← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 15226–15265 · переход к 15231.

стр. 15226

السؤدد، فلا سيد فوقه. قال الشاعر: أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِيْ أَسَدْ ... بِعَمْرِو بْنِ مَسعُوْدٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ وقيل: معنى الصمد: الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول، وقيل: معنى الصمد ما ذكره بعده من أنه الذي لم يلد ولم يولد، وقيل: هو المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد، وقيل: هو المقصود في الرغائب، والمستغاث به في المصائب، وهذان القولان يرجعان إلى معنى القول الأول، وقيل: هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقيل: هو الكامل الذي لا عيب فيه، وقال الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعطاء وعطية العوفي والسدي: الصمد هو المصمت الذي لا جوف له، كما سيأتي بسطه نقلًا عن "الخازن"، ومنه قول الشاعر: شِهَابُ حُرُوْبٍ لَا تَزَالُ جِيَادُهُ ... عَوَابِس يَعْلِكْنَ الشَّكِيْمَ الْمُصَمَّدَا وهذا لا ينافي القول الأول؛ لجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد، ثم استُعمل في السيد المصمود إليه في الحوائج، ولهذا أطبق على القول الأول أهل اللغة وجمهور أهل التفسير، ومنه قول الشاعر: عَلَوْتُهُ بِحُسَامٍ ثُم قُلْتُ لَهُ ... خُذْهَا حُذَيْفُ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ وقال الزبرقان بن بدر: سِيْرُوْا جَمِيْعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَاعْتَمِدُوا ... وَلَا رَهِيْنَةَ إِلَّا سَيِّدٌ صَمَدُ وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك، فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية، وحذف العاطف من هذه الجملة؛ لأنها كالنتيجة للجملة الأولى، وقيل: إن الصمد صفة للاسم الشريف، والخبر هو ما بعده، والأول أولى؛ لأن السياق يقتضى استقلال كل جملة، فمعنى قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾؛ أي (١): هو الله الذي يقصده العباد ويتوجهون إليه لقضاء ما أهمتهم دون واسطة إلى

стр. 15227

شفيع، وبهذا أبطل عقيدة مشركي العرب الذين يعتقدون بالوسائط والشفعاء، وعقيدة غيرهم من أهل الأديان الأخرى الذين يعتقدون بأن لرؤوسهم منزلة عند ربهم ينالون بها التوسط لغيرهم في نيل مبتغاهم فيلجؤون إليهم أحياء وأمواتًا، ويقومون عند قبورهم خاضعين خاشعين، كما يخشعون لله أو أشد خشية. وفي "الخازن" (١): قال ابن عباس: الصمد الذي لا جوف له، وبه قال جماعة من المفسرين، ووجه ذلك من حيث اللغة أن الصمد الشيء المصمد الصلب الذي ليس فيه رطوبة ولا رخاوة، ومنه يقال لسداد القارورة: الصماد، فإن فُسر الصمد بهذا كان من صفات الأجسام ويتعالى الله جل وعز عن صفات الجسمية، وقيل: وجه هذا القول أن الصمد الذي ليس بأجوف معناه: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، وهو الغني عن كل شيء، فعلى هذا الاعتبار هو صفة كمال، والقصد بقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ التنبيه على أنه تعالى بخلاف من أثبتوا له الإلهية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ وقيل: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي ليس بأجوف شيئان أحدهما دون الإنسان وهو سائر الجمادات الصلبة، والثاني أشرف من الإنسان، وأعلى منه وهو الباري جل وعلا. انتهى. وعبارة "النسفي": والمعنى هو (٢) الله تعرفونه، وتقرون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم، وهو واحد لا شريك له، وهو الذي يصمد إليه، ويقصد كل مخلوق ولا يستغنون عنه، وهو الغني عنهم انتهى. ٣ - ثم صرح ببعض أحكام جزئية مندرجة تحت الأحكام السابقة (٣)، فقيل: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ تنصيصًا على إبطال زعم المفترين في حق الملائكة والمسيح وعزير، ولذلك ورد النفي على صيغة الماضي حيث قال: لم يلد من غير أن يقال: لن يلد، أو لا يلد؛ أي: لم يصدر منه ولد؛ لأنه لا يجانسه شيء ليمكن أن يكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا ولا يفتقر إلى ما يعينه أو

стр. 15228

يخلفه؛ لاستحالة الحاجة والفناء عليه سبحانه. فإن قلت: لم قال في هذه السورة: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وفي سورة بني إسرائيل ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾؟. أجيب: بأن النصارى فريقان: منهم من قال عيسى ولد الله حقيقة، فقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ إشارة إلى الرد عليه، ومنهم من قال: اتخذه تشريفًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا تشريفا، فقوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ إشارة إلى الرد عليه. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾؛ أي: لم يصدر (١) عن شيء لاستحالة نسبة العدم إليه سابقًا أو لاحقًا، وقال بعضهم: الوالدية والمولودية لا تكونان إلا بالمثلية، فإن المولود لا بد أن يكون مثل الوالد، ولا مثلية بين هويته الواجبة وهوياتنا الممكنة. انتهى. وقال البقلي: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ أو: لم يكن هو محل الحوادث ولا الحوادث محله، والتصريح بأنه لم يولد مع كونهم معترفين بمضمونه، لتقرير ما قبله، وتحقيقه بالإشارة إلى أنهما متلازمان؛ إذ المعهود أن ما يلد يولد ومالا فلا، ومن قضية الاعتراف بأنه لم يولد، الاعتراف بأنه لا يلد، وفي "كشف الأسرار": قدم ذكر ﴿لَمْ يَلِد﴾؛ لأن من الكفار من ادعى أن له ولدًا، ولم يدع أحد أنه مولود، وقال أبو الليث: ﴿لَمْ يَلِد﴾ يعني: لم يكن له ولد يرثه ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ يعني لم يكن له والد يرث ملكه ٤ - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ ﴿كُفُوًا﴾؛ أي: مماثلًا في ذاته وصفاته وأفعاله ﴿أَحَدٌ﴾ من المخلوقات، وقوله: ﴿لَهُ﴾ صلة لـ ﴿كُفُوًا﴾ قدمت عليه مع أن حقها التأخر عنه للاهتمام بها؛ لأن المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى؛ أي: لم يكافئه ولم يماثله ولم يشاكله، بل هو خالق الأكفاء، ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح نفيًا للصاحبة، وأما تأخير اسم كان فلمراعاة الفواصل، وهذه (٢) الجملة مقررة لمضمون ما قبلها؛ لأنه سبحانه إذا كان متصفًا بالصفات المتقدمة كان متصفًا بكونه لم يكافئه أحد، ولا يماثله ولا يشاركه في شيء، ولعل ربط هذه الجمل الثلاث بالعاطف؛ لأن المراد منها نفي أقسام الأمثال، فهي جملة واحدة منبه عليها بالجمل؛ أي: فهو (٣) تعالى الأول الذي لم

стр. 15229

يتقدمه والد كان عنه، وهو الآخر الذي لم يتأخر عنه ولد يكون عنه، ومن كان كذلك فهو الذي لم يكن له كفوًا أحد؛ أي: ليس له من خلقه مثل ولا نظير ولا شبيه، فنفى عنه بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ العديل والنظير والصاحبة والولد، واعلم أن الكفؤ يعم الشبيه والنظير والمثيل، فالمثيل هو المشارك لك في جميع صفاتك، والشبيه هو المشارك في غالبها، والنظير هو المشارك في أقلها، والله منزه عن ذلك كله. وأخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال الله : "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد". وقرأ الجمهور (١): ﴿كُفُوًا﴾ - بضم الكاف والفاء وتسهيل الهمزة - وقرأ الأعوج وسيبويه ونافع في رواية عنه بإسكان الفاء، وروي ذلك عن حمزة مع إبداله الهمزة واوًا وصلًا ووقفًا، وقرأ نافع في رواية عنه: ﴿كفأ﴾ بكسر الكاف وفتح الفاء من غير مد، وقرأ سليمان بق علي بن عبد الله بن العباس كذلك؛ أي: بكسر الكاف وفتح الفاء، كقول النابغة: لَا تَقْذِفَنِّيْ بِرُكْنٍ لَا كِفَاءَ لَهُ والخلاصة (٢): أَنّ السورة تضمنت نفي الشرك بجميع أنواعه، فقد نفى الله سبحانه عن نفسه أنواع الكثرة بقوله: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ونفى عن نفسه أنواع الاحتياج بقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ ونفى عن نفسه المجانسة والمشابهة لشيء بقوله: ﴿لَمْ يَلِد﴾ ونفى عن نفسه الحدوث والأولية بقوله: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ ونفى عن نفسه الأنداد والأشباه بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

стр. 15230

الإعراب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ﴾: ضمير الشأن تفسره الجملة المذكورة بعده في محل الرفع مبتدأ أول. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ثان. ﴿أَحَدٌ﴾: خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر الأول، وجملة الأول في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، أو هو ضمير عائد على المسؤول عنه المعلوم من السياق في محل الرفع مبتدأ. ﴿اللَّهُ﴾: خبره، أو خبر ثان له، أو بدل من الجلالة، وإن شئت قلت: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخر السورة مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، وترك العطف هنا؛ لأن هذه الجملة مؤكِّدة ومقررة لما قبلها، وكذلك ترك العطف في قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ لأنه مؤكد للصمدية؛ لأن الغني عن كل شيء المحتاج إليه كل ما سواه لا يكون والدًا ولا مولودًا. ﴿لَمْ يَلِدْ﴾: جازم وفعل معلوم مجزوم وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ مؤكدة لما قبلها. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾: جازم وفعل مضارع مجهول مجزوم، ونائب فاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾ معطوف على ﴿لَمْ يَلِدْ﴾. ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾: جازم وفعل ناقص مجزوم معطوف على ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أيضًا. ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿كُفُوًا﴾ أو حال منه، وقدم عليه للاهتمام به؛ إذ فيه ضمير الباري سبحانه. ﴿كُفُوًا﴾: خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدم على اسمها لمراعاة الفواصل. ﴿أَحَدٌ﴾: اسمها مؤخر عن خبرها، وهناك أقوال متلاطمة في إعراب هذه الجملة لا طائل تحتها. التصريف ومفردات اللغة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾؛ أي: فرد في ذاته وصفاته لا يتجزأ، وهمزة ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من واو؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة قليل، وتقدم الفرق بين أحد هذا، وأحد المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها، ونقل أبو البقاء أن همزة ﴿أَحَدٌ﴾ هنا غير مقلوبة، بل أصل بنفسها، كأحد المراد به العموم والمعروف الأول، وقال مكي: إن أحدًا أصله: واحد، فأُبدلت الواو

стр. 15231

همزة، فاجتمع ألفان؛ لأن الهمزة تشبه الألف، فحُذفت إحداهما تخفيفًا. فإن قلت: كيف ذُكر ﴿أَحَدٌ﴾ في الإثبات مع أن المشهور أنه يُستعمل بعد النفي، كما أن الواحد لا يُستعمل إلا بعد الإثبات، يقال في الدار واحد، وما في الدار أحد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. فالجواب: قال ابن عباس ﵄ إنه لا فرق بينهما في المعنى، واختاره أبو عبيدة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ وعليه فلا يختص أحدهما بمحل دون آخر، وإن اشتهر أحدهما استعمالًا في النفي، والآخر في الإثبات، ويجوز أن يكون العدول هنا عن المشهور رعاية للفاصلة بعد، فدل بقوله: ﴿اللَّهُ﴾ على صفات الكمال، وبالأحد على صفات الجلال اهـ "كرخي". ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾؛ أي: المصمود المقصود في الحوائج، فهو فَعَل بمعنى مفعول، كالقَبَض بمعنى المقبوض، والنَّقَض بمعنى المنقوض، وإنما عرّفه بإدخال أل عليه دون ﴿أَحَدٌ﴾؛ لعلمهم بصمديته بخلاف أحديته، وتكرير لفظ ﴿اللَّهُ﴾؛ للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية، وإنما خلت هذه الجملة من العاطف؛ لأنها كالنتيجة للأولى؛ أي: كالدليل عليها اهـ "البيضاوي". ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ من ولد يلد - من باب وعد يعد - أصله يَوْلِد بفتح الياء وكسر اللام؛ لأنه معلوم فحذفوا الواو؛ لوقوعها بين عدوتيها الياء والكسرة. ﴿كُفُوًا﴾ بوزن فعل، وكفيئًا على وزن فعيل، وكفاء على وزن فعال بمعنى واحد، والكفء المثل والنظير، وقال أبو حيان بضم الكاف وكسرها وفتحها مع سكون الفاء وبضم الكاف مع ضم الفاء، يقال: هذا كفاؤه وكفؤه بمعنى مثله، وكافأ فلانًا إذا ماثل. البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

стр. 15232

فمنها: تصدير الجملة بضمير الشأن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾؛ للتنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها مع أن في الإبهام ثم التفسير مزيد تقرير لمدلولها. ومنها: تعريف الطرفين في قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾؛ لإفادة التخصيص. ومنها: الفصل - أي - ترك العطف في جملة قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ إشعارًا بأنها مقرَّرة مؤكدة لما قبلها، وكذلك ترك العطف في قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ لأنه مؤكد لمعنى الصمدية كما مر، وقد أشار صاحب "الجوهر المكنون" إلى مواضع الفصل بقوله: الْفَصْلُ تَرْكُ عَطْفِ جُمْلَةٍ أتَتْ ... مِنْ بَعْدِ أُخْرَى عَكْسَ وَصْلٍ قَدْ ثَبَتْ فَافْصِلْ لَدَى التَّوْكِيْدِ وَالإِبْدَالِ ... لِنُكْتَةٍ وَنِيَّةِ السُّؤَالِ وَعَدَمِ التَّشْرِيْكِ فِيْ حُكْمٍ جَرَى ... أَوِ اخْتِلَافٍ طَلَبًا وَخَبَرَا وَفَقْدِ جَامِعٍ وَمَعْ إِيْهَامِ ... عَطْفٍ سِوَى الْمَقْصُوْدِ في الْكَلَامِ ومنها: الوصل بين الجمل الثلاث الأخيرة أعني قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾؛ لأنها سيقت لغرض، ومعنى واحد وهو نفي المماثلة والمجانسة عنه تعالى بوجه من الوجوه، كما قال الأخضري في الجوهر المكنون: وَصِلْ لَدَى التَّشْرِيْكِ فِيْ الإِعْرَابِ ... وَقَصْدِ رَفْعِ اللَّبْسِ فِيْ الْجَوَابِ وَفِيْ اتِّفَاقٍ مَعَ الاتِّصَالِ ... فِيْ عَقْلٍ أَوْ فِيْ وَهْمٍ أوْ خَيَالِ ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾؛ لتغير الشكل وبعض الحروف. ومنها: تكرير لفظ الجلالة في قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية. ومنها: تقديم صلة ﴿كُفُوًا﴾ أعني الجار والمجرور في قوله: ﴿لَهُ﴾ عليه؛ للاهتمام بها؛ لأن المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى؛ أي: لم يكافئه أحد ولم يماثله ولم يشاكله.

стр. 15233

ومنها: تأخير اسم كان عن خبرها في قوله: ﴿كُفُوًا أَحَدٌ﴾؛ لمراعاة الفواصل. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١). والله أعلم بالصواب * * *

стр. 15234

سورة الفلق سورة الفلق نزلت بعد سورة الفيل، وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة، وهذا أصح كما في "الخازن"، ويؤيده سبب النزول، فإنه كان بالمدينة ولم يظهر للقول بأنها مكية وجه اهـ "صاوي". وهي: خمس آيات، وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفًا. المناسبة: مناسبتها لما قبلها (١): أنه تعالى لما بيَّن أمر الألوهية في السورة التي قبلها .. بيَّن هنا ما يُستعاذ منه بالله تعالى؛ لأنه لا ملجأ سواه، وسميت سورة الفلق؛ لذكر الفلق فيها. الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم ﵀: سورة الفلق كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. فضلها: وورد في فضل هذه السورة والتي بعدها أحاديث: منها: قوله ﷺ : "لقد أنزلت على سورتان ما أنزل مثلها، وأنه لن يقرأ أحد أحبَّ ولا أرضى عند الله تعالى منهما". يعني المعوذتين، وقوله: "ما أنزل مثلهما"؛ أي: في التحصن، والتعوذ. ومنها: ما أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزلت عليَّ الليلةَ آيات لم أر مثلهن قط ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ ". ومنها: ما أخرجه ابن الضريس وابن الأنباري والحاكم وصححه وابن مردويه في "الشعب" عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله أقرئني سورة يوسف وسورة هود، قال: "يا عقبة اقرأ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ فإنك لن تقرأ سورة

стр. 15235

أحب إلى الله وأبلغ منها، فإذا استطعت أن لا تفوتك فافعل". ومنها: ما أخرجه ابن سعد والنسائي والبغوي والبيهقي عن أبي حابس الجهني أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا حابس أخبرك بأفضل ما تعوّذ به المتعوذون" قال: بلى يا رسول الله قال: " ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ هما المعوِّذتان". ومنها: ما أخرجه الترمذي وحسنه وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ من عين العرب ومن عين الإنس، فلما نزلت سورة المعوذتين أخذ بهما وترك ما سوى ذلك). ومنها: ما أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يكره عشر خصال ومنها أنه كان يكره الرقى إلا بالمعوذتين. ومنها: ما أخرجه ابن مردويه عن أم سلمة قالت: قال رسول الله: "مِن أحَبَّ السور إلى الله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ ". ومنها: ما أخرجه النسائي وابن الضريس وابن حبان في "صحيحه" وابن الأنباري وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: أخذ بمنكبي رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: ""اقرأ" قلت: ما أقرأ بأبي أنت وأمي، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، ثم قال: "اقرأ" قلت: بأبي أنت وأمي ما أقرأ قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، ولم تقرأ بمثلهما". ومنها: ما أخرجه مالك في "الموطأ" عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة (أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتهما)، وأخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من طريق مالك بالإسناد المذكور. ومنها: ما أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" عن زيد بن أرقم قال: سَحَرَ النبيَّ ﷺ رجلٌ من اليهود، فاشتكى، فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين، وقال: إن رجلًا من اليهود سحرك، والسحر في بئر فلان، فأرسل عليًا فجاء، فأمره أن يحل العُقَد ويقرأ آية ويحل حتى قام النبي ﷺ كأنما نشط من عقال. وأخرجه ابن مردويه والبيهقي من حديث عائشة مطولًا، وكذلك أخرجه ابن

стр. 15236

مردويه من حديث ابن عباس، وقد ورد في فضل المعوذتين وفي قراءة رسول الله لهما في الصلاة أحاديث، وفيما ذكرنا كفاية. وما روي عن ابن مسعود أنه كان يحك المعوذتين في المصحف يقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس منه، إنهما ليستا من كتاب الله، إنما أُمر النبي ﷺ أن يتعوذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما، قال البزار: لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قرأ بهما في الصلاة، وقد أثبتتا في المصحف. وأخرج الطبراني في "الصغير" عن علي بن أبي طالب قال: لدغت النبي ﷺ عقرب وهو يصلي، فلما فرغ قال: "لعن الله العقرب لا تدع مصليًا ولا غيره، ثم دعا بماء وملح، وجعل يمسح عليها ويقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ "، وسميت سورة الفلق لذكر الفلق فيها. الناسح والمنسوخ: وقال محمد بن حزم؛ سورة الفلق كلها محكم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. والله أعلم * * *

стр. 15237

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾. أسباب النزول سبب نزول المعوذتين: ما روي من قصة سحر لبيد بن الأعصم اليهودي رسولَ الله ﷺ قال ابن عباس وعائشة: كان غلام من اليهود يخدم النبي ﷺ ، فدبت إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ من مشاطة رأس رسول الله ﷺ وعدة من أسنان مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم رجل من اليهود، فنزلت السورتان فيه. فإن قلت: كيف يؤثر السحر فيه ﷺ مع أنه معصوم بنص ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؟ أجيب: بأن المعصوم منه ما أدى إلى خبل في عقله أو إلى ضياع شرعه أو إلى موته، وأما ما عدا ذلك فهو من الأعراض البشرية الجائزة في حقه، كما أن جرحه وكسر رباعيته لا يقدح في عصمته. وأخرج الشيخان عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : سُحِر حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشيء ولم يصنع، وفي رواية أنه يخيل إليه فعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه، ثم قال: "أشعَرْتِ يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته"؟ قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومَن طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق، قال: فيم ذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان"، ومن الرواة من قال: في بئر زريق، فذهب النبي ﷺ في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشة، فقال: "والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين" قلت: يا رسول الله

стр. 15238

فأَخْرِجْه، قال: "أما أنا فقد عافاني الله وشفاني وخفت أن أثير على الناس منه شرًا"، وفي رواية للبخاري أنه كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذلك، وكانت مدة سحره ﷺ أربعين يومًا، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عامًا، قاله ابن حجر وهو المعتمد، وعن زيد بن أرقم قال: سحر رجل من اليهود النبي ﷺ ، فاشتكى ذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك وعقد لك عُقَدًا في بئر كذا فأرسل رسول الله ﷺ عليًا فاستخرجها، فجاء بها فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام رسول الله ﷺ كأنما نُشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجه قط أخرجه النسائي، وروي أنه كان تحت صخرة في البئر، فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة، فإذا فيه مشاطة من رأسه ﷺ وأسنان من مشطه، وقيل: كان في وتر عقد عليه إحدى عشرة عقدة، وقيل: كان مغروزًا بالإبر، فأنزل الله هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية، سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي ﷺ كأنما نُشط من عقال، وروي أنه لبث ستة أشهر واشتد عليه ذلك ثلاث ليال، فنزلت المعوذتان. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿أَعُوذُ﴾؛ أي: أستعيذ وألتجىء وأتحصن وأتحفظ ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾؛ أي: بمالك الصبح أو الخلق، أو هو واد في جهنم أو جُبٌ فيها، وقيل غير ذلك كما سيأتي، والأول أولى؛ أي: قل أستعيذ برب المخلوقات ومبدع الكائنات ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾؛ أي: من كل ضرر وأذى يصيبني من مخلوقاته طرًا. وعبارة "الروح": والفلق (١): الصبح؛ لأنه يفلق عنه الليل ويفرق، فهو من باب الحذف والإيصال، فهو فَعَل بمعنى مفعول كالصمد والقَبَض بمعنى المصمود إليه والمقبوض، كما مر، فإن كلل واحد من المفلوق والمفلوق عنه مفعول، وذلك

стр. 15239

إنما يتحقق بأن يكون الشيء مستورًا ومحجوبًا بآخر، ثم يشقق الحجاب الساتر عن وجه المستور، ويزول فيظهر ذلك المستور وينكشف بسبب زواله، وذلك الحجاب المشقق مفلوق، والمحجوب المنكشف عنه بزواله مفلوق عنه، والصبح صار مفلوقًا عنه بإزالة ما عليه من ظلمة الليل، يقال: في المثل هو أبين من فلق الصبح؛ أي: من الصبح المفلوق عنه؛ أي: المشقوق عنه ظلمة الليل؛ أي: المزال عنه. وخص (١) الفلق بالذكر؛ لأنه وقت دعاء المضطرين وإجابة الملهوفين، فكأنه يقول: قل أعوذ برب الوقت الذي يفرج فيه عن كل مهموم، ولأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات والدور كالقبور، ثم منهم من يخرج عن داره مفلسًا عريانًا، ومنهم من كان مديونًا فيجر إلى الحبس، ومنهم من كان ملكًا مطاعًا فتقدم إليه المراكب ويقوم الناس بين يديه، وكذا في يوم القيامة بعضهم مفلس عن الثواب عار عن لباس التقوى، فيجر إلى الملك الجبار، وبعضهم كان مطيعًا لربه في الدنيا فصار ملكًا مطاعًا في العقبى يقدم إليه البراق. وقيل الفلق (٢): الخلق؛ لأن الممكنات بأسرها كانت أعيانًا ثابتة في علم الله مستورة تحت ظلمة العدم، فالله تعالى فلق تلك الظلمات بنون التكوين والإيجاد، فأظهر ما في علمه من المكونات، فصارت مفلوقًا عنها. وقيل (٣): الفلق سجن جهنم، أو واد أو جُبٌّ فيها، روي عن بعض الصحابة أنه قدم الشام، فرأى دور أهل الذمة وما هم فيه من خصب العيش، فقال: لا أبالي أليس من ورائهم الفلق؟، فقيل له: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا افتتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، وإنما خصه بالذكر هاهنا؛ لأنه القادر على مثل هذا التعذيب، وقد ثبت أن رحمته تعالى أعظم من عذابه، فكأنه يقول: يا صاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التي هي أعظم وأقدم من عذابك، وقيل: اسم شجرة في جهنم، وقيل: هو الجبال والصخور؛ لأنها تفلق بالمياه؛ أي: تشقق، وقيل: هو التفليق بين الجبال؛ لأنها تنشق من خوف الله، قال النحاس: يقال لكل ما اطمأن من الأرض فلق، قال الرازي: وأقرب التأويلات أن الفلق هو كل ما يفلقه الله تعالى، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن الأمطار،

стр. 15240

والأرحام عن الأولاد، والبيض عن الفرخ، والقلوب عن المعارف، وكأنه تعالى قال: قل أعوذ برب جميع الممكنات وبمكوِّن المحدَثات، فيكون التعظيم فيه اْعظم، ويكون الصبح وجُبُّ النار وغيرهما أحد الأمور الداخلة في هذا المعنى انتهى. والقول (١) الأول أولى؛ لأن المعنى وإن كان أعم منه وأوسع مما تضمنه، لكنه المتبادر عند الإطلاق، وقد قيل في وجه تخصيص الفلق الإيماء إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة من كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه، وقيل: طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج، فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظرًا لطلوع الصباح، كذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاح، وقيل غير هذا مما هو مجرد بيان مناسبة ليس فيها كثير فائدة تتعلق بالتفسير. وفي تعليق (٢) العياذ باسم الرب المضاف إلى الفلق المنبىء عن النور عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق والفتق بعد الرتق عِدَة كريمة بإعاذة العائذ مما يعوذ منه وإنجائه منه وتقوية لرجائه بتذكير بعض نظائره، ومزيد ترغيب له في الجد، والاعتناء بقرع باب الالتجاء إليه والإعاذة بربه. قالوا: إذا طلع الصبح تتبدل الثقلة بالخفة والغم بالسرور، روي أن يوسف ﵇ لما ألقي في الجب وجعت ركبته وجعًا شديدًا، فبات ليلته ساهرًا، فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل بإذن الله تعالى يسأله ويأمره بأن يدعو ربه، فقال: يا جبريل أدع أنت وأؤمن، فدعا جبريل وأمَّن يوسف ﵉، فكشف الله تعالى ما كان به من الضر، فلما طاب وقت يوسف قال: يا جبريل وأنا أدعو أيضًا وتؤمِّن أنت، فسأل يوسف ربه أن يكشف الضر عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت، فلا جَرَم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل. ٢ - ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ أي: من شر وضرر ما خلقه من الثقلين وغيرهما كائنًا ما كان من ذوات الطبائع والاختيار من إنس وجن وسباع وهوام، فيشمل جميع الشرور والمضار بدنية كانت أو غيرها من ضرب وقتل وشتم وعض ولدغ وسحر ونحوها.

стр. 15241

والجار والمجرور متعلق (١) بـ ﴿أَعُوذُ﴾؛ أي: أعوذ برب الصبح من شر ما خلقه كائنًا ما كان من جميع مخلوقاته فيعم جميع الشرور، وقيل: هو إبليس وذريته، وقيل: جهنم، ولا وجه لهذا التخصيص، كما أنه لا وجه لتخصيص من خصص هذا العموم بالمضار البدنية، وقد حرَّف بعض المتعصبين من المعتزلة القائلين بأن الله لم يخلق الشر هذه الآية مدافعة عن مذهبه وتقويمًا لباطله، فقرؤوا بتنوين ﴿شرٍ﴾ علي أن ﴿مَا﴾ نافية، والمعنى: من شر لم يخلقه، ومنهم عمرو بن عبيد وعمرو بن عائذ، وعبارة أبي حيان هنا: وقرأ الجمهور (٢): ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ بإضافة ﴿شَرِ﴾ إلى ﴿مَا﴾ و ﴿مَا﴾ عام يدخل فيه جميع من يوجد منه الشر من حيوان مكلف وغير مكلف، وجماد، كالإحراق بالنار والإغراق بالبحر والقتل بالسم، وقرأ عمرو بن عائذ: ﴿مِنْ شَرِّ﴾ بالتنوين، وقال ابن عطية وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة القائلين بأن الله تعالى لم يخلق الشر ﴿مِنْ شَرِّ﴾ بالتنوين ﴿مَا خَلَقَ﴾ على النفي، وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، فالله خلق كل شيء، ولهذه القراءة وجه غير النفي، فلا ينبغي أن ترد، وهو أن يكون ﴿مَا خَلَقَ﴾ بدلًا من ﴿شَرِّ﴾ على تقدير محذوف؛ أي: من شر شر ما خلق، فحذف لدلالة شر الأول عليه، أطلق أولًا ثم عمم ثانيًا. انتهى. والخلاصة: أي أعوذ برب الفلق من شر كل ذي شر خَلَقَه الرب من إبليس ومن جهنم، ومن أصناف الحيوانات المؤذيات كالسباع والهوام وغيرهما. ٣ - ثم خصص من بعض ما خلق أصنافًا يكثر وقوع الأذى منهم، فطلب إليه التعوذ من شرهم ودفع أذاهم، وهم ما ذكره بقوله: ١ - ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾؛ أي: ومن شر ليل مختلط ظلامه شديدة ظلمته، وتنكيره لعدم شمول الشر لجميع أفراده ولا لكل أجزائه، ﴿إِذَا وَقَبَ﴾؛ أي: إذا دخل ظلامه في كل شيء بغيبوبة الشفق. وهذا تخصيص (٣) لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه فيما قبله؛ لزيادة مساس الحاجة إلى الاستعاذة منه لكثرة وقوعه، ولأن تعيين المستعاذ أدل على الاعتناء

стр. 15242

بالاستعاذة، وأدعى إلى الإعاذة؛ أي: من شر ليل مختلط ظلامه مشتد، وذلك بعد غيبوبة الشفق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ أي: اجتماع ظلمته، وفي "القاموس": الغَسَق - محركة - أول الليل، وغسق الليل غسقًا، ويحرك اشتدت ظلمته، فالغاسق الليل المظلم، كما في "المفردات"، وأصل الغسق الامتلاء، يقال: غسقت العين إذا امتلأت دمعًا أو السيلان، وغسق العين سيلان دمعها، وإضافة الشر إلى الليل لملابسته له بحدوثه فيه ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ الوقب: النقرة في الشيء كالنقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء، ووقب إذا دخل في وقب، ووقبت الشمس إذا غابت، ووقب الظلام إذا دخل، والمعنى: ومن كل شر واقع في الليل وقت دخول ظلامه وتقييده به؛ لأن حدوث الشر فيه أكثر، والتحرز منه أصعب وأعسر، ولذلك قيل: الليل أخفى للويل، وقيل: أغدر الليل؛ لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر والغوث يقل في الليل، ولذا لو شهر إنسان بالليل سلاحًا فقتله المشهر عليه لا يلزمه قصاص، ولو كان نهارًا يلزمه؛ لأنه يوجد فيه الغوث. والحاصل: أنه ينبعث أهل الحرب في الليل، وتخرج فيه عفاريت الجن والهوام والسباع وجميع المؤذيات، ونهى رسول الله ﷺ من السير في الليل، وأمر بتغطية الأواني وإغلاق الأبواب وإيكاء الأسقية وضم الصبيان، وكل ذلك للحذر من الشر والبلاء، وقيل: الغاسق القمر إذا امتلأ نورًا، ووقوبه امتلاؤه نورًا أو خسوفه واسوداده؛ لما رواه أحمد والترمذي وابن جرير عن عائشة ﵂ قالت: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فأشار إلى القمر، فقال: "تعوذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب"، وقال الترمذي حسن صحيح، وشره الذي يتقى منه ما يكون في الأبدان، كالآفات التي تحدث بسببه، ويكون في الأديان كالفتنة التي بها افتتن من عبده وعبد الشمس، وقيل: التعبير عن القمر بالغاسق؛ لأن جرمه مظلم، وإنما يستنير بضوء الشمس، وقيل: وقوبه محاقه في آخر الشهر، والمنجمون يعدونه نحسًا، ولذلك (١) لا تشتغل السحرة بالسحر المورث للتمريض إلا في ذلك. قيل: وهو المناسب لسبب النزول،: وقيل: الغاسق الثريا، ووقوبها سقوطها؛ لأنها إذا سقطت كثرت الأمراض والطواعين، وإذا طلعت قلَّت الأمراض والآلام، وقيل: هو

стр. 15243

كل شر يعتري الإنسان، ووقوبه هجومه، ويجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات، ووقبه ضربه ولسعه، وفي "القاموس": الغاسق هو الذكر من الحيات إذا قام، وهو منقول عن ابن عباس ﵁ وجماعة، والقول الأول أولى، والمعنى عليه؛ أي: ومن شر الليل إذا دخل وغمر كل شيء بظلامه، والليل إذا كان على تلك الحال كان مخوفًا باعثًا على الرهبة إلى أنه ستار يختفي في ظلامه ذوو الإجرام إذا قصدوك بالأذى إلى أنه عون لأعدائك عليك. ٢ - ٤ ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾؛ أي: ومن شر النساء أو النفوس السواحر اللاتي ينفثن وينفخن ﴿فِي الْعُقَدِ﴾؛ أي: في عقد الوتر أو الحبال عند القراءة على تلك العقد؛ ليسحرن بها، جمع نفاثة بالتشديد، صيغة مبالغة يراد منها تكرار الفعل والاحتراف به من النفث، وهو شبه النفخ يكون في الرقية ولا ريق معه، فإن كان معه ريق فهو التفل، يقال منه نفث الراقي ينفُث - بالضم - وينفِث بالكسر إذا نفخ على المريض بعد القراءة عليه، والعُقَد جمع عقدة، وهي ما يعقده الساحر ويربطه ويمسكه على وتر - بفتحتين - القوس، أو حبل أو شعر، وهو ينفث عليه ويرقي، وأصله من العزيمة، ولذلك يقال: لها عزيمة، كما يقال: لها عقدة، ومنه قيل للساحر معقد. والمعنى: وأعوذ بالله من شر النفوس، أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدًا في خيوط، وينفثن في عقدة الخيط حين يرقين عليها، وتعريفها (١) إما للعهد، أو للإيذان بشمول الشر لجميع أفرادهن وتمحضهن فيه، وقيل: المراد بالنفاثات بنات لبيد بن الأعصم اللاتي سحرن النبي ﷺ ؛ لما روى ابن عباس ﵄ وعائشة ﵂ أنه كان غلام من اليهود يخدم النبي ﷺ ، وكان عنده أسنان من مشطه ﷺ ، فأعطاها اليهود فسحروه ﷺ فيها, ولذا ينبغي أن يقطع بعد التقليم، وكذا الشعر إذا أُسقط من اللحية، والرأس نصفين أو أكثر؛ لئلا يسحر به أحد، وتولاه لبيد بن الأعصم اليهودي وبناته وهن النفاثات في العقد، فدفنها في بئر أريس، وفي "عين المعاني": في بئر لبني زريق تسمى ذروان، فمرض النبي ﷺ ، روي أنه لبث فيه ستة أشهر، فنزل جبريل بالمعوِّذتين - بكسر الواو - كما في

стр. 15244

"القاموس"، وأخبره بموضع السحر وبمن سحره وبم سحره، فأرسل النبي ﷺ عليًا والزبير وعمارًا ﵃ فنزحوا ماء البئر، فكأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا راعونة البئر، وهي الصخرة التي توضع في أسفل البئر، فأخرجوا من تحتها الأسنان، ومعها وتر قد عقد فيه أحد عشرة عقدة مغرزة بالإبر، فجاؤوا بها النبي ﷺ ، فجعل يقرأ المعوذتين عليها، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد ﵇ خفة حتى انحلت العقدة الأخيرة عند تمام السورتين، كأنما نشط من عقال، وجعل جبريل ﵇ يقول: بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل شيء يؤذيك من عين وحاسد، فلذا جوِّز (١) الاسترقاء بما كان من كلام الله تعالى وكلام رسوله، لا بما كان بالعبرانية أو السريانية والهندية أو التركية أو غير ذلك من صنوف اللغات، فإنه لا يحل اعتقادُه والاسترقاءُ به، فقالوا: يا رسول الله أفلا نقتل الخبيث؟ فقال ﷺ : "أما أنا فقد عافاني الله، وأكره أن أثير على الناس شرًا" قالت عائشة ﵂: ما غضب رسول الله ﷺ قط لنفسه ولا انتقم إلا أن يكون شيئًا هو لله، فيغضب لله وينتقم. والنفث (٢): النفخ مع ريق قليل، وقيل: إنه النفخ فقط، واختلفوا في جواز النفث في الرُّقى والتعاويذ الشرعية المستحبة، فجوَّزه الجمهور من الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم، ويدل على ذلك حديث عائشة في "الصحيحين" وغيرهما قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات) الحديث، وأنكر جماعة التفل والنفث في الرقى، وأجازوا النفخ بلا ريق، قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد، وقيل: النفث في العقد إنما يكون مذمومًا إذا كان سحرًا مضرًا بالأرواح والأبدان، وإذا كان النفث لإصلاح الأرواح والأبدان .. وجب أن لا يكون مذمومًا ولا مكروهًا، بل هو مندوب إليه، ذكره في "الخازن"، وهذا الذي ذكرناه في معنى الآية هو التفسير الصحيح، وقيل: المراد (٣) بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل مستعار من تليين العقدة بنفث الريق عليها؛ ليسهل حلها، فالمعنى على هذا أعوذ برب الفلق من شر النساء النفاثات؛ أي: اللاتي شأنهن أن يغلبن علي الرجال، ويحولنهم عن آرائهم، ويصرفنهم عنها بأنواع المكر

стр. 15245

والحيلة، فمعنى الآية إن النساء لاستقرار حبهن في قلوب الرجال يتصرفن فيهم ويحولنهم من رأي إلى رأي، فأمر الله تعالى رسوله ﷺ بالتعوذ من شرهن. وقيل المعنى (١): أعوذ برب الفلق من شر النمامات والنمامين الذين يقطعون روابط المحبة، ويبددون شمل المودة، وقد شبه عملهم بالنفث، وشبهت رابطة الوداد بالعقدة، والعرب تسمي الارتباط الوثيق بين شيئين عقدة، كما سمي الارتباط بين الزوجين عقدة النكاح. فالنميمة تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة بالوسائل الخفية التي تشبه أن تكون ضربًا من السحر، ويصعب الاحتياط والتحفظ منها، فالنمام يأتي لك بكلام يشبه الصدق، فيصعب عليك تكذيبه، كما يفعل الساحر المشعوذ إذا أراد أن يحل عقدة المحبة بين المرء وزوجه؛ إذ يقول كلامًا ويعقد عقدة وينفث فيها، ثم يحلها إيهامًا للعامة أن هذا حل للعقدة التي بين الزوجين، وهذا المعنى والذي قبله يخالف ما ورد في سبب نزول السورتين، كما أشرنا إليه آنفًا. وقرأ الجمهور (٢): ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ - بفتح النون - جمع نفاثة على صيغة المبالغة، وقرأ الحسن بضم النون، وقرأ عيسى بن عمر ويعقوب في رواية, وعبد الرحمن بن ساباط وعبد الله بن القاسم والحسن أيضًا ﴿النافثات﴾ جمع نافثة، وقرأ أبو الربيع والحسن أيضًا ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ بغير ألف نحو الحذرات. فص واعلم (٣): أن السحر تخيل لا أصل له عند المعتزلة، وعند الشافعي: تمريض بما يتصل به، كما يخرج من فم المتثائب ويؤثر في المقابل، وعند الحنفية: سرعة الحركة ولطافة الفعل فيما خفي فهمه، وقيل: طلسم يبنى على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عصا سحرة فرعون، والمعتزلة أنكروا صحة رواية الأحاديث المذكورة، وتأثير السحر في النبي ﷺ ، وقالوا: كيف يمكن القول بصحتها؟ والله يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وقال: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، ولأن تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة، ولأن الكفار كانوا

стр. 15246

يعيرونه بأنه مسحور، فلو وقعت هذه الواقعة .. لكان الكفار صادقين في تلك الدعوى، ولحصل ذكر العيب في النبي ﷺ ، ومعلوم أن ذلك غير جائز، وقال أهل السنة: صحة القصة لا تستلزم صدق الكفرة في قولهم: إنه مسحور، وذلك لأنهم كانوا يريدون بكونه مسحورًا أنه مجنون أزيل عقله بسبب السحر، فلذلك ترك دين آبائه، فأما أن يكون مسحورًا بألم يجده في بدنه، فذلك مما لا ينكره أحد. وبالجملة: فالله تعالى ما كان يسلط لا شيطانًا ولا إنسيًا ولا جنيًا يؤذيه فيما يتعلق بنبوته وعقله، وأما الإضرار من حيث بشريته وبدنه فلا بُعد فيه، وتأثير السحر فيه ﷺ لم يكن من حيث إنه نبي، وإنما كان في بدنه من حيث إنه إنسان وبشر، فإنه ﷺ يعرض له من حيث بشريته ما يعرض لسائر البشر من الصحة والمرض والموت والأكل والشرب ودفع الفضلات، وتأثير السحر فيه من حيث بشريته لا يقدح في نبوته، وإنما يكون قادحًا فيها لو وُجد للسحر تأثير في أمر يرجع إلى النبوة، ولم يوجد ذلك، كيف؟! والله تعالى يعصمه من أن يضره أحد فيما يرجع إليها، كما لم يقدح كسر رباعيته يوم أحد فيما ضمن الله له من عصمته في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وفي "كشف الأسرار": فإن قيل: ما الحكمة في نفوذ السحر وغلبته في النبي ﷺ ، ولماذا لم يرد الله كيد الكائد إلى نحوه بإبطال مكره وسحره؟. قلنا: الحكمة فيه الدلالة على صدق رسول الله ﷺ وصحة معجزاته، وكذب من نسبه إلى السحر والكهانة؛ لأن سحر الساحر عمل فيه حتى التبس عليه بعض الأمر، واعتراه أنواع من الوجع، ولم يعلم النبي ﷺ بذلك حتى دعا ربه، ثم دعا، فأجابه الله وبين أمره، ولو كان ما يظهر من المعجزات الخارقة للعادات من باب السحر على ما زعم أعداؤه لم يشتبه عليه ما عُمل من السحر فيه، ولتوصل إلى دفعه من عنده، وهذا بحمد الله تعالى من أقوى البراهين على نبوته، وإنما أخبر النبي ﷺ عائشة ﵂ من بين نسائه بما كشف الله تعالى له من أمر السحر؛ لأنه ﷺ كان مأخوذًا من عائشة ﵂ وهذا السحر على ما روى يحيى بن يعمر قال: حُبس رسول الله ﷺ عن عائشة، فبينما هو نائم أو بين النوم واليقظة إذ أتاه ملكان جلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فهذا يقول للذي عند رأسه ما شكواه؟ قال: السحر، قال: من فعل به؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: فأين صنع السحر؟ قال: في بئر كذا، قال: فما دواؤه؟ قال: ينبعث إلى تلك البئر،

стр. 15247

فينزح ماءها، فإنه ينتهي إلى صخرة رآها، فليقلعها، فإن تحتها كوبة؛ أي: كوزًا سقط عنقها، وفي الكوبة وتر فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر، فيحرقها بالنار فيبرأ إن شاء الله تعالى، فاستيقظ ﷺ وقد فهم ما قالا: فبعث عليًا - رضي الله تعالى عنه - إلى آخر ما تقدم. ٣ - ٥ ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ بالوقف، ثم يكبر؛ لأن الوصل لا يخلو من الإيهام؛ أي: وقيل يا محمد أعوذ برب الفلق من شر كل حاسد إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه ترتيب مقدمات الشر ومبادي الإضرار بالمحسود قولًا أو فعلًا، والتقييد (١) بذلك لما أن ضرر الحسد قبله إنما يحيق ويضر بالحاسد لاغتمامه بنعمة المحسود، قال عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد، ونظم الشاعر هذا المعنى، فقال: قُلْ لِلْحَسُوْدِ إِذَا تَنَفَّسَ طَعْنَةً ... يَا ظَالِمًا وَكَأنَّهُ مَظْلُوْمُ وفي هذا المعنى قال بعضهم أيضًا: أَلَا قُلْ لِمَنْ بَاتَ لِيْ حَاسِدًا ... أَتَدْرِيْ عَلَى مَنْ أَسَاتَ الأَدَبْ أَسَأتَ عَلَى اللهِ فِيْ فِعْلِهِ ... لأَنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِيْ مَا وَهَبْ فَكَانَ جَزَاؤُكَ أَنْ خَصَّنِيْ ... وَسَدَّ عَلَيْكَ طَرِيْقَ الطَّلَبْ وقال بعضهم: اصْبِرْ عَلَى حَسَدِ الْحَسُوْدْ ... فَإنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهْ فَالنَّارُ تَأكُلُ بَعْضَهَا ... إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأكُلُهْ وفي "الكشاف": فإن قلت: فلم عرَّف بعض المستعاذ. منه ونكَّر بعضه؟. قلت: عرَّف النفاثات؛ لأن كل نفاثة شريرة، ونكَّر غاسق؛ لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضر، ورب حسد محمود وهو الحسد في الخيرات بمعنى الغبطة، والحسد الأسف على الخير عند الغير، وفي "فتح الرحمن": تمني زوال النعمة عن مستحقها سواء كانت نعمة

стр. 15248

دين أو دنيا، وفي الحديث: "المؤمن يَغِبط والمنافق يَحسُد"، وعنه ﷺ : "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". وأول ذنب عُصِيَ الله به في السماء حسد إبليس لآدم، فأخرجه من الجنة، فطُرد وصار شيطانًا رجيمًا، وفي الأرض قابيل لأخيه هابيل فقتله. وقد أرشد الله (١) في هذه السورة رسول الله ﷺ إلى الاستعاذة من شر كل مخلوقاته على العموم، ثم ذكر بعض الشر وعلى الخصوص مع اندراجه تحت العموم لزيادة شره ومزيد ضره؛ وهو الغاسق والنفاثات والحاسد، فكأن هؤلاء - لما فيهم من مزيد الشر - حقيقون بإفراد كل واحد منهم بالذكر. قال بعضهم: إن الله ﵎ جمع في هذه السورة الشرور كلها وختمها بالحسد؛ ليعلم أنه أخس الطبائع وأقبح الصفات المذمومة، وهذه السورة من أنفع أدوية الحسد، فإنها تتضمن التوكل على الله والالتجاء إليه من شر حاسد النعمة، وفي كشف ما يلتبس من القرآن كرر قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ﴾ أربع مرات؛ لأن شر كل واحد منها غير شر البقية عنها. فإن قلت: أولها يشمل البقية، فما فائدة إعادتها؟ قلت: فائدتها تعظيم شرها ودفع توهم أنه لا شر لها لخفائه فيها. ومعنى الآية: أي (٢) ونستعيذ بك يا ربنا من شر الحاسد إذا أنفذ حسده بالسعي والجد في إزالة نعمة من يحسده، ويُعمِل الحيلة وينصب شباكه لإيقاع المحسود في الضرر بأدنى الوسائل ولا يمكن إرضاؤه، ولا في الاستطاعة الوقوف على ما يدبره، فهو لا يرضى إلا بزوال النعمة، وليس في الطوق دفع كيده ورد عواديه، فلم يبق إلا أن نستعين عليه بالخالق الأكرم، فهو القادر على رد كيده ودفع أذاه وإحباط سعيه، نسألك اللهم وأنت الوزر والنصير أن تقينا أذى الحاسدين، وتدفع عنا كيد الكائدين، إنك أنت الملجأ والمعين. آمين. الإعراب ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)

стр. 15249

وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿أَعُوذُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾. ﴿مِنْ شَرِّ مَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ أيضًا، وجملة ﴿خَلَقَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما خلقه، ويجوز أن تكون مصدرية. ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على ما قبله. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بـ ﴿شَرِّ﴾. ﴿وَقَبَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿غَاسِقٍ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على ما تقدم أيضًا. ﴿فِي الْعُقَدِ﴾ متعلق بـ ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾. ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على ما تقدم أيضًا. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بـ ﴿شَرِّ﴾. ﴿حَسَدَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿حَاسِدٍ﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ الظرفية. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ الفلق الصبح، قال الزمخشري: الفلق والفَرَق الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق، وهو فَعَل بمعنى مفعول، كالقَبَض بمعنى المقبوض، وفي المثل هو أبين من فَلَق الصبح، ومن فَرَق الصبح، ومنه قولهم: سطح الفرقان إذا طلع الفجر، وقال الشاعر: يَا لَيْلَةً لَمْ أَنَمْهَا بِتُّ مُرْتَقِبَا ... أَرْعَى النُّجُوْمَ إِلَى أَنْ قُدِّرَ الْفَلَقُ وقال الآخر يصف الثور الوحشي: حَتَّى إِذَا مَا انْجَلَى عَنْ وَجْهِهِ فَلَقٌ ... هَادِئَةٌ فِيْ أُخْرَيَاتِ اللَّيْلِ مُنْتَصِبُ وقيل: الفَلْق شق الشيء وفصل بعضه عن بعض، تقول: فلقت الشيء فانفلق، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ وهناك أقوال أخرى في المراد به يُرجع فيها إلى المطولات، كما ذكرنا أكثرها في مبحث التفسير، ولهذا ضربنا عنها صفحًا،

стр. 15250

وتقدم هناك أن الأول أولى. ﴿غَاسِقٍ﴾ الغاسق الليل إذا اعتكر واشتد ظلامه، قال الشاعر: يَا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أَبْقَيْتَ لِيْ أَرَقَا ... إِذْ جِئْتَنَا طَارِقًا وَاللَّيْلُ قَدْ غَسَقَا ﴿وَقَبَ﴾ دخل ظلامه في كل شيء يقال: وقبت الشمس إذا غابت، وفي الحديث: "لما رأى الشمس قد وقبت قال هذا حين حلها" يعني صلاة المغرب، وهناك أقوال أخرى ليس هذا موضعها كما مر بعضهاهنالك. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾: جمع نفاثة، كعلَّامة صيغة مبالغة من النفث، وهو النفخ مع ريق يخرج من الفم، وهن السواحر اللاتي تنفث في العُقَد التي تعقدها، كما في "المختار"، وشبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل، وقد نفث الراقي من بابي ضرب ونصر. ﴿فِي الْعُقَد﴾: جمع عقدة، وهي الربطة التي تُعقد في الخيط والوتر. ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ والحسد: أن تتمنى زوال نعمة المحسود عنه مطلقًا دينية كانت أو دنيوية، يقال: حسده يحسده من باب دخل، وقال الأخفش وبعضهم يقول: يحسِد - بالكسر - حَسَدًا - بفتحتين - وحسادة بالفتح وا هـ. "مختار". وفي "المصباح": حسدته على النعمة، وحسدته النعمة حسدًا بفتح السين أكثر من سكونها يتعدى إلى الثاني بنفسه وبالحرف إذا كرهتها عنده وتمنيت زوالها عنه اهـ. فائدة: قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه: أولها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. ثانيها: أنه ساخط قسمة ربه كأنه يقول: لم قسمت هذه القسمة. ثالثها: أنه يعاند فعل الله تعالى. رابعها: أنه يريد خذلان أولياء الله تعالى. خامسها: أنه أعان عدو الله إبليس اللعين. انتهى. وقال بعضهم: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضًا، ولا ينال في الخلوة إلا جزعًا وغمًا، ولا ينال في الآخرة إلا حزنًا واحتراقًا، ولا ينال من الله إلا بعدًا ومقتًا. انتهى.

стр. 15251

البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الجناس الناقص بين ﴿الْفَلَقِ﴾ و ﴿خَلَقَ﴾. ومنها: الإطناب بتكرار لفظ ﴿شَرِّ﴾ أربع مرات ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِد﴾ تنبيهًا على شناعة هذه الأوصاف. ومنها: تخصيص بعض الشرور بالذكر في قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ ...﴾ إلخ، مع اندراجه فيما قبله من قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ فإنه عام يدخل تحته شر الغاسق وشر النفاثات وشر الحاسد؛ لزيادة مساس الحاجة إلى الاستعاذة منه لكثرة وقوعه، ولأن تعيين المستعاذ منه أدل على الاعتناء بالاستعاذة منه وأدعى إلى الإعاذة. ومنها: إضافة الشر إلى الغاسق الذي بمعنى الليل لملابسته له بحدوثه فيه. ومنها: تنكير ﴿غَاسِقٍ﴾؛ لعدم شمول الشر لجميع أفراده. ومنها: تعريف ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ إما للعهد، أو للإيذان بشمول الشر لجميع أفرادهن وتمحضهن فيه. ومنها: جناس الاشتقاق بين: ﴿حَاسِدٍ﴾ و ﴿حَسَدَ﴾. ومنها: توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات (١). والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب * * *

стр. 15252

سورة الناس سورة الناس نزلت بعد سورة الفلق، وهي مدنية، وقيل: مكية، والأول أصح؛ لأنها نزلت بالمدينة سنة سبع بسبب أنه ﷺ سحرته اليهود. والخلاف فيها كالخلاف الذي تقدم في سورة الفلق، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل بمكة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: أنزل بالمدينة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ وقد قدمنا في سورة الفلق ما ورد في سبب نزول هذه السورة وما ورد في فضلها، فارجع إليه، وهي: ست آيات، والتي قبلها: خمس، فتكون الجملة إحدى عشرة آية عدد العقد والإبر الحاصلَين في السحر، وعشرون كلمة وتسعة وسبعون حرفًا. ومناسبتها لما قبلها ظاهرة؛ لاتحادهما في سبب النزول وفي الاستعاذة، وسميت بسورة الناس؛ لذكر لفظ الناس فيها. الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الناس محكمة كلها لا ناسخ فيها ولا منسوخ. والله أعلم * * *

стр. 15253

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾؛ أي: أتحصن وألتجىء، والأمر فيه (١) للنبي ﷺ ، ويتناول غيره من أمته؛ لأن أوامر القرآن ونواهيه لا تخص فردًا دون آخر غالبًا. وقرأ الجمهور (٢): بالهمزة في ﴿أَعُوذُ﴾، وقرىء بحذفها ونقل حركتها إلى اللام، وعبارة "البيضاوي" هنا: قرأ ورش في السورتين بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام. انتهى. ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾؛ أي: بمالك الناس وخالقهم وموجدهم من العدم، وخصوا (٣) بالذكر وإن كان رب جميع المخلوقات تشريفًا من حيث إنه تعالى أخدم لهم ملائكة قدسه، وجعل لهم ما في الأرض جميعًا، وأمدهم بالعقل والعلم، وكلفهم بخدمته، فإن قاموا بتلك الوظيفة كان لهم العز دنيا وأخرى، وإن لم يقوموا بها ردوا لأسفل السافلين، فلم يساووا كلبًا ولا خنزيرًا، وإذا علمت بذلك أنه رب الناس فهو رب غيرهم بالأولى، وقيل: خصوا بالذكر لمناسبته بالاستعاذة؛ لأنه لما أمر بالاستعاذة من شر الوسواس، فكأنه قال: قل أعوذ من شر الموسوس إلى الناس؛ أي: من شر ما يوسوس في صدورهم بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم وهو معبودهم، فإنه هو الذي يعيذ من شرهم. والحاصل: أنه أمر رسوله أن يستعيذ بمن يربي الناس بنعمه ويؤدبهم بنقمه، وأصل الناس إما أناس حذفت الهمزة، أو نَوَس مأخوذ من ناس إذا تحرك خُص بالبَشَر, لأنه المتحرك الحركة المتعبد بها الناشئة عن رؤية وتدبر، تحركت الواو

стр. 15254

وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا، أو من الإنس ضد الوحشة؛ لأنه يونس به أو من النسيان؛ لكونه شأنه وطبعه، كما قال بعضهم: وَمَا سُمِّيَ الإِنْسَانُ إِلَّا لِنَسْيِهِ ... وَمَا الْقَلْبُ إلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ يقول الفقير (١): ففي الالتجاء إلى الله في هذه السورة دلالة على ختم الأمر، فإن الله تعالى هو الأول الآخر، وإليه يرجع الأمر كله، وإن إلى ربك المنتهى، وفيه إشارة إلى نسيان العهد السابق الواقع يوم الميثاق، فإن الإنسان لو لم ينسه لما احتاج إلى العود والرجوع، بل كان في كنف الله تعالى دائمًا. ٢ - ﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾؛ أي: مالكهم ومدبر أمورهم، وواضع الشرائع والأحكام التي فيها سعادتهم في معاشهم ومعادهم، قرىء هنا بإسقاط الألف باتفاق القراء حذرًا من التكرار، فإن أحد معاني اسم الرب في اللسان المالك، ولا ترد الفاتحة، فإن الراجح فيها عند المحققين هو المَلِك بحذف الألف لا المالك اهـ "روح". بخلاف الذي في الفاتحة، ففيه قراءتان سبعيتان ثبوت الألف وحذفها كما مر هنالك، ومعنى المَلِك: المتصرف فيهم بأنواع التصرفات من إعزاز وإذلال وإغناء وإفقار وغير ذلك، وهو (٢) عطف بيان جيء به لبيان أن ربِّيَّته سبحانه ليست كربِّيَّة سائر المُلَّاك لما تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل، والتصرف الشامل، وما ذكروه (٣) في ترجيح المالك على المَلِك من أن المالك مالك العبد، وأنه مطلق التصرف فيه، بخلاف الملك، فإنه إنما يملك بقهر وسياسة ومن بعض الوجوه فقياس لا يصح ولا يطرد إلا في المخلوقين لا في الحق سبحانه، فإنه من البيِّن أنه مطلق التصرف، وأنه يملك من جميع الوجوه، فلا يقاس ملكية غيره عليه، ولا تضاف الصفات والأسماء إليه تعالى إلا من حيث أكمل مفهوماته. ٣ - ﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾؛ أي: معبودهم المستولي على قلوبهم بعظمته، وهم لا يحيطون بكنه سلطانه، بل يخضعون بما يحيط منها بنواحي قلوبهم، ولا يدرون من أي جانب يأتهم ولا كيف يسلط عليهم.

стр. 15255

وهو عطف (١) بيان أيضًا كالذي قبله؛ لبيان أن ربوبيته وملكه قد انضم إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة، وأيضًا الرب قد يكون مَلِكًا وقد لا يكون ملكًا، كما يقال: رب الدار، ورب المتاع، ومنه قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فبين أنه ملك الناس، ثم المَلِك قد يكون إلهًا وقد لا يكون، فبيَّن أنه إله؛ لأن اسم الإله خاص به تعالى لا يشاركه فيه أحد، وأيضًا بدأ باسم الرب، وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلًا كاملًا، فحينئذ عُرف بالدليل أنه عبد مملوك، فذكر أنه ملك الناس، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وأنه عبد مخلوق، وأن خالقه إله معبود .. بيَّن سبحانه أنه إله الناس. وعبارة "المراغي" هنا: وإنما قدم (٢) الربوبية؛ لأنها من أوائل نعم الله تعالى على عباده، ثم ثنى بذكر المالكية؛ لأن العبد إنما يدرك ذلك بعد أن يصير عاقلًا مفكرًا، ثم ثلث بذكر الألوهية؛ لأن المرء بعد أن يدرك ويعقل يعلم أنه هو المستوجب للخضوع والعزة والمستحق للعبادة، وإنما قال: ﴿بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ وهو رب كل شيء، واله كل شيء من قِبَل أن الناس هم الذين أخطؤوا في صفاته، وضلوا فيها عن الطريق السوي، فجعلوا لهم أربابًا ينسبون إليهم بعض النعم، ويلجؤون إليهم في دفع النقم، ويلقبونهم بالشفعاء، ويظنون أنهم هم الذين يدبرون حركاتهم ويرسمون لهم حدود أعمالهم، وبحسبك أن تقرأ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾. والخلاصة: أنه سبحانه أراد أن ينبه الناس بأنه هو ربهم وهم أناس مفكرون وملكهم وهم ذلك وإلههم وهم هكذا، فباطل ما اخترعوا لأنفسهم من حيث هم بشر.

стр. 15256

وكرر لفظ الناس في ثلاثة مواضع (١)، ولم يكتف بضميرهم مع اتحاد اللفظين في اللفظ والمعنى، وهو معيب كالإيطاء في الشعر لمزيد (٢) الكشف والتقرير بالإضافة، ولإظهار شرف الناس وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم، فإن ما لا شرف فيه لا يُعبأ به ولا يعاد ذكره، بل يترك ويهمل، كما قال الشاعر: أَعِدْ ذِكْرَ نُعْمَانَ لَنَا إِنَّ ذِكْرَهُ ... هُوَ الْمِسْكُ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ فلولا أن الناس أشرف مخلوقاته .. لما ختم كتابه بذكرهم، وكما أنه حسَّن (٣) التكرار للتلذذ وإظهار فضل المكرر في قول بعضهم: مُحَمَّدُ سَادَ النَّاسَ كَهْلًا وَيَافِعًا ... وَسَادَ عَلَى الأَمْلَاكِ أَيْضًا مُحَمَّدُ مُحَمَّدُ كُل الْحُسْنِ مِنْ بَعْضِ حُسْنِهِ ... وَمَا حُسْنُ كُلِّ الْحُسْنِ إِلَّا مُحَمَّدُ مُحَمَّدُ مَا أَحْلَى شَمَائِلَهُ وَمَا ... أَلَذَّ حَدِيْثًا رَاحَ فِيْهِ مُحَمَّدُ وهذا على تسليم أن المراد بالناس في المواضع الثلاثة شيء واحد، وأما إن أريد بالناس الأول الصغار، وأضيفوا للرب لاحتياجهم إلى التربية أكثر من غيرهم، وبالثاني الشباب، وأضيفوا للملك لأن شأنهم الطغيان والطيش فيهم، فهم محتاجون لملك يسوسهم ويكسر هيجان شبوبيتهم، وبالثالث: الشيوخ، وأُضيفوا للإله لأن شأنهم كثرة العبادة لقرب ارتحالهم وقدومهم على ربهم وفناء شهواتهم، فهم أقرب من غيرهم للتعلق بالإله، فلا اتحاد في المعنى. ٤ - وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾؛ أي: من شر الشيطان ذي الوسوسة، وهي الهمس والصوت الخفي، والوَسواس - بفتح الواو - اسم مصدر بمعنى الحديث، أي: الوسوسة يُطلق على نفس الشيطان الموسوس؛ لكثرة ملازمته للوسوسة، فهو على حد زيد عدل؛ أي: شر الشيطان الموسوس، ويُطلق أيضًا على ما يخطر بالقلب من الشر، فالكلام حينئذ على حذف مضاف؛ أي: من شر الشيطان ذي الوسواس، كما أشرنا إليه أولًا. والحاصل (٤): أن الوَسواس - بالفتح - اسم مصدر بمعنى الوسوسة، وهو:

стр. 15257

الصوت الخفي الذي لا يُحَس فيحترز منه كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر فبالكسر كالزلزال بالكسر أيضًا، وقال الزجاج: الوسواس هو الشيطان؛ أي: ذي الوسواس، ويقال: إن الوسواس ابن لإبليس، والفرق بين المصدر واسم المصدر: أن الحدث إن اعتبر صدوره عن الفاعل ووقوعه على المفعول سمي مصدرًا، وإذا لم يُعتبر بهذه الحيثية سمي اسم المصدر، ولما كانت الوسوسة كلامًا يكرره الموسوس، ويؤكده عند من يلقيه إليه كرر لفظها بإزاء تكرير معناها، والمراد بالوسواس الشيطان؛ لأنه يدعو إلى المعصية بكلام خفيٍّ يفهمه القلب من غير أن يسمع صوته، وذلك بالإغرار بسعة رحمة الله تعالى، أو بتخييل أن له في عمره سعة، وأن وقت التوبة باقٍ بعد، سمي بفعله مبالغة كأنه نفس الوسوسة؛ لدوام وسوسته. فقد أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف بأنه الوسواس الخ، ولم يقل: من شر وسوسته؛ لتعم الاستعاذة شره جميعه، وإنما وصفه بأعظم صفاته وأشدها شرًا وأقواها تاثيرًا وأعمها فسادًا. فإن قلت: ما الحكمة في وصف الله تعالى في هذه السورة بنفسه بثلاث أوصاف، وجعل المستعاذ منه شيئًا واحدًا، وفي السورة قبلها بعكس ذلك؛ لأنه وصف نفسه بوصف واحد، وجعل المستعاذ منه أربعة أشياء؟. قلت: بأنه في السورة المتقدمة المستعاذ منه أمور تضر في ظاهر البدن، وهنا وإن كان أمرًا واحدًا إلا أنه يضر الروح، وما كان يضر الروح يُهتم بالاستعاذة منه. فإن قلت: إن كان مقتضى الظاهر تقديم ما به الاهتمام؛ وهو الاستعاذة من شر الوسواس؛ إذ سلامة الروح مقدمة على البدن؟. أجيب: بأن تقديم سلامة البدن وسيلة للمقصود بالذات، وهو: سلامة الروح. وفي "آكام المرجان": وينحصر ما يدعو الشيطان إليه ابن آدم في ست مراتب: المرتبة الأولى الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذاك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تبعه، وهذا أول ما يريده من العبد، والمرتبة الثانية البدعة، وهي أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، فتكون كالعدم، والبدعة يظن صاحبها أنها صحيحة فلا يتوب منها، فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة

стр. 15258

الثالثة، وهي الكبائر على اختلاف أنواعها، فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الرابعة؛ وهي الصغائر التي إذا اجتمعت أهلكت صاحبها كالنار الموقدة من الحطب الصغار، فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الخامسة؛ وهي اشتغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، بل عقابها فوات الثواب الذي عليه باشتغاله بها، فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة السادسة، وهي أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه؛ ليفوِّته ثواب العمل الفاضل. ومن الشيطان شيطان الوضوء، ويقال له الوَلَهان - بفتحتين - وهو شيطان يولع الناس بكثرة استعمال الماء، قال النبي ﷺ : تعوَّذوا بالله من وسوسة الوضوء، ومنهم شيطان يقال له: خنزب، وهو الملبس على المصلي في صلاته وقراءته، قال أبو عمر والبخاري - رحمهما الله تعالى -: أصل الوسوسة ونتيجتها من عشرة أشياء: أولها: الحرص، فقابله بالتوكل والقناعة. والثاني: الأمل فاكسره بمفاجأة الأجل. والثالث: التمتع بشوات الدنيا، فقابله بزوال النعمة وطول الحساب. والرابع: الحسد، فاكسره برؤية العدل. والخامس: البلاء، فاكسره برؤية المنة والعوافي. والسادس: الكبر فاكسره بالتواضع. والسابع: الاستخفاف بحرمة المؤمنين، فاكسره بتعظيمهم واحترامهم. والثامن: حيث الدنيا والمحمدة، فاكسره بالإخلاص. والتاسع: حب العلو والرفعة، فاكسره بالخشوع والذلة. والعاشر: المنع والبخل، فاكسره بالجود والسخاء. ﴿الْخَنَّاسِ﴾ صفة للوسواس؛ لأنه بمعنى الموسوس؛ أي: من شر الشيطان الموسوس الذي عادته أن يخنس؛ أي: يتأخر ويختفي إذا ذكر الإنسان ربه، وهو صيغة مبالغة؛ أي: كثير الخنس؛ وهو التأخر من خنس يخنس - من باب دخل - أي: يتوارى ويختفي بعد ظهوره المرة بعد المرة، قال مجاهد: إذا ذكر الله خنس وانقبض، وإذا لم يُذكر انبسط على القلب، ووُصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء،

стр. 15259

ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١ ٥)﴾ يعني: النجوم لاختفائها بعد ظهورها كما تقدم، وقيل: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ اسم إبليس، كما تقدم في الوسواس، فالخناس هو الذي إذا ذكر العبد ربه تأخر واختفى وتوارى عنه، وإذا غفل عن ذكر الله بالقلب، ولو كان ذاكرًا باللسان رجع إليه، فالذكر له كالقامع الذي يقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلًا، وعن بعض السلف: إن المؤمن يفني شيطانه، كما يفني الرجل بعيره في السفر، قال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب، وقيل: كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وقيل: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وتأخر، وإذا غفل رجع، وهل المراد بما ذُكر الحقيقة؟ أو خرطوم الكلب والخنزير كناية عن قبحه وخبثه ونجاسته، ورأس الحية كناية عن شدة الأذية، ووضعه على الفؤاد كناية عن شدة التمكن؟ كل محتمل. ويجوز أن يدخل الشيطان في الأجسام؛ لأنه جسم لطيف، وهو وإن كان مخلوقًا في الأصل من نار، لكنه ليس بمحرق؛ لأنه لما امتزج النار بالهواء صار تركيبه مزاجًا مخصوصًا كتركيب الإنسان، كما ورد في الحديث الصحيح أنه يجري من ابن آدم مجرى الدم. والمعنى: أي (١) ألجأ إليك رب الخلق ومالكهم وإلههم ومعبودهم أن تنجينا من شر الشيطان الموسوس الكثير الخنوس والاختفاء؛ لإنه يأتي من ناحية الباطل، فلا يستطيع مقاومة الحق إذا صدمه، ولكنه يذهب بالنفس إلى أسوأ مصير إذا انجرَّت مع وسوسته، وانساقت معه إلى تحقيق ما خطر بالبال. وهذه الأحاديث النفسية إذا سُلِّط عليها نظر العقل خفيت واضمحلت، وسكن الموسوس عند إلقائها، وحديث النفس بالفواحش وضروب الأذى للناس يذهب هباء إذا تنبهت النفس لأوامر الشرع، وهكذا إذا وسوس لك امرؤ، وبعثك على فعل السوء، ٥ - ثم ذكرته بأوامر الدين يخنس، ويمسك عن القول إلى أن تسنح له فرصة أخرى، وقد وصف الله هذا الوسواس الخناس بقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ﴾ ويحدث حديثًا خفيًا لا يُسمع له صوت ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾؛ أي: في

стр. 15260

قلوب (١) الناس والبشر إذا غفلوا بقلوبهم عن ذكر الله تعالى، ولو ذكروا بألسنتهم، ولذا قال في "التأويلات النجمية" في تفسير الناس؛ أي: الناسي عن ذكر الله بالقلب والروح والسر نظير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ بحذف الياء. انتهى. وذلك لأن الوسوسة حالة في القلب (٢)، فلا يطردها إلا الذكر الحال في القطر، فمن كان من أهل الذكر فلا تسلط للشيطان عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ولا يترك الإنسان الذكر اللساني إذا وجد الغفلة والوسواس في قلبه، بل يكثر الذكر ويديمه، فلعله يستيقظ قلبه ويتنور، قال بعض أهل المعرفة: الذكر اللساني كقدح الزناد، فإذا تكرر أصاب، قال بعضهم في ذلك: اطْلُبْ وَلاَ تَضْجَرَنْ مِنْ مَطْلَبٍ ... فَآفَةُ الطَّالِبِ أنْ يَضْجَرَا أَمَا تَرَى الْحَبْلَ لِتَكْرَارِهِ ... فِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ قَدْ أَثَّرَا ومحل الموصول الجر على الوصف (٣)، أو الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو النصب على الذم، فيحسن الوقف عليه، ذكر وسوسته أولًا، ثم ذكر محلها؛ وهو صدور الناس، تأمل السر والحكمة في قوله: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ ولم يقل: في قلوب الناس، والصدر هو ساحة القلب وبيته، فمنه تدخل الواردات عليه، فتجتمع في الصدر، ثم تلج في القلب، فهو بمنزلة الدهليز، وهو بكسر أوله ما بين الباب والدار، ومن القلب تخرج الإرادت والأوامر إلى الصدر، ثم تتفرق على الجنود، فالشيطان يدخل ساحة القلب وبيته، فيُلقي ما يريد إلقاءه إلى القلب، فهو يوسوس في الصدور، ووسوسته واصلة إلى القلوب، وقال مقاتل: إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه سلَّطه الله سبحانه على ذلك، ووسوسته هي الدعاء إلى طاعته بكلام خفي يصل إلى القلب من غير سماع صوت. وقوله: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ يدل على أنه لا يوسوس في صدور الجن، قال في "آكام المرجان": لم يرد دليل على أن الجني يوسوس في صدور الجني، ويدخل فيه كما يدخل في الإنسي، ويجري منه مجراه من الإنسي. اهـ.

стр. 15261

٦ - ثم بيَّن سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان جني وإنسي، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ والجِنة - بالكسر - جماعة الجن، و ﴿مِنَ﴾ بيان للشيطان الموسوس على أنه ضربان جني وإنسي، كقوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ والموسوس إليه نوع واحد، وهو الإنس، فكما أن شيطان الجن قد يوسوس تارة ويخنس أخرى، فشيطان الإنس يكون كذلك، وذلك لأنه يُلقي الأباطيل، ويُري نفسه في سورة الناصح المشفق، فإن زجره السامع يخنس ويترك الوسوسة، وإن قبل السامع كلامه بالغ فيه، و ﴿مِنَ﴾ على هذا بيانية مشوبة بتبعيض؛ أي: بعض الجنة وبعض الناس. قال في "الأسئلة المقحمة": من دعا غيره إلى الباطل، فإن تصوره في قلبه كان ذلك وسوسةً، وقد قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فإذا جاز أن توسوس نفسه جاز أن يوسوسه غيره، فإن حقيقة الوسواس لا تختلف باختلاف الأشخاص. ويجوز أن تكون ﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ ﴿يُوَسْوِسُ﴾ وتكون لابتداء الغاية؛ أي: يوسوس في صدورهم من جهة الجن أنهم يعلمون الغيب ويضرون وينفعون، ومن جهة الناس كالكهان والمنجمين كذلك، ويجوز أن يكون قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ بيانًا للوسواس، و ﴿النَّاسِ﴾ عطف على ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ فلفظ ﴿شَرِّ﴾ مسلط عليه، كأنه قال: من شر الوسواس الذي يوسوس؛ وهو الجنة، ومن شر الناس، وعليه فالناس لا يصدر منهم وسوسة، وقيل: يجوز أن يكون المراد أعوذ برب الناس من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، ومن الجنة والناس بتقدير العاطف كأنه استعاذ بربه من ذلك الشيطان الواحد، ثم استعاذ بربه من جميع الجنة والناس، وقيل: المراد بالناس الناسي، وسقطت الياء كسقوطها في قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ ثم بيَّن بالجنة والناس؛ لأن كل فرد من أفراد الفريقين في الغالب مبتلى بالنسيان، وقيل: إن إبليس يوسوس في صدور الجن، كما يوسوس في صدور الإنس، وواحد الجنة: جني، كما أن واحد الإنس إنسي، وسيأتي بسط الكلام فيه، والقول الأول هو أرجح هذه الأقوال، وإن كان وسوسة الإنس في صدور الناس لا يكون إلا بالمعنى الذي قد قدمنا، ويكون هذا البيان يذكر الثقلين للإرشاد إلى أن من استعاذ منهما ارتفعت عنه محن الدنيا والآخرة، وفي ختم (١) القرآن بهذه السورة

стр. 15262

إشارة حسنة، كأنه قيل: ما أنزلناه كاف، وما فرَّطنا في الكتاب من شيء فلا تطلب بعده شيئًا، بل اقتصر على العمل له واستعذ بالله من الشيطان والحاسد؛ لأن العبد إذا تمت نعمة الله عليه كثرت حساده إنسًا وجنًا، قال بعضهم: وفي بدء القرآن: بسم الله وختمه بالناس إشارة إلى أن الإنسان آخر المراتب الكونية؛ وذلك لأن ابتداء المراتب الكونية هو العقل الأول، وانتهاؤها هو الإنسان اهـ بتصرف. قيل: عدد (١) حروف هذه السورة غير المكرر: ثلاث وعشرون حرفًا، وكذلك عدد الفاتحة بعدد السنين التي أُنزل فيها القرآن، وهو سر بديع، وأول القرآن باء البسملة، وآخره سين والناس، كأنه قيل: بس؛ أي: تم وكمل، أو حسب؛ أي: حسبك من الكونين ما أعطيناك بين الحرفين، وفي أسئلة (٢) عبد الله بن سلام ﵁ أخبرني يا محمد ما ابتداء القرآن وما ختمه؟ قال: "ابتداؤه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وختمه: صدق الله العظيم"، قال: صدقت، وفي "خريدة العجائب" يعني: ينبغي أن يقول القارىء ذلك عند الختم، وإلا فختم القرآن سورة الناس، وفي "قوت القلوب" للشيخ أبي طالب المكي - رحمه الله تعالى -: وليجعل العبد مفتاح درسه أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون، وليقرأ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) ...﴾ وسورة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وليقل عند فراغه من كل سورة صدق الله تعالى، وبلَّغ رسوله ﷺ ، اللهم انفعنا وبارك لنا فيه الحمد لله رب العالمين، واستغفر الله الحي القيوم. الإعراب ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر تقديره: أنت يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿أَعُوذُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنا يعود على

стр. 15263

محمد ﷺ ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾. ﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾: بدلان، أو وصفان، أو عطفا بيان لـ ﴿رَبِّ النَّاسِ﴾، وكرر المضاف إليه إظهارًا لشرفه كما مر. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾. ﴿الْخَنَّاسِ﴾: صفة لـ ﴿الْوَسْوَاسِ﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة ثانية لـ ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ قال في "الكشاف": يجوز فيه الحركات الثلاث، فالجر على الصفة والرفع والنصب على الذم. ﴿يُوَسْوِسُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الموصول. ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُوَسْوِسُ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يُوَسْوِسُ﴾. ﴿وَالنَّاسِ﴾: معطوف على ﴿الْجِنَّةِ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَعُوذُ﴾ من عاذ إليه يعوذ - من باب قال - إذا التجأ إليه مما يخافه. ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ الناس أصله إما أناس، فحذفت الهمزة، فصار ناس، أو. نَوَس تحركت الواو وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا، مأخوذ إما من ناس إذا تحرك، خص بالبشر؛ لأنه المتحرك الحركة التامة الناشئة عن فكر واختيار، أو من الأنس ضد الوحشة؛ لأنه يؤنس به، أو من النسيان؛ لكونه مطبوعًا عليه. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾: وفي "السمين": قال الزمخشري: الوسواس اسم مصدر بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر، فوسواس بالكسر كزلزال، والمراد به هنا الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه؛ لأنها صنعته وشغله، أو أريد ذو الوسواس اهـ. وفي "المصباح": أنه يطلق أيضًا على ما يخطر بالقلب من الشر، وكل ما لا خير فيه، وفي "المختار": الوسوسة حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسًا - بالكسر - ووسواسًا - بالفتح - كزلزال وزلزال. ﴿الْخَنَّاسِ﴾ صيغة مبالغة من خنس يخنس - من باب دخل - خنسًا - بالسكون - وخَنَسًا - بالتحريك - وخنوسًا، والخنس التأخر والتواري والاستتار، يقال: خنس عنه إذا تاخر وأخنسه غيره؛ أي: خلَّفه ومضى عنه، والخناس الشيطان؛ لأنه يخنس

стр. 15264

إذا ذكر الله ، قال في "أساس البلاغة": وخنس الرجل من بين القوم خنوسًا إذا تأخر واختفى وخنسته أنا وأخنسته بأربع، وخنس إبهامه خفض، ومنه الخناس. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجنة: اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني كزنج وزنجي، وغالبًا يفرق بالتاء كتمر وتمرة، وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم؛ أي: استتارهم عن العيون، وهم أجسام نارية هوائية يتشكلون بالصور الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصور، وتقدم ما فيهم اهـ من "الصاوي". البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإضافة لتشريف المضاف إليه وتعظيمه في قوله: ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وفي الآيتين بعدها. ومنها: تخصيص الناس بالذكر في المواضع الثلاثة مع كونه رب جميع المخلوقات وملكهم وإلههم تكريمًا لهم من بين المخلوقات حيث أخدمهم الملائكة، وأمدهم بالعقل والعلم وسائر أنواع الكرامات كما مر. ومنها: تكرير لفظ الناس ثانيًا وثالثًا؛ لإظهار شرف الناس وتعظيمهم، وللاعتناء بشأنهم، ولو قال: ملكهم إلههم لما كان لهم هذا الشأن العظيم. ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿يُوَسْوِسُ﴾ و ﴿الْوَسْوَاسِ﴾. ومنها: الطباق بين ﴿الْجِنَّةِ﴾ و ﴿النَّاسِ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾؛ أي: في قلوبهم لعلاقة المحلية. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (١) * * *

стр. 15265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →