← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17332

تغليظ الملام على المتسرعين إلى الفتيا وتغيير الأحكام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (114 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخيصه». وقد رواه ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»، وفيه أنهم قالوا لمعاذ: كيف زيغة الحكيم؟ قال: «هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون: ما هذا؟ فاحذروا زيغته، ولا يصدَّنَّكم عنه؛ فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق». قال ابن عبد البر: «وشَبَّه الحكماء زلَّة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير». قال: «وإذا صحَّ وثبت أن العالم يزل ويخطئ؛ لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه» انتهى. وروى ابن عبد البر عن خالد بن الحارث؛ قال: قال لي سليمان التيمي: «لو أخذت برخصة كل عالم؛ اجتمع فيك الشر كله». قال ابن عبد البر: «هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا».

стр. 37

فصلٌ وإذا علم أن زلاَّت العلماء من هوادم الإسلام، وأنه يجب اجتنابها والتَّحذير منها؛ فليعلم أيضا أن من أعظم زلات العلماء وأشدها خطراً على المفتين والمستفتين ما يكون مبنياً على الآراء المخالفة للكتاب والسنة، وما أكثر الواقعين في ذلك في زماننا! وبعض هؤلاء إذا نُبِّهوا على أخطائهم المخالفة للأدلَّة الصريحة من الكتاب والسنة؛ لم يرجعوا إلى الحق، ولم يبالوا بالإصرار على الخطأ، ولا شك أن هؤلاء قد تعرَّضوا للوعيد على الإصرار على الأفعال السيئة، وهو ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ : أنه قال وهو على المنبر: «ويل للمصرِّين الذين يصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون»، رواه الإمام أحمد وعبد بن حميد، وإسناد كل منهما جيد، ورواه أيضا البخاري في «الأدب المفرد». وقد قال البيهقي في «السنن الكبرى»: «باب: من اجتهد ثم رأى أن اجتهاده خالف نصاً أو إجماعاً أو ما في معناه؛ ردَّه على نفسه وعلى غيره». ثم روى حديث عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد». رواه البخاري في «الصحيح» ومسلم. وروى أيضا عن سفيان عن إدريس الأودي؛ قال: «أخرج إلينا سعيد ابن أبي بردة كتاباً، فقال هذا كتاب عمر إلى أبي موسى ﵄: أما بعد؛ لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت الحق؛ فإن الحق قديم، لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل».

стр. 38

قال البيهقي: ورواه أحمد بن حنبل وغيره عن سفيان، وقالوا في الحديث: «لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهُديتَ فيه لرشدك أن تراجع الحق؛ فإن الحقَّ قديم، وإن الحق لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خيرُ من التَّمادي في الباطل». وروى أيضا من طريق ابن وهب؛ قال: حدثني مالك عن يحيى بن وربيعه بن عبد الرحمن؛ قالا: كان عمر بن عبد العزيز يقول: «ما من طينة أهون عليَّ فكاً، وما من كتاب أيسر عليَّ ردّاً؛ من كتاب قضيتُ به، ثم أبصرتُ أنَّ الحقَّ في غيره، ففسخته). وروى أبو يعلى الموصلي عن مسروق؛ قال: ركب عمر بن الخطاب ﵁ منبر رسول الله ﷺ ، ثم قال: «أيها الناس! ما إكثاركم في صُدُق النساء وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه والصَّدُقات فيما بينهم أربع مئة درهم فما دون ذلك؟ ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة؛ لم تسبقوهم، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم». قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين! نهيت الناس أن يزيدوا في مُهُر النساء على أربع مئة درهم؟ قال: «نعم». فقالت: أما سمعتَ ما أنزل الله في القرآن؟ قال: «وأي ذلك؟»، فقالت: أما سمعتَ الله يقول: ﴿وآتْيُتمْ إحْداهُنَّ قنْطاراً ...﴾ الآية؟ قال: فقال: «اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر». ثم رجع، فركب المنبر، فقال: «أيها الناس! إنَّي كنتُ نهيتُكم أن تزيدوا النساء في صَدُقاتهنَّ على أربع مئة درهم، فمَن شاء أن يعطي من ماله ما أحبَّ». قال أبو يعلى: «وأظنه قال: «فمن طابت نفسه؛ فليفعل»». قال ابن كثير: «إسناده جيِّد قوي».

стр. 39

وروى ابن المنذر عن أبي عبد الرحمن السلمي؛ قال: قال عمر بن الخطاب» «لا تغالوا في مهور النساء». فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر؛ إن الله يقول: ﴿وآتيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطاراً مِنْ ذَهَبٍ﴾ - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود - ﴿فلا يحلُّ لكُمْ أنْ تأْخُذوا منه شيئاً﴾، فقال عمر: «إن امرأة خاصمت عمر فخَصَمَتْهُ». وروى الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد الله عن جده؛ قال: قال عمر بن الخطاب: «لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي القصة - يعني: يزيد بن الحصين الحارثي -، فمَن زاد؛ ألقيت الزيادة في بيت المال»، فقالت امرأة من صُفَّة النساء طويلة في أنفها فطس: ما ذاك لك، قال: «ولِمَ؟»، قالت: إنَّ الله قال: ﴿وآتيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطاراً فلا تأْخُذوا منه شيئاً﴾، فقال عمر: «امرأة أصابت، ورجل أخطأ». وقد رواه عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» بنحوه. فليتأمل المصرون على الأخطاء في الفتيا ما جاء عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ في الحث على مراجعة الحق إذا تبيَّن، وقوله: «إن مراجعة الحق خير من التَّمادي في الباطل». وليتأملوا أيضاً ما ثبت عنه من الرجوع إلى قول المرأة في جواز الإكثار من الصداق، واعترافه بإصابة المرأة وخطئه، وهذا من تواضعه وإنصافه من نفسه وتلقيه للحق ممَّن جاء به من ذكر أو أنثى، وتعظيمه لما جاء عن الله تعالى. وهذا بخلاف حال بعض المفتين في زماننا؛ فإنهم يأنفون من الرجوع عن أخطائهم في الفتاوى، ويرون في ذلك غضاضة عليهم، وهذا أمر خطير جدّاً، ويخشى على فاعله أن يُصاب بالزيغ والضلال؛ لأن الله

стр. 40

تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلوبَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ﴾. فليحذر المصرُّون على أخطائهم في الفتيا من الدخول في عموم هاتين الآيتين. ويجب على المفتين وغيرهم أن يعملوا بقول عمر ﵁ في مراجعة الحق إذا تبيَّن، وترك التمادي في الباطل، ويجب عليهم أيضا أن يقتدوا به في تواضعه وقبوله للحق ممَّن جاء به، واعترافه بخطئه وصواب المرأة التي عارضته بما جاء في القرآن. والدليل على وجوب الأخذ بقول عمر ﵁ والاقتداء بما فعله مع المرأة التي عارضته قول النبي ﷺ : «اقتدوا باللَّذين من بعدي: أبي بكر وعمر»، رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في «المستدرك»؛ من حديث حذيفة بن اليمان ﵄، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن»، وصححه الحاكم والذهبي. وليتأمل الذين يأنفون من الرجوع عن أخطائهم في الفتيا ما ثبت عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز من استهانته برد ما خالف الحق وفسخه له، وأن ذلك يسيرٌ عليه، وليقتدوا به في ذلك؛ فإنه من أئمة الهدى؛ كما وصفه بذلك ابن سيرين، وقال الإمام أحمد: «إن قوله حجة»؛ ذكره ابن كثير وغيره.

стр. 41

فصلٌ في ذكر قصص من قصص المتَّصفين بالإنصاف والرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ . فمن ذلك ما رواه ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: «سأل رجلٌ عليّاً ﵁ عن مسألة؟ فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين! ولكنْ كذا وكذا. فقال عليٌ ﵁: أصبت وأخطأت، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَليمُ﴾. ومن ذلك ما ذكره ابن عبد البر عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي حسين؛ قال: «اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في الحائض تنفر؟ فقال زيد: لا تنفر حتى يكون آخر عهدها الطواف بالبيت، فقال ابن عباس لزيد: سَلْ نُسَيَّاتك (١) أم سليمان وصويحباتها، فذهب زيد، فسألهنَّ، ثم جاء وهو يضحك، فقال: القولُ ما قلت». ومن ذلك ما رواه ابن عبد البر عن عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: «ذاكراتُ عبيد الله بن الحسن القاضي بحديث وهو يومئذٍ قاضٍ، فخالفني فيه، فدخلتُ عليه وعنده الناس سماطين، فقال لي: ذلك الحديث كما قلتَ أنتَ، وأرجع أنا صاغراً». وقد روى هذه القصة الخطيب البغدادي في «تاريخه» بإسناده إلى عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: «كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن، وهو

стр. 42

على القضاء، فلمَّا وضع السرير؛ جلس، وجلس الناس حوله»، قال: «فسألته عن مسألة، فغلط فيها، فقلت: أصلحك الله، القول في هذه المسألة كذا وكذا؛ إلا إني لم أرد هذه، إنما أردت أن أرفعك إلى ما هو أكبر منها، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: إذاً أرجع وأنا صاغر، إذاً أرجع وأنا صاغر؛ لأن أكون ذَنَباً في الحق أحبُّ إليَّ من أن أكون رأساً في الباطل». قال ابن عبد البر: وأخبرني غير واحد عن أبي محمد قاسم بن أصبغ؛ قال: «لما رحلت إلى المشرق؛ نزلت القيروان، فأخذت على بكر بن حماد حديث مسدَّد، ثم رحلت إلى بغداد ولقيتُ الناس، فلما انصرفتُ؛ عدتُ إليه لتمام حديث مسدَّد، فقرأتُ عليه فيه يوماً حديث النبي ﷺ : «أنه قدم عليه قومٌ من مُضر مجتابي النِّمار»، فقال لي: إنَّما هو مجتابي الثمار، فقلت له: إنما مجتابي النِّمار؛ هكذا قرأته على كل من قرأت عليه بالأندلس وبالعراق، فقال لي: بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا! أو نحو هذا، ثم قال لي: قم بنا إلى ذلك الشيخ - لشيخ كان بالمسجد -؛ فإن له بمثل هذا علماً، فقمنا إليه، وسألناه عن ذلك؟ فقال: إنما هو مجتابي النِّمار كما قلتَ، وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشقَّقة جيوبهم أمامهم، والنمار جمع نمرة، فقال بكر بن حماد - وأخذ أنفه -: رغم أنفي للحق، رغم أنفي للحق، وانصرف». ومن ذلك ما جاء في قصة عجيبة في التواضع والاعتراف بالخطأ على رؤوس الملأ، وبالفضل لمن حصل منه التنبيه على الخطأ، وقد ذكر هذه القصة الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه «المسائل الكافية»، فقال ما نصه:

стр. 43

«المسألة السابعة والخمسون»: ينبغي لأهل الفضل أن يقدروا قدر من له قدر، ويعرفوا الفضل لأهله، ولا يبخسوا الناس مقاماتهم، ويترفَّعوا عليهم بالإفك والبهتان، انظر هذه المسألة، وتأمَّل فيها؛ تعرف الفرق بين أهل زماننا وبين من مضى زمنهم. قال العلامة ابن العربي في «أحكامه»: أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة، قال: وصلت الفسطاط، فجئت مجلس أبي الفضل الجوهري، فكان ممَّا قال: إنَّ النبيَّ ﷺ طلق وظاهر وآلى]. فلما خرج؛ تبعته حتى بلغ منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز، وعرفهم غيري؛ فإنه رأى شارة الغربة، فلما انفضَّ عنه أكثرهم؛ قال لي: أراك غريباً، هل لك من كلام؟ قلت: نعم؛ قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه، فقاموا، فقلتُ له: حضرتُ المجلس متبركاً بك، وسمعتُك تقول: «آلى رسول الله ﷺ »، وصدقت، و «طلَّق»، وصدقت، و «ظاهر»، ولم يكن، ولا يصح أن يكون؛ لأن الظهار منكر من القول، وزور، وذلك لا يجوز أن يقع من النبي ﷺ ، فضمَّني إلى نفسه، وقبَّل رأسي، وقال: أنا تائب من ذلك، جزاك الله من معلم خيراً. ثم انقلبتُ عنه، وبكرتُ في الغد إليه، فألفيتُه قد جلس على المنبر، فلما دخلتُ الجامع ورآني؛ ناداني بأعلى صوته: مرحباً بمعلمي، أفسحوا لمعلِّمي، فتطاولت الأعناق إليَّ، وتحدَّقت الأبصار نحوي، وتعرفُني يا أبا بكر «يشير إلى عظيم حيائه؛ فإنه كان إذا سلم عليه أحدٌ أو فاجأه بكلام؛ خجل، واحمرَّ كأن وجهه طلي بجلنار (١)». قال: وتبادر الناس إليَّ يرفعونني على الأيدي، ويتدافعونني، حتى

стр. 44

بلغت المنبر، وأنا لعظيم الحياء، لا أعلم في أي بقعة أنا، والجامع غاصٌّ بأهله، وأسال الحياء بدني عرقاً، وأقبل الشيخ على الخلق، فقال لهم: أنا معلمكم، وهذا معلمي، لمَّا كان بالأمس؛ قلتُ لكم كذا وكذا، فما كان أحدٌ منكم فقه عني ولا ردَّ عليَّ، فاتبعني إلى منزلي، وقال لي كذا، وأعاد ما جرى بيني وبينه، وأنا تائب من قولي بالأمس، راجع عنه إلى الحق، فمَن سمعه ممَّن حضر؛ فلا يعود إليه، ومَن غاب؛ فليبلغه مَن حضر، فجزاه الله خيراً، وجعل يحتفل لي في الدعاء والخلق يؤمِّنون. فانظروا رحمكم الله إلى هذا الدين المتين، والاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملأ، من رجل ظهرت رياسته واشتهرت نفاسته، لغريب مجهول العين، لا يعرف مَن هو ولا من أين، واقتدوا به؛ ترشدوا» انتهى. قلت: ما أعظم الفرق بين ما فعله أبو الفضل الجوهري مع الرجل الذي نبَّهه على خطئه وبين أفعال بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا؛ فإن بعضهم إذا نبَّهه بعض العلماء على خطئه؛ اشمأزَّ، وتحامل على الذي نبهه، ورماه بالجهل والتعصب وغير ذلك مما يرى أنه يشينه، ولا شكَّ أنَّ هذا من الكبر الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «الكبر: بطر الحق، وغمط الناس». «بطر الحق»: رده، و «غمط الناس»: احتقارهم. ومن أعظم ما يُبْتَلى به المرء: إعجابه بنفسه، وترفُّعه على أقرانه وبني جنسه. وقد ذكر ابن عبد البر عن ابن عبدوس: أنه قال: «كلَّما توقَّر العالم، وارتفع؛ كان العجب إليه أسرع؛ إلا مَن عصمه الله بتوفيقه، وطرح حب الرياسة عن نفسه».

стр. 45

وذكر ابن عبد البر عن كعب: أنه قال لرجل رآه يتتبَّع الأحاديث: «اتَّق الله، وارض بالدون من المجلس، ولا تؤذ أحداً؛ فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب؛ ما زادك الله به إلا سفالاً ونقصاناً». وروى ابن عبد البر أيضا عن عمر ﵁: أنه قال: «أخوف ما أخاف عليكم أن تهلكوا فيه ثلاث خلال: شحُّ مطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه». وروى أيضاً عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث مهلكات وثلاث منجيات: فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه، والثلاث المنجيات: تقوى الله في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضى والسخط، والاقتصاد في الغنى والفقر». وذكر ابن عبد البر أيضا عن إبراهيم بن الأشعث؛ قال: «سألت الفضيل بن عياض عن التواضع؟ فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له، ممن سمعته، ولو كان أجهل الناس؛ لزمك أن تقبله منه». وذكر أيضاً عن أبي الدرداء: أنه قال: «علامة الجهل ثلاث: العجب، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه، وأن ينهى عن الشيء ويأتيه». قال ابن عبد البر: «وقالوا: العجب يهدم المحاسن». وعن علَّي ﵁: أنه قال: «الإعجاب آفة الألباب». وقال غيره: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله». وقال الفضيل بن عياض: «ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى وتتبَّع عيوب الناس وكره أن يُذْكَر أحد بخير».

стр. 46

وقال أبو نعيم: «والله؛ ما هلك من هلك إلا بحب الرياسة». قال ابن عبد البر: «ومن بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومَن لم ينصف؛ لم يفهم ولم يتفهَّم». وقال أيضاً: «من أفضل آداب العالم: تواضعه، وترك الإعجاب بعلمه، ونبذ حب الرياسة عنه».

стр. 47

فصلٌ ليعلم المفتي أن الفتوى تتضمَّن القول على الله والتوقيع عنه . وقد وصف ابن القيم المفتين بصفة الموقِّعين عن الله تعالى في كتابه الذي سماه «أعلام الموقعين عن رب العالمين»، وذكر في أول الكتاب أن أول مَن قام بمنصب التوقيع عن الله تعالى رسول الله ﷺ ، فكان يفتي بما أوحاه الله إليه، ثم قام بالفتوى بعده أصحابه ﵃. وقد ذكر ابن القيم عدداً كثيراً منهم ما بين مكثر منهم من الفتوى ومقلّ منها، ثم ذكر المفتين من التابعين ومَن بعدهم من أكابر العلماء والأئمة. ثم ذكر أن السلف من الصحابة والتابعين كانوا يكرهون التسرع في الفتوى، ويودُّ كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعيَّنت عليه؛ بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين، ثم أفتى. وذكر أيضاً أقوال الصحابة والتابعين في التحذير من الفتيا بغير علم إلى أن قال: «وقد حرَّم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها: فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّم رَبيَ الفَواحشَ مَا ظَهَرَ مِنْها ومَا بَطَن والإْثمَ والبَغْيَ بِغَيْر الحَقُ وأَنْ تُشْرِكوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنزل بِه سُلْطاناً وأَنْ تَقولوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمون﴾. فرتَّب المحرَّمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها، وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشد تحريماً منه، وهو الإثم والظلم، ثمَّ ثلَّثَ بما هو أعظم تحريماً منهما، وهو الشرك به سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشدُّ تحريماً من ذلك

стр. 48

كله، وهو القول عليه بغير علم، وهذا يعمُّ القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فتقدَّم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما لم يحزمه: هذا حرام، ولما لم يحلَّه: هذا حلال، وهذا بيانٌ منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلالٌ وهدا حرامٌ؛ إلا بما علم أن الله سبحانه أحلَّه وحرَّمه. وقال بعض السلف: ليتَّق أحدُكم أن يقول: أحلَّ الله كذا، وحرَّم كذا، فيقول الله له: كذبتَ لم أحل كذا، ولم أحرم كذا. فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه: أحلَّه الله وحرَّمه الله؛ لمجرد التقليد أو بالتأويل. وقال ابن وهب: سمعتُ مالكاً يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحداً أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، وما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا ونرى هذا حسناً، وينبغي هذا، ولا نرى هذا. ورواه عنه عتيق بن يعقوب، وزاد: «ولا يقولون: حلالٌ، ولا حرام، أما سمعتَ قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾، الحلال ما أحلَّه الله ورسوله، والحرام ما حرَّمه الله ورسله» انتهى.

стр. 49

وقد ذكر ابن عبد البر قول مالك في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»، ثم قال: «معنى هذا: أن ما أخذ من العلم رأيا واستحساناً؛ لم نقل فيه حلال ولا حرام». قال: «وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل فيسأل عنه فيجتهد فيه رأيه: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾». وروى ابن عبد البر عن عطاء بن السائب؛ قال: قال الربيع بن خثيم: «إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن الله حرَّم هذا أو نهى عنه، فيقول الله: كذبت؛ لم أحرمه ولم أنهَ عنه، أو يقول: إن الله أحلَّ هذا وأمر به، فيقول: كذبت؛ لم أحلَّه ولم آمر به».

стр. 50

فصلٌ في ذكر نماذج من زلات أهل زماننا وأخطائهم في الفتاوى. فمن ذلك الفتيا بحل الربا، وعدم المبالاة بما يترتَّب على ذلك من مخالفة الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الصحابة ﵃، وعدم المبالاة بما جاء من الوعيد الشديد للمرابين ولعنهم وإيذانهم بالحرب من الله ورسوله. ولو كان للمفتين بحلّ الربا أدنى شيء من العقل السليم؛ لما أقدموا على تحليل الربا، وتعرَّضوا للعظائم التي تترتَّب على تحليله. وإنه لينطبق عليهم ما جاء في حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال «حبُّك الشيء يعمي ويصمُّ». رواه: الإمام أحمد، وأبو داود. وينطبق عليهم أيضا ما جاء في حديث أبي مسعود البدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ ممَّا أدرك الناس من كلام النبوَّة الأولى: إذا لم تستح؛ فاصنع ما شئت». رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، وابن ماجه. ومعنى الحديث على أحد الأقوال: أن من لا يمنعه الحياء يقول ويفعل ما يشاء من مساوئ الأقوال والأفعال، ولا يبالي بما يترتَّب على ذلك من الإثم والجرح في العدالة والنقص في الدين. وينطبق عليهم أيضا ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتينَّ على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال: أمن حلال؟ أم من حرام؟».

стр. 51

رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والدارمي. وينطبق عليهم أيضاً ما في حديث عبد الله بن عمرو الذي جاء فيه الإِخبار عن نزع العلم في آخر الزمان، وأنه يبقى ناسٌ جهَّال؛ يُسْتَفْتَوْن، فيفتون برأيهم، فيضلُّون ويُضلون. وقد تقدَّم ذكر الحديث في أثناء الكتاب؛ فليراجع، وليراجع أيضا ما ذكر بعده من حديث ابن مسعود ﵁ الذي جاء فيه أنه يجيء قوم يقيسون الأمور بآرائهم، فيهدم الإسلام ويثلم. وقد تصدَّى للردَّ على المفتين بحل الربا كثير من العلماء في زماننا، وكتبوا في ذلك رسائل وكتباً كثيرة، فجزاهم الله خير الجزاء، وضاعف لهم الثواب. وقد كتبت في هذا الموضوع كتابا سمَّيته: «الصارم البتَّار للإجهاز على مَن خالف الكتاب والسنة والإجماع والآثار»؛ فليراجعه المفتون بتحليل الربا، والمفتونون بأكله؛ ففيه إن شاء الله تعالى كفاية لطالب الحق. وأما الذين لا يبالون باستحلال الربا ومعارضة الحق وردّه؛ فأولئك ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. وينبغي أن يُطبَّق عليهم قول ابن عباس في تفسير قول الله تعالى: «يَا أيَّها الَّذين آمَنُوا اتَّقوا اللهَ وذَروا ما بَقيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ، فإنْ لَمْ تَفْعَلوا فأذَنوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ ورسوله﴾؛ قال: «فمن كان مقيماً على

стр. 52

الربا لا ينزع عنه؛ فحقّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا؛ ضربت عنه». رواه ابن جرير. وقال الحسن وابن سيرين: «والله؛ إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنَّهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل؛ لا ستتابهم، فإن تابوا، وإلا؛ وضع فيهم السلاح». رواه ابن أبي حاتم. فهذا جزاء المرابين في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى. قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فليتأمَّل المفتون بتحليل الربا، والمفتونون بأكله، ما جاء في تحريمه والوعيد عليه من الآيات والأحاديث الكثيرة، ولا يستهينوا بشيء منها، ولا يغرَّنهم الشيطان وأعوان الشيطان بما يأتون به من الشبه والأباطيل والأضاليل والحيل لاستحلال الربا بتسميته فوائد وأرباحاً؛ فإن هذه الحيل لا تزيل عنه اسم الربا وحكمه. وقد روى ابن بطة بإسناد جيّد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، فتستحلُّوا محارم الله بأدنى الحيل». وقد عاقب الله اليهود الذين استحلُّوا المحارم بالحيل بأن مسخهم قردة وخنازير.

стр. 53

فليحذر الذين يستحلُّون الربا وغيره من المحرَّمات بالحيل أن يُصابوا بمثل ما أُصيب به اليهود من المسخ أو يُعاقبوا بغير ذلك من العقوبات الشديدة. وليعلموا أن العقوبة على استحلال الربا ليست مختصَّة بالمستحلّين له، بل إنها قد تتعدَّى إلى غيرهم من أهل بلادهم؛ كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ظهر في قوم الزنى والربا؛ إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله». رواه أبو يعلى، قال المنذري والهيثمي: «إسناده جيد». وعن ابن عباس ﵄ نحوه. رواه الحاكم في «المستدرك»، وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه. وليعلم المرابون أن لهم في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ فرجاً ومخرجاً، فمَن اتَّقى الله تعالى وترك الربا طاعةً لله تعالى؛ فإنه يوشك أن ييسر الله له من الرزق الطيب ما يغنيه. قال الله تعالى: ﴿ومَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرجاً ويَرْزُقْهُ منْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾. قال ابن كثير: «أي: ومن يتَّق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه؛ يجعل له من أمره مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ أي: من جهة لا تخطر بباله». ثم ذكر ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁؛ قال: «جعل رسول الله ﷺ يتلو عليَّ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرجاً ويَرْزُقْهُ

стр. 54

مَنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾، حتى فرغ من الآية، ثم قال: يا أبا ذر! لو أن الناس كلهم أخذوا بها؛ لكفتهم». وليعلم المرابون أيضا أنَّ من ترك شيئاً اتَّقاء الله؛ عوَّضه الله خيراً منه؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي قتادة وأبي الدهماء عن رجل من أهل البادية؛ قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ ، فجعل يعلِّمني مما علَّمه الله ﵎، وقال: «إنَّك لن تدعَ شيئاً اتَّقاء الله ؛ إلا أعطاك الله خيراً منه». قال الهيثمي: «رواه أحمد بأسانيد رجالها رجال الصحيح».

стр. 55

فصلٌ ومن أعظم الزلات وأشدها خطراً ونكاية في المسلمين فتوى بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا بجواز سفور النساء وخلعهن جلباب الحياء. وهذه الزلَّة من أعظم هوادم الإسلام كما لا يخفى على ذوي الإيمان والعقول السليمة، وقد افتتن بها كثير من ضعفاء العقول والدين من الرجال والنساء في زماننا، وجعلها كثير من النساء ذريعة إلى التبرُّج ومخالطة الرجال الأجانب ومجالستهم ومحادثتهم والخلوة معهم في أماكن الريبة والسفر معهم بدون محرم. وقد جاء في عدة أحاديث أن رسول الله ﷺ قال: «لتنقضنَّ عُرى الإسلام عروة عروة». رواه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله في كتاب «السنة»، والطبراني؛ بأسانيد صحيحة. وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه»؛ من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁. ورواه الإمام أحمد أيضاً من حديث فيروز الديلمي ﵁، ورجاله ثقات. ورواه ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر ﵄. ومن عرى الإسلام التي قام بنقضها كثير من ضعفاء العقول والدين في زماننا وقبله بزمان قريب حجاب المرأة عن الرجال الأجانب، وقد تشبَّثوا في هذه الفتيا الجائرة بالشبه وتأويل الآيات والأحاديث على غير تأويلها، فضلُّوا وأضلُّوا، وفتحوا باب التبرُّج والسُّفور على مصراعيه، وجرَّؤوا النساء

стр. 56

على التهتك والأفعال الذميمة التي تقدَّم ذكرها، ولم يبالوا بما يترتَّب على هذه الضلالة من حمل الأوزار والآثام التي تفعلها النساء اللاتي يعتمدن على فتاويهم الباطلة. وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلوا أوْزارَهُمْ كَامِلَة يَوْمَ القِيامَةِ ومِنْ أوْزارِ الَّذينَ يُضلُّونهّمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزرونَ﴾. وثبت عن النبي ﷺ : أنه قال: «مَن دعا إلى هدى؛ كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومَن دعا إلى ضلالة؛ كان عليه من الإثم مثل آثام مَن تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل «السنن»؛ من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». قال النووي: «سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه». وقد تقدَّم في أول الكتاب حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «مَن أُفْتِي بفتيا غير ثَبَت؛ فإنما إثمه على مَن أفتاه». وقد تصدَّى للردِّ على المبيحين للسفور كثيرٌ من العلماء في زماننا، وكتبوا في ذلك رسائل كثيرة، فجزاهم الله خير الجزاء، وضاعف لهم الثواب. ومن أحسن ما رأيته من الردود على المبيحين للسفور والمفتين بجوازه ما جاء في التعليق على صفحتي ٩٣ - ٩٤ من الجزء السادس من «الكامل في التاريخ»؛ فقد ذكر في هذا التعليق قصة عجيبة وقعت في حوادث سنة

стр. 57

ست وثمانين ومئتين للهجرة، وقد ذكرها ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة»، وهي: «أنه حضر مجلس القاضي موسى بن إسحاق قاضي الري وكيل امرأة ادَّعى على زوجها صداقها بخمس مئة دينار، فأنكر الزوج، فقال القاضي: البيِّنة، فأحضرها الوكيل في الوقت، فقالوا: لابدَّ أن ننظر المرأة وهي مسفرة لتصحَّ عندهم معرفتها فتتحقَّق الشهادة، فقال الزوج: فلا بد؟ فقالوا: ولا بد، فقال الزوج: أيها القاضي! عندي الخمس مئة دينار، ولا ينظر هؤلاء إلى امرأتي، فأخبرت بما كان من زوجها، فقالت المرأة: إني أشهد القاضي أني قد وهبت له ذلك وأبرأته منه في الدنيا والآخرة، فقال القاضي: تكتب هذه الواقعة في مكارم الأخلاق» انتهى. قال المعلقون على «الكامل في التاريخ» - وهم نخبة من العلماء -: «انظر أيها العاقل إلى حكم هذا القاضي العادل، كيف جعل منع الرجل زوجته من كشف وجهها أمام الأجانب وإقراره بالمبلغ المدَّعى عليه لذلك من مكارم الأخلاق، ولا شكَّ أن ستر وجه المرأة من الذكور فوق ذلك، وإنه ما حصل الفساد في زماننا هذا وعبث في العائلات الكرام وبيوت الأحرار إلا اختلاط النساء بالذكور، وبابه رفع الحجاب، فلو حجبت النساء عن الرجال لما جاء الاختلاط، ولامتنع الفساد والفجور من الرجال، والتبرُّج والتهتُّك من النساء. وانظر إلى القاضي المسرف المتغالي بحب السفور كيف ألَّف رسائل ونشر مقالات ودعا العالم الإسلامي إلى الخروج عن أحكام الشريعة الإسلامية وعادات أسلافهم أصحاب الغيرة والحميَّة على حريمهم ونسائهم؛ فإن هذا القاضي المتشبِّع بروح أوروبة ابتدع بدعة ضلالة، وفتح

стр. 58

باب شر واسع لا يغلق، فعليه وزره ووزر من عمل بفساده إلى يوم القيامة». انتهى كلام المعلِّقين على القصة العجيبة، ولقد أجادوا وأفادوا، جزاهم الله خير الجزاء وضاعف لهم الثواب. وإن الفرق الشاسع جداً بين هؤلاء المتصفين بالغيرة على نساء المسلمين وبين بعض المنتسبين إلى العلم ممن استزلهم الشيطان وزين لهم القول بجواز السفور وكتابة الرسائل والمقالات في تزيين هذه الضلالة للجهال، وإنه لينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ومن دعا إلى ضلالة؛ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا»، وثبت عنه ﷺ : أنه قال: «من أفتي بفتيا غير ثبت؛ فإنما إثمه على من أفتاه»؛ فلا يأمن القائلون بجواز السفور والذين يكتبون الرسائل والمقالات في الدعوة إلى هذه الضلالة وتزيينها للجهال أن يكون لهم نصيب وافر مما جاء في هذين الحديثين ومما جاء في قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلوا أَوْزارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيِامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذينَ يضِلُّونَهْم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا سَاءَ مَا يَزِرونَ﴾. وقد كان باب السفور مغلقاً منذ زمان رسول الله ﷺ إلى أواخر القرن الثالث عشر من الهجرة، فابتدأ بفتحه سلطان الترك في أواخر القرن المذكور، وكتب بذلك إلى أهل الحرمين فردُّوا عليه وأجمعوا على خلافه. وما زال الشيطان وأولياؤه من الزنادقة وأشباههم من الأدعياء علماً وإسلاماً يدعون إلى ما دعا إليه سلطان الترك من السفور وترك الحجاب، وينشرون المقالات والكتب في الدعوة إلى السفور وتحسينه عند الجهلة الأغبياء، حتى استجاب لهم الفئام بعد الفئام من الجهلة الطغام، الذين

стр. 59

هم أضل سبيلاً من الأنعام، وثبَّت الله آخرين من المسلمين، فما زالوا قوَّامين على نسائهم، آخذين على أيديهن، سالكين معهن منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فهؤلاء ما زالت نساؤهم يحتجبن عن الرجال الأجانب، ويستترن عنهم غاية الاستتار. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في «تفسير سورة النور»: أن سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز. قال: «وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة مختمرة؛ ضربها، وقال أتتشبَّهين بالحرائر أي لكاع؟». وقد ذكر البغوي في «تفسيره» نحو هذا عن عمر ﵁. وقال الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين»: «لم تزل النساء يخرجن منتقبات». وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»، والعيني في «عمدة القاري»: ما ملخصه: أن العمل استمرَّ على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهنَّ الرجال. وحكى النووي في «الروضة» اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه. وحكاه أيضاً ابن رسلان، ونقله عنه الشوكاني في «نيل الأوطار». وذكر ابن المنذر الإجماع على أن المحرمة تغطي رأسها وتستر شعرها وتسدل الثوب على وجهها سدلاً خفيفاً تستتر به عن نظر الرجال الأجانب.

стр. 60

قلت: وهذا يقتضي أن غير المحرمة مثل المحرمة فيما ذكر، بل أولى. وفيما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وزمن خلفائه، وما ذكر غيره من أكابر العلماء الذين ذكرت أقوالهم بعد قوله: أبلغ ردّ على من أفتى بجواز سفور النساء، ولم يبال بمخالفة سنة المؤمنين التي استمر عليها العمل عندهم منذ زمن النبي ﷺ إلى زماننا، ولم يبال أيضا بمخالفة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، ما أعظم الخطر في مخالفة سنة المسلمين وخرق إجماعهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ومَنْ يُشاقِقِ الرَّسولُ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتبِعْ غَيْرَ سَبيلِ المُؤمِنينَ نُوَلِّه مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّم وساءَتْ مصيراً﴾. وقد اعترف بعض عقلاء الإفرنج بما في سفور النساء واختلاطهن بالرجال الأجانب وخلوتهنَّ معهم من المضرَّة. قال محمد رشيد رضا: «حدثني الأمير شكيب أرسلان في جنيف - سويسرة عن طلعت باشا التركي أن عظيم الألمان لما زار الآستانة في أثناء الحرب، ورأى النساء التركيات سافرات متبرجات؛ عذله على ذلك، وذكر له ما فيه من المفاسد الأدبية والمضار الاقتصادية التي تئن منها أوروبا وتعجز عن تلافيها، وقال له: إن لكم وقاية من ذلك كله، ألا وهو الدين الإسلامي، أفتزيلونها بأيديكم؟!». وذكر بعض العلماء عن بعض عظماء الإيطاليين أنه قال لبعض المسلمين: «أحب من دينكم أمرين: أحدهما: تحريم اختلاط الرجال بالنساء، والثاني: تحريم الربا. قلت: وهذا يدل على أنه قد تقرَّر عند عظيم الألمان أن الدين الإسلامي قد جاء بالأمر بالحجاب، والمنع من السفور، الذي تنشأ عنه

стр. 61

المفاسد الأدبيَّة والمضار الاقتصادية، وأن الإيطالي قد تقرر عنده أن الدين الإسلامي قد جاء بتحريم اختلاط النساء بالرجال الأجانب. فهذان النصرانيان أعقل بكثير من أجلاف المسلمين الذين قد تصدَّروا للفتوى بجواز السفور واختلاط النساء بالرجال الأجانب، فتبّاً لمن كان النصارى أعقل منهم وأعلم بما جاء به الإسلام من الأمر بالحجاب والمنع من السفور وتحريم اختلاط النساء بالرجال الأجانب. وقد كتبت في التحذير من التبرج والسفور كتاباً سميته «الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور»، فليراجعه المبيحون للسفور، والمفتونون بفتاوى المبيحين للسفور؛ فقيه كفاية لطالب الحق إن شاء الله تعالى (١).

стр. 62

فصلٌ ومن أعظم الزلات وأشدها خطراً فتوى كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا بجواز التصوير، وعدم مبالاتهم بما يترتَّب على هذه الفتوى من معصية الله تعالى ومعصية رسوله ﷺ ، وذلك بمخالفة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في النهي عن التصوير على وجه العموم، والتشديد فيه على وجه العموم، والأمر بطمس الصور على وجه العموم، ولم يبالوا أيضا بما يترتَّب على هذه الفتوى من الضلال والإضلال للناس. وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلوا أَوْزارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيِامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذينَ يضِلُّونَهْم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرونَ﴾. وثبت عن النبي ﷺ : أنه قال: «مَن أفتي بفتيا غير ثَبَت؛ فإنما إثمه على من أفتاه». رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، والحاكم؛ من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخصيه». فليتأمل المفتون بجواز التصوير ما جاء في الآية الكريم وحديث أبي هريرة الله عنه، ولا يأمنوا أن يكون لهم نصيب وافر من أوزار الذين يعملون بفتاويهم الباطلة وآرائهم الفاسدة. وقد تصدَّى للرد على المفتين بجواز التصوير عدد من أكابر العلماء في زماننا، وكتبوا في ذلك رسائل متعددة، وقد كتبت في الرد عليهم كتابين سميت أحدهما «إعلان النكير على المفتونين بالتصوير»، وسميت الآخر:

стр. 63

«تحريم التصوير والرد على من أباحه»؛ فليراجعهما المبيحون للتصوير والعاملون بأقوال المبيحين للتصوير. وليعلم الجميع أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وأن الرجوع إلى الحق نُبْلٌ وفضيلة، كما أن التمادي في الباطل نقص ورذيلة. وقد روى: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، والحاكم؛ عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطاءين التوَّابون». قال الترمذي: «هذا حديث غريب». وصححه الحاكم، وقال الذهبي في «تلخيصه»: «صحيح على لين». وتقدم في أثناء الكتاب حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال وهو على المنبر: «ويل للمصرِّين الذين يصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون». رواه: الإمام أحمد، وعبد بن حُميد، والبخاري في «الأدب المفرد». وإسناده عند أحمد وعبد بن حميد جيد. وفي هذا الحديث أبلغ تحذير للذين يصرُّون على فتاويهم الباطلة بعد علمهم ببطلانها.

стр. 64

فصلٌ ومن أعظم الزلات الواقعة قديماَ وحديثاً تحليل الغناء والمعازف وعدم المبالاة بما يترتَّب على ذلك من مخالفة الكتاب والسنة وإجماع من يعتدُّ بإجماعهم من أهل العلم. وما أكثر القائلين بحلِّ الغناء والمعازف من الأجلاف المغموصين بالنفاق من أهل زماننا، وقد رأيت ذلك في كتب لهم ومقالات كثيرة. وقد قال الله تعالى: ﴿ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً من اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدي القْومَ الظَّالمِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَن اتَّخذَ إِلهَهُ هَواهُ وأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرهِ غِشاوَةً فمَنْ يَهديهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أفلا تذكَّرون﴾. وقال تعالى: ﴿ومَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرينٌ، وإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونهُمْ عَنِ السَّبيلِ ويَحسَبونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدونَ﴾. وهذه الآيات تنطبق على المتَّبعين لأهوائهم في تحليل الغناء والمعازف والاشتغال بالاستماع إليهما عن ذكر الله تعالى وعبادته. وقد تصَّدى للرد على القائلين بحلِّ الغناء والمعازف كثير من العلماء قديماً وحديثاً، وقد كتبت في ذلك عدة كتب، ومن أشملها وأجمعها للأدلة على تحريم الغناء والمعازف كتاب «فصل الخطاب في الرد على أبي تراب»؛ فليراجع؛ ففيه كفاية لطالب الحق إن شاء الله تعالى.

стр. 65

فصلٌ ومن أعظم الزلات الإفتاء بجواز حلق اللحى وقصها، وعدم المبالاة بما يترتَّب على ذلك من معصية الله تعالى ومعصية رسوله ﷺ ، وعدم المبالاة أيضا بما يترتَّب على ذلك من التشبه بالمجوس وغيرهم من المشركين، وبما يترتَّب على ذلك التشبه بالنساء، وذلك أنك لا ترى شخاً كبيراً يحلق لحيته إلا وترى وجهه يشبه وجوه العجائز من النساء، ولا ترى شاباً يحلق لحيته إلا وترى وجهه يشبه وجوه العذارى، ولو قيل للشيخ الذي يحلق لحيته: يا وجه العجوز! أو قيل للشاب الذي يحلق لحيته: يا وجه البنت! لما رضيا بذلك، ولبادرا إلى الانتقام إن قدرا على ذلك، مع أنَّ كلا منهما قد رضي لنفسه بمشابهة النساء في إزالة الشعر عن الوجه والبعد عن الاتصاف بصفة الرجولة. وإنه لينطبق على الذين يستحسنون حلق اللحى: قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطانُ مَا كَانُوا يَعْمَلونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ رُيَّنَ لَهُ عَمَلِهِ فرآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مّنْ يَشاءُ ويَهْدي مَنْ يَشاءُ فَلا تذْهَبْ نَفَسك عَلَيْهِمْ حَسراتٍ إِنَّ اللهَ عَليمٌ بما يَصْنَعونَ﴾. وقد جعل الله تعالى شعر اللحية جمالاً للرجال، وعلامة فارقة بينهم وبين النساء. وقد قال مجاهد في تفسير قول الله تعالى: ﴿وللرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ قال: «بما يمتاز عليها كاللحية».

стр. 66

وذكر ابن جرير نحو هذا القول عن غير مجاهد. وذكر أبو حيان في الكلام على قول الله تعالى: ﴿الرِّجالُ قوَّامونَ عَلى النَّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾: أن اللحية وكشف الوجوه مما فضَّل الله به الرجال على النساء. وبعض المستحسنين لحلق اللحى من المتصدرين للفتيا بغير ثبت يزعمون أن إعفاء اللحى عادة من العادات التي مَن شاء فعلها ومَن شاء لم يفعلها. وهذا من جهلهم بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ ، وهو ما جاء فيما رواه ابن عمر وأبو هريرة ﵃ عن النبي ﷺ . فأما حديث ابن عمر ﵄؛ فرواه: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي: أن رسول الله ﷺ قال: «أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى». وفي رواية للبخاري ومسلم: أن رسول الله ﷺ قال: «خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى، وأحفوا الشوارب». هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: «خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب، وأوفوا اللحى». وأما حديث أبي هريرة ﵁؛ فرواه مسلم، ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس». ورواه الإمام أحمد مختصرا، ولفظه: «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى».

стр. 67

ورواه البخاري في «التاريخ الكبير» بنحوه. وفي رواية له في «التاريخ الكبير»: أن النبي ﷺ قال: «كانت المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها، فخالفوهم، فجزُّوا شواربكم، وأعفوا لحاكم». ورواه الطبراني بنحو رواية البخاري. والأحاديث في الأمر بإعفاء اللحى وإحفاء الشوارب كثيرة، وفيها أبلغ ردّ على مَن زعم أن إعفاء اللحية عادة من العادات التي مَن شاء فعلها ومَن شاء لم يفعلها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللهُ ورَسولُهُ أَمْراً أَنْ يَكونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ومَنْ يَعْصِ اللهَ ورَسولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبيناً﴾. وقال تعالى: ﴿ومَاَ آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ ومَا نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا واتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَديدُ العِقابِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذيَن يُخالِفونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصيبَهُمْ فتْنَة أَوْ يُصيَبهُمْ عَذابٌ أَليمٌ﴾. وفي هذه الآيات أبلغ ردّ على مَن أعرض عن السنة في إعفاء اللحية، وزعم أن إعفاءها عادة من العادات التي مَن شاء فعلها ومَن شاء لم يفعلها. وفيها أيضا تهديد ووعيدٌ شديد لمَن خالف السنة. وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن قصَّ الشارب وإعفاء اللحية فرض .

стр. 68

وقال ابن عبد البر: «ويحرم حلق اللحية، ولا يفعله إلا المخنَّثون (١) من الرجال». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «يحرم حلق اللحية». وقال أيضا: «إنَّ التشَّبه بالكفار منهيٌّ عنه بالإجماع». وقد كتب العلماء رسائل كثيرة في بيان وجوب إعفاء اللحى وإحفاء الشوارب، فجزاهم الله خيرا الجزاء، وضاعف لهم الثواب، وقد كتبت في هذا الموضوع عدة رسائل، ومن أشملها وأجمعها للأدلة كتاب «دلائل الأثر على تحريم التمثيل بالشعر»؛ فليراجع؛ ففيه كفاية لطالب الحق إن شاء الله تعالى.

стр. 69

فصلٌ ومن زلات المتشبهِّين بالعلماء من ذوي الجهل المركَّب فتياهم بجواز شرب الدخان الخبيث، وقد خفي على هؤلاء الأغبياء ما في شرب الدخان من المفاسد والأضرار العظيمة؛ فهو مضرٌّ بالدين، ومضرٌّ بالعقل، ومضرٌّ بالبدن، ومضرٌّ بالمال، وكل واحد من هذه المضرَّات تقتضي المنع منه وتحريمه على انفرادها؛ فكيف وقد اجتمعت هذه المضرَّات فيه؟! فهذا مما يزيد المنع منه تغليظاً وشدَّة، وقد ذكرتُ ما فيه من المضار الكثيرة في كتابي المسمى بـ «الدلائل الواضحات على تحريم المسكرات والمفترات»؛ فلتراجع هناك؛ فإن العلم بها مهم جداً. ومن أعظم مضارَّه أنه يكون سبباً لسوء الخاتمة، وصرف الميت عن القبلة عند الموت وفي القبر، وقد شوهد هذا من عدد كثير جداً من المصرين على شرب الدخان إلى حين الممات، وشوهد أيضا ما وقع لبعضهم من عذاب القبر، وقد ذكرت في كتاب «الدلائل الواضحات» جملة كثيرة من القصص المزعجة التي وقعت لبعض المصرين على شرب الدخان إلى حين الممات؛ فلتراجع؛ فإن فيها عبرة للمعتبرين، وموعظة لمن أراد الله به الخير والسلامة من عذاب القبر وعذاب النار. وقد كتب العلماء الناصحون رسائل وفتاوى كثيرة في تحريم الدخان وذكر أضراره والتحذير من سوء عاقبته على أهله، وقد ذكرتُ جملة منها في كتاب «الدلائل الواضحات» فلتراجع هناك؛ فإنها مهمَّة جداً. وقد دلَّ الكتاب والسنة على تحريم شرب الدخان، وعلة التحريم أنه خبيث، ومسكر، ومفتر:

стр. 70

فأما الدليل من الكتاب؛ فهو قول الله تعالى في صفة رسوله محمد ﷺ : ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيباتِ ويُحرَّمُ عَلَيْهمُ الخَبائِثَ﴾، والدخان من الخبائث عند كل ذي عقل سليم، ومن أوضح الأدلة على خبثه ما فيه من خبث الرائحة التي تماثل رائحة العذرة أو تزيد عليها بالخبث والنتن. وأما الأدلَّة من السنَّة؛ فهي كثيرة جدّاً: فقد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مسكر حرام»، وقد جاء من الأحاديث في ذلك خمسة وعشرون حديثا. وتواتر أيضا عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن كل مسكر». وقد جاء من الأحاديث في ذلك أحد عشر حديثا. وقد ذكرتُ هذه الأحاديث في كتاب «الدلائل الواضحات»؛ فلتراجع هناك. وقد روى: الإمام أحمد، وأبو داود؛ عن أم سلمة ﵂؛ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتِّر». قال الزين العراقي: «إسناده صحيح». نقله عنه المناوي في «شرح الجامع الصغير»، وصححه أيضا السيوطي في «الجامع الصغير». وقال الشوكاني في بعض فتاواه: «هذا حديث صالح للاحتجاج به»، نقله عنه شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود». وفي هذا الحديث أوضح دليل على تحريم شرب الدخان؛ لأنه من المسكرات والمفترات:

стр. 71

فأما إسكاره؛ فقد ثبت عن بعض الذين يشربونه أنهم سكروا منه، وأخبرني بذلك رجل عن نفسه. وأما تفتيره؛ فهو في المدخنين أكثر من الإسكار، وقد ذكر لنا أن ذلك يحصل لبعض المدخنين إذا شربوا الدخان عند الإفطار من الصيام. وقد ذكر العلماء لتحريم الدخان عللاً كثيرة، وقد ذكرتُها في كتاب «الدلائل الواضحات»؛ فلتراجع هناك. وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: «الذي نرى فيه التحريم لعلتين: إحداهما: حصول الإسكار فيما إذا فقده شاربه مدة ثم شربه وأكثر، وإن لم يحصل إسكار؛ حصل تخدير وتفتير، وروى الإمام أحمد حديثاً مرفوعاً: أنه ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتِّر، والعلة الثانية: أنه منتن، مستخبث عند من لم يعتده، واحتجَّ العلماء بقوله: ﴿ويُحرَّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾، وأما مَن ألفه واعتاده؛ فلا يرى خبثه؛ كالجعل لا يستخبث العذرة» انتهى كلامه. ومن أخبث أنواع الدخان ما يسمى بالجراك والشيشة، وهو أشد نتناً من العذرة، ومع هذا يستلذُّه المفتونون به كما يستلذُّ الجُعل تقليب العذرة بفمه وأنفه، وكما تستلذُّ الجلَّالة أكل العذرة. ومن الخبائث التي يستطيبها كثير من السفهاء الذين أغواهم الشيطان وحبَّب إليهم الفسوق والعصيان مضغ أوراق القات، وما يسمى بالسويكة، ويسمى في البلاد اليمنية البردقان، وهو من مسحوق التبغ، وبعضهم يستعمله نشوقاً، ويسمونه الشمة. وهذه الخبائث يحصل منها التخدير والتفتير لمن يستعملها، وربما

стр. 72

حصل لهم السكر أو بداية السكر، وهو ما يسمونه بالتخزين، وهي داخلة في عموم الآية الدالة على تحريم الخبائث، وفي عموم الأحاديث الدالة على تحريم المسكرات والمفترات. وقد كتب العلماء العارفون بما في هذه الخبائث من المفاسد والمضرَّات رسائل وفتاوى في تحريمها والتحذير منها، وفي الجزء الثاني عشر من «مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمهم الله تعالى» جملة من الفتاوى في تحريمها، وذكر ما فيها من المفاسد والمضرات؛ فلتراجع؛ فإنها مفيدة جداً، وفيها كفاية لطالب الحق إن شاء الله تعالى.

стр. 73

فصلٌ ومن زلات بعض المتثقِّفين بالثقافة الغربية فتياهم بالاعتماد على الحساب في دخول شهر رمضان وخروجه ودخول شهر ذي الحجة، وهذه الفتيا ناشئة عن التكلف ودخول المفتين فيما لا يعنيهم وما لا علم لهم به من الأحكام في الأهلَّة. وما يدري هؤلاء المتكلِّفون أن فتياهم الباطلة قد تضمَّنت أموراً سيئة جدّاً وخطيرة عليهم وعلى مَن يعمل بفتواهم: أولها: محادَّة الله ورسوله ﷺ ، وذلك بمخالفة ما جاء في القرآن والسنة من تعليق المواقيت بالأهلَّة، فجاء هؤلاء المفتونون، فجعلوا المواقيت بالحساب لا بالأهلة، فخالفوا حكم الله وحكم رسوله ﷺ . وقد جاء بيان حكم المواقيت في قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأهلَّة قُلْ هِيَ مَواقيت للنَّاسِ والحَج﴾. قال البغوي في الكلام على هذه الآية: «أي: فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون وعِدد النساء وغيرها» انتهى. وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄؛ قال: «سأل الناس رسول الله عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأهلَّة قُلْ هِيَ مَواقيتُ للنَّاسِ﴾؛ يعلمون بها حلّ دَيْنِهم وعدة نسائهم ووقت حجهم». وروى ابن جرير أيضاً عن قتادة؛ قال: «سألوا نبي الله ﷺ : لِمَ جُعِلتْ هذه الأهلَّة؟ فأنزل الله فيها ما تسمعون: ﴿هِيَ مَواقيتُ للنَّاسِ﴾، فجعلها لصوم المسلمين ولإفطارهم ولمناسكهم وحجهم ولعدة نسائهم

стр. 74

ومحِل دَيْنهم في أشياء، والله أعلم بما يصلح خلقه». وروى أيضا عن الربيع نحو قول قتادة. وروى أيضا عن ابن جريج والسُّدِّي والضحَّاك نحو ذلك مختصراً. وروى أيضاً عن علي ﵁: أنه سُئل عن قوله: ﴿مَواقيتُ للنَّاسِ﴾؟ قال: «هي مواقيت: الشهر هكذا وهكذا وهكذا «وقبض إبهامه»، فإذا رأيتموه؛ فصوموا، وإذا رأيتموه؛ فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم؛ فأتموا ثلاثين». وروى عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي روَّاد عن نافع عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله جعلَ الأهلَّة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم؛ فعدوا له ثلاثين يوماً». إسناده حسن. وقد رواه: ابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك»، والبيهقي في «السنن الكبرى»؛ كلهم من طريق عبد العزيز بن أبي روَّاد عن نافع عن ابن عمر ﵄. وقال الحاكم: «صحيح على شرطهما». وقال الذهبي في «تلخيصه»: «صحيح». وروى: الإمام أحمد، والطبراني في «الكبير»، والدارقطني؛ عن طلق بن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله جعل هذه الأهلَّة مواقيت للناس، فإذا رأيتموه؛ فصوموا، وإذا رأيتموه؛ فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم؛ فأتموا العدة ثلاثين».

стр. 75

وفي الآية التي تقدَّم ذكرها، وما جاء في حديثي ابن عمر وطلق بن علي ﵃ عن النبي ﷺ في بيان معناها، وما جاء عن علي وابن عباس ﵃ وغيرهما من المفسرين في ذلك؛ فيه أبلغ ردّ على من أفتى بالعمل بالحساب في دخول الأشهر وخروجها، ولم يبال بما يترتَّب على ذلك من مخالفة قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ . وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في الأمر بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته وإتمام العدة ثلاثين يوماً إذا لم يُرَ الهلال. وقد ذكرتُ في كتابي المسمى «قواطع الأدلَّة في الرد على مَن عوَّل على الحساب في الأهلَّة» سبعة عشر حديثاً في ذلك؛ فلتراجع؛ فإن فيها أبلغ ردّ على مَن أفتى بالعمل بالحساب، ولم يبال باطِّراح قول الله تعالى وأقوال رسوله ﷺ . الأمر الثاني: من الأمور السيئة الخطيرة: الرغبة عن هدي رسول الله ﷺ وسنته في إثبات الأهلَّة بالرؤية والاعتياض عن ذلك بهدي الأمم الذين يضبطون مواقيت الأهلَّة بالحساب الفلكي، ومَن رغب عن هدي النبي ﷺ في إثبات الأهلة بالرؤية، وأخذ بهدي غيره؛ فقد خاب وخسر. والدليل على هذا قول النبي ﷺ : «مَن رغب عن سنَّتي؛ فليس مني». رواه: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي؛ من حديث أنس بن مالك ﵁. وروى الإمام أحمد أيضا مثله من حديث عبد الله بن عمرو ورجل من الأنصار ﵃.
следующие страницы →