← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17373

مسائل في الفتن

فيصل آل صبحان

Полный текст (64 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مسائل في الفتن تأليف أبي عبد الله فيصل بن حيان آل صبحان مؤسسة الريان

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد: فإن الله تعالى بعث رسوله بالهدى ودين الحق، ووصفه في كتابه بالرحمة والرأفة وتمام الحرص والشفقة فقال سبحانه: ﴿وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين﴾ وقال جل شأنه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾، ولما كانت هذه هي صفته ﷺ كما وصفه بذلك ربه سبحانه، فإنه ﷺ ما ترك خيرا يعلمه إلا دل الأمة عليه،

стр. 3

وأمرهم به، ولا شرا إلا حذرهم منه، ونفرهم عنه، حتى ترك الأمة ﵊ على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك. ألا وإن من تلك الأمور التي حذر منها ﷺ أشد التحذير وبينها أتم البيان: الفتن وما يتعلق بها. وما ذلك إلا لأن الفتن مؤثرة على الدين والأنفس والأموال والأعراض. فكان التحذير منها أشد من غيرها والأحاديث فيها أكثر. والناس في هذا الزمان قد تكاثرت عليهم الفتن، وتفتحت عليهم أبوابها، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فكثر كلامهم فيها؛ بالحق تارة، وبالباطل أخرى، وبالدليل والبرهان مرة، وبالجهل والهوى مرة أخرى، فوقعوا في تعارض الآراء واختلاف الأهواء، فزادت الفتن واضطرب الناس. وإذا كان الواجب على من تكلم في أي باب من أبواب العلم أن يتكلم بعلم، ويزين كلامه بالحلم؛ فإن باب الفتن أولى وأحرى لما يترتب عليه من الأحوال والأفعال والتصرفات، العامة والخاصة. فلازم على كل من تكلم في هذا الباب ونظر فيه: أن يتتبع ما ورد فيه في الكتاب والسنة، وما ورد فيه عن سلف الأمة، حتى يقع على الدليل، ويرى كيف يكون العمل والتنزيل. وهذه الرسالة إنما هي محاولة لتأصيل هذا الباب، بالنظر فيما جاء فيه من النصوص والآثار، ومواقف السلف الأبرار، حتى تتضح المسألة ويبين الحق إن شاء الله. هذا وقد رتبتها على مسائل ليكون ذلك أنشط للقارئ، وأروح لنفسه وفكره، ولم أكثر الكلام فيها- وإن كان مجال القول في بعضها يطول - خشية الإملال. ومما يحسن بي في هذه المقدمة أن أنبه على أمور: أولها: أنه ليس مقصودي في هذه الرسالة جمع ما ورد في كل فتنة من

стр. 4

الفتن كما هو الشأن في الكتب المؤلفة في ذلك، وإنما المقصود بهذه الرسالة النظر في هذه الفتن من حيث هي فتن واستنباط شيء من فقهها من خلال نصوصها، ولذا فهذه الرسالة عامة في جميع الفتن. الثاني: في ترتيب هذه المسائل؛ إذ قد يرى البعض أن الأفضل لو غير ترتيب بعض المسائل تقديما وتأخيرا، ولا ضير في ذلك إن شاء الله إذ المقصود بيان كيفية التعامل مع الفتن علما وعملا. الثالث: أنه قد يلاحظ في أثناء الرسالة التركيز على فتنة الاقتتال بين المسلمين أكثر من غيرها، وما ذلك إلا لخطورتها وما يترتب عليها، مع ما قد يقع في نفوس البعض من التساهل فيها، بدعوى الغيرة على الدين، أو التنافس على الدنيا. وأخيرا: أسأل الله تعالى أن يقيني وإخواني المسلمين شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يهب لنا منه نورا وهدى ورحمة تكشف لنا المتشابه، فإنه لا حول ولا قوة لنا إلا به، وأسأله جل وعلا أن يعز دينه وأن يعلي كلمته، وأن ينصر عباده الموحدين في كل مكان، إنه ولي ذلك والقادر عليه ..... والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتبه: أبو عبد الله: فيصل بن حيان بن مانع آل صبحان.

стр. 5

المسألة الأولى: أن الفتن واقعة في أمة محمد ﷺ قدرا وكونا، لابد من ذلك رضي الناس أم لم يرضوا، فقد أخبر بذلك رسول الله ﷺ وإخباره لابد واقع كما أخبر. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. من تشّرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذ فليعذ به). فأخبر ﷺ بكون الفتن في الأمة ولابد من ذلك. وفي الصحيحين أيضا من حديث حذيفة ﵁ قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: قلت: أنا. قال: إنك لجريء كيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فقال عمر: ليس هذا أريد إنما أريد التي تموج كموج البحر. قال: فقلت: مالك ولها يا أمير المؤمنين، أن بينك وبينها بابا مغلقا. قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: لا بل يكسر. قال: ذلك حري أن لا يغلق أبدا. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة، إني أحدثه حديثا ليس بالأغاليط. قال شقيق: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب؟ فقلنا: لمسروق سله، فسأله؛ فقال: عمر.

стр. 6

ففهمنا من هذا الحديث أن باب الفتن إذا فتح لا يغلق، فتكثر الفتن وتختلف الأمور ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. والأحاديث الدالة على لزوم وقوع الفتن في هذه الأمة كثيرة جدا ولعله يمر علينا في أثناء الرسالة طرفا منها. فإذا علمنا هذا وتيقناه ـ وهو أن الفتن واقعة لا محالة: فلا بد من الاستعداد لها بالعلم والعمل جميعا: أما العلم: فلأنه سيقل ويرفع كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود وأبي موسى ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (إن بين يدي الساعة لأياما: ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج؛ والهرج القتل). و سبب قلة العلم في آخر الزمان أمور: أولها: موت العلماء الذين هم حملته وأهله كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس؛ ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا). الثاني: زهد الناس في العلم النافع وانصرافهم عنه وان كان موجودا. كما هو مشاهد في زماننا هذا من عزوف كثير من الناس عن العلم الشرعي، ورغبتهم عنه وعن معاهده وكلياته. الثالث: ترك العمل به. والتحاكم إلى غيره، عن زياد بن لبيد ﵁ قال: ذكر النبي ﷺ شيئا فقال: (ذاك أوان ذهاب العلم) قلت: يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: (ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما) أخرجه ابن ماجة

стр. 7

فإذا كان الأمر كذلك وجب على اللبيب العاقل التزود منه قبل ذهابه .......... والله المستعان وأما العمل: فلأمره ﷺ بالمبادرة به قبل الفتن: ففي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمن ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا). وفيه أيضا عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بادروا بالأعمال ستا: الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم). وإنما أمرنا رسول الله ﷺ بالمبادرة إلى الأعمال قبل الفتن -والله أعلم _ لأمور: أولها: أن الإنسان وقت الفتن يشغل بنفسه وأهله فلا يحصل له من الوقت ما كان يحصل له فبل الفتن. الثاني: أنه قد لا يمكن من العمل وقت الفتن، بل قد يمنع منه إما بقتل أو سجن أو تعذيب أو تشريد أو نحو ذلك .... فالمبادرة قبل المصادرة. الثالث: انشغال القلب هما وتفكيرا، فيقل الخشوع والعمل. (والفرق بين هذا الوجه والوجه الأول: أن الأول انشغال عمل بطلب رزق وحفظ نفس ومال ونحو ذلك، وهذا انشغال عقل وتفكير). الرابع: لالتباس الحق بالباطل واختلاط الأمور في الفتن، فلا يدري الإنسان أين الحق فيتبعه، وأين الباطل فيجتنبه. فالموفق من وفقه الله للعلم النافع والعمل الصالح ..... جعلنا الله من أولئك.

стр. 8

المسألة الثانية: إذا علمنا أن الفتن لابد واقعة في أمة محمد ﷺ فينبغي أن يعلم أنها كثيرة جدا لا يمكن حصرها .. فعن أسامة بن زيد ﵁ قال: أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة فقال: (هل ترون ما أرى؟) قالوا: لا. قال: (فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر) متفق عليه واللفظ للبخاري. وفي البخاري عن أم سلمة ﵂ قالت: استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعا يقول: (سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات _ يريد أزواجه _ لكي يصلين، رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة). فدل ما تقدم على كثرة الفتن حتى شبهت بالقطر من السماء، ومعلوم أن القطر لايحصيه إلاّ الذي أنزله. فإذا كان الأمر كذلك وأن الفتن كثيرة جدا فليعلم العبد أنه إن أخطأته فتنة .. لم يكد يسلم من الأخرى، فلينج بنفسه وليحذر. وقد تقدم في الحديث: (من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به). فالعاقل يوطن نفسه على الهرب منها واجتنابها .. والأحمق الأخرق هو الذي يرفع لها رأسه فيوشك أن تقطعه. وعلى ما تقدم: فلا يزال العبد في مجاهدة وصبر لكثرة الفتن واستمرارها .. والله المستعان.

стр. 9

المسألة الثالثة: أن الفتن متفاوتة منها الصغير ومنها الكبير، ومنها الخاص ومنها العام: دليل ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي إدريس الخولاني ﵀ أنه كان يقول: قال حذيفة بن اليمان: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله ﷺ أسر إلي في ذلك شيئا لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله ﷺ وهو يعد الفتن: (منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار) قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري. وقد قدمنا في المسألة (الأولى) حديث حذيفة ﵁ لما سأله عمر عن الفتن فبين له أولا الفتن الخاصة بالإنسان في أهله وماله وولده وجاره، ثم سأله عن الفتنة العامة التي تموج كما يموج البحر فأخبره بها. وفي مصنف ابن أبي شيبة (٨/ ٦٧٢) والسنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني (١/ ٢٨٤) عن طاووس بن كيسان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال لما قتل عثمان بن عفان ﵁: (إنما هذه حيصة من حيصات الفتن وبقيت الرداح المطبقة التي من ماج بها ماجت به ومن أشرف لها استشرفت له) والرداح المطبقة هي الثقيلة العظيمة العامة.

стр. 10

- فإذا علم ذلك: فإن لكل نوع من أنواع الفتن فقها خاصا به: تعاملا وعلما، فليس الصبر في الفتن الكبار كالصبر في الفتن الصغار وهكذا .. - وأيضا: فإن الفتن تقدر بقدرها .. فلا تصغر الكبيرة حتى يستهين بها الناس، ولا تكبر الصغيرة حتى ييأس الناس منها ... ولا تعمم الخاصة فيفتن الناس بها ولا تخصص العامة فتخذل الأمة. في كتاب (السنة) للخلاّل (١/ ١٣٢) عن أبي الحارث الصائغ قال: سألت أبا عبد الله ـ يعني الإمام أحمد ـ في أمر كان حدث في بغداد وهمّ قوم بالخروج، فقلت: يا أبا عبد الله! ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم؟ فأنكر ذلك عليهم وجعل يقول: سبحان الله! الدماء، الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يسفك فيها الدماء ويستباح فيها الأموال، وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه - يعني أيام الفتنة؟ قلت: والناس اليوم أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟ قال: وإن كان، فإنما هي فتنة خاصة فإذا وقع السيف عمت الفتنة، وانقطعت السبل. الصبر على هذا ويسلم لك دينك خير لك، ورأيته ينكر الخروج على الأئمة وقال: الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به. فانظر إلى فقه الإمام أحمد ﵀ وكيف كان يقدر الفتن بقدرها. وهذا التقدير للفتن باب علم يفتحه الله لأهل البصائر من عباده .. فيقولون الحق ويهدون إليه .. فإذا أغفل هذا الجانب وقع الزلل. وعلى هذا الباب أيضا يكون العمل عند دفع الفتن إذا تعارضت، إذ تدفع الأعلى منهما بالأدنى، والكبرى بالصغرى، والعامة بالخاصة وهكذا. ... والله المستعان.

стр. 11

المسألة الرابعة: أن من الفتن ما يخرج من الملة ومنها مالا يخرج منها، فهي متفاوتة: دليل ذلك قوله ﷺ : (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا). - والكفر في هذا الحديث كما قال العلماء قد يراد به الكفر الأصغر ككفر النعمة، وقد يراد به الكفر الأكبر كاستحلال المحرم كما نقل الترمذي في سننه عن الحسن البصري ﵀ أنه كان يقول في هذا الحديث المتقدم: يصبح الرجل محرما لدم أخيه وعرضه وماله ويمسي مستحلا له، ويمسي محرما لدم أخيه وعرضه وماله، ويصبح مستحلا له). - ومن الفتن المكفرة التي ابتليت بها الأمة في فترة من فتراتها؛ فتنة القول بخلق القرآن، لولا أن قيض الله لها من أنصار دينه وحماة شرعه من جعلهم سدا في وجه تلك الفتنة وعلى رأسهم إمام أهل السنة: أحمد بن حنبل .. فلله الحمد والمنة. - لكن ينبغي التنبيه على ثلاثة أمور مهمة جدا: أولها: أن الحكم على الفتنة بأنها مكفرة أم لا؛ إنما هو للعلماء الربانيين الذين يصدرون عن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .. وليس الحكم فيها للأهواء والرغبات.

стр. 12

وفي هذا سد لباب عظيم من الشر قد ينتج عنه من الفتن إضعاف ما ينتج عن الفتنة المنظور إليها. الثاني: تنزيل الحكم على الأشخاص إنما هو لأهل العلم الراسخين فيه؛ إذ إن إطلاق الحكم على المعين لابد فيه من معرفة الشروط والموانع ... وهذا إنما يكون لأهل العلم، ولا سبيل لأحد أن يتقدم عليهم فيه لما في ذلك من الخطر العظيم والبلاء الجسيم. الثالث: أن المشاركين في الفتن ليسوا على وزان واحد: جرما وإثما وحكما؛ فرؤوس أهل الفتن ليسوا كالأتباع، والقعدة فيها ليسوا كالمشاة، والمشاة فيها ليسوا كالسعاة ... وهكذا. وقد تقدم معنا حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه؛ فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به) متفق عليه. وفي صحيح مسلم عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنها ستكون فتن القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه). قال: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت من لم تكن له أبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: (يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ قال: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: (يبؤ بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار). - وإنما كان الأمر كذلك: لأن جهد أهل الفتن مختلف، ووقعهم فيها متفاوت؛ فالقاعد غالبا ـ ما لم يكن من رؤوس أهلها ـ أضعف عملا من الماشي، والماشي أضعف من الساعي وهكذا. (هذا أولاً).

стр. 13

وثانيا: لأنه قد يشارك فيها من ليس من أهلها كالمكره ونحوه. - وعليه: فتعميم الحكم على جميع من شارك في فتنة من الفتن؛ خطأ كبير لا يكون من عالم عارف بأحوال الناس. ولا يعكر على هذا ما ورد في بعض النصوص من إهلاك بعض أهل الفتن مهلكا واحدا، رغم أن فيهم من ليس منهم ـ كالجيش الذي يؤم البيت ـ كما في حديث عائشة ﵂ في الصحيح وغيره، فإن النبي ﷺ قد بيّن في نفس الحديث أنه وإن شاركهم في عقوبة الله إلاّ أنه يخالفهم يوم القيامة فقال لمّا سئل عن المكره: (يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيّته). - فإذا علمنا ذلك كله وتيقناه: تيقنا خطر المخاطرة في الفتن .. وعلمنا أنها مزلة أقدام ومضلة أفهام ... والله المستعان.

стр. 14

المسألة الخامسة: أن الحق واضح جلي لا لبس فيه ولا خفاء حتى في أوقات الفتن. يدل على ذلك أن النبي ﷺ أمرنا بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأخبر أن النجاة فيهما أبدا؛ ولو كانت الفتن مما يخفى على الأمة الحق فيها لما صح التمسك بهما حينئذ لأنه لا فائدة في ذلك. ومما يدل على ذلك أيضا: أحاديث الطائفة المنصورة ـ وستأتي بعد قليل إن شاء الله ـ ووجه الدلالة منها: أن هذه الطائفة لا تزال مستمسكة بالحق على مر الزمان، ولو كان الحق خفيا لما اهتدت إليه وتمسكت به. - ومرادنا بقولنا (أن الحق لا خفاء به): أي أنه لا يخفى على جميع الأمة، بل إذا خفي أو التبس على أناس ولو كانوا من أهل العلم فلا بد أن يكون واضحا جليا عند طائفة أخرى، وهذا أيضا ما تدل عليه أحاديث الطائفة المنصورة المشار إليها. - فإن قيل فما سبب خفاء الحق على من خفي عليه؟ فالجواب: سبب ذلك إما: جهل بالحق (قلة العلم)، أو تقصير في طلبه والسؤال عنه، أو ضعف في أهله ... والله أعلم.

стр. 15

المسألة السادسة: وهي مبنية على ما تقدم وهي: أنه لا تزال طائفة من أمة محمد ﷺ على الحق ظاهرة منصورة .. لا يضرها من خذلها ولا من خالفها حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة منها: ما في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حيى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون). وفي صحيح مسلم وغيره من حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك). - ففهمنا من هذه الأحاديث أمورا: أولها: أنها طائفة وليست الأمة كلها. الثاني: أنها على الحق وليست على الباطل. الثالث: أنها ظاهرة: أي عالية رفيعة معلومة غير مختفية. الرابع: أنها منصورة على أعدائها مهما اشتد بلاؤهم. الخامس: أنها محفوظة بحفظ الله تعالى لا يضرها من خذلها ولا من خالفها، والخذلان يكون ممن يتوقع منه النصرة، والمخالفة: تكون من الأعداء، ورغم اجتماع البلاءين عليها إلا إنها ظاهرة منصورة محفوظة ((فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين)).

стр. 16

وهذه الطائفة كما قال العلماء: يجوز أن تكون متعددة من أنواع الأمة: ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومفسر ومحدث وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، ولا يلزم اجتماعهم ببلد واحد. فإذا زالت هذه الطائفة زال معها الحق، وعندها تقوم الساعة، ولا تقوم إلا على شرار الخلق. - وعليه: فتنزيل أحاديث الطائفة المنصورة على فئة معينة من الأمة دون غيرها خطأ؛ لما يترتب على ذلك من تجهيل الآخرين والتقليل من شأنهم رغم أنهم قد يكونون من هذه الطائفة المعنية في الأحاديث. - فإن قال قائل: فما تقولون فيما ورد عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال عن هذه الطائفة: (إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم)، فإنه ﵀ قد حصر هذه الطائفة في أهل الحديث دون غيرهم. فالجواب: هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين بين المراد بأهل الحديث فقال كما في مجموع الفتاوى (٤/ ٩٥): (ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرا وباطنا، واتباعه باطنا وظاهرا وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء: محبة القرآن والحديث والبحث عنهما وعن معانيهما والعمل بما علموه من موجبهما، ففقهاء الحديث أخبر بالرسول ﷺ من فقهاء غيرهم، وصوفيتهم أتبع للرسول ﷺ من صوفية غيرهم، وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم، وعامتهم أحق بموالاة الرسول ﷺ من غيرهم). اهـ. فبان من كلامه ﵀ أن أهل الحديث طائفة تحوي أنواعا من الأمة، فمنهم العالم والمجاهد والعابد والحاكم بل والعامي أيضا، وهذا موافق لما نقلناه عن غيره من أهل العلم كما في أول المسألة. والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 17

المسألة السابعة: أن الفتن مرتع خصب لأهل الأهواء والبدع لنشر أهوائهم وبدعهم وتلبيسها على الناس وذلك لأمور: الأول: اختلاط الأمور وقت الفتن وعدم تميزها. الثاني: لقلة العلم في الفتن وغلبة الجهل. الثالث: للتسرع الذي يحصل عند الناس في وقت الفتن. وعليه: فينبغي على العبد الموفق ألا ينجرف وراء كل دعوى .. ولا يتبع كل صارخ .. فإن فعل فهو الهلكة والخسران. - ولذا كان من وصاياه ﵊: (خذ ما تعرف ودع ما تنكر) .. وبه يتبين فضل العلم وخصوصا وقت الفتن، وأنه من أعظم الأسباب المنجية منها كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 18

المسألة الثامنة: أن بعض البلاد أكثر فتنا من غيرها وأشد: دليل ذلك ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: (ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرنا الشيطان). وفي البخاري عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا) قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ قال: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا) قالوا يا رسول الله: وفي نجدنا؟ قال: (هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان). فبان بذلك أن المشرق أكثر فتنا من غيره وأشد. - وأيضا: فإن بعض البلاد محفوظة من بعض الفتن الكبار - كمكة والمدينة - فإنهما محفوظتان من الدجال والطاعون: أما الدجال: فالأحاديث في تحريم مكة والمدينة عليه كثيرة منها: ١. ما في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس من بلد إلاّ سيطؤه الدجال، إلاّ مكة والمدينة وليس نقب من أنقابها إلاّ عليه الملائكة صافين تحرسها فينزل السبخة فترجف الدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل كافر ومنافق). ٢. وفي صحيح مسلم في حديث الجساسة الطويل الذي رواه تميم الداري ﵁ وفيه أن الدجال قال: (وإني مخبركم عني إني أنا المسيح

стр. 19

الدجال، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها ..) الحديث. وأما الطاعون: فلما أخرجه البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال). وفيه أيضا عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله). - وظاهر هذه الأحاديث أن الحفظ من الطاعون خاص بالمدينة دون مكة؛ لكن ورد عند عمر بن شبة في كتاب (مكة) كما نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ١٩١ك الطب) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: (المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة على كل نقب منهما ملك، لا يدخلهما الدجال ولا الطاعون) قال الحافظ: رجاله رجال الصحيح. - وهذه البلاد المحفوظة من بعض الفتن أو القليلة فيها الفتن ـ سبب حفظها إما: • لظهور الدين فيها وانتشار العلم بين أهلها، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام) أخرجه الحاكم وصححه الألباني في فضائل الشام (١٥). • وإما لتقييض الله تعالى لها من يحفظها من غير أهلها: كالملائكة لمكة والمدينة عند خروج الدجال، كما تقدم في الأحاديث. إذا علم ذلك: علم تفاضل البلدان في هذا الجانب، وكلما كان البلد أقل فتنا؛ كان أكثر خيرا في العموم لأمور:

стр. 20

أولها: لظهور الدين فيه ... وتمسك أهله به في الغالب. الثاني: لاجتماع الناس فيه لقلة الفتن. الثالث: لأمن الناس فيه على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم. وينبني على ما تقدم أيضا: أن سكنى البلاد التي تقل فيها الفتن أفضل من سكنى غيرها: دليل ذلك ما في الصحيحين من حديث سفيان بن أبي زهير ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. وتفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون). وعن عبد الله بن عمر بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم وتقذرهم نفس الرحمن وتحشرهم النار مع القردة والخنازير) أخرجه أبو داود وحسنه الألباني بشواهده في فضائل الشام (٨٢). - لكن ينبغي التذكير هنا بقول سلمان الفارسي ﵁ لأبي الدرداء ﵁: (إن الأرض المقدسة لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الإنسان عمله) رواه مالك في الموطأ ك القضاء. وعليه أيضا: فإنه يلزم في البلاد التي تكثر فيها الفتن من الاستعداد لها علما وعملا أكثر مما يلزم في غيرها ـ ولئن كان ذلك لازم في جميع البلدان إلا إنه في تلك الأقطار ألزم .... والله أعلم.

стр. 21

المسالة التاسعة: أن بعض الأزمنة أكثر فتنا من بعضها الآخر ..... فقرن الصحابة ﵃ أقل فتنا من غيره، لاسيما عصر الخليفتين الراشدين - أبي بكر وعمر ﵄، حيث كان عمر أحد الأبواب الموصدة في وجه الفتن حتى كسر ﵁ بقتله فزادت الفتن وانتشرت. وعليه: فان الفتن في آخر الزمان أكثر وأشد من أوله .. دليل ذلك ما في البخاري عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك ﵁ فشكونا إليه ما نلقى من الحَجّاج فقال: (اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلاّ والذي بعده أشد منه، حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم ﷺ ). وعند الطبراني عن ابن مسعود ﵃ بسند صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٢٣) أنه قال: (أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة) وروى الخلاّل في (السنة/ ٩٣) بسنده عن معاذ بن جبل ﵁ قال: إنكم لن تروا من الدنيا إلاّ بلاء وفتنة، ولن يزداد الأمر إلاّ بلاء وشدة، ولن تروا من الأئمة إلاّ غلظة، ولن تروا أمرا يهولكم ويشتد عليكم إلاّ حضره بعده ما هو أشد منه، أكثر أمير وشر تأمير) قال الإمام أحمد ﵀: اللهم رضينا. - وإنما كان الأمر كذلك والله أعلم لأمور: أولها: قلة العلم كما مر معنا في أول الرسالة.

стр. 22

الثاني: انتشار الجهل كما مر أيضًا. الثالث: قبض العلماء والصالحين كما في الصحيح عن مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "يذهب الصالحون الأول فالأول حتى يبقى مثل حثالة التمر والشعير لا يبالي الله بهم" أخرجه البخاري ك الرقاق الرابع: تغير الناس وفسادهم: حيث ترفع الأمانة والخشوع وتظهر الخيانة والكذب كما في حديث عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: "إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " قال عمران فلا أدري أقال رسول الله ﷺ بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن " الخامس: لقرب قيام الساعة، ولا تقوم إلا على شرار الخلق. ... والله أعلم

стр. 23

المسألة العاشرة: وهي من أعظم المسائل في هذه الرسالة وأهمها: أن السنة قد بينت لنا بعض الفتن زماناً ومكاناً ... كثرة وقلة. - فمن ذلك حديث حذيفة المتقدم في مجلس عمر: ففهم منه أن بداية الفتن الكبرى هو موت عمر، وهذا تحديد للزمان. - وفي المسند وسنن أبي داود وابن ماجة عن عبد الله بن بسر أن رسول الله ﷺ قال: " بين الملحمة وفتح المدينة ـ أي القسطنطينية - ست سنين ويخرج المسيح الدجال في السابعة"- وهذا أيضاً توقيت وتحديد بالسنين- - وما ورد في تحديد المكان حديث ابن عمر ﵄ في صحيحه أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول "ألا إن الفتنة ههنا، ألا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان" ومنه ما ورد في حديث خروج الدجال كما في الصحيح عنه ﵊ أنه قال: "أنه خارج خله بين الشام والعراق " وغيرها من الأحاديث كثير. - وعلى ما تقدم فالفتن (استقراء) على أربعة أقسام لا غير: القسم الأول/ ما بين فيه النبي ﷺ زمن الفتنة ومكانها. القسم الثاني/ ما بين لنا ﷺ فيه زمن الفتنة دون مكانها. القسم الثالث/ عكسه وهو مابَيّن لنافيه المكان دون الزمان.

стр. 24

القسم الرابع/ ما لم يبين زمانه ولا مكانه وهو الأكثر. - فأما القسم الأول وهو: ما بين لنا فيه المكان والزمان، فيجب الإيمان به كما ورد محددا؛ إذ إن النبي ﷺ لا يقول إلا حقا وصدقا. - وأما القسم الثاني: فيجب التسليم فيه بما ورد من تحديد الزمان دون تحديد مكانه لما سيأتي بعد قليل إن شاء الله تعالى. - وأما القسم الثالث: فكالذي قبله يسلم فيه بما ورد من تحديد المكان دون تحديد الزمان لما سيأتي أيضا. - وأما القسم الرابع والأخير: فيجب الإيمان به كما ورد؛ ولا يجوز لأحد كائنا من كان أن يحدد فيه زمانا ولا مكانا لأمور: أولها: أن من ادعى ذلك وحدد الزمان والمكان ... فقد تقول على الله بغير علم، وتدخل فيما هو من خصائص الله: علم الغيب .. وهذه الأمور غيب لا يجوز الخوض فيها إلا بدليل .. وما لم يرد دليل: فلنؤمن ولنصدق ونقف حيث وقف بنا النص .. الثاني: أن في تحديد أزمنة وأمكنة الفتن التي لم يحدد زمانها ولا مكانها إثارة للفتن وزيادة لها .. بل لربما تسبب ذلك في أحداث فتن جديدة ليست هي المقصودة في النص ٠ الثالث: أن تحديد ذلك قد يؤدي إلى تكذيب الله ورسوله .. وخصوصًا من الجهال والطغام .. خاصةً إذا وقع الأمر خلاف ما أخبر به ذلك المحدد فيقع اللبس ويحدث الشك .. ولربما كُذِّب الله ورسوله، والإثم على المتجرئ ٠ - وعليه: فتوسع بعض الناس لاسيما من الدعاة وطلبة العلم في الرؤى والأحلام .. وتحديد بعض ما يصيب الأمة .. من الأمور والفتن، ونشر ذلك بين الناس ... بل (وللأسف) مع الجزم به جزمًا تامًا .. جهل عظيم، وخطأ جسيم ٠ - ولا يظنن ظان أننا ممن ينكر الرؤى ... ويرد حديث المصطفى ﷺ في

стр. 25

أنها جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة، وأنها من المبشرات، معاذ الله من ذلك. - لكنها تبقى - من غير الأنبياء - ظنونا عرضة للصواب والخطأ: من الرائي والمعبر ... فالرؤى يستأنس بها ويستبشر دون أن يجزم ويقرر وصدق إمام أهل السنة (أحمد بن حنبل) حين قال: (الرؤيا تسر المؤمن ولا تغرّه) ....... والله أعلم.

стр. 26

المسألة الحادية عشرة: أن الفتن الكبيرة العظيمة التي تعم الأمة وتؤثر فيها تأثيراً بالغاً .. قد وصفها رسول الله ﷺ وصفاً تاماً لا خفاء فيه ولا لبس .. - كالدجال مثلاً: فإن النبي ﷺ وصفه في أكثر من حديث في الصحيحين وغيرهما وصفاً دقيقاً .. فوصف هيأته، وسبب خروجه، ومن أين يخرج، ومن معه، وما معه، وكم يبقى، وأين يذهب، وكيف يفتن الناس، ومن يقتله ... إلى غير ذلك. - وكذا المهدي .. فقد بين لنا النبي ﷺ أمره أتم بيان حتى لا يلتبس على أحد من الناس .. فذكر لنا نسبه، وحاله، وزهده، وكرمه، آية ظهوره. - وإنما كان ذلك من صاحب الشرع درءاً للفتن .. وتبصيراً للناس .. وقطعاً لأهواء أهل الأهواء .. ولو تأمل المتأمل في بعض الفتن التي وقعت في الأمة لوجد أن السبب فيها هو عدم فهم هذا الأمر .. وعدم الالتفات إليه .. -فالمهدي مثلاً .. لما جهل عامة الناس أمره .. سهل على المستغلين الاستغلال .. فكم ادعى من دعي أنه المهدي، فوقعت بسببه المحن واضطربت الأمور .. وحرّف الشرع، وبدل الدين، وما (غلام أحمد القادياني) منا ببعيد، وقبله الحاكم بأمر (الشيطان) العبيدي، وقبلهم جميعاً المختار بن أبي عبيد الثقفي .. والله المستعان.

стр. 27

ومما يؤسف له: رواج بعض الشائعات والأوهام عن المهدي وغيره عند بعض الصالحين، ومن يتوسم فيهم الخير، رغم أن المأمول فيهم أن يكونوا من أهل البصر والبصيرة .. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، والسبب في ذلك العجلة والتسرع وعدم الرجوع إلى أهل العلم، مع ما يرونه من غلبة الكفار، وانتشار المنكرات، وجور السلطان ... والله أعلم.

стр. 28

المسألة الثانية عشرة: أن العبادة في الفتن أفضل من العبادة في غيرها، دليل ذلك ما ورد في صحيح مسلم عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (العبادة في الهرج كهجرة إليّ). فجعل لزوم العبادة في الهرج ـ الذي هو القتل كما في الأحاديث الأخرى ـ كهجرة إليه ﵊، و السبب في ذلك والله أعلم: أولا: أن الناس في وقت الفتن ينشغلون عن العبادة فلا يتفرغ لها إلاّ الأفذاذ من الناس كما قال الإمام النووي ﵀. الثاني: أن العابد في وقت الفتن يؤدي العبادة وهو في حال خوف من تلف نفس وضياع مال وذهاب حرمة فلذا كانت عبادته أفضل من غيره ممن لا يخاف ذلك. ولهذا فرق الله تعالى في كتابه بين من أنفق من قبل الفتح وقاتل؛ ومن أنفق من بعده وقاتل فقال: ((لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير)) وما ذلك إلا لأن الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا فعلوا ذلك في وقت خوف وقلة، بخلاف من فعل ذلك بعد الفتح، فإنهم وإن كانوا موعودين بالحسنى إلا أنهم أنفقوا وقاتلوا بعد عزة الإسلام وقوة أهله. الثالث: أن لزوم العبادة وقت الفتن دليل على صدق صاحبها مع الله

стр. 29

وإخلاصه له وقوة صبره ومصابرته، وإيثاره ما عند ربه. وما تفاضل الناس في الدنيا والآخرة إلاّ بالصدق مع الله والصبر على بلائه. والله المستعان.

стр. 30

المسألة الثالثة عشرة: أنه يرخص في الفتن مالا يرخص في غيرها ، وذلك لأن الفتن سبب في اختلال الأمور، وتغير الأحوال. فمما يرخص فيها: أولاً / جواز تمني الموت، وذلك لما رواه الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ وفيه: ((إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ..)) الحديث وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: (١/ ٢٩٠/ ٤٠٨). وله أيضا من حديث معاذ ﵁ نحوه وقال: هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. وعن عليم قال: كنا جلوسا على سطح معنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال يزيد: لا أعلمه إلاّ عبسا الغفاري، والناس يخرجون في الطاعون فقال عبس: يا طاعون خذني ثلاثا، فقال له عُليم: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله ﷺ : ((لا يتمن أحدكم الموت، فإنه عند انقطاع عمله ولا يرد فيستعتب)) فقال إني سمعت النبي ﷺ يقول: بادروا بالموت ستا، إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوا يتخذون القرآن مزامير يقدمونه يغنيهم وإن كان أقلهم فقها)) أخرجه الإمام أحمد في مسنده وصححه الألباني في الصحيحة (٢/ ٦٧٢/ ٩٧٩).

стр. 31

وقد حمل الإمام مالك دعاء عمر ﵁: (اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي؛ فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط) الذي رواه عنه في موطئه على ما ذكرت فقال كما في الجامع لابن أبي زيد (١٨٢): (ولا أرى عمر دعا على نفسه بالشهادة إلا أنه خاف التحول من الفتن وقد كان يحب البقاء في الدنيا) كل ذلك دال على جواز الدعاء على النفس بالموت عند الخوف على الدين ... والله أعلم. الثاني / مما يجوز في وقت الفتن: اعتزال الناس، والانقطاع عنهم في البوادي ونحوها .. حفظا للدين وصيانة للمهج كما قدمنا. دليل ذلك ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يوشك أن يكون خير ما المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن). وفي صحيح مسلم من حديث أبي بكرة ﵁ وقد تقدم في المسالة الرابعة وفيه: (ألا فإذا نزلت أوقعت ـ أي الفتن ـ فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه ...) الحديث. وعند الإمام أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن كرز الخزاعي قال: أتى النبي ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله! هل للإسلام منتهى؟ قال: (نعم من أراد الله به خيرا من عجم أو عرب أدخله عليه، ثم تقع فتن كالظلل يعود فيها الناس أساود صُبّاً يضرب بعضهم رقاب بعض، فأفضل الناس يومئذ مؤمن معتزل في شعب من الشعاب يتقي ربه ويدع الناس من شره). - ولأجل ما تقدم بوب البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الفتن بابا فقال: (باب التعرب في الفتنة)، وله في كتاب الإيمان: (باب من الدين الفرار من الفتن)

стр. 32

وسئل الإمام أحمد ﵀ كما في الآداب الشرعية لابن مفلح (٤/ ١١٩) عن العزلة فقال: إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزلها الرجل حيث شاء فأما ما لم يكن فتنة فالأمصار خير. الثالث: مما يجوز وقت الفتن: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاشتغال بخاصة النفس. دليل ذلك ما سبق من الأحاديث المرخصة في العزلة، وعند أبي داوود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني أنه سُأل عن قول الله تعالى: ((عليكم أنفسكم ..)) فقال للسائل: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: ((بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك يعني بنفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله)) وفي رواية قال: يا رسول الله! أجر خمسين منهم؟ قال: ((أجر خمسين منكم)). فجعل النبي ﷺ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غاية ينتهى إليها وهي: غلبة الشح على الناس، واتباعهم للهوى وإيثارهم للدنيا، وإعجاب كل واحد منهم بنفسه. فعندها يجوز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاشتغال بخاصة النفس. ومما يدل على أصل هذه الرخصة أيضا ما رواه أبو داوود في سننه ـ وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠٥)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: بينما نحن حول رسول الله ﷺ إذ ذكر الفتنة فقال: ((إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم وخفت أمانتهم، وكانوا هكذا)) ـ وشبك بين أصابعه ـ قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: ((الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العوام)). - فإن قيل: فهل الرخصة شاملة لجميع مراتب الأمر بالمعروف والنهي

стр. 33

عن المنكر، الواردة في حديث أبي سعيد مرفوعا: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان))؟ فالجواب: أن الرخصة إنما هي في المرتبتين الأوليين ـ الإنكار باليد واللسان ـ، أما مرتبة الإنكار القلبي فلابد منها؛ وذلك لأن الكراهة القلبية للمنكر، أو المحبة القلبية للمعروف أمر باطن لا إكراه فيه، ولا أذى يترتب على المرء منه، لخفائه وعدم ظهوره، فتبقى هذه المرتبة قائمة ما دام في القلب إيمان. - فإن قال قائل: فما الفائدة من هذه المرتبة التي سماها النبي ﷺ أضعف الإيمان، مع أن المعروف لاينتشر إلاّ بالقول أو العمل، والمنكر لا ينحسر إلا كذلك؟ فالجواب: أن الأعمال القلبية هي أصل الأعمال البدنية الحسية وأساسها، فإذا بقي القلب منكرا للمنكر؛ بقي حيا لبقاء النور الذي يميز به بين الحق والباطل، ومتى لم يكن القلب كذلك أصبح المعروف والمنكر بالنسبة إليه سواء فلا يعرف معروفا ولاينكر منكرا، ولذا ورد في الحديث ـ كما في الصحيح من حديث حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر: أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه)) فبان بهذا عظم هذه المرتبة من الإنكار، ولماذا قال بعدها النبي ﷺ : ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)). كل ما تقدم ذكره من الرخص يدل أوضح الدلالة: على يسر الإسلام وسماحته، ورفقه بأهله، وانتفاء الحرج عنه كما قال تعالى: ((ما جعل عليكم في الدين من حرج)).

стр. 34

ويدل أيضا: على أصل الإسلام في التباعد عن الفتن، وعدم تكثير سواد أهلها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وعلى ما سبق فلا يصح الإنكار على من ترخص بشيء من تلك الرخص التي ذكرت، ولا التضييق عليه بسببها. وقبل ختم المسألة يحسن بنا التنبيه على أمرين مهمين: الأول / أن ما ذكرناه في هذه المسألة إنما هو رخصة شرعية مقدّرة بقدرها، لكن لو صبر الإنسان وصابر على العبادة والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعلم والتعليم، فإن ذلك خير له، وله أجر ما يصيبه من الأذى والبلاء، وقد تقدم معنا في المسألة (الثالثة عشرة) قول النبي ﷺ : ((العبادة في الهرج كهجرة إليّ)) أخرجه مسلم. الثاني / أننا قد قدمنا في المسألة (الثالثة) اختلاف الفتن صغرا وكبرا خصوصا وعموما، وبنينا عليه هناك: أن لكل فتنة نظرا خاصا بها، وعليه هنا: فإن هذه الرخص أيضا يختلف الأمر فيها من فتنة إلي أخرى، بل ومن شخص إلى آخر .... والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 35

المسألة الرابعة عشرة: أنه يجوز التحدث بما ثبت من أحاديث الفتن في المجالس مع الناس لا غضاضة في ذلك ولا حرج ... دليل ذلك: - أولا / أن النبي ﷺ كان يحدث أصحابه ببعض أحاديث الفتن وهم جماعات في المساجد والمجالس كما في حديث حذيفة ﵁ المتقدم وفيه: أن حذيفة قال: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، ومالي ألا أن يكون رسول الله ﷺ أسر إليّ في ذلك شيئا لم يحدثه غيري؛ ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن ... الحديث. وكما في حديث الجساسة أيضا عند مسلم: أن النبي ﷺ أمر الناس بعد صلاة صلاها أن يلزم كل واحد منهم مصلاّه، ثم بين لهم لم جمعهم. - ثانيا / فعل الصحابة ﵃ كما في حديث حذيفة ﵁ في مجلس عمر لما سألهم عن الفتن. كل ذلك دال على جواز التحديث بأحاديث الفتن بين الناس. - لكن يستثنى من ذلك ثلاث حالات: الأولى: إذا خاف الإنسان على نفسه.

стр. 36

دليل ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته؛ قطع هذا البلعوم. وعند الحاكم وصححه وأقره الذهبي عن أبي الطفيل قال: انطلقت أنا وعمرو بن ضليع إلى حذيفة بن اليمان، وعنده سماطان من الناس، فقلنا: يا حذيفة! أدركت ما لم ندرك، وعلمت ما لم نعلم، وسمعت ما لم نسمع، فحدثنا بشيء لعل الله أن ينفعنا به فقال: لو حدثتكم بكل ما سمعت ما انتظرتم بي الليل القريب. وقال لخيثمة بن عبد الرحمن لما طلب منه ذلك: (لو فعلت لرجمتموني). الثانية: إذا خشي ألا يفهم من أمامه، فيثير عنده شبهة لم تكن في حسبانه. دليل ذلك: ما قاله علي ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله) وقال ابن مسعود ﵁: (ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه أفهامهم إلاّ كان لبعضهم فتنة). الثالثة: إذا كان المتحدث بها ليس أهلا للتحديث؛ إما لقلة علمه بصحيح الأخبار وسقيمها، وإما لقلة فهمه لها؛ مما يؤدي إلى خبطه فيها خبط عشواء، وتنزيلها على غير أهلها. - فإن قيل: فما الفائدة من تحديث الناس بذلك؟ فالجواب: ليتعلموا، وليأخذوا حذرهم، وليكون ذلك سببا في تقليل الفتن، إذ إن الدفع أسهل من الرفع. وبذلك كله تظهر شفقة النبي ﷺ على أمته وإرشاده لهم إلى ما ينفعهم، وصدق الله القائل: ((وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين)). والله أعلم ....

стр. 37

المسألة الخامسة عشرة: أن كثيرا مما يروى في الفتن والملاحم من الأحاديث والآثار ضعيف أو موضوع لا يحتج به، ولذا ورد عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: ثلاث علوم لا إسناد لها ـ وفي لفظ: ليس لها أصل: التفسير والمغازي والملاحم. وهذا واضح جلي لمن قرأ في الكتب التي ألفت في هذا الباب خاصة ـ ككتاب: (الفتن) لنعيم بن حماد الخزاعي ﵀ ثم عرض ما فيها من الأحاديث والآثار على كلام أهل الشأن من العلماء. فإن قال قائل: فإذا كان الأمر كما قلت، فلماذا رواها هؤلاء الأجلة ﵏ وأودعوها مصنفاتهم؟ أليس في هذا تضليل للأمة، وغش لأهلها؟ فالجواب: أن من عادة سلفنا رحمهم الله تعالى أن يرووا في كتبهم ما أرادوا ذكره بأسانيدهم .. لينظر فيها من يقرأ كتبهم ممن جاء بعدهم ثم يحكم عليها بما يليق بها صحة وضعفا .. وكثير من كتب الإسلام قائمة على ما ذكرت .. فالجمع والتأليف شيء، والتمحيص ومن ثم العمل شيء آخر. إذا: فلا غش ولا تضليل، وإنما الغش والتضليل ممن يذكر تلك الآثار والنصوص في كتابه بلا خُطُم ولا أزمة، كالبعير الشارد، ويسوقها مساق الأحاديث المسلم بها بحجة أنه وجدها في كتاب فلان، وينزلها على الأزمان والأشخاص، فيغر الجاهل بها، ويشغل العالم بالرد عليه وعليها.

стр. 38

فإن قيل: أفلا يجوز الترخص في رواية هذه الأحاديث، وبثها في الناس، لأنها لا تتعلق بشيء من الحلال والحرام؟ قيل لا يجوز ذلك لأمرين: أولهما: أن تلك النصوص التي يراد الترخيص في روايتها ونشرها مع ضعفها وإن كانت لا تتعلق بالحلال والحرام؛ إلاّ أنها تتعلق بأمور عامة بالأمة، يترتب عليها من الأحكام والأحوال بل والأفعال مالا يعلمه إلاّ الله تعالى، فإذا ذكرت ونشرت وقعت بسببها محن وزلازل، وفتن وقلاقل .. وليس الناس كلهم علماء يعرفون، ولا عقلاء يكفّون، بل كثير منهم همج رعاع، يسمعون فيصدقون. الثاني: أن كثيرا مما تخبر به أمثال هذه النصوص: أمور مستقبلية غيبية لا يعلمها إلا الله تعالى، فالخوض فيها اعتمادا على مثل تلك الروايات غير جائز شرعا، إذ هو من التخرص والظنون والرجم بالغيب .. والله المستعان. فإذا كان الأمر كذلك: بان لنا خطورة الاعتماد على مثل تلك النصوص، ومن ثم العمل بها، ونشرها بين الناس. تنبيهات: أولها: لا يعني ما قدمناه في هذه المسألة أن الفتن والملاحم لم يثبت فيها شيء عن نبينا ﷺ ، كلا .. بل قد ثبت فيها الكثير الطيب عنه ﵊ مما هو موجود في دواوين الإسلام المشهورة المعروفة، والتي تداولها العلماء دراسة وتمحيصا، وشرحا وتخريجا والحمد لله. الثاني: أنه كما تساهل قوم في الأخذ بكل ما هب ودرج مما يروى في الفتن والملاحم، غلا قوم في الرد والجفا حتى أنكروا ما صح عن رسول الله ﷺ فيها إما اجتهادا بحسن نية، وإما مكيدة وسوء طوية. فوجد من أنكر خروج الدجال وظهور المهدي ونزول عيسى عليه

стр. 39

وعلى نبينا الصلاة والسلام إنكارا صريحا، أو تأويلا يؤول إلى الإنكار، وكل ذلك باطل قطعا، وليس المراد في هذه الرسالة الرد على أولئك المنكرين، ولكن المقصود هو بيان طرق الناس في الأخذ والرد لما ورد من النصوص في الفتن والملاحم. وعلى كل حال فهؤلاء الجفاة كأولئك الغلاة .. جانبوا الصواب في التلقي والتنزيل .. والوسط هو العدل والخير .. وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ..... والله أعلم.

стр. 40

المسألة السادسة عشرة: اعلم أن تنزيل ما ورد من أحاديث الفتن عل الأزمان المعينة أو الأشخاص المعينين على قسمين: القسم الأول: تنزيل تام: بأن يقول أن المقصود بالحديث الفلاني هو هذا الزمان بالذات أو أن المقصود بالشخص الفلاني المذكور في حديث كذا هو فلان بن فلان ونحو ذلك. وهذا النوع من التنزيل لا يجوز؛ لما يترتب على ذلك من العواقب الوخيمة والآثار الجسيمة ولو لم يكن في ذلك إلا حصول فتن جديدة ليست هي المقصود بالنص لكفى .. وقد قدمنا في المسالة (الحادية عشرة) كيف أن تنزيل بعض النصوص على بعض الأفراد كالنصوص الواردة في المهدي مثلا قد أدى إلى حصول فتن كثيرة في الأمة سفكت فيها الدماء وانتهكت فيها الأعراض ونهبت فيها الأموال ولا حول ولا قوة إلا بالله. القسم الثاني: تنزيل جزئي، وان شئت فقل: (تنزيل معنى) بأن يقال: أن معنى ما ورد في النص الفلاني قد وقع شيء منه في زماننا هذا، كحديث " يرفع العلم وينزل الجهل ويلقى الشح " فإن قائلا لو قال: إن زماننا هذا قد وقع فيه شيء مما ذكر فيه لما أنكر عليه أحد، ولكان قوله مقبولا لا يرد. ومن نظر في كلام الأئمة عند شرحهم لمثل هذه الأحاديث رأى ذلك واضحا جليا .. والحمد لله. فإن قال قائل: فإنه قد وجد في أصحاب رسول الله ﷺ من نزل بعض
следующие страницы →