← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الشبه منتزعا من أمور متعدّدة، فقد شبّه في المثال الأول المنافق بالمستوقد للنار، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار. وفي المثال الثاني شبّه الإسلام بالمطر؛ لأنّ القلوب تحيا به، كحياة الأرض بالمطر، وشبّه شبهات الكفّار بالظلمات، وما في القرآن من الوعد والوعيد، بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الفتن، والبلايا بالصواعق. ومنها: المخالفة بين الضميرين، فقد وحّد الضمير في قوله: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ وفي قوله: ﴿ما حَوْلَهُ﴾ نظرا إلى جانب اللفظ؛ لأنّ المنافقين كلّهم على قول واحد وفعل واحد، وجمع في قوله: ﴿بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ﴾ رعاية للمعنى لكون المقام مقام تقبيح أحوالهم، وبيان صفاتهم وضلالهم، فإثبات الحكم لكلّ فرد منهم واقع. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ فقد شبّههم بالصمّ، والبكم، والعمي، وطوى ذكر المشبّه، وجعله بعضهم من التشبيه البليغ؛ أي: هم كالصمّ البكم العمي في عدم الاستفادة من هذه الحواس، فحذف أداة التشبيه ووجه الشبه، فصار تشبيها بليغا، وهو في كلامهم كثير، كقوله: صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ﴾ حيث أطلق الأصابع، وأراد رؤوسها، فهو من إطلاق الكلّ وإرادة الجزء؛ لأنّ إدخال الأصبع كلّها في الأذن لا يمكن. ومنها: جمع الأصابع إشارة إلى أنّه لم يرد أصبعا معيّنة؛ لأنّ الحالة حالة دهش وحيرة، فأيّة أصبع اتّفق لهم أن يسدّوا بها آذانهم، فعلوا غير معرّجين على ترتيب معتاد، أو تعيين مفترض. ومنها: إفراد البرق والرعد، وجمع الصواعق، لكونهما في الأصل مصدرين، والمصادر لا تجمع. يقال: رعدت السماء رعدا وبرقت برقا، فراعى فيهما حكم الأصل، فترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع، ولا يخفى أنّ من

стр. 387

الألفاظ ما يعذب مفرده ويقبح جمعه، وبالعكس. ومنها: تعريف السماء في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾؛ للإيذان بأنّ انبعاث الصيّب ليس من أفق واحد، فإنّ كلّ أفق من آفاقها سماء على حدة، والمعنى: أنّه نازل من غمام مطبق، آخذ بآفاق السماء كلها. ومنها: التعبير بالأصابع دون الأنامل في قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ﴾ إشارة إلى أنّهم لشدّة حيرتهم ودهشتهم، يدخلون أصابعهم كلّها في إذانهم لا أناملهم فقط، كما هو المعتاد. ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ حيث لم يقل: والله محيط بهم بالضمير الراجع إلى أصحاب الصيّب، إيذانا. بأنّ ما دهمهم من الأمور الهائلة المحكيّة بسبب كفرهم. ومنها: إيثار المشي في قوله: ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾ على ما فوقه من السّعي والعدو؛ للإشعار بعدم استطاعتهم لهما لكمال دهشتهم وحيرتهم. ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. فائدة: والحاصل: أنّ الله وصف المنافقين في هذه الآيات، بثمان صفات كلّها قبيحة شنيعة تدلّ على رسوخهم في الضلال، وهي: الكذب، والخداع، والسفه، والاستهزاء، والإفساد في الأرض، والجهل والضلال، والمرض. والله أعلم * * *

стр. 388

قال الله سبحانه جل وعلا: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥) إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله (١)، لما ذكر أصناف الخلق، وبيّن أنّ منهم المهتدين والكافرين الذين فقدوا الاستعداد للهداية، والمنافقين المذبذبين بين ذلك .. دعا الناس إلى دين التوحيد الحقّ، وهو عبادة الله وحده عبادة خشوع وإخلاص، حتى كأنّهم ينظرون إليه، ويرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنّه يراهم، فإن

стр. 389

فعلوا ذلك أعدّوا أنفسهم للتقوى، وبلغوا الغاية القصوى. ثمّ عدّد بعض نعمه المتظاهرة عليهم الموجبة للعبادة والشكر، فجعل منها خلقهم أحياء قادرين على العمل والكسب، ثمّ خلق الأرض مستقرّا ومهادا؛ لينتفعوا بخيراتها، ويستخرجوا معادنها ونباتها. ثمّ بنى لهم السماء التي زيّنها بالكواكب، وجعل فيها مصابيح يهتدي بها الساري في الليل المظلم، وأنزل منها الماء، فأخرج به ثمرات مختلفا ألوانها وأشكالها، أفليس في كلّ هذا ما يطوّح بالنظر، ويهدي الفكر إلى أنّ خالق هذا الكون البديع المثال، لا ندّ له ولا نظير، وأنّ ما جعلوه أندادا له لا يقدرون على إيجاد شيء مما خلق، وأنّهم يعلمون ذلك حقّ العلم، فكيف يدعون غير الله من الأصنام والأحجار، ويستشفعون به، ويتوسّلون إليه مع أنّه لا خالق ولا رازق إلّا الله . قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أنّ الله ، لمّا ذكر (١) أنّ الناس بالنظر إلى القرآن أقسام ثلاثة: متقون يهتدون بهديه، وجاحدون معاندون معرضون عن سماع حججه وبراهينه، ومذبذبون بين ذلك .. طلب هنا إلى الجاحدين المعاندين في نبوة محمد ﷺ وفي أنّ القرآن معجزته، أن يتعرّفوا إن كان هو من عند الله كما يدّعي هو أو من عند نفسه كما يدّعون، فيروّزوا أنفسهم، ويحاكموه، لعلّهم يأتون بمثل سورة من أقصر سورة، وهم فرسان البلاغة، وعصرهم أرقى عصور الفصاحة، والكلام ديدنهم، وبه تفاخرهم، وكثير منهم حاز قصب السبق في هذا المضمار، ولم يكن محمد من بينهم، فهو لم يمرّن عليه، ولم يبار أهله، ولم ينافسهم فيه. فإن عجزوا ولم يستطيعوا ذلك، وهم لا يستطيعون، وإن تظاهر أنصارهم وكثر أشياعهم، بل لو اجتمعت الإنس والجنّ جميعا، فليعلموا أنّ ما جاءهم به، فأعجزهم لم يكن إلّا بوحي سماوي وإمداد إلهيّ، لا يسمو إليه محمد بعقله، ولا

стр. 390

يصل بيانه إلى مثل أسلوبه ونظمه. وإذا استبان عجزهم ولزمتهم الحجة فقد صدق النبي ﷺ فيما ادعى، وكان من ارتاب في صدقه معاندا مكابرا، واستحقّ العقاب، وكان جزاءه النار التي وقودها العصاة الجاحدون، وما عبدوه من أحجار وأصنام، أعدّت لكلّ من جحد الرسل أو استحدث في الدين، ما هو منه براء. قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله ، لمّا ذكر الكافرين، وما أعدّ لهم من العقاب. قفّى على ذلك ببشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما أعدّ لهم من نعيم مقيم في الدار الآخرة، وقد جرت سنّة القرآن أن يقرن الترهيب بالترغيب؛ تنشيطا لاكتساب ما يوجب الزلفى عند الله؛ وتثبيطا عن اقتراف ما يوجب البعد من رضوانه تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه (١)، لما ذكر الدليل القاطع على أنّ القرآن كلام الله، لا يتطرّق إليه شكّ ولا ريب، وأنّه كتاب معجز، أنزله على خاتم المرسلين، وتحدّاهم أن يأتوا بسورة من مثله. ذكر هنا شبهة أوردها الكفار للقدح فيه، وهي: أنّه جاء في القرآن ذكر النحل، والذباب، والعنكبوت، والنمل، وهذه الأمور لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء، فضلا من كلام ربّ الأرباب. فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة، وردّ عليهم: بأنّ صغر هذه الأشياء لا يقدح في فصاحة القرآن وإعجازه، إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي ...﴾ إلخ. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أنّ الله ، لما (٢) ذكر أولئك الفاسقين الذين ضلوا بالمثل، ووصفهم بالصفات الشنيعة من نقض العهد الموثّق، وقطع ما أمر

стр. 391

الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض، وجّه الخطاب إليهم في هاتين الآيتين. وجاء به على طريق التوبيخ والتعجيب من صفة كفرهم، بذكر البراهين الداعية إلى الإيمان الصادّة عن الكفر، وهي النعم المتظاهرة الدالّة على قدرته تعالى، من مبدأ الخلق إلى منتهاه من إحيائهم بعد الإماتة، وتركيب صورهم من الذّرات المتناثرة، والنطف الحقيرة المهينة، وخلق ما في الأرض جميعا لهم؛ ليتمتعوا بجميع ما في ظاهرها وباطنها على فنون شتّى وطرق مختلفة، وخلق سبع سموات مزيّنة بمصابيح؛ ليهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر. أفبعد هذا كله يكفرون به، وينكرون عليه أن يبعث فيهم رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويضرب لهم الأمثال؛ ليهتدوا بها في إيضاح ما أشكل عليهم مما فيه أمر سعادتهم في دينهم ودنياهم. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: (١) ما أخرجه ابن جرير عن السدي بأسانيده، لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، وهما قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾، قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ إلى قوله: ﴿الْخاسِرُونَ﴾. وما أخرجه الواحدي من طريق عبد الغني بن سعيد الثقفيّ، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: (إنّ الله ذكر آلهة المشركين، فقال: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾، وذكر كيد الآلهة، فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمدّ، أيّ شيء كان يصنع بهذا؟ فأنزل الله هذه الآية). وعبد الغني واه جدّا، وقال عبد الرزاق في «تفسيره»: أخبرنا معمر، عن قتادة: لمّا ذكر الله العنكبوت

стр. 392

والذباب، قال المشركون ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: لما نزلت ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ قال المشركون: ما هذا من الأمثال فيضرب؟ أو ما يشبه هذه الأمثال، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ...﴾ الآية. قلت: القول الأول أصحّ إسنادا، وأنسب بما تقدّم أوّل السورة، وذكر المشركين لا يلائم كون الآية مدنية. وما أوردناه عن قتادة والحسن حكاه عنهما الواحديّ بلا إسناد بلفظ (قالت اليهود)، وهو أنسب. التفسير وأوجه القراءة ٢١ - ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يا أيّها المكلّفون من الإنس والجنّ ﴿اعْبُدُوا﴾؛ أي: وحّدوا، وأفردوا بالعبادة، والطاعة، والاستغاثة، والدعاء ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾؛ أي: خالقكم الذي ابتدع خلقكم على غير مثال سابق؛ لأنّه الذي يستحقّ العبادة منكم دون غيره من الأصنام، والأحجار، لأنّ تعليق الحكم بمشتقّ يؤذن بعليّة ما منه الاشتقاق، فكأنّه قال: اعبدوه لخلقه إيّاكم، فإنّه هو الذي يعبد دون غيره. وهذه الآية (١) مسوقة لإثبات التوحيد، وتحقيق نبوة محمد ﷺ اللذين هما أصل الإيمان. والناس يصلح اسما للمؤمنين، والكافرين، والمنافقين. والنداء فائدته؛ تنبيه الغافلين، أو إحضار الغائبين، وتحريك الساكنين؛ وتعريف الجاهلين، وتفريغ المشغولين، وتوجيه المعرضين، وتهييج المحبّين، وتشويق المريدين. قال بعضهم: أقبل عليهم بالخطاب جبرا؛ لما في العبادة من الكلفة بلذّة الخطاب؛ أي: يا مؤنس لا تنس أنسك بي قبل الولادة، أو يا ابن النسيان تنبّه، ولا تنس حيث كنت نسيا منسيا، ولم تك شيئا مذكورا، فخلقتك وخمرتك طينا،

стр. 393

ثم نطفة، ثم دما، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما ولحوما وعروقا وجلودا وأعصابا، ثمّ جنينا، ثم طفلا، ثمّ صبيا، ثمّ شابا، ثمّ كهلا، ثمّ شيخا، وأنت فيما بين ذلك تتمرّغ في نعمتي، وتسعى في خدمة غيري، تعبد النفس والهوى، وتبيع الدين بالدنيا، لا تنس من خلقك، وجعلك من لا شيء شيئا مذكورا كريما مشكورا، علّمك، وقوّاك، وأكرمك، وأعطاك ما أعطاك. فهذا خطاب للنفس والبدن. قال في «التيسير»: وإذا كان الإنسان من النسيان، ففيه عتاب وتلقين، أمّا العتاب، فكأنّه يقول: أيّها الناس! قابلتم نعمنا بالكفران، وأوامرنا بالعصيان، وأمّا التلقين للعذر، فكأنّه يقول: أيّها المخالف لنا ناسيا لا عامدا، وساهيا لا قاصدا! اعذرناك لنسيانك، وعفونا عنك لإيمانك. قال ابن عباس ﵄ (١) -: يا أيّها الناس: خطاب لأهل مكة، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب لأهل المدينة. وهو هنا خطاب عامّ لسائر المكلّفين؛ لأنّ ذلك أمر أغلبي على أنّ السورة مدنية. واعلم (٢): أنّ النداء الواقع في القرآن على سبعة مراتب: الأول: نداء مدح، كقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾. والثاني: نداء ذمّ، كقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا﴾، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. والثالث: نداء تنبيه، كقوله: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ﴾، ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. والرابع: نداء إضافة، كقوله: ﴿يا عِبادِيَ﴾. والخامس: نداء نسبة، كقوله: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾، ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾. والسادس: نداء تسمية، كقوله: ﴿يا داوُدُ﴾، ﴿يا إِبْراهِيمُ﴾. والسابع: نداء تعنيف، كقوله: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾.

стр. 394

﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ يقول للكفّار: (١) وحّدوا ربّكم، ويقول للعاصين: أطيعوا ربّكم، ويقول للمنافقين: أخلصوا بالتوحيد معرفة ربّكم، ويقول للمطيعين: اثبتوا على طاعة ربّكم. واللفظ يحتمل لهذه الأوجه كلّها، وهو من جوامع الكلم، كما في «تفسير أبي الليث». والعبادة: استفراغ الطاقة في استكمال الطاعة، واستشعار الخشية في استبعاد المعصية. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفة جرت عنه للتعظيم والتعليل معناه: أطيعوا ربّكم الذي خلقكم، لخلقكم ولم تكونوا شيئا. والخلق: اختراع الشيء على غير مثال سبق. ﴿وَ﴾ خلق ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: من أهل زمن قبل زمانكم من الأمم. فـ ﴿مِنْ﴾ ابتدائية متعلّقة بمحذوف، وفي الوصف به، إيماء إلى سبب وجوب عبادته تعالى، فإنّ خلق أصولهم من موجبات العبادة، كخلق أنفسهم. وفيه دلالة على شمول القدرة، وتنبيه من سنة الغفلة؛ أي: أنّهم كانوا فمضوا، وجاءوا وانقضوا، فلا تنسوا مصيركم، ولا تستجيزوا تقصيركم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: اعبدوه وحده؛ لتجعلوا عبادته وقاية وسترا بينكم وبين عذابه، هذا إن جرينا على أنّ (لعلّ) للتعليل. ويحتمل كونها على أصل معناها من الترجيّ، فتكون جملتها حالا من فاعل ﴿اعْبُدُوا﴾؛ أي: أفردوه بالعبادة حالة كونكم راجين أن تدخلوا، وتنظّموا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح، المستوجبين لجوار الله تعالى. و (لعلّ) للترجّي والإطماع، وهي من الله تعالى واجب؛ لأنّ الكريم لا يطمع إلّا فيما يفعل. والأولون والآخرون مخاطبون بالأمر بالتقوى. وخصّ المخاطبين بالذكر؛ تغليبا لهم على الغائبين، كما في «الكواشي». وقرأ ابن السميفع (٢) ﴿وخلق من قبلكم﴾ جعله من عطف الجمل. وقرأ زيد بن علي ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ بفتح ميم (من) قال الزمخشري: وهي قراءة مشكلة، ووجهها على إشكالها بأن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته؛ تأكيدا، كما أقحم جرير في قوله:

стр. 395

يا تيم تيم عدي لا أبالكم تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في (لا أبالك). انتهى كلامه. ذكره في «البحر». وفيه تنبيه: على أنّ التقوى منتهى درجة السالكين، وهو التبرّي من كلّ شيء سوى الله تعالى، وأنّ العابد ينبغي له أن لا يغترّ بعبادته، ويكون ذا خوف ورجاء، كما قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾. وحاصل المعنى: أي أنّ هذا الربّ العظيم المتصف بتلك الصفات التي تعلمونها، هو الذي خلقكم وخلق من قبلكم، وربّاكم وربّى أسلافكم، ودبّر شؤونكم، ووهبكم من طرق الهداية ووسائل المعرفة مثل ما وهبهم، فاعبدوه وحده، ولا تشركوا بعبادته أحدا من خلقه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢١)؛ أي: فاعبدوه على تلك الشاكلة، فإنّ العبادة على هذا السنن هي التي تعدّكم للتقوى، ويرجى بها بلوغ درجة الكمال القصوى. ٢٢ - ثمّ ذكر بعض خصائص الربوبيّة التي تقتضي الاختصاص به تعالى، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وصيّر ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا﴾ صفة ثانية لربّكم؛ أي: بساطا تقعدون، وتنامون عليها، وتتقلّبون فيها، كالفراش المبسوط. وقدم (١) ذكر الأرض على السماء وإن كانت أعظم في القدرة، وأمكن في الحكمة، وأتمّ في النعمة، وأكبر في المقدار؛ لأنّ السقف والبنيان فيما يعهد، لا بدّ له من أساس وعمد مستقرّ على الأرض، فبدأ بذكرها، إذ على متنها يوضع الأساس، وتستقرّ القواعد، إذ لا ينبغي ذكر السقف أولا قبل ذكر الأرض التي تستقرّ عليها قواعده؛ أو لأنّ خلق الأرض متقدم على خلق السماء، ذكره في «البحر». قال أهل اللغة: الأرض: بساط العالم وبسيطها، من حيث إنّه يحيط بها

стр. 396

البحر الذي هو البحر المحيط أربعة وعشرون ألف فرسخ، كلّ فرسخ ثلاثة أميال، وهو اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة، وكلّ ذراع ستّ وثلاثون أصبعا، كلّ أصبع ستّ حبّات شعير، مصفوفة بطون بعضها إلى بعض. فللسودان: اثنا عشر ألف فرسخ، وللبيضان: ثمانية، وللفرس: ثلاثة، وللعرب ألف، كذا في كتاب «الملكوت». وسمت وسط الأرض المسكونة حضرة الكعبة المشرفة، وأمّا وسط الأرض كلّها عامرها وخرابها، فهو الموضع الذي يسمّى قبّة الأرض، وهو مكان يعتدل فيه الأزمان في الحرّ والبرد، ويستوي الليل والنهار أبدا، لا يزيد أحدهما على الآخر، كما في «الملكوت». وروي عن عليّ - كرم الله وجهه -: أنّه قال: (إنّما سميت الأرض أرضا؛ لأنّها تتأرّض ما في بطنها)؛ يعني: تأكل ما فيها. وقال بعضهم: لأنّها تتأرّض بالحوافر والأقدام. ومعنى جعلها ﴿فَرْشًا﴾ جعل بعضها بارزا من الماء مع اقتضاء طبعها الرسوب، وجعلها متوسّطة بين الصلابة واللين، صالحة للقعود عليها والنوم فيها، كالبساط المفروش، وليس من ضرورة ذلك كونها سطحا حقيقيا، وهو الذي له طول وعرض، فإنّ كرويّة شكلها مع عظم جرمها مصّححة لافتراشها. وعبارة النسفي هنا: وليس فيه دليل على أنّ الأرض مسطّحة أو كروية، إذ الافتراش ممكن على كلا التقديرين. ﴿وَ﴾ جعل ﴿السَّماءَ﴾ وهو ما علاك وأظلّك؛ لأنّه من السموّ بمعنى: العلوّ. ﴿بِناءً﴾ أي: سقفا مبنيا فوق الأرض مرفوعا فوقها، كهيئة القبّة؛ أي: جعلها قبّة مضروبة عليكم. وكلّ سماء مطبقة على الأخرى، مثل: القبّة، والسماء الدنيا ملتزقة أطرافها على الأرض، كما في «تفسير أبي الليث». قيل (١): إذا تأمّل الإنسان المتفكّر في العالم، وجده كالبيت المعمور فيه كلّ

стр. 397

ما يحتاج إليه، والسماء مرفوعة كالسقف، والأرض مفروشة كالبساط، والنجوم كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت، وفيه ضروب النبات المهيّئة لمنافعه، وأصناف الحيوان مصروفة في مصالحه، فيجب على الإنسان المسخرة له هذه الأشياء، شكر الله تعالى عليها بالتوحيد، والإيمان، والطاعة. وما أحسن قول أبو العتاهية: فيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه الواحد ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾؛ أي: من السحاب ﴿ماءً﴾؛ أي: مطرا عذبا فراتا، أو أنزل من السماء مطرا ينحدر منها على السحاب، ومنه على الأرض. وفيه ردّ لزعم من قال: إنّه يأخذه من البحر. ﴿فَأَخْرَجَ﴾ بفضله وقدرته، وأنبت ﴿بِهِ﴾؛ أي: بسبب ذلك الماء الذي أنزل من السماء ﴿مِنَ﴾ أنواع ﴿الثَّمَراتِ﴾ والفواكه والنباتات، فالمراد بالثمرات ههنا: المأكولات كلّها من الحبوب والفواكه، وغيرها مما يخرج من الأرض والشجر، كما في «التيسير». ﴿رِزْقًا﴾ وغذاء وقوتا ﴿لَكُمُ﴾ وعلفا لدوابّكم. وذلك (١) أنّه أودع في الماء قوة فاعليّة، وفي الأرض قوة منفعلة، فتولّد من تفاعلهما أصناف الثمار، فبين المظلّة والمقلّة شبه عقد النكاح، بإنزال الماء منها عليها، والإخراج به من بطنها، أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبني آدم، ولسائر الأنعام والدوابّ. و ﴿مِنَ﴾ للبيان، و ﴿رِزْقًا﴾؛ أي: طعاما وعلفا لكم ولدوابّكم، كما مرّ آنفا، ففيه تقديم البيان على المبيّن؛ لغرض الاهتمام. والمعنى (٢): أنّ الله تعالى أنعم عليكم بذلك كلّه، لتعرفوه بالخالقيّة والرازقيّة، فتوحّدوه.

стр. 398

﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا﴾ والفاء فيه إما تفريعية، أو فصيحية؛ أي: إذا عرفتم أنّه خالق السموات والأرض وما فيهما، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم، فأقول لكم: لا تجعلوا لله أندادا؛ أي: شركاء وأشباها من الأصنام، وغيرها تشركونها مع الله تعالى في العبادة. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: والحال أنكم تعلمون أنّها لا تخلق شيئا، ولا ترزق أحدا، وأنّ الله هو الخالق الرازق. أو تعلمون أنّه ليس في التوراة والإنجيل جواز اتخاذ الأنداد. والأنداد: جمع ندّ، وهو المثل؛ أي: لا تجعلوا له أمثالا تعبدونهم كعبادة الله؛ يعني: لا تقولوا له شركاء تعبد معه. وعن ابن عباس ﵄ (لا تقولوا لولا فلان لأصابني كذا، ولولا كلبنا يصيح على الباب لسرق متاعنا)، وعن النبي ﷺ أنّه قال: «إيّاكم ولو فإنّه من كلام المنافقين» قالوا: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾. وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل الله ندّا وهو خلقك» الحديث، وكذا حديث معاذ «أتدري ما حقّ الله على عباده؟ حقّ الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» الحديث. قال البيضاويّ: واعلم أنّ مضمون الآيتين: هو الأمر بعبادة الله وتوحيده، والنهي عن الإشراك به، والإشارة إلى ما هو العلّة والمقتضي لذلك. انتهى. وفي «المراغي»: الأنداد (١): هم الذين خضع الناس لهم، وقصدوهم في قضاء حاجاتهم، وكان مشركوا العرب يسمّون ذلك الخضوع عبادة، إذ لم يكن عندهم شرع ينهاهم عن عبادة غير الله تعالى، وأهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادا وأربابا، كانوا يتحاشون هذا اللفظ، فلا يسمّون ذلك الاتخاذ عبادة، ولا أولئك المعظّمين آلهة وأندادا، بل يسمّون دعاءهم غير الله، والتقرب إليه توسّلا واستشفاعا، ويسمّون تشريعهم لهم بعض العبادات، وتحليل

стр. 399

المنكرات، وتحريم بعض الطيبات فقها واستنباطا من التوراة، والكل متفقون على أنّه لا خالق إلّا الله ولا رازق إلّا هو. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وإنّكم لتعلمون بطلان ذلك، وإنّكم إذا سئلتم من رزقكم من السموات والأرض؟ ومن يدبّر الأمر؟ تقولون: الله، فلم إذا تدعون غيره وتستشفعون به؟. ومن أين أتيتم بهذه الوسائط التي لا تضرّ ولا تنفع؟ ومن أين جاءكم أنّ التقرب إلى الله يكون بغير ما شرعه الله حتى قلتم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾. وقرأ زيد بن عليّ، ومحمد بن السميفع (١): ﴿ندا﴾ على التوحيد، وهو مفرد في سياق النهي، فالمراد به: العموم، إذ ليس المعنى: فلا تجعلوا لله ندّا واحدا، بل أندادا. ٢٣ - ولمّا احتجّ ، عليهم في إثبات توحيد الألوهية والربوبيّة بما تقدم، احتجّ عليهم في إثبات نبوة محمد ﷺ بما قطع عذرهم، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ أيّها الناس ﴿فِي رَيْبٍ﴾ وشكّ ﴿مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ أي: في كون القرآن المعجز الذي نزلناه على عبدنا ورسولنا محمد ﷺ وحيا منزّلا من عند الله تعالى، أو مفترى من عند نفسه. والتنزيل (٢): هو النزول على سبيل التدريج، وأنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا إلى بيت العزّة، ثمّ منه إلى النبي ﷺ مفرّقا منجما في ثلاث وعشرين سنة؛ ليحفظ، فإنّه ﷺ كان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب، ففرّق عليه؛ ليثبت عنده حفظه، بخلاف غيره من الأنبياء، فإنّه كان كاتبا قارئا، فيمكنه حفظ الجميع من الكتاب، ولذا قالوا: إنّ سائر الكتب الإلهية أنزلت جملة. وفي إضافة العبد إليه تعالى: تنبيه على عظم قدره ﷺ واختصاصه بخالص العبودية ورفع محلّه. وإضافته إلى نفسه تعالى واسم العبد عامّ وخاصّ، وما هنا من الخاص، كقوله: لا تدعني إلّا بيا عبدها ... لأنّه أشرف أسمائي

стр. 400

ومن قرأ ﴿على عبادنا﴾ بالجمع، فقيل: يريد رسول الله ﷺ وأمّته، قاله الزمخشري، ذكره في «البحر»؛ لأنّ المكذّب لمحمد مكذّب لأمته، لأنّهم تبعه. وقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ جواب الشرط، وهو أمر تعجيز ﴿بِسُورَةٍ﴾ واحدة كائنة ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ أي: من مثل هذا القرآن الذي نزلناه على عبدنا محمد ﷺ في البلاغة، والفصاحة، والبيان الغريب، وعلوّ الطبقة في حسن النظم، والتركيب، والإخبار عن المغيّبات؛ أي: فهاتوا وجيئوا بسورة واحدة مماثلة له فيما ذكر، فأنتم بشر فصحاء مثله، هذا إن جرينا على أنّ الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ عائد على ما نزلنا، وهو المتبادر. والمعنى: أي (١) ائتوا أنتم بمثل ما أتى هو، إن كان الأمر كما زعمتم من كونه كلام البشر، إذ أنتم وهو سواء في الجوهر، والخلقة، واللسان، وليس هو أولى بالاختلاق منكم. ثمّ القرآن وإن كان لا مثل له؛ لأنّه صفة الله وكلامه ووحيه، ولا مثل لصفاته، كما لا مثل لذاته، لكن معناه من مثله على زعمكم، فقد كانوا يقولون: لو شئنا لقلنا مثل هذا، كما في «التيسير». ويحتمل (٢) عود الضمير على ﴿عَبْدِنا﴾، والمعنى حينئذ: فهاتوا بسورة واحدة واقعة من بشر مماثل لعبدنا محمد ﷺ في كونه عربيّا فصيحا. وحدّ السورة: هي قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر، مترجم عنها باسم خاصّ، أقلّها ثلاث آيات. وإنّما سميت سورة؛ لكونها أقوى من الآية من سورة الأسد والشراب؛ أي: قوته. والآية قطعة من السورة مميزا بفصل يسمّى الفاصلة، هذا إن كان واوها أصلية، وإن كانت منقلبة عن همزة، فهي مأخوذة من السؤر الذي هو البقية من الشيء، فالسورة قطعة من القرآن مفرزة باقية من غيرها. قال القاضي زكريا: إن قلت: لم ذكرت ﴿مِنْ﴾ هنا، وحذفت في سورتي: يونس وهود؟ قلت: لأنّ ﴿مِنْ﴾ هنا للتبعيض، أو للتبيين، أو زائدة على قول الأخفش:

стр. 401

بتقدير رجوع الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ إلى ما في قوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنا﴾، وهو الأوجه، والمعنى على الأخير: فأتوا بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم، وعلى الأولين: فأتوا بسورة مما هو على صفته في البلاغة وحسن النظم، وحينئذ فكأنّه منه، فحسن الإتيان بمن الدالة على ما ذكر، بخلاف ذاك، فإنّه قد وصف السور بالافتراء صريحا في هود، وإشارة في يونس، فلم يحسن الإتيان بمن الدالة على ما ذكر؛ لأنّها حينئذ تشعر بأنّ ما بعدها من جنس ما قبلها، فيلزم أن يكون قرآنا، وهو محال. ويجوز جعل ﴿مِنْ﴾ للابتداء بتقدير رجوع الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ إلى ﴿عَبْدِنا﴾؛ أي: محمد، والمعنى: فأتوا بسورة مبتدأة من شخص مثل محمد، ذكره في «فتح الرحمن». وقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ معطوف على جواب الشرط، جمع شهيد بمعنى: الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إما متعلّقة بادعوا، فالمعنى: ادعوا متجاوزين الله من حضركم كائنا من كان، للاستظهار في معارضة القرآن، أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضركم من رؤسائكم وأشرافكم الذين تفزعون إليهم من الملمّات، وتعوّلون عليهم في المهمّات. أو القائمين بشهادتكم الجارية فيما بينكم من أمثالكم المتولّين، لاستخلاص الحقوق بتنفيذ القول عند الولاة. أو القائمين بنصركم حقيقة أو زعما من الإنس والجنّ، ليعينوكم. وقال القاضي: معنى ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: من غيره، وهو بهذا المعنى في جميع ما جاء في القرآن. وإما متعلّقة بشهداءكم، والمراد بهم: الأصنام. و ﴿دُونِ﴾ بمعنى: التجاوز على أنّها ظرف مستقرّ وقع حالا من ضمير المخاطبين، والعامل ما دلّ عليه ﴿شُهَداءَكُمْ﴾؛ أي: ادعوا أصنامكم الذين اتخذتموهم آلهة، وزعمتم أنّهم يشهدون لكم يوم القيامة أنّكم على الحقّ، متجاوزين الله في اتخاذها كذلك. والمعنى عليه: وادعوا آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، ليساعدوكم في معارضة هذا القرآن والإتيان بمثله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في مقالتكم: إنّ محمّدا افتراه من عند نفسه، فإنّكم عربيون فصحاء مثله. وسميّت الآلهة شهداء؛ لزعمهم

стр. 402

أنّهم يشهدون لهم يوم القيامة بصحّة عبادتهم إياهم. والصدق: خلاف الكذب، وهو مطابقة الخبر للواقع أو الاعتقاد، أو لهما على الخلاف المذكور في علم المعاني. ودلّت الآية: على أنّ الاستعانة بالخلق لا تغني شيئا، وما يغني رجوع العاجز عن العاجز، فلا ترفع حوائجك إلّا إلى من لا يشّق عليه قضاؤها، ولا تسأل إلّا من لا تفنى خزائنه، ولا تعتمد إلّا على من لا يعجز عن شيء ينصرك من غير معين، ويحفظك من كلّ جانب ومن غير صاحب، ويغنيك من غير مال، فيقلّ أعداد الأعداء الكثيرة إذا حماك، ويكثر عدد المال القليل إذا كفاك. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنّ محمدا تقوّله من تلقاء نفسه، وفي أنّ فيه مجالا للريب، وأنّ آلهتكم شهداؤكم. شرط جوابه محذوف، تقديره: فافعلوا؛ أي: فأتوا بسورة من مثله. وقد نزل في هذا المعنى آيات كثيرة بمكة، أوّلها: ما في سورة الإسراء ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية، ثمّ ما في سورة هود ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، ثمّ ما في سورة يونس ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾، وما جاء في هذه السورة المدنية. فائدة: وأصل (١) معنى ﴿دُونِ﴾: أدنى مكان من الشيء، واتسع فيه حتى استعمل في تخطّي الشيء إلى شيء آخر، ومنه ما في هذه الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وله معان أخر: منها: التقصير عن الغاية والحقارة. يقال: هذا الشيء دون؛ أي: حقير، ومنه قوله: إذا ما علا المرء رام العلا ... ويقنع بالدّون من كان دونا

стр. 403

والقرب. يقال: هذا دون ذاك؛ أي: أقرب منه، ويكون إغراء. تقول: دونك زيدا؛ أي: خذه من أدنى مكان. ٢٤ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أمرتم به من الإتيان بالمثل بعد ما بذلتم في السعي غاية المجهود، يعني: فيما مضى وغبر، وحضر من الزمان، والجملة فعل شرط لإن. وقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾. فيما يستقبل أبدا؛ وذلك لظهور إعجاز القرآن. اعتراض بين الشرط وجوابه، وهذه الجملة المعترضة معجزة باهرة، أخبر بها القرآن قبل وقوعها، حيث أخبر بالغيب الخاص علمه به ، وقد وقع القرآن كذلك، كيف لا ولو عارضوه بشيء بداية في الجملة لتناقله الرواة خلفا عن سلف، فلم تقع المعارضة من أحد من الكفرة في أيّام النبوة وفيما بعدها إلى الآن. وقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ بالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقيام بفرائضه، واجتناب مناهيه. جواب الشرط. والمعنى: أي (١) فإن لم تأتوا الآن بسورة من مثل المنزل على محمدّ ﷺ لعجزكم عنها، ولن تقدروا على أن تأتوا بمثله في المستقبل لتحقّق عجزكم الآن ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ أي: فاجعلوا لأنفسكم وقاية وسترا من النار المذكورة، بتصديق هذا القرآن، ومن جاء به. وعبّر عن الإتيان بالفعل؛ لأنّ الإتيان فعل من الأفعال، ولقصد الاختصار. والخلاصة: أي (٢) وحين عجزتم عن معارضة القرآن، وعن الإتيان بمثله، لزمتكم الحجة على أنّ محمدا رسولي، والقرآن كتابي، ولزمكم تصديقه والإيمان به، وإن لم تؤمنوا صرتم من أهل النار، فاتقوها. وفي «الكشاف»: لصيق اتقاء النار، وضميمة ترك العناد من حيث إنّه من نتائجه؛ لأنّ من اتّقى النار ترك المعاندة، فوضع ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ موضع فاتركوا العناد. اه.

стр. 404

وقال القاضي: إن قلت: لم عرّف النار هنا، ونكرّها في التحريم؟ قلت: لأنّ الخطاب في هذه السورة مع المنافقين، وهم في أسفل النار المحيطة بهم، فعرفت بلام الاستغراق، أو العهد الذهني، وفي تلك مع المؤمنين، والذين يعذّبون من عصاتهم بالنار يكونون في جزء من أعلاها. فناسب تنكيرها لتقليلها. وقيل: لأنّ تلك الآية نزلت في مكة قبل هذه، فلم تكن النار التي وقودها الناس والحجارة معروفة، فنكّرها ثمّ، وهذه نزلت بالمدينة، فعرفت إشارة إلى ما عرفوه أوّلا. وردّ هذا: بأنّ آية التحريم نزلت بالمدينة بعد هذه الآية التي هنا. ﴿الَّتِي وَقُودُهَا﴾ وحطبها الذي توقد به ﴿النَّاسُ﴾؛ أي: العصاة من الكفار وغيرهم. وقدم الناس على الحجارة؛ لأنّهم العقلاء الذين يدركون الآلام والمعذّبون؛ أو لكونهم أكثر إيقاد للنار من الجماد، لما فيهم من الجلود، واللحوم، والشحوم، والعظام، والشعور؛ أو لأنّ ذلك أعظم في التخويف، فإنّك إذا رأيت إنسانا يحرق، اقشعرّ بدنك وطاش لبّك، بخلاف الحجر. ﴿وَالْحِجارَةُ﴾ أي: (١) حجارة الكبريت، وإنما جعل حطبها منها؛ لسرعة اتقادها؛ أي التهابها، وبطىء خمودها، وشدة حرها، وقبح رائحتها، ولصوقها بالبدن. أو الحجارة هي الأصنام التي عبدوها، وإنما جعل التعذيب بها؛ ليتحققوا أنهم عذبوا بعبادتها؛ وليروا ذلها ومهانتها بعد اعتقادهم عزّها وعظمتها، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، والكافر عبد الصنم، واعتمده، ورجاه، فعذّب به، إظهارا لجهله وقطعا لأمله، كأتباع الكبراء خدموهم، ورجوهم، وفي النار يسحبون معهم؛ ليكون أشق عليهم وأقطع لرجائهم. فإن قلت: أنار الجحيم كلّها توقد بالناس والحجارة، أم هي نيران شتّى منها نار بهذه الصفة؟ قلت: بل هي نار شتّى منها: نار توقد بالناس والحجارة، يدلّ على ذلك

стр. 405

تنكيرها في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا﴾، وقوله سبحانه ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى﴾. ولعل لكفّار الجنّ ولشياطينهم نارا وقودها الشياطين، كما أنّ لكفرة الإنس نارا وقودها هم، جزاء لكلّ جنس بما يشاكله من العذاب. وفي هذا من (١) التهويل ما لا يقادر قدره، من كون هذه النار تتقد بالناس والحجارة، فأوقدت بنفس ما يراد إحراقه بها. ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: هيّئت ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أي: للذين كفروا بما نزلناه على رسلنا، وجعلت عدّة لعذابهم. وفيه دلالة على أنّ النار مخلوقة موجودة الآن خلافا للمعتزلة، وفيه أيضا: دلالة على أنّ الكافرين هم المقصود بخلقها أصالة. وفي الآية (٢): إشارة إلى أنّ ثمرة الأخذ بالقرآن والإقرار به، وبمحمد ﷺ هو النجاة من النار التي وقودها الناس والحجارة، وفيه زيادة فضل القرآن وأهله. قال البغوي عند قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ قيل: السورة اسم للمنزلة الرفيعة، وسمّيت سورة؛ لأنّ القارىء ينال بقراءتها منزلة رفيعة، حتى يستكمل المنازل باستكمال سور القرآن. اه. وخلاصة معنى الآية (٣): إذا ظهر عجزكم عن المعارضة، صحّ عندكم صدق محمد ﷺ وإذا صحّ ذلك فاتركوا العناد، وإذا لزمتم العناد استوجبتم العقاب بالنار. وقرأ الجمهور (٤): ﴿وَقُودُهَا﴾ بفتح الواو، وهو الحطب الذي تتقد به، وقد جاء بالفتح مصدرا أيضا. وقرأ الحسن باختلاف، ومجاهد، وطلحة، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر الهمدانيّ بضمّ الواو، وهو مصدر بمعنى: التوقد، وهو حينئذ على حذف مضاف؛ أي: ذو وقودها، لأنّ الناس والحجارة ليسا نفس الاتقاد،

стр. 406

أو على أن جعلوا نفس الوقود مبالغة. وقرأ عبيد بن عمير ﴿وقيدها﴾ على وزن فعيل، وهو بمعنى: الحطب، كقراءة الجمهور. وعبارة المراغي هنا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ الآية، والنار (١) موطن العذاب، ونحن نؤمن بها كما أخبر القرآن، ولا نبحث عن حقيقتها، والوقود بفتح الواو: ما توقد به النار، والمراد بالناس: العصاة، والمراد بالحجارة هنا: الأصنام، كما قال: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾؛ أي: هيّئت للذين لا يستجيبون دعوة الرسل، أو ينحرفون عنها لمخالفتهم هدي الدين، وعمل ما تنكره شرائع الأنبياء والمرسلين من الخرافات والبدع. والخلاصة: فإن لم تفعلوا ما أمرتم به من الإتيان بالمثل بعد أن بذلتم المجهود ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ فليس في استطاعتكم، فاحذروا من العناد، واعترفوا بكونه منزلا من عند الله تعالى، لئلا تكونوا أنتم وأصنامكم وقودا للنار التي أعدّت لأمثالكم من الكافرين. اه. ٢٥ - ولمّا ذكر الله جزاء الكافرين، عقّبه بجزاء المؤمنين؛ ليجمع بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز؛ لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الخ. وقال ابن كثير: (٢) لمّا ذكر الله ، ما أعدّه لأعدائه من الأشقياء الكافرين بالله وبرسله من العذاب والنكال، عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله الذين صدّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة. وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصحّ أقوال العلماء، وهو أن يذكر الإيمان، ويتبع بذكر الكفر أو عكسه، أو حال السعداء، ثمّ الأشقياء أو عكسه. وحاصله: أنّه ذكر الشيء ومقابله. انتهى.

стр. 407

والبشارة: الخبر السارّ الذي يظهر به أثر السرور في البشرة، والتبشير: الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، وهي الجلدة الظاهرة من البشر والسرور. والمأمور بالتبشير هنا، قيل: هو النبي ﷺ . وقيل: هو كل أحد ممن يتأتّى منه التبشير، كما في قوله ﷺ : «بشّر المشّائين إلى المساجد في ظلم الليالي، بالنور التامّ يوم القيامة»، فإنّه ﷺ لم يأمر بذلك واحدا بعينه، بل كلّ أحد ممّن يتأتّى منه ذلك، كالعلماء وولاة الأمور. والأمر على الأول للوجوب؛ لأنّ البشارة من جملة ما أمر بتبليغه. أي: فرّح يا محمد قلوب الذين آمنوا، وصدّقوا بأنّ القرآن منزل من عند الله تعالى، وبجميع ما أرسلت به. ﴿وَعَمِلُوا﴾ الأعمال ﴿الصَّالِحاتِ﴾ من الفرائض والنوافل، جمع صالحة؛ أي: وعملوا الفعلات الصالحات، وهي كلّ ما كان لله تعالى. وفي عطف (١) العمل على الإيمان، دلالة على تغايرهما، وإشعار بأنّ مدار استحقاق البشارة مجموع الأمرين، فإنّ الإيمان أساس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناء بأساس لا بناء عليه. وطلب الجنة بلا عمل حال السفهاء؛ لأنّ الله ، جعل العمل سببا لدخول الجنة، والعبد وإن كان يدخله الله الجنة بمجرّد الإيمان، لكن العمل يزيد نور الإيمان، وبه يتنوّر قلب المؤمن، وكم من عقبة كؤود تستقبل العبد إلى أن يصل إلى الجنة، وأوّل تلك العقبات عقبة الإيمان، أنّه هل يسلم من السلب أم لا؟ فلزم العمل لتسهيل العقبات. أي: أخبر يا محمد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بشارة بـ ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ أي: حدائق وبساتين ذات أشجار مثمرة، ومساكن مزيّنة. والجنة: ما فيه النخيل، والفردوس: ما فيه الكرم، كذا قال الفراء. ولفرط التفاف أغصان أشجارها، وتستّرها بالأشجار سمّيت جنة، كأنّها سترة واحدة، لأنّ الجنة بناء مرّة. وإنّما سميت دار الثواب بها مع أنّ فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور؛ لما أنّها مناط نعيمها ومعظم ملاذّها.

стр. 408

فإن قلت: ما معنى جمع الجنة وتنكيرها؟ قلت: الجنة اسم لدار الثواب كلّها، وهي مشتملة على جنّات كثيرة مرتّبة مراتب على استحقاقات العاملين، لكلّ طبقة منهم جنة من تلك الجنات. والمراد بالجنة هنا (١): دار الخلود في الحياة الآخرة، أعدّها الله للمتقين، كما أعدّ النار للكافرين، ونحن نؤمن بهما ولا نبحث عن حقيقتهما. ثمّ (٢) الجنان ثمان: دار الجلال كلّها من نور مدائنها، وقصورها، وبيوتها، وأوانيها، وشرفها وأبوابها، ودرجها، وغرفها، وأعاليها، وأسافلها، وخيامها، وحليها، وكلّ ما فيها. ودار القرار كلّها من المرجان، ودار السلام كلّها من الياقوت الأحمر، وجنة عدن من الزبرجد كلّها، وهي قصبة الجنة، وهي مشرفة على الجنان كلّها، وجنة المأوى من الذهب الأحمر كلّها، وجنّة الخلد من الفضّة كلّها، وجنة الفردوس من اللؤلؤ كلّها، وجنة النعيم من الزمردّ كلّها، كذا قالوا، والله أعلم. وجملة قوله: ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها ومساكنها على ظهر الأرض من غير حفيرة. ﴿الْأَنْهارُ﴾ الأربعة المذكورة في (سورة محمد)؛ أي: المياه المعهودة في الجنة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية. وهي أنهار الخمر، واللبن، والعسل، والماء. صفة لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾. والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها وهو (٣) المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر، كالنيل وهو نهر مصر، والمراد بها: الماء الجاري فيها، وأسند الجري إليها مجازا، والجاري حقيقة هو الماء، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: أهلها، وكما قال الشاعر: ونبّئت أنّ النّار بعدك أوقدت ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس

стр. 409

والضمير في قوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ عائد إلى الجنات، ولكنه على تقدير مضاف؛ لاشتمالها على الأشجار؛ أي: من تحت أشجارها، كما مرّ آنفا. فإن قلت (١): كيف جري الأنهار من تحتها؟ قلت: كما ترى الأشجار النابتة على شواطىء الأنهار الجارية. وعن مسروق: أنّ أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وهو الشقّ من الأرض بالاستطالة، وأنزه البساتين، وأكرمها منظرا، ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها مطّردة. ولولا أنّ الماء الجاري من النعمة العظمى، وأنّ الرياض وإن كانت أحسن شيء، لا تجلب النشاط حتى يجري فيها الماء، وإلّا كان السرور الأوفر مفقودا، وكانت كتماثيل لا أرواح لها، وصورا لا حياة لها، لما جاء الله بذكر الجنات ألبتة مشفوعا بذكر الأنهار الجارية من تحتها. وقوله: ﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ وصف (٢) آخر للجنات، أو هو جملة مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنّ سائلا قال: كيف ثمارها؟. و ﴿كُلَّما﴾ ظرف زمان ضمّن معنى الشرط؛ أي: متى أطعموا ﴿مِنْها﴾؛ أي: من تلك الجنات ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾؛ أي: من أيّ ثمرة من أنواع ثمراتها. وليس المراد بالثمرة (٣): التفاحة الواحدة أو الرمّانة الفذّة، وإنما المراد: نوع من أنواع الثمرات. و ﴿مِنْ﴾ الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية، لأنّ الرزق قد ابتدىء من الجنات، والرزق من الجنّات قد ابتدىء من ثمرة. ﴿رِزْقًا﴾ مفعول رزقوا. والرزق: ما ينتفع به الحيوان طعاما. ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال أصحاب الجنة للملائكة والولدان: ﴿هذَا﴾ الطعام الذي أتيتمونا به هو ﴿الَّذِي رُزِقْنا﴾ به ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مثل الطعام الذي رزقنا به من قبل هذا في الدنيا، ولكن لمّا استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته. وإنّما (٤) جعل ثمر الجنة كثمر الدنيا؛ لتميل النفس إليه حين تراه، فإنّ

стр. 410

الطباع مائلة إلى المألوف، متنفرة عن غير المعروف؛ وليتبيّن لها مزيّة، إذ لو كان جنسا غير معهود، لظن أنّه لا يكون إلّا كذلك وإن كان فائقا، فحين أبصروا الرمّانة من رمّان الدنيا ومبلغها في الحجم، وأنّ الكبرى لا تفضل عن حدّ البطيخة الصغيرة، ثمّ يبصرون رمّانة الجنة، وهي تشبع السكن - أي: أهل الدار - كان ذلك أبين للفضل، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجّب من أن يفاجئوا ذلك الرمّان من غير عهد سابق بجنسه. وعموم ﴿كُلَّما﴾ يدلّ على ترديدهم هذه المقالة، كلّ مرة رزقوا فيما عدا المرّة الأولى، يظهرون بذلك التبجّح وفرط الاستغراب، لما بينهما من التفاوت العظيم من حيث اللذّة، مع اتحادهما في الشكل واللون، كأنّهم قالوا: هذا عين ما رزقناه في الدنيا، فمن أين له هذه الرتبة من اللذة والطيب. ولا يقدح فيه ما روي عن ابن عباس ﵄ (أنّه ليس في الجنّة من أطعمة الدنيا إلّا الاسم)، فإنّ ذلك، لبيان كمال التفاوت بينهما من حيث اللذّة، والحسن، والهيئة، لا لبيان أن لا تشابه بينهما أصلا، كيف لا وإطلاق الأسماء منوط بالاتحاد النوعي قطعا. وجملة قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ حال من فاعل قالوا؛ أي: قالوا ذلك والحال أنّهم أتوا به، أي: جيئوا بذلك الرزق، أو المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا. والضمير عائد إلى ما دلّ عليه فحوى الكلام، مما رزقوا في الدارين حال كون ما أتوا به وأعطوه في الدارين. ﴿مُتَشابِهًا﴾ بعضه بعضا في اللون والجودة، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك أجود وألذّ، يعني: لا يكون فيه رديء، فقوله: ﴿مُتَشابِهًا﴾ حال من ضمير ﴿بِهِ﴾. وقيل المعنى: (١) كلّما رزقوا من الجنة رزقا من بعض ثمارها قالوا: هذا الذي وعدنا به في الدنيا جزاء على الإيمان، وصالح الأعمال، فهو من وادي قوله تعالى: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ

стр. 411

حَيْثُ نَشاءُ﴾. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ أي: إنّ رزق الجنة وثمرها يتشابه على أهلها في صورته، ويختلف في طعمه ولذته. وقيل المعنى: (١) ﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ وأعطوا، واطعموا ﴿مِنْها﴾؛ أي: من تلك الجنات ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾؛ أي: عطاء وطعاما من ثمرة من ثمارها. ﴿قالُوا﴾ للملائكة والولدان: ﴿هذَا﴾ الطعام الذي أتيتمونا به في هذه المرّة، مثل الطعام. ﴿الَّذِي رُزِقْنا﴾ وأعطينا به ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذه المرّة في الجنة؛ أي: مثله في الشكل واللون، فتقول الملائكة: كل يا عبد الله، فاللون واحد، والطعم مختلف. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾؛ أي: والحال أنّهم أعطوا بذلك الطعام، حال كونه متشابها بعضه بعضا في اللون والمنظر دون الطعم؛ أي: تأتيهم الملائكة والولدان برزق الجنة متشابها بعضه بعضا في اللون مختلفا في الطعم. وقرأ الجمهور ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ مبنيا للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، وهو الخدم والولدان، يبيّن ذلك قراءة هارون الأعور، والعتكي ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ على البناء للفاعل، ذكره في «البحر». وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أهل الجنة يأكلون، ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يتمخّطون، ولا يبزقون، ويلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النّفس طعامهم جشاء، ورشحهم كرشح المسك. وفي رواية: ورشحهم المسك. وعن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها؛ أي: منضود بعضها على بعض؛ أي: متراكب ومجتمع ليس كأشجار الدنيا متفرّقة أغصانها وثمرتها أمثال القلال، كلّما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعا، ولو اجتمع الخلائق على عنقود لأشبعهم. وجاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم! تزعم أنّ أهل الجنة يأكلون ويشربون، فقال: «نعم والذي نفس محمد بيده، إنّ أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع»، قال: فإنّ الذي يأكل له

стр. 412

حاجة، والجنة طيّبة ليس فيها أذى، قال ﵇: «حاجة أحدهم عرق كريح المسك». وجملة قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيها﴾؛ أي: في الجنة ﴿أَزْواجٌ﴾؛ أي: نساء وحور. معطوفة على جملة قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾. على كونها صفة لجنات؛ أي: وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بأنّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وجنات لهم فيها أزواج. ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾؛ أي: (١) مهذّبة منقّاة من الأحوال المستقذرة، كالحيض، والنفاس، والبول، والغائط، والمنيّ، والمخاط، والبلغم، والورم، والدّرن، والصّداع، وسائر الأوجاع، والولادة، ودنس الطبع، وسوء الخلق، وميل الطبع إلى غير الأزواج، وغير ذلك. وقوله: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ أبلغ من طاهرة ومتطهرة؛ للإشعار بأنّ مطهّرا طهّرهنّ، وما هو إلّا الله . وقرأ الجمهور (٢) ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ صفة للأزواج، مبنيّة على طهرت كالواحدة المؤنثة. وقرأ زيد بن علي ﴿مطهّرات﴾ فجمع بالألف والتاء على معنى: طهّرن. قال الزمخشري: وهما لغتان فصيحتان. يقال: النساء فعلن وهنّ فاعلات، والنساء فعلت وهي فاعلة. وقرأ عبيد بن عمير ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ بتشديد الطاء المفتوحة وتشديد الهاء المكسورة. أصله: متطهرة، وهي مناسبة لقراءة الجمهور. قال الحسن: هنّ عجائزكم العمص العمش طهّرن من قاذورات الدنيا. وقال ابن عباس ﵄: (خلق الحور العين من أصابع رجليها إلى ركبتها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثدييها من المسك الأذفر، ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر الأشهب؛ أي: الأبيض، ومن عنقها إلى رأسها من الكافور، إذ أقبلت يتلألأ نور وجهها، كما يتلألأ نور الشمس لأهل الدنيا). وجملة قوله: ﴿وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ حال من ضمير لهم؛ أي: ولهم فيها أزواج مطهّرة خالصة من الأدناس الحسية والمعنوية، حالة كونهم خالدين في تلك

стр. 413

الجنات ماكثين فيها أحياء أبدا، لا يموتون، ولا يخرجون منها؛ لأنّ من تمام النعمة عليهم الخلود فيها. قال عكرمة: (١) أهل الجنة ولد ثلاث وثلاثين سنة، رجالهم ونساؤهم، وقامتهم ستون ذراعا على قامة أبيهم آدم، شباب جرد مرد، مكحلون، عليهم سبعون حلّة، تتلوّن كلّ حلة في كلّ ساعة سبعين لونا، لا يبزقون، ولا يتمخّطون، وما كان فوق ذلك من الأذى، فهو أبعد، يزدادون كلّ يوم جمالا وحسنا، كما يزداد أهل الدنيا هرما وضعفا، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم. واعلم: أنّ معظم اللذات الحسيّة، لما كان مقصورا على المساكن، والمطاعم، والمناكح حسبما يقضي به الإستقراء، وكان ملاك جميع ذلك الدوام والثبات، إذ كلّ نعمة وإن جلّت حيث كانت في شرف الزوال، ومعرض الاضمحلال، فإنّها منغّصة غير صافية من شوائب الألم، بشّر المؤمنين بها وبدوامها تكميلا للبهجة والسرور، ولذلك قيل: أشدّ الغمّ عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا واعلم (٢): أنّ صحبة الأزواج في الآخرة من الأمور الغيبية التي نؤمن بها، كما أخبر الله تعالى، ولا نبحث فيما وراء ذلك، فأطوار الآخرة أعلى مما في حياتنا الدنيا، فهي سالمة من المنغّصات في الطعام، والشراب، والمباشرة الزوجيّة، كما أخبره النبي ﷺ في حديث مسلم السابق. وقد ورد في الحديث الصحيح (٣)، ما يدلّ على كثرة الأزواج من الحور وغيرهنّ، وأريد بالأزواج هنا القرناء من النساء اللاتي تختصّ بالرجل، لا يشركه فيها غيره، فمعنى تطهيرهنّ: (إن كنّ من الحور، كما روي عن عبد الله: خلقهنّ على الطهارة لم يعلق بهنّ دنس ذاتيّ ولا خارجيّ) (وإن كنّ من بني آدم، كما روي عن الحسن: تطهيرهنّ من الأدناس الّتي كانت بها في الدنيا، ذاتيّة كانت

стр. 414

كالحيض، والنفاس، والبول، والغائط، أو عرضيّة، كالبخر، والصّنان، والقيح، والصديد، أو معنويّة كالغضب، والحقد، والحدّة، والكيد، والمكر، والميل إلى غير الأزواج). ٢٦ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾. الخ. أنزل الله سبحانه هذه الآية ردّا على الكفار، لمّا أنكروا ما ضربه من الأمثال، كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾. وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾، فقالوا: الله أجلّ وأعلى من أن يضرب الأمثال. وقال الحسن وقتادة: لمّا ذكر الله سبحانه الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية، كما مرّ في الأسباب بسطه. والظاهر (١) ما ذكرناه أوّلا؛ لكون هذه الآية جاءت بعقب المثلين اللذين هما مذكوران قبلها، ولا يستلزم استنكارهم لضرب الأمثال بالأشياء المحقرة أن يكون ذلك، لكونه قادحا في الفصاحة والإعجاز. والحياء: تغيّر وانكسار، يعتري الإنسان من تخوّف ما يعاب به ويذمّ، كذا في «الكشاف»، وتبعه الرازي في «مفاتيح الغيب». وقال القرطبي: أصل الاستحياء: الانقباض عن الشيء، والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله تعالى. وقد اختلفوا في تأويل ما في هذه الآية من ذكر الحياء، فقيل: ساغ ذلك لكونه واقعا في الكلام المحكي عن الكفّار، وقيل: هو من باب المشاكلة، وقيل: هو جار على سبيل التمثيل. قال في «الكشاف»: مثّل تركه تخييب العبد، وأنّه لا يردّ يديه صفرا من عطائه لكرمه، بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه. اه. والمعنى: أنّ الله لا يترك ضرب المثل بالبعوضة، ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها. وما (٢) الأمثال إلّا إبراز للمعاني المقصودة في قالب الأشياء

стр. 415

المحسوسة، لتأنس بها النفس، وتستنزل الوهم عن معارضة العقل. والحكيم علام الغيوب، يعلم حكمة هذا، فلا يترك ضرب المثل بالبعوضة، وما دونها حين تدعو المصلحة إلى ذلك. والناس إزاء هذا فريقان: مؤمنون يقولون: إنّ الله خالق الأشياء حقيرها وعظيمها، فالكلّ لديه سواء، وكافرون يستهزؤن بالأمثال احتقارا لها، فحقت عليهم كلمة ربّهم، فأصبحوا من الخاسرين. فمحلّ ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾؛ أي: يذكر. نصب (١) على المفعولية؛ أي: إنّ الله لا يترك أن يذكر مثلا وشبها لآلهتهم، وما في قوله: ﴿ما بَعُوضَةً﴾ اسمية إبهامية؛ أي: موجبة لإبهام ما دخلت عليه؛ أي: تزيد ما تقارنه من الاسم المنكّر إبهاما وشيوعا، حتى يكون أعمّ مما كان عليه أوّلا، وأكثر شيوعا في أفراده، فكأنّه قيل: يضرب مثلا ما من الأمثال أيّ مثل كان، فهي في موضع نصب، صفة لما قبلها، و ﴿بَعُوضَةً﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾. ﴿فَما فَوْقَها﴾ معطوف على بعوضة؛ أي: إنّ الله لا يترك أن يذكر مثلا وشبها لآلهتهم أيّ مثل كان، ولا يترك أن يذكر بعوضة، فيذكر الذي هو أزيد منها في الكبر، كالذباب والعنكبوت، أو يذكر ما دونها في الصغر، كالذرّة، وجناح بعوضة. قيل: إنّه من الأضداد، ويطلق على الأعلى والأدنى. وقيل: أن يضرب بمعنى: يجعل، فتكون. ﴿بَعُوضَةً﴾ المفعول الثاني، كما سيأتي. فإن قلت (٢): مثّل الله آلهتهم ببيت العنكبوت وبالذباب، فأين تمثيلها بالبعوضة فما دونها؟ قلت: في هذه الآية كأنّه قال: إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثل آلهتكم بالبعوضة فما دونها، فما ظنّكم بالعنكبوت والذباب؟. والبعوضة: فعولة من بعض إذا قطع. يقال: بعض وبضع بمعنى، والبعوض: الناموس، والواحدة: بعوضة. قال الربيع بن أنس: ضرب المثل

стр. 416

بالبعوضة عبرة لأهل الدنيا، فإنّ البعوضة تحيا ما جاعت، وتموت إذا شبعت، فكذا صاحب الدنيا، إذا استغنى طغا، وأحاط به الردى. وقال الإمام أبو منصور: الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله تعالى، في الخلق الصغير الجثّة والجسم، أكثر منها في الكبار العظام؛ لأنّ الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب، وتركيب ما يحتاج من الفم، والأنف، والعين، والرجل، واليد، والمدخل، والمخرج ما قدروا عليه، ولعلّهم يقدرون على تصوير العظام من الأجسام الكبار منها، فالبعوضة أعطيت على قدر حجمها الحقير، كلّ آلة وعضو أعطيه الفيل الكبير القويّ. قال بعضهم: (١) إنّ الله تعالى قوّى قلوب ضعفاء الناس بذكر ضعفاء الأجناس، وعرّف الخلق قدرته في خلق الضعفاء على هيئات الأقوياء، فإنّ البعوض على صغره بهيئة الفيل على كبره، وفي البعوض زيادة جناحين، فلا يستبعد من كرمه، أن يعطي على قليل العمل ما يعطي على كثير العمل من الخلق، كما أعطى صغير الجثة ما أعطى كبير الجثة من الخلقة، ومن العجب أنّ هذا الصغير يؤذي هذا الكبير، فلا يمتنع منه. ومن لطف الله تعالى: أنّه خلق الأسد بغاية القوة، والبعوض والذباب بغاية الضعف، ثمّ أعطى البعوض والذباب جراءة أظهرها في طيرانهما في وجوه الناس، وتماديهما في ذلك مع مبالغة الناس في ذبّهما بالمذبّة، وركّب الجبن في الأسد، وأظهر ذلك بتباعده عن مساكن الناس وطرقهم، ولو تجاسر الأسد تجاسر الذباب والبعوض لهلك الناس. فمنّ الله تعالى، وجعل في الضعيف التجاسر، وفي القوي الجبن، ومن العجب عجزك عن هذا الضعيف، وقدرتك على ذلك الكبير. وتقدّم لك أنّ المراد بالبعوض هنا: الناموس، وهو من عجيب خلق الله تعالى، فإنّه في غاية الصغر، وله ستّة أرجل، وأربعة أجنحة، وذنب، وخرطوم

стр. 417

مجوّف، وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل، والجاموس، والجمل، فيبلغ منه الغاية حتى إنّ الجمل يموت من قرصته. قال القشيري - رحمه الله تعالى - (١): الخلق في التحقيق بالإضافة إلى قدرة الخالق، أقلّ من ذرّة من الهباء في الهواء، وسيّان في قدرته العرش والبعوضة، فلا خلق العرش عليه أعسر، ولا خلق البعوضة عليه أيسر، سبحانه وتقدّس عن لحوق العسر واليسر. انتهى. أي: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لا يَسْتَحْيِي﴾ ولا يترك ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾ ويذكر، ويبيّن للخلق ﴿مَثَلًا ما﴾؛ أي: شبها ما أيّ مثل كان ﴿بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾؛ أي: فوق البعوضة في الذات والكبر، كالذباب والعنكبوت، أو فوقها في الغرض المقصود من التمثيل، كجناح البعوضة، أو دونها في الذات، كالذرة صغار النمل، وكيف يستحيي الله سبحانه من ذكر شيء، لو اجتمع الخلائق كلّهم على تخليقه ما قدروا عليه. والمعنى: أنّ الله تعالى، لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها، إذا علم أنّ فيه عبرة لمن اعتبر، وحجة على من جحد. والخلاصة: أي: إنّ الله جلّت قدرته، لا يرى من النقص أن يضرب المثل بالبعوضة فما دونها، لأنّه هو الخالق لكلّ شيء جليلا كان أو حقيرا. وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَسْتَحْيِي﴾ بياءين، والماضي استحيا، وهي لغة أهل الحجاز، واستفعل هنا جاء للإغناء عن الثلاثي المجرد، كاستنكف، واستأثر، واستبدّ، واستعبر، وهو من المعاني التي جاء لها استفعل. قال الزمخشري: يقال: حيي الرجل من الحياء، كما يقال: نسي، وخشي، فيكون استحيا على ذلك موافقا للمجرّد. وقرأ ابن كثير في رواية شبل، وابن محيصن، ويعقوب ﴿يستحي﴾ بياء واحدة، وهي لغة بني تميم، وبكر بن وائل، يجرونها مجرى

стр. 418

يستبي، قال الشاعر: ألا تستحي منّا ملوك وتتقي ... محارمنا لا يبوء الدّم بالدم والماضي استحى، قال الشاعر: إذا ما استحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بستّ في إناء من الورد وأصله: ﴿يَسْتَحْيِي﴾ بياءين، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء، فسكنت، ثمّ استثقلت الضمة على الثانية، فسكنت، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين. واختلف النحاة في المحذوفة، فقيل: لام الكلمة، فالوزن: يستفع، فنقلت حركة العين إلى الفاء وسكنت العين، فصارت يستفع. وقيل: المحذوف العين، فالوزن: يستفل، ثمّ نقلت حركة اللام إلى الفاء وسكنت اللام، فصارت يستفل، وأكثر نصوص الأئمّة على أنّ المحذوف هو العين. وقرأ الجمهور (١): بنصب ﴿بَعُوضَةً﴾، واختلف في توجيه النصب على أوجه: أحدهما: أن تكون صفة لـ ﴿ما﴾، إذا جعلنا ﴿ما﴾ بدلا من ﴿مَثَلًا﴾، و ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ﴿يَضْرِبَ﴾. والثاني: أن تكون ﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان، و ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ﴿يَضْرِبَ﴾. والثالث: أن تكون بدلا من ﴿مَثَلًا﴾. والرابع: أن تكون مفعولا لـ ﴿يَضْرِبَ﴾، وانتصب ﴿مَثَلًا﴾ حالا من النكرة مقدّمة عليها. والخامس: أن تكون مفعولا لـ ﴿يَضْرِبَ﴾ ثانيا، والأول هو ﴿مَثَلًا﴾ على أنّ ﴿يَضْرِبَ﴾ بمعنى يجعل يتعدّى لاثنين. والسادس: أن تكون مفعولا أوّل لـ ﴿يَضْرِبَ﴾، و ﴿مَثَلًا﴾ المفعول الثاني. والسابع: أن تكون منصوبا على تقدير إسقاط الجار، والمعنى: أن يضرب

стр. 419

مثلا ما بين بعوضة فما فوقها، نظير قولهم: له عشرون ما ناقة فجملا. وقرأ الضحاك (١)، وإبراهيم بن أبي عبلة، ورؤبة بن العجاج، وقطرب ﴿بَعُوضَةً﴾ بالرفع، وهي لغة تميم. قال أبو الفتح: وجه ذلك: أنّ ﴿ما﴾ اسم بمنزلة الذي و ﴿بَعُوضَةً﴾ رفع على إضمار المبتدأ، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ استفهامية في محلّ الرفع بالابتداء، و ﴿بَعُوضَةً﴾ وما بعدها خبرها، وقيل غير ذلك. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدّقوا بالقرآن، وبما جاء به محمد ﷺ ، وهو محمد وأصحابه. والفاء؛ للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها، كأنّه قيل: فيضربه فأما الذين آمنوا ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾؛ أي: أنّ ضرب المثل بالبعوضة والذباب هو الأمر الْحَقُّ الثابت الذي لا يسوغ إنكاره حال كونه ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لا من محمد، فلا يسوغ إنكاره؛ لأنّه ليس عبثا، بل هو مشتمل على الحكم والفوائد، فيؤمنون به. والجار والمجرور (٢) حال من الضمير المستكن في ﴿الْحَقُّ﴾، أو من الضمير العائد إلى المثل؛ أي: كائنا منه تعالى، فيتفكرون في هذا المثل الحقّ، ويوقنون أنّ الله هو خالق الكبير والصغير، وكلّ ذلك في قدرته سواء، فيؤمنون به. والمعنى: أي (٣) فالمؤمنون يقولون: ما ضرب الله هذا المثل إلّا لحكم ومصالح اقتضت ضربه لها، وهي تقرير الحقّ، والأخذ به، فهو إنّما يضرب لإيضاح المبهم بجعل المعقولات تلبس ثوب المحسوسات، أو تفصيل المجمل لبسطه وإيضاحه. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا بما جاء به محمد ﷺ وهم اليهود والمشركون، ﴿فـ﴾ يتعجّبون من ذلك المثل، و ﴿يقولون﴾ إنكارا له: ﴿ماذا﴾؛

стр. 420

أي: أيّ شيء، أو ما الغرض الذي ﴿أَرادَ اللَّهُ﴾ ﴿بِهذا﴾ المثل الخسيس الذي هو التمثيل بالأشياء الحقيرة من البعوضة والذباب. وفي كلمة ﴿هذا﴾ تحقير للمشار إليه، واسترذال له. ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: من جهة كونه مثلا من الأمثال، فهو تمييز ذات من اسم الإشارة؛ أي: أيّ فائدة وأيّ غرض في ضرب المثل بهذه الأشياء الخسيسة؟ فليس من الله، بل افتراء من محمّد. قال في «الروح» (١): الأصل: ماذا أراد الله بهذا المثل؟ فلما حذف الألف واللام نصب على الحال؛ أي: ماذا أراد الله بهذا حال كونه ممثّلا به، أو على التمييز؛ أي: من جهة كونه مثلا. والمعنى (٢): وأمّا الذين كفروا، وهم اليهود والمشركون، وكانوا يجادلون بعد أن استبانت الحجة، وحصحص الحقّ، ويقولون: ماذا أراد الله بهذه المثل الحقيرة التي فيها الذباب والعنكبوت، ولو أنصفوا لعرفوا وجه الحكمة في ذلك، وما أعرضوا، وانصرفوا ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. فأجابهم الله تعالى، ردّا عليهم بقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾؛ أي: يخذل بهذا المثل والإضلال: هو الصرف عن الحقّ إلى الباطل، وإسناد الإضلال؛ أي: خلق الضلال إليه سبحانه، مبنيّ على أنّ جميع الأشياء مخلوقة له تعالى، وإن كانت أفعال العباد مستندة إليهم من حيث الكسب؛ أي: أراد الله بهذا المثل أن يضلّ به ﴿كَثِيرًا﴾ من أهل الكفر والنفاق؛ وذلك. لأنّهم ينكرونه، ويكذّبونه، فيزيدون بإنكاره ضلالا على ضلالهم الأول. ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾؛ أي: بهذا المثل ﴿كَثِيرًا﴾ من أهل الإيمان والإخلاص؛ لأنّهم يعرفون، ويصدّقون به، فيزيدون به إيمانا على إيمانهم. يعني: (٣) يضلّ به من علم منهم أنّه يختار الضلالة، ويهدي به من علم أنّه يختار الهدى.

стр. 421

والمعنى: أي (١) إنّ من غلب عليهم الجهل إذا سمعوه كابروا، وعاندوا، وقابلوه بالإنكار، فكان ذلك سببا في ضلالهم، ومن عادتهم الإنصاف، والنظر بثاقب الفكر إذا سمعوه اهتدوا به؛ لأنّهم يقدّرون الأشياء بحسب فائدتها. ومن المعلوم: أنّ أنفع الكلام ما تجلّت به الحقائق، واهتدى به السامع إلى سواء السبيل، وأجلّه في ذلك الأمثال، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ﴾، والعالمون: هم المؤمنون المهتدون بهدي الحقّ. وقد جعل الله سبحانه، المهتدين في الكثرة كالضالين مع أنّ هؤلاء أكثر، كما قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. إشارة إلى أنّ المؤمنين المهتدين على قلّتهم، أكثر نفعا وأجل فائدة من أولئك الكفرة الفاسقين، وما أحسن قول بعضهم: إنّ الكرام كثير في البلاد وإن ... قلّوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا وفي «الروح»: فإن قلت: (٢) لم وصف المهديّون بالكثرة والقلّة صفتهم؟ قلت: أهل الهدى كثير في أنفسهم، وحين يوصفون بالقلّة إنّما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال، وأيضا: فإنّ القليل من المهديّين كثير في الحقيقة، وإن قلّوا في الصورة؛ لأنّ هؤلاء على الحقّ، وهم على الباطل. وعن ابن مسعود ﵁: (السواد الأعظم هو الواحد على الحقّ). ثمّ أكمل الجواب، وزاد في البيان، فقال: ﴿وَما يُضِلُّ﴾ الله سبحانه ﴿بِهِ﴾؛ أي: بهذا المثل؛ أي: لا يخذل، ولا يذلّ بهذا المثل وتكذيبه ﴿إِلَّا الْفاسِقِينَ﴾؛ أي: إلّا الخارجين عن حدّ الإيمان والإخلاص إلى الكفر والنفاق، كاليهود والمنافقين. أي: (٣) وما يضلّ بضرب المثل إلّا الذين خرجوا عن سنّة الله في خلقه،

стр. 422

وعمّا هداهم إليه بالعقل، والمشاعر، والكتب المنزلة على من أوتوها. وفي هذا إيماء إلى أنّ علّة إضلالهم، ما كانوا عليه من الخروج عن السنن الكونية التي جعلها عبرة لمن تذكّر، فقد انصرفت أنظارهم عن التدبّر في حكمة المثل إلى حقارة الممثّل به، حتى رسخت به جهالتهم، وازدادت ضلالتهم، فأنكروه. والفسق في اللغة (١): الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله بارتكاب الكبيرة التي من جملتها الإصرار على الصغيرة، وله طبقات ثلاث: الأولى: التغابي، وهو ارتكابها أحيانا مستقبحا لها. والثانية: الانهماك في تعاطيها. والثالثة: المثابرة عليها مع جحود قبحها، وهذه الطبقة من مراتب الكفر، فما لم يبلغها الفاسق لا يسلب عنه اسم المؤمن، لاتصافه بالتصديق الذي يدور عليه الإيمان. ٢٧ - ثمّ زاد في ذمّ الفاسقين بذكر أوصاف مستقبحة لهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ أي: يخالفون، ويتركون أمر الله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾؛ أي: من بعد توثيق ذلك العهد، وتوكيده بالقبول. فالضمير للعهد، أو من بعد توثيق الله سبحانه ذلك العهد، بإنزال الكتب وإرسال الرسل، فالضمير إلى الله. فالمراد بالميثاق هنا: نفس المصدر لا نفس العهد. أي: الذين يخالفون أمر الله ووصيّته في الكتب المتقدمة، بالإيمان بمحمد ﷺ من بعد ميثاقه وتوكيده عليهم، وإيجاب وفائه عليهم المذكور في آية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ الآية. وقيل (٢): المراد بالعهد: هو الحجة القائمة على عباده الدالّة على وجوب

стр. 423

وجوده ووحدانيته، وعلى وجوب صدق رسله. فالمعنى: الذين ينقضون كلّ عهد وميثاق من الإيمان بالله، والتصديق بالرسل، والعمل بالشرائع. قيل (١): عهد الله ثلاثة: الأول: ما أخذه على ذرّيّة آدم ﵇ بأنّ يقرّوا بربوبيته تعالى. والثاني: ما أخذه على الأنبياء ﵈ أن أقيموا الدين، ولا تتفرّقوا فيه. والثالث: ما أخذه على العلماء بأن يبيّنوا الحقّ، ولا يكتموه. والنقض: الفسخ، وفكّ التركيب. فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟ قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين. وعبارة المراغي هنا: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾؛ أي: (٢) الذين يستعملون المواهب التي خلقها الله لعباده من عقل، ومشاعر، وحواس ترشدهم إلى النظر والاعتبار في غير ما خلقت له، حتى كأنّهم فقدوها، كما قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾. وهذا العهد الذي نقضوه هو العهد الفطريّ، وهناك عهد آخر جاءت به الشرائع، وهو العهد الدينيّ، وقد وثّق الله الأول بجعل العقول قابلة لإدراك السنن الإلهيّة التي في الكون، كما وثّق الثاني، بما أيّد به الأنبياء من الحجج والبراهين الدالة على صدقهم، فمن أنكر بعثة الرسل، ولم يهتد بهديهم، فهو ناقض لعهد الله، فاسق عن سننه في إبلاغ القوى البشريّة والنفسيّة حدّ الكمال الإنسانيّ الممكن لها.

стр. 424

وقرأ الجمهور (١): ﴿يُضِلُّ﴾ بضمّ الياء وكسر الضاد من (أضلّ) الرباعيّ المبني للفاعل في المواضع الثلاثة، والفاعل هو الله . وقرأ زيد بن عليّ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ﴾ في الثلاثة على البناء للمفعول. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة في الثلاثة على البناء للفاعل الظاهر مفتوح حرف المضارعة. وروي عن ابن مسعود: أنّه قرأ ﴿يُضِلُّ﴾ بضمّ الياء في الأول، ﴿وما يضل به﴾ بفتح الياء، و ﴿الفاسقون﴾ بالواو، وكذا أيضا: في القراءتين السابقتين، وهي قراءات متجهة في أنّها مخالفة للمصحف المجمع عليه. ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ محلّ ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾ الجرّ على أنّه بدل من الهاء في ﴿بِهِ﴾ العائد إلى ﴿ما﴾ الموصولة؛ أي: (٢) يقطعون ما أمر الله بوصله، من الأرحام والقرابات الدينية والنسبية. وذلك أنّ قريشا قطعوا رحم النبي ﷺ بالمعاداة، والله أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين، فهم انقطعوا عن المؤمنين، واتصلوا بالكفّار. فلفظ (٣) القطع عامّ في كلّ قطيعة لا يرضى الله بها، كقطع الرحم، وقطع موالاة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء ﵈ والكتب السماوية في التصديق، وترك الجماعات المفروضة، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شرّ، فإنّه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد، من الوصلة التي هي المقصودة بالذات من كلّ وصل وفصل. وفي الحديث: «إذا أظهر الناس العلم، وضيّعوا العمل به، وتحابّوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام لعنهم الله عند ذلك، فأصمّهم وأعمى أبصارهم». وروي عن النبي ﷺ أنّه قال: «ثلاثة في ظلّ عرش الله يوم القيامة: امرأة مات عنها زوجها، وترك عليها يتامى صغارا، فخطبت فلم تتزوج، وقالت:

стр. 425

أقوم على أيتامي حتى يغنيهم الله تعالى أو يميت - يعني: اليتيم أو هي -، ورجل له مال صنع طعاما، فأطاب صنعته، وأحسن نفقته، فدعا عليه اليتيم والمسكين، ورجل وصل الرحم، يوسّع له في رزقه، ويمدّ له في أجله، ويكون تحت ظلّ عرش ربّه». ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي، والفتن، وتعويق الناس من الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن، والاستهزاء بالحقّ، وقطع الصلة التي عليها يدور فلك نظام العالم، وصلاحه. ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بنقض العهد وبما بعده ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾؛ أي: المغبونون بفوات المثوبة والجنة لهم، والمصير إلى العقوبة والنار المؤبّدة عليهم؛ لأنّهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فصاروا إلى النار المؤبّدة؛ لأنّهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل والفساد بالصلاح. وروي: أنّه ليس من مؤمن ولا كافر إلّا وله منزل، وأهل، وخدم في الجنة، فإن أطاع الله تعالى أعطي أهله، وخدمه، ومنزله في الجنة، وإن عصاه ورّثه الله المؤمن فقد غبن عن أهله، وخدمه، ومنزله. ٢٨ - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ كيف (١) نصب حالا من الضمير في ﴿تَكْفُرُونَ﴾؛ أي: حالة كونكم معاندين تكفرون، وتجحدون ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أي: بوحدانية الله، ومعكم ما يصرفكم عن الكفر إلى الإيمان من الدلائل الأنفسيّة والآفاقية. والاستفهام في ﴿كَيْفَ﴾ إنكاري، لا بمعنى: إنكار الوقوع، بل بمعنى: إنكار الواقع واستبعاده، والتعجيب منه، والتوبيخ عليه؛ لأنّ التعجّب من الله يكون على وجه التعجيب، والتعجيب: هو أن يدعو إلى التعجب، وكأنّه يقول: ألا تتعجّبون أنّهم يكفرون الله، كما في «تفسير أبي الليث». وقال القاضي: هو استخبار، والمعنى: أخبروني على أيّ حال تكفرون. ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا﴾؛ أي: والحال أنكم كنتم أمواتا؛ أي: أجساما لا حياة
следующие страницы →