والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، لا محل لها من الإعراب. والأصل في نبأ وأنبأ، وأخبر وخبر وحدث أن تتعدى إلى مفعول واحد بأنفسها وإلى ثان بحرف جر، ويجوز حذفه كما هنا؛ لأنه محذوف هنا، تقديره: غيرها، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نبأ﴾ على أنه مفعول ثان. وقوله: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾؛ أي: بهذا، و ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ﴾؛ أي: به فإذا ضمنت معنى أعلم .. تعدت إلى ثلاثة مفاعيل، كما هو مقرر في محله. ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل معطوف على ﴿نَبَّأَتْ﴾، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أظهر﴾، ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على النبي، ومفعول به، والجملة جواب ﴿لما﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة ﴿إذ أسر﴾. ﴿وَأَعْرَضَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿عَرَّفَ﴾، ﴿عَنْ بَعْضٍ﴾ متعلق بـ ﴿أعرض﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لما﴾ حرف شرط، ﴿نَبَّأَهَا﴾: فعل، وفاعل مستتر ومفعول به فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿بهِ﴾ متعلق بـ ﴿نبأ﴾ على أنه مفعول ثان. ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة ﴿لما﴾ الأولى. ﴿من﴾: اسم استفهام للاستفهام الاستخباري في محل الرفع، مبتدأ، ﴿أَنْبَأَكَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، ومفعول أول، و ﴿هَذَا﴾: مفعول ثان لـ ﴿أنبأ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لـ ﴿مَنْ﴾ الاستفهامية، والجملة الاستفهامية في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على النبي، والجملة مستأنفة، ﴿نَبَّأَنِيَ﴾: فعل ماض، ونون وقاية، ومفعول به أول، والثاني محذوف، تقديره: نبأني به، ﴿الْعَلِيمُ﴾: فاعل، ﴿الْخَبِيرُ﴾: صفته، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾.
﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم، ﴿تَتُوبَا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾: الشرطية على أنه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعل ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: متعلق به، وجواب الشرط محذوف، تقديره: يتب عليكما. وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿صَغَتْ﴾: فعل ماض مبني بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة للتخلص من
стр. 13757
التقاء الساكنين منع من ظهورها التعذر، و ﴿التاء﴾: علامة تأنيث الفاعل، ﴿قُلُوبُكُمَا﴾: فاعل، والجملة الفعلية جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وأن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنْ﴾: حرف شرط، ﴿تَظَاهَرَا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف النون، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَظَاهَرَا﴾، وجواب الشرط محذوف، تقديره: يجد ناصرًا. وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إنْ﴾ الأولى. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿مَوْلَاهُ﴾: خبر ﴿إن﴾، والوقف تام هنا، وجملة ﴿إنَّ﴾ تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَجِبْرِيلُ﴾: مبتدأ، ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوف عليه. ﴿وَصَالِحُ﴾: اسم جنس لا جمع، ولذلك جاء من غير واو بعد الحاء، وجوزوا أن يكون جمعًا بالواو والنون، وحذفت النون للإضافة، وكتبت دون واو اعتبارًا بلفظه؛ لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين، ولا داعي لهذا التكلف. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: معطوف على ﴿جبريل﴾ أيضًا، ﴿ظَهِيرٌ﴾: خبر عن الجميع؛ لأن فعيلًا يستوي فيه الواحد والجمع كما مر. والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إِنّ﴾ على كونها تعليلية، ويجوز أن تعطف ﴿جِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على محل ﴿إِنّ﴾ واسمها، فالخبر عن الجميع، ﴿مَوْلَاهُ﴾ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ حينئذٍ مبتدأ، ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿ظَهِيرٌ﴾، و ﴿ظَهِيرٌ﴾: خبر عن الملائكة، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنّ﴾ أيضًا.
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾.
﴿عَسَى﴾: فعل ماض من أفعال الرجاء، ﴿رَبُّهُ﴾: اسمها، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إن طلقكن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، وحملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة بين ﴿عَسَى﴾ وخبرها، لا محل لها من الإعراب. ﴿أنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يُبْدِلَهُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به أول، ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول به ثان، ﴿خَيْرًا﴾: صفة لـ ﴿أَزْوَاجًا﴾، ﴿مِنْكُنَّ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على أنه خبر ﴿عَسَى﴾، ولكنه على تأويل اسم الفاعل ليصح الإخبار،
стр. 13758
تقديره: عسى ربه مبدلًا إياه أزواجًا خيرًا منكن، وجملة ﴿عَسَى﴾ مستأنفة. وفصل بين عسى وخبرها بالشرط اهتمامًا بالأمر وتخويفًا لهن. ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾: نعت ثان لـ ﴿أَزْوَاجًا﴾، ويجوز نصبه على أنه حال من الضمير المستتر في ﴿خَيْرًا﴾، ونصبه بعضهم على الاختصاص، ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾: صفة ثالثة، ﴿قَانِتَاتٍ﴾: رابعة، ﴿تَائِبَاتٍ﴾: خامسة، ﴿عَابِدَاتٍ﴾: سادسة، ﴿سَائِحَاتٍ﴾: سابعة، ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾: ثامنة، ﴿وَأَبْكَارًا﴾: معطوف على ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾. ووسطت الواو بين ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ ﴿وَأَبْكَارًا﴾ لتنافي الوصفين فيه دون سائر الصفات، وليست هي واو الثمانية، كما توهمه بعضهم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أيها﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿قُوا﴾: فعل أمر، من الوقاية، فوزنه: عوا، كما سيأتي، مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعول به أول، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، ﴿نَارًا﴾: مفعول ثان، ﴿وَقُودُهَا﴾: مبتدأ، ﴿النَّاسُ﴾: خبره، ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾: معطوف عليه، والجملة صفة لـ ﴿نَارًا﴾، ﴿عَلَيْهَا﴾: خبر مقدم، ﴿مَلَائِكَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة صفة ثانية لـ ﴿نَارًا﴾، ﴿غِلَاظٌ﴾: صفة أولى لـ ﴿مَلَائِكَةٌ﴾، و ﴿شِدَادٌ﴾: صفة ثانية لـ ﴿مَلَائِكَةٌ﴾، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة صفة ثالثة لـ ﴿مَلَائِكَةٌ﴾، ﴿مَاَ﴾ مصدرية، ﴿أَمَرَهُمْ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على أنه بدل اشتمال من الجلالة، كأنه قيل: لا يعصون أمره. وأجاز أبو حيان نصبه على نزع الخافض؛ أي: فيما أمرهم. ﴿وَيَفْعَلُونَ﴾: فعل، وفاعل مرفوع بثبوت النون، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يفعلون﴾ في محل الرفع صفة رابعة لـ ﴿مَلَائِكَةٌ﴾، وجملة ﴿يُؤْمَرُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: يؤمرون به.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾.
стр. 13759
﴿يَاأَيُّهَا﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول، ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَعْتَذِرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، و ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تَعْتَذِرُوا﴾، والجملة جواب النداء. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿تُجْزَوْنَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع بالنون، و ﴿الواو﴾: نائب فاعل له، و ﴿مَا﴾: مفعول به ثان، والجملة الفعلية جملة تعليلية مسوقة لتعليل النهي، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كُنْتُمْ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: خبر كان الناقصة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول، ﴿تُوبُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل. والجملة جواب النداء، ﴿تَوْبَةً﴾: مفعول مطلق، ﴿نَصُوحًا﴾: نعت لـ ﴿تَوْبَةً﴾، ﴿عَسَى﴾: فعل ناقص من أفعال الرجاء، ﴿رَبُّكُمْ﴾: اسمها، ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يُكَفِّرَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿عنكم﴾: متعلق به، ﴿سَيئاتِكم﴾: مفعول به والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على أنه خبر ﴿عَسَى﴾ ولكنه مع التأويل بمشتق تقديره. عسى ربكم مكفرًا عنكم سيئاتكم، ﴿وَيُدْخِلَكُمْ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على ﴿يُكَفِّرَ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به ثان على السعة، ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق به، ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ﴿يَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يدخلكم﴾ أو بفعل محذوف، تقديره: اذكر، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿يُخْزِي اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿النَّبِيَّ﴾: مفعول به، والجملة في محل الجرّ مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿الذين﴾: معطوف على ﴿النَّبِيَّ﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿مَعَهُ﴾: حال من فاعل ﴿آمَنُوا﴾، أو متعلق به.
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿نُورُهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَسْعَى﴾: خبره والجملة الاسمية مستأنفة أو حالية.
стр. 13760
ويجوز أن تكون الواو استئنافية، ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى﴾: خبره، ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَسْعَى﴾، ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: معطوف على ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، متعلق بما تعلق به، ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة خبر ثان عن الموصول أو حال منه، ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿أَتْمِمْ﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر، ﴿لَنَّا﴾ متعلق به، ﴿نُورَنَا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿وَاغْفِرْ لَنَّا﴾: معطوف على ﴿أَتْمِمْ لَنَّا﴾. ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، و ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة إن في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾ على كونها معللة للدعاء.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿النَّبِيُّ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، والجملة مستأنفة، ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾: معطوف على ﴿الْكُفَّارَ﴾، ﴿وَاغْلُظْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿النَّبِيُّ﴾، معطوف على ﴿جَاهِدِ﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿اغلظ﴾، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿مأواهم﴾: مبتدأ، ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبر، والجملة مستأنفة، ﴿وَبِئْسَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿بئس﴾: فعل ماض جامد لإنشاء الذم، ﴿الْمَصِيرُ﴾: فاعل، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هي، وهو مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿بئس﴾ خبره مقدم عليه، والتقدير: هي؛ أي: جهنم مقول فيها: بئس المصير، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾: فعل، وفاعل، ﴿مَثَلًا﴾: مفعول ثان مقدم، ﴿لِلَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿مَثَلًا﴾، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول، ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ﴾: مفعول به أول، ﴿وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾: معطوف على امرأة نوح، والجملة مستأنفة مسوقة لإيراد حالة
стр. 13761
غريبة، ﴿كَانَتَا﴾: فعل ناقص، و ﴿التاء﴾: علامة تأنيث اسمها، والألف اسم كان، ﴿تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾: ظرف متعلق بمحذوف خبر كان، ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿عَبْدَيْنِ﴾، وجملة كانتا جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب سيقت لتفسير ضرب المثل. ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿كَانَتَا﴾، ﴿فَلَمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿يُغْنِيَا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والألف فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿خانتاهما﴾، ﴿عَنْهُمَا﴾: متعلق بـ ﴿يُغْنِيَا﴾، ﴿مِنَ اللَهِ﴾: حال من شيئًا؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول مطلق، أو مفعول به، ﴿وَقِيلَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿قيل﴾: فعل ماض، ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾: نائب محكي لـ ﴿قيل﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾. وإن شئت قلت: ﴿ادْخُلَا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الألف﴾: فاعل، ﴿النَّارَ﴾: مفعول به على السعة، ﴿مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿دَخَلَا﴾، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: فعل وفاعل ومفعول ثان، ﴿لِلَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿مَثَلًا﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول، ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾: مفعول أول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿إذ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿مَثَلًا﴾. ولعل الأولى أن يقال: إنه متعلق بمحذوف بدل من مثلًا، أو نعت له، وجملة ﴿قَالَتْ﴾: في محل الجرّ بإضافة الظرف إليه، ﴿رَبِّ ابْنِ لِي﴾: إلى قوله: ﴿وَمَرْيَمَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَتْ﴾، ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، حذفت منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾، ﴿ابْنِ﴾: فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿لِي﴾: متعلق بـ ﴿ابْنِ﴾، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قَالَتْ﴾، ﴿عِنْدَكَ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ضمير المتكلم، أو من ﴿بَيْتًا﴾ لتقدمه عليه، ﴿فِي الْجَنَّةِ﴾: عطف بيان أو بدل من قوله: ﴿عِنْدَكَ﴾، أو متعلق بـ ﴿ابْنِ﴾، ﴿وَنَجِّنِي﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر ونون وقاية، ومفعول به معطوف على ﴿ابْنِ﴾. ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ ﴿نجني﴾، ﴿وَعَمَلِهِ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَونَ﴾، ﴿وَنَجِنِى﴾: معطوف على ﴿نجني﴾ الأول، ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾:
стр. 13762
متعلق بـ ﴿نجني﴾، ﴿الظَّالِمِينَ﴾: نعت للقوم.
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾.
﴿وَمَرْيَمَ﴾: معطوف على ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾، ﴿ابْنَتَ﴾: بدل، أو نعت لـ ﴿مريم﴾، ﴿عِمْرَانَ﴾: مضاف إليه مجرور بالفتحة لزيادة الألف والنون، ﴿الَّتِي﴾: صفة ثانية لـ ﴿مريم﴾، ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿فَنَفَخْنَا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿أَحْصَنَتْ﴾، ﴿فِيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿نفخنا﴾، ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: صفة لمفعول محذوف؛ أي: روحًا كائنًا من روحنا. ﴿وَصَدَقَتْ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مريم﴾، معطوف على مقدر مناسب للسياق؛ أي: فحملت بعيسى. ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿صدقت﴾، ﴿وَكُتُبِهِ﴾: معطوف على ﴿كلمات﴾، ﴿وَكَانَتْ﴾: فعل ناقص، واسمها ضمير مستتر يعود على مريم، ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾: خبرها، والجملة معطوفة على ﴿صدقت﴾، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ أصل ﴿لِمَ﴾ لما، مركبة من (لام) الجر و (ما) الاستفهامية. ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أصل أحل: أحلل، بوزن أفعل، نقلت حركة اللام الأولى إلى الحاء فسكنت فأدغمت في الثانية. ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾: الابتغاء: الطلب. والمرضاة: مصدر كالرضا، وفيه إعلال بالقلب، أصله: مرضية بوزن مفعلة، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وأصل الياء واو، من الرضوان، أعل بالقلب حملًا له في الإعلال على اسم الفاعل، والماضي: رضي، أصله: رضو، قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة. والأزواج: جمع زوج، فإنه يطلق على المرأة أيضًا، بل هو الفصيح كما قال في "المفردات": وزوجة لغة رديئة. ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: مصدر لحلل الرباعي، فأصله: تحللة، بوزن تفعلة، كتكرمة من كرم، وتفرقة من فرق، فأدغمت، ولكنه غير مقيس، فإن قياس مصدره التفعيل إذا كان صحيحًا غير مهموز، فأما معتل اللام، كزكى، ومهموز اللام كنبأ .. فمصدرهما تفعلة، كتزكية وتنبئة، على أنه قد جاء التفعيل في المعتل كاملًا، نحو قوله:
стр. 13763
بَاتَتْ تُنَزي دَلْوَهَا تَنْزِّيَا ... كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيًّا
وعبارة "الروح" هنا: الفرض هنا بمعنى الشرع والتبيين، كما دل عليه ﴿لَكُمْ﴾، فإن فرض بمعنى: أوجب، إنما يتعدى بعلى. والتحلة: مصدر حلل، بتضعيف العين، بمعنى التحليل، أصله: تحلة، كتكرمة، وتعلة، وتبصرة، وتذكرة، من كرم وعلل وبصر وذكر، بمعنى: التكريم والتعليل والتبصير والتذكير، إلا أن هذا المصدر من الصحيح خارج عن القياس، فإنه من المعتل اللام، نحو: سمي تسمية، أو مهموز اللام مثل: جزّأ تجزئة. والمراد: تحليل اليمين، كأن اليمين عقد والكفارة حله. انتهى.
وتحلة القسم يستعمل على وجهين:
أحدهما: تحليله بالكفارة كما في الآية.
ثانيهما: بمعنى الشيء القليل، وهذا هو الأكثر، كما جاء في الحديث: "لن يلج النار إلا تحلة القسم"؛ أي: إلا زمنًا يسيرًا.
قوله تعالى: ﴿أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾ أصله: أسرر، بوزن أفعل، نقلت حركة الراء الأولى إلى السين، فسكنت فأدغمت في الثانية. والإسرار: خلاف الإعلان، ويستعمل في الأعيان والمعاني والسر هو: الحديث المكتتم في النفس، وأسررت إلى فلان حديثًا: أفضيت به في الخفية، فالإسرار إلى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضي إليه بالسر وإن كان يقتضي إخفاءه عن غيره، فإذًا قولهم: أسررت إلى فلان، يقتضي من وجه الإظهار ومن وجه الإخفاء. و ﴿النَّبِيُّ﴾: هو رسول الله ﷺ ، فاللام للعهد. ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾؛ أي: وليكم وناصركم. ﴿حَدِيثًا﴾ قال الراغب: كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه يقال له: حديث: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ﴾ ضمن أظهر معنى أطلع، من ظهر فلان السطح إذا علاه، وحقيقته: صار على ظهره، وأظهره على السطح؛ أي: رفعه عليه، فاستعير للإطلاع على الشيء، وهو من باب الإفعال. قال الراغب: ظهر الشيء، أصله: أن يحصل شيء على ظهر الأرض، فلا يخفى، وبطن إذا حصل في بطنان الأرض فيخفى، ثم صار مستعملًا في كل بارز للبصر والبصيرة. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ وبعض الشيء: جزء منه.
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ أصله: تتوبان، حذفت نون الرفع للجازم، ثم نقلت حركة
стр. 13764
الواو إلى التاء؛ لأن الأصل: تتوبان، لوزن تفعلان، فسكنت الواو إثر ضمة فصارت حرف مد، فوزنه تفعلان. ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أصله صغي، بوزن فعل، قلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح، فلما اتصلت بالفعل تاء التأنيث الساكنة .. حذفت الألف لالتقاء الساكنين، يقال: صغا يصغو صغوا، إذا مال، وأصغى إليه: مال بسمعه. قال الشاعر:
تُصْغِي الْقُلُوبُ إِلَى أَغَرَّ مُبَارَكٍ ... مِنْ آلِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبْ
﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ أصله: تتظاهران - بتاءين - وحذفت منه نون الرفع للجازم وإحدى التاءين للتخفيف، ماضيه: تظاهر، من باب تفاعل من الظهر؛ لأنه أقوى الأعضاء. ﴿ظَهِيرٌ﴾؛ أي: ظهراء معاونون وأنصار مساعدون. ﴿عَسَى رَبُّهُ﴾ أصله عسي بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾؛ أي: خاضعات لله منقادات له بالطاعة. ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾؛ أي: مصدقات بتوحيد الله مخلصات له. ﴿قَانِتَاتٍ﴾؛ أي: مواظبات على القنوت والعبادة. ﴿تَائِبَاتٍ﴾؛ أي: مقلعات عن الذنوب، وفيه إعلال بالإبدال، أصله: تاوبات، من تاب يتوب أبدلت الواو في الجمع والمفرد همزة حملًا للوصف في الإعلال على فعله حيث أعل بقلب الواو ألفًا في الفعل لأن أصل تاب توب، كقال أصله: قول ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: متعبدات متذللات لأمر الرسول ﷺ . ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: صائمات، وسمي الصائم بذلك من حيث أن السائح لا زاد معه ولا يزال ممسكا حتى يجد الطعام، كالصائم، ثم لا يزال كذلك حتى يجيء وقت الإفطار. وفيه إعلال بالإبدال، أصله: سايحات، أبدلت الياء همزة في الجمع أيضًا حملًا للوصف في الإعلال على فعله: سيح، حيث قلبت الياء ألفًا، والسياحة في اللغة: الجولان في الأرض. ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ جمع ثيب، والثيب الرجل الداخل بامرأة. والمرأة المدخول بها، يستوي فيه المذكر والمؤنث، فيجمع المذكر على ثيبين، والمؤنث على ثيبات، من ثاب إذا رجع، سميت به المرأة لأنها راجعة إلى زوجها إن أقام بها، وإلى غيره إن فارقها، أو إلى حالتها الأولى، وهي: أنه لا زوج لها، فهي لا تخلو عن الثوب، أي: الرجوع، وقس عليها الرجل.
وأصل ثيب: ثيوب كسيّد وميّت، أصلهما سيود وميوت، ووزن ثيبات فيعلات، أدغمت ياء فيعل في عين الكلمة كما هو رأي صاحب "القاموس"
стр. 13765
و"اللسان".
وقيل: ثيوبات، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما ساكنة فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء، وهذا رأي الجوهري، والراغب الأصفهاني.
﴿وَأَبْكَارًا﴾؛ أما: عذارى، وسميت العذراء بالبكر لأنها على أول حالتها التي طلعت عليها. قال الراكب: سميت التي لم تفتض بكرًا اعتبارًا بالثيب؛ لتقدمها عليها فيما يراد له النساء، ففي البكر معنى الأولية والتقدم، ولذا يقال: البكرة لأول النهار، والباكورة للفاكهة التي تدرك أولًا. ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال الراغب: الصلاح: ضد الفساد الذي هو خروج الشيء عن الاعتدال والانتفاع، قل أو كثر، وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل الصلاح في القرآن تارة بالفساد وتارة بالسيئة.
﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: أمر من الوقاية، بمعنى الحفظ والحماية والصيانة. أصله: أوقيوا، كاضربوا؛ لأنه أمر من وقى يقي وقاية، وهذا الفعل لفيف مفروق، ماضيه: وقى، ومضارعه: يقي، مع أن القياس أن يكون المضارع يوقي بوزن يفعل - بكسر العين - لكن فاء الفعل الواو حذفت من المضارع لوقوعها بين عدوتيها،، الياء المفتوحة والكسرة، ولما بني منه أمر مسند إلى واو الجماعة .. حذف منه حرف المضارعة وحذفت الواو، ثم استثقلت الضمة على الياء فحذفت للتخفيف؛ لأن اللفظ صار بعد حذف نون الرفع عند بناء الأمر من الأفعال الخمسة، صار: قيوا، فلما حذفت حركة الياء .. سكنت، فالتقت ساكنة مع واو الجماعة، فحذفت لذلك، فصار وزنه: عوا، وهكذا شأن كل لفيف مفروق بني منه الأمر لم يبق من أصله إلا العين فقط؛ لأن الفاء تحذف قياسًا إذا كانت واوًا، واللام: حرف علة تحذف لبناء الأمر على حذف حرف العلة من المعتل، أو لالتقاء الساكنين كما هنا.
﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ أصله: أهلين، جمع أهل، حذفت النون للإضافة، وقد يجمع على أهالي - على غير قياس -: وهو كل من في عيال الرجل، ونفقته، من المرأة والولد، والأخ والأخت، والعم وابنه، والخادم، ويفسر بالأصحاب أيضًا. ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ الوقود - بفتح الواو -: اسم لما توقد به النار من الحطب وغيره، وبالضم: مصدر بمعنى الاتقاد.
стр. 13766
﴿غِلَاظٌ﴾: جمع غليظ، بمعنى خشن خال قلبه عن الشفقة والرحمة. ﴿شِدَادٌ﴾ جمع شديد، ككرام جمع كريم، وهو القوي الجسم. ﴿لَا يَعْصُونَ﴾ أصله: يعصيون، بوزن يفعلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الصاد لمناسبة الواو. ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ يقال: اعتذرت إلى فلان من جرمي، ويعدى بـ ﴿من﴾. والمعتذر قد يكون محقًا وغير محق. قال الراغب: العذر: تحري الإنسان ما يمحو به ذنوبه. ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ﴾ أصله: تجزيون، بوزن تفعلون، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة. ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ والتوبة: أبلغ وجوه الاعتذار، بأن يقول: فعلت وأسات وقد أقلت، وفي الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة كما مر. ﴿نَصُوحًا﴾ والنصوح: فعول، من أبنية المبالغة، كقولهم: رجل صبور وشكور؛ أي: مبالغة في النصح، وصفت التوبة بذلك على الإسناد المجازي، والنصح: تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه. ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى﴾ والسعي: المشي القوي السريع. ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: جمع يد، يراد بها قدام الشيء. ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ جمع يمين، مقابل الشمال. ﴿كَانَتَا﴾: أصل كان: كون، بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، والتحق بها هنا تاء التأنيث الساكنة، ولكنها حركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين وكان تحريكها؛ أي: التاء بالفتح ليناسب الألف، وكذلك القول في قوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أصله: خون، قلبت الواو ألفًا، ثم لحقت الفعل تاء التأنيث الساكنة وحركت لمناسبة ألف الاثنين الساكنة، واختير لها الفتح لمناسبة الألف. ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ الإحصان: العفاف، والفَرْجُ: ما بين الرِّجْلَين، وكنى به عن السوأة، وكثر حتى صار كالصريح فيه. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ والنفخ: نفخ الريح في الشيء.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين ﴿حرم﴾ و ﴿أَحَلَّ﴾ في قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في ﴿لِمَ﴾.
стр. 13767
ومنها: الطباق بين ﴿عَرَّفَ﴾ و ﴿أعرض﴾ عرض، وبين ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ و ﴿وَأَبْكَارًا﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ﴾؛ لأن الإظهار: رفع الشيء على نحو السطح، فاستعير للاطلاع على الشيء.
ومنها: التفنن في قوله أولًا: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ﴾، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا﴾، ثم قوله ثانيًا: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ﴾، ثم قوله ثالثًا: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ زيادة في اللوم والعتاب.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؛ لأن جواب الشرط محذوف، تقديره: إن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التوبة.
ومنها: جمع القلوب فيه، فرارًا من كراهة اجتماع تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة لو قال: فقد صغى قلباكما، لكراهة العرب اجتماع ذلك.
ومنها: تغليب المخاطب على الغائبات أو تعميم الخطاب لكل الأزواج في قوله: ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، إذ التقدير: إن طلقكما وغيركما، أو كون كلهن مخاطبات لما عاتبهما بأنه قد صغت قلوبكما.
ومنها: توسيط العاطف بين ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ و ﴿أَبْكَارًا﴾ دون غيرهما، إشعارًا بتنافيهما وعدم اجتماعهما في ذات واحدة، كما مرّ.
ومنها: التعريض لغير عائشة بقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ ولها بقوله: ﴿أبكارًا﴾.
ومنها: ذكر العام بعد الخاص في قوله: ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾. فقد خص جبريل بالذكر أولًا تشريفًا له، ثم ذكره ثانيًا مع العموم اعتناء بشان الرسول ﷺ .
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ حيث ذكر المسبب وأراد السبب؛ أي: لازموا على الطاعة لتقوا أنفسكم وأهليكم من عذاب الله تعالى.
стр. 13768
ومنها: السلب والإيجاب في قوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وهو بناء الكلام على نفي الشيء من جهة وإيجابه من جهة أخرى. أو أمر بشيء من جهة ونهي عنه من غير تلك الجهة، وهذا المعنى في الآية ظاهر، فقد سلب عن هؤلاء الموصوفين العصيان وأوجب لهم الطاعة.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، حيث أسند النصح إلى التوبة مجازًا للمبالغة، وإنما النصح من التائب.
ومنها: المقابلة بين مصير أهل الطغيان ومصير أهل الإيمان في ضرب المثل في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ومنها: إيراد صيغة الماضي في قوله: ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ إفادة لتحقق وقوعه.
ومنها: تغليب الذكور على الإناث في قوله: ﴿مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾؛ لأنهن لا ينفردن بالدخول.
ومنها: التصريح بما علم التزامًا في قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ مبالغة في ذمهم.
ومنها: إظهار العبدين في قوله: ﴿تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا﴾ المراد بهما نوح ولوط لتعظيمهما بالإضافة التشريفية إلى ضمير التعظيم والوصف بالصلاح، وإلا .. فيكفي أن يقول: تحتهما، وفيه بيان شرف العبودية والصلاح.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ بعد قوله: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ مبالغة في الدعاء.
ومنها: الاستخدام في قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾؛ لأن المراد بلفظ الفرج، العضو، وأريد بضميره معنى آخر، وهو: الجيب، وهو من المحسنات البديعية. وفيه أيضًا الإسناد المجازي، حيث أسند النفخ إلى الضمير مع أن النافخ هو جبريل ﵇.
стр. 13769
ومنها: الإضافة في قوله: ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ تفخيمًا لها ولعيسى ﵉ كقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾.
ومنها: تغليب الذكور في قوله: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ إشعارًا بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال حتى عدت من جملتهم.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 13770
خلاصة ما تضمنته هذه السورة الكريمة
اشتملت هذه السورة على شيئين:
١ - أخبار نساء النبي ﷺ وحلفه ﷺ أن لا يشربن العسل إرضاء لبعضن، وإطلاع الله له على ما أفشين من سرّ أمرهن بكتمه.
٢ - ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط ﵉.
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين (١).
* * *
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الثلاثون»
стр. 13773
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 13774
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٣٠]
стр. 13775
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 13776
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على إفضاله، والشكر له على نواله، والصلاة والسلام على نبيه وآله وأصحابه وجميع أتباعه، وكل مرشد إلى دينه، إلى يوم جمعه وجزائه. أما بعد: فيقول العبيد الفقير - أيدهُ الله المفيض القدير -: إني لما فرغت - بعون الله سبحانه - من تفسير الجزء الثامن والعشرين .. تفرغت بتوفيقه لتفسير الجزء التاسع والعشرين مستمدًا من فيوضاته الهاطلة ومستمطرًا من سحائب جوده الماطرة، فقلت، وهذا قولي:
سورة الملك
سورة الملك مكيّة، قال القرطبي: نزلت بعد سورة الطور.
التسمية: تسمى: سورة الواقية والمنجية؛ لأنها تقي وتنجي قارءها من عذاب القبر، وتسمى سورة تبارك، وعن ابن عباس ﵄: أنه كان يسميها المجادلة؛ لأنّها تجادل عن قارئها في القبر، وتدعى في التوراة المانعة.
وآيها: ثلاثون آية. وكلماتها: ثلاث مئة وخمسٌ وثلاثون كلمة. وحروفها: ألف وثلاث مئة وثلاثة عشر حرفًا.
ومناسبتها لما قبلها (١): أنّه سبحانه لمَّا ضرب مثلًا للكفار بتينك المرأتين اللتين قدر لهما الشقاء وإن كانتا تحت عبدين صالحين، ومثلًا للمؤمنين بآسية ومريم، وقد كتب لهما السعادة وإن كان أكثر قومهما كفّارًا، وكان ذلك تصرفًا في ملكه على ما سبق قضاؤه .. افتتح هذه السورة بما يدل على إحاطة علمه وقهره وتصرفه في ملكه على ما سبق به قضاؤه، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.
الناسخ والمنسوخ فيها: وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: سورة الملك كلُّها محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
فضلها (٢): وممّا ورد في فضلها: ما أخرجه أحمد، وأبو داوود، والترمذي،
стр. 13777
والنسائي، وابن ماجه، وابن الضريس، والحاكم وصحّحه، وابن مردويه، والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن سورة من كتاب الله ما هي إلَّا ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ " قال الترمذي هذا حديث حسن.
وما أخرجه الطبراني في "الأوسط"، وابن مردويه، والضياء في "المختارة"، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ".
وما أخرجه الترمذي، والحاكم وصحَّحه، وابن مردويه، وابن نصر، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس ﵄ قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنّه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فقال رسول الله: "هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر"، قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
ومنه: ما أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله نحو: "تبارك هي المانعة من عذاب القبر"، وأخرجه أيضًا النسائي وصحَّحه، والحاكم رحمهم الله تعالى.
ومنه: ما أخرجه ابن مردويه عن رافع بن خديج وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: "أنزلت عليَّ سورة تبارك، وهي ثلاثون آيةً جملةً واحدةً، وهي المانعة في القبور".
ومنه: ما أخرجه عبد بن حميد في مسنده، والطبرانيّ، والحاكم، وابن مردويه عن ابن عباس ﵄: أنّه قال لرجلٍ: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى، قال: اقرأ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك؛ فإنها المنجية والمجادلة، تجادل يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن ينجيه الله من عذاب النار، وينجو بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله ﷺ : "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي".
والله أعلم
* * *
المناسبة
تقدّم لك بيان مناسبة هذه السورة لما قبلها، ثم إن الله سبحانه بدأ هذه السورة بأنْ مجد نفسه، وأخبر بأن بيده الملك والتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل؛ لقهره وحكمته وعدله، وهو القدير على كل شيء. ثم أخبر بأنه قدر الموت والحياة ليبلوكم فينظر من منكم أخلص له عملًا، وهو ذو العزة الغالب على أمره الغفور لمن أذنب ذنبًا ثم تاب وأقلع عنه، ثم أردف ذلك بأنه خلق سبع سموات بعضها فوق بعض لا خلل فيها ولا عيب، فانظر أيها الرائي أترى فيها شقًّا أو عيبًا؟ ثم أعد النظر وحدق بالبصر، لتستيقن تمام تناسبها واستواء خلقها. وقد زينا أقرب السموات إليكم بالكواكب يهتدي بها الساري، ويعلم بها عدد السنين والحساب، وعليها تتوقف حياة الحيوان والنبات، وهي أيضًا سبب الأرزاق المهيجة لشهوات شياطين الإنس والجنّ، وهؤلاء قد استمدوا شيطنتهم من مظاهر الطبيعة بوساطة الحرارة والضوء من الكواكب، وبذا أعد لها عذاب السعير جزاء ما اقترفوا في حياتهم الدنيا.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لمّا ذكر (١) أنّ شياطين الإنس والجنّ قد أعد لهم عذاب السعير .. أردف ذلك ببيان أن هذه النار قد أعدها لكل جاحد بوحدانيته مكذّبٍ رسله منكر للبعث واليوم الآخر، ثم وصف هذه النار بأوصاف تشيب من هولها الولدان، وتصطك لسماعها الأسنان، منها:
١ - أنه يسمع لها شهيق حين يلقى الكافرون فيها.
٢ - أنها تفور بهم كما يفور ما في المرجل حين يغلي.
٣ - أنها تكون شديدة الغيظ والحنق على من فيها.
٤ - أن خزنتها يسألون داخليها: ألم تأتكم رسل منكم فتبعدكم عن هذا العذاب.
٥ - أن أهلها يعترفون بأن الله ما عذبهم ظلمًا بل قد جاءهم الرسل، فكذبوهم
стр. 13780
وقالوا لهم: أنتم في ضلال بعيد.
٦ - دعاء الملائكة عليهم بالبعد من رحمة الله وألطافه وكرمه وإحسانه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لمّا أوعد (١) الكفّار بما أوعد، وبالغ في ترهيبهم بما بالغ .. وعد المؤمنين بالمغفرة والأجر الكريم، ثم عاد إلى تهديد الكافرين بأنه عليم بما يصدر منهم في السر والعلن، وأقام الدليل على ذلك بأنه هو الخالق قلا يخفى عليه شيء من أمرهم، بل يصل علمه إلى ظواهر أمورهم وبواطنها، ثم عدد نعماءه عليهم فذكر أنه عبد لهم الأرض وذللها لهم، وهيَّأ لهم فيها منافع من زروع وثمار ومعادن، فليتمتعوا بما أوتوا ثم إلى ربهم مرجعهم وإليه بعثهم ونشورهم.
قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لما ذكر ما أعدّه للكافرين من نار تلظّى، ووصف هذه النار بما تشيب من هوله الولدان .. أردف ذلك بترهيبهم وتخويفهم بأنهم لا يأمنون أن يحل بهم في الدنيا ما حل بالمكذبين بالرسل من قبلهم من: خسف عاجل تمور به الأرض مورًا، أو ريح حاصب تهلك الحرث والنسل ولا تبقي منهم ديّارًا ولا نافخ نار، ثم ضرب لهم المثل بما حل بالأمم قبلهم من ضروب المحن والبلاء، فقد: أهلكت ثمود بصاعقة لم تبق ولم تذر، وأهلكت عاد بالريح الصرصر العاتية التي سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام جسومًا - متتابعة - وأهلك فرعون وقومه بالغرق في بحر القلزم - البحر الأحمر -. ثم لفت أنظارهم إلى باهر قدرته وعظيم منته على عباده، فطلب منهم أن يروا الطير وهي تبسط أجنحتها في الجو تارةً، وتضمها أخرى بتسخير الله وتعليمه ما هي في حاجة إليه.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ ....﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمّا أبان للمشركين عجائب قدرته فيما يشاهدونه من أحوال الطير، ووبخهم على ترك التأمل فيها .. أردفه بتوبيخهم على
стр. 13781
عبادتهم غيره تعالى يبتغون منه نصرًا ورزقًا، منكرًا عليهم ما اعتقدوه، مبينًا لهم أنهم لا يصلون إلى ما أمَّلوه، وإلا فليبينوا هذا الناصر والمعين والرازق إذا هو أمسك رزقه. أما وقد وضح الحق لذي عينين .. فهم في لجاج وعناد بعد وضوح الحجة وتبين المحجة، ثم ضرب مثلًا يبين حالي المشرك والموحد: فمثل حال الأول بحال من يمشي منحنيًا إلى الأمام على وجهه فلا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب؛ فيكون حائرًا وضالًّا، ومثل حال الثاني بحال من يمشي منتصب القامة على الطريق الواضح فيرى ما أمامه ويهتدي إلى ما يريد، ثم أعقب هذا بذكر الدلائل على تفرده بالألوهية، بذكر خلق الإنسان في الأرض وإعطائه نعمة السمع والبصر، وأرشد إلى أن القليل من الناس شكور لهذه النعم. ثم أردف هذا بذكر سؤال المشركين للرسول ﷺ عن ميقات البعث استهزاء به وإجابته إياهم بأن علمه عند الله وليس له من علمه شيء، وإنما هو نذير مبين، وذكر أنه حين تقوم الساعة ويعرف المشركون قرب وقوع ما كانوا ينكرون تعلو وجوههم غبرة ترهقها قترة، ويقال لهم: إن ما كنتم تستعجلون قد وقع ولا مرد له، فماذا أنتم فاعلون؟
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا ...﴾ الآيات، روي: أنّ كفّار مكة كانوا يدعون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، كما حكى الله عنهم في آية أخرى بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾، وقوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ .. فنزلت الآية، ثم أمره أن يقول لهم: إنا آمنا بربنا وتوكلنا عليه وستعلمون غدًا من الهالك. ثم أمره أن يقول لهم: إن غار ماؤكم في الأرض ولم تصل إليه الدلاء فمن يأتيكم بماء عذب زلال تشربونه؟!
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿تَبَارَكَ﴾؛ أي: تعالى عن النقائص في ذاته وصفاته وأفعاله، واتصف بالكمالات فيها، فهو تعالى الإله ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ والسلطنة والتصرف العام. وتبارك تفاعل من البركة، والبركة: النماء والزيادة: حسّيّة أو عقليّة، ونسبتها إلى الله
стр. 13782
تعالى باعتبار تعاليه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، يعني: أنّ البركة تتضمن معنى الزيادة، وهي تقتضي التعالي عن الغير، كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي: في ذاته لوجوب وجوده، وفي صفاته وأفعاله لكماله فيهما. وأما قوله ﷺ : "تخلقوا بأخلاق الله" فباعتبار اللوازم وبقدر الاستعداد، لا باعتبار الحقيقة والكنه؛ فإن الاتصاف بها بهذا الاعتبار مخصوص بالله تعالى، فأين إحياء عيسى ﵇ الأموات من إحياء الله تعالى؟ فإنّه من الله بدعائه؛ فالمعجزة استجابة مثل هذا الدعاء ومظهريته له بقدر استعداده، وبهذا التقرير ظهر معنى قول بعض المفسرين: تزايد في ذاته؛ فإن التزايد في ذاته لا يكون إلا باعتبار تعاليه بوجوده الواجب، وتنزهه عن الفناء والتغير.
وصيغة ﴿تَبَارَكَ﴾ بالدلالة على غاية الكمال وإنبائها عن نهاية التعظيم لم يجز استعمالها في غيره تعالى، ولا استعمال غيرها من الصيغ في حقه ﵎. وإسنادها إلى الموصول للاستدلال بما في حيز الصلة على تحقق مضمونها. والموصولات معارف، ولا شك أن المؤمنين يعرفونه يكون الملك بيده، وأما غيرهم ... فهم في حكم العارفين؛ لأنّ الأدلة القطعية لما دلت على ذلك كان في قوة المعلوم عند العاقل.
وقال الحسن: ﴿تَبَارَكَ﴾ تقدس، وصيغة التفاعل للمبالغة، واليد مجاز عن القدرة التامة والاستيلاء الكامل؛ لما أن أثرها يظهر في الأغلب من اليد، يقال: فلان بيده الأمر والنهي والحل والعقد.
والمعنى: أي تقدس الذي له القدرة الغالبة والتصرف العام والحكم النافذ.
وفي "عين المعاني": واليد صلةٌ. انتهى. والباء بمعنى اللام؛ أي: تبارك الذي له الملك.
والمذهب الأسلم الذي عليه السلف ونلقى عليه الرب: أن اليد صفة ثابتة له تعالى بلا تأويل ولا تكيف ولا تمثيل، نثبتها ونعتقدها بلا تمثيل ولا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. والملك بمعنى التصرف والسلطنة كما مر. واللام فيه للاستغراق، والمعنى: تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما سواه ذاتًا وصفةً وفعلًا الذي بقبضة يده التصرف الكليّ في كل الأمور لا بقبضة غيره، فيأمر وينهى، ويعطي ويمنع، ويحيي
стр. 13783
ويميت، ويعز ويدل، ويفقر ويغني، ويمرض ويشفي، ويقرب ويبعد، ويعمر ويخرب، ويفرق ويصل، ويكشف ويحجب، وإلى غير ذلك من شؤون العظمة وآثار القدرة الإلهية والسلطنة الأزلية والأبدية.
وقال بعضهم: البركة: كثرة الخير ودوامه؛ فنسبتها إلى الله تعالى باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته من فنون الخيرات، والمعنى أي: تكاثر خير الذي بيده الملك، وتزايد إنعامه وإحسانه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
قال الراغب: البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، والمبارك: ما فيه ذلك الخير. ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحيى وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر .. قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة، وإلى هذه الزيادة أشير بما روي: "لا ينقص مال من صدقة".
﴿وَهُوَ﴾ وحده ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأشياء، وعلى كل مقدور من الإنعام والانتقام وغيرهما ﴿قَدِيرٌ﴾ أي: مبالغ في القدرة عليه، ومنته إلى أقصاها، يتصرف فيه حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة. والجملة معطوفة على الصلة، مقررة لمضمونها، مفيدة لجريان أحكام ملكه تعالى في جلائل الأمور ودقائقها.
قال بعضهم: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ما يمكن أن تتعلق به المشيئة من المعدومات الممكنة؛ لأن الموجود الواجب لا يحتاج في وجوده إلى شيء ويمتنع زواله أزلًا وأبدًا، والموجود الممكن لا يراد وجوده؛ إذ هو تحصيل الحاصل، والمعدوم الممتنع لا يمكن وجوده فلا تتعلق به المشيئة. فتعلق القدرة بالمعدوم بالإيجاد، وبالموجود بالإبقاء. والتحويل من حال إلى حال.
ومعنى الآية (١): تعالى ربنا الذي بيده ملك الدنيا والآخرة، فهو يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويرفع أقوامًا ويخفض آخرين وهو على ما يشاء فعله ذو قدرة، لا يمنعه مانع ولا يحول بينه وبين ما يريد عجز، فله التصرف التام في الموجودات
стр. 13784
على مقتضى إرادته ومشيئته بلا منازع ولا مدافع.
والخلاصة: تعاظم عن صفات المخلوقين من بيده الملك والتصرف في كل شيء، وهو قدير يتصرف في ملكه كيف يريد؛ مِن انتقامٍ ورفعٍ ووضعٍ وإعطاءٍ ومنعٍ.
٢ - ثم شرع يفصل بعض أحكام الملك وآثار القدرة، ويبين ابتناءهما على الحكم والمصالح، وأنهما يستتبعان غايات جليلة، فقال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ وقدم الموت على الحياة، لأنّه (١) هو المخلوق أوّلًا؛ لقوله تعالى،: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ لأن الموت في عالم الملك ذاتي، والحياة عرضية؛ يعني: أن الموت أسبق؛ لأن الأشياء كانت أمواتًا ثم عرضت لها الحياة، كالنطفة على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ إلخ؛ ولأنه أدعى إلى إحسان العمل، وأقرب إلى قهر النفوس؛ فمن جعله نصب عينيه أفلح، وفي الحديث: "لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه: الفقر والمرض والموت".
قيل (٢): الموت: انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته له. والحياة: تعلق الروح بالبدن واتصاله به، وقيل: هي ما يصح بوجوده الإحساس، وقيل: ما يوجب كون الشيء حيًّا. وقيل: المراد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة. وقال مقاتل: خلق الموت يعني: النطفة والمضغة والعلقة، والحياة يعني: خلقه إنسانًا، وخلق الروح فيه. وقيل: خلق الموت على صورة كبش لا يمر على شيء إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس لا تمر بشيء إلا حيي، قاله مقاتل والكلبي. وقد ورد في التنزيل: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وغير ذلك من الآيات. وفي "الإرشاد": (الأقرب أنَّ المراد بالموت: الطارىء، وبالحياة: ما قبله وما بعده لظهور مداريتهما كما ينطق به ما بعد الآية ﴿لِيَبْلُوَكُمْ ...﴾ إلخ؛ فإن استدعاء ملاحظتها لإحسان العمل مما لا ريب فيه، مع أن نفس العمل لا يتحقق بدون الحياة الدنيوية) انتهى.
стр. 13785
ثم إن الألف واللام في ﴿الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ عِوَضٌ عن المضاف إليه، أي: موتكم وحياتكم أيها المكلفون؛ لأن خلق موت غير المكلفين وحياتهم لابتلاء المكلفين لا معنى له.
واللام في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾؛ أي: خلق الموت والحياة ليعاملكم معاملة من يختبركم ليعلم أيكم أحسن عملًا، فيجازيكم على ذلك.
وظاهر هذه اللام يدل على أنّ أفعال الله معللة بمصالح العباد، وأنه تعالى يفعل الفعل لغرض كما ذهب إليه المعتزلة، وعند أهل السُّنَّة ليس هي على ظاهرها، بل معناها: أن الله تعالى فعل فعلًا لو كان يفعله من يراعي المصالح .. لم يفعله إلا لتلك المصلحة والغرض فمثل هذه اللام لام العلة عقلًا، ولام الحكمة والمصلحة شرعًا. و ﴿أَيُّكُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿أَحْسَنُ﴾ خبره. و ﴿عَمَلًا﴾ تمييز، والجملة الاسمية سادة مسد المفعول الثاني لفعل البلوى، عدي إليه بلا واسطة؛ لتضمنه معنى العلم باعتبار عاقبته، وإلا فهو لا يتعدى بلا واسطة إلا إلى مفعول واحد، فليس هو من قبيل التعليق المشهور الذي يقتضي عدم إيراد المفعول أصلًا - وقد ذكر المفعول الأول هنا وهو (كُمْ) مع اختصاصه بأفعال القلوب، ولا من التضمين المصطلح عليه بل هو مستعار لمعنى العلم، والبلوى: الاختبار، وليس هنا على حقيقته؛ لأنّه إنّما يتصور ممن تخفى عليه عواقب الأمور، فالابتلاء من الله أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب.
والمعنى كما مر: الذي قدر الموت وقدر الحياة، وجعل لكل منهما مواقيت لا يعلمها إلا هو؛ يعاملكم معاملة من يختبر حاله، وينظر أيكم أخلص في عمله، فيجازيكم بذلك بحسب تفاوت مراتبكم وأعمالكم، سواء أكانت أعمال القلب أم كانت أعمال الجوارح.
وقد ورد في تفسير الآية عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أيكم أحسن عقلًا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعته "؛ يعني: أيكم أتم فهمًا لما يصدر من حضرة القدس وأكمل ضبطًا لما يؤخذ من خطابه، وأيكم أبعد عن ملابسة الكبائر، وأسرع في إجابة داعي الله. وفيه ترغيب في الطاعات، وزجر عن المعاصي
стр. 13786
كما لا يخفى على ذوي الألباب.
ثم إن المراد أيكم عمله أحسن من عمل غيره، وايراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل لجميع أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح، لا إلى الحسن والأحسن فقط، للإيذان بأن المراد بالذات والمقصد الأصليَّ من الابتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين مع تحقق أصل الإيمان والطاعة في الباقين أيضًا.
وقال بعضهم: أحسن الأعمال ما كان أخلص بأن يكون لوجه الله خالصًا، وأصوب بأن يكون موافقًا للسنة؛ أي: واردًا للنهج الذي ورد عن الشارع، فالعمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يقبل؛ ولذا قال ﷺ للأعرابيّ: "قُمْ صَلّ فإنّك لم تُصلّ"، وكذا إذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل أيضًا؛ ولذا جعل الله أعمال أهل الرياء والنفاق هباء منثورًا. وقول بعضهم: "حُسْنُ العمل: نسيان العمل ورؤية الفضل": هو من مراتب الإخلاص، فإن الإخلاص سر عظيم من أسرار الله تعالى لا يناله إلا الخواص.
ولم يقل: أيكم (١) أكثر عملًا؛ لأنّه لا عبرة بالكثرة مع القبح، قالوا: والحسن إنما يدرك بالشرع؛ فما حسنه الشرع فهو حسن، وما قبحه فهو قبيح. وقال بعضهم: ليبلوكم أيكم أحسن أخذًا من حياته لموته، وأحسن أهبة في دنياه لآخرته.
﴿وَهُوَ﴾ أي: والحال أنه وحده ﴿الْعَزِيزُ﴾ أي: الغالب الذي لا يغالب، ولا يفوته من أساء العمل ﴿الْغَفُورُ﴾ لمن تاب وأناب ممن شاء منهم بالتوبة، وكذا بالفضل.
قال بعضهم: ولما كان العزيز منا يهلك كل من خالفه إذا علم بمخالفته ... قال - مرغبًا للمسيء في التوبة حتى لا يقول: "مثلي لا يصلح للخدمة لمالي من القاطعة" قال: "هو الغفور الذي يستر ذنوب المسيء، ويتلقى من أقبل إليه أحسن تلقٍّ"، كما قال في الحديث القدسي: "ومَنْ أتاني يَمْشِي أتَيتُه هَرْولةً".
والمعنى (٢): وهو القوي الشديد الانتقام ممن عصاه وخالف أمره، الغفور لذنوب من أناب إليه وأقلع عنها. وقد قرن سبحانه الترهيب بالترغيب في مواضع
стр. 13787
كثيرة من كتابه كقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾. وإثبات العزة والغفران له يتضمن كونه قادرًا على كل المقدورات، عالمًا بكل المعلومات؛ ليجازي المحسن والمسيء بالثواب والعقاب؛ ويعلم المطيع من العاصي؛ فلا يقع خطأ في إيصال الحق إلى من يستحقه، ثوابًا كان أو عقابًا.
٣ - ثم ذكر دلائل قدرته، فقال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ الموصول (١) يجوز أن يكون تابعا للعزيز الغفور، نعتًا أو بيانًا أو بدلًا، وأنْ يكون منقطعًا عنه على أنّه خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على المدح؛ أي: هو الإله الذي خلق وأوجد وأبدع السموات السبع على غير مثال سبق حالة كونهن ﴿طِبَاقًا﴾؛ أي: بعضها فوق بعض في جو الهواء، بلا عماد ولا علاق ولا رابط يربط بعضها ببعض، مع اختصاص كل منها بحيز معين ونظم ثابتة لا تتغير بل بنظام الجاذبية البديع بين أجرام الأرضين والسموات كما جاء في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
وقوله: ﴿طِبَاقًا﴾ يجوز (٢) أن يكون صفة لسبع سموات، وقولهم: الصفة في الأعداد تكون للمضاف إليه كما في قوله سبحانه: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ لا يطرد، ويجوز جعله حالًا؛ لأنّ ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ معرفة لشمولها الكل، وهو مصدر بمعنى الفاعل، يقال: طابقه مطابقة، وطباق الشيء مثل كتاب مطابقة بكسر الباء، وطابقت بين الشيئين إذا جعلتهما على حذو واحد وألزقتهما، والباب يدل على وضع شيء مبسوط على مثله حتى يغطيه؛ والمعنى: مطابقة بعضها فوق بعض، وسماء فوق سماء، غلظ كل سماء خمس مئة عام، وكذا جوها بلا علاقة ولا عماد ولا مماسة؛ السماء الدنيا موج مكفوف؛ أي: ممنوع من السيلان، والثانية من درة بيضاء، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس أو صُفْر، والخامسة من فضة، والسادسة من ذهب، والسابعة من ياقوتة حمراء، وبين السابعة وما فوقها من الكرسي، والعرش بحار من نور، ولكن ما ورد فيه نقل.
قال الجمهور: إن الأرض مستديرة كالكرة، وإن السماء الدنيا محيطة بها من
стр. 13788
كل جانب إحاطة البيضة بالمح، فالصفرة بمنزلة الأرض، وبياضها بمنزلة الماء، وقشرها بمنزلة السماء، غير أن خلقها ليس فيه استطالة كاستطالة البيضة، بل هي مستديرة كاستدارة الكرة المستديرة الخرط حتى قال مهندسوهم: لو حفر في الوهم وجه الأرض .. لأدى إلى الوجه الآخر، ولو ثقب مثلًا بأرض الأندلس .. لنفذ الثقب بأرض الصين، وأنَّ السماء الثانية محيطة بالدنيا، وهكذا إلى أن يكون العرش محيطًا بالكل، والكرسي الذي هو أقربها إليه بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة، فما ظنك بما تحته وكل سماء في التي فوقها بهذه النسبة، والله أعلم.
وجملة قوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ صفة ثانية لسبع سموات أو مستأنفة لتقرير ما قبلها، والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب. ووضع ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ موضع الضمير؛ إذ المقام مقام أن يقال: (في خلقه) وهي السموات على أن يكون بمعنى المخلوق، والإضافة بمعنى اللام للإشعار بأنه تعالى خلقها بقدرته القاهرة رحمةً وتفضّلًا. و ﴿مِنْ﴾ مزيدة لتأكيد النفي؛ أي: ما ترى فيه شيئًا من اختلاف واضطراب في الخلقة وعدم تناسب بل هو مستوٍ مستقيم.
قال الفاشاني: سلب التفاوت عنها بساطتها واستدارتها ومطابقة بعضها بعضًا وحسن انتظامها وتناسبها، وهو من الفوت؛ فإن كلًّا من المتفاوتين يفوت منه بعض ما في الآخر، فلا يناسبه ولا يلائمه. انتهى. وقيل: معنى ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: من خلل وعيب، وإلا فالتفاوت بين المخلوقات بالصغر والكبر وغيرهما كثير. وجعل بعض العلماء ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ عامًّا، فسئل بأن المخلوقات بأسرها على غاية التفاوت؛ لأنَّ الليل غير النهار إلى غير ذلك من الأضداد. ثم أجاب بأن ليس فيها تناقص أو زيادة غير محتاج إليها أو نقصان محتاجٌ إليه، بل لكل مستقيمة مستوية دالة على أن خالقها عالم انتهى.
وقرأ الجمهور (١): ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ بألف مصدر تفاوَتَ من باب تفاعل. وقرأ عبد الله، وعلقمة، والأسود، وابن جبير، وطلحة، والأعمش، وحمزة، والكسائي بشد الواو تفوُّت مصدر تفوَّت من باب تفعل، وهما لغتان كالتعاهد والتّعهد
стр. 13789
والتحامل والتحمّل. وحكى أبو زيد عن العربي ﴿تفاوُتًا﴾ بضمّ الواو وفتحها وكسرها، والفتح والكسر شاذّان.
والمعنى على كلا القراءتين (١): ما ترى في خلق الرحمن من تناقض ولا تباين ولا تخالف ولا اعوجاج ولا تناقص، بل هي مستقيمة دالة على خالقها، وإن اختلفت صورها وصفاتها .. فقد اتفقت من هذه الحيثية.
﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾؛ أي: رد بصرك أيها الرائي إلى رؤية السماء ونظرها حتى يتضح ذلك بالمعاينة، ولا يبقى عندك شبهة ما. و (رجع) يجيء (٢) لازمًا ومتعدّيًا كما هنا، يقال: رجع بنفسه رجوعًا، وهو العود إلى ما منه البدء، مكانًا كان أو فعلًا أو قولًا، بذاته كان رجوعه أو بجزءٍ من أجزائه أو بفعل من أفعاله ورجعه غيره رجعًا أي: رده وأعاده.
﴿هَلْ تَرَى﴾ فيها ﴿مِنْ فُطُورٍ﴾؛ أي: من شقوق وصدوع وخروق لامتناع خرقها والتئامها، قاله الفاشاني. ولو كان لها فروج .. لفاتت المنافع التي رتبت لها النجوم المفرقة في طبقاتها أو بعضها، أو كمالها كما في المناسبات. فإذا لم ير في السماء فطور وهي مخلوقة؛ فالخالق أشد امتناعًا من خواص الجسمانيات.
والمعنى (٣): اردد طرفك حتى يتضح لك ذلك بالمعاينة، أخبر أوّلًا بأنه لا تفاوت في خلقه، ثم أمر ثانيًا بترديد البصر في ذلك لزيادة التأكيد وحصول الطمأنينة. قال مجاهد والضحاك: الفطور: الشقوق، جمع فطر؛ وهو الشق. وقال قتادة: هل ترى من خلل. وقال السدي: هل ترى من خروق، وأصله: من التفطر والانفطار، وهو التشقق والانشقاق، ومنه قول الشاعر:
بني لَكُمُ بِلَا عَمَدٍ سَمَاءً ... وزيَّنَهَا فما فِيها فُطُورُ
وقول الآخر:
شَقَقْتُ القَلْبَ ثُم ذَرَرْتُ فِيهِ ... هَوَاكَ فَلِيْطَ فَالْتَأمَ الفُطُورُ
стр. 13790
وحاصل معنى الآية (١): لا ترى أيها الرائي تفاوتًا وعدم تناسب؛ فلا يتجاوز شيء منه الحد الذي يجب له زيادة أو نقصًا على نحو ما قيل:
تَنَاسَبَتِ الأعْضَاءُ فِيهِ فَلَا تَرَى ... بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أَتَيْنَ على قَدْرِ
فإن كنت في ريب من هذا فأرجع البصر والنظر حتى تتضح لك الحال، ولا يبقى لك شبهة في تحقق ذلك التناسب والسلامة من الاختلاف والشقوق بينها، وإنّما قال: ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ دون أن يقول: (ما ترى فيها) تعظيمًا لخلقهن وتنبيهًا إلى سبب سلامتهن من التفاوت بأنهن من خلق الرحمن، وأنه خلقهن بباهر قدرته وواسع رحمته تفضلًا منه وإحسانًا، وأنَّ هذه الرحمة عامة في هذه العوالم جميعًا كما مرَّ آنفًا.
٤ - ثم أمره بتكرير البصر في خلق الرحمن على سبيل التصفح والتتبع هل يجد فيه عيبًا وخللًا؟ فقال: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ والنظر إلى السماء ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ أي: رجعتين أخريين وأعد النظر مرة بعد مرة في طلب الخلل والعيب فيها.
والمراد بالتثنية (٢): التكرير والتكثير كما في (لبّيك وسعديك) يعني: إجابات كثيرة وإعانات وفيرة بعضها في إثر بعض؛ وذلك لأنَّ الكلال الآتي لا يقع بالمرّتين، أي: رجعةً بعد رجعةٍ وإن كثرت، وانتصاب ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ على المصدر، قال الحسن: لو كررته مرة بعد مرة إلى يوم القيامة لم تر فيه فطورًا، وقال الواسطي: ﴿كَرَّتَيْنِ﴾؛ أي: قلبًا وبصرًا؛ لأنَّ الأول كان بالعين خاصة. ووجه (٣) الأمر بتكرير النظر على هذه الصفة أنه قد لا يرى ما يظنه من العيب في النظرة الأولى، ولا في الثانية، ولهذا قال أوّلًا؛ ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ ثمّ قال ثانيًا: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ ثم قال ثالثًا: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾؛ فيكون ذلك أبلغ في إفادة الحجة وأقطع للمعذرة.
﴿يَنْقَلِبْ﴾ وينصرف ويرجع ﴿إِلَيْكَ﴾ أيها الرائي ﴿الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ أي: ذليلًا صاغرًا بعيدًا محرومًا من إصابة شيء مما التمسه من العيب والخلل؛ كأنه يطرد عن
стр. 13791
ذلك طردًا بالصغار والذلة، يقال: خسأت الكلب أي: أبعدته وطردته.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَنْقَلِبْ﴾ جزمًا على أنه جواب الأمر، وقرأ الخوارزمي عن الكسائي برفع الباء على الاستئناف؛ أي: فهو ينقلب، على حذف الفاء، أو على أنه في موضع حال مقدرة. و ﴿خَاسِئًا﴾ حال من ﴿الْبَصَرُ﴾. ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: كليل وبالغ غاية الإعياء؛ لطول المعاودة وكثرة المراجعة، وهو فعيل بمعنى الفاعل، من الحسور الذي هو الإعياء. والجملة حال من البصر، أو من الضمير المستتر في ﴿خَاسِئًا﴾ فيكون من قبيل الأحوال المتداخلة.
والمعنى (٢): أنَّك إذا كررت النظر .. لم يرجع إليك البصر بما طلبته من وجود الخلل والعيب، بل يرجع إليك صاغرًا ذليلًا لم ير ما يهوى منهما حتى كأنّه طرد، وهو كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة.
٥ - وبعد أن بين خلو السماوات من العيب، ذكر أنها الغاية في الحسن والبهاء؛ فقال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: وعزّتي وجلالي .. لقد زيّنّا أقرب السموات إلى الأرض وإلى الناس، وجملناها ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ أي (٣): بكواكب مضيئة بالليل إضاءة السّراج، من السيّارات والثوابت، تتراءى كلّها مركوزة في السماء الدنيا، مع أنّ بعضها في سائر السموات؛ لأنَّ السموات إذا كانت شفّافةً وأجرامًا صافية .. فالكواكب - سواء كانت في السماء الدنيا أو في سموات أخرى - لا بد وأن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها؛ فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح؛ ودخل في المصابيح القمر؛ لأنّه أعظم نيّر يضيء بالليل. وسمّيت الكواكب مصابيح؛ لأنّها تضيء كإضاءَةِ السراج. وصدر (٤) الجملة بالقسم لإبراز كمال الاعتناء بمضمونها. والمصابيح: جمع مصباح، وهو السراج، وتنكيره للتعظيم والمدح.
فائدة: وإذا جعل الله سبحانه الكواكب زينة السماء التي هي سقف الدنيا فليجعل العباد المصابيح والقناديل زينة سقوف المساجد والجوامع ولا سرف وفي الخير، وذكر أن مسجد الرسول ﷺ كان إذا جاء العشاء يوقد فيه بسعف النخل، فلما قدم تميم الداري ﵁ المدينة صحب معه قناديل وحبالًا وزيتًا، وعلق
стр. 13792
تلك القناديل بسواري المسجد وأوقدت، فقال ﵇: نورت مسجدنا نور الله عليك، أما والله لو كان لي ابنة .. لأنكحتكها، وسمّاه سراجًا، وكان اسمه الأول فتحًا، ثم أكثرها عمر ﵁ حين جمع الناس على أبي بن كعب ﵁ في صلاة التراويح، فلمّا رآها عليٌّ ﵁ تزهر قال: نورت مسجدنا نور الله قبرك يا بن الخطاب.
﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: المصابيح المعبر بها عن النجوم؛ أي: بعضها كما في تفسير أبي الليث. ﴿رُجُومًا﴾ يرجم بها الشياطين. جمع رجم بالفتح، وهو ما يرجم به ويرمى للطرد والزجر، أو جمع راجم كـ (سجودٍ) جمع ساجدٍ. ﴿لِلشَّيَاطِينِ﴾ هم كفار الجن يخرجون الإنس من النور إلى الظلمات. وجمع الشياطين على صيغة التكثير لكثرتهم في الواقع.
والمعنى (١): وجعلنا لها فائدة أخرى هي رجم أعدائكم بانقضاض الشهب المقتبسة من الكواكب عند استراق السمع، لا بالكوكب نفسها؛ فإنّها قارّة في الفلك على حالها؛ منهم من يقتله الشهاب، ومنهم من يفسد عضوًا من أعضائه أو عقله. والشهاب: شعلة ساطعة من نار، وهو هاهنا شعلة نارٍ تفصل من النجم، فأطلق عليها النجم ولفظ المصباح ولفظ الكوكب. ويكون معنى ﴿جعلناها رجومًا﴾ جعلنا منها رجومًا؛ وهي تلك الشهب، ومما يؤيد أنّ الشعلة منفصلة من النجوم، ما جاء عن سلمان الفارسي ﵁: أن النجوم كلها كالقناديل معلقة في السماء الدنيا كتعليق القناديل في المساجد، مخلوقة من نار. وقالت الفلاسفة: إنّ الشهب إنما هي أجزاء نارية تحصل في الجوّ عند ارتفاع الأبخرة المتصاعدة واتصالها بالنار التي دون الفلك، وقد سبق بيان هذا المقام مفصّلًا في أوائل الصافّات والحجر، فلا عود ولا إعادة. والذي يلوح أن مذهب الفلاسفة قريب في هذه المادّة من مذهب أهل الحقائق، وقد مرّ بيان مذهبهم في الصافات، والله أعلم بالخفيات.
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾؛ أي: هيّأنا لهؤلاء الشياطين في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾؛ أي: عذاب جهنم الموقدة المشعّلة؛ فالسعير بمعنى مفعول كما سيأتي.
стр. 13793
وحاصل معنى الآيات: ولقد زيّنا السماء القربى من الأرض؛ وهي التي يراها الناس بكواكب مضيئة بالليل كما يزين الناس منازلهم ومساجدهم بالسرج، ولكن أنى لسرج الدنيا أن تكون كسرج الله تعالى.
والخلاصة: أن نظام السموات لا خلل فيه، بل هو أعظم من ذلك؛ فقد زينت سماؤه القريبة منا بمصابيح هي بهجة للناظرين وعبرة للمعتبرين. ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾؛ أي: وهذه الكواكب لا تقف عند حدّ الزينة بل بضوئها يكون ما في الأرض من رزق وحياة وموت بحسب الناموس الذي سنناه والقدر الذي أمضيناه، ويكون في العالم الإنساني، وعالم الجن نفوس تتقاذفها الأهواء، وتتجاذبها اللذات والشهوات التي تتنجم من العناصر المتفاعلة بسبب الأضواء المشعلة النازلة من عالم الكواكب المشرقة في السماء.
وقصارى القول: أنّ هذه الكواكب كما هي زينة الدنيا، وأسبابٌ لرزقِ ذوي الصلاح من الأنبياء والعلماء والحكماء، هي أيضًا سبب لتكون الأرزاق المهيجة لشهوات شياطين الإنس والجن؛ فهذا العالم قد اختلط فيه الضر بالنفع، وأعطي لكلّ ما استعد له، فالنفوس الفاضلة والنفوس الشريرة استمدت من هذه المادة المسخرة المقهورة؛ فصارت سببًا لثواب النفوس الطيّبة وعذاب النفوس الخبيثة من مظاهر الطبيعة الناشئة من الحرارة والضوء.
ويرى بعض المفسرين: أن المراد أن المصابيح التي زيَّن الله بها السماء الدنيا لا تزول عن مكانها ولا يرجم بها؛ بل ينفصل من الكواكب شهاب يقتل الجنّي أو يخبله؛ فالشهاب كقبس يؤخذ من النار والنار باقية لا تنقص.
والظاهر: أن الشياطين هم مسترقوا السمع وأن الرجم حقيقة - يرمون بالشهب - قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوم للشيطاين، وعلامات يُهتدى بها في البر والبحر، فمن تكلم فيها بغير ذلك فقد تكلم فيما لا يعلم وتعدّى وظلم. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ أي: وهيأنا لهؤلاء الشياطين في الآخرة عذاب النار الموقدة كفاء ما اكتسبوا من اللذات، وانجذبوا من الشهوات، وغفلوا عن جمال هذه العوالم التي لم يعرفوا منها إلّا شهواتهم، أمّا عقولهم فقد احتجبت عنها.
стр. 13794
والخلاصة (١): أنّ السماء قد أضاءت على البر والفاجر؛ فالفجّار حصروا أنفسهم في شهواتهم؛ فلم ينظروا إليها نظر فكرٍ وعقلٍ، بل نظروا إليها باعتبار أن بها تقوم حياتهم، وهؤلاء أعتدنا لهم عذاب السعير في الآخرة؛ لأنَّ هذا يشاكل حالهم في الدنيا؛ إذ هم فيها قد حبسوا أنفسهم في نيران البخل والحقد والطمع؛ فتحولت إلى نار مبصرة يرون عذابها في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ والسعير: اسم للدركة الرابعة من دركات النار السبع؛ وهي جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، ولكن كلًّا من هذه الأسماء يطلق على الآخر؛ فيعبّر عن النار تارةً بالسَّعير، وتارةً بجهنم وأخرى بآخر.
واعلم (٢): أنَّ في كل دركة منها فرقة من فرق العصاة، كعصاة أهل التوحيد والنصارى واليهود والصابئة والمجوس والمشركين والمنافقين، ولم يذكروا الشياطين في واحدة من الدركات السبع، ولعلهم يقسمون على مراتب إضلالهم؛ فيدخل كل قسم منهم مع قسم تبعهُ في إضلاله، فكان سببًا لدخوله في دركة من الدركات الست التحتانية جزاء لضلاله وإضلاله وأذيّةٍ لمن تبعه فيما دعا إليه بمصاحبته ومقارنته، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ﴾ أي: مع شياطينهم.
٦ - ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ من كفّار بني آدم، أو من كفّار الإنس والجنِّ والشياطين، وقال سعدي المفتي: الأظهر حمله على الكفرة غير الشياطين، كما يشعر به ما بعده، ولئلا يلزم شبه التكرار. ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ أي: الدركة النارية التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة، يقال: رجل يهم الوجه: كالح منقبض، وفيه إشارة إلى أنّ عذابه تعالى وانتقامه خارج عن العادة لكونه ليس بسيف ولا سوط ولا عصا ولا نحوها، بل بالنار الخارجة عن الانطفاء، وليس للكافر المعذّب من الخلاص رجاء. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجع لهم. والمخصوص بالذم جهنم. وقال بعضهم: جهنم من الجهنام، وهي بئر بعيدة القعر.
стр. 13795
وقرأ الجمهور (١): ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ بالرفع، والوقف على ﴿السَّعِيرِ﴾ تامٌّ. وقرأ الضحاك، والأعرج، وأُسيد بن أسيد المزني، والحسن في رواية هارون عنه بالنصب عطفًا على ﴿عذاب السعير﴾ كما أنّ ﴿للذين﴾ عطف على ﴿لهم﴾؛ أي: وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم، والكلام حينئذٍ من عطف المفرد على المفرد، وعلى هذا فالوقف على ﴿السعير﴾ جائز.
قال في "فتح الرحمن": تضمّنت هذه الآية أنَّ عذاب جهنم للكافرين المخلدين، وقد جاء في الأثر: أنه يمر على جهنم زمن تخفق أبوابها قد أخلتها الشفاعة؛ فالذي في هذه الآية يحمل على جهنم بأسرها؛ أي: جميع الطبقات، والتي في الأثر هي الطبقة العليا؛ لأنها مقر العصاة. انتهى. وهو مراد من قال من الكبار: يأتي زمان تبقى جهنم خالية من أهلها، وهم عصاة الموحدين، ويأتي على جهنم زمان ينبت في قعرها الجرجير، وهي بقلة معروفة.
ومعنى الآية: قد سبق قضاؤنا وجرت سنتنا أن من أشرك بنا، وكذب رسلنا؛ فقد استحق عذاب يهم وبئس المآل والمنقلب.
٧ - ثم ذكر فظائع أحوال هذه النار، فقال: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾ أي: إذا ألقي الذين كفروا في جهنم، وطرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة. وفي (٢) إيراد الإلقاء دون الإدخال إشعار بتحقيرهم وكون جهنم سفلية. ﴿سَمِعُوا﴾؛ أي: سمع الكفّار ﴿لَهَا﴾؛ أي: لجهنم نفسها، وهو متعلق بمحذوف وقع حالًا مِنْ قوله سبحانه: ﴿شَهِيقًا﴾؛ لأنَّه في الأصل صفة، فلما قدمت صارت حالًا؛ أي سمعوها كائنا لها شهيقًا. أي: صوتًا كصوت الحمير الذي هو أنكر الأصوات وأفظعها غضبًا عليهم، وهو حسيسها المنكر الفظيع كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
قالوا: الشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، أو شهيق الحمار آخر صوته، والزفير أوّله، والشهيق: رد النفس، والزفير إخراجه. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ أي: والحال أنها تغلي بهم غليان المرجل بما فيها من شدة التّلهب والتسعر؛ فهم لا يزالون صاعدين