Полный текст (45 стр.). Показаны 36–45 · переход к 41.
стр. 36
فقال رسول الله ﷺ «لا يعلم ما في غد الا الله» قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وهذا الذي ذكرناه وما اشبهه هو الذي كان الصحابة ﵃ يترخصون فيه وفي سماعه في ايام الافراح كالاعياد والاعراس. واما الغناء المعروف عند اهل اللهو واللعب وهو ما يطلق عليه اسم الغناء في زماننا فقد كانوا يذمونه ويمنعون منه. وقد ذكرت أقوالهم في ذلك في كتابي «فصل الخطاب في الرد على ابي تراب» فلتراجع هناك.
قال الحافظ ابو الفرج ابن الجوزي روينا عن الشافعي ﵁ انه قال اما استماع الحداء ونشيد الاعراب فلا بأس به. قال ابن الجوزي ومن إِنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله ﷺ :
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
قال ومن هذا الجنس كانوا ينشدون اشعارهم بالمدينة وربما ضربوا عليه بالدف عند إِنشاده.
ثم ذكر ان من هذا الجنس ما في حديث عائشة ﵂ في قصة الجاريتين اللتين كانتا تغنيان عندها بغناء بعاث.
ثم ذكر حديث عائشة وحديث جابر ﵄ في اهداء الجارية الى زوجها. ثم قال فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم انتهى.
стр. 37
واذا علم هذا فمن الخطأ الواضح قياس غناء اهل هذه الازمان على ما كان الصحابة ﵃ يترخصون فيه في ايام الافراح مع عظم الفرق بين الجنسين وكيف يقاس ما يستفز العقول ويفسد القلوب وينبت النفاق فيها ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة على ما ليس كذلك. لقد ضل من قال بهذا القياس الفاسد وبعد عن الصواب غاية البعد.
الوجه الرابع انه قد ثبت عن النبي ﷺ انه نهى عن الغناء وسماه الصوت الاحمق الفاجر وقرنه بالنياحة واخبر انه ملعون في الدنيا والآخرة. وقرن استحلاله باستحلال الزنا والخمر ولبس الحرير في حق الذكور وقد تقدمت الاحاديث بذلك. واذا كان الامر في الغناء ما ذكرنا فكيف يظن بالنبي ﷺ انه رخص فيه. هذا تناقض ينزه عنه آحاد العقلاء فضلا عن الشارع الحكيم.
الوجه الخامس ان يقال ان ما كان احمق فاجرا ملعونا في الدنيا والآخرة فان الشريعة لا تأتي بالرخصة فيه ابدا. ومن زعم ان الشريعة جاءت بالرخصة فيه فقد غلط على الشريعة.
الوجه السادس ان الغناء يطلق على خمسة انواع كما تقدم ايضاح ذلك.
الاول رفع الصوت وموالاته.
والثاني النصب بفتح النون وسكون الصاد المهملة وهو الترنم.
والثالث الحداء.
والرابع انشاد الاشعار. وهذه كلها جائزة.
والخامس ما يكون فيه تمطيط وتكسير وتلحين وتطريب وهذا هو الغناء المحرم وهو الصوت الأحمق الفاجر الملعون في الدنيا والآخرة.
стр. 38
وهذا النوع هو المعروف عند اهل الغناء في زماننا وهو الذي يستعمله اهل الاذاعات والتسجيل وغيرهم من المفتونين بصوت الشيطان ومزاميره.
ومن قاس هذا النوع الملعون على الانواع الجائزة واستدل على جوازه بجوازها فقد ابعد النجعة ونادى على كثافة جهله. وهو كمن قاس الميتة على المذكاة والربا على البيع والتحليل الملعون فاعله على النكاح الصحيح وشراب الخمر على الاشربة المباحة وغير ذلك من الاقيسة الفاسدة التي يستعملها من قل نصيبه من العلم والايمان.
الوجه السابع ان غناء الجواري في زمن النبي ﷺ نوعان احدهما انشاد الاشعار من غير تلحين ولا تطريب وهذا هو الذي فعلته الجاريتان عند عائشة ﵂ في يوم العيد وأقره النبي ﷺ .
والنوع الثاني رفع الصوت وموالاته بقول:
اتيناكم اتيناكم ... فحيونا نحييكم
وهذا هو الذي اذن فيه النبي ﷺ للجواري وسماه غناء وليس هو مثل غناء المخنثين ومن يحذو حذوهم في التلحين والتطريب. وانما اطلق عليه اسم الغناء من اجل رفع الصوت وموالاته وقد تقدم عن الاصمعي انه قال كل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء.
واذا علم هذا فالاستدلال بقول اتيناكم اتيناكم وما اشبهه مما روي عن جواري الصحابة على جواز غناء اهل الاذاعات وما اشبهه من الأغاني لا يقول به الا من هو من أجهل خلق الله وأبعدهم عن الصواب.
стр. 39
(فصل)
واما قوله: واحتجوا بحديث عبد الله بن اويس ابن عم مالك قال مر النبي ﷺ بجارية في ظل فارع وهي تغني:
هل علي ويحكم ... ان لهوت من حرج
فقال النبي ﷺ لا حرج ان شاء الله.
فجوابه من وجهين. احدهما ان يقال هذا حديث لا يصح لانه منقطع والمنقطع ليس بحجة. وايضا فان المحتجين به لم يذكروا من خرجه من اهل الحديث حتى ينظر في رواته فلعلهم ممن لا يوثق بهم.
الوجه الثاني لو قدرنا صحة هذا الحديث فليس فيه حجة لاهل الغناء لان غناء الجارية ولهوها من جنس ما رخص فيه النبي ﷺ للجواري وليس هو من جنس غناء المخنثين ومن يحذو حذوهم من اهل الاذاعات والتسجيل وما اشبه ذلك من الغناء الذي يستفز العقول ويفسد القلوب وينبت النفاق فيها ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
ولا يجوز قياس هذا النوع على ما رخص فيه النبي ﷺ للجواري ولا الاحتجاج بجواز النوع المرخص فيه على جواز هذا النوع المحرم لما بين النوعين من التباين.
стр. 40
(فصل)
واما قوله فلا حرج اذاً على عمر ان يهوى الغناء ويصبو اليه ولا يغتمز ذلك فيه ولا ينقص من دينه وفضله فجوابه من وجهين, احدهما ان يقال لو ان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى هوى الغناء وصبا اليه لغمز ذلك فيه ونقص من دينه وفضله كما غمز الغناء في الذين هووه وصبوا اليه.
وقد قدمنا عن الامام مالك انه سئل عما يترخص فيه اهل المدينة من الغناء فقال انما يفعله عندنا الفساق. وكذا قال ابراهيم بن المنذر الحزامي وهو من علماء اهل المدينة المعتبرين.
وقد قال الله تعالى في صفة عباده المتقين (والذين لا يشهدون الزور وإِذا مروا باللغو مروا كراماً) قال محمد بن الحنفية الزور اللهو والغناء وقال مجاهد لا يسمعون الغناء وقال ثعلب الزور ههنا مجالس اللهو وقال الزجاج قيل الزور ههنا مجالس الغناء.
وفي هذه الآية الكريمة دليل على ان الغناء يغمز في اصحابه وينقص من دينهم. وقد ثبت عن النبي ﷺ انه نهى عن الغناء وسماه الصوت الأحمق الفاجر وأخبر انه ملعون في الدنيا والآخرة, وفي هذا دليل على ان الغناء يغمز في أصحابه وينقص من دينهم.
الوجه الثاني انه قد تقدم في اول هذه النبذة ما ثبت عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من ذم الغناء وانكاره وفيه رد لما يتوهمه من قل علمه من ان عمر رحمه الله تعالى كان يهوى الغناء ويصبو اليه.
стр. 41
(فصل)
وأما قوله: وليس ببدع أن يهفو عمر الى الغناء ويشرب فؤاده حبه وهو قد نشأ في بيئة غنائية فياضة بالالحان والايقاع مفعمة بحذاق المغنين والمغنيات فجوابه من وجوه. أحدها أن يقال قد ثبت عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى انه كان يذم الغناء وينكره اشد الانكار ومن كان كذلك لا يظن به انه كان يهفو الى الغناء فضلا عن ان يشرب فؤاده حبه. ومن ظن هذا بأمير المؤمنين فقد ظن به ظن السوء.
الوجه الثاني ان عمر رحمه الله تعالى قد نشأ عند ابيه ولم يعرف عن ابيه انه كان يميل الى الغناء والمغنين. وكان عمه عبد الملك شديد الذم للغناء. قال ابو يوسف حدثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي عن ابيه ان عبد الملك بن مروان قال قبح الله الغناء ما اوضعه للمروءة واجرحه للعرض واهدمه للشرف واذهبه للبهاء.
واذا علم هذا فقول صاحب النبذة ان عمر بن عبد العزيز قد نشأ في بيئة غنائية كذب لا اصل له.
الوجه الثالث ان عمر رحمه الله تعالى كان منذ صغره حريصاً على العلم والأدب وكان قد جمع القرآن وهو صغير.
قال الزبير بن بكار حدثني العتبي قال ان أول ما استبين من رشد عمر بن عبد العزيز حرصه على العلم ورغبته في الادب وذلك ان أباه ولي مصر وهو حديث السن يشك في بلوغه فأراد أبوه اخراجه معه الى مصر من الشام فقال يا أبت أوغير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك قال وما هو قال ترحلني إلى المدينة فأقعد الى فقهائها وأتأدب بآدابهم فعند ذلك أرسله
стр. 42
ابوه الى المدينة وارسل معه الخدام فقعد مع مشايخ قريش وتجنب شبابهم وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره فلما مات ابوه اخذه عمه امير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده وقدمه على كثير منهم وزوجه بابنته فاطمة. قال العتبي ولم يكن حاسد عمر بن عبد العزيز ينقم عليه شيئا سوى التنعم والاختيال في المشية.
وقال الضحاك بن عثمان الخزامي كان ابوه قد جعله عند صالح بن كيسان يؤدبه فلما حج ابوه اجتاز به في المدينة فسأله عنه فقال ما علمت احدا الله اعظم في صدره من هذا الغلام.
وروى ابن ابي خيثمة عن داود بن ابي هند قال دخل علينا عمر بن عبد العزيز من هذا الباب - واشار الى باب من ابواب مسجد النبي ﷺ فقال رجل من القوم بعث الفاسق لنا بابنه هذا يتعلم الفرائض والسنن ويزعم انه لن يموت حتى يكون خليفة ويسير سيرة عمر بن الخطاب. قال داود والله ما مات حتى رأينا ذلك فيه.
واذا كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى منذ صغره مقبلا على العلم والادب ومجالسة المشايخ ومجانبة الشبان فكيف يظن به انه كان يهفو الى الغناء ويحبه حباً شديداً. هذا بهتان عظيم.
стр. 43
(فصل)
واما قوله: وقد سبقت المدينة سائر المدن الاسلامية الى الغناء وشاع اللهو والقصف بين اهلها.
فجوابه ان يقال انما شاع اللهو والقصف في فساق اهل المدينة لا في خيارهم كما هو معلوم عند اهل العلم بالاخبار. وقد تقدم عن الامام مالك انه سئل عما يترخص فيه اهل المدينة من الغناء فقال انما يفعله عندنا الفساق. قال الحافظ ابن رجب وكذا قال ابراهيم بن المنذر الحزامي وهو من علماء اهل المدينة المعتبرين.
(فصل)
واما قوله: وهذه شذرة تصور لك الحياة الغنائية بالمدينة في ذلك العهد وتريك ان حياة المرح واللهو والطرب كانت تساير فيها حياة الفقه والحديث والورع والتقوى جنبا لجنب.
فجوابه ان يقال ان مسايرة حياة المرح واللهو والطرب لحياة الفقه والحديث والورع والتقوى ليست بحجة على جواز المرح والغناء واللهو والطرب. ولم يزل الفساق من اول الامر يسايرون المتقين حنبا لجنب ولم يكن ذلك دليلا على جواز افعالهم السيئة وقد قال الله تعالى (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) وقال تعالى (ولا تمش في الارض مرحا انك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا) وقال تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين) وقد فسر ابن مسعود وابن
стр. 44
عباس ﵃ وغير واحد من التابعين لهو الحديث بالغناء وحلف ابن مسعود ﵁ على ذلك ثلاث مرات.
وثبت عن النبي ﷺ انه نهى عن الغناء وسماه الصوت الاحمق الفاجر واخبر انه ملعون في الدنيا والآخرة. وهذا يدل على تحريم الغناء والتشديد فيه وفي ذلك رد على من رام الترخيص فيه بالشبه الباطلة.
(فصل)
واما ما ذكره عن الامام مالك انه غنى وسمع ذلك منه حسين بن دحمان الاشقر فهو كذب على مالك.
وقد قدمنا ان صاحب الأغاني غير موثوق بنقله لأنه شيعي ومتهم بالكذب.
وايضا فحسين بن دحمان الاشقر مجهول لا يدرى من هو فلا يعتمد على نقله. وكذلك من نقل ذلك عن حسين لا يدرى من هم. فهذا خبر ساقط مردود.
ويكفي في رده ما رواه الامام احمد عن اسحاق بن عيسى الطباع قال سألت مالك بن انس عما يترخص فيه اهل المدينة من الغناء فقال انما يفعله عندنا الفساق.
стр. 45
(فصل)
وأما قوله: وملاك القول ان عمر بن عبد العزيز نشأ في ظلال هذه الاريكة الفينانة وسمع بلابلها المغردة واطيارها المرنة ووهب الله له حنجرة موسيقية فشدا ولحن وتغنى وترنم.
فجوابه ان يقال هذا كذب على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لانه قد ثبت عنه ذم الغناء والانكار على من يفعله وقد تقدم بيان ذلك في أول هذه النبذة فليراجع. والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله واصحابه ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين. وسلم تسليما كثيرا.
حرره الفقير الى الله تعالى حمود بن عبد الله التويجري.
في ٢٣/ ١٢/ ١٣٨٥ هـ