Полный текст (114 стр.). Показаны 106–114 · переход к 111.
стр. 106
الحديث الصحيح عنده على الرأس».
وقال شارح «العقيدة الطحاوية»: «طريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النصِّ الصحيح، ولا يعارضوه بمعقول ولا قول فلان؛ كما قال البخاري ﵀، سمعت الحميدي، يقول: كنا عند الشافعي ﵀، فأتاه رجلٌ، فسأله عن مسألة، فقال: قضى فيها رسول الله ﷺ كذا وكذا، فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة؟ تراني في بيعة؟! تراني على وسطي زنَّار؟! أقول لك: قضى رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: ما تقول أنت؟!».
وقال الحاكم: أنبأني أبو عمرو السماك مشافهة: أن أبا سعيد الجصَّاص حدثهم؛ قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: «سمعت الشافعي يقول، وسأله رجل عن مسألة، فقال: روي عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد الله! أتقول بهذا؟ فارتعد الشافعي، واصفرَّ، وحال لونه، وقال: ويحك! أي أرض تقلُّني وأي سماء تظلُّني إذا رويت عن رسول الله ﷺ شيئاً فلم أقل به؟! نعم؛ على الرأس والعينين، نعم، على الرأس والعينين».
وقال الربيع: قال الشافعي: «لم أسمع أحداً نسبته عامة أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله ﷺ والتسليم لحكمه؛ فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى مَن بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحد، لا يختلف فيه الفرض، وواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ ».
стр. 107
فصلٌ
وإذا عُلِم ما ذكرتُه عن السلف الصالح من تعظيم الأحاديث الصحيحة، والمبالغة في الإنكار على مَن تهاون بها أو عارضها بأقوال الناس وآرائهم؛ فليعلم أيضاً أنه ينبغي لمن أشكل عليه شيء من الأحاديث الصحيحة أو وقع في نفسه منه شيء: أن يظنَّ به أحسن الظن، ولا يبادر إلى إنكاره ورده كما يفعل ذلك أهل الزيغ والإلحاد.
قال عليٌ ﵁: «إذا حُدِّثتم شيئاً عن رسول الله ﷺ فظنوا به الذي هو أهدى، والذي هو أتقى، والذي هو أهيأ».
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والدارمي، وابن ماجه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في «زوائد المسند»؛ بأسانيد صحيحة.
وروى: الإمام أحمد، والدارمي، وابن ماجه أيضاً؛ عن عون بن عبد الله عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: «إذا حُدثتم بالحديث عن رسول الله ﷺ ؛ فظنُّوا به الذي هو أهيأ، والذي هو أهدى، والذي هو أتقى».
في إسناد هذا الحديث انقطاع بين عون بن عبد الله وابن مسعود؛ فإنه لم يسمع منه، ولكن يشهد له حديث علي الذي قبله.
стр. 108
فصلٌ
وإذا عُلم أن السلف الصالح كانوا ينكرون أشدَّ الإنكار على مَن تهاون بشيء من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وعلى مَن رَدَّ شيئاً منها أو عارضه برأيه أو رأي غيره؛ فكيف يُقال في بعض الأجلاف من العصريين الذين لا يبالون برد الأحاديث الكثيرة ورفضها من أجل أنها تخالف آراءهم ونظرياتهم؟!.
ولو أحصي ما ردَّه بعضهم، وصرَّح برفضه في كتبه ومقالاته؛ لبلغ أعداداً كثيرة جداً؟!
وأدهى من ذلك وأفظع ما جاء في قصَّة وقعت له مع بعض الطلاب في الجزائر، حيث كان يناقش الطالب في بحث قدَّمه لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراه، فذكر الطالب في بحثه حديث أنس بن مالك ﵁: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: «في النار»، فلمَّا قفَّى؛ دعاه، فقال: «إنَّ أبي وأباك في النار».
رواه: مسلم وابن حبان في «صحيحيهما»، والبيهقي في «دلائل النبوة».
فقال الجلف الجافي للطالب: «ضع هذا الحديث تحت رجلك».
كذا قال الجلف هذه الكلمة العظيمة الوخيمة التي لا تصدر من رجل يؤمن بالله ورسوله، وهي من الكلمات التي تقتضي الردَّة عن الإسلام؛ لما فيها من المبالغة في الاستهانة بالحديث الثابت عن النبي ﷺ ، ومَن استهان بشيء من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ؛ فلا شكَّ أنه قد استهان بالنبي ﷺ ؛ لأن الاستهانة بكلامه فرع عن الاستهانة به، ومَن استَهان بالنبي ﷺ ؛
стр. 109
فلا شكَّ في ردَّته وحل دمه وماله.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
وقد ذكرتُ قريباً عن البربهاري أنه صرَّح في كتابه «شرح السنة» بتكفير من ردَّ حديثاً عن النبي ﷺ .
وإذا كان ردُّ الحديث الواحد يقتضي الكفر؛ فكيف بردِّ الأحاديث الكثيرة الصحيحة والتصريح برفضها؛ فهذا أشدُّ وأشدُّ.
وأشدُّ من ذلك كله أمر الطالب بوضع الحديث الثابت عن النبي ﷺ تحت رجله!
فهذه الكلمة الوخيمة تنافي الإسلام غاية المنافاة؛ لأنه لا بُدَّ في صحة الإسلام من تحقيق الشهادة بأن محمداً رسول الله، ولا بدَّ في تحقيقها من تصديق النبي ﷺ في كل ما أخبر به.
والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : «أمرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا منِّي دماءهم وأموالهم؛ إلا بحقِّها، وحسابهم على الله».
رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
وفيه دليل على أن مَن لم يؤمن بكل ما ثبت عن النبي ﷺ من الأخبار؛ فهو حلال الدم والمال.
وهذا الحكم ينطبق على الجلف الذي لم يؤمن بما أخبر به رسول الله ﷺ عن أبيه بأنه في النار، وقد زاد على عدم الإيمان بهذا الحديث أمره للطالب أن يضع الحديث تحت رجله.
стр. 110
والله المسؤول أن يقيِّض لهذا الجلف وأمثاله مَن يعاملهم بمثل معاملة عمر بن الخطاب ﵁ للمنافق الذي لم يرضَ بحكم رسول الله ﷺ ، حيث عاجله بالقتل ولم يمهله.
وقد جاء عن النبي ﷺ في حقِّ أمه نحو ما جاء عنه في حقِّ أبيه، وذلك فيما رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى مَن حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها؛ فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها؛ فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكِّركم الموت».
وقد رواه: ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك»، والبيهقي في «السنن» وفي «دلائل النبوة».
وروى: الإمام أحمد أيضا، وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم، والبيهقي؛ عن ابن بريدة عن أبيه؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزل بنا ونحن قريبٌ من ألف راكب، فصلَّى بنا ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، ففَدَّاه بالأب والأم، وقال: مالك يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «إني سألت ربي في الاستغفار لأمي؛ فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار «وذكر بقية الحديث».
قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخيصه».
وفي رواية لأحمد عن ابن بريدة عن أبيه؛ قال: خرجتُ مع النبي ﷺ ، حتى إذا كنَّا بودَّان؛ قال: «مكانكم حتى آتيكم»، فانطلق، ثم جاءنا وهو سقيم، فقال: «إني أتيت قبر أم محمد، فسألت ربي الشفاعة - يعني
стр. 111
لها - فمنعنيها (وذكر بقية الحديث)».
وروى البيهقي في «دلائل النبوة» من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه؛ قال: انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبر، فجلس وجلس الناس حوله كثير، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب، قال: ثم بكى، فاستقبله عمر ﵁، فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليَّ، وأدركتني رقَّتها فبكيت». قال: فما رُئي ساعة أكثر باكياً من تلك الساعة.
وروى البيهقي أيضا في «دلائل النبوة» عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: خرج رسول الله ﷺ ينظر في المقابر، وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطَّى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، ثم ارتفع نحيب رسول الله ﷺ باكياً، فبكينا لبكاء رسول الله ﷺ ، ثم إن رسول الله ﷺ أقبل إلينا، فتلقَّاه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا، فجاء، فجلس إلينا، فقال: «أفزعكم بكائي؟»، فقلنا: نعم يا رسول الله! فقال: «إنَّ القبر الذي رأيتموني أناجي فيه قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها، فأذن لي فيه، واستأذنت ربي في الاستغفار لها، فلم يأذن لي فيه، ونزل عليَّ: ﴿مَا كَانَ للنَّبِيِّ والَّذينَ آمنُوا أَنْ يَسْتَغْفِروا للمُشْرِكينَ﴾ حتى ختم الآية: ﴿ومَاَ كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهيمَ لأبِيه إِلَّا عَنْ مَوِعدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّن لهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأ منهُ﴾، فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة؛ فذلك الذي أبكاني».
وهذه الأحاديث التي وردت في منع النبي ﷺ من الاستغفار لأمه
стр. 112
ومنعه من الشفاعة لها يوم القيامة وأنه ﷺ بكى رحمة لها من النار، لو عرضت على الجلف الذي تقدَّمت الإشارة إليه؛ لما كان بعيداً منه أن يأمر مَن يعرضها عليه أن يضعها تحت رجله؛ كما أمر بذلك في حديث أنس الذي تقدَّم ذكره في أول الفصل.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدي القَوْمَ الظَّالمِينَ﴾.
وكلُّ ما تقدَّم ذكره في الأحاديث التي جاءت في حقِّ أبوي النبي ﷺ ؛ فإنه حقٌّ يجب الإيمان به، ولا يجوز الاعتراض على شيء منه؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ شيء يعارضه ويردُّه.
ولله الحكمة البالغة في مصير أبوي النبي ﷺ يوم القيامة، وللنبي ﷺ أسوة بأبيه إبراهيم خليل الرحمن حيث تبرَّأ من أبيه وامتنع من الاستغفار له لمَّا تبيَّن له أنه عدو لله.
وقد ثبت في «صحيح البخاري» أن إبراهيم إذا شفع لأبيه يوم القيامة؛ لم تقبل شفاعته له، ويمسخ الله أباه ضبعاً، ويأمر به، فيؤخذ بقوائمه، ويلقى في النار.
وهذا مما يجب الإيمان به، ومَن لم يؤمن بما ثبت عن النبي ﷺ ؛ فهو ممَّن يُشَكُّ في إسلامه.
стр. 113
فصلٌ
ومن أعظم الزلات خطراً على الإسلام وأشدها أثراً في نقض عراه محاولة بعض أهل الزيغ والفساد في زماننا أن يقاربوا بين المسلمين وبين أهل الأديان الباطلة من اليهود والنصارى وغيرهم من سائر أهل الملل المخالفة لدين الإسلام، ومحاولتهم أيضاً أن يقاربوا بين أهل السنة وبين الرافضة وغيرهم من أهل البدع المخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
وقد نشروا دعوتهم إلى هذه المذاهب الهدَّامة في كتب لهم ومقالات كثيرة.
وإنه لينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِّنهُمُ اتَّخذوا الشَّياطينَ أوْلياءَ منْ دُونِ اللهَ ويَحْسَبونَ أَنَّهُمْ مُهْتدونَ﴾.
فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من هؤلاء الزائغين أشد الحذر؛ فأنهم ألدُّ الأعداء للسنَّة وأهلها، وهم أضرُّ على السنة وأهلها من اليهود والنصارى وسائر أهل الملل.
والله المسؤول أن يكفي المسلمين شرَّهم، ويطهر الأرض منهم؛ إنَّه ولي والقادر عليه.
стр. 114
وهذا آخر ما تيسَّر إيراده، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
٩/ ٥/ ١٤١٢ هـ.