التذكرة في الفقه
«على مذهب الإمام أحمد بن محمد بن حنبل»
تصنيف
أبي الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي
(المتوفى سنة ٥١٣ هـ)
تحقيق وتعليق
الدكتور ناصر بن سعود بن عبد الله السلامة
القاضي بمحكمة عفيف
دار إشبيليا
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ح) نَاصِر بن سعود بن عبد الله السَّلامَة، ١٤٢١ هـ
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
أبي الْوَفَاء الْبَغْدَادِيّ، عَليّ بن عقيل
التَّذْكِرَة فِي الْفِقْه على مَذْهَب الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل / تَحْقِيق نَاصِر بن سعود بن عبد الله السَّلامَة - الرياض
٤٠٨ ص، ١٧ × ٢٤ سم
ردمك: ٥ - ٣٠٧ - ٣٨ - ٩٩٦٠
١ - الْفِقْه الْحَنْبَلِيّ
أ - السَّلامَة، نَاصِر بن سعود بن عبد الله (مُحَقّق)
ب - العنوان
ديوي ٢٥٨.٤ ... ٢٥٣٠/ ٢١
رقم الْإِيدَاع: ٢٥٣٠/ ٢١
ردمك: ٥ - ٣٠٧ - ٣٨ - ٩٩٦٠
حقُوق الطّبع مَحفُوظة لِلمُحقّق
الطّبعَة الأولى
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
دَار إشبيليَا للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - ص. ب: ١٣٣٧١ - الرياض: ١١٤٩٣
هَاتِف: ٤٧٩٤٣٥٤ - ٤٧٤٢٤٥٨ - فاكس: ٤٧٧٣٩٥٩
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو كتاب "التذكرة" في الفقه على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵀ تأليف أبي الوفاء بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي، المتوفى سنة ثلاث عشرة وخمس مئة، وهو كتاب متوسط ليس بالطويل الممل، وليس بالقصير المخل، اقتصر فيه مؤلفه على المذهب الحنبلي في غالب أبوابه، ويذكر أحياناً بعض أقوال المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، وبعض أقوال فقهاء الأمصار، كما في كتاب الفرائض منه، وقد قام المؤلف بذكر الأقوال والروايات في المسألة الواحدة عن الإمام أحمد ﵀ ورجح فيما بينها، ويختار بعضها.
ومما دعاني إلى تحقيق هذا الكتاب والعناية به ما يلي:
أولاً: قيمة الكتاب العلمية، وأهميته في تصحيح الروايات في المذهب الحنبلي.
стр. 4
ثانياً: كون مؤلفه من كبار أئمة الحنابلة وأقواله وترجيحاته معتبرة في المذهب الحنبلي.
ثالثاً: اعتماد من جاء بعده من العلماء على هذا الكتاب ونقلهم منه واعتدادهم بترجيحاته، كما هو واضح في كثير من أبواب كتاب "الإنصاف" للمرداوي.
فلما رأيت ما لهذا الكتاب من أهمية وأنه لم يسبق نشره، رغبت في تحقيقه والتعليق عليه راجياً أن ينفع الله به، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
حرر في عشاء الآخرة يوم الأحد ٢٠/ ١٢/ ١٤٢٠ هـ بمنزلي بمحافظة عفيف.
كتبه الدكتور
ناصر بن سعود بن عبد الله السلامة
القاضي بمحكمة عفيف
стр. 5
ترجمة موجزة للمؤلف
اسمه ونسبه:
هو أبو الوفاء عليُّ بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد الظفري، البغدادي (١).
وذكر ابن أبي يعلي أنه: علي بن محمد بن عقيل (٢).
وذكر الذهبي في "السير" أن اسمه: علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله (٣).
والظفري -بفتح الظاء والفاء- نسبة إلى الظفرية، وهي محلة كبيرة شرقي بغداد (٤).
ولادته:
وُلد ابن عقيل في بغداد في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة (٥).
وقيل: سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة (٦).
وقيل: سنة ثلاثين وأربع مئة (٧).
стр. 6
أسرته:
يقول ابن عقيل عن أسرته: "وأما أهل بيتي، فإن بيت أبي كلهم أرباب أقلام وكتابة، وشعر، وأدب، وكان جدي محمد بن عقيل كاتب حضرة بهاء الدولة، وهو المنشئ لرسالة عَزْل الطائع وتولية القادر، ووالدي أنظر الناس وأحسنهم جزلاً وعلماً، وبيت أمي بيت الزهري، صاحب الكلام والمدرس على مذهب أبي حنيفة" (١).
شيوخه:
لقد تلقى ابن عقيل العلم عن عدد كبير من العلماء في فنون متعددة، وفيما يلي أهم مشايخ ابن عقيل الذين أخذ عنهم وأفاد منهم:
١ - ابنُ شيطا: أبو الفتح عبد الواحد بن الحسين بن أحمد بن عثمان بن شيطا البغدادي، كان من كبار أئمة القراء، ولد ببغداد سنة سبعين وثلاث مئة، وتوفي بها سنة خمسين وأربع مئة (٢).
٢ - ابنُ بَرهان: عبد الواحد بن علي بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم بن بَرهان العكبري، كان من علماء العربية، عالماً بالنحو والتاريخ وأيام العرب، أخذ عنه ابن عقيل الأدب والنحو، مات سنة ستِ وخمسين وأربع مئة (٣).
٣ - أبو بكر الدينوري: ذكر ابن عقيل أنه أخذ عنه الزُّهد (٤).
стр. 7
٤ - أبو منصور ابن زيدان: وقيل: أبو بكر. ذكر ابن عقيل أنه أخذ عنه الزهد (١).
٥ - أبو الوفاء القزويني (٢): وقيل: أبو الحسين القزويني (٣)، وقيل: أبو الحسن، هو علي بن عمر بن محمد بن الحسن الحربي، كان شيخاً لابن عقيل في الزهد، قال ابن عقيل: "شهدتُ جنازته، وكان يوماً لم يُر في الإسلام بعد جنازة أحمد بن حنبل مثله" (٤).
٦ - أبو منصور ابن صاحب الزيادة العطار: هو محمد بن أحمد بن عبيد، المعروف بابن صاحب الزيادة. توفي سنة ثمانٍ وستين وأربع مئة (٥).
٧ - ابن التَّوَّزي: أحمد بن علي بن الحسين بن محمد موسى، أبو الحسين، المعروف بابن التَّوَّزي، كان شيخ ابن عقيل في الحديث، توفي سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة (٦).
٨ - ابنُ بِشران: محمد بن عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران البغدادي، راوي السنن عن الدارقطني. أخذ عنه ابن عقيل الحديث، وكان ثقة، توفي سنة ثمان وأربعين وأربع مئة (٧).
٩ - العُشاري: محمد بن علي بن الفتح بن محمد الحربي البغدادي، كان ثقة ديِّناً، مكثراً من الحديث، أخذ عنه الحديث ابن عقيل وغيره، توفي سنة إحدى وخمسين وأربع مئة (٨).
стр. 8
١٠ - الجوهري: الحسنُ بن علي بن محمد بن الحسن الجوهري البغدادي، كان ثقة، صالحاً، توفي سنة اثنتين -وقيل: أربع- وخمسين وأربع مئة (١).
١١ - ابن شبل: محمد بن الحسين بن عبد الله بن أحمد بن يوسف الشِّبلي، أحد الشعراء المشهورين، كان شيخاً لابن عقيل في الشعر، توفي سنة تلاث وسبعين وأربع مئة (٢).
١٢ - ابن الفضل: علي بن الحسين بن علي بن الفضل، أبو منصور الشاعر، المعروف بَصُرَّدُرّ. كان ممن أخذ ابن عقيل الشعر عنهم، توفي سنة خمس وستين وأربع مئة (٣).
١٣ - أبو الفضل الهمذاني: عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد الهمذانيُّ الفرضي، كان من أئمة الدين وأوعية العلم، وله اليد الطولى في العلوم الشرعية، وانتهت إليه الرئاسة في علم الفرائض والحساب، توفي سنة تسعٍ وثمانين وأربع مئة (٤).
١٤ - ابن العلاف: محمد بن علي بن محمد بن يوسف أبو طاهر، البغدادي، كانت له حلقة في جامع المهدي، ثم من بعده في جامع المنصور، توفي سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة (٥).
١٥ - أبو يعلي ابن الفراء: محمد بن الحسين بن خلف بن أحمد بن الفراء، البغدادي، القاضي، شيخ الحنابلة في وقته. وهو أول من أخذ ابن عقيل
стр. 9
الفقه عنه، توفي سنة ثمانٍ وخمسين وأربع مئة (١).
١٦ - أبو إسحاق الشيرازي: إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الفيروزآبادي، الشافعي، كان مقدَّماً في الأصول والفقه والجدل، توفي سنة ست وسبعين وأربع مئة (٢).
١٧ - ابن الصباغ: عبدُ السَّيِّد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أبو نصر، الشافعي، كان مقدماً ورعاً، تقياً، انتهت إليه رئاسة الشافعية في وقته، توفي سنة سبعٍ وسبعين وأربع مئة (٣).
١٨ - الدَّامغانيُّ: محمد بن علي بن محمد بن الحسين، أبو عبد الله الدامغاني، الحنفي، القاضي، كان عفيفاً، وافر العقل، كامل الفضل، مكرماً لأهل العلم، أخذ عنه ابن عقيل الفقه. توفي سنة ثمانٍ وسبعين وأربع مئة (٤).
١٩ - أبو بكر الخطيب: أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد الخطيب، البغدادي، الحافظ المحدِّث، المؤرخ، صاحب التصانيف الكثيرة، أخذ عنه ابن عقيل الحديث. توفي سنة ثلاثٍ وستين وأربع مئة (٥).
٢٠ - أبو إسحاق الخزاز: إبراهيم بن الحسين بن الخزاز، المقرئ، الزاهد، الصالح، شيخ القراء في وقته، توفي ببغداد سنة تسع وثمانين وأربع مئة (٦).
стр. 10
تلاميذه:
لقد تولى ابن عقيل التدريس سنين طويلة، وأخذ عنه العلم مجموعة كبيرة من أهل العلم، وبرز بعضهم منهم:
١ - ابن ناصر: محمد بن ناصر بن محمد بن علي البغدادي، كان حافظاً ضابطاً ثقة، خبيراً بالجرح والتعديل، توفي سنة خمسين وخمس مئة (١).
٢ - المغازلي: عمر بن ظفر بن حفص المغازلي البغدادي، كان مقرئاً، محدثاً، توفي سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة (٢).
٣ - أبو المعمَّر الأنصاري: المبارك بن أحمد بن عبد العزيز الخزرجي الأنصاري، كان ذا فهم وعلم بالحديث، توفي سنة تسع وأربعين وخمس مئة (٣).
٤ - أبو سعد السمعاني: عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، العالم، الحافظ، البارع، صاحب التصانيف، أحد من أجاز لهم ابن عقيل، توفي سنة ثلاث وستين وخمس مئة (٤).
مكانته العلمية:
لقد برع ابن عقيل في علوم كثيرة وخاصة علم الفقه وأصوله، فأثنى عليه العلماء، ووصفوه بالإمام المجتهد شيخ الإسلام، وهذه بعض أوصافهم له التي تدل على مكانته العلمية:
стр. 11
قال ابن رجب: "كان من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مُفرط الذكاء، متسع الدائرة في العلوم، وكان خبيراً بالكلام، مطلعاً على مذاهب المتكلمين" (١).
وقال ابن الجوزي: "انتهت إليه الرئاسة في الأصول والفروع، وله الخاطر العاطر، والفهم الثاقب، واللباقة، والفطنة البغدادية، والتبريز في المناظرة على الأقران، والتصانيف الكبار" (٢).
وقال الذهبي: "الإمام العلاّمة، البحر، شيخ الحنابلة، المتكلم، صاحب التصانيف. كان يتوقد ذكاء، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير" (٣).
وقال ابن مفلح: "المقرئ، الفقيه، الأصولي، الواعظ، المتكلم، أوحد المجتهدين" (٤).
وقال العليمي: "المقرئ، الفقيه، الأصولي، الواعظ، التكلم، أحد الأعلام، شيخ الإسلام (٥).
وقال ابن العماد الحنبلي: "كان إماماً مبرزاً، كثير العلوم، فائق الذكاء، مكباً على الاشتغال والتصنيف، عديم النظير" (٦).
стр. 12
مؤلفاته:
لقد ألف ابن عقيل في فنون متعددة، وهذا بيانها: (١)
١ - الفنون. وصفه ابن رجب بقوله: "هو كتاب كبير جداً، فيه فوائد جليلة في الوعظ والتفسير، والفقه، والأصلين، والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات، وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره، ونتائج فكره قيدها فيه".
وقال عنه الذهبي في تاريخه: "لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب، حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربع مئة" وقد وجدت قطعة منه في مكتبة باريس وقام جورج المقدسي بطبعها عام ١٩٦٩ م ونشرته دار الشروق ببيروت في مجلدين.
٢ - الفصول في الفقه الحنبلي، ويسمى "كفاية المفتي" ويقع في عشرة مجلدات، وقد وجد منه جزء في المكتبة الظاهرية بمكتبة الأسد بدمشق تحت رقم "٦٣" فقه حنبلي، ويحتوي على كتاب الجهاد، ومنه جزء من مكتبة شستر بيتي بأيرلندا تحت رقم (٥٣٦٩) وله صور بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ومنه جزء بدار الكتب المصرية تحت رقم "١٣" فقه حنبلي.
٣ - الواضح في أصول الفقه. حقق رسائل علمية بكلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وقد طبع بتحقيق الدكتور عبد الله التركي ونشرته مؤسسة الرسالة عام ١٤١٩ هـ.
стр. 13
٤ - التذكرة. وهو كتابنا هذا، وسوف يأتي الحديث عنه.
٥ - عمدة الأدلة.
٦ - المفردات.
٧ - الإرشاد في أصول الدين.
٨ - المنثور في الفقه.
٩ - الإشارة، وهو مجلد لطيف اختصر فيه كتاب "الروايتين والوجهين".
١٠ - الانتصار لأهل الحديث.
١١ - نفي التشبيه.
١٢ - مسألة الحرف والصوت. نشر في مجلة الدراسات الشرقية للمعهد الفرنسي بدمشق سنة ١٩٧١ م بتحقيق جورج المقدسي، وله نسخة خطية بمكتبة الظاهرية بمكتبة الأسد بدمشق تحت رقم "٢٤٥" حديث.
١٣ - الجدل على طريقة الفقهاء. طبع أكثر من مرة.
١٤ - مسائل مشكلة في آيات من القرآن.
١٥ - تهذيب النفس.
١٦ - تفضيل العبادات على نعيم الجنات.
١٧ - المجالس النظريات.
١٨ - رؤوس المسائل في الفقه.
стр. 14
وفاته:
توفي ابن عقيل ﵀ بكرة الجمعة، ثاني عشر من جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة وخمس مئة، وصُليّ عليه في جامعي القصر والمنصور. وكان الإمام عليه في جامع القصر ابن شافع، وكان الجمع يفوت الإحصاء، قال ابن ناصر: حزرتهم بثلاث مئة ألف. ودفن في دكة قبر الإمام أحمد ﵀ (١).
стр. 15
وصف النسخة الخطية
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسخة فريدة لم أقف على غيرها وهي محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم (٨٧) فقه حنبلي، وعدد أوراقها ٢٤٦ ورقة، وناسخها لم يتبين لي اسمه لعدم وضوحه بصورة المخطوط، وتاريخ نسخها ٢٠/ ٧/ ٦٢١ هـ، وقد أصابتها رطوبة أذهبت بعض الأسطر في مواضع متعددة من الكتاب، كما أنه يوجد سقط يسير في بعض الصفحات وترقيمها فيه خلل كبير قمت بإصلاحه.
ويوجد لهذه النسخة صورة على مكروفلم بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وكذلك صورة بمعهد البحوث والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
стр. 16
تحقيق الكتاب
قمت بتحقيق الكتاب على النحو التالي:
١ - نسخت الكتاب مراعياً في ذلك قواعد الإملاء وعلامات الترقيم الحديثة، وذلك بعد ترتيب أوراقه المختلفة، وذلك لأن الترقيم غير سليم.
٢ - عزوت الآيات القرآنية، وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية.
٣ - خرجت الأحاديث النبوية والآثار في كتب السنّة وفي الغالب أذكر الحكم على الحديث إذا لم يكن في الصحيحين.
٤ - شرحت الكلمات الغريبة.
٥ - قمت ببيان الذهب عند الحنابلة في الروايات التي أطلقها المؤلف، وكذلك التي نص على أنها الصحيح من الذهب.
٦ - ختمت الكتاب بفهارس فنية مختلفة.
стр. 17
نماذج من صور المخطوط
стр. 18
التَّذكرَةَ
في الفِقهِ
عَلى مَذهَب الإمَام أحمد بَن محَمَّد بن حَنَبل
تصنيف
أبي الوفَاء عَلي بن عَقيل بن محمّد بنَ عقيل
البغدَادي الحَنبَلي
المتوفى سنة ٥١٣ هـ
تحقيق وَتَعليق:
الدّكتور نَاصِر بن سُعُود بن عَبد الله السَّلَامَة
القَاضِي بمَحكمَة عَفيف
стр. 19
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين [] (١) لأبواب الفقه [] (١) ويسهل حفظه فأجبتك إلى ذلك مؤملاً من الله بلوغ غرضك، وحسن التوفيق في ذلك، وهو ولي ذلك.
كتاب الطهارة
باب المياه
قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٢)
الماء في أصل خلقته طاهر مطهر يزيل الأحداث والأنجاس ما لم يخالطه شيء، وما يخالطه على ثلاثة أضراب: ما يوافقه ﴿٢/ أ﴾ ﴿﴾ (١)
الضرب الثاني: ﴿﴾ (١) المائعات والزعفران ﴿﴾ (١) والجامدات، فإذا غيره سلبه الطهورية فصار الماء لا يرفع حدثاً ولا يزيل نجساً في أصح الروايتين (٣).
الضرب الثالث: ما خالفه في الطهارة والتطهير وهي الأنجاس، فإذا خالطته وهو دون القلتين، أو غيرته وكان قلتين فصاعداً سلبته الطهارة والتطهير.
فصل
فأما ما لا ينفك عن الماء مثل الطحلب وورق الشجر وقرار الماء إذا انفصل
стр. 20
حمأة، والعود ﴿١٤/ ب﴾ التي يجري الماء عليها، كالنفط، والقار، والكبريت فلا يسلب الماء تطهيره، لأنه لا يمكن التحرز منه، ولا حفظ الماء عنه.
فإن نقلت هذه الأشياء عن أماكنها ومعادنها وطرحت في الماء كانت بمثابة الزعفران.
وسائر ما تقدم من المائعات التي لا يجوز الوضوء بها، والجامدات التي لا يجوز التيمم بها تسلب الماء تطهيره.
فصل
فأما الأشياء التي تتماسك عن المخالطة إما لصلابتها كالعود، والعنبر، والكافور، أو لخفتها وقهر الماء لها عن الانتشار، كالدهن، فإذا حصلت في الماء فإن لم يجد ريحها لم تمنع تطهيره، لأنها غير مخالطة لكنها مجاورة، فإن سحقت أو طحنت حتى صارت كالذريرة (١)، أو الدقيق ﴿١٥/ أ﴾ وطرحت في الماء كان حكمها حكم الزعفران والدقيق إذا غيرت إحدى أوصافه أزالت تطهيره
فصل
فأما إذا طبخ في الماء الباقلاء، والحمص، والأرز، والعدس، وما شاكل ذلك من الحبوب لم يجز الوضوء به، ولا إزالة النجاسة به، رواية واحدة، لأنه استحال مرقةً وأدما.
فصل
فإن تغير بالتراب، أو الرمل، أو طين الحُدّ، أو الأطيان كلها على اختلاف ألونها وأنواعها فهو على حكم أصله من طهارته وتطهيره سواء كان
стр. 21
تغيره به وهو قرار له، أو أخذ وطرح في الماء، لأن التراب طهور، والماء طهور، ولهذا يستباح به الصلاة عند عدم الماء.
فصل
والماء الجاري على عضو المتطهر لا يخلو من خمسة أحوال:
إما أن ﴿١٥/ ب﴾ ينفصل عن طهارة حدث فيكون طاهراً في نفسه غير مطهر لغيره لا يرفع حدثاً ولا يزيل نجساً.
أو ينفصل عن تجديد وضوء ففيه روايتان: إحداهما: يكون طاهراً مطهراً، لأنه لم يرفع حدثاً ولا أزال نجساً، ولا تغير بغير طهور. (١)
والثانية: يكون مستعملاً فيزول تطهيره، لأنه انفصل عن تطهير شرعي، فهو كما لو توضئ به، أو ينفصل عن طهارة ندب واستحباب، كغسل الجمعة، والعيدين، والإحرام، وأغسال الحج كلها فيكون على الروايتين المتقدمتين في التجديد.
أو ينفصل عن إزالة نجاسة فتنظر، فإن انفصل قبل إكمال العدد على قولنا باعتباره، أو انفصل بعد أن كمل العدد لكن قبل الحكم بطهارة المحل، أو انفصل بعد العدد ﴿١٦/ أ﴾ وبعد الحكم بطهارة المحل، لكنه انفصل متغيراً فيكون في هذه الأحوال الثلاثة نجساً.
وإن انفصل غير متغير وبعد إكمال العدد والحكم بطهارة المحل فهو على روايتين: إحداهما: إنه نجس، لأن النجاسة التي كانت على المحل قبل الغسلة انفصلت إلى الماء، فصار الماء ناقلاً للنجاسة عن المحل إلى نفسه إذ لا واسطة بينهما.
стр. 22
والثانية: أنه طاهر (١)، لأن البلل الذي بقى في الثوب جزء منه وهو طاهر، فإذا كان بعضه طاهراً كان جميعه طاهراً، وهل يكون مطهراً؟ يحتمل وجهين (٢): أحدهما: أنه طاهر مطهر، لأنه ما لاقى نجاسة لم يحكم بنجاسته بملاقاتها فكان طاهراً مطهراً، كالقلتين إذا حصلت فيها نجاسة ولم تتغير بها، أو من فصل عن استعمال في تبرد وتنظيف، ﴿١٦/ ب﴾ فيكون على حكم أصله من طهارته وتطهيره.
فصل
والماء إذا وردت عليه النجاسة على ضربين: جارٍ، وراكد، فالراكد ضربان: قليل، وكثير، فالقليل ما كان دون القلتين، والكثير ما بلغ القلتين، فإن وردت على القليل نجسته سواء غيرته أو لم تغيره، وإن وردت على الكثير نظرت، فإن غيرته نجس سواء غيرت لونه، أو طعمه، أو ريحه، وإن لم تغير أحد أوصافه كان الماء على حكم أصله طاهراً مطهراً.
فصل
فأما الجاري فإن كانت النجاسة عيناً تسير معه فالجرية التي قبل الجرية التي فيها النجاسة طاهرة، لأنها لم تصل إلى النجاسة، والجرية التي أمامها طاهرة، لأن النجاسة لم تصل ﴿١٧/ أ﴾ إليها، وأما الجرية التي فيها النجاسة فإن كانت قلتين فصاعداً غير متغيرة بالنجاسة فهي طاهرة، وإن كانت متغيرة بها، أو كانت دون القلتين فهي نجسة سواء كانت متغيرة أو غير متغيرة على ما ذكرنا في الماء الراكد، والجرية هي ما تحت النجاسة من الماء وفوقها، وعن يمينها وشمالها.
стр. 23
فصل
فإن كانت النجاسة على جانب النهر والماء يجري عليها فاعتبر كل جارية بنفسها، فإن مرت على النجاسة وهي دون القلتين نجست وانفصلت عنها نجسة، وإن كانت قلتين فصاعداً وتغيرت نجست وانفصلت نجسة أيضاً.
وإن انفصلت غير متغيرة كانت طاهرة.
فصل
فإن كانت كل جرية نجسة واجتمعت في محلة كان الكل نجساً ﴿١٧/ ب﴾ لأن من أصلنا أن النجس إذا انضم إلى نجس لا يحدث بينهما طهارة وإن كثره.
فصل
فإن انفصل الماء عن وهدة في النهر فيها نجاسة نظرت، فإن كان ماء الوهدة دون القلتين، أو كان قلتين لكنه متغير بها نظرت إلى الجرية، فإن كانت دون القلتين انفصلت نجسة، لأن ماء الوهدة كعين نجسه مرت عليها جرية قليلة.
وإن كانت الجرية قلتين نظرت، فإن تغيرت بماء الوهدة فهي نجسة، وإن لم تتغير انفصلت طاهرة.
فصل
في تطهير الماء النجس
وهو على ثلاثة أضرب: أن يكون وفق القلتين، أو زيادة على القلتين، أو دون القلتين، فإن كان وفق القلتين فتطهيره بأحد ثلاثة أشياء: إما أن يكاثر
стр. 24
بقلتين طاهرة فيزول تغيره، أو ينبع ﴿١٨/ أ﴾ فيزيد ذلك القدر فيزول تغيره، أو يترك فيزول تغيره بطول المكث.
فأما إن كان أكثر من قلتين كان تطهيره بأحد الثلاثة المذكورة في وفق القلتين وزيد عليه أن ينزح منه ماء ويبقى منه قلتان غير متغيرة.
فإن كان دون القلتين فلا يطهر إلا بشيء واحد وهو المكاثرة بالقلتين، لأن نجاسته بالقلة لا تزول إلا بالكثرة.
فصل
في الحيوان إذا مات في الماء فلا يخلو إما أن يكون حيوان بحر فجميعه ينجس الماء القليل إذا مات فيه سوى السمك، لأنه طاهر بعد الموت، أو ما لا نفس له سائلة، كالعلوق، والسرطانات.
أو يكون حيوان بر فجميعه لا ينجس إلا القليل إذا حصل فيه، والكثير إذا غير أحد أوصافه ﴿١٨/ ب﴾ إلا الآدمي في إحدى الروايتين، والجراد رواية واحدة، وكل حيوان لا نفس له سائلة كالذباب، والعقرب، والصرر.
فصل
في الماء الذي يشرب منه الحيوان
وذلك على خمسة أضرب: طاهر رواية واحدة، وهو الآدمي والمأكول، وما لا يمكن الاحتراز منه، فالمأكول كالشاة، والبقرة، وما شاكل ذلك، وما لا يمكن الاحتراز منه كالسنور وما دونها في الخلقة.
وما هو نجس رواية واحدة، وهو الكلب والخنزير.
стр. 25
وما في نجاسته روايتان: السباع، والبهائم، وجوارح الطير، إحداهما: إنها طاهرة، والثانية: إنها نجسة. (١)
وما في المشتك في سورها ونجاسته روايتان: وهو الحمار الأهلي، والبغل. وإذا قلنا: إنهما ﴿١٩/ أ﴾ مشكوك فيهما توضأ به وتيمم.
وما له حالتان، وهو الجلال من المأكولات، فسوره نجس قبل الحبس، طاهر بعد الحبس، وسنذكر قدر الحبس في كتاب الأطعمة إن شاء الله
فصل
والآدمي على ضربين: مسلم ومشرك.
فالمسلم طاهر الأواني، والسور، والثياب.
والمشرك على ضربين: كتابي لا يدين بالنجاسات، فهو كالمسلم في طهارة الأواني، والسور، والثياب.
وغير كتابي، وهم المجوس وعبدة الأوثان، فأوانيهم نجسة، فلا تستعمل في طهارة، ولا يتوضأ من أسوارهم، لأن ذبائحهم نجسة.
فصل
والأنجاس تختلف على أربعة أضرب:
ما يعفى عن يسيره رواية واحدة، وهو القيح، والدم، ويسيره ما لم يفحش في ﴿١٩/ ب﴾ النفس.
وما في العفو عن يسيره روايتان: المذي، والمني إذا قلنا: إنه نجس، وبول
стр. 26
الخشاف، وريق البغل، والحمار وعرقهما، وروثهما، ويسير النبيذ.
وما لا يعفى عن يسيره رواية واحدة، وهو ما عدا ذلك من البول، والغائط، وسور الكلب، والخنزير.
وما يجب رشه بالماء دون غسله، وهو بول الغلام الذي لم يتغذ بالطعام.
فصل
ومحال الأنجاس تختلف: ما يجزئ في زوال حكمه للجامد، وهو محل الاستنجاء ما لم يعد المخرج، ولم تكن النجاسة أصابته من غيره. يجزئ فيه الأحجار فقط.
وما فيه روايتان: وهو ﴿﴾ (١) أحدهما: يزول حكمه بالدلك، والثانية: لا يزول إلا بالغسل.
وعنه رواية أخرى: إن كان بولاً أو غائطاً لم يزل إلا بالغسل، وغيرهما يجزئ فيه الدلك.
وما يجب فيه للجامد والمائع متعدداً، وهو ﴿٢٠/ أ﴾ ولوغ الكلب يغسل سبعاً إحداهن بالتراب إذا كان إناءً، أو ثوباً يحتمل التراب.
وما يجب غسله سبعاً بالماء من غير تراب، وهو الثوب الرقيق في أصح الوجهين. (٢)
وما في اعتبار العدد في غسله بالماء روايتان: وهو ما عدا الولوغ من غير تراب في أصح الوجهين.
стр. 27
وما لا يجب فيه إلا المكاثرة بالماء دفعة واحدة، وهي النجاسة على وجه الأرض.
ولا تطهر النجاسة بالاحتراق، ولا تطهر الأرض بالشمس، ولا تطهر الأدهان بالغسل، ولا يطهر مائع بالغسل سوى الزئبق.
فصل
في الإزالة
والإزالة تختلف باختلاف محلها في الغسل، فإن كان ثوباً وجب عصره عقيب كل غسلة، وإن كان إناءً، أو بدناً لم يجب إلا عدد إفاضة الماء عليه، ولا يطهر الثوب إلا بعصره بعد الغسل، وعصر كل ثوب على قدر الإمكان.
﴿١٢/ ب﴾ ﴿﴾ (١)
فصل
في الأواني
الأواني ﴿على ضربين منها﴾ (٢) ما يحرم استعماله، وما يباح، فأما ما يحرم استعماله على ضربين: ما يحرم لعينه، وما يحرم لغيره، فما يحرم لعينه على ضربين: طاهر، كأواني الذهب والفضة، والمضبب بهما.
وما يحرم وينجس، وهو ما كان من جلد الكلب والخنزير، والميتات.
وما يحرم لغيره: المغصوب، وما نجاسته جارية.
стр. 28
فأما أواني الذهب والفضة والوضوء فيها محرم، وفي صحته روايتان (١). والماء ﴿١٣/ أ﴾ ﴿﴾ (٢) فأما ﴿﴾ (٢) ما عدا الذهب والفضة وأما ﴿﴾ (٢) كانت أو فاخرة مثل اللؤلؤ والياقوت فجائز استعمالها والطهارة منها وفيها صحيحة.
فصل
مسنون الطهارة عشرة: غسل الكفين قبل إدخالها الإناء ثلاثاً، والدلك والمبالغة في الاستنشاق، وتخليل اللحية، وتخليل ما بين الأصابع، وغسل الميامين قبل المياسر، والدفعتان العامه لجميع العضو بعد تعميمه ﴿١٣/ ب﴾ بالأولى بين الغسلات، ومسح العنق، وأخذ ماء جديد للأذنين، وغسل داخل العينين.
فصل
ويستعمل السواك على آداب خمسة: أن يكون عرضاً، ولا يستاك طولاً لئلا يجرح عمود أسنانه، ويكون بعرجون يحل، أو خشب زيتون، أو آراك، ولا يصيب سنة السواك بيده ولا بخرقة، ويكون عند كل صلاة إلا الصيام، فإنه يتركه من وقت الزوال لئلا يزول الخلوف الذي هو أثر العبادة.
فصل
وفرائضها عشرة: النية، وهي أن تقصد أحد ثلاثة أشياء: رفع الحدث، أو استباحة الصلاة المفروضة، أو النافلة، أو فعلاً شرط له الوضوء، كالطواف
стр. 29
ومس المصحف، أو شرع له الوضوء في أحد الوجهين.
فإن نوى تجديد الوضوء فبان أنه لم يكن على وضوء. ﴿١٤/ أ﴾
والتسمية قوله: بسم الله.
والمضمضة، وهو حصول الماء في فيه ومجه بعد ذلك.
والاستنشاق، وهو حصول الماء في الأنف ونثره بعد ذلك.
وغسل الوجه وهو محدود طولاً وعرضاً، فالطول من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن، وحده عرضاً من الأذن إلى الأذن، والعارضان من الوجه، وهو ما بين الصدع والأذن
وغسل اليدين إلى المرفقين ويدخلهما في الغسل.
ومسح جميع الرأس في أصح الروايتين (١)، والأخرى يجب أن يمسح منه قدر الناصية.
وغسل الرجلين إلى الكعبين، ويدخل الكعبين في الغسل.
والترتيب، والموالاة.
فثلاثة من هذه العشرة في وجوبها روايتان.
﴿٢/ ب﴾ ﴿﴾ (٢) إثباته في أصح الروايات.
وأما أكل لحم الجزور ينقض على أي حال أكله، ولا شيء عليه شحماً، وكبداً، لأنه موضع استحسان، وغسل الميت.
стр. 30
فصل
في موجبات الغسل، وهي ثمانية أشياء: خروج المني، وانتقاله عن محله المعتاد، والتقاء الختانين، وإسلام الكافر، والطهر من الحيض والنفاس، والولادة إذا تعرت عن دم، وفي غسل الميت الكافر روايتان أصحهما: لا يوجب الغسل (١).
وللمني خمس علامات يعرف بها إن أشكل: دافق ثخن، رائحته كرائحة الطلع أو العجين، تشتد الشهوة بخروجه، وترتخي الأعضاء بعد خروجه، وإذا برد تقطع كالنشاء المغلي، فإن اشتبه عليك بعد أن انفصل فاختبره بالنار، فإن ذاب فهو مني، وإن تخشف فهو بياض المرض، وكان بالقياس وجوب الغسل ﴿٣/ أ﴾ بخروجه من غير السبيل، لأنه خارج معتاد، كالغائط والبول إذا خرج من غير سبيل أوجب الوضوء، لكن تركناه للخبر: "إذا فضخت الماء فاغتسل" والفضخ خروجه على وجه الدفق.
فأما التقاء الختانين فحده تغيب الحشفة في الفرج قبلاً كان أو دبراً فرج آدمية أو بهيمة حية كانت الموطؤة أو ميتة أنزل أو لم ينزل، ويتعلق بذلك أحكام عشرة: وجوب الغسل، والحد، واستقرار المهر، ولحوق النسب، ووجوب العدة، والخروج من الفيئة، وزوال العنة، ووجوب الكفارة في الصوم والحج وإفسادهما، والإباحة للزوج الأول، وحصول الإحصان.
فصل
ويخرج من قبل الرجل أحد عشر شيئاً: المني، والمذي، والودي، والبول ﴿٣/ ب﴾، والدم، والشعر، والحصى، والدود، والريح، والقيح، والصديد، وليس في ذلك ما يوجب الغسل إلا المني، والعشرة توجب الوضوء.
стр. 31
وصفة المذي: ما يخرج عند القبلة والفكر كماء السبستان.
والودي: ماء أبيض يخرج عقيب البول كاللبن.
وما عدا ذلك معروف بنفسه فلذلك أغفلت ذكره.
ويخرج من فرج المرأة هذه الأشياء أجمع، وتزيد على الرجل بالولد، والحيض، والنفاس، وسيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله.
فصل
في صفة الغسل
وله حالتان: حالة كمال، وحالة إجزاء.
فحالة الكمال أن يبدأ بغسل الأذى، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفرغ على رأسه ثلاثاً وعلى يمينه ثلاثاً، وعلى يساره ثلاثاً، ويغسل مغابنه، وهو ما تحت ﴿٤/ أ﴾ ابطه وحالبيه، وغضاريف أذنيه، وأصول شعره، ثم يغسل قدميه في غير مقامه الأول.
وصفة الأجزاء: أن يعم بالماء سائر بدنه ويدخل فيه باطن فمه وأنفه، ويستحب للمرأة أن تحل شعرها لغسل الحيض، وتغسل مجاري الدم بطيب، فإن لم تجد فبطين أو الماء.
فصل
في الاستنجاء
والاستنجاء واجب في الجملة، فإن كان النجو (١) على نفس المخرج فهو
стр. 32
مخير بين تخفيفه بالأحجار أو إزالته بالماء، فإن كان بالأحجار اعتبر الإنقاء بالثلاث، فإن لم ينق بهن زاد حتى ينقي، وإن أنقى بدونهن أكمل الثلاث ولم يقنع بالإنقاء.
وإن كان بالماء فسبع منقية، فإن لم يحصل الإنقاء وجب أن يزيد حتى ينقي ليجتمع العدد والإنقاء.
﴿٤/ ب﴾ فصل
ويعتبر فيما يستجمر به خصال ستة: أن يكون جامداً، طاهراً، منقياً، غير مطعوم، لا حرمة له، ولا متصل بحيوان، ولا يختص ذلك بالحجر بل يقاس عليه الخشب والخرق، وكلما أنقى به في أصح الروايتين (١).
وإذا كان للحجر ثلاث شعب قام مقام الثلاثة أحجار في أصح الروايتين.
فصل
ويشتمل قضاء حاجة الإنسان على آداب شتى: يقدم اليسرى في حال دخوله الخلاء، ويؤخر اليمنى، ويقدم اليمنى حال خروجه، ويغطي رأسه ويعتمد على يسرى رجليه، ويخلع ما عليه اسم الله من خاتم وما شاكله، ولا يرفع رأسه إلى السماء، ولا يكشف عن عورته حتى يقرب من مكان حاجته، ولا يبول في جحر، ولا على موضع صلب، ولا في ماء دائم، ولا تحت شجرة مثمرة، ولا غير مثمرة ﴿٥/ أ﴾، ولا في مشرعة نهر، ولا طريق، ولا يستقبل القبلة بذلك في الصحراء، ويجوز في البنيان، ويقول حال دخوله: أعوذ بالله من الخبث والخبائث النجس الرجس، ومن شر الشيطان الرجيم.
стр. 33
ويقول حال خروجه: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.
فصل
في التيمم
وشروط التيمم لصلاة الوقت: طلب الماء وإعوازه بعد طلبه، أو تعذر استعماله مع وجوده لمرض في بدنه، أو لغلي ثمنه، ودخول الوقت، والنية، ويعينها لصلاة الفرض ولحدث الجنابة، فإن نسي الجنابة وتيمم للحدث لم يجزئه.
وفروضه سبعة أشياء: النية، ويعينها. والتسمية، ومسح الوجه، ومسح اليدين إلى الكوعين، والترتيب، والموالاة.
ويشتمل الجامد المستعمل فيه على ثلاثة أوصاف: ﴿٥/ ب﴾: أن يكون تراباً طاهراً ذا غبار، ولا يجزئ في ذلك الجص والنورة وما أشبهه، وفي الرمل
روايتان (١).
ويجزئ أنواع التراب الأصفر والأحمر.
فصل
ويبطل التيمم بما يبطل به طهارة الماء، وهي السبع المقدم ذكرها، ويبطل أيضاً بالقدرة على استعمال الماء، وبخروج الوقت، ولا فرق بين وجود الماء قبل الإحرام بالصلاة وبعد دخوله فيها، ويبطل بخلع العمامة أو الخفين في حق من تيمم وهما عليه، فأما إن كان لبسهما بعد التيمم لم يبطل التيمم بخلعهما.
стр. 34
باب
المسح على الخفين
ويجوز المسح على أربعة حوائل، ثلاثة منها على وجه الرخصة، وواحد على وجه العزيمة، فحوائل الرخصة: الخفان، والعمامة، والجوربان.
وحائل العزيمة: الجبائر.
ويختلفان في أحكام أربعة، أحدها: أن مسح الرخصة يتقدر بالأيام، للمقيم ﴿٦/ أ﴾ يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ومسح الجبائر لا يتقدر بل يمسح إلى حين حلها.
ويجزئ في تلك مسح البعض، ويجب استيعاب الجبيرة بالمسح. والثالث: يجب أن يتقدم لبس حوائل الرخصة طهارة كاملة، ولا يجب ذلك في الجبيرة على أصح الروايتين.
ويجب أن يكون تلك الثلاثة ساترة لمحل الفرض، ولا يجب ذلك في الجبيرة.
ولا يستبيح المسح على حوائل الرخصة في سفر المعصية، ويستبيح ذلك في الجبيرة.
ويتفقان في إبطال الطهارة بالخلع، وفي اعتبار طهارة العضو قبل الستر في إحدى الروايتين، وفي اعتبار الطهارة والإباحة فلا يجوز أن يكون حوائل الرخصة نجسة، ولا غصباً، وكذلك الجبيرة، ولا يكون حريراً.
стр. 35
كتاب الحيض
﴿٦/ ب﴾ فصل
أقل الحيض يوم وليلة في أصح الروايتين (١)، والثانية بياض يوم، وأكثره خمسة عشر يوماً في أصح الروايتين (٢)، والثانية سبعة عشر يوماً.
وفي أقل الطهر أيضاً روايتان، أحدهما: ثلاثة عشر (٣)، والثانية: خمسة عشر يوماً.
فصل
ويتعلق بالحيض ثلاثة عشر حكماً: يمنع فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصيام، والاعتكاف، واللبث في المسمجد، والطواف، ومس المصحف، وقراءة القرآن، والوطء في الفرج، وصحة الغسل من الجنابة، ويستبرأ به الرحم في العدد، والاستبراء، وتجب الكفارة على الواطئ فيه دينار، أو نصف دينار.
فصل
والمبتدأ بها الدم تجلس يوماً وليلة وتغتسل عقيبه، فإن طبق بها الدم جميع الشهر ففي قدر ما تجلس أربع روايات ﴿٧/ أ﴾ أحدها: أقل الحيض، والثانية: غالب الحيض في عادات نسائها وهي الست والسبع. (٤)
стр. 36
والثالثة: أكثره.
والرابعة: تجلس عادة أقاربها.
وأصحها: أقل الحيض، لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه، فلا تدع الصلاة بالشك.
وغير المبتدأة إذا استحيضت فلا تخلو من أربعة أحوال: أن تكون متميزة، أو معتادة، أولها تميز وعادة، أو ليس لها تميز ولا عادة، فإن كانت لها عادة جلست قدر عادتها، وتغتسل عقيبها وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي.
والمميزة تجلس زمان الدم الأسود، وتغتسل عقيبه، وتتوضأ لوقت كل صلاة.
ومن لها تميز وعادة تقدم العادة على التميز، فتجلس قدر العادة، وإن كان ما بعدها على لون الدم، كما تجلس أيام العادة وإن اختلفت ألوان الدم.
﴿٧/ ب﴾ ومن لا تميز لها ولا عادة وهي الضالة وتسمى المتحيرة في قدر ما تجلس روايتان، إحداهما: يوماً وليلة.
والثانية: ستاً أو سبعاً (١). وهي اختيار شيخنا أبي يعلى ﵁، لقول النبي ﷺ للمستحاضة: "تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما يحضن النساء ويطهرن" (٢).
стр. 37
باب النفاس
ليس لأقل النفاس حد، فلو رأت دفعة من الدم كان نفاساً، وأكثره أربعون يوماً.
وإذا ولدت تؤأمين في بطن واحدة فابتداء النفاس من الأول وانتهاؤه منه في أصح الروايتين. (١)
وإذا طهرت في أثناء الأربعين فالأول نفاس والطهر صحيح، والدم الثاني مشكوك فيه تقضي الصوم إذا صامت فيه احتياطاً.
ولا يكون الدم نفاساً إلا أن يكون عقيب ﴿٨/ أ﴾ ولادة ما يشكل فيه خلق الإنسان، أو قبل ولادته بيوم أو يومين.
стр. 38
كتاب الصلاة
قال الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١).
وقال النبي ﷺ : "ليس بيننا وبينهم إلا ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر". (٢)
والصلوات على أربعة أضرب: فرض على الأعيان، وهي الصلاة المؤقتة والجمعة منها.
وفرض على الكفاية، وهي صلاة العيدين والجنازة.
وسنة راتبة، وهي التابعة للمؤقتة، كركعتي الفجر، والمغرب، وصلاة الكسوف، والاستسقاء.
ونفل يفعله الإنسان، كصوم نفسه كيف أحب. وأفضل أوقات التطوع ما كان جوف الليل بعد الهجوع، وهي الناشئة.
فصل
﴿٨/ ب﴾ فأما الصلوات المؤقتة فلكل واحدة منها وقتان: أول وآخر، فأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، ومعرفة الزوال بزيادة ظل الشخص بعد تناهي قصره، وآخر وقتها إذا صار الظل مثله سوى ما زالت عليه الشمس، ويختلف ما تزول عليه من الاقدام باختلاف الزمان ففي الصيف يقصر الظل، وفي الشتاء يطول، لأن الشمس في جوانب السماء.
وأول وقت العصر إذا زاد على المثل يسيراً، وآخر وقت العصر إذا صار
стр. 39
الظل مثليه، ووقت الضرورة ما لم تغب الشمس، فمتى أحرم بها قبل غيبوبة الشمس كان مؤدياً.
وأول وقت المغرب غيبوبة الشمس، وآخر وقتها ما لم يغب الشفق وهو الحمرة.
وأول وقت عشاء الآخرة آخر وقت المغرب، والوقت مبقى إلى نصف الليل في أصح الروايتين (١)، أعني ﴿٩/ أ﴾ وقت الفضيلة، ووقت الإدراك ما لم يطلع الفجر الثاني.
ووقت صلاة الفجر إذا طلع الفجر الثاني، وآخر وقتها المختار أول الأسفار، ووقت أهل الأعذار ما لم تطلع الشمس، فإن أدرك تحريمها قبل طلوع الشمس فقد أدركها.
والفضيلة عندنا التغليس، وفي كل صلاة أول وقتها أفضل إلا صلاتين: صلاة الظهر في الحر، والعشاء الآخرة في عموم الأزمان.
ويبيح السفر الجمع بين أربع صلوات: بين الظهر والعصر، ويكون مخيراً بين تقديم الأخيرة إلى الأولى، أو تأخير الأولى إلى الثانية، والمغرب والعشاء كذلك، والفجر لا تجمع بما قبلها ولا بما بعدها، لأن وقتها منقطع عن التي قبلها وعن التي بعدها من الصلوات، وبعيد عن ﴿٩/ ب﴾ التي تليها والتي قبلها فلا يشق النزول لها.
وكل صلاة جمعت بالتي قبلها لزمت الأولى منها بإدراك وقت الثانية، وهل تلزم الثانية بإدراك وقت الأولى مع وجود العدد المسقط للثانية؟ على روايتين والناس في الأوقات على أربعة أضرب: من يعلم الوقت يقيناً، وهو
стр. 40
العالم بتسير الشمس ومنازلها، ففرضه اليقين.
وجاهل لا يعرف ذلك، ففرضه التقليد للعالم بذلك.
ومن لا يعلم ولا يجد من يقلده، ففرضه التأخير ليعلم دخول الوقت أو يظن دخوله، ولا يستبيح فعل الصلاة مع الشك في دخول الوقت.
ومن لا يمكنه التوصل إلى اليقين وهو المطمور الذي لا يعلم الليل من النهار، ففرضه التحري والتأخير بجهده ليعلم أو يغلب على ظنه دخول الوقت، ﴿١٠/ أ﴾ فإن وافقت صلاته ما قبل الوقت أعاد.
فصل
في الأذان
الأذان فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين، وليس بشرط في الصلاة، والصلوات على أربعة أضرب: صلاة شرع لها الأذان والإقامة، وهي صلاة الوقت المؤداة.
وما شرع لها الإقامة دون الأذان، وهي الفائتة من الفوائت، والثانية من صلاتي الجَمع.
وما شرع لها الدعاء إلى الصلاة مثل قوله: الصلاة جامعة. وهي صلاة العيدين، والكسوف، والاستسقاء.
وصلاة لم يشرع لها أذان ولا إقامة ولا دعاء، وهي صلاة الجنازة والتراويح.
وهي خمسة عشر كلمة: التكبير في أوله أربعاً، والشهادتان أربعاً،