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ فَوَلِيُّ النِّعْمَةِ هُوَ الْعَصَبَةُ ثَمَّ
وَكَذَلِكَ عَصَبَةُ الْمُعْتِقِ ثُمَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ دُونَ الْمَوَالِي
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 2244
ذَكَرَ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ مَاتَتْ مَوْلَاةُ إِبْرَاهِيمَ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ قَرَابَةٍ لَهَا بِمِيرَاثِهَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَقَالَ هُوَ لَكِ فَجَعَلَتْ تَدْعُو لَهُ فَقَالَ لَهَا أَمَا إِنَّهُ لَوْ كَانَ لِي مَا أَعْطَيْتُكِهِ
وَكَانَ يَرَى أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنَ الْمَوَالِي
قَالَ سُفْيَانُ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ ((الرحم أولى من المولى))
وَذَهَبَ سَائِرُ مَنْ وَرَّثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى التَّنْزِيلِ وَهُوَ أَنْ يُنْزِلَ كُلَّ وَاحِدٍ وَيُنْزِلَ مَنْ أَدْلَى بِذِي سَهْمٍ أَوْ عَصَبَةٍ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُدْلِي بِهِ
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَعُمَرَ فِي الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْأُمُّ عَصَبَةُ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ وَالْأُخْتُ عَصَبَةُ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ
رَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْهُ
وَمِنْ حُجَّةِ مِنْ وَرَّثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ قَوْلُ اللَّهِ (وأولوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) الْأَنْفَالِ ٧٥ وَقَوْلُهُ (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) النِّسَاءِ ٧
وَمَعْلُومٌ أَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنَ الْأَقْرَبِينَ فَوَجَبَ لَهُمْ نَصِيبُهُمْ لَا يَحْجُبُهُمْ عَنْهُ إِلَا مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ
وَاحْتَجُّوا بِآثَارٍ كَثِيرَةٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَمُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ لَا تَلْزَمُ بِهَا حُجَّةٌ قَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي كِتَابِ ((الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ)) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِمْ سَبَبَانِ الْقَرَابَةُ وَالْإِسْلَامُ فَكَانُوا أَوْلَى مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ سَبَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِسْلَامُ ٣وَهَذَا أَصْلُ الْمَوَارِيثِ عِنْدَ الْجَمِيعِ صَاحِبُ السَّبَبَيْنِ فَالْمُدْلَى بِالْأَبِ وَالْأُمِّ أولى من الذين لَا يُدْلَى إِلَّا بِالْأَبِ وَحْدَهُ فَكَذَلِكَ الرَّحِمُ وَالْإِسْلَامُ أَوْلَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ
وَقَاسُوا ابْنَةَ الِابْنَةِ عَلَى الْجَدَّةِ أُمِّ الْأُمِّ الَّتِي وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِتَوْرِيثِهَا
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يُوَرِّثْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَنَّهُمْ قَالُوا في قول الله (وأولوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) الْأَنْفَالِ ٧٥ إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ
стр. 2245
ذَوِي الْأَرْحَامِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَنَسَخَ بِهِمُ الْمُوَارَثَةَ بِالْهِجْرَةِ وَالْحِلْفِ وَنَسَخَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكَمَ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) الْأَنْفَالِ ٧٢ فَالْآيَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَنْ ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْفُرُوضِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعَصَبَاتُ الَّذِينَ نَسَخَ بِهِمُ الْمِيرَاثَ بِالْمُعَاقَدَةِ وَالْحِلْفِ وَالْهِجْرَةِ
وَلِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)) دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْكِتَابِ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ مِيرَاثَهُمْ فِي كِتَابِهِ
وَمِمَّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ لِلْجَدَّةِ مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ يَرِثُونَ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي كِتَابِهِ وَنَسَخَ بِهِمُ الْمُوَارَثَةُ بِالْهِجْرَةِ
وَلَمَّا لَمْ تَرِثِ ابْنَةُ الْأَخِ مَعَ أَخِيهَا لَمْ تَرِثْ وَحْدَهَا وَلَمَّا لَمْ يَرِثْ ذَوُو الْأَرْحَامِ مَعَ الْمَوَالِي لَمْ يَرِثُوا إِذَا انْفَرَدُوا قِيَاسًا عَلَى الْمَمَالِيكِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا مَا احْتَجَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْهُ لَا يَلْزَمُ لِأَنَّ أَكْثَرَ مِنْ وَرَّثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَرَّثَهُمْ دُونَ الْمَوَالِي وَحَجَبَ الْمَوَالِيَ بِهِمْ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَمَالِيكِ وَالْكُفَّارِ عَيْنُ الْمُحَالِ
وَقَدْ تَقَصَّيْنَا احْتِجَاجَ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِ ((الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ)) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي الرَّدِّ
فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانَ يَجْعَلُ الْفَاضِلَ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ - إِذَا لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ - لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ والشافعي
وروي عن عمر وبن عباس وبن عُمَرَ مِثْلُ قَوْلِ زَيْدٍ فِي الْمَالِ الْفَائِضِ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ بِالرَّدِّ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ وَاجْمَعُوا أَنْ لا
стр. 2246
يُرَدَّ عَلَى زَوْجٍ وَلَا زَوْجَةٍ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ لَا يَصِحُّ وَلَعَلَّ ذَلِكَ الزَّوْجَ أَنْ يَكُونَ عَصَبَةً
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِيمَنْ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ ذَوِي السِّهَامِ وَالْعَصَبَاتِ وَمَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْهُمْ عِنْدَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى الرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ دُونَ بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَةِ فِي كِتَابِ ((الْإِشْرَافِ)) وَفُقَهَاءُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِالرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ لِأَنَّ قَرَابَةَ الدِّينِ وَالنَّسَبِ أَوْلَى مِنْ قَرَابَةِ الدِّينِ وَحْدَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(بَابُ ميراث أهل الملل)
١٠٥١ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الكافر))
١٠٥٢ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ إِنَّمَا وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْهُ عَلِيٌّ قَالَ فَلِذَلِكَ تَرَكْنَا نَصِيبَنَا مِنَ الشِّعْبِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يُتَابِعْ أحد من أصحاب بن شِهَابٍ مَالِكًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْمُسْنَدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ فَكُلُّ مَنْ رواه عن بن شهاب قال فيه عمر بْنُ عُثْمَانَ إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ
وَقَدْ وَقَفَهُ عَلَى ذَلِكَ يحيى القطان والشافعي وبن مَهْدِيٍّ وَأَبَى إِلَّا عُمَرَ بْنَ عُثْمَانَ
وَذَكَرَ بن مَعِينٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ قَالَ لِي مَالِكٌ تَرَانِي لَا أَعْرِفُ عُمَرَ مِنْ عَمْرٍو وَهَذِهِ دَارُ عُمَرَ وَهَذِهِ دَارُ عَمْرٍو
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ النسب أنه كان لعثمان بن يسمى عمر وبن يسمى عمروا إِلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لِعَمْرٍو عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا لِعُمَرَ وَلَهُ أَيْضًا مِنَ الْبَنِينَ أَبَانٌ وَالْوَلِيدُ وَسَعِيدٌ وَلَكِنَّ صَلِيبَةَ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ
стр. 2247
وممن قال في هذا الباب عن بن شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مَعْمَرٌ وبن عيينة وبن جُرَيْجٍ وَعَقِيلٌ وَيُونُسُ وَشُعَيْبٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَهَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ وَهُمْ أَوْلَى أَنْ يُسَلَّمَ لَهُمْ ويصوب قولهم
ومالك حافظ الدنيا ولكن الغلظ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ
وَقَالَتِ الْجَمَاعَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)) فَاقْتَصَرَ مَالِكٌ ﵀ عَلَى مَوْضِعِ الْفِقْهِ الَّذِي فِيهِ التَّنَازُعُ وَعَزَفَ عَنْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَقُلْ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَالِكٌ
وَجَاءَ مِنَ الْحَدِيثِ بِمَا فِيهِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَانَا يُوَرَّثَانِ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَا يَصِحُّ
وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ أَهْلُ الشِّرْكِ نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا
وَالصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي أَهْلِ الْكُفْرِ لَا نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا
ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب عن عمر
وروى مالك وبن جريج وبن عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي عَمَّتِهِ وَمَاتَتْ نصرانية ((يرثها أهل دينها))
ورواه بن جُرَيْجٍ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنِ الْعُرْسِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي عَمَّةِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ((يَرِثُهَا أَهْلُ دينها))
وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِ مُعَاذٍ وَمُعَاوِيَةَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ قَرَابَاتِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَا يَرِثُهُمُ الْكُفَّارُ محمد بن علي بن الْحَنَفِيَةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَسْرُوقٌ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ
وَرِوَايَةٌ عن إسحاق بن راهويه
وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا كَمَا نَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ وَلَا يَنْكِحُونَ نِسَاءَنَا
وَرَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ مُسْنَدًا قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي ((الْإِشْرَافِ
стр. 2248
وَقَالَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وزيد وبن مسعود وبن عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ كَمَا لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ
وَحُجَّتُهُمْ حديث بن شِهَابٍ هَذَا عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ((لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ))
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ عَلَى قَوْلَيْنِ
أَحَدُهُمَا أَنَّ مَالَهُ إِذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ
وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ فِي قَطْعِ وِلَايَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكُفَّارِ
وَعُمُومُ قَوْلِ رسول الله ﷺ ((لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ)) وَلَمْ يَخُصَّ مُرْتَدًّا مِنْ غَيْرِهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَجُمْهُورُ الْكُوفِيِّينَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ إِذَا قُتِلَ الْمُرْتَدُّ عَلَى ردته ورثه ورثته من المسلمين
قال يحيى بن آدم وهو قول جماعتنا
قَالَ وَلَا يَرِثُ الْمُرْتَدُّ أَحَدًا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ
وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ أُتِي عَلِيٌّ ﵁ بِالْمُسْتَوْرِدِ الْعِجْلِيِّ وَقَدِ ارْتَدَّ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَبَى فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَجَعَلَ مِيرَاثَهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ المسلمين
وهو قول بن مَسْعُودٍ
وَتَأَوَّلَ مِنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ)) أَيِ الْكَافِرَ الَّذِي يَقَرُّ عَلَى دِينِهِ
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَا دِينَ لَهُ وَلَا مِلَّةَ يَقَرُّ عَلَيْهَا
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنَّ قَرَابَةَ الْمُسْلِمِ الْمُرْتَدِّ مُسْلِمُونَ
стр. 2249
فَقَدْ جَمَعُوا الْقَرَابَةَ وَالْإِسْلَامَ
وَتَأَوَّلَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَعَلَ مِيرَاثَ الْمُرْتَدِّ لِقَرَابَتِهِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا رَأَى فِيهِمْ مِنَ الْحَاجَةِ وَكَانُوا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ وَلَا يُمْكِنُ عُمُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ بِمِيرَاثِهِ ذَلِكَ فَجَعَلَهُ لِوَرَثَتِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا عَلَى أَنَّهُ وَرَّثَهُمْ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمِيرَاثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِ أَهْلِ الْمِلَلِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ
فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْكُفْرَ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ فَلَا يَرِثُ عِنْدَهُ يَهُودِيٌّ نَصْرَانِيًّا وَلَا يَرِثُهُ النَّصْرَانِيُّ وَكَذَلِكَ الْمَجُوسِيُّ لَا يَرِثُ نَصْرَانِيًّا وَلَا يَهُودِيًّا ولا يرثانه
وهو قول بن شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
وَبِهِ قَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ))
رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَالَ هُشَيْمٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَحَمَّادٍ الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ يَتَوَارَثُونَ وَالْكَافِرُ يَرِثُ الْكَافِرَ عَلَى أَيِّ كُفْرٍ كَانَ لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ (قُلْ يَا أيها الكافرون) الْكَافِرُونَ ١ ثُمَّ قَالَ (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ) الْكَافِرُونَ ٦ فَلَمْ يَقُلْ أَدْيَانُكُمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَالْإِسْلَامَ مِلَّةٌ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) الْبَقَرَةِ ١٢٠ وَلَمْ يَقُلْ مِلَلَهُمْ فَجَعَلَهُمْ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ
قَالُوا وَيُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ((لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ)) وَقَوْلُهُ ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)) فَجَعَلُوا الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةً وَاحِدَةً)) وَالْإِسْلَامَ ملة
стр. 2250
وَقَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْقَاضِي يَجْعَلُونَ الْكُفْرَ ثَلَاثَ مِلَلٍ الْيَهُودُ وَالسَّامِرَةُ مِلَّةٌ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئُونَ مِلَّةٌ وَالْمَجُوسُ وَمَنْ لَا دِينَ لَهُ مِلَّةٌ وَالْإِسْلَامُ مِلَّةٌ عَلَى اختلاف عن شريك وبن أَبِي لَيْلَى فِي ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُمَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا فِي ذَلِكَ
وَأَمَّا تَقَدُّمُ إِسْلَامِ عَلِيٍّ ﵁ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَتَأَخُّرِ إِسْلَامِ عَقِيلٍ فَمَذْكُورٌ خَبَرُهُمَا بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا الشِّعْبُ فَشِعْبُ بَنِي هَاشِمٍ مَعْرُوفٌ وَإِلَيْهِ أَخْرَجَتْهُمْ قُرَيْشٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ حِينَ تَقَاسَمُوا عَلَيْهِمْ فِي أَنْ لَا يُبَايِعُوا وَلَا يَدْخُلُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُمْ
وَالشِّعْبُ فِي ((لِسَانِ الْعَرَبِ)) مَا انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا وَمِنْ شِعَابِ مَكَّةَ أَزِقَّتُهَا وَأَبْطَانُهَا لِأَنَّهَا بَيْنَ آطَامٍ وَجِبَالٍ وَأَوْدِيَةٍ
١٠٥٣ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمَّةً لَهُ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً تُوُفِّيَتْ وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ ذكر ذلك لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَالَ لَهُ مَنْ يَرِثُهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا ثُمَّ أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ أَتُرَانِي نَسِيتُ مَا قَالَ لَكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا
١٠٥٤ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنْ نَصْرَانِيًّا أَعْتَقَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَلَكَ قَالَ إِسْمَاعِيلُ فَأَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ أَجْعَلَ مَالَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ
فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ نَسَبٍ فَصَارَ مَالُهُ فَيْئًا فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَذَلِكَ أَنَّ وَلَاءَ الْمُسْلِمِ يَمْنَعُهُ الْكُفْرُ مِنَ الْمِيرَاثِ وَلَوْ أَسْلَمَ وِرِثَهُ كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَهُ نَصْرَانِيًّا لَمْ يَرِثْهُ فَلَوْ أَسْلَمَ وَرِثَهُ
وَالْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي النَّصْرَانِيِّ يُعْتِقُهُ الْمُسْلِمُ وَفِي عَبْدٍ نَصْرَانِيٍّ يُسْلِمُ فَيُعْتِقُهُ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 2251
أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَيَّاشُ بِمِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ - مَالِكُ بْنُ يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ - قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ قَالَ مِيرَاثُهُ لِقَرَابَتِهِ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَفِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا فَمَاتَ الْعَبْدُ وَتَرَكَ مَالًا قَالَ مِيرَاثُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يُعَضِّدُهُ الْحَدِيثُ ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ)) ((وَلَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ))
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ((لَا نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا)) وَقَوْلُهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ فِي عَمَّتِهِ ((يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا))
وروى بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أُمَتَهُ))
وَهَذَا عِنْدِي أَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا لَا مُعْتَقًا لِأَنَّ الْوَلَاءَ وَالنَّسَبَ
١٠٥٥ - مَالِكٌ عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُوَرِّثَ أَحَدًا مِنَ الْأَعَاجِمِ إِلَّا أَحَدًا وُلِدَ فِي الْعَرَبِ
قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ فَوَضَعَتْهُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَهُوَ وَلَدُهَا يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ وَتَرِثُهُ إِنْ مَاتَ مِيرَاثُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ
قال أبو عمر لا أعلم الثقة ها هنا مَنْ هُوَ وَالْخَبَرُ عَنْ عُمَرَ مُسْتَفِيضٌ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَّا أَنَّهَا مُخْتَلِفَةُ الْمَعْنَى فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُوَرِّثِ الْحُمَلَاءَ حَمْلَةً لَا بِبَيِّنَةٍ وَلَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ
وَالْحُمَلَاءُ جَمْعُ حَمِيلٍ وَالْحَمِيلُ الْمُتَحَمَّلُ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ
وَقِيلَ الْحَمِيلُ الَّذِي يَحْمِلُ نَسَبَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا بِقَوْلِهِ مِنْهُمْ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ أَنَّهُ وَرَّثَ الْحَمِيلَ إِذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَحَرَمَهُ الْمِيرَاثَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ
стр. 2252
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَمِلُونَ وَيَصِلُونَ مِنْ أَرْحَامِهِمْ
وَعَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَوْجُهِ وَالْمَعَانِي اخْتِلَافُ العلماء في توريث الحملاء
ذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يُوَرِّثُونَ الْحَمِيلَ
قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ أَنْ لَا يُوَرَّثَ أَحَدٌ بِوِلَادَةِ الشِّرْكِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُعْتَمِرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ لَا يورث بولاية الشرك
وذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَدْرَكْتُ الْحُمَلَاءَ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ لَا يُوَرَّثُونَ
وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُوَرِّثُ بِوِلَادَةِ الْأَعَاجِمِ
وَمَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ لَا يُوَرِّثُوا الْحَمِيلَ بِوِلَادَةِ الْكُفْرِ
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُهُمْ بِالْبَيِّنَةِ فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخِطَّابِ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يُوَرِّثَ الْحَمِيلَ إلا ببينة
وذكر بن أبي شيبة قال حدثني بن نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى شُرَيْحٍ أَلَّا يُوَرَّثَ الْحَمِيلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ
وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ والحسن وبن سِيرِينَ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي مَعْنَى حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا وَمَا كَانَ مثله من توريث الحميل
فقال بن الْقَاسِمِ إِنَّمَا تَفْسِيرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَا يَتَوَارَثُ بِوِلَادَةِ الْأَعَاجِمِ فِي الدَّعْوَى خَاصَّةً
وَأَمَّا إِنْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِعُدُولٍ مُسْلِمِينَ كَانُوا عندهم فهم كولادة الإسلام
وقال ربيعة وبن هُرْمُزَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَوْ ثَبَتَ بِالْعُدُولِ مَا تَوَارَثُوا
стр. 2253
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ السُّنَّةُ فِي أَوْلَادِ الْأَعَاجِمِ إِذَا وُلِدُوا بِأَرْضِهِمْ ثُمَّ يُحْمَلُوا إِلَيْنَا أَنْ لَا يَتَوَارَثُوا
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ كَانَ أَبِي وَمَالِكٌ وَالْمُغِيرَةُ وبن دينار يقولون بقول بن هُرْمُزَ وَرَبِيعَةَ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ قبل موته بيسير فقال بقول بن شِهَابٍ أَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ
وقال الشافعي إذا جاؤونا مُسْلِمِينَ لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ قَبِلْنَا دَعْوَاهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَدْرَكَهُمُ السِّبَاءُ وَالرِّقُّ وَثَبَتَ عَلَيْهِمُ الْوَلَاءُ وَالْمِلْكُ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُمْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ
وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ عُمَرَ وَذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قَالَ عُمَرُ كُلُّ نَسَبٍ يُتَوَاصَلُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ فَهُوَ وَارِثٌ مَوْرُوثٌ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَطَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْأَرْحَامِ الَّتِي يتواصلون بها
قال وحدثني بن إِدْرِيسَ عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ إِذَا كَانَ نَسَبًا مَعْرُوفًا مَوْصُولًا وَرِثَ - يَعْنِي الْحَمِيلَ
وَقَالَ مَسْرُوقٌ إِذَا اشْتُهِرَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ يُحْرَمُ مِنْهُ وَمَنْ بَيْنِهِ مَا يُحْرَمُ الْأَخُ مِنْ أَخِيهِ وَرَّثْنَاهُ مِنْهُ
قَالَ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن أبي عدي عن بن عَوْنٍ قَالَ ذُكِرَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي الْحُمَلَاءِ لا يتوارثوا إِلَّا بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ
فَقَالَ مُحَمَّدٌ قَدْ تَوَارَثَتِ المهاجرون والأنصار بنسبهم الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنَا أُنْكِرُ أَنْ يكون عمر كتب بهذا
وروى بن وَهْبٍ فِي ((مُوَطَّئِهِ)) عَنْ مَالِكٍ فِي أَهْلِ مَدِينَةٍ أَوْ حِصْنٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَسْلَمُوا فشهد بعضهم لبعض أن هذا بن هَذَا وَهَذَا أَخُو هَذَا أَوْ أَبُو هَذَا فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ
стр. 2254
قَالَ وَأَمَّا الَّذِينَ يُسْبَوْنَ فَيُسْلِمُونَ وَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَإِنَّهُمْ لَا يُقْبَلُونَ وَلَا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ
وروى بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي أَهْلِ حِصْنٍ تَحَمَّلُوا وَنَزَلُوا بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ وَأَسْلَمُوا أَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِشَهَادَةِ بعضهم لبعض إذا كانوا عددا كثيرا وأرى الْعِشْرِينَ كَثِيرًا
وَقَالَ سَحْنُونُ لَا أَسْمَعُ بِأَنَّ الْعِشْرِينَ كَثِيرًا وَهُمْ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ
الْحُمَلَاءُ الَّذِينَ لَا يَتَوَارَثُونَ بِقَوْلِهِمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اضْطَرَبَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْبَابِ اضْطِرَابًا كَثِيرًا
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ مِيرَاثِ الْحُمَلَاءِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَالسُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِقَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ وَلَا رَحِمٍ وَلَا يَحْجُبُ أَحَدًا عَنْ مِيرَاثِهِ
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا يَرِثُ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ وَارِثٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْجُبُ أَحَدًا عَنْ مِيرَاثِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مِيرَاثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ فِي هَذَا الْبَابِ
وَالْوَلَاءُ وَالنَّسَبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
وَمَنْ لَا يَرِثِ بِالنَّسَبِ فَمَا لِوَلَاءِ أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَرِثَ وَهَذَا مَا لَا خِلَافِ فِيهِ
وَأَمَّا الْحَجْبُ فَمَنْ لَا يَرِثُ مِنْ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ قَاتِلِ عَمْدٍ
فذهب بن مَسْعُودٍ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ وَالْعَبْدَ وَالْقَاتِلَ يَحْجُبُونَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَرِثُونَ
وَقَالَ بِقَوْلِهِ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ دَاوُدَ اخْتَلَفُوا في ذلك
واختلف عن بن مَسْعُودٍ فِي حَجْبِ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ بِالْكُفَّارِ وَالْعَبِيدِ
وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي حَجْبِ الزَّوْجَيْنِ وَالْأُمِّ بِهِمْ
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا يَحْجُبُ مَنْ لَا يَرِثُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ
وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْمَغْرِبِ
стр. 2255
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ فِي الْمَمْلُوكِينَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ لَا يَحْجُبُونَ وَلَا يَرِثُونَ
قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي صَادِقٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَا يَحْجُبُونَ وَلَا يَرِثُونَ
قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ عُمَرُ لَا يَحْجُبُ مَنْ لَا يَرِثُ
قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ بن أبي ليلى عن الشعبي قال كان بن مَسْعُودٍ يَحْجُبُ بِالْمَمْلُوكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا يُوَرِّثُهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(١٤ - بَابُ مِنْ جُهِلَ أَمْرُهُ بِالْقَتْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ)
١٠٥٦ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَارَثْ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَيَوْمَ صِفِّينَ وَيَوْمَ الْحَرَّةِ ثُمَّ كَانَ يَوْمُ قُدَيْدٍ فَلَمْ يُوَرَّثْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَنْ صَاحَبِهِ شَيْئًا إِلَّا مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ قَبْلَ صَاحِبِهِ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي كُلِّ مُتَوَارِثَيْنِ هَلَكَا بِغَرَقٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوْتِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ لَمْ يَرِثْ أَحَدٌ منهما من صاحبه شيئا وكان ميراثهما لِمَنْ بَقِيَ مِنْ وَرَثَتَيْهِمَا يَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَرَثَتَهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ إِلَى سَائِرِ قَوْلِهِ فِي الْبَابِ مِنْ مَسَائِلِهِ الَّتِي فَسَّرَ بِهَا أَصْلَ مَذْهَبِهِ هَذَا وَهُوَ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثابت وجمهور أهل المدينة وهو قول بن شِهَابٍ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب وَإِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ﵃ أَنَّهُ يُوَرِّثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْغَرْقَى وَالْقَتْلَى وَمَنْ مَاتَ تَحْتَ الْهَدْمِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِمَّنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُمْ فَلَا يُدْرَى أَيُّهُمْ مَاتَ أَوَّلًا مِنْ صَاحِبِهِ
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وعلي من وجوه ذكرها بن أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ
وَحَدِيثُ إِيَاسِ بْنِ عَبْدٍ - ويقال بن عبد الله المزني رواه بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ
стр. 2256
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنْ إِيَاسٍ الْمُزَنِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْتٍ وَقَعَ عَلَى قَوْمٍ فَمَاتُوا فَقَالَ يُوَرَّثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْفُرَّاضُ وَغَيْرُهُمْ عَنْهُمْ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ وَجُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ
وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُوَرِّثُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا يُرَدُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا وَرِثَ عَنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا
مِثَالُ ذَلِكَ كَانَ زَوْجًا وَزَوْجَةً غَرِقَا جَمِيعًا وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَتُمِيتُ الزَّوْجَةَ أَوَّلًا فَنَصِيبُ الزَّوْجِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ يُمِيتُ الزَّوْجَ فَنَصِيبُ الزَّوْجَةِ مِنَ الْأَلِفِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ مَالِهِ مئتان وخمسون درهم ولا تورثها عن الْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي وَرِثَهَا عَنْهَا وَلَا تُورِثُهُ مِنَ الْمِائَتَيْنِ وَالْخَمْسِينَ الَّتِي وَرِثَتْهَا مِنْهُ فَلَا يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنَ الْمِقْدَارِ الَّذِي يُوَرَّثُهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَيَرِثُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا شَهِدَتْ بِأَنَّ طَلْحَةَ مَاتَ قَبْلَ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ يَوْمَ الْجَمَلِ وَشَهِدَ بِذَلِكَ مَعَهَا غَيْرُهَا فَوَرِثَ طَلْحَةَ ابْنُهُ محمدا وورث محمد ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ
(١٥ - بَابُ مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزنى)
١٠٥٧ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كان يقول في ولد الملاعنة وولد الزنى إِنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِثَتْهُ أُمُّهُ حَقَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَيَرِثُ الْبَقِيَّةَ مَوَالِي أُمِّهِ إِنْ كَانَتْ مُوَلْاةً وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً وَرِثَتْ حَقَّهَا وَوِرْثُ إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ
قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ
قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا مَذْهَبُ زيد بن ثابت - كان يورث من بن الْمُلَاعَنَةِ كَمَا يُوَرِّثُ مَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَجْعَلُ عَصَبَةَ أُمِّهِ عَصَبَةً لَهُ وَيَجْعَلُ مَا فَضَلَ عَنْ أُمِّهِ لِبَيْتِ مَالِ
стр. 2257
الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ إِخْوَةٌ لِأُمٍّ فَيُعْطَوْنَ حُقُوقَهُمْ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَ بن الْمُلَاعَنَةِ وَالْبَاقِي فِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مُوَلَاةً جَعَلَ الْبَاقِي مِنْ فَرْضِ ذَوِي السِّهَامِ لِمَوَالِي أُمِّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَوْلًى حَيٌّ جَعَلَهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ
وعن بن عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ
وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ وَسُلَيْمَانُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العزيز وبن شِهَابٍ وَرَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ يَجْعَلُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيَجْعَلُونَ مَا فَضَلَ عَنْ فَرْضِ أُمِّهِ وَإِخْوَتِهِ رَدًّا عَلَى أُمِّهِ وَعَلَى إِخْوَتِهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمُّ مَوْلَاةً فَيَكُونُ الْفَاضِلُ لِمَوَالِيهَا
وَأَمَّا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا عَصَبَتَهُ عَصَبَةَ وَلَدِهِ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حدثني بن أَبِي لَيْلَى عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ الله أنهما قالا في بن الْمُلَاعَنَةِ عَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ
قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عمر قال بن الْمُلَاعَنَةِ عَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ يَرِثُهُمْ وَيَرِثُونَهُ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا وبن مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَجْعَلَانِ أُمَّهُ عَصَبَتَهُ فَتُعْطَى الْمَالَ كُلَّهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ فَمَالُهُ لِعَصَبَتِهَا
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَمَكْحُولٌ
وَمِثْلُ ذلك أيضا عن الشعبي وقتادة وبن سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَطَاءٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَشَرِيكٍ وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَجْعَلُ ذَا السَّهْمِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ
وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ أَوْضَحْنَاهَا في ((التمهيد
стр. 2258
وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى خِلَافِ قَوْلِ زَيْدٍ في حديث بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَلْحَقَ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ بِأُمِّهِ
وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قال جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِيرَاثَ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا
وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ عَتِيقُهَا ولقيطها وولدها الذي لا عنت عَلَيْهِ
وَمَكْحُولٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَ ذَلِكَ مِثْلَهُ
ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ
ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى صَدِيقٍ لِي مَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ بَنِي زُرَيْقٍ أَسْأَلُهُ عَنْ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ لِمَنْ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنِّي سَأَلْتُ فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَضَى بِهِ لِأُمِّهِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قِيلَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ هِيَ فِي ابْنِهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ تَكُونُ عَصَبَةً لَهُ وَعَصَبَتُهَا عَصَبَةٌ لِوَلَدِهَا وَصَارَ حُكْمُ التَّعْصِيبِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْأَبِ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ وَصَارَتْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ
فَعَلَى هَذَا تَحْجُبُ الْإِخْوَةَ
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ أَلْحَقَ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ بِعَصَبَةِ أُمِّهِ
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَأَلْتُ بِالْمَدِينَةِ كَيْفَ صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ قَالَ أَلْحَقَهُ بِعَصَبَةِ أُمِّهِ
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا قَالَ بَعَثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ رَجُلًا إِلَى الْحِجَازِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ يسأل عن ميراث بن الْمُلَاعَنَةِ فَجَاءَهُمُ الرَّسُولُ أَنَّهُ لِأُمِّهِ وَعَصَبَتِهَا
стр. 2259
وعن بن عَبَّاسٍ قَالَ اخْتُصِمَ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ فَأَعْطَى أُمَّهُ الْمِيرَاثَ وَجَعَلَهَا عَصَبَتَهُ
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَشْهَرُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عِنْدَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ
وقد روى خلاس عن علي في بن الْمُلَاعَنَةِ مِثْلَ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَا فَضَلَ عَنْ إِخْوَتِهِ فَلِبَيْتِ الْمَالِ
وَأَنْكَرُوهَا عَلَى خِلَاسٍ وَلِخِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ أَخْبَارٌ يُصِرُّ كَثِيرٌ مِنْ أَنَّهَا نَكَارَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
تَمَّ كِتَابُ الْفَرَائِضِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
стр. 2260
(٢٨ كِتَابُ النِّكَاحِ)
(١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخِطْبَةِ)
١٠٥٨ - مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ))
١٠٥٩ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال ((لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ))
قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَتَرْكَنُ إِلَيْهِ وَيَتَّفِقَانِ عَلَى صَدَاقٍ وَاحِدٍ مَعْلُومٍ وَقَدْ تَرَاضَيَا فَهِيَ تَشْتَرِطُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهَا فَتِلْكَ الَّتِي نَهَى أَنْ يَخْطُبَهَا الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُوَافِقْهَا أَمْرُهُ وَلَمْ تَرْكَنْ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَخْطُبَهَا أَحَدٌ فَهَذَا بَابُ فَسَادٍ يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ بِنَحْوِ مَا فَسَّرَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ
стр. 2261
وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ كُلُّهُمْ يَتَّفِقُونَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ
وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبَاحَ الْخِطْبَةَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَلَى خِطْبَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ حِينَ خَطَبَا فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُشَاوِرَةً لَهُ فَخَطَبَهَا لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَلَى خِطْبَتِهَا
وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَفْعَلُ مَا يَنْهَى عَنْهُ
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ادَّعَى نسخا في أحاديث هذا الباب فدل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ مِنَ الرُّكُونِ وَالرِّضَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي قَوْلِ أُسَامَةَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ))
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ
فَإِذَا رَكَنَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا وَوَقَعَ الرِّضَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ حِينَئِذٍ الْخِطْبَةُ عَلَى مَنْ رُكِنَ إِلَيْهِ وَرُضِيَ بِهِ وَاتُّفِقَ عَلَيْهِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عَاصِيًا إِذَا كَانَ بِالنَّهْيِ عَالِمًا
وَاخْتَلَفُوا فِي فَسْخِ نِكَاحِهِ وَسَنَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وقد روى بن وهب عن الليث وبن لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ
стр. 2262
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول ((الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ))
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مَا جَاءَ عَنِ السلف ما رواه بن وَهْبٍ فِي ((مُوَطَّئِهِ)) قَالَ أَخْبَرَنَا مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ أَنَّ جَرِيرًا الْبَجَلِيَّ أَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَيْهِ امْرَأَةً مِنْ دَوْسٍ ثُمَّ أَمَرَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَخْطُبَهَا عَلَيْهِ ثُمَّ أَمَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَهَا بِهِمُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ثُمَّ خَطَبَهَا مَعَهُمْ لِنَفْسِهِ فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَتَلْعَبُ أَمْ أَنْتَ جَادٌّ قَالَ بَلْ جَادٌّ فَنَكَحَتْهُ فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَيْنِ
وَفِي سَمَاعِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ سَمِعَتْ مَالِكًا يَقُولُ أَكْرَهُ إِذَا بَعَثَ الرَّجُلُ رَجُلًا يَخْطُبُ لَهُ امْرَأَةً أَنْ يَخْطُبَهَا الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَأَرَاهَا خِيَانَةً
وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا رَخَّصَ فِي ذَلِكَ
قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ امرأة وركنت إليه واتفقا عَلَى صَدَاقٍ مَعْلُومٍ حَتَّى صَارَتْ مِنَ اللَّائِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ))
قَالَ مَالِكٌ إِذَا كَانَ هَكَذَا فَمَلَكَهَا زَوْجٌ آخَرُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا
وَإِنْ دَخَلَ بِهَا مَضَى النِّكَاحُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ حِينَ خَطَبَ امْرَأَةً فِي حَالِ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَخْطُبَ عَلَيْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ فِيمَنْ خَطَبَ بَعْدَ الركون على خطبة أخيه أنه يُفْسَخَ نِكَاحُهُ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ فَإِنْ نَكَحَ لَمْ يُفْسَخْ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لا يفسخ أصلا وإن كان عاصيا يفعله
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ بِعَاصٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِالنَّهْيِ عَالِمًا وَغَيْرَ مُتَأَوِّلٍ
وَقَالَ دَاوُدُ يُفْسَخُ نكاحه على كل حال
стр. 2263
وقال بن الْقَاسِمِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ بَعْدَ أَنْ رَكَنَتْ إِلَى غَيْرِهِ فَدَخَلَ بِهَا فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ الَّذِي خَطَبَهَا عَلَيْهِ وَيُعَرِّفُهُ بِمَا صَنَعَ فَإِنْ حَلَّلَهُ وَإِلَّا فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ يَلْزَمُهُ طَلَاقُهَا وَقَدْ أَثِمَ فِيمَا فَعَلَ
قَالَ بن وَهْبٍ إِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ الْأَوَّلُ فِي حِلٍّ مِمَّا صَنَعَ فَلْيُطَلِّقْهَا فَإِنْ رَغِبَ فِيهَا الْأَوَّلُ وتزوجها فقد بريء هَذَا مِنَ الْإِثْمِ وَإِنْ كَرِهَ تَزْوِيجَهَا فَلْيُرَاجِعْهَا الَّذِي فَارَقَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَيْسَ يُقْضَى عَلَيْهِ بالفراق
وقال بن الْقَاسِمِ إِنَّمَا مَعْنَى النَّهْيِ فِي أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ فِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الَّذِي خَطَبَهَا أَوَّلًا فَرَكَنَتْ إِلَيْهِ رَجُلَ سُوءٍ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ أَنْ يَحُضَّهَا عَلَى تَزْوِيجِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُعَلِّمُهَا الْخَيْرَ وَيُعِينُهَا عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((أن يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ أَوْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ)) وَالْبَيْعُ عِنْدَهُمْ (مَكْرُوهٌ) غَيْرُ مَفْسُوخٍ فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ بُضْعَهَا بِالرُّكُونِ دُونَ الْعَقْدِ وَلَا كَانَتْ لَهُ بِذَلِكَ زَوْجَةً يَجِبُ بَيْنَهُمَا الْمِيرَاثُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَضَى مَالِكٌ بِفَسْخِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ
وَفَسْخُ النِّكَاحِ عِنْدَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ بَابِ إِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ لِيُدْرِكَ الْعَمَلَ عَلَى سُنَّتِهِ وَكَمَالِ حُسْنِهِ
وَالرُّكُونُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ السُّكُونُ إِلَى الشَّيْءِ بِالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالْإِنْصَاتِ إِلَيْهِ وَنَقِيضُهُ النُّفُورُ عَنْهُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) هُودٍ ١١٣
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ تَشْدِيدٌ وَتَغْلِيظٌ رَوَاهُ بن السَّرْحِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ أَنَّ زِيَادَ بْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ لَئِنْ يَجْمَعُ الرَّجُلُ حَطَبًا حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْجَبَلِ ثُمَّ يُوقِدُهُ بِالنَّارِ فَإِذَا احْتَرَقَ اقْتَحَمَ فِيهِ حَتَّى يَصِيرَ رَمِيمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ إِحْدَى ثَلَاثٍ
يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ أَوْ يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ أَوْ يُصِرُّ لِقْحَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ وَكَمُلَ النِّكَاحُ لَهُ ارْتَفَعَ الْوَعِيدُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً فَمَغْفُورٌ مَعَ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ
١٠٦٠ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أنه كَانَ يَقُولُ فِي
стр. 2264
قَوْلِ اللَّهِ ﵎ (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ (١) بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا) الْبَقَرَةِ ٢٢٥ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا إِنَّكِ عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا وَرِزْقًا وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حَرَّمَ اللَّهُ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ بِقَوْلِهِ (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) الْبَقَرَةِ ٢٣٥ وَأَبَاحَ التَّعْرِيضَ بِالنِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ
وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْمُحْكَمِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى تَأْوِيلِهِ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَلْفَاظِ التَّعْرِيضِ
فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْهُ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ فِي ذَلِكَ قَالَ يَقُولُ إِنِّي بِكِ لَمُعْجَبٌ وَإِنِّي فِيكِ رَاغِبٌ وَإِنِّي عَلَيْكِ لَحَرِيصٌ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مجاهد عن بن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فيما عرضتم به من خطبة النساء) البقرة ٢٣٥ قَالَ التَّعْرِيضُ مَا لَمْ يَنْصِبْ لِلْخِطْبَةِ
وَرَوَاهُ بن جَرِيرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَنْصُورٍ وَزَادَ يَقُولُ إِنِّي فِيكِ رَاغِبٌ وَإِنِّي أُرِيدُ امْرَأَةً أَمْرُهَا كَذَا يُعَرِّضُ لَهَا
وَشُعْبَةُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ
وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ وَوَكِيعٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ منصور عن مجاهد قال يقول إِنَّكِ لَجَمِيلَةٌ وَإِنَّكِ لَنَافِقَةٌ وَإِنْ قَضَى اللَّهُ أمرا كان
وبن جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ
وَقَالَ الْحَسَنُ لَا يَقُولُ لَهَا إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ تَزَوَّجْتُكِ وَيَقُولُ لَهَا مَا شَاءَ
وَقَالَ عُبَيْدَةُ يَذْكُرُهَا لِوَلِيِّهَا ولا يشعرها
стр. 2265
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِكِ وَإِنِّي عَلَيْكِ لَحَرِيصٌ
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ لَا يَرَى بِذَلِكَ كُلِّهِ بَأْسًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ (بْنِ) عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لِفَاطِمَةَ ابْنَةِ قَيْسٍ انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ وَلَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِكِ
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ عن بن إِدْرِيسَ وَمُحَمَّدٌ عَنْ بِشْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ
(٢ - بَابُ اسْتِئْذَانِ الْبِكْرِ وَالْأَيِّمِ فِي أَنْفُسِهِمَا)
١٠٦١ - مالك عن عبد الله بن الفضل عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((الْأَيِّمُ (١) أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا))
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا حَدِيثٌ رَفِيعٌ صَحِيحٌ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ أَشْرَافٌ
فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ
وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْجُلَّةِ منهم شعبة وسفيان الثوري وبن عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مَالِكٍ))
وَاخْتَلَفَ رُوَاتُهُ فِي لَفْظِهِ فَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ فِيهِ الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا
وَقَالَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَمِمَّنْ قَالَ بذلك بن عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
стр. 2266
قال حدثني بن أبي عمر قال حدثني بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا))
وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ صَمْتُهَا إِقْرَارُهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ فِيهِ الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا جَاءَ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَهُ
وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ
فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ الْأَيِّمُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ الَّتِي آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِمَوْتِهِ أَوْ طَلَاقِهِ وَهِيَ الثَّيِّبُ
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ
فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ ... وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ مِنْهُنَّ أَيِّمُ)
يَقُولُ لَيْسَ مِنْهُنَّ مَنْ قُتِلَ زَوْجُهَا
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ حِينَ تَأَيَّمَتِ ابْنَتُهُ حَفْصَةُ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ الْحَدِيثَ
وَبِحَدِيثِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ آمَتْ حَفْصَةُ مِنْ زَوْجِهَا وآمَ عُثْمَانُ مِنْ رُقَيَّةَ الْحَدِيثَ
قَالُوا فَالْأَيِّمُ هُنَا الثَّيِّبُ
وَإِنْ كَانَتِ الْعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا أَيِّمًا فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الِاتِّسَاعِ
وَأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ عَدَمُ الزَّوْجِ بَعْدَ أَنْ كَانَ
قَالُوا وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى الْأَيِّمُ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُجْمَلٌ
وَالْمَصِيرُ إِلَى الرِّوَايَةِ الْمُفَسِّرَةِ أَشْهَرُ فِي الْحُجَّةِ
وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ وَسَعِيدٌ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهِبٍ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ جبير بن مطعم عن بن
стр. 2267
عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((الثَّيِّبُ أَوْلَى بِأَمْرِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا))
قَالُوا وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَيِّمَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ الثَّيِّبُ
كَمَا رَوَاهُ مَنْ رَوَاهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فَذَكَرَ الْبِكْرَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْأَيِّمَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا الثَّيِّبُ
قَالُوا وَلَوْ كَانَتِ الْأَيِّمُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُلَّ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا مِنَ النِّسَاءِ لَبَطَلَ قوله ﷺ ((لا نكاح إِلَّا بِوَلِيٍّ)) وَلَكَانَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَكَانَ هَذَا التَّأْوِيلُ رَدَّ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فِي أَنْ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وردا لقوله تعالى (فبلغن أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) الْبَقَرَةِ ٢٣٢ يُخَاطِبُ الْأَوْلِيَاءَ بِذَلِكَ
وَلِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)) دَلَّ عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّهَا حَقًّا لَكِنَّهَا أَحَقُّ مِنْهُ وَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْوَلِيِّ عَلَى الْبِكْرِ فَوْقَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يُنْكِحُ الثَّيِّبَ إِلَّا بِأَمْرِهَا وَيُنْكِحُ الْبِكْرَ بِغَيْرِ أَمْرِهَا
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِئْذَانُهَا وَاسْتِئْمَارُهَا
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْوَلِيَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْأَبُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُنْكِحُ الثَّيِّبَ مِنْ بَنَاتِهِ إِلَّا بِأَمْرِهَا وَلَهُ أَنْ يُنْكِحَ الْبِكْرَ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ أَمْرِهَا
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ
وَاحْتَجُّوا بِضُرُوبٍ مِنَ الْحُجَجِ مَعْنَاهَا مَا وَصَفْنَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي قَوْلِهِ ﷺ ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا)) دَلَائِلُ وَمَعَانٍ وَفَوَائِدُ
أَحَدُهَا أَنَّ الْأَيِّمَ إِذَا كَانَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا فَغَيْرُ الْأَيِّمِ وَلِيُّهَا أَحَقُّ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا وَلَوْ كَانَتَا جَمِيعًا أَحَقَّ بِأَنْفُسِهِمَا مِنْ وَلِيِّهِمَا لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِ الْأَيِّمِ مَعْنًى
وَمِثْلُ هَذَا مِنَ الدَّلَائِلِ قَوْلُ اللَّهِ (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) الطَّلَاقِ ٦ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُنَّ إذا لم يكمن أولات حمل
стр. 2268
وَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ((مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ)) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لِلْمُشْتَرِي (إِذَا) بِيعَتْ قَبْلَ أَنْ تُؤَبَّرَ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّتِي يُخَالِفُهَا وَلَيُّهَا أَحَقُّ بِهَا
وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَتُسْتَأْمَرُ الْبِكْرُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا)) دَلَالَةٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ فِي أَمْرَيْنِ
أَحَدُهُمَا أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ الصَّمْتُ وَالَّتِي تُخَالِفُهَا الْكَلَامُ
وَالْآخَرُ أَنَّ أَمْرَهُمَا فِي وِلَايَةِ أَنْفُسِهِمَا مُخْتَلِفٌ فَوِلَايَةُ الثَّيِّبِ أَنَّهَا أَحَقُّ مِنَ الْوَلِيِّ
قَالَ وَالْوَلِيُّ ها هنا الْأَبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ دُونَ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ
أَلَا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الْأَوْلِيَاءِ غَيْرَ الْأَبِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَةَ وَلَا لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْبِكْرَ الْكَبِيرَةَ إِلَّا بِإِذْنِهَا وَذَلِكَ لِلْأَبِ فِي بَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ بَوَالِغَ أَوْ غَيْرِ بَوَالِغَ
وَهُوَ الْمُطْلَقُ الْكَامِلُ الْوِلَايَةِ لِأَنَّ مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَا يَسْتَحِقُّونَ الْوَلَاةَ إِلَّا بِهِ وَقَدْ يَشْتَرِكُونَ فِيهَا وَهُوَ يَنْفَرِدُ بِهَا فَلِذَلِكَ وَجَبَ لَهُ اسْمُ الْوَلِيِّ مُطْلَقًا
وَذَكَرَ حَدِيثَ خنساء بنت خدام أن رسول الله رَدَّ نِكَاحَهَا وَكَانَتْ ثَيِّبًا إِذْ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا
قَالَ وَأَمَّا الِاسْتِئْمَارُ لِلْبِكْرِ فَعَلَى اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ وَرَجَاءِ الْمُوَافَقَةِ وَخَوْفِ مُوَافَقَةِ الْكَرَاهَةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) آلِ عِمْرَانَ ١٥٩
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ رَدُّ مَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ولكن ليفتدي بِهِ
وَفِي هَذَا الْمَعْنَى آثَارٌ ذَكَرْنَاهَا فِي ((التَّمْهِيدِ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَحَدِيثُ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي بَابِ ((جَامِعِ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ)) وَكَانَ هَذَا الْبَابُ أَوْلَى بِهِ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 2269
وَقَالَ آخَرُونَ الْأَيِّمُ كُلُّ امْرَأَةٍ لَا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا واستشهدوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ
(فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإِنْ تَتَأَيَّمِي ... وَإِنْ كُنْتُ أَفْتَى مِنْكُمْ أَتَأَيَّمُ)
أَيْ تَبْقِينَ بِلَا زَوْجٍ
وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشَّمَّاخِ
(يُقِرُّ بِعَيْنِي أَنْ أُنَبَّأَ أَنَّهَا ... وَإِنْ لَمْ أَنَلْهَا أَيِّمٌ لَمْ تَزَوَّجْ)
وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ
(لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِيٍّ ... أَيِّمٍ مِنْهُمْ وَنَاكِحِ)
(إِنْ لَمْ يُغِيرُوا غَارَةً ... شَعْوَاءَ تَحْجُرُ كُلَّ نَائِحِ)
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَيِّمَ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَيِّمُ هِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا بَالِغًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا
قَالَ وَلَمْ يَدْخُلِ الْأَبُ فِي جُمْلَةِ الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّ أَمْرَهُ فِي وَلَدِهِ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَا يُشْبِهُونَهُ وَلَيْسَتْ لَهُمْ أَحْكَامُهُ
قَالَ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَيِّمَ كُلُّ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) الآية النُّورِ ٣٢ يَعْنِي كُلَّ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا
قَالَ وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ مَعْنَيَانِ
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَيَامَى كُلَّهُنَّ أَحَقُّ بِأَنْفُسِهِنَّ مِنْ أَوْلِيَائِهِنَّ وَهُمْ مَنْ عَدَا الْأَبِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ
وَالْمَعْنَى الْآخَرُ تَعْلِيمُ النَّاسِ كَيْفَ يَسْتَأْذِنُونَ الْبِكْرَ وَأَنَّ إِذْنَهَا صُمَاتُهَا لِأَنَّهَا تَسْتَحِي أَنْ تُجِيبَ بِلِسَانِهَا
قَالَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَبَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَةَ إِذَا بَلَغَتْ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ
стр. 2270
بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَلْزَمُهَا ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ لَهَا فِي نَفْسِهَا خِيَارٌ إِذَا بَلَغَتْ
وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَةَ لِدُخُولِهَا فِي جُمْلَةِ الْأَيَامَى وَلَوْ كَانَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا حَتَّى تَبْلُغَ وَتُسْتَأْذَنَ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ تَأَمَّلَ الْمَعْنَيَيْنِ وَاحْتِجَاجِ الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ الْقَوِيُّ فِيهِمَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
١٠٦٢ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أنه قال قال عمر بن الْخَطَّابِ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا أَوْ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَوِ السُّلْطَانِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ عُمَرَ هَذَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّ قَوْلَهُ وَلِيِّهَا أَوْ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَوِ السُّلْطَانِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ جَائِزٌ إِنْكَاحُهُ وَنَافِذٌ فِعْلُهُ إِذَا أَصَابَ وَجْهَ الصَّوَابِ مِنَ الْكَفَاءَةِ وَالصَّلَاحِ
وَقَالَ آخَرُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَلِيِّهَا أَقْرَبَ الْأَوْلِيَاءِ وَأَقْعَدَهُمْ بِهَا
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا عَصَبَتَهَا أولو الرَّأْيِ وَإِنْ بَعُدُوا مِنْهَا فِي النَّسَبِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبَ
وَكَذَلِكَ السُّلْطَانُ إِذَا لَمْ يَكُنْ (وَلِيٌّ) قَرِيبٌ وَلَا بَعِيدٌ وَجَعَلُوا قَوْلَ عُمَرَ هَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ لَا عَلَى التَّخْيِيرِ كَنَحْوِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ فِي الْمُحَارِبِينَ (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) الْمَائِدَةِ ٣٣
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ تَصْرِيحٌ أَنَّهُ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْوَلِيِّ وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا نُوَضِّحُهُ عَنْهُمْ وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ)) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ وَصَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ
стр. 2271
عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو عَوَانَةَ وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الطُّرُقَ عَنْهُمْ فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَأَرْسَلَهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ فَرَوَيَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
رَوَى بن جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ))
رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ بن جُرَيْجٍ جَمَاعَةٌ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عِلَّةً
وَرَوَاهُ بن عيينة عن بن جريج بإسناده (مثله) وزاد قال بن جُرَيْجٍ فَسَأَلْتُ عَنْهُ الزُّهْرِيَّ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَلَمْ ير واحد هذا الكلام عن بن جريج في هذا الحديث غير بن عُلَيَّةَ فَتَعَلَّقَ بِهِ مَنْ أَجَازَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ وَاهٍ إِذْ قَدْ أَنْكَرَهُ الزُّهْرِيُّ الَّذِي عَنْهُ رُوِيَ وَطَعَنُوا بِذَلِكَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى فِي حِفْظِهِ قَالُوا لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْحُفَّاظِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ بِهِ مَنْ لَمْ يُجِزِ النِّكَاحَ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيٍّ
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ نَقَلَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ثِقَاتٌ
قَالُوا وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى إِمَامُ أَهْلِ الشَّامِ وَفَقِيهُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ
وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَلَا يَضُرُّ إِنْكَارُ الزُّهْرِيِّ لَهُ لِأَنَّهُ مَنْ نَسِيَ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ حَفِظَهُ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ عَنْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) الحديث أحفظه إلا من حديث بن لَهِيعَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ
وَرَوَاهُ عَنِ بن لهيعة بن وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَعَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ وَالْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمْ
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا
стр. 2272
حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ عَنِ الْحَجَّاجِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيِّ وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ))
فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ لَيْسَ فِي الزُّهْرِيِّ بِحُجَّةٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ وَيُحَدِّثُ عَنِ الثِّقَاتِ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ عَنْهُمْ إِذَا سَمِعَهُ مِنْهُمْ قِيلَ لَهُ قَدْ رواه بن أبي مليكة عن أبي عمر ومولى عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَعُدُولٌ
حدثني سعيد بن نصر قال حدثني قاسم بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ جريج عن بن ابي مليكة عن أبي عمر ومولى عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((تُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ)) قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُنَّ يَسْتَحْيِينَ قَالَ ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَسُكُوتُهَا إِقْرَارُهَا))
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى عِلَلِ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ وَتَصْحِيحِهَا فِي ((التَّمْهِيدِ) بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ الْمَذْكُورَ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْوَلِيُّ مِنَ النَّسَبِ وَالْعَصَبَةِ
وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْعَصَبَةِ مِثْلِ وَصِيِّ الْأَبِ وَذِي الرَّأْيِ مِنَ السُّلْطَانِ إِلَّا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ السُّلْطَانَ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ بَعْدَ عَدَمِ التَّعْصِيبِ تَنْصَرِفُ إِلَى الَّذِي يَقِفُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ وَهُوَ رواية هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا كُفُؤًا جَازَ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ إِلَّا بِوَلِيٍّ فَإِنْ سَلَّمَ الْوَلِيُّ جَازَ وَإِنْ أَبَى أَنْ يُسَلِّمَ وَالزَّوْجُ كُفُؤًا أَجَازَهُ الْقَاضِي
стр. 2273
وَنَحْوَ هَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ
وَأَمَّا مَالِكٌ فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ)) هَذِهِ جُمْلَتُهُ
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الشَّرِيفَةَ وَالدَّنِيَّةَ وَالسَّوْدَاءَ وَالْمُسَالِمَةَ وَمَنْ لَا خَطْبَ لَهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
هَذَا مَعْنَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ عن مالك
وقال بن الْقَاسِمِ عَنْهُ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُعْتَقَةً أَوْ مِسْكِينَةً دَنِيَّةً أَوْ تَكُونُ فِي قَرْيَةٍ لَا سُلْطَانَ فِيهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَسْتَخْلِفَ رَجُلًا يُزَوِّجُهَا وَيَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ حَسَبٍ لَهَا حَالٌ وَشَرَفٌ فَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا إِلَّا وَلِيُّهَا أَوِ السُّلْطَانُ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْوَلِيِّ الْأَبْعَدِ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ بِإِذْنِهَا وَهُنَاكَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهَا أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ لِلنَّاكِحِ صَلَاحٌ وَفَضْلٌ هَذَا قَوْلُهُ فِي ((الْمُدَوَّنَةِ))
وَقَالَ سَحْنُونٌ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَ لَا يُزَوِّجُهَا وَلِيٌّ وَثَمَّ أَقْرَبُ مِنْهُ فَإِنْ فَعَلَ نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ
قَالَ وَرَوَى آخَرُونَ أَنَّ لِلْأَقْرَبِ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يُجِيزَ إِلَّا أَنْ يَطُولَ مُكْثُهَا عِنْدَ الزَّوْجِ وَتَلِدَ أَوْلَادًا
قَالَ وَهَذَا فِي ذَاتِ الْمَنْصِبِ وَالْقَدْرِ
وذكر بن حَبِيبٍ عَنِ الْمَاجَشُونِ قَالَ النِّكَاحُ بِيَدِ الْأَقْعَدِ فَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ وَإِنْ شَاءَ أَجَازَهُ إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلِيٌّ وَثَمَّ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ وَيُفْسَخُ نِكَاحُهُ
وَالْمَسَائِلُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ كَثِيرَةُ الِاضْطِرَابِ
وَقَالَ مالك وجمهور أصحابه الأخ وبن الْأَخِ أَوْلَى مِنَ الْجَدِّ بِالْإِنْكَاحِ
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ الجد أولى من الأخ
وروى بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الِابْنُ أَوْلَى مِنَ الْأَبِ
وَهُوَ تَحْصِيلُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِهِ
وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَبَ أَوْلَى
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ أَقَاوِيلَ يَظُنُّ مَنْ سَمِعَهَا أَنَّ بَعْضَهَا يُخَالِفُ بَعْضًا
стр. 2274
قَالَ وَجُمْلَةُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ اللَّهَ ﵎ أَمَرَ بِالنِّكَاحِ وَحَضَّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وَجَعَلَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ وَبِذَلِكَ يَتَوَارَثُونَ ثُمَّ تَكُونُ وِلَايَةٌ أَقْرَبَ مِنْ وِلَايَةٍ كَمَا قَرَابَةٌ أَقْرَبُ مِنْ قَرَابَةٍ
فَمَنْ كَانَ أَوْلَى بِالْمَرْأَةِ كَانَ أَوْلَى بِإِنْكَاحِهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا نَظَرَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ إِذَا ارْتَفَعُوا إِلَيْهِ ثُمَّ أَتَى بِكَلَامٍ قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي ((التَّمْهِيدِ)) أَكْثَرُهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ نَكَحَتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فُسِخَ النِّكَاحُ فَإِنْ دَخَلَ وَفَاتَ الْأَمْرُ بِالدُّخُولِ وَطُولِ الزَّمَنِ وَالْوِلَادَةِ لَمْ يُفْسَخْ لِأَنَّهُ لَا يُفْسَخُ مِنَ الْأَحْكَامِ إِلَّا الْحَرَامُ الْبَيِّنُ أَوْ يَكُونُ خَطَأً لَا شَكَّ فِيهِ فَأَمَّا مَا يَجْتَهِدُ فِيهِ الرَّأْيُ وَفِيهِ الِاخْتِلَافُ فَلَا يُفْسَخُ
قَالَ وَيُشْبِهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ الدُّخُولُ فَوْتًا وَإِنْ لَمْ يَتَطَاوَلْ وَلَكِنَّهُ احْتَاطَ فِي ذَلِكَ
قَالَ وَالَّذِي يُشْبِهُ عِنْدِي عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ أَلَّا يُقَامَ عَلَى ذلك النكاح
قال وقد ذكر بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى بَيْنَهُمَا الْمِيرَاثَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَذْهَبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالنِّكَاحُ عِنْدَهُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مَفْسُوخٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ طَالَ الْأَمَدُ أَوْ لَمْ يطل ولا يتوارثان إِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا
وَالْوَلِيُّ عِنْدَهُ مِنْ فَرَائِضِ النِّكَاحِ وَلِيُّ الْقَرَابَةِ لِأُولِي الدِّيَانَةِ وَحْدَهَا دُونَ الْقَرَابَةِ ثُمَّ الْوِلَايَةُ عِنْدَهُ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ والأقعد في الأقعد وَلَا مَدْخَلَ عِنْدَهُ لِلْأَبْعَدِ مَعَ الْأَقْرَبِ فِي إِنْكَاحِ الْمَرْأَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَقْرَبُ سَفِيهًا أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً يَضُرُّ بِالْمَرْأَةِ انْتِظَارُهُ لِطُولِهَا ولا ولاية عنده لأحد من الأب مع الْأَوْلِيَاءِ فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ فَالْجَدُّ ثُمَّ أَبُو الْجَدِّ ثُمَّ أَبُوهُ أَبَدًا هَكَذَا
وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ لَا تُنْكَحُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ إِلَّا أَنَّ الثَّيِّبَ لَا يُنْكِحُهَا أَبٌ وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا بِإِذْنِهَا وَتُنْكَحُ الْبِكْرُ مِنْ بَنَاتِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهَا
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) النُّورِ ٣٢
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَيَامَى (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) النِّسَاءِ ٢٥
وقال تَعَالَى مُخَاطِبًا لِلْأَوْلِيَاءِ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أزواجهن) البقرة
стр. 2275
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَضْلِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أُخْتَهُ وَكَانَ زَوْجُهَا طَلَّقَهَا ثُمَّ أَرَادَ رَجْعَتَهَا فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ))
قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيُ الْقَرَابَةِ مِنَ الْعَصَبَةِ فَلَيْسَ بِوَلِيٍّ وَالسُّلْطَانُ لَيْسَ بَوْلِيٍّ إِلَّا لِمَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ مِنَ الْعَصَبَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ ((السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ))
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ الْأَوْلِيَاءُ الْعَصَبَةُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ كُلُّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ وَلِيٍّ فَلَهُ أَنْ يُنْكِحَ
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ نَحْوَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِذَا تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَالَ أَحْتَاطُ لَهَا وَأُجِيزُ طَلَاقَهُ
قَالَ إِسْحَاقُ كُلَّمَا طَلَّقَهَا وَقَدْ عَقَدَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا طَلَاقٌ وَلَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ((فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ)) (ثَلَاثًا)
وَالْبَاطِلُ مَفْسُوخٌ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى فَسْخِ حَاكِمٍ وَلَا غَيْرِهِ
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَيْسَ الْوَلِيُّ عِنْدَهُمْ مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَلَا مِنْ فَرَائِضِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَمَامِ النِّكَاحِ وَجَمَالِهِ لِأَنْ لَا يَلْحَقَهُ عَارُهَا فَإِذَا تَزَوَّجَتْ كُفُؤًا جَازَ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا
стр. 2276
وَقَالُوا فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا فِي الْإِذْنِ دُونَ الْعَقْدِ
قَالُوا وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ الْإِذْنَ دُونَ الْعَقْدِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ
قَالُوا وَالْأَيِّمُ كُلُّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا
قَالُوا وَالْمَرْأَةُ إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً جَازَ لَهَا أَنْ تَلِيَ عُقْدَةَ نِكَاحِهَا لِأَنَّهُ عَقْدٌ أَكْسَبَهَا مَالًا فَجَازَ أَنْ تَلِيَهُ بِنَفْسِهَا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ
قَالُوا وَقَدْ أَضَافَ اللَّهُ النِّكَاحَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) وَبِقَوْلِهِ (أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) الْبَقَرَةِ ٢٣٢
وَقَوْلِهِ (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
وَرَوَوْا عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حدثني بن فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ كَانَ عَلِيٌّ ﵁ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ دَخَلَ بِهَا أَمْضَاهُ
قَالَ وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ هُذَيْلٍ إِذَا رُفِعَتْ إِلَى عَلِيٍّ امْرَأَةٌ قَدْ زَوَّجَهَا خَالُهَا وَأُمُّهَا فَأَجَازَ عَلِيٌّ النِّكَاحَ
قَالَ يَحْيَى وَقَالَ سُفْيَانُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ هُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ عَلِيًّا حِينَ أَجَازَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلِيِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي إِنْكَاحِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا وَعَقْدِهَا فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ فِي كِتَابِنَا غَيْرُ هَذَا نَذْكُرُهُ هُنَاكَ أَبْلَغُ مِنَ الذِّكْرِ ها هنا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَمِنَ الْحُجَّةِ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي جَوَازِ إِنْكَاحِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا مَا رَوَاهُ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ((لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنَّ الزَّانِيَةَ الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَهَا))
وَلَمَّا لَمْ تَلِ عُقْدَةَ النِّكَاحِ غَيْرَهَا لَمْ تَلِ عَقْدَ نِكَاحِ نَفْسِهَا
أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا خَطَبَ إِلَيْهَا بَعْضُ قَرَابَتِهَا وَبَلَغَتِ التَّزْوِيجَ تَقُولُ لِلْوَلِيِّ زَوِّجْ فَإِنَّ النِّسَاءَ لَا يَعْقِدْنَ النِّكَاحَ
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) النُّورِ
стр. 2277
وَقَالَ (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) النِّسَاءِ ٢٥
وَقَالَ (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) الْبَقَرَةِ ٢٢١
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُنَّ إِلَى الرِّجَالِ
وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا خُوطِبُوا بِإِنْكَاحِهِنَّ
وَكَذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ (فلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) الْبَقَرَةِ ٢٣٢
وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﷺ ((الأيم أحق بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)) حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا لِقَوْلِهِ ﷺ ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ)) وَلَمْ يَخُصَّ ثَيِّبًا مِنْ بِكْرٍ
وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّيِّبَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنَ الْبِكْرِ وَأَنْ لِلْوَلِيِّ فِيهَا حَقًّا لَيْسَ يَبْلُغَ مَبْلَغَ حَقِّهِ فِي الْبِكْرِ لِأَنَّ الْأَبَ يُزَوِّجُ الْبِكْرَ بِغَيْرِ إِذْنِهَا وَلَا يُزَوِّجُ الثَّيِّبَ إِلَّا بِإِذْنِهَا
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْإِذْنَ دُونَ الْعَقْدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ نِكَاحَ خَنْسَاءَ وَكَانَتْ ثيبا وزوجها وأبوها بِغَيْرِ إِذْنِهَا
وَقِيلَ كَانَتْ بِكْرًا وَالِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ وَوُجُوهُهُ تَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ تَجْعَلُ عَقْدَ نِكَاحِهَا إِلَى رَجُلٍ لَيْسَ بِوَلِيٍّ لَهَا فَيَعْقِدُ نِكَاحَهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ مَالِكٌ وأصحابه في ذلك
ففي ((المدونة)) قال بن الْقَاسِمِ وَقَفَ فِيهَا مَالِكٌ وَلَمْ يُجِبْنِي عَنْهَا
وقال بن الْقَاسِمِ إِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ جَازَ وَإِنْ أَرَادَ الْفَسْخَ فُسِخَ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ إِذَا كَانَ بِالْقُرْبِ فَإِنْ تَطَاوَلَ الْأَمَدُ وَوَلَدَتِ الْأَوْلَادَ جاز إذا ذَلِكَ صَوَابًا
قَالَ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ
قَالَ سحنون وقال غير بن الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ فَإِنَّهُ نكاح عقده غير الولي
وذكر بن حبيب عن بن الْمَاجَشُونِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ
وقال والفسخ فيه بغير طلاق
وذكر بن شعبان عن بن الْمَاجَشُونِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ إِذَا زَوَّجَهَا أَجْنَبِيٌّ لم
стр. 2278
يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُجِيزَهُ وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ))
قَالَ بن شَعْبَانَ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إِذَا زَوَّجَ الْمَرْأَةَ غَيْرُ وَلِيِّهَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِتَطْلِيقَةٍ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنَ الصَّدَاقِ
قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَدَخَلَ بِهَا وَالزَّوْجُ كُفْءٌ وَوَلِيُّهَا قَرِيبٌ فَلَا نَرَى أَنَّ نَتَكَلَّمَ فِي هَذَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا رَوَاهُ بن الماجشون عن مالك في ما ذكره بن حبيب وبن شَعْبَانَ هُوَ الْقَوْلُ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ))
وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ
وَأَمَّا رواية بن الْقَاسِمِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا عَنْ مَالِكٍ فَهُوَ نَحْوَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ وَقَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ فِيمَا مضى من هذا الباب إلا أن بن الْقَاسِمِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ مَعَ قَوْلِهِمْ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ يُجِيزُونَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ إِذَا وَقَعَ وَفَاتَ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالطُّولِ
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا فَرَّقَ بَيْنَ الشَّرِيفَةِ ذات الحسب والحال وَبَيْنَ الدَّنِيَّةِ الَّتِي لَا حَسَبَ لَهَا وَلَا مال إلا مالكا في رواية بن الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ
وَكَذَلِكَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ فِي الْوَلِيِّ فَقَالَ جَائِزٌ أَنْ تُنْكَحَ الثَّيِّبُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَأَنَّهُ جَائِزٌ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا وَالْبِكْرُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا إِلَّا بِإِذْنِ وَلَيِّهَا إِلَّا دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ جَاءَ بِقَوْلٍ خَالَفَ فِيهِ مَنْ سَلَفَ قَبْلَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ لَا أَمْرَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ وَجَائِزٌ نِكَاحُهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَأَمَّا الْبِكْرُ فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيٍّ مِنَ الْعَصَبَةِ
وَاحْتَجَّ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرزاق قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أمرا وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا))
стр. 2279
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ
خَالَفَ دَاوُدُ أَصْلَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ فِيهَا بِالْمُجْمَلِ وَالْمُفَسِّرِ وَهُوَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ فَجَعَلَ قَوْلَهُ ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ)) مُجْمَلًا وَقَوْلَهُ ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)) مُفَسِّرَا وَهُمَا فِي الظَّاهِرِ مُتَضَادَّانِ وَأَصْلُهُ فِي الْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ أَنْ يَسْقُطَا جَمِيعًا كأنهما لم يجبا ويرجعا وَيُرْجَعُ إِلَى الْأَصْلِ فِيهِمَا وَلَوْ كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ أَسْقَطَ فِيهِمَا الْحَدَثَيْنِ وَلَمْ يَجْعَلْهُمَا مُجْمَلًا مُفَسَّرًا وَقَالَ بِحَدِيثِ الْإِبَاحَةِ مَعَ ضَعْفِهِ عِنْدَهُ لِشَهَادَةِ أَصْلِهِ لَهُ فَخَالَفَ أَصْلَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وخالفه أَصْلًا لَهُ آخَرَ
وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا اجْتُمِعَ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَرِعَ قَوْلًا ثَالِثًا وَالنَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا نِكَاحَ لِلْأَوَّلِ وَمَنْ أَجَازَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ كُلُّهُمْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فِي مَذْهَبِهِ وَجَاءَ دَاوُدُ يَقُولُ بِفَرْقٍ بَيْنَهُمَا بِقَوْلٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَيْهِمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ ﷺ ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا وَلَا حَقَّ لِغَيْرِهَا مَعَهَا كَمَا زَعَمَ دَاوُدُ
وَمُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهَا أَحَقُّ بِأَنْ لَا تُنْكَحَ إِلَّا بِرِضَاهَا خِلَافَ الْبِكْرِ الَّتِي لِلْأَبِ أَنْ يُنْكِحَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا وَأَنَّ وَلِيَّهَا أَحَقُّ بِإِنْكَاحِهَا فَلَمَّا قَالَ ﷺ ((أيما امرأة نكحت بغير ولي فنكاحها باطل)) دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْأَيِّمُ أَحَقُّ بنفسها أن فيها إنما هو الرضى وَحَقُّ الْوَلِيِّ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّزْوِيجِ لِقَوْلِهِ ((أَيُّمَا امرأة نكحت بغير ولي ولا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيِّ قَوْلٌ عَامٌّ فِي كُلِّ مُتَوَاجِدٍ وَكُلِّ نِكَاحٍ
وَقَوْلُهُ ((الْأَيِّمُ أَوْلَى بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)) وَيَمِيلُ أَنْ لِوَلِيِّهَا فِي إِنْكَاحِهَا حَقًّا وَلَكِنَّ حَقَّهَا فِي نَفْسِهَا أَكْثَرُ وَهُوَ أَنْ لَا تُزَوَّجَ إِلَّا بِإِذْنِهَا وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ وَلَيُّهَا وَلَا فَائِدَةَ فِي وِلَايَتِهِ إِلَّا فِي تَوَلِّي الْعَقْدِ عَلَيْهَا إِذَا رَضِيَتْ وَإِذَا كَانَ لَهَا الْعَقْدُ عَلَى نَفْسِهَا لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا
وَهَذَا وَاضِحٌ عَالٍ
وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) الْبَقَرَةِ ٢٣٢ وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَضَلِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أُخْتَهُ عَنْ رَدِّهَا إِلَى زَوْجِهَا كِفَايَةٌ وَحُجَّةٌ بَالِغَةٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ وَلَا
стр. 2280
يُشَاوِرَهَا وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَهِيَ صَغِيرَةٌ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ أَنْكَحَهُ إِيَّاهَا أَبُوهَا
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ إِذَا أَنْكَحَ الْأَبُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ الصَّغِيرَةَ فَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ
وَقَالَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحِجَازِ لَا خِيَارَ لَهَا فِي الْأَبِ وَلَا يُزَوِّجُهَا صَغِيرَةً غَيْرُ الْأَبِ
قَالَ أَبُو قُرَّةَ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ ﷺ ((وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا)) أَيُصِيبُ هَذَا الْقَوْلُ الْأَبَ قَالَ لَا لَمْ يَعْنِ الْأَبَ بِهَذَا إِنَّمَا عَنَى بِهِ غَيْرَ الْأَبِ قَالَ وَنِكَاحُ الْأَبِ جَائِزٌ عَلَى الصِّغَارِ مِنْ وَلَدِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ
قَالَ وَلَا يُنْكِحُ الصَّغِيرَةَ أَحَدٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ غَيْرُ الْأَبِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفُوا فِي الْأَبِ هَلْ يَجْبُرُ ابْنَتَهُ الْكَبِيرَةَ الْبِكْرَ عَلَى النِّكَاحِ أَمْ لَا
فَقَالَ مَالِكٌ والشافعي وبن أَبِي لَيْلَى إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِكْرًا كَانَ لِأَبِيهَا أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى النِّكَاحِ مَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرًا بَيِّنًا وَسَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَجَمَاعَةٌ
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا صَغِيرَةً وكان لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا كَبِيرَةً إِذَا كَانَتْ بِكْرًا لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْبُكُورَةُ لِأَنَّ الْأَبَ لَيْسَ كَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ بِدَلِيلِ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهَا وَنَظَرِهِ لَهَا وَأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِكْرًا بَالِغًا إِلَّا بِإِذْنِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا صَغِيرَةً
كَمَا أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِكْرًا بَالِغًا إِلَّا بِإِذْنِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا صَغِيرَةً وَلَوِ احْتِيجَ إِلَى إِذْنِهَا فِي الْأَبِ مَا زَوَّجَهَا حَتَّى تَكُونَ مِمَّنْ لَهَا الْإِذْنُ بِالْبُلُوغِ
فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَهَا صَغِيرَةً وَهِيَ لَا إِذْنَ لَهَا صَحَّ لَهَا بِذَلِكَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا مَا كَانَتْ بِكْرًا لِأَنَّ الْفَرْقَ إِنَّمَا وَرَدَ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ ((لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ إِلَّا بِإِذْنِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ تُنْكَحُ لِغَيْرِ إِذْنِهَا إِذَا كَانَتْ بِكْرًا بِإِجْمَاعِهِمْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الثَّيِّبَ لَا تُزَوَّجُ إلا بإذنها وأنها أحق بنفسها بالعقد عليها وَلِمَا قَالَ ﷺ ((الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا)) دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبِكْرَ وَلِيُّهَا أَحَقُّ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا
следующие страницы →