Полный текст (4 158 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
وَقَالَ جَرِيرٌ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَقَالَ ((غُضَّ بَصَرَكَ))
وَهَذِهِ الْآثَارُ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي مَعْنَاهَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لفاطمة بنت قيس عند بن أُمِّ مَكْتُومٍ تَضَعِينَ ثِيَابَكِ وَلَا يَرَاكِ أَرَادَ بِهِ الْإِعْلَانَ بِأَنَّ نَظَرَ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ وَتَأَمُّلَهُ لَهَا وَتَكْرَارَ بَصَرِهِ فِي ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ دَاعِيَةِ الْفِتْنَةِ
وَفِي حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ بن أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَإِنْ وَضَعْتِ شَيْئًا مِنْ ثِيَابِكِ لَمْ يَرَ شَيْئًا
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نظر المرأة الرَّجُلِ الْأَعْمَى وَكَوْنِهَا مَعَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ وَبَيْتٍ وَاحِدٍ وَفِي ذَلِكَ مَا يَرُدُّ حَدِيثَ نَبْهَانَ - مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَنَا وَمَيْمُونَةُ جَالِسَتَيْنِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاستأذن عليه بن أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى فَقَالَ احْتَجِبَا مِنْهُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ بِأَعْمَى وَلَا يُبْصِرُنَا قَالَ فَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهْيُهُ عن نظرهما إلى بن أُمِّ مَكْتُومٍ وَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ إِبَاحَةُ نَظَرِهَا إِلَيْهِ
وَيَشْهَدُ لِحَدِيثِ نَبْهَانَ هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الله تعالى (وقل للمؤمنت يغضضن من أبصرهن) النُّورِ ٣١ كَمَا قَالَ (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصرهم) النُّورِ ٣٠
وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْغَيْرَةِ أَنَّ نَظَرَهَا إِلَيْهِ كَنَظَرِهِ إِلَيْهَا
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ لِأَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَلِيَّتِي عَشَرَةُ رِجَالٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَنْظُرَ هِيَ إِلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ
وَمَنْ قَالَ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ احْتَجَّ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَأَنَّهُ لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِيهِ وَقَالَ إِنْ نَبْهَانَ - مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ - لَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ إِلَّا حَدِيثَيْنِ مُنْكَرَيْنِ
أَحَدُهُمَا هَذَا
وَالْآخَرُ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَكَاتَبِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ كِتَابَتَهُ احْتَجَبَتْ منه سيدته
стр. 2592
وَمَنْ صَحَّحَ حَدِيثَ نَبْهَانَ قَالَ إِنَّهُ مَعْرُوفٌ وقد روى عنه بن شِهَابٍ وَلَمْ يَأْتِ بِمُنْكَرٍ
وَزَعَمَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحِجَابِ لَسْنَ كَسَائِرِ النِّسَاءِ
قَالَ اللَّهُ (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) الْأَحْزَابِ ٢٣
وَقَالَ إِنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﵇ لَا يُكَلَّمْنَ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ مُتَجَالَّاتٍ كُنَّ أَوْ غَيْرَ مُتَجَالَّاتٍ
وَقَالَ السِّتْرُ وَالْحِجَابُ عَلَيْهِنَّ أَشَدُّ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِنَّ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَحَدِيثِ نَبْهَانَ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَأَمَّا قَوْلُهَا إِنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَانِي فَقَدْ وَهِمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى صَاحِبُنَا وَغَلَطَ غَلَطًا سَمْحًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو جَهْمِ بْنُ هِشَامٍ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا غَيْرِ مَالِكٍ وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو جَهْمٍ هَكَذَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاتِهِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ وَهُوَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيُّ الْقُرَشِيُّ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِهِ وَأَظُنُّ يَحْيَى شُبِّهَ عَلَيْهِ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِي تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِنْكَارَ عَلَى فَاطِمَةَ وَقَوْلِهَا إِنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي وَلَا أَنْكَرَ عَلَيْهَا ذَلِكَ بَلْ خَطَبَهَا مَعَ ذَلِكَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةٍ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ الرُّكُونُ وَالْمَيْلُ وَالْمُقَارَبَةُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ حِينَئِذٍ أَنْ يَخْطُبَ أَحَدٌ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَهَذَا فِي مَعْنَى نَهْيِهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَلَى أَخِيهِ لِمَنْ يَسْتَنْصِحُهُ فِيهِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْخُلُقِ الْمَذْمُومِ الْمَعِيبِ فَلَيْسَ بِمُغْتَابٍ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ذَلِكَ لَيْسَ بِغِيبَةٍ وَأَنَّهُ جَائِزٌ حَسَنٌ مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ فَإِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
وَفِي هَذَا الْبَابِ سُؤَالُ الْحَاكِمِ عَنِ الشَّاهِدِ عنده فواجب على المسؤول أن يقول
стр. 2593
فِيهِ الْحَقَّ الَّذِي يَعْلَمُهُ لِيَنْفُذَ الْقَضَاءُ فِيهِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ رَدِّ شَهَادَتِهِ لِلْفِسْقِ أَوْ قَبُولِهَا لِلْعَدَالَةِ
وَفِي قَوْلِهِ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَالَ مِنْ وَاجِبَاتِ النِّكَاحِ وَخِصَالِ النَّاكِحِ وَأَنَّ الْفَقْرَ مِنْ عُيُوبِهِ وَأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ أَوْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ وَرَضِيَ بِهِ لَجَازَ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُفْرِطَ فِي الْوَصْفِ لَا يَلْحَقُهُ الْكَذِبُ وَالْمُبَالِغَ فِي النَّعْتِ بِالصِّدْقِ لَا يُدْرِكُهُ الذَّمُّ
أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي أَبِي جَهْمٍ لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَهُوَ قَدْ يَنَامُ وَيُصَلِّي وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَشْتَغِلُ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ شُغْلِهِ فِي دُنْيَاهُ
وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي أَدَبِ النِّسَاءِ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ وَرُبَّمَا يَحْسُنُ الْأَدَبُ بِمِثْلِهِ كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِي فِي رَعِيَّتِهِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَوْصَاهُ ((لَا تَرْفَعْ عَصَاكَ عَنْ أَهْلِكَ وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ )
وَرُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ عَلِّقْ سَوْطَكَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُكَ
وَالْعَرَبُ تُكَنِّي بِالْعَصَاةِ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الطَّاعَةُ وَالْأُلْفَةُ وَمِنْهَا الْإِخَافَةُ وَالشِّدَّةُ
وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَأَتَيْنَا بِمَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْعَصَا أَوْ وُجُوهِهَا بِالشَّوَاهِدِ فِي الشِّعْرِ وَغَيْرِهِ هُنَاكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى
(٢٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ مِنْ طَلَاقِ زَوْجِهَا)
١١٨٨ - قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عندنا في طلاق العبد الأمة إذ طَلَّقَهَا وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ عَتَقَتْ بَعْدُ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْأَمَةِ لَا يُغَيِّرُ عِدَّتَهَا عِتْقُهَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ لَا تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا
قَالَ مَالِكٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَدُّ يَقَعُ عَلَى الْعَبْدِ ثُمَّ يَعْتِقُ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِنَّمَا حَدُّهُ حَدُّ عَبْدٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا قَالَ إِذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ الْأَمَةَ ثُمَّ عَتَقَتْ
стр. 2594
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ طَلَاقِ الْعَبْدِ الْأَمَةَ وَبَيْنَ طَلَاقِ الْحُرِّ الْأَمَةَ
وَتَرْجَمَةُ الْبَابِ أَضْبَطُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْأَمَةِ تَعْتِقُ فِي عِدَّتِهَا هَلْ تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا أَمْ لَا
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا
فَقَالَ مَالِكٌ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَكْمَلَتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ وَهِيَ فِي مَعَانِي الْأَزْوَاجِ فِي عَامَّةِ أَمْرِهَا وَيَتَوَارَثَانِ فِي عِدَّتِهَا وَقَالَ بِالْحُرِّيَّةِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي الْعِدَّةِ انْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَإِنْ كَانَ طَلَاقًا بَائِنًا لَمْ يَنْتَقِلْ
وَهَذَا مِثْلُ قول الشافعي
وقال بن أَبِي لَيْلَى إِذَا طُلِّقَتِ الْأَمَةُ تَطْلِيقَتَيْنِ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْأَمَةِ
وَهَذَا وَافَقَ مَالِكًا فِي الرَّجْعِيِّ وَخَالَفَهُ فِي الْبَائِنِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ولو مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَنْتَقِلِ الْعِدَّةُ
وَقَالُوا فِي الْبَائِنِ قَوْلَيْنِ
أَحَدُهُمَا تَنْتَقِلُ
وَالْآخَرُ لَا تَنْتَقِلُ
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ الْقِيَاسُ أَنْ يَنْتَقِلَ فِي الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ بَعِيدًا كَمَا قَالُوا فِي الصَّغِيرَةِ إِذَا حَاضَتِ انْتَقَلَتْ عدتها إلى الحيض
وهو قول بن شجاع وبن أَبِي عُمَرَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الصَّوَابُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ تَنْتَقِلَ عِدَّتُهَا فِي الرَّجْعِيِّ دُونَ الْبَائِنِ وَدُونَ الْوَفَاةِ لِأَنَّ الْعِتْقَ صَادَفَ فِي الرَّجْعِيِّ زَوْجَةً وَلَمْ يُصَادِفْ فِي الْبَائِنِ وَلَا فِي الْوَفَاةِ زَوْجَةً
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ قَوْلَانِ
أَحَدُهُمَا تَنْتَقِلُ
وَالْآخَرُ لَا تَنْتَقِلُ
стр. 2595
وَاخْتَارَ الْمُزَنِيُّ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ قِيَاسًا عَلَى الْمُعَدَّلَةِ بِالشُّهُورِ لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ حُرَّةً وَهِيَ تَعْتَدُّ عِدَّةَ أَمَةٍ كَمَا لَا تَكُونُ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ وَتَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُغَيِّرُ عِتْقُهَا عِدَّتَهَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي الْوَفَاةِ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ تُكْمِلُ عِدَّةَ حُرٍّ فِي الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ إِذَا عَتَقَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الَّذِي يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا فَتَعْتِقُ فِي الْعِدَّةِ إِنَّهَا تُكْمِلُ عِدَّةَ الْحُرَّةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا
وَرُوِيَ عَنْهُ فِيمَنْ طَلَّقَ أَمَتَهُ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ أُعْتِقَتْ قَالَ إِنْ كَانَتِ اعْتَدَّتْ مِنْهُ قَبْلَ الْعِتْقِ حَيْضَةً اعْتَدَّتْ إِلَيْهَا أُخْرَى
وَفِي هَذَا الْبَابِ
قَالَ مَالِكٌ وَالْحُرُّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ ثَلَاثًا وَتَعْتَدُّ بِحَيْضَتَيْنِ وَالْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَضَتْ فِي بَابِ طَلَاقِ العبد فلا معنى لتكرير القول فيها ها هنا
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الْأَمَةُ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا فَيُعْتِقُهَا إِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ مَا لَمْ يُصِبْهَا فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ مِلْكِهِ إِيَّاهَا قَبْلَ عِتَاقِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِلَّا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى - أَيْضًا - الْقَوْلُ فِي أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا ابْتَاعَهَا زَوْجُهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَحَلَّتْ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ
فَإِذَا أَعْتَقَهَا بَعْدَ شِرَائِهِ لَهَا قِبَلَ أَنْ يَمَسَّهَا لَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْهُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في عدتها ها هنا
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تَعْتَدُّ عِدَّةَ أَمَةٍ حَيْضَتَيْنِ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تَعْتَدُّ عِدَّةَ حُرَّةٍ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ
وَرَوَوْا عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بَرِيرَةَ أَنْ تَعْتَدَّ عدة حرة
وعن إبراهيم وبن شِهَابٍ قَالَا أُعْتِقَتْ بِرَيْرَةُ فَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ
وَأَمَّا مَنْ قَالَ تَعْتَدُّ حَيْضَتَيْنِ فَيَقُولُ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ حِينَ ابْتَاعَهَا وَذَلِكَ حِينَ فُسِخَ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا وَهِيَ أَمَةٌ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ أَمَةٍ
стр. 2596
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعِتْقِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ وَبَعْدَ الْوَفَاةِ أَيْضًا وَهَذِهِ وَتِلْكَ سَوَاءٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ مِلْكِهِ لَهَا قَبْلَ عِتْقِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِلَّا اسْتِبْرَاءٌ بِحَيْضَةٍ
وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَهَا يَهْدِمُ عِدَّتَهَا فَإِذَا أَعْتَقَهَا بَعْدَ وَطْئِهِ لَهَا لَمْ تَعْتَدَّ مِنْ فَسْخِ النِّكَاحِ
وَقَالَ عِدَّتُهَا اسْتِبْرَاءُ رَحِمِهَا وَذَلِكَ حَيْضَةٌ عِنْدَ الْمَدَنِيِّينَ
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَيَقُولُونَ هِيَ حُرَّةٌ وَلَا يُسْتَبْرَأُ رَحِمُ الْحُرَّةِ فِي الْعِدَّةِ وَلَا شُبْهَةَ إِلَّا بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ
وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
(٢٥ - بَابُ جَامِعِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ)
١١٨٩ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَيُّمَا امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ بان بها حَمْلٌ فَذَلِكَ وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَّتْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رواه بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَيُّمَا امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا وَلَمْ تَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَى آخِرِهِ سَوَاءً
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَرْفَعُهَا حَيْضَتُهَا حِينَ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فِيهِنَّ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ اسْتَقْبَلَتِ الْحَيْضَ فَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ حَاضَتِ الثَّانِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ اسْتَقْبَلَتِ الْحَيْضَ فَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ حَاضَتِ الثَّالِثَةَ كَانَتْ قَدِ اسْتَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْحَيْضِ فَإِنْ لَمْ تَحِضِ اسْتَقْبَلَتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَّتْ
стр. 2597
وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الرَّجْعَةُ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَتَّ طَلَاقَهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّتِي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُهَا وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ
فَقَالَ مَالِكٌ فِي ((مُوَطَّئِهِ)) بِمَا ذَكَرَهُ عَنْ عُمَرَ
وقال بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إِذَا حَاضَتِ الْمُطَلَّقَةُ ثُمَّ ارْتَابَتْ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِالتِّسْعَةِ الْأَشْهَرِ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا لَا مِنْ يَوْمِ طُلِّقَتْ
وَفِي رواية بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي مِنْهُ تَعْتَدُّ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الَّتِي يَرْفَعُ الرَّضَاعُ حيضتها أنها لا تحل حتى تحيض ثلاث حِيَضٍ وَلَيْسَتْ كَالْمُرْتَابَةِ
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الَّتِي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُهَا وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا ذَلِكَ أَنَّ عِدَّتَهَا الْحَيْضُ أَبَدًا حَتَّى تَدْخُلَ فِي السِّنِّ الَّتِي لَا تَحِيضُ فِي مِثْلِهِ مِثْلُهَا مِنَ النِّسَاءِ فَتَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الْآيِسَةِ لِلشُّهُورِ
وَقَالَ اللَّيْثُ تَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَقَرْاءٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ فَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ وَرِثَتْهُ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ يَعْرِفُ النِّسَاءُ أَنَّ حَيْضَتَهَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْتُ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ شَابَّةٌ فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا فَلَمْ يَأْتِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ سِتَّةً
وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ وَمَذْهَبِ عُمَرَ ﵁
وروي عن بن مَسْعُودٍ لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ يائسة ولا صغيرة إلا بالحيض
وعن بن عَبَّاسٍ فِي الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا سَنَةً وَقَالَ تِلْكَ الرِّيبَةُ
وَعَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ ﵄ أَنَّهَا لَيْسَتْ يَائِسَةً بِارْتِفَاعِ حَيْضِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ صَارَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى مَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ فِيهِ وَعَنِ بن عَبَّاسٍ مِثْلُهُ
وَهُوَ أَعْلَى مَا رُوِيَ إِلَى ذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَالْعَمَلُ بِبَلَدِهِ وَصَارَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَاهِرِ القرآن وما روي عن بن مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ مِنْ وَجْهٍ - لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ فِي الِاعْتِدَادِ بِالشُّهُورِ وَإِنَّمَا تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ الْيَائِسَةُ وَالصَّغِيرَةُ فَمَنْ لَمْ تَكُنْ يَائِسَةً وَلَا صَغِيرَةً فَعِدَّتُهَا الْأَقْرَاءُ وَإِنْ تباعدت كما قال بن شِهَابٍ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
стр. 2598
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُ الْمُطَلَّقَةِ وَقَدْ حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ اعْتَدَّتْ سَنَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً اعْتَدَّتْ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ وَاثْنَانِ لِلْعِدَّةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَكَرَ مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ فِي بَابِ الْأَقْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الْأَقْرَاءُ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ وَهُوَ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِيهِ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ
وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الَّتِي لَا تَحِيضُ إِلَّا فِي الْأَشْهُرِ قَالَ تَعْتَدُّ بالحيض وإن تطاول
واختلف الحسن وبن سِيرِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
فَقَالَ الْحَسَنُ فِيهَا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ مالك
وقال بن سيرين فيها مذهب بن مسعود لقول الكوفيين والشافعي
وأما قول بن مَسْعُودٍ فِيهَا فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ فِي سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ لَمْ تَحِضِ الثَّالِثَةَ حَتَّى مَاتَتْ فَأُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ فَذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَبَسَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِيرَاثَهَا وَوَرِثَهَا
وَرَوَى سُفْيَانُ عَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي السَّنَةِ سِتَّةً فَأَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ
قَالَ عَمْرٌو وَقَالَ طَاوُسٌ يَكْفِيهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فَقَوْلُ أَبِي الشعثاء أحب إلي
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ
١١٩٠ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الطَّلَاقُ لِلرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ لِلنِّسَاءِ
فَقَدَ مَضَى مَعَ ذَلِكَ كَسَائِرِ العلماء في باب طلاق العبيد ونعيده ها هنا كَذِكْرِ مَالِكٍ لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ذِكْرًا مختصرا فنقول
ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ أَنَّ اللَّهَ أضاف
стр. 2599
الطَّلَاقَ إِلَى الرِّجَالِ لِقَوْلِهِ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) البقرة ٢٣١ و٢٣٢
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ لِلنِّسَاءِ
وَهُوَ قول جماعة أهل العراق
وحجته حديث بن جُرَيْجٍ عَنْ مُظَاهِرِ بْنَ أَسْلَمَ - عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ)) فَأَضَافَ إِلَيْهَا الطَّلَاقَ وَالْعِدَّةَ جَمِيعًا إِلَّا أَنَّ مُظَاهِرَ بْنَ أَسْلَمَ انْفَرَدَ بهذا الحديث وهو ضعيف
وقد روي عن بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ أَيُّهُمَا رَقَّ نَقَصَ طَلَاقُهُ
وَقَالَ بِهِ فِرْقَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ
وَقَالَ قَوْمٌ عِدَّةُ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ سَوَاءٌ وَالطَّلَاقُ مِنْ أَزْوَاجِهِمَا لَهُمَا سَوَاءٌ فَلَا يَبِينُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا عَلَى الْحُرِّ زَوْجَتُهُ إِلَّا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ وَعِدَّةُ كُلِّ أَمَةٍ وَكُلِّ حُرَّةٍ سَوَاءٌ ثلاثة أقراء وفي الوفاة أربعة أشهر وعشرا
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ
١١٩١ - مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ سَنَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عِدَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ
فَقَالَ مَالِكٌ عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ سَنَةٌ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ
قَالَ اللَّيْثُ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا سَنَةٌ إِذَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ ثَلَاثُ حِيَضٍ إِنْ كَانَتِ الْأَقْرَاءُ مَعْرُوفًا مَوْضِعُهَا وَإِلَّا فَهِيَ كَالْآيِسَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا طَبَّقَ عَلَيْهَا الدَّمُ فَإِنْ كَانَ دَمُهَا يَنْفَصِلُ فَيَكُونُ فِي أَيَّامٍ أَحْمَرَ قَانِيًا مُحْتَدِمًا كَثِيرًا أَوْ فِيمَا بَعْدُ رَقِيقًا قَلِيلًا فَحَيْضُهَا أَيَّامُ الدَّمِ الْمُحْتَدِمِ الْكَثِيرِ وَطُهْرُهَا أَيَّامُ الدَّمِ الرَّقِيقِ الْمَائِلِ إِلَى الصُّفْرَةِ
стр. 2600
وَإِنْ كَانَ دَمُهَا مُشْتَبِهًا كُلُّهُ كَانَ حَيْضَتُهَا بقد عَدَدِ أَيَّامِ حَيْضِهَا فِيمَا مَضَى قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ
وَإِنْ بَدَتْ مُسْتَحَاضَةً أَوْ قِيسَتْ أَيَّامُ حَيْضَتِهَا ذَكَرَتِ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَاسْتَقْبَلَ عَلَيْهَا الْحَيْضُ مِنْ أَوَّلِ هِلَالٍ يَأْتِي عَلَيْهَا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَإِذَا هَلَّ هِلَالُ الشَّهْرِ الرَّابِعِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَإِبْرَاهِيمُ وَحَمَّادٌ تَعْتَدُّ الْمُسْتَحَاضَةُ بِالْأَقْرَاءِ
وَقَالَ طَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ
وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ
وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إِنْ كَانَتْ أَقَرَاؤُهَا مَعْلُومَةً مُسْتَقِيمَةً فَعِدَّتُهَا أَقَرَاؤُهَا وَإِنِ اخْتَلَطَتْ عَلَيْهَا فَعِدَّتُهَا سَنَةٌ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ إِذَا جَهِلَتْ أَقَرَاءَهَا فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَإِنْ عَلِمَتْهَا اعْتَدَّتْ بِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا إِذَا كَانَتْ أَقَرَاؤُهَا مَعْلُومَةً فَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ
فَعِنْدَ جَابِرٍ أَنْ تَعْتَدَّ بِالشُّهُورِ أَلَيْسَتْ عَلَيْهَا حَيْضَتُهَا وَعَلِمَتْ أَنَّهَا تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ
وَكَذَلِكَ إِنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا مِمَّنْ تَحِيضُ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ اعْتَدَّتْ بِأَقْرَائِهَا وَإِنْ تَبَاعَدَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِنِ ارْتَابَتْ مِنْ نَفْسِهَا انْتَظَرَتْ حَتَّى تَذْهَبَ عَنْهَا الرِّيبَةُ وَإِنْ لَمْ تَرْتَبْ فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ
قال أَبُو عُمَرَ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الْحُرَّةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا عِبَادَةً مِنَ اللَّهِ فِي الصَّغِيرَةِ وَبَرَاءَةً لِلْأَرْحَامِ فِيمَنْ يُخَافُ عَلَيْهِنَّ الْحَمْلُ وَحِفْظًا لِلْأَنْسَابِ
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ أَنْ تَكُونَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرُ فِيهِنَّ حَيْضَةً أَمْ لَا
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَلَا بُدَّ مِنْ حَيْضَةٍ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ لِتَصِحَّ بِهَا بَرَاءَةُ رَحِمِهَا وَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَهِيَ عِنْدُهُمْ سَوَاءٌ بِهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِهِ فِي ذلك
стр. 2601
وروى أشهب وبن نافع عن مالك أنه سأله بن كِنَانَةَ عَلَى الْحُرَّةِ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَمْ تَسْتَرِبْ وَذَلِكَ أَنَّ حَيْضَتَهَا مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَتَتَزَوَّجُ قَالَ لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَحِيضَ وَتَبْرَأَ مِنَ الرِّيبَةِ
قَالَ بن نَافِعٍ أَرَى أَنْ تَتَزَوَّجَ وَلَا تَنْتَظِرَ وَأَمَّا الَّتِي لَا تَتَزَوَّجُ فَهِيَ الَّتِي وَفَتْ حَيْضَتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا مِمَّا دُونَ فَيَتَجَاوَزُ الْوَقْتُ ولم تحض بتلك المدة
وروى بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ إِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا في حيضتها أَكْثَرَ مِنْ أَمْرِ الْعِدَّةِ وَلَمْ تَسْتَرِبْ نَفْسَهَا وَرَآهَا النِّسَاءُ فَلَمْ يَرَوْا بِهَا حَمْلًا تَزَوَّجَتْ إن شاءت
وروى بن حبيب عن بن الْمَاجِشُونِ مِثْلَ ذَلِكَ
وَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مالك مثل رواية أشهب وبن نَافِعٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الَّذِي عَلَيْهِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا بُرْءٌ مَا لَمْ تَسْتَرِبْ نَفْسَهَا رِيبَةً تَنْفِيهَا بِالْحَمْلِ فَتَكُونُ عِدَّتُهَا وَضْعَ حَمْلِهَا حِينَئِذٍ دُونَ مُرَاعَاةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ
قَالَ مَالِكٌ وَالْمُرْتَفِعَةُ الْحَيْضِ مِنَ الْمَرَضِ كَالْمُرْتَابَةِ فِي الْعِدَّةِ
قَالَ وَالْأَمَةُ الْمُسْتَحَاضَةُ وَالْمُرْتَابَةُ بِغَيْرِ الْحَيْضِ حَالُهُمَا فِي الْعِدَّةِ وَحَالُ الْحُرَّةِ سَوَاءٌ سَنَةٌ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ (إِنِ ارْتَبْتُمْ) الطَّلَاقِ ٤ مَعْنَاهُ إِنْ لَمْ تَدْرُوا مَا تَصْنَعُونَ فِي أَمْرِهَا
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الَّتِي يَرْفَعُ الرَّضَاعُ حَيْضَتَهَا أنها لا تحل حتى تحيض ثلاث حيض وَلَيْسَتْ كَالْمُرْتَابَةِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الَّتِي يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا مِنْ أَجْلِ الرَّضَاعِ فَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ فِيهَا حَدِيثًا فِي كِتَابِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ عَنْ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّ عُثْمَانَ قَضَى فِيهَا عَنْ رَأْيٍ أَنَّهَا تَرِثُ زَوْجَهَا إِذَا لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حِيَضٍ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ ابْنًا لَهُ فَمَكَثَتْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ لَا تَحِيضُ فَقِيلَ لَهُ إِنْ مِتَّ وَرِثَتْكَ فَقَالَ احْمِلُونِي إِلَى عُثْمَانَ فَحَمَلُوهُ فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ وَزَيْدٍ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا نَرَى أَنْ تَرِثَهُ فَقَالَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ اللَّاتِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ وَلَا مِنَ اللَّاتِي لَمْ يَحِضْنَ وإنما يمنعها من الحيض الرضاع فأخذ الرَّجُلُ ابْنَهُ مِنْهَا فَلَمَّا فَقَدَتْهُ
стр. 2602
حَاضَتْ حَيْضَةً ثُمَّ حَاضَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي حَيْضَةً أُخْرَى ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ الثَّالِثَةَ فَوَرِثَتْهُ
قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يحيى بن حبان أن جده حَبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَامْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَنَّهُ طَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ تُرْضِعُ وَكَانَتْ إِذَا أَرْضَعَتْ مَكَثَتْ سَنَةً لَا تَحِيضُ فَمَاتَ حَبَّانُ عَنْ رَأْسِ السُّنَّةِ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ وَقَالَ لِلْهَاشِمِيَّةِ هَذَا رأي بن عَمِّكِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
وَفِي هَذَا الْبَابِ
قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَاعْتَدَّتْ بعض عِدَّتِهَا ثُمَّ ارْتَجَعَهَا ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يمسها أنها لَا تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا وَأَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ مِنْ يَوْمِ طَلَّقَهَا عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً وَقَدْ ظَلَمَ زَوْجُهَا نَفْسَهُ وَأَخْطَأَ إِنْ كَانَ ارْتَجِعْهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ فِي النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ مِنْ يَوْمِ طُلِّقَتْ
وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالشَّامِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَفِرْقَةٌ تَمْضِي فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهَا الْأَوَّلِ
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لِأَنَّ طَلَاقَهُ لَهَا إِذَا لَمْ يَمَسَّهَا فِي حُكْمِ مَنْ طَلَّقَهَا فِي عِدَّتِهَا قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً وَبَنَتْ لَمْ تَسْتَأْنِفْ
وَقَالَ دَاوُدُ لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُتِمَّ عِدَّتَهَا وَلَا عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَشَذَّ فِي ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَلَوْ كَانَتْ بَائِنَةً مِنْهُ غَيْرَ مَبْتُوتَةٍ فَتَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا
فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَتُتِمُّ بَقِيَّةَ الْعِدَّةِ الْأُولَى
وَهُوَ قَوْلُ الحسن وعطاء وعكرمة وبن شِهَابٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَهَا مَهْرٌ لِلنِّكَاحِ الثَّانِي
стр. 2603
وَعِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ جَعَلُوهَا فِي حُكْمِ الْمَدْخُولِ بِهَا لاعتدادها من مئة وَلَيْسَ عِنْدِي بِشَيْءٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ دَاوُدُ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَقِيَّةُ الْعِدَّةِ الْأَوْلَى وَلَا عِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ بِشَيْءٍ أَيْضًا
قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا فَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ طَلَاقًا وَإِنَّمَا فَسَخَهَا مِنْهُ الْإِسْلَامُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي أَحْكَامِ الْكَافِرِ يُسْلِمُ قَبْلَ زَوْجَتِهِ وَالْكَافِرَةِ قَبْلَ زَوْجِهَا في باب نكاح الشرك إِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِرَاقًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَنَّ الْفَسْخَ إِذَا عَادَ الزَّوْجَانِ بَعْدَهُ إِلَى النِّكَاحِ فَهُمَا عَلَى الْعِصْمَةِ الْأُولَى وَتَكُونُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ زَوْجِهَا ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ وَلَوْ كَانَ طَلَاقًا ثُمَّ رَاجَعَهَا كَانَتْ عِنْدَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي إِنَابَةِ الزَّوْجِ مِنَ الْإِسْلَامِ إِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ وَهُمَا ذِمِّيَّانِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فَسْخٌ وَلَيْسَ طَلَاقٌ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ يَقُولَانِ إِنَّمَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُمَا فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إِذَا أَبَى أَنْ يُسْلِمَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ أَصْحَابِهِمْ فِي ذَلِكَ الْبَابِ أَيْضًا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِذَا أَبَى الزَّوْجُ أَنْ يُسْلِمَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ طَلَاقٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ جَعَلَهُ هُوَ شَيْءٌ دَخَلَ عَلَى الزَّوْجِ لَمْ يَقْصِدْهُ فَكَأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ فَاشْتَبَهَ أَوْ شَرَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَإِنَّمَا الطَّلَاقُ مَا اخْتَصَّ بِهِ الزَّوْجُ طَلَاقًا
قَالَ إِيَابَةُ الزَّوْجِ مِنَ الْإِسْلَامِ اخْتِصَاصٌ مِنْهُ بِالْفُرْقَةِ وَاخْتِيَارٌ لَهَا فَكَذَلِكَ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا طَلَاقٌ وَاللَّهَ أعلم
стр. 2604
(٢٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَكَمَيْنِ)
١١٩٢ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وحكما من أهلها إن يريدا إصلحا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) النِّسَاءِ ٣٥ إِنَّ إِلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا وَالِاجْتِمَاعَ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَجُوزُ قَوْلُهُمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ فِي الْفُرْقَةِ وَالِاجْتِمَاعِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الْخَبَرُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي ذَلِكَ فَمَرْوِيٌّ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ عن بن سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ
مِنْهَا مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عن بن سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ عَلِيٌّ مَا بَالُ هَذَيْنِ فَقَالُوا وَقَعَ بَيْنَهُمَا شِقَاقٌ قَالَ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا قَالَ فَبَعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا فَقَالَ لَهُمَا عَلِيٌّ هَلْ تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ رَضِيتُ بِقَوْلِ اللَّهِ وَمَا فِيهِ عَلَيَّ وَلِي فَقَالَ الرَّجُلُ أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا فَقَالَ عَلِيٌّ لَا وَاللَّهِ لَا تَنْقَلِبُ حَتَّى تُقِرَّ بِمَا أَقَرَّتْ بِهِ
وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ بن سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مَعَ زَوْجِهَا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَأَخْرَجَ هَؤُلَاءِ حَكَمًا وَهَؤُلَاءِ حَكَمًا فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْحَكَمَيْنِ أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا إِنَّ عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجَمَعَا جَمَعْتُمَا فَقَالَ الزَّوْجُ أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا فَقَالَ عَلِيٌّ كَذَبْتَ وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَرْضَى بِكِتَابِ اللَّهِ لَكَ وَعَلَيْكَ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ لِي وَعَلَيَّ
стр. 2605
قال وأخبرنا معمر عن بن طاوس عن عكرمة بن خالد عن بن عَبَّاسٍ قَالَ بُعِثْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ حَكَمَيْنِ فَقِيلَ لنا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا
فَقَالَ مَعْمَرٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ الَّذِي بَعَثَهُمَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا بن جريج عن بن أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ تَصْبِرُ لِي وَأُنْفِقُ عَلَيْكَ فَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَتْ أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فَيَسْكُتُ عَنْهَا حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا وَهُوَ بَرِمٌ قَالَتْ أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ
فَقَالَ عَلَى يَسَارِكِ فِي النَّارِ إِذَا دَخَلْتِ فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا وَجَاءَتْ عُثْمَانَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَضَحِكَ وأرسل إلى بن عباس ومعاوية فقال بن عَبَّاسٍ لِأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا وَقَالَ مُعَاوِيَةُ مَا كُنْتُ لِأُفَرِّقَ بَيْنَ شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ فَأَتَيَا فَوَجَدَاهُمَا قَدْ أَغْلَقَا عَلَيْهِمَا أَبْوَابَهُمَا وَأَصْلَحَا أَمْرَهُمَا فَرَجَعَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) النِّسَاءِ ٣٥ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْحُكَّامُ وَالْأُمَرَاءُ وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي ((بَيْنِهِمَا)) للزوجين فإن قوله (إن يريدا إصلحا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) النِّسَاءِ ٣٥ فِي الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ
ذَكَرُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير عن بن عَبَّاسٍ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا قال هما الحكمان
قال وحدثني وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ (إِنْ يُرِيدَا إصلحا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) النِّسَاءِ ٣٥ قَالَ هُمَا الْحَكَمَانِ
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْحَكَمَيْنِ لَا يُكُونَانِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ
أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ
وَالْآخَرُ من أهل الرجل إلا أن يُوجَدَ فِي أَهْلِهِمَا مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَيُرْسِلُ مَنْ غَيْرِهِمَا
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْحَكَمَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا لَمْ يُنَفَّذْ قَوْلَهُمَا
وَأَجْمَعُوا أَنَّ قَوْلَهُمَا نَافِذٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ
стр. 2606
وَاخْتَلَفُوا فِي الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا هَلْ تَحْتَاجُ إِلَى تَوْكِيلٍ مِنَ الزَّوْجِ أَمْ لَا
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ يَجُوزُ قَوْلُهُمَا فِي الْفُرْقَةِ وَالِاجْتِمَاعِ بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَا إِذْنٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
وبه قال إسحاق
وروي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ إِنِ اجْتَمَعَ أَمْرُهُمَا عَلَى أَنْ يُفَرِّقَا أَوْ يَجْمَعَا جَازَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ الزَّوْجُ إِلَيْهِمَا التفريق
وهو قول عطاء والحسن
قال بن جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يُسْأَلُ أَيُفَرِّقُ الْحَكَمَانِ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي أَيْدِيهِمَا الزَّوْجَانِ
وَقَالَ الْحَسَنُ يَحْكُمَانِ فِي الِاجْتِمَاعِ وَلَا يحكمان في الفرقة
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ
وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ تَحْتَجُّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁
وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ مُوسَى عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ الْحَكَمَانِ بِهِمَا يَجْمَعُ اللَّهُ وَبِهِمَا يُفَرِّقُ
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ لِلزَّوْجِ لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَرْضَى بِمَا رَضِيَتْ بِهِ فَدَلَّ عَلَى أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزَّوْجِ
وَالْأَصْلُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الزَّوْجِ أَوْ بِيَدِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ
وَجَعَلَهُ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي بَابِ طَلَاقِ السُّلْطَانِ عَلَى الْمَوْلَى وَالْعِنِّينِ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ في الحكمين يطلقان ثلاثا
فقال بن الْقَاسِمِ تَكُونُ وَاحِدَةً بَائِنَةً
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَأَشْهَبُ إِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
стр. 2607
(٢٧ - بَابُ يَمِينِ الرَّجُلِ بِطَلَاقٍ مَا لَمْ يَنْكِحْ)
١١٩٣ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وبن شِهَابٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانُوا يَقُولُونَ إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِطَلَاقِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ثُمَّ أَثِمَ إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ إِذَا نَكَحَهَا
١١٩٤ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ إِنَّهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ قَبِيلَةً أَوِ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا آخِرُ الْبَابِ عِنْدَ جُمْهُورِ رُوَاةِ ((الْمُوَطَّأِ))
وَلِيَحْيَى فِيهِ زِيَادَةٌ مِنْ قول مالك في بعضها وَهُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ شَيْءٌ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ يَاسِينُ الزَّيَّاتُ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ عَطَاءٍ الخرساني عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَالَ هُوَ كما قال
ويسن مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ مَجْهُولٌ وَأَبُو سَلَمَةَ عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعٌ
وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ فِيمَنْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَةٍ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ وَجَائِزٌ أَنْ يُقَاسَ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا الطَّلَاقُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا بن مَسْعُودٍ فَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بن قيس عن إبراهيم عن علقمة والأسود أنه طلق امرأة إن تزوجها فسأل بن مَسْعُودٍ فَقَالَ أَعْلِمْهَا بِالطَّلَاقِ ثُمَّ تَزَوَّجْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ كَانَ تَزَوَّجَهَا إذ سأل بن مَسْعُودٍ فَأَجَابَهُ بِهَذَا وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى اثْنَتَيْنِ إِنْ تَزَوَّجَهَا
وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بن قيس عن إبراهيم عن علقمة
стр. 2608
وَالْأَسْوَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ قَالَ إِذَا تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ
قَالَ هُوَ كَمَا قال
وأما بلاغ مالك عن بن مسعود أن الحالف بالطلاق لا يلزمه إلا أَنْ يُعَيِّنَ قَبِيلَةً أَوْ يُسَمِّيَ امْرَأَةً فَلَا أَحْفَظُهُ عَنْهُ إِلَّا مُنْقَطِعًا غَيْرَ مُتَّصِلٍ
وَأَمَّا سَالِمٌ وَالْقَاسِمُ فَرُوِيَ عَنْهُمَا مِنْ وُجُوهٍ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْهُمَا
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ كَانَ يَحْيَى وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَرَوْنَ الطلاق جائزا عليه إذ وَقَّتَ
قَالَ وَحَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبَا بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ الْبَتَّةَ فَقَالُوا كُلُّهُمْ لَا يَتَزَوَّجُهَا
قَالَ وَحَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ - حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ قَالَ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ قَالَ طَالِقٌ
وَسُئِلَ عُمَرُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةً فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي قَالَ لَا يَتَزَوَّجُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَالِمٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَإِنْ عَمَّ فِي يَمِينِهِ
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ قال حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَنْ قُدَامَةَ قَالَ قُلْتُ لِسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَكُلُّ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا فَهِيَ حُرَّةٌ
فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَلَوْ كنت لم أنكح ولم أشتر
وأما بن شِهَابٍ فَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْهُ فِي رَجُلٍ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَكُلُّ جَارِيَةٍ أشتريها فهي حرة
قال هو كما قال
قَالَ مَعْمَرٌ قُلْتُ لَهُ أَلَيْسَ قَدْ جَاءَ أَنَّهُ لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ الْمِلْكِ قَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ امْرَأَةُ فُلَانٍ طَالِقٌ أَوْ عَبْدُ فَلَانٍ حُرٌّ
وَرَوَى عَنْهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا قَالَ فُلَانَةٌ طَالِقٌ وَلَا يَقُولُ إِنْ تَزَوَّجْتُهَا
وَأَمَّا إِنْ قَالَ إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَهُوَ كما قال
стр. 2609
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِذَا وَقَعَ النِّكَاحُ وَقَعَ الطَّلَاقُ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى فِي هَذَا الْبَابِ
فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى فِي ((الْمُوَطَّأِ)) وَقَالَهُ فِي غَيْرِ ((الْمُوَطَّأِ))
وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَصْحَابُهُ فِيهِ إِذَا لَمْ يُسَمِّ الْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا أَوْ قَبِيلَةً أَوْ أَرْضًا أَوْ نَحْوَ هَذَا وَعَمَّ فِي - يَمِينِهِ فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلْيَتَزَوَّجْ مَا شَاءَ فَإِنْ سَمَّى امْرَأَةً أَوْ أَرْضًا أَوْ قَبِيلَةً أَوْ ضَرَبَ أَجَلًا يَبْلُغُ عُمُرُهُ أَكْثَرَ منه لزمه الطلاق
قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَمَّ
وَلَوْ خَصَّ جِنْسًا أَوْ بَلَدًا أَوْ ضَرَبَ أَجَلًا يَبْلُغُ عُمُرُهُ مِثْلَهُ لَزِمَهُ
وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ إِذَا قَالَ كُلُّ بِكْرٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ كُلُّ ثَيِّبٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَمَرَّةً قَالَ لَا يَتَزَوَّجُ وَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ نَوْعًا بَعْدَ نَوْعٍ وَمَرَّةً قَالَ إِنَّهُ يَتَزَوَّجُ لِأَنَّهُ قَدْ عَمَّ فِي الْيَمِينِ الْأُخْرَى
والأول أشهر عنه
وقال بن أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ
وَقَالَ بن أَبِي لَيْلَى إِذَا عَمَّمَ لَمْ يَقَعْ وَإِنْ سَمَّى شَيْئًا بِعَيْنِهِ أَوْ جَمَاعَةً بِعَيْنِهَا أَوْ جَعَلَ يَمِينَهُ إِلَى أَجَلٍ يَبْلُغُهُ وَقَعَ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلُّ جَارِيَةٍ أَشْتَرِيهَا عَلَيْكِ فَهِيَ حُرَّةٌ فَيَشْتَرِي عَلَيْهَا جَارِيَةً فَإِنَّهَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ عَلَيْكِ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ إِذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ
وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ أَوْ أَرِثُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ عَتَقَ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَ بِذَلِكَ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ قَدْ خَصَّ
وَلَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَالَ مِنْ بَنِي فَلَانٍ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَوْ مُسْلِمَةً أَوْ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً أَوْ إِلَى أَجَلٍ كَذَا لَزِمَهُ
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مُذْ وَصَلْتُ الْكُوفَةَ أَفْتَى بِغَيْرِ هَذَا
وَقَالَ اللَّيْثُ يَلْزَمُهُ الطلاق ولعتق فِيمَا خَصَّ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ
стр. 2610
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَهَذَا قَوْلٌ وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَهُوَ كَمَا قَالَ تُطَلَّقُ حِينَ تتزوج
وهو قول عثمان البتي وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ أَنَّهُمَا كَانَا يُوجِبَانِ ذَلِكَ عَلَيْهِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ
وكذلك اختلف عن الثوري
مروي عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَمَالِكٍ وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ
وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَمَلَ قَوْلَهُ لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ عَلَى مَا قاله بن شِهَابٍ
قَالَ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ النَّذْرُ إِذَا مَلَكَهُ
قَالُوا وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ ((لَا طَلَاقَ إِلَّا مِنْ بعد نكاح)) وليس فيه لا عقد طَلَاقٍ وَشَبَّهُوهُ بِعِلَّةِ الْأَجْنَاسِ أَنَّهُ يَسْتَصِحُّ فِيهَا الصَّدَقَةُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَلْحَقَ فِي مِلْكِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ هَذَا كُلُّهُ بِالْقَوِيِّ وَلَا الصَّحِيحِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالتَّحَكُّمِ وَدَعْوَى مَا لَا يَلْزَمُ دُونَ حُجَّةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا يَلْزَمُ طَلَاقٌ قَبْلَ نِكَاحٍ وَلَا عِتْقٌ قَبْلَ مِلْكٍ لَا إِذَا خَصَّ وَلَا إِذَا عَمَّ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ إِلَّا أَنَّهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ معلولة ومنهم مَنْ يُصَحِّحُ بَعْضَهَا وَلَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ يُخَالِفُهَا وَسَنَذْكُرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَشُرَيْحٍ وَالْحَسَنِ
стр. 2611
وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَاهِدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَقَتَادَةَ وَوَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَعِكْرِمَةَ
وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ لَوْ جَاءَنِي لَمْ آمُرْهُ بِالتَّزْوِيجِ وَلَوْ تَزَوَّجَ لَمْ آمُرْهُ بِالْفِرَاقِ
وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عن الثوري
ورواه أبو زيد عن بن الْقَاسِمِ
وَرَوَى الْعُتْبِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ عن بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَفْتَى رَجُلًا حَلَفَ إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ أَنَّهُ لَا شيء عليه إن تزوجها
قال وقاله بن وهب
قال بن وَهْبٍ وَنَزَلَتْ بِالْمَخْزُومِيِّ فَأَفْتَاهُ مَالِكٌ بِذَلِكَ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فِيمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ إِنْ تَزَوَّجَهَا أَوْ تَزَوَّجَ بِبَلَدِ كَذَا فَتَزَوَّجَ بِذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ تَزَوَّجَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ قَالَ مَا أَرَاهُ حانثا
قال وقد قال بن الْقَاسِمِ آمُرُ السُّلْطَانَ أَلَّا يَحْكُمَ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ وَتَوَقَّفَ فِي الْفُتْيَا بِهِ آخِرَ أَيَّامِهِ
قَالَ مُحَمَّدٌ وَقَدْ كَانَ عَامَّةُ مَشَايِخِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ
وَهُوَ قَوْلُ بن أَبِي ذِئْبٍ
قَالَ وَأَمَّا مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ فَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَحْسَنُ الْأَسَانِيدِ الْمَرْفُوعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بن أصبغ قال حدثني بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَا طَلَاقَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ
стр. 2612
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنِي بن أَبِي ذِئْبٍ وَعَطَاءُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ قَالَ لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ
قَالَ وَحَدَّثَنِي عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المنكدر عن من سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ))
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ((لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا تَمْلِكُ وَلَا عَتَاقَةَ فِيمَا لَا تَمْلِكُ))
قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ((لا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ وَلَا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ وَلَا وِصَالَ وَلَا صَمْتَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ وَلَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ))
فَقَالَ لَهُ الثَّوْرِيُّ يَا أَبَا عُرْوَةَ! إِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَنْ عَلِيٍّ فَأَبَى عَلَيْهِ مَعْمَرٌ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الْأَحَادِيثُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ وَكُلُّهَا ثَابِتَةٌ صِحَاحٌ مِنْ كِتَابِ عبد الرزاق وكتاب بن أَبِي شَيْبَةَ وَكِتَابِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ وَلَوْلَا كَرَاهَةُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْنَاهَا
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ كَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ إِلَى عَامِلِهِ بِصَنْعَاءَ اسْأَلْ مَنْ قِبَلَكَ عَنِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ قَالَ فسأل بن طاوس فحدثهم عن أبيه أنه قَالَ لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ
وَسُئِلَ أَبُو الْمِقْدَامِ وَسِمَاكٌ فَحَدَّثَ أَبُو الْمِقْدَامِ عَنْ عَطَاءٍ وَحَدَّثَ سِمَاكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُمَا قَالَا لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ
قَالَ وَقَالَ سِمَاكٌ إِنَّمَا النِّكَاحُ عُقْدَةٌ تُعْقَدُ وَالطَّلَاقُ حَلُّهَا فَكَيْفَ تُحَلُّ عُقْدَةٌ قَبْلَ أَنْ تُعْقَدَ فَكَتَبَ بِقَوْلِهِ فَأَعْجَبَهُ وَكَتَبَ أَنْ يُبْعَثَ قَاضِيًا
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ مُعَرِّفِ بْنِ وَاصِلٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَوَاحٍ الضَّبِّيِّ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدًا وَعَطَاءً عَنْ رَجُلٍ قَالَ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَقَالُوا لَيْسَ بِشَيْءٍ
стр. 2613
وَقَالَ سَعِيدٌ أَيَكُونُ سَيْلٌ قَبْلَ مَطَرٍ
قَالَ وَحَدَّثَنِي قَبِيصَةُ قَالَ وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ آدَمَ - مَوْلَى خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بن جبير قال قال بن عباس قال قال الله (يأيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنت ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) الْأَحْزَابِ ٤٩ فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا حَتَّى يَكُونَ النِّكَاحُ
قَالَ وحدثني بن نمير عن بن جريج عن عطاء عن بن عَبَّاسٍ قَالَ لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ
قَالَ وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أبي إسحاق عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ مَا أُبَالِي أَتَزَوَّجْتُهَا أَوْ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى هَذِهِ السَّارِيَةِ يَعْنِي أَنَّهَا حَلَالٌ
وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا بن جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ مَا لَمْ يَنْكِحْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وكان بن عَبَّاسٍ يَقُولُ إِنَّمَا الطَّلَاقُ بَعْدَ النِّكَاحِ وَكَذَلِكَ العتاقة
قال بن جُرَيْجٍ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ طَلَاقِ الرَّجُلِ مَا لَمْ يَنْكِحْ فَقَالُوا لَا طَلَاقَ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَ سَمَّاهَا أَوْ لَمْ يُسَمِّهَا
وَسُفْيَانُ بْنُ عيينة عن بن عجلان أنه سمع عكرمة يحدث عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الطَّلَاقَ وَلَا الظِّهَارَ قَبْلَ النِّكَاحِ
وَسُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ الْعَبْسِيِّ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَعَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ الْمَرْأَةَ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا فَقَالَا لَيْسَ بِشَيْءٍ
وَسُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ الطَّلَاقُ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْعِتْقُ بَعْدَ الْمِلْكِ
(٢٨ - بَابُ أَجَلِ الَّذِي لَا يَمَسُّ امْرَأَتَهُ)
١١٩٥ - مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ من
стр. 2614
تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجْلٌ سَنَةً فَإِنَّ مَسَّهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ النِّكَاحَ يُؤَجَّلُ سَنَةً
قَالَ مَعْمَرٌ وَبَلَغَنِي أَنَّهُ يُؤَجَّلُ مِنْ يَوْمِ يُرْفَعُ أَمْرُهَا
ورواه بن جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ لِلْعِنِّينِ أَجَلَ سَنَةٍ وَأَعْطَاهَا صَدَاقَهَا وَافِيًا
١١٦٩ - مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ بن شِهَابٍ مَتَى يُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ أَمِنْ يَوْمِ يَبْنِي بِهَا أَمْ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ فَقَالَ بَلْ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي ((الْمُوَطَّأِ)) عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ لا من قول بن شِهَابٍ
وَرِوَايَةُ يَحْيَى - وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهُمْ فَإِنَّهَا مَعْرُوفَةٌ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنِ بن شِهَابٍ وَهِيَ - عِنْدِي - غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ لِصِحَّةِ الْإِمْكَانِ فِيهَا
قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الَّذِي قَدْ مَسَّ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَنْهَا فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجْلٌ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ - أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ - عَلَى تَأْجِيلِ الْعِنِّينِ سَنَةً إِذَا كَانَ حرا
وشذ داود وبن عُلَيَّةَ فَلَمْ يَرَيَا عَلَيْهِ تَأْجِيلًا وَجَعَلَا ذَلِكَ مصيبة نزلت بالمرأة
واحتج بن عُلَيَّةَ بِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ خِلَافٍ وَأَنَّ الْقِيَاسَ أَلَّا يُؤَجَّلَ كَمَا لَا يُؤَجَّلُ إِذَا أَصَابَهَا مَرَّةً
وَرُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ هِيَ امْرَأَتُهُ أَبَدًا لَا يُؤَجَّلُ
وَذَكَرَ الْحَكَمُ أَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مُتَّصِلًا
رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ جَاءَتِ
стр. 2615
امْرَأَةٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَتْ هَلْ لَكَ فِي امْرَأَةٍ لا أيم وَلَا ذَاتَ زَوْجٍ فَقَالَ وَأَيْنَ زَوْجُكِ قَالَ فَجَاءَ شَيْخٌ قَدِ اجْتَنَحَ فَقَالَ مَا تَقُولُ هَذِهِ فَقَالَ صَدَقَتْ وَلَكِنْ سَلْهَا هَلْ تَنْعَمُ فِي مَطْعَمٍ أَوْ مَلْبَسٍ فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ لَا فقال هل غير ذلك قالت لَا قَالَ وَلَا مِنَ السَّحَرِ قَالَ وَلَا مِنَ السَّحَرِ
قَالَ عَلِيٌّ هَلَكْتِ وَأَهْلَكْتِ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ فَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ بَلِ اصْبِرِي فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَبْتَلِيَكِ بِأَشَدَّ مِنْ هَذَا فَعَلَ
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حدثني الخشني قال حدثني بْنِ أَبِي عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ فَذَكَرَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ
وَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَصَابَهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا التَّأْجِيلُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَكَمِ وَغَيْرِهِ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ سَنَةً فَإِنْ أَصَابَهَا وَإِلَّا فَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ خَالِدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ يُؤَجَّلُ الْمُعْتَرِضُ سَنَةً فَإِنْ وَصَلَ إِلَيْهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا
وَاعْتَلَّ دَاوُدُ بِحَدِيثِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْمُحَلِّلِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ وَأَوْضَحْنَا ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْعِنِّينَ يُؤَجَّلُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ يُرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ
وَرُوِيَ ذلك عن عمر وعلي وبن مَسْعُودٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵃
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄
وَخَبَرُ عُمَرَ رَوَاهُ المدنيون - والكوفيون - والبصريون ولم يَخْتَلِفُوا عَنْهُ فِيهِ
وَخَبَرُ عَلِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ خَاصَّةً وَهُوَ مُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِيهِ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنِ الْمُغِيرَةِ فَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ بن النُّعْمَانِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ أَجَّلَ العنين سنة
стр. 2616
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي شَرِيكٌ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُونَ يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ سَنَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ أَنَّ الْعِنِّينَ يُؤَجَّلُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ يُرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِأَنَّهُ أَجَّلَهُ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ
وَإِنَّمَا أَجَّلَهُ سَنَةً فِيمَا ذُكِرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِتَكْمُلَ لَهُ الْمُدَاوَاةُ وَالْعِلَاجُ فِي أَزْمَانِ السَّنَةِ كُلِّهَا لِاخْتِلَافِ أَعْرَاضِ الْعِلَلِ فِي أَزْمِنَةِ الْعَامِ وَفُصُولِهِ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي السَّنَةِ يَئِسُوا مِنْهُ وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ
وَالْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْفُرْقَةَ وَاقِعَةٌ لِسَبَبٍ مِنَ الزَّوْجِ فَكَانَ طَلَاقًا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَبُو ثَوْرٍ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فَسْخٌ لَيْسَتْ بِطَلَاقٍ
قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ إِلَيْهَا دُونَهُ لَا تَقَعُ إِلَّا بِاخْتِيَارِهَا وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَامَتْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَقَعْ فُرْقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فَهُوَ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَسْأَلَةِ الْأَمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَتَخْتَارُ فِرَاقَهُ وَاخْتِلَافُهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ إِلَّا مَنْ خَالَفَ أَصْلَهُ وَقِيَاسَهُ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعِنِّينِ وَامْرَأَتِهِ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ إِلَّا أَنْ تَطْلُبَ ذَلِكَ وَتَخْتَارَهُ
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ أَنْ أَجِّلْهُ سَنَةً فَإِنْ أَصَابَهَا وَإِلَّا خَيَّرَهَا فَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ
وَالْعِنِّينُ الَّذِي يُؤَجَّلُ عِنْدَ مَالِكٍ هُوَ الْمُعْتَرِضُ عَنِ امْرَأَتِهِ وَهُوَ يَطَأُ غَيْرَهَا بِعَارِضٍ عَرَضَ لَهُ
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ بِعَارِضٍ وَقَدْ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ الْوَطْءُ أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِذَا كَانَ بِصِفَةِ مَنْ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ فِي الْمُعْتَرِضِ الَّذِي يُؤَجَّلُ سَنَةً
وَأَمَّا الْعِنِّينُ وَالْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ فَلَا يُؤَجَّلُونَ وَامْرَأَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ رَضِيَتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ
стр. 2617
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَمَذْهَبُهُ فِيمَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ عَنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُمْكِنُ مِنْهُ الْوَطْءُ تَامٌّ أَوْ مَقْطُوعٌ بَعْضُهُ إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَ لَهُ مَا وَقَعَ مَوْقِعَ الرَّجُلِ الَّذِي يُغَيِّبُ حَشَفَتَهُ فِي الْفَرَجِ
وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى وَالْعِنِّينُ وَالْمُعْتَرِضُ عَنْهَا دُونَ غَيْرِهَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِذَا لَمْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا إِلَّا بَعْدَ تَأْجِيلِ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ تَطْلُبُ فِرَاقَهُ فَإِنْ أَصَابَهَا فِي السَّنَةِ إِصَابَةً يُغَيِّبُ بِهَا الْحَشَفَةَ فِي الْفَرَجِ أَوْ مَا بَقِيَ مِنَ الذَّكَرِ وَإِلَّا فَلَهَا الْخِيَارُ فِي فِرَاقِهِ أَوِ الْمُقَامُ مَعَهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ سَنَةً سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَصِلُ إِلَى غَيْرِ امْرَأَتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا
وَأَمَّا المجبوب فتخير امرأته مكانها
وروى بن عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَشْكُو زَوْجَهَا فَقَالَ إِنْ كَانَ يُصِيبُكِ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً فَحَسْبُكِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِنِّينِ يَدَّعِي الْجِمَاعَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ
فَقَالَ مَالِكٌ الْمَعْرُوفُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا
وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكِ بن أنس أنهما قَالَا يَدْخُلُ إِلَيْهَا زَوْجُهَا وَهُنَاكَ امْرَأَتَانِ فَإِذَا فَرَغَ نَظَرَتَا فِي فَرْجِهَا فَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَنِيُّ فَهُوَ صَادِقٌ وَإِلَّا فَهُوَ كَاذِبٌ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا إِنَّهُ إِذَا ادَّعَى الْعِنِّينُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فِي الْأَصْلِ نَظَرَ إِلَيْهَا النِّسَاءُ فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ خُيِّرَتْ وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَا خِيَارَ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فِي الْأَصْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَأَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهَا
قَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْلِفُ الزَّوْجُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهَا فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كانت بكرا أريها أربع نِسْوَةٍ مِنْ عُدُولِ النِّسَاءِ فَإِنْ شَهِدْنَ لَهَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهَا وَإِنْ شَاءَ أَحْلَفَهَا ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ نَكَلَتْ وَحَلَفَ أَقَامَ مَعَهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْعُذْرَةَ تَعُودُ إِذَا لَمْ يُتَابِعْ فِي الْإِصَابَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَا
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَجَائِزٌ عِنْدَهُ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ عُيُوبِ النِّسَاءِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَشَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا كَانَتْ عدلا
стр. 2618
وَرَوَى الْمُعَافَى عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ إِذَا كَانَتْ ثَيِّبًا فَيَمِينُهُ وَتَقَرُّ عِنْدَهُ إِذَا حَلَفَ وَلَا يُؤَجَّلُ إِذَا ادَّعَى إِصَابَتَهَا وَيُؤَجَّلُ سَنَةً وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَإِنْ أَصَابَهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ الْمَهْرُ لَهَا
وَقَالَ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيُسْتَحْلَفُ وَإِنْ كانت بكرا نظر إليها النساء
وقال بن وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ يُخْتَبَرَانِ بِصُفْرَةِ الْوَرْسِ وَغَيْرِهِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَرْأَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ بِكْرًا ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِهِ أَثَرُ تِلْكَ الصُّفْرَةِ أُقِرَّتْ تَحْتَهُ وَإِنْ لَمْ يُرَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وعرف أنه لا يستطيعها
قال بن وهب يحلف أن يَطَأُ وَتَقَرُّ عِنْدَهُ وَلَا تَرَى لَهُ عَوْرَةً فِي الْوَرْسِ وَلَا فِي غَيْرِهِ
وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ من العلماء على ان العنين إذا وطىء امْرَأَتَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ تَرْفَعَهُ إِلَى السُّلْطَانِ وَلَا تُطَالِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ غَيْبِ الْعُنَّةِ
وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إِذَا وَطِئَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ عَجَزَ عَنِ الْوَطْءِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ أُجِّلَ سَنَةً لِوُجُودِ الْعِلَّةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا طَرِيقُ الِاتِّبَاعِ فَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَأَمَّا طَرِيقُ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ فَمَا قَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وذكر بن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أَنَّهُ إِذَا أَصَابَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا كَلَامَ لَهَا وَلَا خُصُومَةَ
وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِتَأْجِيلِ الْعِنِّينِ أَنَّ الْعَبْدَ وَالْحُرَّ فِي أَجَلِ السَّنَةِ سَوَاءٌ إِلَّا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَأَصْحَابَهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ - إِذَا كَانَ عَبْدًا - نِصْفَ سَنَةٍ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ لِامْرَأَةِ الْعِنِّينِ مِنَ الصَّدَاقِ إِذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ التَّأْجِيلِ
فَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَرَبِيعَةُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَحْمَدُ وإسحاق
стр. 2619
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ شُرَيْحٌ وَطَاوُسٌ
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) الْبَقَرَةِ ٢٣٧
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ أَوْجَبَ لها الصَّدَاقَ كَامِلًا أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب وَالْحَسَنِ قَالَا أَجَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعِنِّينَ سنة فإن استطاعها وإلا فرق بينهما وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءٍ قَالُوا تَعْتَدُّ بَعْدَ السَّنَةِ
وَذَكَرَ بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا قَالَ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَقَدْ قِيلَ لَهَا نِصْفُ الصداق
(٢٩ - باب جامع الطلاق)
١١٩٧ - مالك عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ حِينَ أَسْلَمَ الثَّقَفِيُّ ((أَمْسِكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ مُرْسَلًا عَنِ بن شهاب
وكذلك رواه أكثر رواة بن شهاب عنه مرسلا
ورواه بن وهب عن يونس بن يزيد عن بن شِهَابٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ حِينَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ ((خُذْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا))
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ بِالْعِرَاقِ حَدَّثَ بِهِ مِنْ حِفْظِهِ فَوَصَلَ إِسْنَادَهُ وَأَخْطَأَ فِيهِ
وَرَوَاهُ عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَجَمَاعَةٌ عَنِ الزهري عن
стр. 2620
سالم عن بن عُمَرَ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَأَمَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَهْلُ صَنْعَاءَ فَلَمْ يَرْوُوهُ عَنْ مَعْمَرٍ إِلَّا مُرْسَلًا عَنِ بن شِهَابٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ
ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبُّوبَةَ قَالَ قَالَ لَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ لَمْ يُسْنِدْ لَنَا مَعْمَرٌ حَدِيثَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَوْ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ
فَقَالَ مَالِكٌ يَخْتَارُ مِنَ الْخَمْسِ نِسْوَةٍ فَمَا زَادَ أَرْبَعًا وَيَخْتَارُ مِنَ الْأُخْتَيْنِ وَاحِدَةً أَيَّتَهُمَا شَاءَ الْأُولَى مِنْهُمَا وَالْآخِرَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
وَكَذَلِكَ الْأَوَائِلُ وَالْأَوَاخِرُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ نِسْوَةٍ
وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الْمَذْكُورُ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يختار من عشر نسوة كن له - إذا أسلم - أربعا ولم يَقُلْ لَهُ احْتَبِسْ بِالْأَوَائِلِ مِنْهُنَّ وَاطْرَحِ الْأَوَاخِرَ ولو كان كذلك لَبَيَّنَهُ ﷺ
إِلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رُوِيَ عَنْهُ فِي الْأُخْتَيْنِ أَنَّ الْأُولَى مِنَ الْأُخْتَيْنِ امْرَأَتُهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يوسف وبن أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَخْتَارُ الْأَوَائِلَ فَإِنْ تَزَوَّجْنَ فِي عَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الَّذِي يُقْضَى عَلَيْهِ بِتَحْرِيمِهِ مَا كان محظورا عليه فِي حَالِ إِسْلَامِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْخَامِسَةِ فَمَا زَادَ
وَقَالُوا حَدِيثُ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ لَيْسَ بِثَابِتٍ
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ فِي الْأُخْتَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ ((اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ)) لَيْسَ بِثَابِتٍ أَيْضًا عِنْدَهُمْ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَخْتَارُ الْأَرْبَعَ الْأَوَائِلَ فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيَّتَهُنَّ الْأُولَى طَلَّقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ ثُمَّ يَتَزَوَّجُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا إِنْ شَاءَ
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ إِذَا أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ فَارَقَهُمَا جَمِيعًا لِأَنَّهُ
стр. 2621
كَأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهِمَا عَقْدًا وَاحِدًا ثُمَّ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَ إِحْدَاهُمَا إِنْ شَاءَ - حَكَاهُ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ عَنْهُ - وَلَمْ يَقُلْهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ غيره والله أعلم
وقال بن أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُشْرِكِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ إِنَّهُ يَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا أَيَّتَهُنَّ شَاءَ أَوَائِلَهُنَّ كُنَّ أَوْ أَوَاخِرَهُنَّ هُوَ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنَ الْأُوَلِ أَرْبَعٌ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ جَازَ لَهُ أَنْ يحبس من الأواخر أربعا ولو كان يَقُولُ مَنْ قَالَ لَا يَخْتَارُ إِلَّا الْأَوَائِلَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَحْبِسَ الْأَوَاخِرَ إِذَا مَاتَ الْأَوَائِلُ لِأَنَّ نِكَاحَهُنَّ فَاسِدٌ فِي قَوْلِهِ
قَالَ بن نَافِعٍ وَكَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ يحبس الأوائل
١١٩٨ - مالك عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كُلُّهُمْ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَحِلَّ وَتَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَيَمُوتُ عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى مَا بقي من طلاقها
قال مالك وعلى ذلك السنة عندنا التي لا اختلاف فيها
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ
وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا تَعُودُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا وَأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَهْدِمُ إِلَّا الثَّلَاثَ الَّتِي لَهُ مَعْنًى فِي هَدْمِهَا لِتَحِلَّ بِذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ الَّتِي بُتَّ طَلَاقُهَا أَوْ تُوَفِّيَ عَنْهَا النَّاكِحُ لَهَا أَوْ طَلَّقَهَا وَأَمَّا مَا دُونَ الثَّلَاثِ فَلَا مَدْخَلَ لِلزَّوْجِ الثَّانِي فِي هَدْمِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْظُرْ رُجُوعَهَا إِلَى الْأَوَّلِ مَالِكٌ والشافعي وأصحابهما والثوري وبن أَبِي لَيْلَى وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ
وَهُوَ قَوْلُ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
стр. 2622
وَبِهِ قَالَ كِبَارُ التَّابِعِينَ أَيْضًا عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ فَأَصَحُّ شَيْءٍ وَأَثْبَتُهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ
وَأَمَّا الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ فَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مَزِيدَةَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ هِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا وَلَا يَهْدِمُ الزَّوْجُ إِلَّا الثَّلَاثَ
وَالرِّوَايَةُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رواها شعبة أيضا عن الحكم عن بن أَبِي لَيْلَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ تَرْجِعُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَذَكَرَهَا أَبُو بكر قال حدثني بن عُلَيَّةَ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ زِيَادًا سأل عمران بن الحصين وَشُرَيْحًا عَنْهَا فَقَالَ عِمْرَانُ هِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الطَّلَاقِ
وَقَالَ شُرَيْحٌ طَلَاقٌ جَدِيدٌ وَنِكَاحٌ جَدِيدٌ
قَالَ حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ يَقُولُونَ تَرْجِعُ إِلَيْهِ عَلَى مَا بَقِيَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ وَعَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ فَإِنَّهَا تَعُودُ عَلَى ثَلَاثٍ وَيَهْدِمُ الزَّوْجُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلَاثَ
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ
وَهُوَ قَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمر
وروى بن عيينة عن عمر عن طاوس عن بن عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ آخَرُ ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَتَزَوَّجَهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ قَالَ هِيَ عِنْدَهُ عَلَى ثَلَاثٍ
وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ بن عُمَرَ قَالَ هِيَ عِنْدَهُ عَلَى ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِنْ كَانَ الْآخَرُ دَخَلَ بِهَا فَنِكَاحٌ جَدِيدٌ وَطَلَاقٌ جَدِيدٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانُ عَنْ حماد عن سعيد بن جبير عن بن عباس وبن عُمَرَ قَالَا هِيَ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقٍ جَدِيدٍ مستقبل
стр. 2623
قَالَ وَحَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُونَ أَيَهْدِمُ الزَّوْجُ الثَّلَاثَةَ وَلَا يَهْدِمُ الْوَاحِدَةَ وَالثِّنْتَيْنِ!
قَالَ وَحَدَّثَنِي حَفْصٌ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ كَانُوا يَقُولُونَ يَهْدِمُ الزَّوْجُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلَاثَةَ إِلَّا عُبَيْدَةَ قَالَ هِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا
١١٩٩ - مَالِكٌ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْأَحْنَفِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أَمَّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ فَدَعَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فَجِئْتُهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا سِيَاطٌ مَوْضُوعَةٌ وَإِذَا قَيْدَانِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَبْدَانِ لَهُ قَدْ أَجْلَسَهُمَا فَقَالَ طَلِّقْهَا وَإِلَّا وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ فَعَلْتُ بِكَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقُلْتُ هِيَ الطَّلَاقُ أَلْفًا قَالَ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَأَدْرَكْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فأخبرته بالذي كان من شأني فتغيط عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْكَ فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ قَالَ فَلَمْ تُقْرِرْنِي نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ أَمِيرٌ عَلَيْهَا فَأَخْبَرُتُهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي وَبِالَّذِي قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْكَ فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ وَكَتَبَ إِلَى جَابِرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِي قَالَ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَهَّزَتْ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ امْرَأَتِي حَتَّى أَدْخَلَتْهَا عَلَيَّ بِعَلَمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ثُمَّ دَعَوْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمَ عُرْسِي لِوَلِيمَتِي فَجَاءَنِي
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ لَا يَلْزَمُ وَلَا يَقَعُ وَلَا يَصِحُّ
وَالْحُجَّةُ لَهُمْ قَوْلُ اللَّهِ (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمن) النَّحْلِ ١٠٦ فَنَفَى الْكُفْرَ بِاللِّسَانِ إِذَا كَانَ الْقَلْبُ مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ إِذَا لَمْ يُرِدْهُ بقلبه وَلَمْ يَنْوِهِ وَلَمْ يَقْصِدْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ
وَرَوَى الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2624
قَالَ ((تَجَاوَزَ اللَّهُ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ))
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ((لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ)) فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى الْمُكْرَهِ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب وبن عَبَّاسٍ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كما قال بن عمر وبن الزُّبَيْرِ
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ والضحاك وأيوب وبن عَوْنٍ
وَقَالَ عَطَاءٌ الشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنَ الطَّلَاقِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَنِكَاحُهُ وَنَذْرُهُ وَعِتْقُهُ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ
وَاحْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْتَقِضُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَالْخِيَارِ وَلَا يَصِحُّ الْخِيَارُ فِي طَلَاقٍ وَلَا عِتْقٍ وَلَا نكاح
وقال في معنى حديث بن عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ التَّجَاوُزُ مَعْنَاهُ الْعَفْوُ عَنِ الْإِثْمِ
قَالَ وَالْعَفْوُ عَنِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُذْنِبٍ فَيُعْفَى عَنْهُ
وَذَكَرَ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ وَلِأَبِيهِ - حِينَ خَلَعَهُمَا الْمُشْرِكُونَ ((نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ))
قَالَ وَكَمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْوَطْءِ فِي الْإِكْرَاهِ فَيَحْرُمُ بِهِ عَلَى الْوَاطِئِ ابْنَةُ الْمَرْأَةِ وَأُمُّهَا فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ عَلَى الْإِكْرَاهِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ مَا حَلَفَ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَدَ ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ يَنْوِيهِ وَيُرِيدُهُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ
هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَشْجَعِيِّ وَغَيْرِهِ عنه وقال عَنْهُ وَقَالَ عَنْهُ الْمُعَافَى لَا نِكَاحَ لِمُضْطَهَدٍ
стр. 2625
وَكَانَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو قِلَابَةَ وَشُرَيْحٌ فِي رِوَايَةٍ يَرَوْنَ طَلَاقَ المكره جائزا
وقال إِبْرَاهِيمُ لَوْ وُضِعَ السَّيْفُ عَلَى مَفْرِقِهِ ثُمَّ طَلَّقَ لَأَجَزْتُ طَلَاقَهُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ إِنْ أَكْرَهَهُ اللُّصُوصُ لَمْ يَجُزْ طَلَاقُهُ وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ جَازَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ اللُّصُوصَ يَقْتُلُونَهُ وَالسُّلْطَانَ لَا يَقْتُلُهُ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي خَوْفِ الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَنَّهُ إِكْرَاهٌ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الرَّجُلُ أَمِينًا عَلَى نَفْسِهِ إِذَا أُخِيفُ أَوْ ضُرِبَ أَوْ أُوثِقَ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا كَانَ يَخَافُ الْقَتْلَ أَوِ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ هَذَا فَقَالَ شُرَيْحٌ الْقَيْدُ إِكْرَاهٌ وَالسِّجْنُ إِكْرَاهٌ وَالْوَعِيدُ إِكْرَاهٌ
١٢٠٠ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَرَأَ ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ))
قَالَ مَالِكٌ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يُطْلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ
رَوَاهُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَالِكٍ فِي ((الْمُوَطَّأِ)) وَلَمْ يَرَوِهِ بن وَضَّاحٍ عَنْ يَحْيَى فِي ((الْمُوَطَّأِ)) وَلَا رَوَاهُ عَنْهُ غَيْرُ يَحْيَى فِي ((الْمُوَطَّأِ))
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَقْرَاءِ وَطَلَاقِ الْحَائِضِ مَعْنَى قَوْلِهِ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ وَمَا لِمَالِكٍ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ فِي معنى الطلاق للعدة فلا معنى للإعادة ها هنا
وقد كان بن عباس يقرأها كقراءة بن عُمَرَ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يحدث عن بن عباس في هذا الحديث (يأيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) الطَّلَاقِ ١
فَقَالَ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ
وَذَكَرَ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي شَبَابَةُ قَالَ حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عن مجاهد عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا ((إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ
стр. 2626
وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُهَا مُجَاهِدٌ
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرحمن بن أيمن عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ((فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عدتهن))
وأما قراءة بن مَسْعُودٍ وَالْجُمْهُورِ فَعَلَى مَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ
١٢٠١ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ فَعَمَدَ رَجُلٌ إِلَى امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا شَارَفَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجِعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ لَا وَاللَّهِ لَا آوِيكِ إِلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أبدا فأنزل الله ﵎ (الطلق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) الْبَقَرَةِ ٢٢٩ فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الطَّلَاقَ جَدِيدًا مِنْ يَوْمِئِذٍ مَنْ كَانَ طَلَّقَ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ
١٢٠٢ - مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا وَلَا يُرِيدُ إِمْسَاكَهَا كَيْمَا يُطَوِّلَ بِذَلِكَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ لِيُضَارَّهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) الْبَقَرَةِ ٢٣١ يَعِظُهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَفَادَ هَذَانَ الْخَبِرَانِ أَنَّ نُزُولَ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ كَانَ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ وَذَلِكَ حَبْسُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ وَمُرَاجَعَتُهُ لها قاصدا إلى الإضرار به
وأجمع العلماء على أنه قوله (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) الْبَقَرَةِ ٢٢٩ هِيَ الطلقة الثالثة بعد الطلقتين وإياها عني بقوله تَعَالَى (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) الْبَقَرَةِ ٢٣٠
وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا فَإِنْ طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ
فَكَانَ هَذَا مِنْ مُحْكَمِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِي تَأْوِيلِهِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 2627
وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُمَيْعٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ جاء رجل إلى النبي فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تعالى (الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن) الْبَقَرَةِ ٢٢٩ فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان))
ورواه الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ مِثْلَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ التَّسْرِيحُ وَالْفِرَاقُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ سَرَاحِ الطَّلَاقِ
قَالَ اللَّهُ (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) الطَّلَاقِ ٢
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) الْبَقَرَةِ ٢٣١
وَهَذَا عِنْدَهُمْ كَمَا لَوْ قَالَ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ طَلِّقُوهُنَّ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ قَدْ سَرَّحْتُكِ أَنَّهُ يَنْوِي مَا أَرَادَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِثْلَ الإفصاح بالطلاق
وقد احتج بعض أهل الزيع مِمَّنْ لَا يَرَى وُقُوعَ الثَّلَاثِ مُجْتَمِعَاتٍ لِقَوْلِ الله تعالى (الطلق مَرَّتَانِ) الْبَقَرَةِ ٢٢٩ فَقَالُوا قَوْلُهُ مَرَّتَانِ يَقْتَضِي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي وَقْتَيْنِ فَلَا يَكُونُ إِلَّا مُفْتَرِقًا وَالثَّلَاثُ كَذَلِكَ
وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ هُوَ الطَّلَاقُ الْمُخْتَارُ لِلْعِدَّةِ وَالسُّنَّةِ وَمَنْ خَالَفَهُ لَزِمَهُ فِعْلُهُ وَعَصَى رَبَّهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ مَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا مُجْتَمِعَاتٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ وَمَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً فهي واحدة ومن طلق اثنتين فهي اثنتين فَقَوْلٌ لَا يَصِحُّ فِي أَثَرٍ وَلَا نَظَرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
١٢٠٣ - مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وسليمان بن يسار سئلا عن طَلَاقِ السَّكْرَانِ فَقَالَا إِذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ جَازَ طَلَاقُهُ وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ
قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا
قَالَ أبو عمر اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ
فَأَجَازَهُ عَلَيْهِ وَأَلْزَمَهُ إِيَّاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ومجاهد وإبراهيم والحسن وبن سِيرِينَ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُمَيْدِيُّ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ بن عيينة
стр. 2628
وَأَمَّا بَلَاغُ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَرَوَاهُ عَنْهُ قَتَادَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ طَلَّقَ جَارٌ لِي سَكْرَانُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَسَالَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَسَأَلْتُهُ فقال يفرق بينه وبين امرأته ويجلد ثمانون جَلْدَةً
قَالَ وَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ إِذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ أَوْ أَعْتَقَ جَازَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ
إِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وأصحابهما والثوري وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ
إِحْدَاهُمَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ طَلَاقَهُ لَازِمٌ فِي حَالِ سُكْرِهِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ
وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ السَّكْرَانَ طَلَاقُهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ
وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ وَذَهَبَ إِلَيْهِ وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَأَلْزَمُوهُ طَلَاقَهُ
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَجَازَ طَلَاقَ السَّكْرَانِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَعُقُودُهُ وَأَفْعَالُهُ جَائِزَةٌ عَلَيْهِ كَأَفْعَالِ الصَّاحِي إِلَّا الرِّدَّةَ فَإِنَّهُ إِنِ ارْتَدَّ لَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ اسْتِحْسَانًا
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَكُونُ مُرْتَدًّا فِي سُكْرِهِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِنْ قَذَفَ السَّكْرَانُ حد وإن قتل قتل وإن زنا أَوْ سَرَقَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ فِي الْحُدُودِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنِ ارْتَدَّ سَكْرَانٌ فَمَاتَ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا وَلَا نَقْتُلُهُ فِي سُكْرِهِ وَلَا نَسْتَتِيبُهُ فِيهِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَعِتْقُهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ وَالْقَوَدَ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ وَلَمْ يُلْزِمْهُ النِّكَاحَ وَالْبَيْعَ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ أَنَّهُ أَجَازَهُ عَلَيْهِ وَإِسْنَادُهُ فِيهِ لِينٌ
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ عَنْ أَبِي لَبِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجَازَ طَلَاقَ السَّكْرَانِ بِشَهَادَةِ النِّسْوَةِ
стр. 2629
وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَالْحَدِيثُ عَنْهُ صَحِيحٌ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ طَلَاقَ السَّكْرَانِ وَلَا يَرَاهُ شَيْئًا
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا مُخَالِفَ لِعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي كَمَا زَعَمَ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ وَلِمَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْهُ أَيْضًا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ
وَمَنْ قَالَ إِنَّ عُثْمَانَ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ تَأَوَّلَ قَوْلَ عَلِيٍّ أَنَّ السَّكْرَانَ مَعْتُوهٌ بِالسُّكْرِ كَمَا أَنَّ الْمُوَسْوَسَ مَعْتُوهٌ بِالْوَسْوَاسِ وَالْمَجْنُونَ مَعْتُوهٌ بِالْجُنُونِ
وحديث عثمان رواه وكيع وغيره عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ طَلَاقَ السَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ
قَالَ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُجِيزُ طَلَاقَهُ وَيُوجِعُ ظَهْرَهُ حَتَّى حَدَّثَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ
وَبِهِ كَانَ يُفْتِي أَبَانٌ
وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ وَخَالَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ شَرِبَ الْبَنْجَ فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَنَّ طَلَاقَهُ غَيْرُ جَائِزٍ فَكَذَلِكَ مَنْ سَكِرَ مِنَ الشَّرَابِ
قَالَ وَلَا يَخْتَلِفُ فُقْدَانُ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ مِنَ اللَّهِ أَوْ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ مَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ مِنَ اللَّهِ أَوْ مَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ فِي بَابِ سُقُوطِ فَرْضِ الْقِيَامِ عَنْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ تَشْبِيهُ فِعْلِ السَّكْرَانِ بِالْعَجْزِ عَنِ الصَّلَاةِ بِقِيَاسٍ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَعْجِزُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ آثِمٌ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ
وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَجَبُنَ عَنِ الْقَوْلِ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ وَأَبَى أَنْ يُجِيبَ فِيهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّكْرَانِ
стр. 2630
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ السَّكْرَانُ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ وَلَا عِتْقُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا نِكَاحُهُ وَلَا يُحَدُّ فِي قَذْفٍ وَلَا زِنًا وَلَا سَرِقَةٍ
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ مَنْطِقِ السَّكْرَانِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا بَيْعٌ وَلَا نِكَاحٌ وَلَا يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ وَيُحَدُّ فِي الشُّرْبِ وَفِي كُلِّ مَا جَنَتْهُ يَدُهُ وَعَمِلَتْهُ جَوَارِحُهُ مِثْلَ الْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ اللَّيْثِ حَسَنٌ جِدًّا لِأَنَّ السَّكْرَانَ يَلْتَذُّ بِأَفْعَالِهِ وَيَشْفِي غَيْظَهُ وَتَقَعُ أفعاله قصدا إلى ما يقصده مِنْ لَذَّةٍ بِزِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَتْلٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْقِلُ أَكْثَرَ مَا يَقُولُ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ (لَا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) النِّسَاءِ ٤٣
فَإِذَا تَبَيَّنَ عَلَى الشَّارِبِ التَّخْلِيطُ الْبَيِّنُ بِالْمَنْطِقِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ تَغَيَّرَ عَقْلُهُ وَصَحَّ سُكْرُهُ وَبِاللَّهِ التوفيق لا شَرِيكَ لَهُ
١٢٠٤ - مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا
قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا رَوَاهُ قَتَادَةُ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ قَتَادَةُ سَأَلْتُهُ عَنِ الَّذِي يَعْسُرُ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ فَقَالَ لَا بُدَّ أَنْ يُنْفِقَ أَوْ يُطَلِّقَ
وَقَالَ سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا
وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ
يُسْتَأْنَى لَهُ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا
قَالَ مَعْمَرٌ وَبَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ
وَرَوَى عبد الرزاق عن بن عيينة عن أبي الزناد قال سألت عَنِ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ
قَالَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا
قَالَ قُلْتُ سُنَّةٌ
قَالَ نَعَمْ سُنَّةٌ
следующие страницы →