← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14631–14670 · переход к 14636.

стр. 14631

لم يحمل على هذا المعنى .. لم يظهر فائدة التوصيف، إذ من المعلوم أن النار لا تخلو من حطب. وقرأ الجمهور (١): ﴿النَّارِ﴾ بالجر، وهو بدل اشتمال، أو بدل كل من كل على تقدير محذوف؛ أي: أخدود النار، وقرأ قوم: ﴿النارُ﴾ بالرفع، قيل: على معنى قتلهم، ويكون أصحاب الأخدود إذ ذاك المؤمنين، وقتل على حقيقته، وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة وعيسى: ﴿الوُقود﴾ بضم الواو، وهو مصدر، والجمهور: بفتحها، وهو ما يوقد به، وقد حكى سيبويه أنه بالفتح أيضًا مصدر كالضم والمعنى: أن أصحاب الأخدود هم أصحاب النار التي لها من الحطب الكثير ما يشتد به لهيبها لا جرم يكون حريقها عظيمًا، ولهيبها متطايرًا. ٦ - وقوله: ﴿إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦)﴾ ظرف (٢) لـ ﴿قُتِلَ﴾، والضمير لأصحاب الأخدود، وقعود: جمع قاعد؛ أي: لعنوا حين أحرقوا المؤمنين بالنار قاعدين حولها في مكان مشرف عليها من حافات الأخدود، ولفظ ﴿عَلَى﴾ مشعر بذلك، تقول: مررت عليه، تريد مستعليًا بمكان يقرب منه، وفي بعض التفاسير: على سرر وكراسي قعود عند النار، ولو قعدوا على نفس النار لاحترقوا، فالقاتلون كانوا جالسين في مكان مشرف أو نحوه، ويعرضون المؤمنين على النار، فمن كان يترك دينه تركوه، ومن كان يصر ألقوه في النار وأحرقوه، وكان ﷺ إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء، وهو الحالة التي يختار عليها الموت، أو كثرة العيال والفقر .. كما في "القاموس". والجهد بالفتح: المشقة، وجهد عيشه كفرح: نكد واشتد. والمعنى (٣): أي قتلوا ولعنوا حين أحرقوا المؤمنين بالنار، وهم قاعدون حولها يشرفون عليهم، وهم يعذبون بها ويحرقون فيها، ٧ - كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾ جمع شاهد؛ أي: إن أولئك الجبابرة الذين أمروا بإحراق المؤمنين كانوا حضورًا عند تعذيبهم، يشاهدون ما يفعله بهم أتباعهم، فـ ﴿عَلَى﴾ بمعنى: مع، والتقدير: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود؛ أي:

стр. 14632

حضور، وفي هذا إيماء إلى قسوة قلوبهم، وتمكن الكفر منهم إلى ما فيه من إشارة إلى قوة اصطبار المؤمنين، وشدة جلدهم، ورباط جأشهم، واستمساكهم بدينهم. أو المعنى (١): أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأن أحدًا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب بالإحراق من غير ترحم وإشفاق. أو المعنى: أنهم شهود يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يعني: تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. قال الزجاج: أعلم الله سبحانه قصة قوم بلغت بصيرتهم حقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن يحرقوا بالنار في الله، هذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطبق به الروايات المشهورة، وقد ذهب بعضهم إلى أن الجبابرة لما ألقوا المؤمنين في النار، وهم قعود حولها .. علقت بهم النار، وفي رواية: ارتفعت فوقهم أربعين ذراعًا، فوقعت عليهم فأحرقتهم، ونجى الله المؤمنين سالمين، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وقبض الله أرواحهم قبل أن تمسهم النار، كما فعل ذلك بآسية امرأة فرعون على ما سبق، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. ٨ - ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾؛ أي: وما أنكر أولئك الجبابرة على المؤمنين، وما عابوا عليهم، وما كرهوا منهم ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: إلا إيمانهم وتصديقهم بوحدانية الله سبحانه وعبادتهم له ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ أي: الغالب على كل متكبر عال ﴿الْحَمِيدِ﴾؛ أي: المحمود في كل حال. قال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم بالله، والاستثناء (٢) فيه مفرغ مفصح عن براءتهم مما يعاب وينكر بالكلية، على منهاج قوله: وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ ضُيُوْفَهُمْ ... تُلَامُ بِنِسْيَانِ الأَحِبَّةِ وَالْوَطَنْ وقول الآخر: وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوْفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ لأن ما أنكره ليس منكرًا في الواقع،

стр. 14633

وغير حقيق بالإنكار، كما أن ما جعله الشاعر عيبًا ليس عيبًا، ولا ينبغي أن يعد عيبًا، ولا يضر ذلك كون الاستثناء في قول الشاعر مبنيًا على الادعاء بخلاف ما في نظم القرآن، فإنهم أنكروا الإيمان حقيقة، وعبر بلفظ المضارع في قوله: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ مع أن الإيمان وجد منهم في الماضي؛ لإرادة الاستمرار والدوام عليه، فإنهم ما عذبوهم لإيمانهم في الماضي، بل لدوامهم عليه في الآتي، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى، فكأنه قيل: إلا أن يستمروا على إيمانهم، وأما قوله تعالى حكاية عن سحرة فرعون: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ فلأن مجرد إيمان السحرة بموسى ﵇ كان منكرًا واجب الانتقام عندهم. وقرأ الجمهور (١): ﴿نَقَمُوا﴾ بفتح القاف، وقرأ زيد بن علي وأبو حيوة وابن أبي عبلة بكسرها، والفصيح: الفتح. والمعنى (٢): أي إن هؤلاء الكفار لم يعاقبوا المؤمنين إلا على شيء لا يجوز العقاب عليه، بل ينبغي لكل أحد أن يكون عليه، ويدعو غيره إلى التمسك به، وهو الإيمان بالله تعالى العزيز الغالب الذي يخشى عقابه، وتهاب صولته، المنعم الذي يرجى ثوابه وترتقب نعماؤه. ٩ - ثم أكد استحقاقه للعزة والحمد بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: لأنه مالك الأمر كله فيهما، فلا مفر لأولئك الظالمين من سلطانه، ومن كان هذا شأنه .. فهو حقيق بأن يؤمن به ويوحد، ووصفه (٣) تعالى بكونه عزيزًا غالبًا يخشى عقابه، حميدًا منعمًا يرجى ثوابه، وتأكيد ذلك بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ للإشعار بمناط إيمانهم، وأخر هذه الصفة - أعني: صفة الملك -؛ لأن الملك التام لا يحصل إلا عند حصول الكمال في القدرة التي دل عليها ﴿الْعَزِيزِ﴾، وفي العلم الذي دل عليه ﴿الْحَمِيدِ﴾؛ لأن من لا يكون تام العلم لا يمكن أن يفعل الأفعال الحميدة. وفي "كشف الأسرار": وإنما وصف ذاته بهذه الصفات .. ليعلم أنه لم يمهل الكفار لأجل أنه غير قادر، لكنه أراد أن يبلغ بهؤلاء المؤمنين مبلغًا من الثواب لم

стр. 14634

يكونوا يبلغونه إلا بمثل ذلك الصبر، وأن يعاقب أولئك الكافرين عقابًا لم يكونوا يستوجبونه إلا بمثل ذلك الفعل، وكان قد جرى بذلك قضاؤه على الفريقين جميعًا في سابق تدبيره وعلمه، وفيه تشنيع على الكفار بغاية جهلهم، حيث عدوا ما هو منقبة هي سبب المدح منقصةً هي سبب القدح. ثم وبخهم على ما صنعوا بالمؤمنين، وأوعدهم بأنهم سيلاقون جزاء ما فعلوا، فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أقوال الفريقين وأفعالهم وأحوالهم وشؤون غيرهما ﴿شَهِيدٌ﴾؛ أي: مطلع، فهو عليم بما يكون من خلقه، ومجازيهم عليه، لا تخفى عليه منهم خافية، وفي هذا وعيد شديد لأصحاب الأخدود، ووعد خير لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين، فإن علمه تعالى بجميع الأشياء التي من جملتها أعمال الفريقين يستدعي توفير جزاء كل منهما حتمًا. قال الإمام القشيري: الشهيد: العليم، ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي: علم الله، والشهيد: الحاضر، وحضوره بمعنى: علمه ورؤيته وقدرته، والشهيد: مبالغة من الشاهد، وإذا علم العبد أن الله تعالى شهيد يعلم أفعاله، ويرى أحواله .. سهل عليه ما يقاسيه لأجله. قالوا: ودلت هذه القصة على أن المكره على الكفر بنوع من العذاب، الأولى له أن يصبر على ما خوف منه، وان كان إظهار الكفر كالرخصة في ذلك. حُكي: أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي ﷺ ، فقال لأحدهما: تشهد أني رسول الله، فقال: نعم، فتركه، وقال للآخر مثله، فقال: لا بل أنت كذاب، فقتله، فقال النبي ﷺ : "أما الذي تركه فأخذ بالرخصة، فلا تبعة عليه، وأما الذي صبر .. فأخذ بالفضل، فهنيئًا له". ١٠ - ثم بين سبحانه ما أعد لأولئك الذين فعلوا بالمؤمنين ما فعلوا من التحريق فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالإحراق وغيره بسبب إيمانهم؛ أي: إن (١) الذين محنوهم في دينهم وآذوهم وعذبوهم بأي عذاب كان ليرجعوا عنه، كأصحاب الأخدود ونحوهم، كما روي أن قريشًا كانوا يعذبون بلالًا وأضرابه، فالموصول للجنس، وإنما لم يدفع البلاء قبل الابتلاء؛ لأن أهل الولاء لا يخلو عن البلاء:

стр. 14635

وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الصَّفَاءُ لِعَاشِقٍ ... وَجَنَّةُ عَدْنٍ بِالْمَكَارِهِ حُفَّتِ ﴿ثُمَّ﴾؛ أي: بعدما فعلوا ما فعلوا من الفتنة ﴿لَمْ يَتُوبُوا﴾ عن كفرهم وفتنتهم، فإن ما ذكر من الفتنة في الدين لا يتصور من دين الكافر قطعًا، وفي إيراد ﴿ثُمَّ﴾: إشعار بكمال حلمه وكرمه حيث لا يعجل في القهر ويقبل التوبة، وإن طالت مدة الحوبة. قال الإِمام: وذلك يدل على أن توبة القاتل عمدًا مقبولة. ﴿فَلَهُمْ﴾ في الآخرة بسبب كفرهم، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، ولا يضر نسخه بإن خلافًا للأخفش. ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ يعذبون به أبدًا ﴿وَلَهُمْ﴾ بسبب فتنتهم للمؤمنين ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: عذاب عظيم زائد في الإحراق على عذاب سائر أهل جهنم، فظهرت المغايرة بين المعطوفين، وإن كان كل منهما حاصلًا في الآخر، ويحتمل (١) أن يكون المراد بعذاب جهنم: بردها وزمهريرها، وبعذاب الحريق: حرها، فيرددون بين برد وحر، على أن يكون الحر لإحراقهم المؤمنين في الدنيا، والبرد لغيره، كما قالوا الجزاء من جنس العمل، والحريق: اسم بمعنى الاحتراق، كالحرقة. يقول الفقير: الظاهر: أن الحريق هنا بمعنى: المحرق، كالأليم بمعنى: المؤلم، فيكون إضافة العذاب إلى الحريق، من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، ويستفاد زيادة الإحراق من المقابلة، فإن العطف من باب الترقي بحسب العذاب المترتب على الترقي من حيث العمل. والمعنى (٢): أي: إن الذين امتحنوا المؤمنين والمؤمنات بالتعذيب ليردوهم عن دينهم، وثبتوا على كفرهم، ولم يتوبوا حتى أخذهم الموت، أعد الله لهم عذابًا في جهنم بالحريق وقد كان الضالون من كل أمة يؤذون أهل الحق والدعاة إليه حرصًا على ما ألفوا من الباطل، وتشيعًا لما وجدوا عليه أنفسهم وآباءهم الأقربين على غير بصيرة، ولا استشارة للعقل السليم، ولا يزال هذا شأنهم إلى يوم الدين، انظر إلى أصحاب الأخدود .. تجدهم قد عرضوا المؤمنين على النار، وأحرقوهم بها، وإلى كفار قريش .. ترهم قد فتنوا المؤمنين بالكثير من الإيذاء، فعذبوا آل ياسر

стр. 14636

بفنون من العذاب، وعذبوا بلالًا بما لا يحصى من ضروب الأذى، وفعلوا مثل هذا بكثير من أكابر المؤمنين، حتى لقد آذوا الرسول الأكرم، وألحقوا به كثيرًا من العنت والأذى، فرموه بالحجارة حتى أدموه، بل فعلوا معه أكثر من هذا، فخرجوا بخيلهم ورجلهم يقاتلونه وأصحابه، ويتمنون إن تمكنوا منه أن يقتلوه، ولكن الله منعه منهم، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. وفي قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ إيماء إلى أنهم لو تابوا قبل موتهم .. غفر الله لهم ما قدموا قبل التوبة من ذنب، كما مر. ١١ - وبعد أن ذكر ما أعد لأعدائه من النكال والعذاب الأليم .. أرشد إلى ما يكون لأوليائه من النعيم المقيم؛ ليكون ذلك أنكى للأعداء، وأشد في غيظهم، وأبعث للأسى والحزن في نفوسهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ على الإطلاق من المفتونين وغيرهم، والمعنى: إن الجامعين بين الإيمان وعمل الصالحات ﴿لَهُمْ﴾ بسبب ما ذكر من الإيمان, والعمل الصالح الذي من جملته الصبر على أذى الكفار، وإحراقهم. إيراد (١) الفاء أولًا، وتركها ثانيًا يدل على جواز الأمرين. ﴿جَنَّاتٌ﴾ يجازون بها بمقابلة النار ونحوها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة، يجازون بذلك بمقابلة الاحتراق والحرارة ونحو ذلك. قال في "الإرشاد": إن (٢) أريد بالجنات الأشجار، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها، فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر، وهو الشجر، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. انتهى. ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور العظيم الشأن، وهو حصول الجنات لهم ﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ الذي لا يعدله فوز آخر، وتصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، فالحصر إضافي. قال في "برهان القرآن": ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْفَوْزُ﴾: خبره، و ﴿الْكَبِيرُ﴾: صفته، وليس له في القرآن نظير، والفوز النجاة من الشر، والظفر بالخير، فإن أشير بذلك إلى الجنات نفسها، فهو مصدر أطلق على المفعول مبالغةً، وإلا فهو مصدر على حاله.

стр. 14637

قال الإِمام (١): إنما قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾، ولم يقل: تلك؛ لدقيقة لطيفة، وهي أن قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى إخبار الله سبحانه بحصول هذه الجنات، ولو قال: تلك .. لكانت الإشارة إلى نفس الجنات، وإخبار الله تعالى عن ذلك يدل على كونه راضيًا، و ﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾: هو رضي الله سبحانه، لا حصول الجنة. يقول الفقير: عندي أن حصول الجنات هو الفوز الكبير، وحصول رضي الله سبحانه هو الفوز الأكبر، كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، وإنما لم يقل تلك لأن نفس الجنات من حيث هي ليست بفوزه، وإنما الفوز حصولها ودخولها. ومعنى الآية (٢): أي إن الذين أقروا بوحدانية الله تعالى، وعملوا صالح الأعمال ائتمارًا بأوامره، وكفوا عن نواهيه ابتغاء رضوانه، لهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار، وهذا هو الظفر الكبير لهم، كفاء ما قدموا من إيمان وطاعة لربهم. ١٢ - وجملة قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ مستأنفة لخطاب النبي ﷺ ، مبينة لما عند الله تعالى من الجزاء لمن عصاه، والمغفرة لمن أطاعه، إيذانًا بأن لكفار قومه نصيبًا موفورًا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ ، والبطش: تناول الشيء بصولة، والأخذ بعنف وشدة، يقال: يد باطشة. وحيث وصف البطش بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، وهو بطشه بالجبابرة والظلمة، وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام، وإن كان بعد إمهال، فإنه عن حكمة لا عن عجز؛ أي: إن أخذ ربك للظلمة والجبابرة لشديد، ومثل هذا قوله: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. والمعنى (٣): إن انتقامه من الجبابرة والظلمة، وأخذه إياهم بالعقوبة .. لهو الغاية في الشدة، والنهاية في الأذى والألم، وفي هذا إرهاب لقريش ومن معها، وتعزية لرسول الله ﷺ ولمن تبعه. ١٣ - وقد زاد سبحانه أمر قدرته توكيدًا فقال: ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ وحده ﴿يُبْدِئُ﴾، وقرىء ﴿يبدأ﴾ من بدأ ثلاثيًا، حكاه أبو زيد؛ أي: يبدأ الخلق، ويخرجهم من العدم إلى

стр. 14638

الوجود، ثم يميتهم ويعيدهم أحياءً بعد الموت للمجازاة على الخير والشر من غير دخل لأحد في شيء منهما، ففيه مزيد تقدير لشدة بطشه، ومن كان قادرًا على الإيجاد والإعادة إذا بطش كان بطشه في غاية الشدة، وبهذا ظهر التعليل بهذه الجملة لما سبق من شدة البطش. اهـ "شهاب". كذا قال الجمهور. وقيل: يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا، ويعيده لهم في الآخرة، واختار هذا ابن جرير، والأول أولى. والمعنى: أنه يخلق الخلق ابتداءً، ثم يعيدهم بعد أن صيَّرهم ترابًا، وإذا كان قادرًا على البدء والإعادة .. فهو قادر على شديد البطش بهم؛ لأنهم تحت قبضته، وخاضعون لسلطانه، فكأنه سبحانه يقول: إن مرجعكم إلى ربكم، فإذا لم يعاقبكم في هذه الحياة على ما تعملون مع أوليائه، فلا تظنوا أن ذلك إهمال منه أو تقصير في شأنهم، بل أخر ذلك ليوم ترجعون إليه، وهو اليوم الذي سيكون فيه البطش والانتقام منكم. وقيل: المعنى: أنه (١) يبدىء البطش والعذاب في الآخرة، ثم يعيده فيها، كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ قال ابن عباس ﵄: إن أهل جهنم تأكلهم النار، حتى يصيروا فيها فحمًا، ثم يعيدهم خلقًا جديدًا، فهو المراد من الآية، أو المعنى: يبدىء من التراب، ويعيده فيه، أو يبدىء من النطفة، ويعيده في الآخرة، يقال: بدأ الله الخلق وأبدأهم، فهو بادئهم ومبدئهم، بمعنى واحد، والمبدىء: المظهر ابتداءً، والمعيد: المنشىء بعدما عدم، فالإعادة ابتدأ ثانٍ. قال الإِمام الغزالي رحمه الله تعالى: المبدىء المعيد: معناه: الموجد، لكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقًا بمثله يسمى: إبداءً، وإن كان مسبوقًا بمثله يسمى: إعادةً، والله تعالى بدأ خلق الإنسان، ثم هو الذي يعيدهم؛ أي: يحشرهم، فالأشياء كلها منه بدت، وإليه تعود، وبه بدت وبه تعود. انتهى. قال الإِمام القشيري ﵀: إن الله تعالى يبدىء فضله وإحسانه لعبيده، ثم يعيده ويكرره، فإن الكريم من يرب صنائعه، وخاصية الاسم المبدىء: أن يقرأ على بطن الحامل سحرًا تسعًا وعشرين مرة، فإن ما في بطنها يثبت ولا يزلق، وخاصية الاسم المعيد: يذكر مرارًا لتذكار المحفوظ إذا نسي لا سيما إذا أضيف له الاسم

стр. 14639

المبدىء. ١٤ - ثم ذكر سبحانه خمسة أوصاف من صفات الرحمة والجلال فقال: ١ - ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾؛ أي: كثير المغفرة لمن تاب عن الكفر وآمن، وكذا لمن تاب عن غيره من المعاصي، ولمن لم يتب أيضًا إن شاء فتجاوز عن سيئاته. ٢ - ﴿الْوَدُودُ﴾؛ أي: المحب لمن أطاع أو تاب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، فالودود: فعول بمعنى الفاعل هاهنا، وهو الذي يقتضيه المقام، وقال سهل رحمه الله تعالى: الودود: المحب إلى عباده بإسباغ النعم عليهم ودوام العافية، فيكون بمعنى المفعول؛ لأنه يحبه عباده الصالحون، ومحبة العبد لله طاعته له، وموافقته لأمره، أو تعظيمه له، وهيبته في قلبه، وخاصية الاسم الودود. حصول محبة الله ومحبة طاعته لذاكره. ٣ - ١٥ ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾؛ أي: خالق العرش ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك مجازًا؛ أي: ذو السلطنة القاهرة على المخلوقات السفلية، والمخلوقات العلوية، وإن لم يكن على السرير، يقال: ثُلَّ عرش فلان: إذا ذهب سلطانه، ومنه قول الشاعر: إِنْ يَقْتُلُوْكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوْشَهُمْ ... بِعُتَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابِ ٤ - ﴿الْمَجِيدُ﴾ بالرفع على أنه صفة لـ ﴿ذُو﴾، وهو الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه، وهو الماجد أيضًا، ولكن دل أحدهما على المبالغة. وقرىء بالجر على أنه صفة لـ ﴿الْعَرْشِ﴾، أو صفة لـ ﴿ذي﴾، ومجد العرش: علوه في الجهة، وعظم قدره، وحسن صورته وتركيبه، فإنه أحسن الأجسام تركيبًا وصورة. وقرأ الجمهور: ﴿ذُو﴾ بالواو، وابن عامر في رواية: ﴿ذي﴾ بالياء على أنه صفة لـ ﴿رَبِّكَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾ ولا يضر الفصل بينهما؛ لأنها صفات الله سبحانه. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن وثاب والأعمش والمفضل عن عاصم والأخوان حمزة والكسائي: ﴿الْمَجِيدُ﴾ بكسر الدال على أنه صفة لـ ﴿الْعَرْشِ﴾، ومن

стр. 14640

قرأ: ﴿ذي العرش﴾ بالياء، جاز في قراءته أن يكون ﴿المجيد﴾ بالخفض صفةً ﴿لذي﴾، واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الجمهور: ﴿ذُو﴾ قالا: لأن المجد هو النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه هو المنعوت بذلك، والأحسن جعل هذه المرفوعات أخبارًا عن ﴿هُوَ﴾، فيكون ﴿فَعَّالٌ﴾ خبرًا عنه أيضًا؛ أي: هو سبحانه. ٥ - ١٦ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ من الإبداء والإعادة قال عطاء: لا يعجز عن شيء أراده، ولا يمنع منه شيء طلبه، وإنما قال: ﴿فَعَّالٌ﴾ بصيغة المبالغة؛ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة من الإحياء والإماتة، والإعزاز والإذلال، والإغناء والإقتار، والشفاء والإمراض، والتقريب والتعبيد، والعمارة والتخريب، والوصل والفرق، والكشف والحجاب، وغير ذلك. ١٧ - ثم ذكر سبحانه خبر الجموع الكافرة فقال: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، والجملة مستأنفة مقررة لما تقدم من شدة بطشه سبحانه، وكونه فعالًا لما يريده، وفيه تسلية لرسوله ﷺ ، والاستفهام فيه للتقرير؛ أي: قد أتاك وجاءك يا محمد ﴿حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾؛ أي: خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائها، المتجندة عليهم في ماضي الأزمان، ١٨ - ثم بينهم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ بدل من الجنود، مع أنه غير مطابق ظاهرًا للمبدل منه في الجمعية؛ لأن المراد بفرعون هو وقومه، ويحتمل أن يكون على حذف المضاف؛ أي: جنود فرعون ﴿وَثَمُودَ﴾ قوم صالح، معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: قد أتاك (١) حديث هؤلاء، وعرفت ما فعلوا من التكذيب، وما فعل بهم من التعذيب، فذكر قومك بشؤون الله فيهم، وأنذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك حين كذبوا أنبيائهم، وقد كانوا سمعوا قصة فرعون وجنوده قوم موسى ﵇، ورأوا آثار هلاك ثمود قوم صالح ﵇؛ لأنها كانت في ممرهم وفي بلادهم، وقصتهم مشهورة قد تكرر في الكتاب العزيز ذكرها في غير موضع، واقتصر على الطائفتين لاشتهار أمرهما عند أهل الكتاب، وعند مشركي العرب، ألا ترى إلى زهير بن أبي سلمى وقوله: أَلَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أَهْلَكَ تُبَّعًا ... وَأهْلَكَ لُقْمَانَ بْنَ عَادٍ وَعَادِيَا

стр. 14641

وَأَهْلَكَ ذَا الْقَرْنَيْنِ مِنْ قَبْلِ مَا نَوَى ... وَفِرْعَوْنَ جَبَّارًا طَغَى وَالنَّجَاشِيَا وأخَّر ثمود مع تقدمه على فرعون زمانًا؛ لرعاية الفواصل، وكان فرعون من المتأخرين في الهلاك، فدل بقصته وقصة ثمود على أمثالها من قصص الأمم المكذبة وهلاكهم. ١٩ - ثم أضرب عن مماثلة هؤلاء المشركين في عصره ﷺ لمن تقدم ذكره، وبين أنهم أشد منهم في الكفر والتكذيب فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك ﴿فِي﴾ أشد ﴿تَكْذِيبٍ﴾ لك ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الأمم المكذبة المهلكة، فهؤلاء أشد منهم في الكفر والطغيان، وتنكير ﴿تَكْذِيبٍ﴾ للتعظيم، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع الحادثة، بل يكذبون كون ما نطق قرآنًا من عند الله مع وضوح أمره وظهور حاله بالبينات الباهرة. وحاصل معنى الآيات: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)﴾؛ أي: هل (١) بلغك يا محمد ما صدر من أولئك الجنود من التمادي في الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال. والخلاصة: أنه قد أتاك خبرهم، وعرفت ما فعلوا وما جازاهم ربهم به، فذكر قومك بأيام الله، وأنذرهم أنه سيصيبهم ما أصاب أماثلهم من أهل الضلال. ثم بين من هم أولئك الجنود، فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)﴾، وحديث هذين مشهور متعارف بينهم، فقد كانوا يعرفون من يهود المدينة وغيرهم ما كان من فرعون مع كليم الله موسى ﵇ من العناد، والإصرار على الكفر، وما كان من عاقبة أمره، وأن الله أغرقه في اليم هو وقومه، وأذاقه الوبال في الآخرة والأولى، كما كانوا يعرفون قصة ثمود مع صالح ﵇، وأنهم عقروا الناقة التي جعلها الله لهم آية، فدمر بلادهم وأهلكهم، ولم يترك لهم من باقية، وهم يمرون على ديارهم في أسفارهم ويسمعون أخبارهم.

стр. 14642

وخلاصة ذلك: أن الكفار في كل عصر متشابهون، وأن حالهم مع أنبيائهم لا تتغير ولا تتبدل، فهم في عنادهم واستكبارهم سواسية كأسنان المشط، فقومك أيها الرسول ليسوا ببدع في الأمم، فقد سبقتهم أمم قبلهم، وحل بهم من النكال ما سيحل بقومك إن لم يؤمنوا، فاصبر إن العاقبة للمتقين، وقد أشار إلى أن هذه شنشنتهم في كل عصر ومصر فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾؛ أي: إن الكفار في كل عصر غارقون في شهوة التكذيب حتى لم يدع ذلك لعقلهم مجالًا للنظر، ولا متسعًا للتدبر، ٢٠ - ولا يزالون في غمرة حتى يؤخذوا على غرة فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ﴾؛ أي: من خلفهم ﴿مُحِيطٌ﴾ بهم بالقدرة، وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله بعدم فوت المحاط به المحيط إذا سد عليه مسلكه بحيث لا يجد هربًا منه؛ أي: إنه تعالى مقتدر عليهم، وهم في قبضة لا يجدون مهربًا، ولا يستطيعون الفرار إذا أرادوا، فلا تجزع من تكذيبهم، واستمرارهم على العناد، فلن يفوتوني إذا أردت الانتقام منهم. ٢١ - ثم رد على تماديهم في تكذيب القرآن، وادعائهم أنه أساطير الأولين فقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾؛ أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عال الطبقة فيما بين الكتب الإلهية في النظم والمعنى، متضمن للمكارم الدنيوية والأخروية، ٢٢ - مكتوب ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ من التحريف ووصول الشياطين إليه، واللوح: كل صحيفة عريضة خشبًا، أو عظمًا. كما في "القاموس". قال الراغب: اللوح واحد ألواح السفينة، وما يكتب فيه من الخشب ونحوه، والمراد به هنا ما قال ابن عباس ﵄: إن الله خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، ينظر الله فيه كل يوم ثلاث مئة وستين مرة، يحيي ويميت، يعز ويذل ويفعل ما يشاء، وفي صدر اللوح: لا إله إلا الله وحده، ودينه الإِسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن به وصدق وعده واتبع رسله .. أدخله الجنة. وقال بعض المفسرين: اللوح: شيء يلوح للملائكة، فيقرؤونه. قلت: والمذهب الأسلم: أن يقال: اللوح المحفوظ شيء أخبرنا الله به، وأنه أودعه كتابه، ولكن لم يعرفنا حقيقته، فعلينا أن نؤمن به، وليس علينا أن نبحث فيما وراء ذلك مما لم يأتِ به خبر من المعصوم صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 14643

وقرأ الجمهور: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ برفعهما على أنهما موصوف وصفة، وقرأ ابن سميفع ﴿قرآن مجيد﴾ بالإضافة، قال ابن خالويه: سمعت الأنباري يقول: معناه: بل هو قرآن رب مجيدٍ، ويجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف لصفته، فيكون مدلوله ومدلول التنوين ورفع مجيد واحدًا، وهذا أولى؛ لتوافق القراءتين. وقرأ الجمهور: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بفتح اللام ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بالخفض صفة للوح، واللوح المحفوظ: هو الذي فيه جميع الأشياء، معلَّق بالعرش. كما في القرطبي. وقرأ ابن يعمر وابن السميفع بضم اللام؛ أي: إنه يلوح، وهو ذو نور وعلو وشرف. قال ابن خالويه: اللوح: الهواء، وقال الزمخشري: يعني: اللوح فوق السماء السابعة الذي هو في اللوح المحفوظ من وصول الشياطين إليه، وقرأ الأعرج وزيد بن علي وابن محيصن ونافع بخلاف عنه: ﴿محفوظٌ﴾ بالرفع صفة للقرآن، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ أي: هو محفوظ في القلوب لا يلحقه خطأ ولا تبديل. الإعراب ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾. ﴿وَالسَّمَاءِ﴾: ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم ﴿السَّمَاءِ﴾: مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا تقديره: أقسم، وجملة القسم مستأنفة استئنافًا نحويًا ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾: صفة لـ ﴿السَّمَاءِ﴾ مجرور بالكسر، ﴿وَالْيَوْمِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿اليومِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاءِ﴾، أو: ﴿الواو﴾: حرف قسم ﴿اليومِ﴾: مقسم به مجرور بواو القسم، فيكون قسمًا مستقلًا ﴿الْمَوْعُودِ﴾: صفة لـ ﴿ليوم﴾، ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ معطوفان أيضًا على ﴿السَّمَاءِ﴾، ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾: فعل ماضٍ ونائب فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ولكنه محذوف الصدر، تقديره: أقسم بهذه الأشياء لقد قتل أصحاب الأخدود، وإنما احتيج لهذا الحذف؛ لأن المشهور عند النحاة: أن الماضي المثبت المتصرف الذي لم يتقدم معموله إذا وقع جوابًا للقسم .. تلزمه اللام وقد، لا يجوز

стр. 14644

الاقتصار على أحدهما إلا عند طول الكلام كما مر، أو هذه الجملة دالة على الجواب المحذوف، لا جواب تقديره: أقسم بهذه الأشياء: إن هؤلاء المشركين ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود. ﴿النَّارِ﴾: بدل اشتمال من الأخدود، مجرور بالكسرة؛ لأن الأخدود مشتمل عليها, ولا بد فيه من رابط تقديره: عند البصريين: النار فيه، وعند الكوفيين: ناره؛ لأن أل في البدل ثابت عن الضمير عندهم، فكأنه مذكور ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ مضاف ومضاف إليه ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿قُتِلَ﴾؛ أي: لعنوا حين أحرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿قُعُودٌ﴾، و ﴿قُعُودٌ﴾: خبر المبتدأ، وهو جمع: قاعد، والجملة الاسمية في محل الجر بإضافة ﴿إذ﴾ إليها ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شُهُودٌ﴾، وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بـ ﴿يَفْعَلُونَ﴾، ﴿شُهُودٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجر معطوفة على الجملة التي قبلها، أو في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿قُعُودٌ﴾، وعلى بمعنى: مع، و ﴿شُهُودٌ﴾ بمعنى: حضور، والمعنى: وهم حضور مع ما يفعلون بالمؤمنين، لا يرقون لهم، ولا يرحمون لقسوة قلوبهم، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، أو حالية ﴿مَا﴾: نافية، ﴿نَقَمُوا﴾؛ فعل وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نَقَمُوا﴾، والجملة معطوفة على ما قبلها، أو حال من فاعل ﴿يَفْعَلُونَ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، وجملة ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿نَقَمُوا﴾؛ أي: ما عابوا منهم، وما أنكروا منهم إلا الإيمان بالله سبحانه، و ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُوا﴾ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾: صفتان للجلالة ﴿الَّذِي﴾: صفة ثالثة له، و ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة الاسمية صلة الموصول، و ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾، و ﴿شَهِيدٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مقررة لما قبلها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾.

стр. 14645

﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿فَتَنُوا﴾ صلة الموصولة، ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفعول به، ﴿وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ، ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿يَتُوبُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ والجملة معطوف على جملة ﴿فَتَنُوا﴾، ﴿فَلَهُمْ﴾ الفاء رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا، وإن كان منسوخًا لشبه المبتدأ بالشرط في العموم ﴿لهم﴾: خبر مقدم ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لذكر وعيد المجرمين أولًا، ثم يردفه بذكر ما أعد للمؤمنين، ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على ما قبلها على كونها خبرًا، لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿جَنَّاتٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان ما أعد للمؤمنين، ولم تعطف على ما قبلها إيذانًا باستقلالها بالمقصودية، وترك الفاء الرابطة هنا إشعارًا بجواز الأمرين، كما مر ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل ﴿تَجْرِي﴾، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿جَنَّاتٌ﴾، ولكنها سببية ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ صفة لـ ﴿الْفَوْزُ﴾، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان علو درجة ما نالوا، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه ﴿لَشَدِيدٌ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي ﷺ على ما يكابده من كفار مكة ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، لا الضمير فصل؛ لفقد الشرط، وجملة ﴿يُبْدِئُ﴾ خبر لـ ﴿هُوَ﴾، والجملة الابتدائية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، وجملة ﴿وَيُعِيدُ﴾ معطوفة على جملة ﴿يُبْدِئُ﴾، ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿الْغَفُورُ﴾: خبر أول له ﴿الْوَدُودُ﴾: خبر ثانٍ ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: خبر ثالث ﴿الْمَجِيدُ﴾ - بالرفع -: خبر رابع، وبالجر: صفة لـ ﴿الْعَرْشِ﴾، ﴿فَعَّالٌ﴾: خبر خامس، والجملة الابتدائية معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾، واستدل النحاة بهذه الآيات على جواز تعدد الخبر لمبتدأ واحد، ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿فَعَّالٌ﴾، وجملة ﴿يُرِيدُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: لما يريده. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ

стр. 14646

وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام التقريري ﴿أَتَاكَ﴾: فعل ماضٍ ومفعول به ﴿حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب مسوقة لتقرير شدة بطشه تعالى، ﴿فِرْعَوْنَ﴾: بدل من ﴿الْجُنُودِ﴾ بدل كل من كل مجرور بالفتحة؛ لأنه غير منصرف للعلمية والعجمية، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: قوم فرعون، ﴿وَثَمُودَ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مجرور بالفتحة للعلمية والتأنيث المعنوي، كزينب. ﴿بَلِ﴾: حرف عطف وإضراب عن محذوف إضرابًا انتقاليًا تقديره: ليس هؤلاء مثل من تقدم قبلهم من الأمم، بل هم أشد تكذيبًا ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾: خبر عن الموصول والجملة الاسمية معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿الله﴾: مبتدأ، ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿مُحِيطٌ﴾، و ﴿مُحِيطٌ﴾: خبر عن لفظ الجلالة، والجملة معطوفة على ما قبلها ﴿بَلِ﴾: حرف إضراب للإضراب الانتقالي عن بيان شدة كفرهم إلى وصف القرآن بما ذكر، والمعنى: ليس ما كذب هؤلاء مثل ما كذب من قبلهم، بل ما كذبوه ﴿قُرْآنٌ﴾ موصوف بهذه الصفات العالية، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ ﴿قُرْآنٌ﴾: خبر ﴿مَجِيدٌ﴾: صفة ﴿قُرْآنٌ﴾، والجملة معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، ﴿فِي لَوْحٍ﴾: صفة ثانية لـ ﴿قُرْآنٌ﴾، ﴿مَحْفُوظٍ﴾: صفة لـ ﴿لَوْحٍ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿السَّمَاءِ﴾ والسماء في اللغة: كل جرم علوي، فدخل فيه السحاب والعرش، واصطلاحًا: الأفلاك السبعة التي هي مركز الكواكب، والنجوم من السبعة السيارة والثوابت. ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ جمع: برج، وهو في الأصل: الركن والحصن والقصر، وكل بناء مرتفع على شكل مستدير، أو مربع يكون منفردًا، أو قسمًا من بناية عظيمة، والبرج أيضًا: أحد بروج السماء، وهي بحسب تعبير اللغويين اثنا عشر: الحمل والثور إلى آخر ما مر، وأصل هذه المادة للظهور يعني: أن أصل معنى البرج الأمر الظاهر من التبرج، ثم صار حقيقة في العرف للقصر العالي لظهوره، ويقال لما ارتفع من سور المدينة: برج أيضًا.

стр. 14647

﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢)﴾ هو يوم القيامة؛ لأن الله قد وعد به. ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ والشاهد والمشهود: جميع ما خلق الله تعالى في هذا العالم، فإن كل ما خلقه شاهد على جليل قدرته، وعظيم حكمته: وَفِيْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ ومشهود أيضًا لكل ذي عينين. ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾ الأخدود مفرد، وجمعه: أخاديد، والخد بفتح الخاء: بمعنى الأخدود، وجمعه: خدود، وهو الشق في الأرض، يحفر مستطيلًا، والأخاديد أيضًا: آثار الضرب بالسوط، ومنه: أخاديد الأرشية في البئر، وهي تأثير جرها فيه، ويقال للشيخ: قد تخدد، ويراد: قد تشنج جلده، وأصحاب الأخدود: قوم كافرون ذو بأس وقوةٍ، رأوا قومًا من المؤمنين، فغاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر، فأبوا، فشقوا لهم شقًا في الأرض، وحشوه نارًا، وألقوهم فيه، وكان هؤلاء الغلاظ الأكباد على جوانب الشق يشهدون الإحراق ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾؛ أي: عابوا عليهم الإيمان. وفي "المختار": نقم الأمر: كرهه، وبابه: ضرب، ونقم من باب فهم لغة. اهـ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أي: ابتلوهم، وامتحنوهم، وعذبوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء: إذا حرقته بالنار، والعرب تقول: فتن فلان الدينار: إذا أدخله الكور لينظر جودته، وفي "المختار": الفتنة: الاختبار، والامتحان، تقول: فتن الذهب يفتنه بالكسر فتنةً ومفتونًا أيضًا: إذا أدخله النار لينظر جودته، ودينار مفتون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أي: حرقوهم، ويسمى الصائغ: الفتان، وكذا الشيطان، وقال الخليل: الفتن: الإحراق، قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾. انتهى. ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: العذاب المحرق، فهو من إضافة الموصوف، إلى الصفة، وهو عذاب جهنم ذكر تفسيرًا وبيانًا له، وفي "المفردات": الحريق: النار، وكذا الحرق بالتحريك: النار أو لهبها. كما في "القاموس". وحرق الشيء: إيقاع الحرارة فيه من غير لهب كحرق الثوب بالدق، والإحراق: إيقاع نار ذات لهب في شيء، ومنه استعير أحرقني بلومه: إذا بالغ في أذيته بلوم.

стр. 14648

﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ تسيل الأنهار تحت أسرتها وغرفها، وجميع أماكنها، يتلذذون ببردها في نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في الدنيا، ويزول عنهم برؤية ذلك مع خضرة الجنان جميع المضار والأحزان. اهـ "خطيب". ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾ البطش: الأخذ بعنف وشدة. وفي "المختار": البطشة: السطوة، والأخذ بعنف، وقد بطش به - من باب ضرب ونصر - وباطشه مباطشةً. اهـ. ﴿وَيُعِيدُ﴾ أصله: يعود بوزن يفعل، نقلت حركة الواو إلى العين، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مد، وحذفت منه همزة أفعل، فصار يعيد. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾؛ أي: الذي يعفو ويستر ذنوب عباده بمغفرته. ﴿الْوَدُودُ﴾؛ أي: الذي يحب أولياءه، ويتودد إليهم بالعفو عن صغار ذنوبهم. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾؛ أي: صاحب الملك، والسلطان، والقدرة النافذة. ﴿الْمَجِيدُ﴾؛ أي: السامي القدر المتناهي في الكرم والجود، تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار؛ أي: تناهيا في الاحتراق حتى يقتبس منهما. ﴿حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ الجنود: تطلق تارة على العسكر، وتطلق أخرى على الأعوان، والمراد بهم هنا: الجماعات الذين تجندوا على أنبياء الله تعالى، واجتمعوا على أذاهم. ﴿فِرْعَوْنَ﴾ هو طاغية مصر صاحب موسى ﵇. ﴿وَثَمُودَ﴾ قبيلة بائدة من العرب، لا يعرف من أخبارها إلا ما قصه الله علينا. ﴿مُحِيطٌ﴾؛ أي: هم في قبضته تعالى وحوزته، كمن أحيط به فانسدت عليه المسالك. ﴿مَجِيدٌ﴾، أي: شريف عالي المرتبة من بين الكتب الإلهية في النظم والمعنى، متضمن للمكارم الدنيوية والأخروية. ﴿فِي لَوْحٍ﴾ قال الراغب: اللوح - بفتح اللام -: واحد ألواح السفينة، وكل صحيفة عريضة خشبًا وعظمًا، وهو هنا مخلوق عظيم خلق للبقاء كالعرش، كتب الله فيه الكائنات.

стр. 14649

﴿مَحْفُوظٍ﴾؛ أي: من التحريف والتغيير والتبديل. البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾؛ لأن البروج حقيقة في القصور التي تنزل فيها الأكابر والأشراف، فاستعيرت لمنازل الكواكب السيارة، ومقر الثوابت منها بجامع العلو في كل منهما. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾. ومنها: تنكيرهما للإبهام في الوصف؛ أي: وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما. ومنها: تأكيد المدح بما يشبه الذم في قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ وهو أن يستثنى من صفة ذم منفية صفة مدح، أو أن يثبت لشيء صفة مدح، ويؤتى بعدها بأداة الاستثناء تليها صفة مدح أخرى: ومن الأول: بيت النابغة في مديح الغسانيين: وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوْفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ وقول ابن الرقيات - وقد اقتبس لفظ القرآن، ورمق سماء بلاغته -: وَمَا نَقَمُوْا مِنْ أُمَيَّةَ إِلَّا ... أَنَّهُمْ يَحْلُمُوْنَ إِنْ غَضِبُوْا ومنه قول ابن نباتة المصري: وَلَا عَيْبَ فِيْهِ غَيْرَ أَنَّيْ قَصَدْتُهُ ... فَأَنْسَتْنِيَ الأَيَّامُ أَهْلًا وَمَوْطِنَا وقول المعري: تُعَدُّ ذُنُوْبِيْ عِنْدَ قَوْمٍ كَثِيْرَةً ... وَلَا ذَنْبَ لِيْ إلَّا الْعُلاَ وَالْفَضَائِلُ وأما الثاني: فقليل في الشعر، ومنه قول بعضهم: مَا فِيْكِ مِنَ الْجَمَالِ سِوَى ... أَنَّكِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبِيْحَاتِ

стр. 14650

ومنها: التعبير بلفظ المضارع في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ مع أن الإيمان قد وجد منهم في الماضي لإرادة الاستمرار والدوام عليه، فإنهم ما عذبوهم لإيمانهم في الماضي، بل لدوامهم عليه في الآتي، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى، فكأنه قيل: إلا أن يستمروا على إيمانهم. ومنها: وصفه تعالى بكونه عزيزًا حميدًا، له ملك السموات والأرض في قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ للإشعار بمناط إيمانهم وموجبه. ومنها: تأخير صفة الملك عن ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾؛ لإفادة أن الملك التام لا يحصل إلا عند حصول الكمال في القدرة التي دل عليها ﴿الْعَزِيزِ﴾، وفي العلم الذي دل عليه ﴿الْحَمِيدِ﴾؛ لأن من لم يكن تام القدرة والعلم .. لا يمكنه أن يفعل الأفعال الحميدة. ومنها: إيراد ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ إشعارًا بكمال حلمه وكرمه؛ حيث لم يعجل في القهر ويقبل التوبة، وإن طالت مدة الحوبة. ومنها: الطباق بين ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. ومنها: المقابلة بين مصير المجرمين ومصير المؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾. ومنها: تأخير ﴿ثَمُودَ﴾ عن ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مع تقدمهم على فرعون زمانًا في قوله: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)﴾ لرعاية الفواصل. ومنها: تنكير التكذيب في قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾؛ لإفادة التعظيم، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في الكفر والطغيان والتكذيب. ومنها: المجاز المرسل أيضًا في قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ علاقته الحالية؛ لأن التكذيب معنى من المعاني، ولا يحل الإنسان فيه، إنما يحل في مكانه، فاستعمال التكذيب في مكانه مجاز أطلق فيه الحال وأريد المحل، فعلاقته الحالية.

стр. 14651

ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾ حيث مثل عدم نجاتهم من بأس الله بعدم فوت المحاط به عن المحيط الذي سد عليه مسلكه، بحيث لا يمكنه الهرب منه. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 14652

مقاصد هذه السورة اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية: ١ - إظهار عظمة الله تعالى وباهر قدرته. ٢ - بيان وعيد المجرمين الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، ووعد الصابرين على فتنتهم. ٣ - بيان شدة بطشه تعالى للظلمة والجبابرة. ٤ - بيان بعض صفاته التي تدل على شدة بطشه. ٥ - ذكر بعض الظلمة والجبابرة من الأمم المكذبة المهلكة؛ لتكون عبرة لمن حذا حذوها من هذه الأمة. ٦ - ذكر تكذيب المشركين لهذا القرآن أشد تكذيب. ٧ - ذكر بعض صفات القرآن الكريم (١). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا * * *

стр. 14653

سورة الطارق سورة الطارق مكية بلا خلاف نزلت بعد سورة البلد، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ بمكة. وآياتها: سبع عشرة آية. وكلماتها: اثنتان وسبعون كلمة. وحروفها مئتان وأحد وسبعون حرفًا. مناسبتها لما قبلها من أوجه: ١ - أنه ابتدأ هذه بالقسم بالسماء كما بدأ السابقة بالحلف بها. ٢ - أنه ذكر في السابقة تكذيب الكفار للقرآن، وهنا وصف القرآن بأنه قول فصل وما هو بالهزل، ردًا على أولئك المكذبين. ٣ - أنه ذكر في هذه وعيد الكافرين بقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ تسليةً للنبي ﷺ ، كما ذكر في السابقة وعيد أصحاب الأخدود. وعبارة أبي حيان: مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما قبلها تكذيب الكفار للقرآن .. نبه هنا على حقارة الإنسان، ثم استطرد منه إلى أن هذا القرآن قول فصل جد لا هزل فيه ولا باطل يأتيه، ثم أمر نبيه بإمهال الكافرين المكذبين، وهي: آية الموادعة منسوخة بآية السيف. الناسخ والمنسوخ فيها: قال ابن حزم رحمه الله تعالى: سورة الطارق كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ إلا آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ فهي نزلت موادعة، ثم نسخت بآية السيف. سبب نزولها: ما روي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ قاعدًا يومًا مع أبي طالب، فانحط نجم، فامتلأت الأرض نورًا، ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال: "هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله تعالى"، فعجب أبو طالب، ونزل: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾. فضلها: ومما ورد في فضلها ما روي عن محارب بن دثار عن جابر قال:

стр. 14654

صلى معاذ المغرب بالناس، فقرأ فيها البقرة والنساء، فقال له النبي ﷺ : "أفتَّان أنت يا معاذ؟ كان يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق والشمس وضحاها". تسميتها: سميت بالطارق لذكره في أولها. والله أعلم * * *

стр. 14655

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾. المناسبة تقدم لك بيان المناسبة بين أول هذه السورة والسورة التي قبلها. واعلم: أن الله سبحانه أقسم في مستهل هذه السورة بالسماء ونجومها الثاقبة، إن النفوس لم تترك سدى، ولم ترسل مهملة، بل قد تكفل بها من يحفظها ويحصي أعمالها، وهو الله سبحانه، وفي هذا وعيد للكافرين، وتسلية للنبي ﷺ وأصحابه، فكأنه يقول لهم: لا تحزنوا لإيذاء قومكم لكم، ولا يضق صدركم لأعمالهم، ولا تظنن أنا نهملهم ونتركهم سدى، بل سنجازيهم على أعمالهم بما يستحقون, لأنا نحصي عليهم أعمالهم، ونحاسبهم عليها يوم يعرضون علينا. ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ والعد إنما يكون للحساب والجزاء. قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين (١) أن الإنسان لم يترك سدى، ولم يخلق عبثًا .. نبهه إلى الدليل الواضح على صحة معاده، وأنه لا بد أن يرجع إلى ربه ليجازيه على ما عمل، فذكره بنفسه، ولفت نظره إلى كيفية خلقه ومنشئه، وأنه خلق من الماء الدافق الذي لا تصوير فيه، ولا تقدير للآلات التي يظهر فيها عمل الحياة كالأعضاء وغيرها، ثم أنشأه خلقًا كاملًا مملوءًا بالحياة والعقل والإدراك، قادرًا على القيام بالخلافة في الأرض.

стр. 14656

فالذي خلقه على هذه الأعضاء قادر أن يعيده إلى الحياة في يوم تنكشف فيه المستورات، وتبين الخفايا، فيكون إبداؤها زينًا في وجوه بعض الناس، وشينًا في وجوه بعض آخرين، وليس للمرء حينئذٍ قوة يدفع بها عن نفسه ما يحل به من العذاب، ولا ناصر يعينه على الخلاص من الآلام. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين قدرته على إعادة الإنسان بعد الموت، ولفت النظر إلى التدبر إلى برهان هذه القدرة .. شرع يثبت صحة رسالة رسوله الكريم إلى الناس، وصحة ما يأتيهم به من عند الله، وأهم ذلك القرآن الكريم الذي كانوا يقولون عنه إنه أساطير الأولين، فأقسم بالسماء التي تفيض بمائها، والأرض التي تقيم أمور المعاش للناس والحيوان بنباتها، إنه لقول حق لا ريب فيه، ثم بين أنه عليم بأن الذين يدافعون عن تلك الأباطيل التي هم عليها قوم ماكرون لا يريدون بك إلا سوءًا، وسيأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، فلا يحزنك ما ترى منهم، ولا تستبطىء حلول النكال بهم، بل أمهلهم قليلًا وسترى ما سيحل بهم، ولا يخفى ما في هذا من وعيد شديد بأن ما سيصيبهم قريب، سواء كان في الحياة الدنيا، أو فيما بعد الموت، ووعد للنبي ﷺ ، ولكل داعٍ إلى الحق بأنهم سيبلغون من النجاح ما يستحقه عملهم، وأن المناوئين لهم هم الخاسرون. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: نزلت في أبي الأشد، كان يقوم على أديم فيقول: يا معشر قريش، من أزالني عنه فله كذا، ويقول: إن محمدًا يزعم أن خزنة جهنم تسعة عشر، فأنا أكفيكم وحدي عشرة، واكفوني أنتم تسعة، فأنزل الله سبحانه هذه السورة.

стр. 14657

التفسير وأوجه القراءة ١ - أقسم في بداية هذه السورة الكريمة بالسماء والطارق فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ والسماء: كل ما علانا، فكأنه ﵎ أقسم بالعالم العلوي وما فيه، ثم خصص بعض ما في ذلك العالم السماوي، فأقسم بالطارق. والطارق في الأصل (١): اسم فاعل من طرق طرقًا وطروقًا إذا جاء ليلًا. قال الماوردي: وأصل الطرق: الدق، ومنه سميت المطرقة؛ لأنه يطرق بها الحديد، وسمي الطريق؛ لأنه يضرب بالرجل، وسمي قاصد الليل طارقًا لاحتياجه إلى طرق الباب غالبًا؛ حيث إن الأبواب مغلقة في الليل، ثم اتسع في كل ما ظهر بالليل كائنًا ما كان، ثم اتسع في التوسع حتى أطلق على الصور الجالية البادية بالليل، والمراد هنا: الكوكب البادي بالليل. قال الراغب: عبر عن النجم بالطارق؛ لاختصاص ظهوره بالليل. قالت هند بنت عتبة يوم أحد: نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقِ ... نَمْشِيْ عَلَى النَّمَارِقِ أي: أبونا كالنجم شرفًا وعلوًا. قال الشاعر: يَا رَاقِدَ اللَّيْلِ مَسْرُوْرًا بِأَوَّلِهِ ... إِنَّ الْحَوَادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أَسْحَارَا لَا تَفْرَحَنَّ بِلَيْلٍ طَابَ أَوَّلُهُ ... فَرُبَّ آخِرِ لَيْلٍ أَجَّجَ النَّارَا قال سهل ﵀: وما طرق على قلب محمد من زوائد البيان والإنعام. انتهى. وقد أكثر سبحانه (٢) في القرآن الحلف بالسماء، وبالشمس، وبالقمر، وبالليل، لأن في أحوالها وأشكالها، وسيرها ومطالعها ومغاربها من عجائب وغرائب دلائل لمن يتدبر ويتفكر بأن لها خالقًا مدبرًا يقوم بشؤونها، ويحصي أمرها, لا يشركه سواه في هذا الإبداع والصنع. وقد اختلف في الطارق (٣)، هل هو نجم معين، أو جنس النجم؟ فقيل: هو

стр. 14658

زحل، وقيل: الثريا، وقيل: هو الذي ترمى به الشياطين، وقيل: هو جنس النجم، قال في "الصحاح": والطارق: النجم الذي يقال له: كوكب الصبح، ٢ - ثم بين سبحانه ما هو الطارق تفخيمًا لشأنه بعد تعظيمه بالإقسام به، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾؛ أي: (١) أيُّ شيء أعلمك يا محمد بالطارق، فإنه لا يناله إدراك الخلق إلا بالتلقي من الخلاق العليم، كأنه قيل: ما هو؟ فقيل: هو ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)﴾ ؛ أي: الكوكب المضيء، تقول العرب: وما أدراك ما كذا؟ أي: وأي شيء يعلمك حقيقته وهو أسلوب من كلامهم، يراد به التفخيم والتعظيم، كأنه في فخامة أمره لا يمكن الإحاطة به ولا إدراكه. قال سفيان: كل ما في القرآن: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أخبره، وكل شيء قال فيه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ لم يخبره. ٣ - ثم فسر هذا الطارق بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)﴾، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدَّر، كأنه قيل: ما هو؟ فقيل: هو النجم الثاقب، كما مر آنفًا، ولم يقل: والنجم الثاقب مع أنه أخصر وأظهر، فعدل عنه تفخيمًا لشأنه، فأقسم أولًا بما يشترك فيه هو وغيره وهو الطارق، ثم سأل عنه بالاستفهام تفخيمًا لشأنه ثانيًا، ثم فسره بالنجم إزالة لذلك الإبهام الحاصل بالاستفهام. والمعنى (٢): أي لا أقسم بكل طارق من الكواكب، بل أقسم بطارق معين هو النجم الثاقب؛ أي: الذي يثقب الظلام، ويهتدى به في ظلمات البر والبحر، ويوقف به على أوقات الأمطار وغيرها من أحوال يحتاج إليها الإنسان في معاشه؛ وهو الثريا عند جمهرة العلماء؛ لأن العرب تسميه النجم ويسمى كوكب الصبح، ويرى الحسن أن المراد كل كوكب؛ لأن له ضوءًا ثاقبًا لا محالة؛ أي: في نفسه، وإن حصل التفاوت بالنسبة، أو المعهود بالثقب، فهو من باب ركب السلطان، وهو زحل الذي في السماء السابعة لا يسكنها غيره؛ لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات؛ لأنه إذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء .. هبط زحل من السابعة، فكان معها في سمائها، ثم يرجع إلى مكانه من السابعة، فهو طارق حين ينزل وحين يصعد.

стр. 14659

٤ - ثم ذكر سبحانه المقسم عليه، فقال: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ والجملة جواب (١) القسم وما بينهما اعتراض جيء به لتأكيد فخامة المقسم به المستتبع لتأكيد مضمون الجملة المقسم عليها، و ﴿إِنْ﴾ نافية، و ﴿لَمَّا﴾ بمعنى: إلا. قال الزجاج: استعملت ﴿لما﴾ في موضع ﴿إلا﴾ في موضعين: أحدهما: بعد إن النافية. والآخر: في باب القسم، تقول: سألتك لما فعلت بمعنى: إلا فعلت، وعدي الحفظ بـ ﴿على﴾؛ لتضمنه معنى الهيمنة، والمعنى: ما كل نفس من النفوس الطيبة والخبيثة إنسانية أو جنية إلا عليها حافظ مهيمن رقيب؛ وهو الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾. والخلاصة: أي أحلف (٢) بالسماء وبالنجم الثاقب أن للنفوس رقيبًا يحفظها ويدبر شؤونها في جميع أطوار وجودها، حتى ينتهي أجلها، وذلك الحافظ والرقيب هو ربها المدبر لشؤونها، المصرف لأمورها في معاشها ومعادها. وقرأ الجمهور (٣): ﴿إنْ﴾: خفيفة، ﴿كُلُّ﴾: رفعًا، ﴿لما﴾ خفيفة فهي عند البصريين: مخففة من الثقيلة، و ﴿كُلُّ﴾؛ مبتدأ، واللام هي الداخلة للفرق بين إنْ النافية وإن المخففة، و ﴿ما﴾: زائدة، و ﴿حَافِظٌ﴾: خبر المبتدأ، و ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق به، والمعنى عليه: إنه أي: إن الشأن والحال كل نفس لعليها حافظ. وعند الكوفيين: ﴿إن﴾: نافية، و ﴿اللام﴾: بمعنى إلا، و ﴿ما﴾: زائدة, و ﴿كُلُّ﴾ و ﴿حَافِظٌ﴾: مبتدأ وخبر، والمعنى عليه: ما كل نفس إلا عليها حافظ، والترجيح بين المذهبين مذكور في علم النحو. وقرأ الحسن والأعرج وقتادة وعاصم وابن عامر وحمزة وأبو عمرو ونافع بخلاف عنهما: ﴿لَمَّا﴾ مشددة، وهي بمعنى: إلا، لغة مشهورة في هذيل وغيرهم، تقول العرب: أقسمت عليك لما فعلت كذا، أي: إلا فعلت، قاله الأخفش، فعلى هذه القراءة يتعين أن تكون ﴿إن﴾ نافية، والمعنى: ما كل نفس إلا عليها حافظ،

стр. 14660

وحكى هارون أنه قرىء ﴿إن﴾ بالتشديد ﴿كلَّ﴾ بالنصب، فاللام هي الداخلة في خبر ﴿إن﴾ و ﴿ما﴾ زائدة، و ﴿حَافِظٌ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾، والمعنى: إن كل نفس لعليها حافظ، والظاهر (١) عموم كل نفس، وقال ابن سيرين وقتادة وغيرهما: إن كل نفس مكلفة عليها حافظ يحصي أعمالها ويعدها للجزاء عليها، فيكون في الآية وعيد وزجر، وما بعد ذلك يدل عليه واختلف في الحافظ: فقيل: الحافظ: هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها، ويحصون ما تكسب من خير وشر، وقيل: الحافظ: هو الله سبحانه، وقيل: هو العقل يرشدهم إلى المصالح، ويكفهم عن المفاسد، والأول أولى؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾، وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾، وقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾، والحافظ في الحقيقة: هو الله ، كما في قوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ وحفظ الملائكة من حفظه؛ لأنهم بأمره. ٥ - ولما ذكر (٢) أن كل نفس عليها حافظ .. أتبع ذلك بوصية الإنسان بالنظر في أول نشأته الأولى حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل لذلك، ولا يملي على حافظ إلا ما يسره في عاقبته فقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: (٣) ليتفكر الإنسان المركب من الجهل والنسيان، المنكر للنشور والحشر والميزان ﴿مِمَّ﴾؛ أي: من أي شيء، فأصله مما حذفت الألف تخفيفًا كما مرَّ في ﴿عَمَّ﴾؛ أي: من أي شيء ﴿خُلِقَ﴾ حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، بل أقدر على قياس العقل، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذٍ ويجديه، ولا يملي حافظه ما يرديه. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن كل نفس عليها حافظ، وأردت معرفة قدرة ذلك الحافظ .. فأقول لك: لينظر الإنسان مم خلق؛ أي: لينظر بعقله، ويتدبر بقلبه في مبدأ خلقه، ليتضح له قدرة حافظه الذي وهب له العقل، وأنه إذا قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط .. فهو على إعادته أقدر، فليعمل بما به يسر حين الإعادة.

стр. 14661

٦ - ثم أجاب عن الاستفهام بقوله: ﴿خُلِقَ﴾ الإنسان ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾؛ أي: مدفوق، وهي قراءة زيد بن علي؛ أي: مصبوب في الرحم، والجملة مستأنفة (١) واقعة في جواب استفهام مقدر، كأنه قيل: مم خلق؟ فقيل: خلق من ماء ذي دفق، وهو صب فيه دفع وسيلان بسرعة، يقال: دفق دفقًا - من باب نصر -: إذا سال بشدة وسرعة، وإنما أوَّل بالنسبة، نظير تامر ولابن؛ لأن الصب لا يتصور من النطفة، لظهور أنها مصبوبة لا صابة، فتوصيفه بأنه دافق لمجرد نسبة مبدأ الاشتقاق إلى ذات الموصوف به مع قطع النظر عن صدوره منه. وقال بعضهم: دافق؛ أي: مدفوق ومصبوب في الرحم، نحو سر كاتم؛ أي: مكتوم، وعيشة راضية؛ أي: مرضية، فهو فاعل بمعنى: مفعول، والمراد به: الممتزج من الماءين في الرحم، كما ينبىء عنه ما بعده في الآية، وللنظر إلى امتزاجهما عبر عنهما بصيغة الإفراد، أعني قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾، ووصف الماء الممتزج بالدافق من قبيل توصيف المجموع بوصف بعض أجزائه؛ لأن الدافق هو ماء الرجل فقط. ٧ - ﴿يَخْرُجُ﴾ ذلك الدافق الممتزج في الرحم ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ للرجل ﴿وَالتَّرَائِبِ﴾ للمرأة، والصلب: الشديد، وباعتباره سمي الظهر صلبًا؛ أي: يخرج من بين ظهر الرجل وترائب المرأة، وهي ضلوع صدرها، وعظام نحرها؛ حيث تكون القلادة، وكل عظم من ذلك تريبة. وعن علي وابن عباس ﵃: بين الثديين، وفي "القاموس": الترائب: عظام الصدر، أو ما ولي الترقوتين منه، أو بين الثديين والترقوتين، أو أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع من يسرته، أو اليدان والرجلان والعينان، أو موضع القلادة. انتهى. ومن ذلك يتحمل الوالد مصالح معيشة الولد، وتشتد رقة الوالدة ومحبتها للولد، وإيراد ﴿بَيْنِ﴾ (٢) إشارة إلى ما يقال: إن النطفة تتكون من جميع أجزاء البدن، ولذلك يشبه الولد والديه غالبًا، فيجتمع ماء الرجل في صلبه، ثم يجري منه، ويجتمع ماء المرأة في ترائبها، ثم يجري منها، وفي "قوت القلوب": أصل المني: هو الدم يتصاعد في خرزات الصلب، وهناك مسكنه، فتنضجه الحرارة، فيستحيل

стр. 14662

أبيض، فإذا امتلأت منه خرزات الصلب - وهو الفقار - طلب الخروج من مسلكه، وهو عرقان متصلان إلى الفرج، منهما ينزل المني، وفي "أسئلة الحكم": بين طريق البول وطريق المني جلد رقيق، يكاد لا يتشخص؛ كيلا يختلط المني بماء البول، فيفسد حرارة جوهره. انتهى. وقرأ الجمهور (١): ﴿يَخْرُجُ﴾ مبنيًا للفاعل، وقرأ ابن أبي عبلة وابن مقسم مبنيًا للمفعول، وقرأ الجمهور: ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بضم الصاد وسكون اللام، وقرأ ابن أبي عبلة وابن مقسم وأهل مكة وعيسى: بضم الصاد واللام، وقرأ اليماني: بفتحهما، ويقال: صالب بوزن قالب، ومنه قول العباس بن عبد المطلب في أبياته المشهورة التي مدح بها النبي ﷺ : تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إِلَى الرَّحِمْ وقد تقدمت اللغات في الصلب في سورة النساء عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ كما سيأتي بيانها أيضًا في مبحث التصريف، وقال في "الصحاح": التريبة واحدة الترائب، وهي عظام الصدر، قال أبو عبيدة: جمع التريبة: ترائب، والمعنى: أي خلق من ماء مدفوق يخرج من الظهر والترائب لكل من الرجل والمرأة، فهو إنما يكون مادة لخلق الإنسان إذا خرج من بين الرجل والمرأة، ووقع في رحم المرأة. والخلاصة (٢): أن الولد يتكوَّن من مني مدفوق من الرجل، فيه جرثومة حية دقيقة لا ترى إلا بالآلة المكبرة (الميكرسكوب)، ولا تزال تجري حتى تصل إلى جرثومة نظيرتها من جراثيم المرأة، وهي البويضة، ومتى التقت الجرثومتان .. اتحدتا، وكونتا جرثومة الجنين. ٨ - والضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ للخالق، فإن قوله: ﴿خُلِقَ﴾ يدل عليه؛ أي: إن الخالق الذي خلق الإنسان ابتداء مما ذكر ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾؛ أي: على إعادته بعد موته ﴿لَقَادِرٌ﴾؛ أي: لبين القدرة، بحيث لا يرى له عجز أصلًا، وتقديم (٣) الجار والمجرور على عامله، وهو ﴿لَقَادِرٌ﴾ للاهتمام به من حيث إن الكلام فيه بخصوصه،

стр. 14663

فهو لا ينافي قادريته على غيره، والضمير في ﴿رَجْعِهِ﴾ عائد على ﴿الْإِنْسَانُ﴾، قال بعضهم: خلقه لإظهار قدرته، ثم رزقه لإظهار الكرم، ثم يميته لإظهار الجبروت، ثم يحييه لإظهار الثواب والعقاب. والمعنى: أي إن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء من هذه المادة قادر على أن يرده حيًا بعد أن يموت بالبعث، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وأصرح منهما قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. وقال مجاهد (١): على أن يرد الماء في الإحليل، وقال عكرمة والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب، وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا ومن الصبا إلى النطفة، وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج لقادر، والأول أظهر، ورجحه ابن جرير والثعلبي والقرطبي. ٩ - ثم بين وقت المرجع فقال: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ ظرف لرجعه، ولا يضر الفصل بالأجنبي للتوسع في الظروف، وقيل: العامل في الظرف ﴿لَقَادِرٌ﴾، واعترض عليه بأنه يلزم عليه تخصيص القدرة بهذا اليوم، وقيل: العامل فيه مقدر؛ أي: يرجعه يوم تبلى السرائر، وقيل: العامل فيه مقدر، وهو اذكر، فيكون مفعولًا به. ومعنى ﴿تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾: أي: تعرف وتكشف، والسرائر (٢): جمع سريرة بمعنى السر، وهي التي تكتم وتخفى؛ أي: يوم يتعرف فيه، ويتصفح ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفى من الأعماله، ويميز بين ما طاب منها وما خبث، والإبلاء: هو الابتلاء والاختبار، وإطلاق الإبلاء على الكشف والتمييز من قبيل إطلاق اسم السبب على المسبب؛ لأن الاختبار يكون للتعريف والتمييز، وابتلاء الله عباده بالأمر والنهي يكون لكشف ما علم منهم في الأزل من الطاعة أو العصيان. وقال بعضهم: المراد بالسرائر: الفرائض، كالصوم والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة، فإنها سر بين العبد وبين ربه، ولو شاء العبد أن يقول: فعلت ذلك، ولم يفعله أمكنه، وإنما تظهر صحة تلك السرائر يوم القيامة. قال ابن عمر

стр. 14664

رضي الله عنهما: يبدي الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينًا في وجوه، وشينًا في وجوه، يعني: من أدى الأمانات كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر أسود مظلمًا. والمعنى (١): أي هو سبحانه قادر على أن يعيد الإنسان إلى الحياة في اليوم الذي تنكشف فيه السرائر، وتتضح الضمائر، ويتميز الطيب من الخبيث، فلا يبقى في سريرة سر، بل تنقلب كل خفية إلى الجهر، ولا يكون جدال ولا حجاج، ولا يبقى لذوي الأعمال إلا انتظار الجزاء على ما قدموا، فإما حلول في نعيم، وإما مصير إلى عذاب أليم ١٠ - ﴿فَمَا لَهُ﴾؛ أي: فما للإنسان، و ﴿ما﴾ نافية ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ في نفسه يمتنع بها من العذاب الذي حل به ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ من خارج ينتصر به؛ إذ كل نفس يومئذٍ رهينة بما كسبت، مشغولة بجزاء ما جرت عليه خيرًا كان أو شرًا، فالمراد (٢) بالقوة المنفية: هي القوة الثابتة له في نفسه، لا القوة مطلقًا، وإلا لم يبق للعطف فائدة؛ لأن القوة المستفادة من الغير قوة أيضًا، وقد نفيت أولًا، والقوة عبارة عن شدة البنية وصلابتها المضادة للضعف، وفي "التعريفات": هي تمكن الحيوان من الأفعال الشاقة، ونصر المظلوم إعانته على الظالم، وخلاصه منه. والحاصل: أن القوة التي يدافع بها الإنسان عن نفسه (٣)؛ إما من ذاته، وقد نفاها بقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وإما من غيره، وقد نفاها بقوله: ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾؛ أي: فلا تكون لأحد قوة على الإفلات مما قدر له من جزاء عمله إن كان مسيئًا، ولا ناصر ينصره فيحميه مما حتم أن يقع عليه. والخلاصة (٤): أي فما للإنسان من قوة في نفسه يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره مما نزل به. قال عكرمة: هؤلاء الملوك ما لهم يوم القيامة من قوة ولا ناصر، قال سفيان: القوة: العشيرة، والناصر: الحليف، والأول أولى. ١١ - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾: ﴿ذَاتِ﴾: مؤنث ذو، بمعنى: صاحب، والرجع: المطر، سمي رجعًا. لما أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار

стр. 14665

الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض، أو أرادوا بذلك التفاؤل ليرجع، ولذلك سموه: أوبًا؛ ليؤوب، فيكون المرجع مصدرًا من اللازم بمعنى الرجوع، لا من المتعدي. وقال الراغب: سمي المطر رجعًا لرد الهواء ما تناله من الماء. وقال الزجاج: الرجع: المطر؛ لأنه يجيء ويرجع ويتكرر، وفي "كشف الأسرار": لأنه يرجع كل عام ويتكرر، وقيل: الرجع: الشمس والقمر والنجوم، يرجعن في السماء، تطلع من ناحية، وتغيب في أخرى، قال الجرجاني في كتاب "إعجاز القرآن"، وابن زيد: وقيل: معنى ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد، وقال بعضهم: معنى ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: ذات النفع، ووجه تسمية المطر رجعًا: ما قاله القفال: لأنه مأخوذ من ترجيع الصوت، وهو إعادته، وكذا المطر لكونه يعود ويرجع مرة بعد أخرى سمي رجعًا. ١٢ - ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ والصدع: ما تتصدع عنه الأرض، وتنشق من النبات إذ المحاكي للنشور هو تشقق الأرض، وظهور النبات منها لإظهار العيون، فالمراد بالصدع نبات الأرض سمي به؛ لأنه صادع للأرض، والأرض تتصدع به، والصدع في اللغة: الشق. والحاصل: أن الصدع إذا كان اسمًا للنبات، فكأنه قال: والأرض ذات النبات، وإن كان المراد به الشق، فكأنه قال: والأرض ذات الشق الذي يخرج منه النبات ونحوه، كالأموات. وقال مجاهد: والأرض ذات الطرق التي تتصدعها المشاة، وقيل: ذات الحرث؛ لأنه يصدعها، وقيل: ذات الأموات؛ لانصداعها عنهم عند البعث. وفي "المفردات": الصدع (١): شق في الأجسام الصلبة، كالزجاج والحديد ونحوها. وفي الآية إشارة إلى أن السماء ذات المرجع كالأب، والأرض ذات الصدع كالأم، وما ينبت من الأرض كالولد. والحاصل: أن الله سبحانه أقسم أولًا بالسماء مجردة عن التوصيف - أعني: أول السورة - وثانيًا مقيدة بكونها ذات المرجع، وكذا بالأرض ذات الصدع إيماء إلى المنة عليهم بكثرة المنافع، ودلالة على العلم التام، والقدرة الكاملة فيها. والمعنى (٢): أي أقسم لكم بالسماء ذات المطر، وهو أنفع شيء ينتظره

стр. 14666

المخاطبون من السماء، إذ يبدل جدبهم خصبًا، ويعيد موات أرضهم حيًا، ويصير به لهب صحرائهم هواءً عليلًا، وأقسم بالأرض التي تتصدع بالنبات والشجر والثمار مما به حياتهم، وحياة أنعامهم، وهم في بلاد قفراء جدباء، ونظير هذا قوله: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾ الآية. ١٣ - ثم ذكر المقسم عليه فقال: ﴿إِنَّهُ﴾: أي: إن هذا (١) القرآن الذي من جملته ما تلي من الآيات الناطقة بمبدأ حال الإنسان ومعاده ﴿لَقَوْلٌ﴾؛ أي: لكلام؛ إذ القول كثيرًا ما يكون بمعنى المقول ﴿فَصْلٌ﴾؛ أي: فاصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما مبالغ في ذلك كأنه نفس الفصل، كما قيل له فرقان بمعنى: الفارق. ١٤ - ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾؛ أي: هو كلام جد، وليس بالهزل، والهزل: اللعب، وفي "فتح الرحمن": الهزل: ما استعمل في غير ما وضع له من غير مناسبة ولا علاقة، والجد: ضده، وهو أن يقصد به المتكلم حقيقة كلامه؛ أي: ليس في شيء من القرآن شائبة هزل، بل كله جد محض لا هزل فيه، فمن حقه أن يهتدي به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة، ويظهر من الآية أن من يؤم القرآن بهزل، أو يتفكه بمزاح به يكفر، وفي "هدية المهديين": إذا أنكر رجل آية من القرآن، أو سخر بها، أو مزح بها، أو استهان بها فقد كفر، ومن قرأ القرآن على ضرب الدف أو القصبة أو المزمار أو سائر الملاهي .. فقد كفر؛ لأنه استهزأ به وأهانه، فينبغي للمؤمن أن يحترز من هذا كله وأمثاله، ويجتنب عنه. قال أبو حيان: ويجوز (٢) أن يعود الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ على الكلام الذي أخبر فيه ببعث الإنسان يوم القيامة، وابتلاء سرائره؛ أي: إن هذا القول قول جزم مطابق للواقع، لا هزل فيه، بل هو جد كله. انتهى. والمعنى: أي أقسم لكم أيها المشركون بالسماء والأرض الموصوفين بما ذكر على أن هذا القول الذي جاءكم به محمد ﷺ لقول حق، لا مجال للريب فيه، وهو جد لا هزل فيه، فمن حقه أن يهتدي به الغواة، وتخضع له رقاب الطغاة. أخرج الترمذي والدارمي: عن علي كرم الله وجهه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة"، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله

стр. 14667

فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ فيه الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن لمَّا سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، من قال به .. صدق، ومن حكم به .. عدل، ومن عمل به .. أجر، ومن هدي به .. هدي إلى صراط مستقيم". ١٥ - ثم بين ما يدبرونه للمؤمنين، وما تحويه صدورهم من غل لهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن أهل مكة ومعاندي قريش ﴿يَكِيدُونَ﴾ في إبطال أمره، وإطفاء نوره ﴿كَيْدًا﴾؛ أي: حسبما في قدرتهم؛ أي: يمكرون في إبطال ما جاء به رسول الله ﷺ من الدين الحق، قال الزجاج: يخاتلون النبي ﷺ ، ويظهرون ما هم على خلافه. ١٦ - ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾؛ أي: أقابلهم (١) بكيد متين لا يمكن رده، وأستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأجازيهم جزاء كيدهم، قيل: هو ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل والأسر. وكيد المحدث العاجز الضعيف لا يقاوم كيد القديم القادر القوي، فتسمية الاستدراج والانتقام في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالنار كيدًا من باب المشاكلة؛ لوقوعه في مقابلة كسبهم جزاء له، وإلا فالكيد وهو المكر والاحتيال في إيصال المكروه إلى الغير بخفية لا يجوز إسناده إليه تعالى مرادًا به معناه الحقيقي، وتسمية جزء الشيء باسم ذلك الشيء على سبيل المشاكلة، شائع كثير في كلامهم، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾. والمذهب الأسلم: إثبات الكيد له تعالى كما أثبته لنفسه في هذه الآية وغيرها، ويقال في تفسيره: كيد الله هو صفة ثابتة له تعالى؛ نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها، أثرها انتقامه تعالى ممن كاد برسوله ﷺ . ١٧ - ﴿فَمَهِّلِ﴾ يا محمد؛ أي: أخر وانظر ﴿الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: لا تستعجل بالانتقام منهم، ولا تدع عليهم

стр. 14668

بالهلاك؛ أي: لا تسأل الله سبحانه تعجيل هلاكهم، وارضَ بما يدبره لك في أمورهم. وقوله: ﴿أَمْهِلْهُمْ﴾ بدل من ﴿مهل﴾، وهما - أي: التمهيل والإمهال - لغتان بمعنى، مثل: نزل وأنزل، والإمهال: الإنظار، وتمهل في الأمر: اتأد فيه، وكرر الأمر بالإمهال، وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين والتصبير. اهـ "نسفي". وانتصاب ﴿رُوَيْدًا﴾ على أنه مصدر مؤكد لمعنى الفعل المذكور، أو نعت لمصدره المحذوف، أي: أمهلهم إمهالًا رويدًا؛ أي: قريبًا أو قليلًا يسيرًا، فإن كل آتٍ قريب، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ بما فيه من الرمز إلى قرب وقت الانتقام من الأعداء، وفي "كشف الأسرار": وما كان بين نزول هذه الآية وبين وقعة بدر إلا زمان يسير، يقال: أَرْوَدَ يُرْوِدُ إذا رفق وتأنى، ومنه: بني رويد كما في "المفردات"، وفي "الإرشاد": هو في الأصل تصغير: رود بالضم، وهو المهل، أو إرواد مصدر أرود بالترخيم، ويأتي اسم فعل نحو: رويد زيدًا؛ أي: أمهله، ويأتي حالًا نحو: سار القوم رويدًا؛ أي متمهلين، ذكر معنى هذا الجوهري، والبحث عنه مستوفى في كتب النحو. ولما كرر (١) الأمر بالإمهال توكيدًا .. خالف بين اللفظين على أن الأول مطلق، وهذا الثاني مقيد بقوله: رويدًا، وقرأ ابن عباس: ﴿أمَهلهم﴾ بفتح الميم، وشد الهاء موافقة للفظ الأمر الأول. والمعنى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾، أي (٢): أنهم يمكرون بالناس بدعوتهم إلى مخالفة القرآن بإلقاء الشبهات كقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾، وقولهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، أو بالطعن فيه بكون الرسول ساحرًا أو مجنونًا أو تبييتهم قتله، كما جاء في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾. وبعدئذٍ ذكر ما قابلهم ربهم به، وما جازاهم عليه كفاء عملهم فقال: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾؛ أي: وأقابل كيدهم بنصر الرسول، وإعلاء دينه، وجعل كلمته العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وسمى مجازاتهم كيدًا منه للتجانس في اللفظ، كما

стр. 14669

قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾، وقال عمرو بن كلثوم: أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِيْنَا ثم أمر رسوله أن يتأنى عليهم ليرى أخذه تعالى لهم، فقال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾، أي: سر في دعوتك، ولا تستعجل عذابهم، فإنا سنمهلهم ليزدادوا إثمًا حتى إذا أخذناهم .. لم يبق لهم من راحم، ثم أكد طلب الإمهال وأقَّته بوقت قريب فقال: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾؛ أي: إنا سنمهلهم قليلًا، وسترى ما يحل بهم من العذاب والنكال، وفي هذا بعث للطمأنينة إلى قلوب المؤمنين الذين كانوا يخشون صولة الكفار، ويحذرون اعتداءاتهم التي لا حد لها، وتخويف لهم من عاقبة إصرارهم على ما هم فيه من الكفر والمشاقة لله ورسوله وللمؤمنين، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾. فائدة: روي (١) عن همام مولى عثمان ﵁ أنه قال: لما كتبوا المصحف شكوا في ثلاث آيات، فكتبوا في كتف شاة، وأرسلوني إلى أبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵄، فدخلت عليهما، فناولتها أبيًا، فقرأها، فإذا هي فيها ﴿لا تبديل للخلق﴾، فكتب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وكان فيها: ﴿لم يتسن﴾، فكتب: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، وكان فيها: ﴿فأمهل الكافرين﴾ فمحا الألف، وكتب ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾، ونظر فيها زيد بن ثابت، فانطلقت بها إليهم، فأثبتوها في المصحف. وفيه إشارة إلى أن الله تعالى حافظ للقرآن من التحريف والتبديل, لأنه أثبته في صدور الحفاظ، وإلى أن المشكلات يرجع فيها إلى أهل الحل. الإعراب ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾. ﴿وَالسَّمَاءِ﴾: ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم ﴿السَّمَاءِ﴾: مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا تقديره: أقسم بالسماء، وجملة القسم مستأنفة، ﴿وَالطَّارِقِ﴾: قسم آخر أيضًا مماثل لما قبله في إعرابه معطوف

стр. 14670

عليه، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: اعتراضية ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿أَدْرَاكَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على ﴿ما﴾ الاستفهامية، والكاف مفعول أول لـ ﴿أدرى﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لـ ﴿مَا﴾ الاستفهامية، وجملة الاستفهام جملة معترضة إنشائية لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين القسم وجوابه لتأكيد القسم، ﴿مَا﴾ اسم استفهام مبتدأ، ﴿الطَّارِقُ﴾: خبر، والجملة الابتدائية في محل النصب سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾، ﴿النَّجْمُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو النجم، ﴿الثَّاقِبُ﴾: صفة لـ ﴿النَّجْمُ﴾، والجملة الاسمية جملة اعتراضية لاعتراضها بين القسم وجوابه مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كما مر، كأنه قيل: ما هو الطارق؟ فأجاب بقوله: هو النجم الثاقب. ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة تقدم النفي عليه، ﴿لَمَّا﴾: - بالتشديد -: حرف بمعنى إلا الحصرية، مبني على السكون ﴿عَلَيْهَا﴾: خبر مقدم ﴿حَافِظٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول، وجملة المبتدأ الأول مع خبره جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وفي تخفيف ﴿لما﴾ تقول في إعراب الجملة ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة مهملة، وإلى هذا أشار ابن مالك في "خلاصته": وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ ... وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: مبتدأ، و ﴿لما﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، و ﴿مَّا﴾: زائدة ﴿عَلَيْهَا﴾: خبر مقدم، ﴿حَافِظٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول جواب القسم. ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾. ﴿فَلْيَنْظُرِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره؛ إذا عرفت أن كل نفس عليها حافظ، وأردت بيان قدرة ذلك الحافظ .. فأقول لك: ﴿لينظر الإنسان﴾، ﴿اللام﴾: حرف جزم وطلب، ﴿ينظر﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر ﴿الْإِنْسَانُ﴾. فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿مِمَّ﴾: ﴿من﴾: حرف جر مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ﴿ما﴾، و ﴿ما﴾ اسم استفهام في محل
следующие страницы →