Полный текст (4 158 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فَأُعْجِبَ بِهِ عُمَرُ وَقَالَ لِلْمُؤَذِّنِ أَقِرَّهَا فِي أَذَانِكَ
وَالْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِي أَنَّهُ قَالَ لَهُ نِدَاءُ الصُّبْحِ مَوْضِعُ الْقَوْلِ بها لا ها هنا كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ نِدَاءٌ آخَرُ عِنْدَ بَابِ الْأَمِيرِ كَمَا أَحْدَثَهُ الْأُمَرَاءُ بَعْدَهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ
وَإِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنَ الْخَبَرِ خِلَافَهُ لِأَنَّ التَّثْوِيبَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ أَيْ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ - أَشْهَرُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْعَامَّةِ مِنْ أَنْ يُظَنَّ بِعُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَهِلَ مَا سَنَّ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ وَأَمَرَ بِهِ مُؤَذِّنَيْهِ بِالْمَدِينَةِ بِلَالًا وَبِمَكَّةَ أَبَا مَحْذُورَةَ
فَهُوَ مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ فِي تَأْذِينِ بِلَالٍ وَأَذَانُ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ لِلنَّبِيِّ ﵇ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَنَحْنُ نذكر منه طرفا دالا ها هنا إن شاء الله
ذكر بن أبي شيبة قل حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ كَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ الله وَلِأَبِي بَكْرٍ وَلِعُمَرَ فَكَانَ يَقُولُ فِي أَذَانِهِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ
قَالَ وَحَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ سُوِيدٍ عَنْ بِلَالٍ وَعَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يُثَوِّبَانِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ
قَالَ وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مُؤَذِّنِهِ إِذَا بَلَغْتَ إِلَى حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَقُلْ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فَإِنَّهُ أَذَانُ بِلَالٍ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ بِلَالًا لَمْ يُؤَذِّنْ قَطُّ لِعُمَرَ وَلَا سَمِعَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً بِالشَّامِ إِذْ دَخَلَهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِي غير هذا الموضع
ذكر بن الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ثُمَّ جَاءَ يُؤْذِنُ النَّبِيَّ ﵇ فَنَادَى الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فَأُقِرَّتْ في صلاة الصبح
وذكر بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ بن المسيب مثله وبن الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ الْمُؤَذِّنُ أَنَّ جَدَّهُ سَعْدًا كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى عهد رسول الله لِأَهْلِ قُبَاءٍ حَتَّى نَقَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِ فَأَذَّنَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ فَزَعَمَ حَفْصٌ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَهْلِهِ أَنَّ بِلَالًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ليؤذنه بصلاة الصبح بعد ما أَذَّنَ فَقِيلَ إِنَّهُ نَائِمٌ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ الصلاة خير
стр. 387
مِنَ النَّوْمِ فَأُقِرَّتْ فِي تَأْذِينِ الْفَجْرِ ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ
وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ وَقَالَ الْحَسَنُ كَانَ بِلَالٌ يَقُولُ فِي أَذَانِهِ بعد حي على الفلاح ((الصلاة خير من النوم)) مرتين
وروى سفيان عن بن عجلان عن نافع عن بن عُمَرَ قَالَ كَانَ فِي الْأَذَانِ فِي الْأَوَّلِ بعد حي على الفلاح الصلاة خير من النَّوْمِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ
وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سَهْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ إِلَّا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الْأَذَانَ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ مَا أَعْلَمُ تَأْذِينَهُمُ الْيَوْمَ يُخَالِفُ تَأَذِينَ مَنْ مَضَى
وَفِيهِ أَنَّ الْأَحْوَالَ تَغَيَّرَتْ وَانْتَقَلَتْ وَتَبَدَّلَتْ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زَمَانِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵏ فِي أَكْثَرِ الْأَشْيَاءِ
وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةً وَقَالَ لَا حُجَّةَ إِلَّا فِيمَا نُقِلَ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ﵃ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ
١٣١ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَهُوَ بِالْبَقِيعِ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ إِلَى الْمَسْجِدِ
فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
(٢ - بَابُ النِّدَاءِ فِي السَّفَرِ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءِ)
١٣٢ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ
стр. 388
وَرِيحٍ فَقَالَ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ ((أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ))
هَكَذَا عَنْ يَحْيَى فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْبَابِ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ وَلَا فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ فِي مَكَانِ قَوْلِهِ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَالْأَذَانِ رَاكِبًا - كَانَ صَوَابًا لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ فِي الْبَابِ مَذْكُورَةٌ
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَرِ وَلَكِنَّهُ قَيَّدَهُ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ مِنْ وُجُوهٍ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ الْأَذَانُ فِي السَّفَرِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ في ذلك
فروى بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمِصْرِ لِلْجَمَاعَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إِنْ تَرَكَ الْأَذَانَ مُسَافِرٌ عَمْدًا أَعَادَ الصَّلَاةَ
وَذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَمَّا الْمُسَافِرُ فَيُصَلِّي بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ
قَالُوا وَأَمَّا الْمِصْرُ فَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ فَإِنِ اسْتَجْزَأَ بِأَذَانِ النَّاسِ وَإِقَامَتِهِمْ أَجْزَأَهُ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ تُجْزِئُكَ الْإِقَامَةُ مِنَ الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ وَإِنْ شِئْتَ أَذَّنْتَ وَأَقَمْتَ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُؤَذِّنُ الْمُسَافِرُ عَلَى حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ
وَقَالَ دَاوُدُ الْأَذَانُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسَافِرٍ فِي خَاصَّتِهِ وَالْإِقَامَةُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَلِصَاحِبِهِ ((إِذَا كُنْتُمَا فِي سَفَرٍ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا)) وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ
وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو
стр. 389
ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِنْ تَرَكَ الْأَذَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ عِنْدَهُمْ - وَهُمْ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً لِتَرْكِهِ الْإِقَامَةَ
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْأَذَانَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ بِسُقُوطِ أَذَانِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي ((التَّمْهِيدِ)) بِالْآثَارِ وَوُجُوهِ الْأَقْوَالِ
وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ كَالشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ
وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ
وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ كُلُّ عُذْرٍ مَانِعٍ وَأَمْرٍ مُؤْذٍ
وَإِذَا جَازَ التَّخَلُّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ لِلْعَشَاءِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ - فَالتَّخَلُّفُ عَنْهَا لِمِثْلِ هَذَا أَحْرَى
وَالسَّفْرُ عِنْدِي وَالْحَضَرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ لِأَنَّ السَّفْرَ إِنْ دَخَلَ بِالنَّصِّ دَخَلَ الْحَضَرُ بِالْمَعْنَى لِأَنَّ الْعِلَّةَ مِنَ الْمَطَرِ وَالْأَذَى قَائِمَةٌ فِيهِمَا
وَاسْتَدَلَّ قَوْمٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ جَائِزٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَذَكَرْنَا حَدِيثَ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ مُنَادِيَ النَّبِيِّ ﵇ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ فِي السَّفَرِ يَقُولُ إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِإِسْنَادِهِ مِنْ طُرُقٍ فِي ((التَّمْهِيدِ))
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ وَإِجَازَتِهِ
فَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا يُقْتَدَى بِهِ تَكَلَّمَ فِي أَذَانِهِ وَكَرِهَ رَدَّ السَّلَامِ فِي الْأَذَانِ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ الْمُؤَذِّنُ بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ
وَكَذَلِكَ لَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ ذَلِكَ وَتَكَلَّمَ فِي أَذَانِهِ فَقَدْ أَسَاءَ وَيُبْنَى عَلَى أَذَانِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ فِي ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ قَالُوا لَا يَتَكَلَّمُ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ وَلَا إِقَامَتِهِ وَإِنْ تَكَلَّمَ مَضَى وَيُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ
وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وبن سِيرِينَ كَرَاهَةُ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ
وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا عَلِمْتُ - إِعَادَةَ الْأَذَانِ وَابْتِدَاءَهُ لِمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ إِلَّا عَنِ بن شِهَابٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ
стр. 390
وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَعُرْوَةُ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ غُلَامَهُ بِالْحَاجَةِ فِي أَذَانِهِ
وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ لَا بَأْسَ بِرَدِّ السَّلَامِ فِي أَذَانِهِ وَلَا يَرِدُ فِي الْإِقَامَةِ
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا سَمِعْتُ أَنَّ مُؤَذِّنًا قَطُّ أَعَادَ أَذَانَهُ
وَقَدْ زِدْنَا فِي التَّمْهِيدِ هَذَا الْحَدِيثَ بَيَانًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
١٣٣ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ إِلَّا فِي الصُّبْحِ فَإِنَّهُ كَانَ يُنَادِي فِيهَا وَيُقِيمُ وَكَانَ يَقُولُ إِنَّمَا الْأَذَانُ لِلْإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ
فَيَدُلُّ عَلَى مَا قَدْ مَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِ مَنْ قَالَ الْأَذَانُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي السَّفَرِ لَكِنَّهُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ فَمَنْ شَاءَ فَعَلَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ
١٣٤ - وَمِثْلُهُ حَدِيثُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ لَهُ إِذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَذِّنَ وَتُقِيمَ فَعَلْتَ وَإِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ وَلَا تُؤَذِّنْ
وَذَلِكَ نَحْوُ رِوَايَةِ بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْحَضَرِ عِنْدَ الْجَمَاعَاتِ وَالْحُجَّةُ لَهُ أَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ فَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ
وَلَا مَعْنَى لِلتَّأْذِينِ إِلَّا لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ
وَحَجَّةُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَكْتُوبَاتِ تُقَامُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفْرِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأَذَانِ لَهَا فِي الْأَمْصَارِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِهَا فَلَا تَسْقُطُ تِلْكَ السُّنَّةُ فِي السَّفَرِ إِذْ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى سُقُوطِهَا
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَذَّنُ لَهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْمُسَافِرِ الْأَذَانُ وَأَنَّهُ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ مَأْجُورٌ فِيهِ
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَمَا قَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ وَأَنَّ لِذَلِكَ فَضْلًا كثيرا
стр. 391
١٣٥ - أَلَا تَرَى إِلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ صَلَّى بِأَرْضِ فَلَاةٍ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ فَإِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ أَوْ أَقَامَ صَلَّى وَرَاءَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيَتَخَيَّرْ أَطْيَبَ الْبِقَاعِ وَأَنْظَفَهَا فَإِنَّ كُلَّ بُقْعَةٍ يَجِبُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِيهَا فَإِنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ وَصَلَّى
قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ مَنْ كَانَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَتَوَضَّأَ وَنَادَى بِالصَّلَاةِ ثُمَّ أَقَامَ وَصَلَّى صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ لَأَنْ أَقْوَى عَلَى الْأَذَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ أَنْ أَحُجَّ وَأَعْتَمِرَ وَأُجَاهِدَ
وَعَنْ زَاذَانَ أَنَّهُ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْأَذَانِ لَاضْطَرَبُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ
وَقَدْ مَضَى فِي فَضْلِ الْأَذَانِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ
١٣٦ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ((إِذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَذِّنَ وَتُقِيمَ فَعَلْتَ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ وَلَا تُؤَذِّنَ))
فَقَدْ خَيَّرَ فِيهِ عُرْوَةُ مَنِ اسْتَفْتَاهُ وَكَانَ يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ أن يؤذن ويقيم
ذكره بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ
وَذَلِكَ لِفَضْلِ الْأَذَانِ عِنْدَهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ وَهُوَ رَاكِبٌ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِلْمُسَافِرِ وَمَنْ كَرِهَهُ لِلْمُقِيمِ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ إِعَادَةَ الْأَذَانِ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا عَبِيدُ اللَّهِ عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى الْبَعِيرِ وَيَنْزِلُ فيقيم
стр. 392
وَرَوَى أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ وَيُقِيمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي
وَرَوَى الْعُمَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ قَالَ رَأَيْتُ سَالِمًا يَقُومُ عَلَى غَرْزِ الرَّحْلِ فَيُؤَذِّنُ
وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ السُّلَمِيِّ قَالَ رَأَيْتُ ربعي بن خراش يُؤْذِنُ عَلَى بِرْذَوْنٍ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ وَهُوَ قاعد
وروى بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤَذَّنَ قَاعِدًا إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ
وَأَمَّا الْإِقَامَةُ رَاكِبًا فَقَدْ أَجَازَهَا قَوْمٌ وَكَرِهَهَا آخَرُونَ
روى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْإِقَامَةِ عَلَى الدَّوَابِّ قَالَ لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِسُرْعَةِ السَّيْرِ ثُمَّ يَنْزِلُونَ فَيُصَلُّونَ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُؤَذِّنُ الرَّجُلُ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَهُوَ جَالِسٌ
وَذَكَرَ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ يُؤَذِّنُ الرَّجُلُ رَاكِبًا فِي السَّفَرِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُجْزِئُ الْأَذَانُ قَاعِدًا وَيُؤَذِّنُ الْمُسَافِرُ رَاكِبًا إِنْ شَاءَ وَيَنْزِلُ فَيُقِيمُ وَلَوْ أَقَامَ رَاكِبًا أَجْزَأَهُ
وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَرَاكِبًا وَجُنُبًا وَغَيْرَ جُنُبٍ (وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْقَاعِدِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُهُ
وَأَجَازَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ الْأَذَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جُنُبًا وَغَيْرَ جُنُبٍ)
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَكْرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ أَوْ يُقِيمَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُعِدْ أَذَانَهُ وَلَا إقامته ولو أعاد الإقامة كان حسنا
(وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مِثْلُهُ سَوَاءً) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِّينَا عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ حَقٌّ وَسُنَّةٌ أَلَّا يُؤَذِّنَ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ وَلَا يُؤَذِّنَ إِلَّا وَهُوَ عَلَى طُهْرٍ
وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ
وَقَوْلُهُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ يَدْخُلُ فِي الْمُسْنَدِ وَذَلِكَ أُولَى مِنَ الرَّأْيِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ
стр. 393
(٣ - بَابُ قَدْرِ السُّحُورِ مِنَ النِّدَاءِ)
١٣٧ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ (١) فكلوا واشربوا حتى ينادي بن أم مكتوم))
١٣٨ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رسول الله ﷺ قال ((إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى ينادي بن أم مكتوم))
(قال) وكان بن أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التمهيد من وصل حديث بن شهاب فجعله عن سالم عن بن عُمَرَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ لَيْلًا وَفِي إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ النَّافِلَةَ لَا أَذَانَ لَهَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ بِاللَّيْلِ إِنَّمَا كَانَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَهَذَا قَوْلُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ
وَمِمَّنْ أَجَازَ الْأَذَانَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ لَيْلًا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَاضِي الْكُوفِيِّ
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ فِيهِ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ بِلَالًا كَانَ شَأْنُهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلصُّبْحِ بِلَيْلٍ يَقُولُ فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَلَا يَمْنَعُكُمْ أَذَانُهُ من سحوركم وكلوا واشربوا حتى يؤذن بن أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقَارِبَ الصباح بأذانه
стр. 394
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَا يَجُوزُ الْأَذَانُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ
وَعِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ قَدْ ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ المصنفين منهم بن أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ((التمهيد)) بعضها
منها أن رسول الله قَالَ لِبِلَالٍ ((لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ الْفَجْرُ))
وَمِنْهَا أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ مَرَّةً قَبْلَ الْفَجْرِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ فَيُنَادِي أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ
وَعَرَضَ مِثْلُ هَذَا لَعُمَرَ مَعَ مُؤَذِّنٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ مَسْرُوحٌ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَأَمَرَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ
وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ بِمِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ بِلَالٍ وَعَنْ سَلَفِ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَّا أَنَّ حديث بن عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا الْأَذَانُ قَبْلَ وَقْتِهَا
وَاخْتَلَفُوا فِي الصُّبْحِ فَوَاجِبٌ أَنْ تُرَدَّ الصُّبْحُ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا إِذْ لَمْ يُجْمِعُوا فِيهَا عَلَى مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ
وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّهُ جَائِزٌ الْأَذَانُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ لِصِحَّةِ الْإِسْنَادِ بِذَلِكَ فِي حديث بن عُمَرَ عَلَى أَنْ يُؤَذِّنَ لَهَا مَعَ ذَلِكَ الْمُؤَذِّنِ مُؤَذِّنٌ آخَرُ قُرْبَ الْفَجْرِ اسْتِحْسَانًا وَاحْتِيَاطًا
وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا وَلَمْ نَرَ ذَلِكَ وَاجِبًا لِأَنَّا تَأَوَّلْنَا فِي قَوْلِهِ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ قَارَبْتَ الصَّبَاحَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ((كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى ينادي بن أُمِّ مَكْتُومٍ)) وَلَوْ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْأَكْلِ إِلَى وَقْتِ أَذَانِهِ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الصِّيَامَ مِنْ أَوَّلِ الْفَجْرِ
وَشَذَّ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ مَنْ هُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ
وَتَأْوِيلُ مُقَارَبَةِ الصَّبَاحِ مَوْجُودَةٌ فِي الْأُصُولِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) الْبَقَرَةِ ٢٣١ وَهَذَا مَعْنَاهُ قَارَبْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ وَلَوْ بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ لَمْ يَكُنْ لِأَزْوَاجِهِنَّ إِمْسَاكُهُنَّ بِالْمُرَاجَعَةِ لَهُنَّ وَقَدِ انْقَضَّتْ عِدَّتُهُنَّ
стр. 395
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَانٍ مِنَ الصِّيَامِ ذَكَرْتُهَا عِنْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ وَأَخَّرْتُهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَى كِتَابِ الصِّيَامِ لِأَنَّهُ أُولَى الْمَوَاضِعِ بِذَلِكَ
(٤ - بَابُ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ)
١٣٩ - مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ
هَكَذَا رِوَايَةُ يَحْيَى لَمْ يَذْكُرِ الرَّفْعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَتَابَعَهُ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ جَمَاعَةٌ وَرَوَتْهُ أَيْضًا جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ فَذَكَرَتْ فِيهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ الركوع وكذلك رواه أصحاب بن شِهَابٍ وَهُوَ الصَّوَابُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ تَابِعَ يَحْيَى عَلَى رِوَايَتِهِ كَمَا وَصَفْنَا وَمَنْ رَوَاهُ كَمَا ذَكَرْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ
١٤٠ - وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَعْنَى رَفَعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ وَغَيْرِهِ - خُضُوعٌ وَاسْتِكَانَةٌ وَابْتِهَالٌ وَتَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَاتِّبَاعٌ لِسُّنَّةِ رَسُولِهِ ﵇ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ والتكبير في كل رفع وخفض أو كد مِنْهُ
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّهُ مِنْ زينة الصلاة
ذكر بن وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ وَزِينَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ ورفع الأيدي فيها
стр. 396
وعن بن لهيعة عن بن عَجْلَانَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ كَانَ يُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ وَزِينَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَرَفْعُ الْأَيْدِي عِنْدَ الِافْتِتَاحِ وَحِينَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَعَ وَحِينَ يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَ
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ لَهُ بِكُلِّ إِشَارَةِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِكُلِّ إِصْبَعِ حَسَنَةٌ وَقَدْ ذَكَرْتُ الْإِسْنَادَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رَفْعِ الْأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ السُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الْأَيْدِي عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإحرام
فقال مالك فيما روى عنه بن الْقَاسِمِ يَرْفَعُ لِلْإِحْرَامِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَلَا يَرْفَعُ فِي غَيْرِهَا
قَالَ وَكَانَ مَالِكٌ يَرَىَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ضَعِيفًا
وَقَالَ إِنْ كَانَ فَفِي الْإِحْرَامِ
وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَسَائِرِ فقهاء الكوفة قديما وحديثا وهو قول بن مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ بِهَا
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ لَا أَعْلَمُ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ تَرَكُوا بِأَجْمَعِهِمْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا أَهْلَ الْكُوفَةِ فَكُلُّهُمْ لَا يَرْفَعُ إِلَّا فِي الْإِحْرَامِ
وذكر بن خواز بنداد قَالَ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَمَرَّةً قَالَ يَرْفَعُ فِي كل خفض ورفع على حديث بن عُمَرَ وَمَرَّةً قَالَ لَا يَرْفَعُ إِلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَمَرَّةً قَالَ لَا يَرْفَعُ أَصْلًا وَالَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ الرَّفْعَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ لَا غَيْرَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَحُجَّةُ مَنْ ذهب مذهب بن الْقَاسِمِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ حديث بن مَسْعُودٍ وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ مَرَّةً لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا
وَبَعْضُ رُوَاتِهِمَا يَقُولُ كَانَ لَا يَرْفَعُ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا مَرَّةً (وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ)
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَيْنِ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ وَذَكَرْنَا الْعِلَّةَ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِيهِمَا هُنَا
وروى أبو مصعب وبن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا أَحْرَمَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الركوع على حديث بن عمر
стр. 397
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ فِي التَّمْهِيدِ
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَقَالَ بن عَبْدِ الْحَكَمِ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ مثل رواية بن الْقَاسِمِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ
قَالَ مُحَمَّدٌ وَالَّذِي آخذ به أن أرفع على حديث بن عُمَرَ
وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ كَانَ عِنْدَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلَاةِ عَلَى حَدِيثِ بن عُمَرَ وَرِوَايَةِ مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٌ لَا يَرْفَعُونَ إِلَّا فِي الْإِحْرَامِ عَلَى رواية بن الْقَاسِمِ فَمَا عَابَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ
وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَاشِمٍ يَقُولُ كَانَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ شَيْخُنَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ عَلَى حَدِيثِ بن عُمَرَ فِي الْمُوَطَّأِ وَكَانَ أَفْضَلَ مَنْ رَأَيْتُ وَأَفْقَهَهُمْ وَأَصَحَّهُمْ عِلْمًا فَقُلْتُ لِأَبِي عُمَرَ لِمَ لَا تَرْفَعُ فَنَقْتَدِي بِكَ قَالَ لَا أُخَالِفُ رواية بن الْقَاسِمِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ عِنْدَنَا الْيَوْمَ عَلَيْهَا وَمُخَالَفَةُ الْجَمَاعَةِ فِيمَا أُبِيحَ لَنَا لَيْسَتْ مِنْ شِيَمِ الْأَئِمَّةِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِالرَّفْعِ عَلَى حديث بن عُمَرَ إِلَّا أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَنْ يَرْفَعُ عِنْدَ السُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ عَلَى حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَعَنْ النَّبِيِّ ﵇ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّفْعُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَاجِبٌ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ الرَّفْعُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَاجِبٌ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجِبُ الرَّفْعُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا غَيْرِهِ فَرْضًا لِأَنَّهُ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجِبُ الرَّفْعُ إِلَّا عِنْدَ الْإِحْرَامِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ وَاجِبٌ كُلُّهُ لِقَوْلِهِ ﵇ ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))
وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى الرَّفْعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ حديث بن عمر المذكور في
стр. 398
هذا الباب عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَهُوَ حَدِيثٌ لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فيه
وروى مثل ما روى بن عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ نَحْوُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالْمُصَنِّفِينَ فِيهِ مِنْهُمْ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَأَفْرَدَ لِذَلِكَ بَابًا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَصْرِيُّ الْبَزَّارُ وَصَنَّفَ فِيهِ كِتَابًا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ كِتَابِهِ الْكَبِيرِ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الْآثَارِ وَطَوَّلَ
وَرُوِيَ الرَّفْعُ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ منهم بن عُمَرَ وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وأنس وبن عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلَاةِ إِذَا رَكَعُوا وَإِذَا رَفَعُوا كَأَنَّهَا الْمَرَاوِحُ
وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ تَرْكُ الرَّفْعِ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ ورفع ممن لم يختلف فيه إلا بن مَسْعُودٍ وَحْدَهُ
وَرَوَى الْكُوفِيُّونَ عَنْ عَلِيٍّ مَثَلَ ذَلِكَ وَرَوَى عَنْهُ الْمَدَنِيُّونَ الرَّفْعَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ
وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَى عَنْهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ وَنُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَيُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ ويقول أنا أشبهكم صلاة برسول الله
وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَوْلَى لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنَا أشبهكم صلاة برسول الله فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَبُو سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ فِي التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَرُوِيَ الرَّفْعُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ
стр. 399
وَالشَّامِ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِمْ مِنْهُمْ الْقَاسِمُ بْنُ محمد وسالم والحسن وبن سيرين وعطاء وطاوس ومجاهد ونافع مولى بن عمر وعمر بن عبد العزيز وبن أَبِي نَجِيحٍ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ
وَقَالَ بن سِيرِينَ هُوَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ وَقَالَ عُمَرُ بن الْعَزِيزِ إِنْ كُنَّا لَنُؤَدَّبُ عَلَيْهَا بِالْمَدِينَةِ إِذَا لَمْ نَرْفَعْ أَيْدِيَنَا
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا يَقُولُ فِي ذَلِكَ سَالِمٌ قَدْ حَفِظَ عَنْ أَبِيهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا بِكُلِّ مَا وَصَفْنَا فِي التَّمْهِيدِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ رَأَيْتُ مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ عُلَيَّةَ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وإذا رفعوا رؤوسهم
وَقِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نَرْفَعُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ لَا أَنَا أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَلَا أَذْهَبُ إِلَى وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي أَلْفَاظِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي التَّمْهِيدِ وَقَدْ عارضه حديث بن عُمَرَ بِقَوْلِهِ وَكَانَ يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ
وَقِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يَرْفَعُ الْمُصَلِّي عِنْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ كَانَ بن عُمَرَ إِذَا رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَصَبَهُ
قَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ رَافِعٍ قَالَ سَمِعْتُ نافعا قال كان بن عُمَرَ إِذَا رَأَى مَنْ لَا يَرْفَعُ حَصَبَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كُلُّ مَنْ رَأَى الرَّفْعَ وَعَمِلَ بِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا يُبْطِلُ صَلَاةَ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ إِلَّا الْحُمَيْدِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ دَاوُدَ وَرِوَايَةٌ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ
وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَحِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ وَحِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْهُ إِلَّا أَهْلَ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ خَالَفُوا فِي ذَلِكَ أُمَّتَهُمْ
قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ فَإِنْ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا قَالَ ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْ صَلَاتِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ فِي الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ صَلَاتَهُ فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثُمَّ عَلَّمَهُ فَرَائِضَ الصَّلَاةِ دُونَ سُنَنِهَا قَالَ لَهُ ((إِذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ فأسبغ الوضوء
стр. 400
وَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا)) الْحَدِيثَ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ وَلَا مِنَ التَّكْبِيرِ إِلَّا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَعَلَّمَهُ الْفَرَائِضَ فِي الصَّلَاةِ وَسَنُبَيِّنُ هَذَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
فَلَا وَجْهَ لِمَنْ جَعَلَ صَلَاةَ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ نَاقِصَةً وَلَا لِمَنْ أَبْطَلَهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي الرَّفْعِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَاخْتِلَافِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ
وَالْفَرَائِضُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِمَا لَا مَدْفَعَ لَهُ وَلَا مَطْعَنَ فِيهِ وَقَوْلُ الْحُمَيْدِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ شُذُوذٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَخَطَأٌ لَا يَلْتَفِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ إِلَيْهِ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعَانِي هَذَا الْبَابَ وَبَسَطْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَاخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ فِي كَيْفِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَدًّا فَوْقَ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ وَرَوِي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَرَوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُهَا إِلَى صَدْرِهِ
وَكُلُّهَا آثَارٌ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ وأثبت ما في ذلك حديث بن عُمَرَ هَذَا وَفِيهِ ((حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ)) وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ
١٤١ - وَقَدْ رَوَى مالك عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَفِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ دُونَ ذَلِكَ قليلا
وكل ذلك واسع حسن وبن عُمَرَ رَوَى الْحَدِيثَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَخْرَجِهِ وَتَأْوِيلِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَعْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ وَقَالَ ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي الْإِمَامِ هَلْ يَقُولُ سَمِعَ
стр. 401
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ أَمْ يَقْتَصِرُ عَلَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَطْ
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَا غَيْرَ
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَوْلُهُ فِي الْإِمَامِ ((وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ))
فَقَصَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَالْمَأْمُومُ عَلَى قَوْلِ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَقُولُ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ
وَقَالَ مَالِكٌ يَقُولُهَا الْمُنْفَرِدُ
وَحُجَّتُهُمْ في ذلك حديث بن عُمَرَ هَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِيهِ أن رسول الله قَالَ ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) وَمَا كَانَ مِثْلَهُ
وَمِمَّنْ رَوَىَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ - كَمَا روى بن عمر - أبو هريرة من حديث بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَرَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ))
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُفْتِي بِهِ وَيَعْمَلُ رَوَى بن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - يَؤُمُّ النَّاسَ - إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ لَا يَقُولُ الْمَأْمُومُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَإِنَّمَا يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَقَطْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ الْمَأْمُومُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ كما
стр. 402
يَقُولُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ تَأَسِّيًا بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاقْتِدَاءً بِفِعْلِ إِمَامِهِ
وفي حديث بن شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ - وَهُوَ بَابُ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ - شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ لِلِاسْتِفْتَاحِ غَيْرَ التَّكْبِيرِ وَمَذْهَبُهُ التَّكْبِيرُ وَالْقِرَاءَةُ مُتَّصِلَةٌ بِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَوُّذٌ وَلَا ذِكْرٌ بِتَوْجِيهٍ وَلَا غَيْرِهِ وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
١٤٢ - وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي هَذَا الباب عن بن شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاتَهُ حَتَّى لقي الله
١٤٣ - وعن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
١٤٤ - وَعَنِ بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ
١٤٥ - وَعَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ فَكَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُكَبِّرَ كُلَّمَا خَفَضْنَا وَرَفَعْنَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ المسندة في معنى حديث بن شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ هَذَا مِنْهَا حَدِيثُ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ قَالَ صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلَفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ
стр. 403
مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْصَرَفْنَا أَخْذَ عِمْرَانُ بِيَدِي فَقَالَ لِي أَذْكَرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﵇
وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ جَمَعَ قَوْمَهُ فَقَالَ أَلَا أُصَلِّي لَكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فصلى بِهِمُ الظُّهْرَ فَكَبَّرَ بِهِمُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً يَعْنِي بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ يُكَبِّرُ إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ وَإِذَا سَجَدَ
وَحَدِيثُ عِكْرِمَةَ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهُ أَحْمَقُ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! سُنَّةُ أَبَى الْقَاسِمِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّمْهِيدِ
وَحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ صَلَّى لَهُمْ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ فَكَبَّرَ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَحِينَ رَكَعَ وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ وَحِينَ يَهْوِي سَاجِدًا وَحِينَ يَقُومُ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأشبهكم صلاة برسول الله!
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي التَّمْهِيدِ
وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ بِهِمْ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَيَقُولُ لَهُمْ هَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ الله كما قال بن عَبَّاسٍ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُمْ وَلَا ظَاهِرًا فِيهِمْ وَلَا مَشْهُورًا مِنْ فِعْلِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَفْعَلُهُ وَيَقُولُ إِنَّهُ أَشْبَهُهُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَنْكَرَ عِكْرِمَةُ عَلَى الشَّيْخِ ما قال
стр. 404
له بن عَبَّاسٍ فِيهِ إِنَّهُ السُّنَّةُ وَلَا قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ صَلَاةِ عَلِيٍّ لَقَدْ أَذْكَرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﵇
وَمِثْلُ هَذَا وَأَبْيَنُ حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ صَلَّى بِنَا عَلِيٌّ يَوْمَ الْجَمَلِ صَلَاةً أَذْكَرَنَا بِهَا صَلَاةَ رَسُولِ الله كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ قَالَ أَبُو مُوسَى فَإِمَّا نَسِينَاهَا وَإِمَّا تَرَكْنَاهَا عَمْدًا
وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ الَّذِي تَرَكَ النَّاسُ قَالَ فَقُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! مَا هَذَا التَّكْبِيرُ فَقَالَ إِنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ لَمْ يَنْقُلْهُ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ مُؤَكِّدَاتِ السُّنَنِ بَلْ قَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ التَّكْبِيرَ إِنَّمَا هُوَ إِذْنٌ بِحَرَكَاتِ الْإِمَامِ وَشِعَارُ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ إِلَّا فِي الْجَمَاعَةِ وَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَلَّا يُكَبِّرَ
وَلِهَذَا مَا ذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَهُ عَنْ بن شهاب عن علي بن حسين وعن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعين وعن بن عُمَرَ وَجَابِرَ فِعْلَهُمَا لِيُبَيِّنَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا إِلَّا بَعْضُ الصَّحَابَةِ فَالْحُجَّةُ فِي السُّنَةِ لَا فِيمَا خَالَفَهَا
وَمِمَّا يَدُلُّكَ على ما وصفنا ما ذكره بن أَبِي ذِئْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ ثَلَاثٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُنَّ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفْعَ يَدَيْهِ مَدًّا وَكَانَ يَقِفُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ هُنَيَّةً يَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ وَكَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ
وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ وَعَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَخَفْضٍ وَرَفْعٍ
стр. 405
وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ حَدِيثٌ لَيْسَ فِي الِاشْتِهَارِ وَلَا فِي الصِّحَّةِ كَأَحَادِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَرَوَاهُ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﵇ فَلَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ يُرْوَى عَنِ بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ قَالَ وَكَانَ قَتَادَةُ يُكَبِّرُ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ قَالَ أَحْمَدُ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُكَبِّرَ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فِي الْفَرْضِ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا
قَالَ وَقُلْتُ لِأَحْمَدَ مَا الَّذِي نَقَصُوا مِنَ التَّكْبِيرِ قَالَ إِذَا انْحَطَّ إِلَى السُّجُودِ مِنَ الرُّكُوعِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ كُلِّ رَكْعَةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ما رواه مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ يَرُدُّ مَا حَكَى عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُجْمَلِ وَالْمُفَسَّرِ فَيَكُونُ حَدِيثُ مَالِكٍ إِذَا صَلَّى إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا وَيَكُونُ مَعْنًى مَا حَكَى عَنْهُ أَحْمَدُ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ
وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرَضِيٌّ كَانَ عِنْدَكَ عُمَرُ وَابْنُهُ فَإِنَّهُمَا كَانَا لَا يُكَبِّرَانِ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ
وَسُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ قَالَ لِي أَبُو الشعثاء يا عمرو! صليت خلف بن عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ فَلَمْ يُكَبِّرْ هَذَا التَّكْبِيرَ
١٤٦ - وَقَدْ روى أشهب عن مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ وَيَخْفِضُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ
فَانْفَرَدَ أَشْهَبُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا وَيَخْفِضُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ لَمْ يَقُلْهُ عَنْ مَالِكٍ في هذا الحديث أحد غيره فيا عَلِمْتُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ بن الْقَاسِمِ يَقُولُ مَنْ أَسْقَطَ مِنَ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ فَمَا فَوْقَهَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ
стр. 406
وَإِنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ سَجَدَ أَيْضًا لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ التَّكْبِيرَةَ الْوَاحِدَةَ لَا سَهْوَ عَلَى مَنْ سَهَا عَنْهَا
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُظْمَ التَّكْبِيرِ وَجُمْلَتَهُ عِنْدَهُ فَرْضٌ وَأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ مُتَجَاوَزٌ عَنْهُ
وقال أصبغ بن الفرج وبن عَبْدِ الْحَكَمِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَى مَنْ لَمْ يُكَبِّرْ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا شَيْءٌ إِذَا كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَإِنْ فَعَلَهُ سَاهِيًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ التَّكْبِيرَ عَامِدًا لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ فَعَلَ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَلَاتُهُ مَاضِيَةٌ
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمَاعَةٌ مِنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ والمالكيين غير من ذهب منهم مذهب بن الْقَاسِمِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ الْفَرَائِضُ فِي الصَّلَاةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً أَوَّلُهَا النِّيَّةُ ثُمَّ الطَّهَارَةُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ وَمَعْرِفَةُ دُخُولِ الْوَقْتِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ وَالرُّكُوعُ وَرَفْعُ الرَّأْسِ مِنْهُ وَالسُّجُودُ وَرَفْعُ الرَّأْسِ مِنْهُ وَالْقُعُودُ الْأَخِيرُ وَالسَّلَامُ وَقَطْعُ الْكَلَامِ
فَلَمْ يَذْكُرِ الْأَبْهَرِيُّ مِنَ التَّكْبِيرِ فِي فَرَائِضِ الصَّلَاةِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُنَنَ الصَّلَاةِ فَقَالَ
وَسُنَنُ الصَّلَاةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سُنَّةً أَوَّلُهَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ وَالسُّورَةُ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَالتَّكْبِيرُ كُلُّهُ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَالِاسْتِوَاءُ مِنَ الرُّكُوعِ وَمِنَ السُّجُودِ وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالتَّسْبِيحُ فِي السُّجُودِ وَالتَّشَهُّدُ وَالْجَهْرُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالسِّرُّ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ وَأَخَذُ الرِّدَاءِ وَرَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ
فَذَكَرَ فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ وَالتَّكْبِيرُ كُلُّهُ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ بِالْأَمْصَارِ
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَذَهَبَ مَالِكٌ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَرْضٌ وَاجِبٌ مِنَ فُرُوضِ الصَّلَاةِ
وَالْحُجَّةُ لَهُمُ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ وَرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ
стр. 407
- ﵇ أَنَّهُ قَالَ لِلرَّجُلِ ((إِذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ ثُمَّ كَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ)) الْحَدِيثَ
فعلمه ما كان من الصلاة واجبا سكت لَهُ عَنْ كُلِّ مَا كَانَ مِنْهُ مَسْنُونًا وَمُسْتَحَبًّا مِثْلَ التَّكْبِيرِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ وَالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَاجِبٌ فِعْلُهَا مَعَ قَوْلِهِ ﵇ ((تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ))
رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَرَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ
وَمِنْهَا حَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عن محمد بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلَيٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ))
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ لَوِ افْتَتَحَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ بِسَبْعِينَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَلَمْ يُكَبِّرْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ لَمْ يُجْزِهِ
وَهَذَا تَصْحِيحٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ لِحَدِيثِ ((تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)) وَتَدَيُّنٌ مِنْهُ بِهِ وَهُوَ إِمَامٌ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَمَعْرِفَةِ صَحِيحِهِ مِنْ سَقِيمِهِ وَحَسْبُكَ بِهِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَطَائِفَةٌ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَأْمُومِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ إِنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنَّ الْإِمَامَ إِذَا لَمْ يُكَبِّرْ لِلْإِحْرَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ وَهَذَا يَقْضِي عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَأْمُومِ
وَالصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِهِ إِيجَابُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهَا فَرْضٌ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَمُخْطِئٌ مَحْجُوجٌ بِمَا وَصَفْنَا وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حِينِ تَكْبِيرِ الْمَأْمُومِ إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ تَكْبِيرَةَ الإحرام
стр. 408
فقال بن خوار بنداذ قَالَ مَالِكٌ إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ بَعْدَهُ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ فِي حَالِ تَكْبِيرِهِ فَإِنْ كَبَّرَ فِي حَالِ تَكْبِيرِهِ أَجْزَأَهُ وَإِنَّ كَبَّرَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِهْ
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَعَبِيدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ يُكَبِّرُ مَعَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَإِنْ فَرَغَ الْمَأْمُومُ مِنَ التَّكْبِيرَةِ قَبْلَ الْإِمَامِ لَمْ يُجْزِهِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُجْزِّئُهُ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ لَا يُكَبِّرُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرَغَ الْإِمَامُ مِنَ التَّكْبِيرِ
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ إِنْ كَبَّرَ قَبْلَ الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ
وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَوِ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ وَغَيْرِهِمْ إِنْ تَقَدَّمَ جُزْءٌ مِنْ تَكْبِيرِ الْمَأْمُومِ فِي تَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنَّمَا يُجْزِيهِ أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُهُ كُلُّهُ فِي الْإِحْرَامِ بَعْدَ إِمَامِهِ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْمَأْمُومَ إِنَّمَا أُمِرَ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ وَالْإِمَامُ إِنَّمَا يَصِيرُ دَاخِلًا فِيهَا بِالْفَرَاغِ مِنَ التَّكْبِيرِ فَكَيْفَ يَصِحُّ دُخُولُ الْمَأْمُومِ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إِمَامُهُ بَعْدُ
وَاحْتَجَّ أَيْضًا لِمَنْ أَجَازَ مِنْ أَصْحَابِهِ تَكْبِيرَهُمَا مَعًا بِقَوْلِهِ ﵇ ((إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فَكَبِّرُوا))
قَالَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ مَعًا لِقَوْلِهِ ((وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا)) وَهُمْ يَرْكَعُونَ مَعًا وَالْقَوْلُ عِنْدَهُ أَصَحُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَغْدَادِيِّينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا فِيمَا عَدَا الْإِحْرَامَ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ قَدْ بَايَنَتْ سَائِرَ التَّكْبِيرِ بِالدَّلَائِلِ الَّتِي أَوْرَدْنَا عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ((فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ))
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُكَبِّرُ فِيهِ الْإِمَامُ لِلْإِحْرَامِ
فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ وَبَعْدَ أَنْ تَعْتَدِلَ الصُّفُوفُ وَيَقُومَ النَّاسُ فِي مَقَامَاتِهِمْ
وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ أَنَسٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الصَّلَاةِ
стр. 409
فَقَالَ ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي))
وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَالِ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ حَتَّى تَفْرُغَ الْإِقَامَةُ وَتَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَزُفَرُ لَا يُكَبِّرُ الْإِمَامُ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ الْإِقَامَةِ وَيَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ فِي الْإِحْرَامِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدَيِّ عَنْ بِلَالٍ قُلْتُ ((يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ)) وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ هَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ قَبْلَ فَرَاغِ بِلَالٍ مِنَ الْإِقَامَةِ
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي التَّكْبِيرِ فِيمَا عَدَا الْإِحْرَامَ هَلْ يَكُونُ مَعَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ فِي حَالِ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ حِينَ يَنْحَطُّ إِلَى الرُّكُوعِ وَإِلَى السُّجُودِ وَحِينَ يَرْفَعُ عَنْهُمَا إِلَّا فِي الْقِيَامِ مِنَ الْجِلْسَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الْإِمَامَ وَغَيْرَهُ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا كَبَّرَ وَلَا يُكَبِّرُ إِلَّا وَاقِفًا كَمَا لَا يُكَبِّرُ فِي الْإِحْرَامِ إِلَّا وَاقِفًا مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ التَّكْبِيرُ فِي الْقِيَامِ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ يُكَبِّرُ فِي حَالِ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ على حديث بن مَسْعُودٍ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَهُوَ ظاهر أحاديث الموطأ المرفوعة وقول بن عُمَرَ وَجَابِرٍ فِي الْمُوَطَّأِ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا
وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ بِالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ مَا بَانَ بِهِ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَرْضٌ وَاجِبٌ
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُهَا عَنِ الْمَأْمُومِ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ عَنْهُ فَرْضًا
وَقَدْ أَتَى عَنْ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي الْمَأْمُومِ يَنْسَى تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ مَا نُورِدُهُ بَعْدُ وَنُوَضِّحُ ضَعْفَهُ وَوَهَنَهُ لأنهم حرجوا فِيهِ عَمَّا أَصَّلُوهُ فِي وُجُوبِ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ
стр. 410
إِلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ وَرَاعَوْا فِي ذَلِكَ مَا لَا تَجِبُ مُرَاعَاتُهُ مِنَ اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ
وَالِاخْتِلَافُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي الْإِجْمَاعِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَأَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ لَا يُجْزِئُ مِنْهُ غَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ الذِّكْرِ تَهْلِيلًا كَانَ أَوْ تَسْبِيحًا أَوْ تَحْمِيدًا
وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الْحِجَازِيِّينَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ
وَرُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ مَكَانَ التَّكْبِيرِ أَجْزَأَهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنِ افْتَتَحَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يُجْزِيهِ وَإِنْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَمْ يُجْزِهُ
وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَ مَالِكٍ إِلَّا ((اللَّهُ أَكْبَرُ)) لَا غَيْرَهُ
وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَزَادَ وَيُجْزِي اللَّهُ الْأَكْبَرُ ولا يجزئ عِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ اللَّهُ الْأَكْبَرُ
وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مَنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ يُجِزْهُ أَنْ يُكَبِّرَ بِالْفَارِسِيَّةِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِيهِ التَّكْبِيرُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ عِنْدَهُ
وَأَمَّا مَنْ نَسِيَ مِنَ الْمَأْمُومِينَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا حَتَّى صَلَّى وَلَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ تَكْبِيرَةً يَنْوِي بِهَا الْإِحْرَامَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبَى سُلَيْمَانَ وَالصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يُعِيدُ صَلَاتَهُ وَيَسْتَأْنِفُ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ
وَقَالَ الْحَكَمُ تُجْزِيهِ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ فَإِنْ نَوَى بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ الِافْتِتَاحَ وَالرُّكُوعَ أَجْزَأَهُ عِنْدَ مَالِكٍ إِنْ كَانَ فِي حَالِ الدُّخُولِ لِلصَّفِّ وَكَانَ الْإِمَامُ رَاكِعًا وَلَا يُجْزِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِلَّا أَنْ يَبْدَأَ بِنِيَّةٍ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلْإِحْرَامِ لَا لِلرُّكُوعِ فَإِنْ نَوَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ بَطَلَتْ عِنْدَهُ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ مُنْحَطًّا لِلرُّكُوعِ لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَكُونَ قَائِمًا مُعْتَدِلًا
стр. 411
فَإِنْ هَوَى بِشَيْءٍ مِنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلَمْ يُتِمَّهَا مُعْتَدِلًا قَطَعَ بِسَلَامٍ وَابْتَدَأَ الْإِحْرَامَ
هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
١٤٧ - ذَكَرَ مَالِكٌ في الموطأ عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ الرَّكْعَةَ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ التَّكْبِيرَةُ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ إِذَا نَوَى بِتِلْكَ التَّكْبِيرَةِ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فَنَسِيَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَلَا عِنْدَ الرُّكُوعِ وَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ يَبْتَدِئُ صَلَاتَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ وَلَوْ سَهَا مَعَ الْإِمَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَكَبَّرَ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ رَأَيْتُ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ إِذَا نَوَى بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُ بن شِهَابٍ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ نَوَى بِتَكْبِيرَتِهِ تِلْكَ الِافْتِتَاحَ وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي تَرْكِ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ لِلِافْتِتَاحِ فَرْضًا
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ وَذَلِكَ إِذَا نَوَى بِتِلْكَ التَّكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحَ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَذْهَبِهِ كَأَنَّهُ قَالَ وَذَلِكَ إِذَا نَوَى بِهِ عِنْدَنَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ
وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ الدَّاخِلَ الْمُدْرِكَ لِلْإِمَامِ رَاكِعًا إِذَا كَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً يَنْوِي بِهَا افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ وَرَكَعَ بِهَا أَغْنَتْهُ عَنْ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا أَنَّ التَّكْبِيرَ فِيمَا عَدَا الْإِحْرَامَ سُنَّةٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ يُكَبِّرُ الدَّاخِلُ تَكْبِيرَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا لِلِافْتِتَاحِ وَالْأُخْرَى لِلرُّكُوعِ - أَرَادَ الْكَمَالَ وَالْإِتْيَانَ بِالْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا أَجْزَأَهُ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ فَيَنْسَى تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَالرُّكُوعِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ وَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إِنَّهُ اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاتَهُ
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ ثُمَّ كَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ نَوَى بِالتَّكْبِيرَةِ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَوْ لَمْ يَنْوِ بِهَا إِلَّا تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ فَقَطْ فَإِنْ كَانَ نَوَى بِهَا الِافْتِتَاحَ - وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ - فَوَجْهُ الِاسْتِحْبَابِ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاتَهُ يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِالْإِقَامَةِ وَالْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ رَاعَى فِيهِ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِحْرَامَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّهُ لَوْ
стр. 412
تَمَادَى فِي صَلَاتِهِ أَجَزْتُهُ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَرَى عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْأَخْذِ بِالْأَوْثَقِ وَالِاحْتِيَاطِ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ
فَوَجْهُ اسْتِحْبَابِهِ أَنْ يَقْطَعَ وَيَبْتَدِئَ صَلَاتَهُ - رُجُوعُهُ إِلَى أَصْلِهِ فِي إِيجَابِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَتَرَكَ مُرَاعَاةَ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَرَأَى لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ فَيُصَلِّي مَا أَدْرَكَ وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَأْتِي لَهُ ﵀ اسْتِحْبَابٌ فِي مَوْضِعِ الْوُجُوبِ
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ بِهَا الِافْتِتَاحَ وَإِنَّمَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ دُونَ نِيَّةِ الِافْتِتَاحِ وَذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (فَذَلِكَ أَحْرَى) أَنْ يَقْطَعَ وَيَبْتَدِئَ صلاته كما قد روى عنه بن الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاتَهُ - مِنْ بَابِ اسْتِحْبَابِ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَأْتِي لَهُ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْوَاجِبِ أَحْيَانًا
وَقَدِ اضْطَرَبَ أَصْحَابُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اضْطِرَابًا كَثِيرًا يَنْقُضُ بَعْضُهُ مَا قَدْ أَصَّلُوهُ فِي إِيجَابِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ كَمَا لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ عَمَّنْ خَلْفَهُ
فَقِفْ على هذا كله من أصولهم بين لَكَ وَجْهُ الصَّوَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَمِنَ اضْطِرَابِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْرِقَتُهُمْ بَيْنَ تَكْبِيرِ الدَّاخِلِ لِلرُّكُوعِ دُونَ الْإِحْرَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى وَبَيْنَ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِمَا لَا مَعْنَى لِإِيرَادِهِ وَلَا لِلِاشْتِغَالِ بِهِ
كَمَا أَنَّهُ مَنْ رَاعَى فِي أَجْوِبَتِهِ قَوْلًا لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ وَلَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ فَسَادٌ دَاخِلٌ عَلَيْهِ
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُرَاعِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْوُضُوءِ وَلَا الصَّلَاةِ وَلَا الصِّيَامِ وَأَكْثَرِ أَبْوَابِ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ
وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا يَبِينُ لَكَ بِهِ أَنْ مَنْ لَمْ يُكَبِّرْ لِلْإِحْرَامِ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ وَمَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى الْقَطْعِ بِسَلَامٍ
وَهَذَا مَوْضِعٌ قَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ أَيْضًا وَذَلِكَ لِمُرَاعَاتِهِمُ الِاخْتِلَافَ فِيمَا لَا تَجِبُ مُرَاعَاتُهُ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يُوجِبُ حُكْمًا إِنَّمَا يُوجِبُهُ الْإِجْمَاعُ أَوِ الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ وَبِذَلِكَ أُمِرْنَا عِنْدَ التَّنَازُعِ
وَأَمَّا الثَّوْرِيُّ فَقَالَ إِذَا وَجَدْتَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبِّرْ تَكْبِيرَةً تَنْوِي بِهَا الِافْتِتَاحَ وَكِبِّرْ أُخْرَى لِلرُّكُوعِ وَكَذَلِكَ إِذَا وَجَدْتَهُ سَاجِدًا كَبِّرْ تَكْبِيرَةً لِلِافْتِتَاحِ ثُمَّ كبر أخرى
стр. 413
للسجود ولا تحسب لَهَا فَإِنْ وَجَدْتَهُ جَالِسًا فَكَبِّرْ لِلِافْتِتَاحِ وَاجْلِسْ بِغَيْرِ تَكْبِيرَةٍ وَإِذَا قُمْتَ فَقُمْ بِتَكْبِيرٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً نَوَى بِهَا الِافْتِتَاحَ أَجَزَأَتْهُ وَكَانَ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ نَوَى بِهَا غَيْرَ الِافْتِتَاحِ أَوْ نَوَى بِهَا الِافْتِتَاحَ وَالرُّكُوعَ جَمِيعًا لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْرِدِ النِّيَّةَ لَهَا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ إِذَا نَوَى بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَوْ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَالرُّكُوعِ مَعًا أَجَزَأَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ عندنا لما قدمنا عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ غُسْلًا وَاحِدًا
(٥ - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ)
مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ
١٤٨ - مِنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَبِالْمُرْسَلَاتِ
١٤٩ - وَقِرَاءَتِهِ فِي الْعِشَاءِ بِالتِّينِ والزيتون
стр. 414
وَمِثْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظهر بسبح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى مِنْ غَيْرِ الْمُوَطَّأِ
١٤٩ - م - وَمِنْ قِرَاءَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي الْمَغْرِبِ وَبِقِرَاءَتِهِ مَعَ ذَلِكَ (رَبَّنَا لَا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) آلِ عِمْرَانَ ٨ وَبِالْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ القرآن وسورة من قصار المفصل
١٥٠ - وقراءة بن عُمَرَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَرُبَّمَا قَرَأَ السُّورَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فِي رَكْعَةٍ
فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَاحِ الْجَائِزِ أَنْ يَقُولَ الْمَرْءُ بِمَا شَاءَ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ مَا لَمْ يَكُنْ إِمَامًا يُطَوِّلُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ
وَبِنَحْوِ ذَلِكَ تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ فِي الْقِرَاءَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ فِي الصَّلَاةِ مَرَّةً يُخَفِّفُ وَرُبَّمَا طَوَّلَ صَنَعَ ذَلِكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ ((مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ)) وَلَمْ يحد شيئا
стр. 415
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَفِي أُمِّ الْقُرْآنِ هَلْ يُجْزِئُ مِنْهَا غَيْرُهَا مِنَ الْقُرْآنِ أَمْ لَا
وَأَجْمَعُوا أَنْ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِبَغْدَادَ تَسْقُطُ الْقِرَاءَةُ عَمَّنْ نَسِيَ فَإِنَّ النِّسْيَانَ مَوْضُوعٌ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ هَذَا بِمِصْرَ فَقَالَ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ يُحْسِنُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ إِلَّا بِهَا وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهَا حَرْفًا فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا أَوْ نَقَصَ مِنْهَا حَرْفًا أَعَادَ الصَّلَاةَ وَكَذَا إِنْ قَرَأَ بِغَيْرِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَظُنُّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمِ دَخَلَتِ الشُّبْهَةُ فِيهِ عَلَيْهِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ كَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ قِيلَ حَسَنٌ قَالَ لَا بَأْسَ إِذَنْ
وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكِرٌ وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاتِهِ لَيْسَ عِنْدَ يَحْيَى وَطَائِفَةٍ مَعَهُ لِأَنَّهُ رَمَاهُ مَالِكٌ مِنْ كِتَابِهِ بِأَخِرَةٍ وَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ ((كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ))
قَالَ أبو عمر وقد وري عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عُمَرَ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ فَأَعَادَ الصَّلَاةَ
وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ وَحَدِيثُ مَالِكٍ مُرْسَلٌ عَنْ عُمَرَ لَا يَصِحُّ وَالْإِعَادَةُ عَنْهُ صَحِيحَةٌ رَوَاهَا عَنْ عُمَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ هَمَّامٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ وَزِيَادُ بْنُ عِيَاضٍ وَكُلُّهُمْ لَقِيَ عُمَرَ وَسَمِعَ مِنْهُ وَشَهِدَ الْقِصَّةَ وَرَوَى الْإِعَادَةَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا غَيْرُهُمْ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ ضَمْضَمَ بْنِ جَوْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَقْرَأْ فَأَعَادَ الصَّلَاةَ
وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِيَاضٍ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى بِهِمْ فَلَمْ يَقْرَأْ فَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَقَالَ لَا صَلَاةَ إلا بقراءة
стр. 416
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ وَعَنْ أَبَانٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ أَعَادَ تِلْكَ الصلاة بإقامة
وقال بن جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ إِنَّ عُمَرَ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ وَأَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ
ذَكَرَ عبد الرزاق ذلك عن معمر عن بن جُرَيْجٍ
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الَّذِي يَنْسَى الْقِرَاءَةَ أَيُعْجِبُكَ مَا قَالَ عُمَرُ قَالَ أَنَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ فَعَلَهُ وَأَنْكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ يَرَى النَّاسُ عُمَرَ يَصْنَعُ هَذَا فِي الْمَغْرِبِ فَلَا يُسَبِّحُونَ بِهِ وَلَا يُخْبِرُونَهُ أَرَى أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ مَنْ فَعَلَ هَذَا وَيُعِيدَ الْقَوْمُ الَّذِينَ صَلُّوا مَعَهُ
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا يُجْزِئُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ يَعْنِي مِنْ صَلَاةٍ أَرْبَعٍ أَعَادَ
وَقَدْ قَالَ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي نِصْفِ صَلَاتِهِ أَعَادَ
وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى مَنْ نَسِيَ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا أَوْ فِي أَكْثَرِهَا رَأَيْتُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ كُلَّهَا
قَالَ وَسُنَّةُ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقَرَأَ بِغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ
قَالَ وَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَقْرَأَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَعَادَ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَيُسَبِّحُ فِي الْآخِرَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ
قَالَ سُفْيَانُ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ قِرَاءَةُ رَكْعَةٍ
قَالَ وَكَذَلِكَ إِنْ نَسِيَ أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْمِصْرِيِّ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أصحاب الشافعي
وقال بن خواز مَنْدَادَ الْمَالِكِيُّ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ
قَالَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْ نَسِيَهَا فِي رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةٍ رَكْعَتَيْنِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ وَلَا تُجْزِئُهُ
وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ إِذَا تَرَكَهَا نَاسِيًا فِي رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةٍ ثُلَاثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ
стр. 417
فقال يعيد الصلاة أصلا وهو قول بن الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْهُ وَقَالَ يَسْجُدُ سَجْدَتِي السَّهْو وتجزئه
وهي رواية بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ قَالَ قَدْ قِيلَ يُعِيدُ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ
قَالَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ نَحْوَ قَوْلِنَا
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ إِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا وَقَرَأَ غَيْرَهَا أَجْزَأَهُ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّهُ آيَةٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ثَلَاثُ آيَاتٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ نَحْوَ آيَةِ الدَّيْنِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ إِنْ أَحْسَنَهَا فَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُهَا وَيُحْسِنُ غَيْرَهَا مِنَ الْقُرْآنِ قَرَأَ بَعْدَهَا سَبْعَ آيَاتٍ لَا يُجْزِئُهُ دُونَ ذَلِكَ
وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ حَمِدَ اللَّهَ وَكَبَّرَ بِمَكَانِ الْقِرَاءَةِ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ
وَمَنْ أَحْسَنَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا حَرْفًا وَاحِدًا وَخَرَجَ مِنَ الصَّلَاةِ أَعَادَ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا مِثْلُهَا مِنَ الْقُرْآنِ فِي عَدَدِ آيَاتِهَا وَحُرُوفِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ ﵇ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَقَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بَيَّنَ لَنَا نَبِيُّنَا ﵇ أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ فَعَيَّنَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لِوُجُوبِهَا وَخَيَّرَ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ رَحْمَةً وَرِفْقًا
وَهَذَا كُلُّهُ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ الْقِرَاءَةَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَمَا قَالَ جَابِرٌ لِأَنَّ رُكُوعَ رَكْعَةٍ لَا يَنُوبُ عَنْ رُكُوعِ أُخْرَى وَلَا سُجُودَ رَكْعَةٍ يَنُوبُ عَنْ سُجُودِ أُخْرَى فَكَذَلِكَ لَا تَنُوبُ قِرَاءَةُ رَكْعَةٍ عَنْ قِرَاءَةٍ أخرى
وهي رواية بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتِيَارِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْمَغْرِبِ (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) الْآيَةَ فَإِنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْقُنُوتِ وَالدُّعَاءِ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الرِّدَّةِ
وَالْقُنُوتُ جَائِزٌ فِي الْمَغْرِبِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ أَيْضًا وَأَوْكَدُ ذَلِكَ فِي الصُّبْحِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ أَصْلًا وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنَ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 418
١٥١ - وذكر عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ يَقْرَأُ في الأربعة جَمِيعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَانَ يَقْرَأُ أَحْيَانًا بِالسُّورَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ)) عُلِمَ أَنَّ تَعْيِينَهُ لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِيجَابٌ وَأَنَّ قَوْلَهُ ((مَا تَيَسَّرَ)) نَدْبٌ
وَإِذَا جَازَ أَنْ يَقْرَأَ الْمُصَلِّي مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ بِسُورَةٍ فِيهَا طُولٌ - جَازَ أَنْ يَقْرَأَ بِسُورٍ تُوَازِي تِلْكَ السُّورَةَ
وَهَذَا كُلُّهُ مُبَاحٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِلَّا أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَلَّا يَقْرَأَ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِلَّا بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا حَدَّ فِي الْقِرَاءَةِ وَاجِبٌ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا وَكَفَى بِهَذَا
(٦ - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْقِرَاءَةِ)
١٥٢ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ حَدِيثَ عَلِيٍّ ﵁ وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْقِرَاءَةِ غَيْرُ النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْقِسِيِّ وَتَخَتُّمِ الذَّهَبِ
رَوَاهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ عَنْ نَافِعٍ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ
وَاخْتَلَفَ فِي إِسْنَادِهِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ أَلْفَاظِهِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي ((التمهيد))
وعند بن عُيَيْنَةَ فِيهِ إِسْنَادٌ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ
стр. 419
مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ عَلَيٌّ نَهَانِي رسول الله - وَلَا أَقُولُ نَهَاكُمْ - أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ أَتَخَتَّمَ الذَّهَبَ أَوْ أَلْبَسَ الْقِسِيَّ أَوْ أَرْكَبُ عَلَى الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ
وَأَمَّا الْقِسِيُّ فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ بِالْحَرِيرِ يُقَالُ لَهَا الْقَسِيَّةُ تُنْسَبُ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ قَسٌّ يُذْكَرُ أَنَّهَا قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مِصْرَ وَهِيَ ثِيَابٌ يَلْبَسُهَا الأمراء ونساؤهم
وقال النمري
(فَأَدْنَيْنَ حَتَّى جَاوَزَ الرَّكْبُ دُونَهَا ... حِجَابًا مِنَ الْقِسِيِّ وَالْحَبَرَاتِ)
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي لُبْسِ قَلِيلِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ وَفِي الثِّيَابِ الَّتِي يُخَالِطُهَا الْحَرِيرُ لَهُمْ وَبَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِ بِالْآثَارِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَيَأْتِي مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ هَذَا الدِّيوَانِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ فَجَمِيعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ امْتِثَالًا لِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ وحديث بن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ ((أَلَا وَإِنِّي قَدْ نَهَيْتُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ بِالدُّعَاءِ فَقَمِنٌ (٣) أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ))
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ مُسْنَدًا فِي التَّمْهِيدِ
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الرُّكُوعَ مَوْضِعٌ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ بِالتَّسْبِيحِ وَأَنْوَاعِ الذِّكْرِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ والسجود
فقال بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ قَوْلَ النَّاسِ فِي الرُّكُوعِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَفِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَأَنْكَرَهُ وَلَمْ يَحُدَّ فِي الرُّكُوعِ دُعَاءً مُؤَقَّتًا وَلَا تَسْبِيحًا مُؤَقَّتًا
وَقَالَ إِذَا أَمْكَنَ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ
стр. 420
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِرَارًا مِنْ إِيجَابِ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ فِي الرُّكُوعِ وَعَلَى سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى فِي السُّجُودِ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الذِّكْرِ
وَالْحُجَّةُ لَهُ قَوْلُهُ ﵇ ((إِذَا رَكَعْتُمْ فَعَظِّمُوا الرَّبَّ وَإِذَا سَجَدْتُمْ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ))
وَلَمْ يَخُصَّ ذِكْرًا مِنْ ذِكْرٍ وَأَنَّهُ ﵇ قَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ضُرُوبٌ وَأَنْوَاعٌ تَنْفِي الِاقْتِصَارَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ
فَمِنْهَا حديث مطرف عن وعائشة قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ))
وَمِنْهَا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﵇ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ ((سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ (٢)
وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو فِي سُجُودِهِ كَثِيرًا
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ يَقُولُ الْمُصَلِّي فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَفِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَهُوَ أَقَلُّ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقُولَهَا الْإِمَامُ خَمْسًا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى يُدْرِكَ الَّذِي خَلْفَهُ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ ((لَمَّا نَزَلَتْ (فَسَبِّحْ باسم ربك العظيم) الْوَاقِعَةِ ٧٤ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ (سبح اسم ربك الأعلى) الْأَعْلَى ١ قَالَ اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ
وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)) وَفِي سُجُودِهِ ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى
стр. 421
قَالُوا وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ فِي الرُّكُوعِ ((عَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ))
فَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِي الْفَرِيضَةِ وَسَائِرُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ جَعَلُوهُ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ فِي صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ وَنَافِلَتِهِ وَاقْتَصَرُوا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنَ الْمَكْتُوبَاتِ عَلَى حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ فِي الرُّكُوعِ ثَلَاثًا وَسُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا فِي السُّجُودِ
وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ لَا حَرَجَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا يَحْرَجُ أَيْضًا مَنْ تَرَكَهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الدِّينِ سَعَةً وَلَمْ يَجْعَلْ فِيهِ مِنْ حَرَجٍ
وَأَمَّا لِبَاسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُفَدَّمِ وَغَيْرِهِ مِنَ صِبَاغِ الْمُعَصْفَرِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ أَجَازَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ
وَلَا حُجَّةَ عِنْدِي لِمَنْ أَبَاحَهُ مَعَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ مِنْ نَهْيِهِ عَلِيًّا عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ إِلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّ ذَلِكَ خُصُوصٌ لِعَلِيٍّ وَحْدَهُ لِقَوْلِهِ نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَا أَقُولُ نَهَاكُمْ
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ نَهَانِي وَلَا أَقُولُ نَهَى النَّاسَ
وَهَذَا اللَّفْظُ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ عَلَيٍّ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ
وَلَيْسَ دَعْوَى الْخُصُوصِ فِيهِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ وَالْقَسِيِّ وَتَخْتُّمِ الذَّهَبِ - كُلُّ ذَلِكَ - لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ صَحِيحٌ مَرْوِيٌّ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((لَا أَرْكَبُ الْأُرْجُوَانَ وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ)) الْحَدِيثَ
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَأَمَرَهُ بِحَرْقِهِمَا
стр. 422
وَذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عُقُوبَةٌ لِأَنَّهُ لَبِسَهُمَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِالنَّهْيِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ جَاءَ عَنِ بن عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَوَازُ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ
وَسَتَرَى هَذَا الْمَعْنَى وَاضِحًا فِي الْجَامِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَذَكَرَ بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ أَكْرَهُ الْمُعَصْفَرَ الْمُفَدَّمَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يُحْرِمُوا فِيهِ لِأَنَّهُ يَنْتَفِضُ
قَالَ مَالِكٌ وَأَكْرَهَهُ أَيْضًا لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ
وَذَكَرَ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ التَّمَّارِ عَنِ الْبَيَاضِيِّ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَّهُ مِنَ التَّابِعِينَ مِمَّنْ لَقِيَ سَعْدَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وبن عُمَرَ وَذَكَرْنَا رِوَايَتَهُ وَنَسَبَهُ كُلُّ ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ مَذْكُورٌ
وَذَكَرْنَا أَنَّ أَبَا حَازِمٍ التَّمَّارَ اسْمُهُ دِينَارٌ مَوْلَى الْأَنْصَارِ
وَعَنْ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ اسْمَ أَبِي حَازِمٍ التَّمَّارِ يَسَارٌ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ
وَقِيلَ فِي أَبِي حَازِمٍ التَّمَّارِ إِنَّهُ مَوْلَى الْغِفَارِيِّينَ وَقِيلَ هُوَ مَوْلَى أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيِّ
وَأَمَّا الْبَيَاضِيُّ فَيَقُولُ اسْمُهُ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَذَفَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ فَخْذٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّحَابَةِ
وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي النَّافِلَةِ إِذَا كَانَ كُلُّ أَحَدٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ
وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ فَقَدْ أَحْكَمَتِ السُّنَّةُ جَهْرَهَا وَسِرَّهَا
وَكَانَ أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صَلَاةِ رَمَضَانَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجْمَعْهُمْ لها إلا في حديث بن شِهَابٍ وَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ التَّمَّارِ مَوْلَى الْأَنْصَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي قُبَّةٍ عَلَى بَابِهَا حَصِيرٌ قَالَ وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ عُصَبًا عُصَبًا قَالَ فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ رَفْعَ بَابَ الْقُبَّةِ فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ أَنْصَتُوا فَقَالَ ((إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ بِمَا يُنَاجِي بِهِ رَبَّهُ وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقِرَاءَةِ))
أَرْسَلَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَجَاءَ فِيهِ بالمعنى الذي ذكرنا
стр. 423
١٥٣ - عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أبي حازم التمار عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال ((إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن))
وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ فِي التَّمْهِيدِ مِنْهَا أَنَّ الليث بن سعد رواه عن بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ فَوَعْظَ النَّاسَ وَحَذَّرَهُمْ وَرَغَّبَهُمْ وَقَالَ ((لَيْسَ مَصْلٍّ يُصَلِّي إِلَّا وَهُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ))
قَالَ الليث وحدثنيه بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ مَوْلَى الْغِفَارِيِّينَ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْبَيَاضِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فَقَدْ بَانَ بِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ مَخْرَجَهُ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا
وَفِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُحَبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ يَقْضِي فَرْضَهْ وَإِلَى جَنْبِهِ مَنْ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ أَنْ يُفَرِّطَ فِي الْجَهْرِ لِئَلَّا يُخَلِّطَ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُحُبُّ ذَلِكَ لِمُتَنَفِّلٍ إِلَى جَنْبِ مُتَنَفِّلٍ مِثْلِهِ
وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَحَرَامٌ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَحَدَّثُوا فِي الْمَسْجِدِ بِمَا يُشْغِلُ الْمُصَلِّي عَنْ صَلَاتِهِ وَيُخَلِّطُ عَلَيْهِ قِرَاءَتَهُ
وَوَاجِبٌ لَازِمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يُطَاعُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَجُزْ لِلْمُصَلِّي التَّالِي لِلْقُرْآنِ - فَأَيْنَ الْحَدِيثُ بِأَحَادِيثِ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُ حَدِيثِ الْبَيَاضِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَمِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ صَوْتَهُ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهَا فَيُغَلِّطُ أَصْحَابَهُ وَهُمْ يُصَلُّونَ))
١٥٤ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ قُمْتُ وَرَاءَ
стр. 424
أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ
فَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جُمْهُورِ رُوَاتِهِ عَنْ مَالِكٍ مَوْقُوفٍ عَلَى فِعْلِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﵇ ذِكْرٌ
وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَمُوسَى بْنُ طَارِقٍ وَأَبُو قُرَّةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُمْ لَا يَقْرَأُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
هَذَا لَفَظُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ حَدِيثِ أَبُو قُرَّةَ فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى السُّدِّيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ مَرْفُوعًا كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِ (بِسْمِ الله الرحمن الرحيم)
ويرفعه أيضا بن أخي بن وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان لَا يَجْهَرُ فِي الْقِرَاءَةِ بِ (بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم)
لم يروه عن بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا غَيْرُهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ عَنْ مَالِكٍ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسٍ قَتَادَةُ وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا كُلُّهُمْ رَوَوْهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﵇ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفَ عَلَيْهِمْ فِي لَفْظِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا مُضْطَرِبًا مُتَدَافِعًا مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ عُثْمَانَ
وَمِنْهُمْ مَنْ لا يذكره فَكَانُوا لَا يَقْرَؤُونَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ بِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
стр. 425
وقال بعضهم كانوا يقرؤون (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
هَذَا اضْطِرَابٌ لَا تَقُومُ مَعَهُ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقْرَأُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَالَّذِينَ يَقْرَءُونَهَا
وَقَدْ أَجْمَعَ قَوْمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ فِي الْقِرَاءَةِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كُتُبًا مَنْ أَثْبَتَهَا آيَةً فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَنْ نَفَاهَا عَنْهَا
وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كِتَابًا سَمَّيْنَاهُ ((كِتَابَ الْإِنْصَافِ فِيمَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي قِرَاءَةِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مِنَ الِاخْتِلَافِ))
وَأَتَيْنَا مِنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ
لِأَنَّ فِيهِ ذَكَرَ مَالِكٌ حَدِيثَ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇
١٥٥ - قَسَّمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((اقْرَؤُوا يَقُولُ الْعَبْدُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ إِلَى آخَرِ السُّورَةِ لَيْسَ فِيهِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
وَهُوَ أَقْطَعُ حَدِيثٍ وَأَثْبَتُهُ فِي تَرْكِ قِرَاءَةِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ قَدْ تَأَوَّلُوا فِيهَا فَأَكْثَرُوا التَّشْغِيبَ وَالتَّنَازُعَ
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَعَلَى أَوْجُهٍ
أَحَدُهَا هَلْ هِيَ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ آيَةٌ أَمْ لَا
وَالثَّانِي هَلْ هِيَ آيَةٌ فِي كُلِّ سُورَةٍ أَمْ لَا
وَالثَّالِثُ هَلْ هِيَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ أَمْ لَا
وَالرَّابِعُ هَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ دُونَ أَنْ يُقْرَأَ بِهَا مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَمْ لَا
وَالْخَامِسُ هَلْ تُقْرَأُ فِي النَّوَافِلِ دُونَ الْفَرَائِضِ أَمْ لَا
следующие страницы →