أبلغ النّعمان عنّي مألكا ... أنّه قد طال حبسي وانتظار
ويقال: ألكني؛ أي: أرسلني، وقال النضر بن شميل: لا اشتقاق لملك عند العرب، والهاء في الملائكة؛ لتأكيد تأنيث الجمع، ومثله: الصلادمة والصلادم: الخيل الشداد واحدها صلدم، وقيل: هي للمبالغة، كعلّامة، ونسابة وسموا (١) بها؛ لأنهم وسائط بين الله وبين الناس فهم رسله؛ لأنّ أصل ملك: ملأك مقلوب مألك من الألوكة وهي الرسالة، كما مرّ آنفا، والملائكة عند أكثر المسلمين: أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة. والدليل: أن الرسل كانوا يرونهم كذلك، وروي في بيان كثرتهم: أن بني آدم عشر الجن، وهما عشر حيوانات البر، والكل عشر الطيور، والكل عشر حيوانات البحار، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة سماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وهكذا إلى السماء السابعة، ثم كل أولئك في مقابلة الكرسي نزر قليل، ثم جميع هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش، التي عددها ستمائة ألف، طول كل سرادق، وعرضه، وسمكه، إذا قوبلت به السموات والأرض وما فيهما، وما بينهما لا يكون لها عنده قدر محسوس، وما منه من مقدار شبر إلا وفيه ملك ساجد، أو راكع، أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثمّ كلّ هؤلاء في مقابلة الذين يحومون حول العرش، كالقطرة في البحر، ثم ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل ﵇، والملائكة الذين هم جنود جبريل ﵇، لا يحصى أجناسهم، ولا مدة أعمارهم، ولا كيفيات عباداتهم إلا باريهم العليم الخبير، على ما قاله : ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ وأراد بهم هنا الملائكة الذين كانوا في الأرض، وذلك أن الله خلق السماء والأرض، وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة في السماء، وأسكن الجن في الأرض، والجن هم بنو الجان، والجان: أبو الجن، كآدم أبو البشر، وخلق الله الجان من لهب من نار، لا دخان لها بين السماء والأرض، والصواعق تنزل منها، ثم لما سكنوا فيها كثر نسلهم، وذلك قبل آدم بستين ألف سنة، فعمروا دهرا طويلا في
стр. 457
الأرض، مقدار سبعة آلاف سنة، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فأفسدوا وقتلوا، فبعث الله إليهم ملائكة سماء الدنيا، وأمّر عليهم إبليس، وكان اسمه عزازيل، وكان أكثرهم علما، فهبطوا إلى الأرض حتى هزموا الجن، وأخرجوهم من الأرض إلى جزائر البحور وشعوب الجبال، وسكنوا الأرض، وصار أمر العبادة عليهم أخف؛ لأن كل صنف من الملائكة يكون أرفع في السموات يكون خوفهم أشدّ، وملائكة سماء الدنيا يكون أمرهم أيسر من الذين فوقهم، وأعطى الله إبليس ملك الأرض، وملك السماء الدنيا، وخزانة الجنة، وكان له جناحان من زمرد أخضر، وكان يعبد الله تارة في الأرض، وتارة في السماء، وتارة في الجنة، فدخله العجب، فقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه، وأيضا: كلّ من اطمأن إلى الدنيا أمر بالتحوّل عنها، فقال الله له ولجنوده ﴿إِنِّي جاعِلٌ﴾؛ أي: خالق ومصيّر ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ دون السماء؛ لأن التباغي والتظالم كان في الأرض ﴿خَلِيفَةً﴾ ورسولا يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها، وهو آدم ﵇، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ أو قوما يخلف بعضهم بعضا، قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أو خالق فيها بدلا منكم، وهو آدم ﵇؛ لأنه خلف الجن وجاء بعدهم؛ ولأنه خليفة الله في أرضه؛ أي: أريد أن أخلق في الأرض بدلا منكم، ورافعكم إليّ، فكرهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة، والمراد به: آدم ﵇. وقرأ الجمهور: ﴿خَلِيفَةً﴾ بالفاء وقرأ زيد بن علي، وأبو البر، هشيم عمران ﴿خليقة﴾ بالقاف، ومعناه واضح ذكره في «البحر».
واعلم (١) أن الله تعالى، يحفظ العالم بالخليفة، كما يحفظ الخزائن بالختم، فالبدء كان آدم، والختام يكون بعيسى ﵇، والحكمة في الاستخلاف: قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه، وتلقّي أمره بغير واسطة؛ لأن المفيض
стр. 458
تعالى في غاية التنزّه والتقدّس، والمستفيض منغمس في العلائق الدنيئة، كالأكل والشرب، وغيرهما، والعوائق الطبيعية، كالأوصاف الذميمة، فالاستفاضة منه إنما تحصل بواسطة ذي جهتين؛ أي: ذي جهة التجرّد، وجهة التعلق، وهو الخليفة أيّا كان، ولذا لم يستنبىء الله سبحانه ملكا، فإن البشر لا يقدر على الاستفادة منه؛ لكونه خلاف جنسه، ألا ترى أن العظم لمّا عجز عن أخذ الغذاء من اللحم؛ لما بينهما من التباعد، جعل الله تعالى بحكمته بينهما الغضروف، والأعصاب المناسب، ليأخذ من اللحم ويعطي العظم، وجعل السلطان الوزير بينه وبين رعيته، إذ هم أقرب إلى قبولهم منه، وجعل المستوقد الحطب اليابس بين النار وبين الحطب الرطب، وحكمة قوله تعالى: ﴿لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أربعة أمور:
الأول: تعليم المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة، ويقال: أعقل الرجال لا يستغني عن مشاورة أولى الألباب، وأفره الدواب لا يستغني عن السوط، وأورع النساء لا تستغني عن الزوج.
والثاني: إظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم، وهو قوله: ﴿أَتَجْعَلُ﴾. إلخ. وجوابه وهو قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
والثالث: تعظيم شأن المجعول، بأن بشر بوجوده سكان ملكوته، ولقّبه بالخليفة قبل خلقه.
والرابع: بيان أن الحكمة تقتضي ما يغلب خيره، فإن ترك الخير الكثير، لأجل الشر القليل، شرّ كثير، كقطع العضو الذي فيه أكلة شرّ قليل، وسلامة جميع البدن، خير كثير، فلو لم يقطع ذلك العضو، سرت تلك الآفة إلى جميع البدن، وأدّت إلى الهلاك الذي هو شرّ كثير.
﴿قالُوا﴾؛ أي: قالت الملائكة استكشافا عما خفي عليهم من الحكمة، لا اعتراضا على الله تعالى، ولا طعنا في بني آدم على سبيل الغيبة، وهو كلام مستأنف استئنافا بيانيا، كأنه قيل: فماذا قالت الملائكة حينئذ، فقيل: قالوا:
стр. 459
﴿أَتَجْعَلُ فِيها﴾؛ أي: أتجعل يا إلهنا في الأرض خليفة ﴿مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ بالمعاصي بمقتضى القوة الشهوانية، كما أفسدت الجن، وفائدة تكرار الظرف؛ تأكيد الاستبعاد ﴿وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ بمقتضى القوة الغضبية؛ أي: يصبّ الدماء ظلما، كما سفك بنو الجان، فغفلوا عن مقتضى القوة العقلية التي يحصل بها الكمال والفضل، والتعبير عن القتل بسفك الدماء؛ لما أنه أقبح أنواع القتل وقرأ الجمهور (١): ﴿وَيَسْفِكُ﴾ بكسر الفاء ورفع الكاف، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بضم الفاء، وقرىء ﴿وَيَسْفِكُ﴾ من أسفك الرباعي ﴿ويَسْفِكُ﴾ من سفّك المشدد، وقرأ ابن هرمز ﴿وَيَسْفِكُ﴾ بنصب الكاف، فمن رفع الكاف عطف على يفسدوا ومن نصب، فقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام، وهو تخريج حسن.
وفي قوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إيماء (٢) إلى أن ملائكة الأرض هم الطاعنون، إذ الظن لا يصدر إلا ممن هو في معرض ذلك المنصب، وأهل السموات مدبّرات للعالم العلوي، فما قالت الملائكة الأرضية إلا بمقتضى نشأتهم التي هم عليها، من غبطة منصب الخلافة في الأرض، والغيرة على منصب ملكهم وتعبّدهم، بما هم عليه من التسبيح والتقديس، فكلّ إناء يترشّح بما فيه، وأما الاعتراض على فعل الحكيم، والنزاع في صنعه عند حضرته، فمعفو عنه؛ لكمال حكمته، وفي «الفتوحات»: إن هاروت وماروت من الملائكة الذين نازعوا آدم، ولأجل هذا ابتلاهما الله تعالى بإظهار الفساد، وسفك الدماء، فافهم سرّ قوله ﷺ : «دع الشّماتة عن أخيك، فيعافيه الله تعالى، ويبتليك» وأيضا من تلك الملائكة الطاعنين بسفك الدماء: الملائكة التي أرسلها الله تعالى نصرة للمجاهدين، وسفك الدماء غيرة على دين الله وشرعه، كذا في «حل الرموز وكشف الكنوز».
﴿وَنَحْنُ﴾؛ أي: والحال إنّا ﴿نُسَبِّحُ﴾؛ أي: ننزهك عن كل ما لا يليق
стр. 460
بشأنك ملتبسين ﴿بِحَمْدِكَ﴾ وثنائك على ما أنعمت به علينا، من فنون النعم التي من جملتها، توفيقنا لهذه العبادة، فالتسبيح؛ لإظهار صفات الجلال، والحمد؛ لتذكير صفات الإنعام ﴿وَنُقَدِّسُ﴾ تقديسا ﴿لَكَ﴾؛ أي: نصفك بما يليق بك، من العلوّ والعزة، وننزهك عما لا يليق بك، فاللام للبيان، كما في سقيا لك، متعلقة بمصدر محذوف، ويجوز أن تكون مزيدة؛ أي: نقدسك. قال في «التّيسير» التسبيح: نفي ما لا يليق به، والتقديس: إثبات ما يليق به، وكأنّه قيل: أتستخلف من شأن ذريته الفساد، مع وجود من ليس من شأنه ذلك أصلا، والمقصود: عرض أحقيتهم منهم بالخلافة، والاستفسار عما رجح بني آدم عليهم مع ما هو متوقّع منهم من الفساد، وكأنه قيل: فماذا قال الله تعالى حينئذ؟ فقيل: ﴿قالَ﴾ الله جوابا لهم ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ من المصلحة في استخلاف آدم ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ـه؛ لأنه قد يكون من ذريته الطائع والعاصي، فيظهر الفضل والعدل، وقد يكون منهم من يسبحني، ويقدسني، ويحمدني، فلا تعترضوا على حكمي وتقديري، ولا تستكشفوا عن غيبة تدبيري، فليس كلّ مخلوق يطلع على غيب الخالق، ولا كلّ أحد من الرعية يقف على سرّ الملك، وقالت الملائكة فيما بينهم: لن يخلق ربنا خلقا أكرم عليه منا، ولا أعلم؛ لسبقنا له، ورؤيتنا ما لم يره، فخلق الله آدم من أديم الأرض؛ أي: ترابها، وسواه ونفخ فيه من روحه، فصار حيوانا حساسا بعد أن كان جمادا ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ (١)؛ أي: خلق في قلبه علما بأسماء كل ما خلق، من أجناس المحدثات بجميع اللغات المختلفة التي يتكلّم بها أولاد آدم اليوم، بعد أن عرض عليه المسميات، كما عرضها على الملائكة، فعلم المسميات مشترك بينه وبينهم، واختصاصه عنهم إنما هو بالأسماء، فكان يعرف أن هذا الجرم يسمى بكذا، وهم يعرفون الجرم ولا يعرفون اسمه، ففاق عليهم بعلم الأسماء.
والحاصل: أنه ، لما أخبر (٢) الملائكة عن وجه الحكمة في
стр. 461
خلق آدم وذريته على سبيل الإجمال، أراد أن يفصّل، فبين لهم من فضل آدم ما لم يكن معلوما لهم، وذلك بأن علّمه الأسماء؛ ليظهر فضله وقصورهم عنه في العلم، فأكّد الجواب الإجمالي بالتفصيل، ولا بد من تقدير جملة محذوفة قبل هذا؛ لأنه بها يتمّ المعنى ويصحّ هذا العطف، تقديرها: فجعل في الأرض خليفة، ولما كان لفظ الخليفة محذوفا مع الجملة المقدرة، أبرزه في قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ ناصّا عليه ومنوّها بذكره باسمه، وأبعد من زعم: أنّ وعلّم آدم معطوف على قوله قالَ من قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ﴾ وهل التعليم بتكليم الله تعالى له في السماء، كما كلم موسى في الأرض، أو بواسطة ملك، أو بالإلهام (١) أقوال أظهرها: أن الباري سبحانه هو المعلم، لا بواسطة، ولا إلهام. وقرأ اليمانيّ، ويزيد اليزيديّ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ مبنيا للمفعول، وحذف الفاعل؛ للعلم به. والتضعيف في علّم؛ للتعدية، إذ كان قبل التضعيف يتعدى لواحد، فعدّي به إلى اثنين، وليست التعدية بالتضعيف مقيسة، إنما يقتصر فيه على مورد السماع، سواء كان الفعل قبل التضعيف لازما، أم كان متعديا، نحو: علّم المتعدية إلى واحد، وأما إن كان متعديا إلى اثنين، فلا يحفظ في شيء منه التعدية بالتضعيف إلى ثلاثة.
فصل في قصة خلق آدم ﵇
قال وهب بن منبه (٢): لما أراد الله أن يخلق آدم، أوحى إلى الأرض؛ أي: أفهمها وألهمها أني جاعل منك خليفة، فمنهم من يطيعني فأدخله الجنة، ومنهم من يعصيني فأدخله النار، فقالت الأرض: مني تخلق خلقا يكون للنار؟ قال: نعم، فبكت فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، وبعث إليها جبريل ﵇؛ ليأتيه بقبضة من زواياها الأربع، من أسودها، وأبيضها، وأحمرها، وأطيبها، وأخبثها، وسهلها، وصعبها، وجبلها، فلما أتاها جبريل ليقبض منها، قالت الأرض: بالله الذي أرسلك، لا تأخذ مني شيئا، فإن منافع التقرب إلى
стр. 462
السلطان كثيرة، ولكن فيه خطر عظيم، فرجع جبريل ﵇ إلى مكانه، ولم يأخذ منها شيئا، فقال: يا رب! حلفتني الأرض باسمك العظيم، فكرهت أن أقدم عليها، فأرسل سبحانه ميكائيل ﵇، فلما انتهى إليها، قالت الأرض له، كما قالت لجبريل، فرجع ميكائيل، فقال كما قال جبريل، فأرسل الله سبحانه إسرافيل ﵇، وجاء ولم يأخذ منها شيئا، وقال مثل ما قال جبريل، وميكائيل، فأرسل الله تعالى، ملك الموت، فلما انتهى إليها، قالت الأرض: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك، أن تقبض مني اليوم قبضة يكون للنار فيها نصيب غدا! فقال ملك الموت:
وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا! فقبض قبضة من وجه الأرض، مقدار أربعين ذراعا من زواياها الأربع، فلذلك يأتي بنوه أخيافا؛ أي: مختلفين على حسب اختلاف ألوان الأرض وأوصافها، فمنهم الأبيض، والأسود، والأحمر، واللين، والغليظ، فصار كل ذرة من تلك القبضة أصل بدن للإنسان، فإذا مات يدفن في الموضع الذي أخذت منه، ثم صعد إلى السماء، فقال الله سبحانه له: (أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك)، فقال: رأيت أمرك أوجب من قولها، فقال: أنت تصلح لقبض أرواح ولده. قال في «روضة العلماء»: فشكت الأرض إلى الله تعالى، وقالت: يا رب نقص مني! قال الله تعالى: (عليّ أن أرد إليك أحسن وأطيب ممن كان) فمن
ثمّة يحنط الميت بالمسك والغالية. انتهى.
فأمر الله تعالى عزرائيل، فوضع ما أخذ من الأرض في وادي نعمان بين مكة والطائف، بعد ما جعل نصف تلك القبضة في النار، ونصفها في الجنة، فتركها إلى ما شاء الله، ثم أخرجها، ثم أمطر عليها من سحاب الكرم، فجعلها طينا لازبا، وصور منه جسد آدم.
واختلفوا في خلقة آدم ﵇، فقيل: خلق في سماء الدنيا، وقيل:
في جنة من جنات الأرض بغربيتها، كالجنة التي يخرج منها النيل، وغيره من الأنهار، وأكثر المفسرين: أنه خلق في جنة عدن، ومنها أخرج، كما في «كشف الكنوز». وفي الحديث القدسي: (خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا) يعني أربعين يوما، كل يوم منه ألف عام من أعوام الدنيا، فتركه أربعين سنة حتى يبس وصار صلصالا، وهو الطين المصوت من غاية يبسه، كالفخار، فأمطر عليه مطر
стр. 463
الحزن تسعا وثلاثين سنة، ثم أمطر عليه مطر السرور سنة واحدة؛ فلذلك كثرت الهموم في بني آدم، ولكن يصير عاقبتها إلى الفرح، كما قيل: إن لكل بداية نهاية، وإنّ مع العسر يسرا.
وكانت الملائكة يمرون عليه، ويتعجبون من حسن صورته، وطول قامته؛ لأن طوله كان خمس مئة ذراع، الله أعلم بأيّ ذراع، وكان رأسه يمسّ السماء، ولم يكونوا رأوا قبل ذلك صورة تشابهها، فمرّ به إبليس فرآه، ثم قال: لأمر ما خلقت، ثم ضربه بيده فإذا هو أجوف، فدخل من فيه وخرج من دبره، وقال لأصحابه الذين معه من الملائكة: هذا خلق أجوف لا يثبت ولا يتماسك، ثم قال لهم: أرأيتم إن فضّل هذا عليكم ما أنتم فاعلون. قالوا: نطيع ربنا، فقال إبليس في نفسه: والله لا أطيعه إن فضّل عليّ، ولئن فضّلت عليه لأهلكنه، وجمع بزاقه في فمه وألقاه عليه، فوقع بزاق اللعين على موضع سرة آدم ﵇، فأمر الله جبريل، فقور بزاق اللعين من بطن آدم، فحفرة السرة من تقوير جبريل، وخلق الله من تلك القوارة كلبا، وللكلب ثلاث خصال، فأنسه بآدم؛ لكونه من طينه، وطول سهره في الليل؛ من أثر مس جبريل ﵇، وعضه الإنسان، وغيره، وأذاه من غير خيانة من أثر بزاق اللعين، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، وسمي بآدم؛ لكونه من أديم الأرض؛ لأنه مؤلّف من أنواع ترابها، ولمّا أراد الله سبحانه أن ينفخ فيه الروح، أمره أن يدخل فيه، فقال: الروح موضع بعيد القعر، مظلم المدخل، فقال له: ثانيا: أدخل، فقال كذلك، فقال له ثالثا:
فقال كذلك، فقال: أدخل كرها؛ أي: بلا رضى، واخرج كرها، ولذا لا يخرج من البدن إلا كرها، فلما نفخه فيه مرّ في رأس آدم، وجبينه، وأذنيه، ولسانه، ثم مرّ في جسده كله حتى بلغ قدميه، فلم يجد منفذا، فرجع إلى فخذيه، فعطس، فقال له ربّه: قل الحمد لله رب العالمين، فقالها آدم، فقال سبحانه له: يرحمك الله، ولذا خلقتك يا آدم، فلما انتهى إلى ركبتيه أراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغ قدميه وثب، فقال تعالى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ فصار بشرا لحما ودما، وعظاما وعصبا، وأحشاء، ثم كساه لباسا من ظفر يزداد جسده في كل يوم، وهو في ذلك منتطق متوج، وجعل في جسده تسعة أبواب، سبعة في رأسه، أذنين يسمع بهما،
стр. 464
وعينين يبصر بهما، ومنخرين يجد بهما كل رائحة، وفما فيه لسان يتكلم به، وحنك يجد به طعم كل شيء، وبابين في جسده وهما قبله ودبره، يخرج منهما ثفل طعامه وشرابه، وجعل عقله في دماغه، وشرهه في كليتيه، وغضبه في كبده، وشجاعته في قلبه، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وفرحه وحزنه في وجهه، فسبحان من جعله يسمع بعظم، ويبصر بشحم، وينطق بلحم، ويعرف بدم، فلما سوّاه ونفخ فيه من روحه علّمه أسماء الأشياء كلها؛ أي: ألهمه، فوقع في قلبه فجرى على لسانه بما في قلبه
بتسمية الأشياء من عنده، فعلمه جميع أسماء المسميات بكل اللّغات، بأن أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وعلّمه أحوالها وما يتعلّق بها من المنافع الدينية والدنيوية، وعلمه أسماء الملائكة، وأسماء ذريته كلهم، وأسماء الحيوانات والجمادات وصنعة كل شيء، وأسماء المدن والقرى، وأسماء الطير والشجر وما يكون، وكل نسمة يخلقها إلى يوم القيامة، وأسماء المطعومات والمشروبات، وكل نعيم في الجنة، وأسماء كل شيء حتى القصعه والقصيعة، وحتى الجنّة والمحلب - والقصعة إناء الأكل معروف، والقصيعة تصغيرها يعني: حتى الوضيع والحقير، والجنة الترس، والمحلب إناء يحلب فيه.
وفي الخبر: لما خلق الله آدم، بثّ فيه أسرار الأحرف، ولم يبث في أحد من الملائكة، فخرجت الأحرف على لسان آدم بفنون اللغات، فجعلها الله صورا له ومثلت له بأنواع الأشكال. وفي الخبر: علّمه سبعمائة ألف لغة، فلما وقع في أكل الشجرة سلب اللغات إلا العربية، فلما اصطفاه بالنبوة رد الله عليه جميع اللغات، فكان من معجزاته، تكلمه بجميع اللغات المختلفة التي يتكلّم بها أولاده إلى يوم القيامة، من العربية، والفارسية، والرومية، والسريانية، واليونانية، والعبرانية، والزنجية، والآراميّة، وغيرها.
قال بعض المفسرين: علم الله آدم ألف حرفة من المكاسب، ثم قال: قل لأولادك: إن أردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف، ولا تطلبوها بالدين وأحكام الشرائع. وكان آدم حراثا؛ أي: زراعا، ونوح نجارا، وإدريس خياطا، وصالح تاجرا، وداود زرّادا، وسليمان كان يعمل الزنبيل في سلطنته، ويأكل من ثمنه ولا
стр. 465
يأكل من بيت المال، وكان موسى، وشعيب، ومحمد رعاة، وكان أكثر عمله ﷺ في البيت الخياطة، وفي الحديث: «عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء الغزل» كذا في «روضة الأخيار».
٣١ - وقال العلماء: الأسماء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ﴾ تقتضي الاستغراق واقتران قوله ﴿كُلَّها﴾ يوجب الشمول، فكما علمه أسماء المخلوقات علّمه أسماء الحق تعالى، فإذا كان تخصيصه بمعرفة أسماء المخلوقات يقتضي أن يصح سجود الملائكة له، فما الظنّ بتخصيصه بمعرفة أسماء الحق، وما الذي يوجب له؟!
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾؛ أي: ثم عرض الله مسميات تلك الأسماء وأظهرها عَلَى الْمَلائِكَةِ وسألهم عن أسمائها تبكيتا لهم، وإظهارا لفضل آدم ﵇، وذكّر (١) الضمير في قوله: ﴿عَرَضَهُمْ﴾؛ لأن في المسميات العقلاء فغلّبهم على غيرهم، والعرض: إظهار الشيء للغير ليعرف العارض منه حاله.
وفي الخبر: أنه عرضهم أمثال الذر، ولعله ، عرض عليهم من أفراد كل نوع، ما يصلح أن يكون أنموذجا يتعرف منه أحوال البقية وأحكامها.
والحكمة في التعليم والعرض؛ تشريف آدم واصطفاؤه، وإظهار الأسرار والعلوم المكنونة في غيب علمه تعالى، على لسان من يشاء من عباده، وهو المعلّم المكرّم آدم الصفيّ، كيلا يحتجّ الملك وغيره عليه بعلمه ومعرفته، وذلك رحمة الله التي وسعت كل شيء. وثمّ (٢): حرف تراخ ومهلة؛ يعني: علّم آدم، ثم أمهله من ذلك الوقت إلى أن قال: أنبئهم بأسمائهم ليتقرّر ذلك في قلبه ويتحقق المعلوم؛ ثم أخبرهم عما تحقق به واستيقنه. وأما الملائكة، فقال لهم على وجه التعقيب من غير مهلة: نبئوني، فلما لم يتقدّم لهم تعريف، لم يخبروا، ولمّا تقدم لآدم التعليم، أجاب وأخبر ونطق؛ إظهارا لعنايته السابقة به سبحانه.
стр. 466
وقرأ أبي (١): ﴿ثمّ عرضها على الملائكة﴾ وقرأ عبد الله ﴿ثم عرضهنّ﴾ والضمير عائد على الأسماء فتكون هي المعروضة، أو يكون التقدير مسمياتها، فيكون المعروض المسميات لا الأسماء، كما مرّ. وقوله: ﴿عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ ظاهرة العموم، فقيل: هو المراد، وقيل: الملائكة الذين كانوا مع إبليس في الأرض. والحاصل: أن الله علم (٢) آدم الأجناس التي خلقها، وألهمه معرفة ذواتها، وخواصّها، وصفاتها، وأسمائها ولا فارق بين أن يكون هذا العلم في آن واحد، أو آنات متعددة، فالله قادر على كل شيء. وإن كان لفظ علّم يشعر بالتدريج، كما يشهد له نظائره من نحو: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ و ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾ إلى نحو ذلك من الآيات التي فيها لفظ التعليم. لكن المتبادر هنا أنه كان دفعة واحدة.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾؛ أي: ثم أطلع الملائكة على مجموعة تلك الأشياء إطلاعا إجماليا بالإلهام، أو غيره، مما يليق بحالهم، وربما كان بعرض نماذج من كل نوع يتعرف منها أحوال البقية وأحكامها، كما مرّ. وتقدم لك أن الحكمة في التعليم والعرض؛ تشريف آدم واصطفاؤه، كي لا يكون للملائكة مفخرة عليه بعلومهم ومعارفهم؛ وإظهار الأسرار والعلوم المكنونة في غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده.
﴿فَقالَ﴾ الله للملائكة تبكيتا وتعجيزا لهم، وخطاب (٣) التعجيز جائز، وهو الأمر بإتيان الشيء، ولم يكن إتيانه مرادا ليظهر عجز المخاطب، وإن كان ذلك محالا، كالأمر بإحياء الصورة التي يفعلها المصورون يوم القيامة، ليظهر عجزهم ويحصل لهم الندم، ولا ينفعهم الندم. والفاء (٤) في قوله: ﴿فَقالَ﴾ للتعقيب؛ أي: ولم يتخلل بين العرض والأمر مهلة بحيث يقع فيها
стр. 467
تروّ أو فكر، وذلك أجدر بعدم الإجابة ﴿أَنْبِئُونِي﴾، أي: أخبروني ﴿بِأَسْماءِ هؤُلاءِ﴾ المسميات فردا فردا، أو بأسماء هؤلاء الموجودات، كما في «الروح».
وقرأ الأعمش (١): ﴿نبّوني﴾ بغير همز. وقد استدل بقوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ على جواز تكليف ما لا يطاق، وهو استدلال ضعيف؛ لأنه على سبيل التبكيت، ويدل عليه قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وظاهر قوله: ﴿هؤُلاءِ﴾ حضور أشخاص من الموجودات حالة العرض على الملائكة، ومن قال إن المعروض إنما هي أسماء فقط، جعل الإشارة إلى أشخاص الأسماء وهي غائبة، إذ قد حضر ما هو منها سبب، وذلك أسماؤها، وكأنه قال لهم في كل اسم: لأيّ شخص هذا الاسم؟
وهذا فيه بعد وتكلّف، وخروج عن الظاهر بغير داعية إلى ذلك.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته، كما ينبىء عنه مقالكم، وهذا شرط (٢) جوابه محذوف، تقديره: فأنبئوني يدل عليه أنبئوني السابق، ولا يكون أنبئوني السابق هو الجواب. هذا مذهب سيبويه، وجمهور البصريين، وخالف الكوفيون، وأبو زيد، وأبو العباس، فزعموا: أن جواب الشرط هو المتقدم في نحو هذه المسألة، والصدق هنا هو الصواب، أي: إن كنتم مصيبين، كما يطلق الكذب على الخطأ، كذلك يطلق الصدق على الصواب، ومتعلق الصدق فيه أقوال: إن كنتم صادقين في أني لا أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه؛ لأنه هجس في أنفسهم أنهم أعلم من غيرهم، أو فيما زعمتم أن خلفائي يفسدون في الأرض، أو فيما وقع في نفوسكم أني لا أخلق خلقا إلا كنتم أفضل منه، أو بأمور من أستخلفهم بعدكم، أو إني إن استخلفتكم فيها سبحتموني وقدستموني، وإن استخلفت غيركم عصاني، أو في قولكم: إنه لا شيء مما يتعبد به الخلق، إلا وأنتم تصلحون له وتقومون به. قاله ابن مسعود، وابن عباس، أو في ذلك الإنباء، وجواب السؤال بالأسماء.
وأبعد من ذهب إلى أن الصدق هنا ضد الكذب المتعارف؛ لعصمة
стр. 468
الملائكة، كما أبعد من جعل إن بمعنى إذ، فأخرجها عن الشرطية إلى الظرفية.
وإذا التقت همزتان مكسورتان من كلمتين نحو: ﴿هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فورش، وقنبل، يبدلان الثانية ياء ممدودة، إلا أن ورشا في ﴿هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ و ﴿عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ﴾ أبدل الهمزة الثانية ياء خفيفة الكسر، أي: مختلة الكسر، وقالون، والبزي، يسهّلان الأولى، ويحققان الثانية. ذكره في «البحر».
ويقال: هذه الآية دليل (١) على أن أولى الأشياء بعد علم التوحيد، تعلم علم اللغة؛ لأنه تعالى أراهم فضل آدم بعلم اللغة، ودلت أيضا: أن المدعي يطالب بالحجة، فإن الملائكة ادعوا الفضل، فطولبوا بالبرهان، وبحثوا عن الغيب، فقرعوا بالعيان؛ أي: لا تعلمون أسماء ما تعاينون، فكيف تتكلمون في فساد من لا تعاينون. فيا أرباب الدعاوي! أين المعاني؟ ويا أرباب المعرفة! أين المحبة؟ ويا أرباب المحبة! أين الطاعة؟ قال أبو بكر الواسطي: من المحال أن يعرفه العبد، ثم لا يحبه، ومن المحال أن يحبه، ثم لا يذكره، ومن المحال أن يذكره، ثم لا يجد حلاوة ذكره، ومن المحال أن يجد حلاوة ذكره، ثم يشتغل بغيره. قال أبو عثمان المغربي: ما بلاء الخلق إلا الدعاوي، ألا ترى أن الملائكة لمّا قالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ كيف ردوا إلى الجهل حتى قالوا: ﴿لا علم لنا﴾ ذكره في «البحر».
٣٢ - وقوله: ﴿قالُوا﴾ استئناف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قالوا حينئذ؟ هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه أولا؟ فقيل: قالوا؛ أي: قالت الملائكة اعترافا لعجزهم وقصورهم ﴿سُبْحانَكَ﴾؛ أي: تنزيها لك عن الاعتراض عليك في حكمك، وتبنا إليك من ذلك القول، أو نسبّحك عما لا يليق بشأنك الأقدس، من الأمور التي من جملتها خلوّ أفعالك عن الحكم والمصالح، وهي كلمة تقدّم على التوبة. قال موسى ﵇: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ وقال يونس ﵇: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وسبحان: اسم واقع
стр. 469
موقع المصدر، لا يكاد يستعمل إلا مضافا، فإذا أفرد عن الإضافة، كان اسما علما للتسبيح، لا ينصرف للتعريف والألف والنون في آخره، نحو: قول الأعشى:
أقول لمّا جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر
فجعله علما، فمنعه الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، وأما صرفه في قول الآخر:
سبحانه ثم سبحانا نعوذ به ... وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد
فضرورة، وقوله: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا﴾ اعتراف منهم بالعجز عما كلفوه، وإشعار بأن سؤالهم كان استفسارا ولم يكن اعتراضا، إذ معناه ﴿لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا﴾ وألهمتنا بحسب قابليتنا من العلوم المناسبة لعالمنا، ولا قدرة لنا على ما هو خارج عن دائرة استعدادنا، حتى لو كنا مستعدين لذلك، لأفضته علينا، يعنون: أن علمهم علم محدود لا يتناول جميع الأشياء، ولا يحيط بكلّ المسميات، وفيه ثناء على الله بما أفاض عليهم من العلم مع تواضع وأدب، وما في قوله: ﴿إِلَّا ما عَلَّمْتَنا﴾ موصولة، أو موصوفة، ومحلّه رفع على أنه بدل من موضع ﴿لا عِلْمَ﴾ كقولك لا إله إلا الله؛ أي: لا علم لنا إلا العلم الذي علمتناه، أو علما علمتناه.
والمعنى: أي (١) لا معلوم عندنا إلا المعلوم الذي علمتناه من المسميات، فلا علم لنا بأسمائها؛ أي: وإنما قلنا لك: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾؛ لأنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقلنا لك ذلك، وأمّا هذه الأسماء، فإنك ما أعلمتنا إياها فكيف نعلمها، ثم أكدوا ما تقدم بقولهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو في محل النصب تأكيد لاسم إن ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي أحاط بعلمه كل الأشياء فلا تخفى عليه خافية، وهذه إشارة إلى تحقيقهم لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، المحكم
стр. 470
لمبتدعاته، الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة. وناسب (١) تقديم الوصف بالعلم على تقديم الوصف بالحكمة؛ لأنه المتصل به في قوله: ﴿وَعَلَّمَ﴾ ﴿أَنْبِئُونِي﴾ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ فالذي ظهرت به المزية لآدم والفضيلة، هو العلم، فناسب ذكره متصلا به؛ ولأنّ الحكمة إنما هي آثار العلم، وناشئة عنه، ولذلك أكثر ما جاء في القرآن تقديم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة؛ وليكون آخر مقالهم مخالفا لأوله، حتى يتبين رجوعهم عن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها﴾ وفي هذا الجواب (٢) منهم، إيذان بأنهم رجعوا إلى ما كان يجب عليهم أن لا يغفلوا عن مثله، من التفويض إلى واسع علم الله وعظيم حكمته، بعد أن تبيّن لهم ما تبيّن، وإيماء إلى أنّ الإنسان ينبغي له أن لا يغفل عن نقصانه، وعن فضل الله عليه وإحسانه، ولا يأنف أن يقول لا أعلم إذا لم يكن يعلم، ولا يكتم الشيء الذي يعلم.
وقال العلماء: قول الشخص لا أدري نصف العلم، وسئل (٣) أبو يوسف القاضي عن مسألة؟ فقال: لا أدري، فقالوا له: ترتزق من بيت المال كلّ يوم كذا وكذا، ثم تقول لا أدري، قال: إنما أرتزق بقدر علمي، ولو أعطيت بقدر جهلي لم يسعني مال الدنيا، وحكي: أن عالما سئل عن مسألة وهو فوق المنبر؟ فقال:
لا أدري، فقيل له: ليس المنبر موضع الجهّال، فقال: إنما علوت بقدر علمي ولو علوت بقدر جهلي لبلغت السماء.
٣٣ - وقوله: ﴿قالَ﴾ الله لآدم كلام مستأنف أيضا ﴿يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾؛ أي: أخبر الملائكة وأعلمهم ﴿بِأَسْمائِهِمْ﴾ التي عجزوا عن علمها، واعترفوا بالقصور عن بلوغ مرتبتها؛ أي: أخبرهم بأسماء هؤلاء المسمّيات، فسمّى لهم كل شيء باسمه حتى القصعة والقصيعة، وبين لهم أحوال كل من المسميات، وخواصّه، وأحكامه المتعلقة بالمعاش، والمعاد.
стр. 471
وقال: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ (١) دون أنبئني؛ للإشارة إلى أنّ علمه ﵇ بها ظاهر، لا يحتاج إلى ما يجري مجرى الامتحان، وإلى أنه جدير أن يعلّم غيره، فتكون له منّة المعلّم المفيد، ولهم مقام المتعلم المستفيد؛ ولئلا تستولي عليه الهيبة، فإنّ إنباء العالم ليس كإنباء غيره. وقرأ الجمهور ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ بالهمز وضم الهاء، وهذا هو الأصل، كما تقول: أكرمهم. وروي عن ابن عباس ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ بالهمز وكسر الهاء، ووجهه: أنه أتبع حركة الهاء لحركة الباء، ولم يعتدّ بالهمزة؛ لأنها ساكنة، فهي حاجز غير حصين وقرأ الحسن، والأعرج، وابن كثير، من طريق الغواس ﴿أنبهم﴾ على وزن أعطهم. قال ابن جني: وهذا على إبدال الهمزة ياء على أنه تقول: أنبيت، كأعطيت، قال: وهذا ضعيف في اللغة؛ لأنه بدل لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. انتهى. كلام أبي الفتح.
ذكره أبو حيان في «البحر المحيط».
﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ أي أنبأ آدم الملائكة ﴿بِأَسْمائِهِمْ﴾؛ أي: بأسماء تلك المسميات مفصلة، وبين لهم أحوال كل منها، وخواصّه، وأحكامه. روي (٢) أنه رفع على منبر، وأمر أن ينبىء الملائكة بالأسماء، فلما أنبائهم بها وهم جلوس بين يديه، وذكر منفعة كل شيء ﴿قالَ﴾ الله ، للملائكة توبيخا لهم وتقريرا منهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يا ملائكتي، والاستفهام للتقرير مع التوبيخ؛ أي: قد قلت لكم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: أعلم ما غاب فيهما عنكم ممّا كان ومما يكون، مما لا دليل عليه، ولا طريق إليه، وقيل: غيب السموات أكل آدم وحواء من الشجرة؛ لأنها أوّل معصية وقعت في السماء، وغيب الأرض قتل قابيل هابيل؛ لأنها أوّل معصية كانت في الأرض، وقيل غير ذلك. وذلك أنه ، علم أحوال آدم قبل أن يخلقه، فلهذا قال لهم أعلم ما لا تعلمون ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾؛ أي: ما تظهرون من قولكم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ الآية.
стр. 472
﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: تسرون من قولكم، لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا، وهو استحضار لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وروى الشعبي، عن ابن عباس، وابن مسعود: أن المراد بقوله تعالى: ﴿ما تُبْدُونَ﴾ قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ وبقوله: ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ما أسر إبليس في نفسه من الكبر، ومن أن لا يسجد، وفيه تعريض (١) بمعاتبتهم على ترك الأولى من السؤال، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبيّن لهم، وفي هذه الآيات دلالة على شرف الإنسان على غيره من المخلوقات، وعلى فضل العلم على العبادة، فإن الملائكة أكثر عبادة من آدم، ومع ذلك لم يكونوا أهلا لاستحقاق الخلافة، وعلى أن شرط الخلافة العلم، بل هو العمدة فيها، وعلى أنّ آدم أفضل من هؤلاء الملائكة، لأنه أعلم منهم، والأعلم هو الأفضل من غيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فالعلم أشرف جوهرا، ولكن لا بدّ للعبادة مع العلم، فإن العلم بمنزلة الشجرة، والعبادة بمنزلة الثمرة، فالشرف للشجرة وهو الأصل، لكن الانتفاع بثمرتها.
وفي استخلاف (٢) آدم في الأرض، معنى سام من الحكمة الإلهية، خفي على الملائكة، فإنه لو استخلفهم فيها لما عرفوا أسرار هذا الكون، وما أودع فيه من الخواص، فإنهم ليسوا بحاجة إلى شيء مما في الأرض، إذ هم على حال يخالف حال الإنسان، فما كانت الأرض لتزرع بمختلف الزروع، ولا تستخرج المعادن من باطنها، ولا تعرف خواصّها الكيمائية والطبيعية، ولا تعرف الأجرام الفلكية، ولا المستحدثات الطبية، ولا شيء من العلوم التي تفنى السنون، ولا يدرك الإنسان لها غاية.
وقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ (٣) ياء المتكلم المتحرك ما قبلها، إذا لقيت همزة القطع المفتوحة جاز فيها وجهان: التحريك والإسكان، وقرىء بالوجهين في السبعة
стр. 473
على اختلاف بينهم في بعض ذلك، وتفصيل ذلك مذكور في كتب القراءات.
٣٤ - ﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لأمتك قصة ﴿إِذْ قُلْنا﴾؛ أي: قصة وقت قولنا: ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ الذين أنزلهم الله سبحانه إلى الأرض؛ لطرد الجن، أو لجميع الملائكة، وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ وقرأ الجمهور (١) ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ بجر التاء، وقرأ أبو جعفر، يزيد بن القعقاع، وسليمان بن مهران، بضم التاء إتباعا لحركة الجيم، ونقل أنها لغة أزد شنوءة، وقال الزجاج: هذا غلط من أبي جعفر، وقال الفارسي: هذا خطأ، ولكن لا ينبغي أن يغلّط؛ لأنّ القارىء بها أبو جعفر، أحد القراء المشاهير الذين أخذوا القرآن عرضا، عن عبد الله بن عباس، وغيره من الصحابة ﵃ أجمعين - وهو شيخ نافع بن أبي نعيم، أحد القراء السبعة، وقد علّل ضمّ التاء؛ لشبهها بألف الوصل، ووجه الشبه: أنّ الهمزة تسقط في الدرج؛ لكونها ليست بأصل، والتاء في الملائكة تسقط أيضا؛ لأنها ليست بأصل، ألا تراهم قالوا الملائك، وقيل:
ضمت؛ لأنّ العرب تكره الضمة بعد الكسرة لثقلها.
﴿اسْجُدُوا﴾ لله سبحانه وخروا له سجودا شرعيا بوضع الجبهة مستقبلين إلى ﴿آدم﴾ ﵇ قبلة لسجودهم؛ تعظيما لشأنه وإظهارا لفضله، فجعل آدم قبلة لسجودهم، والسجود لله، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة، والصلاة لله، أو اسجدوا لآدم سجود تحية بالانحناء من غير وضع الجبهة على الأرض.
والسجود لغة (٢): الخضوع والانقياد. وشرعا: وضع الجبهة على الأرض مع أعضائه بقصد العبادة. والمأمور به؛ إما المعنى الشرعي، كما ذكرناه أولا، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم، تفخيما لشأنه؛ وإما المعنى اللغوي، كما ذكرناه آنفا، وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له، وكان سجود التحية جائزا فيما مضى من الأمم، ثم نسخ
стр. 474
بقوله ﷺ لسلمان الفارسي، حين أراد أن يسجد له ﷺ أوّل ما قدم على عادة ملوكهم: «لا ينبغي لمخلوق أن يسجد لأحد إلا الله تعالى، ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» فتحية هذه الأمة هي السلام، لكن يكره الإنحناء؛ لأنه يشبه فعل اليهود، كما في «الدرر».
وكان هذا القول الكريم بعد إنبائهم بالأسماء (١). قيل: لما خلق آدم، أشكل عليهم أن آدم أعلم أم هم، فلما سألهم عن الأسماء فلم يعرفوا، وسأل آدم فأخبر بها، ظهر لهم أن آدم أعلم منهم، ثم أشكل عليهم أنه أفضل أم هم، فلما أمرهم بالسجود له، ظهر لهم فضله، ومن لطف الله تعالى بنا، أن أمر الملائكة بالسجود لأبينا، ونهانا عن السجود لغيره، فقال: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ نقل الملائكة المقربين إلى آدم وسجدته، ونقلنا إلى سجدته وخدمته.
وفائدة هذه السجدة راجعة إلى الإنسان لمعنيين:
أحدهما: أنّ الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدّب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحق به الطرد واللعن، كما لحق بإبليس، ويكون مقبولا ممدوحا مكرما، كما كان الملائكة في امتثال الأمر، كما قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾.
وثانيهما: أن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان، جعل همة الملائكة في الطاعة، والتسبيح، والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم، وليستغفروا لهم.
واعلم: أن (٢) الملائكة من عالم الغيب لا نعرف حقيقتهم، والكتاب الكريم يرشد إلى أنهم أصناف لكل صنف عمل، وقد جاء في لسان الشرع إسناد إلهام
стр. 475
الحق والخير إلى الملائكة، كما يستفاد من خطابهم لمريم ﵍، وإسناد الوسوسة إلى الشياطين، وهو مشهور في الكتاب والسنة. فقد روى الترمذي: إن للشيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة؛ فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق؛ وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الآخر فليتعوذ بالله من الشيطان، ثم قرأ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ واللمّة الإلمام والإصابة، فالملائكة والشياطين أرواح لها اتصال بأرواح الناس لا نعرف حقيقته، بل نؤمن بما ورد فيه ولا نزيد عليه شيئا آخر.
﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أي: سجدت الملائكة كلهم أجمعون؛ أي: لآدم، دل عليه قوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾؛ لأنهم خلقوا من نور، كما قال ﷺ : «خلقت الملائكة من نور» والنور من شأنه الانقياد والطاعة، وكان هذا السجود قبل دخول آدم الجنة؛ لأن الظاهر من السياق وقوع التعليم لآدم، فإنباؤه للملائكة، فأمر الملائكة بالسجود له، فإسكانه الجنة، ثم إخراجه منها وإسكانه الأرض.
وأول من سجد منهم (١): جبريل، فأكرم بإنزال الوحي على النبيين، وخصوصا على سيد المرسلين، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم سائر الملائكة، وقيل: أول من سجد: إسرافيل، فرفع رأسه، وقد ظهر كل القرآن مكتوبا على جبهته كرامة له على سبقه إلى الائتمار.
والفاء في قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾ للتعقيب؛ لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال، وعدم تلعثمهم في ذلك، وهذه القصة ذكرت في القرآن في سبع سور، في هذه السورة، والأعراف والحجر، والإسراء، والكهف، وطه، وص. والحكمة (٢) في تكريرها؛ تسلية النبي ﷺ ، فإنه كان في محنة عظيمة في قومه وأهل زمانه، فكأنه تعالى يقول لنبيه: ألا ترى أن أول الأنبياء وهو آدم ﵇، كان في محنة عظيمة في مبدأ خلقه، فاصبر كما صبر.
стр. 476
إِلَّا إِبْلِيسَ؛ أي: ما سجد؛ لأنه خلق من النار، والنار من شأنها الاستكبار، وطلب العلو طبعا، وسمي إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله؛ أي: أيس.
وللعلماء في هذا الاستثناء قولان:
القول الأول: أنه استثناء متصل؛ لأن إبليس كان جنيا واحدا بين أظهر الألوف من الملائكة، مغمورا بهم، متصفا بصفاتهم، فغلبوا عليه في قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾ ثم استثني منهم استثناء واحد منهم، وأكثر المفسرين: أن إبليس من الملائكة؛ لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، فعلى هذا كان منهم ثم أبلس وغضب عليه، ولعن، فصار شيطانا. قال البغوي: وهو الأصح وعليه الجمهور، وابن عباس، وابن مسعود، وابن المسيب، وغيرهم. قال في «التيسير»: أما وصف الملائكة بأنهم لا يعصون ولا يستكبرون، فذلك دليل تصوّر العصيان منهم، ولولا التصوّر لما مدحوا به، لكن طاعتهم طبع، وعصيانهم تكلّف، وطاعة البشر تكلّف، ومتابعة الهوى منهم طبع، ولا يستنكر من الملائكة تصوّر العصيان، فقد ذكر من هاروت وماروت ما ذكر.
والقول الثاني: أنه منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة، بل كان من الجن بالنص، قال تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وروى ابن مسعود، وشهر بن حوشب. أنه من الجن الذين كانوا في الأرض، وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا، وتعبّد مع الملائكة، وخوطب معهم. وعن الحافظ: أن الجن والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم فهو ملك، ومن خبث فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جن ﴿أَبى﴾؛ أي: امتنع عما أمر به من السجود والإباء إمتناع باختيار ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾؛ أي: تعظم وأظهر كبره، ولم يتخذه وصلة في عبادة ربه، أو تعظيمه، وتلقيه بالتحية والتكبر، أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره، والاستكبار طلب ذلك بالتشبّع؛ أي: بالتزين بالباطل وبما ليس له، ولكن السين هنا للمبالغة لا للطب، وتقديم الإباء على الاستكبار مع كونه مسبّبا عنه؛ لظهوره ووضوح أثره، فعطفه عليه من عطف العلة على المعلول؛ أي: أبى وامتنع لكبره، كما في «الصاوي».
стр. 477
قالوا (١): لما سجد الملائكة، امتنع إبليس ولم يتوجه إلى آدم، بل ولّاه ظهره وانتصب هكذا، إلى أن سجدوا وبقوا في السجود مائة سنة، وقيل:
خمسمائة سنة ورفعوا رؤوسهم، وهو قائم معرض لم يندم من الامتناع، ولم يعزم على الاتباع، فلمّا رأوه عدل ولم يسجد، وهم وفّقوا للسجود، سجدوا لله تعالى ثانيا، فصار لهم سجدتان، سجدة لآدم، وسجدة لله تعالى، وإبليس يرى ما فعلوه وهذا إباؤه، فغيّر الله تعالى صفته، وحالته، وصورته، وهيئته، ونعمته، فصار أقبح من كل قبيح، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ قال بعضهم: جعل ممسوخا على مثال جسد الخنازير، ووجهه كالقردة، وللشيطان نسل وذرية، والممسوخ وإن كان لا يكون له نسل، لكن لما سأل النظرة وأنظر، صار له نسل. وفي الخبر: قيل له من قبل الحق: اسجد لقبر آدم أقبل توبتك، وأغفر معصيتك، فقال: ما سجدت لقالبه وجثته، فكيف أسجد لقبره وميتته. وفي الخبر أيضا: إن الله تعالى يخرجه على رأس مائة ألف سنة من النار، ويخرج آدم من الجنة، ويأمره بالسجود لآدم فيأبى، ثم يرد إلى النار.
﴿وَكانَ﴾ إبليس اللعين ﴿مِنَ الْكافِرِينَ﴾؛ أي: في علم الله تعالى، أو صار منهم باستقباحه أمر الله إياه بالسجود لآدم، اعتقادا بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوصل به، كما أشعر به قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ جوابا لقوله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ لا بترك الواجب وحده، وإنما قال: ﴿مِنَ الْكافِرِينَ﴾ ولم يكن حينئذ كافر غيره؛ لأنه كان في علم الله أن يكون بعده كفار، فذكر أنه كان من الكافرين؛ أي: من الذين يكفرون بعده، وهذا كما في قوله: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال (٢) أبو العالية: ﴿مِنَ الْكافِرِينَ﴾؛ أي: من العاصين، وصلة (أل) هنا ظاهرها الماضي؛ أي: من الذين كفروا، فيكون قد سبق إبليس كفار، وهم الجن الذين كانوا في الأرض، أو يكون إبليس أول من كفر مطلقا، إذ لم يصح أنه كان كفار
стр. 478
قبله، وإن صح فيفيد أول من كفر بعد إيمانه، أو يراد الكفر الذي هو التغطية للحق، وكفر إبليس قيل: جهل سلب الله ما كان وهبه من العلم فخالف الأمر، ونزع يده من الطاعة، وقيل: كفر عناد ولم يسلب العلم، بل كان الكبر مانعه من السجود.
ومن فوائد هذه الآية (١): استقباح الاستكبار، وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر، والحثّ على الائتمار لأمره، وترك الخوض في سره، وأنّ الأمر للوجوب، وأنّ الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر حقيقة، إذ العبرة بالخواتم، وإن كان بحكم الحال مؤمنا وهي مسألة الموافاة؛ أي: اعتبار تمام العمر الذي هو وقت الوفاة، فإذا كان العبرة بالخاتمة، فليسارع العبد إلى الطاعات، فكل ميسر لما خلق له، كما ورد في الخبر الصحيح، خصوصا في آخر السنة، وخاتمتها، كي يختم له الدفتر بالعمل الصالح. وفي الخبر: قيل يا رسول الله: من خير الناس؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله» قيل: فأي الناس شر؟
قال: «من طال عمره، وساء عمله، وخيف شره، ولم يرج خيره». وقال الحسن البصري لجلسائه: يا معشر الشيوخ، ما ينتظر بالزرع إذا بلغ؟ قالوا: الحصاد، قال: يا معشر الشباب، فإن الزرع قد تدركه الآفة قبل أن يبلغ، وأنشد بعضهم:
ألا مهّد لنفسك قبل موت ... فإنّ الشّيب تمهيد الحمام
وقد جدّ الرّحيل فكن مجدّا ... لحطّ الرّحل في دار المقام
وعن الحسن أيضا: قال يا ابن آدم: لا تحمّل همّ سنة على يوم، كفى يومك بما فيه، فإن تكن السنة من عمرك، يأتك الله فيها برزقك، وإلّا تكن من عمرك، فأراك تطلب ما ليس لك.
٣٥ - وقوله: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢) معطوف على الجملة السابقة التي هي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ لا على ﴿قُلْنا﴾ وحده لاختلاف زمانيهما ومعمول القول المنادى وما بعده، وفائدة النداء؛ تنبيه المأمور لما يلقى إليه من الأمر،
стр. 479
وتحريكه لما يخاطب به، إذ هو من الأمور التي ينبغي أن يجعل لها البال، وهو الأمر بسكنى الجنة. قالوا: ومعنى الأمر هنا: إباحة السكنى والإذن فيها مثل: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأن الاستقرار في المواضع الطيبة لا يدخل تحت التّعبّد.
قال القرطبي في «تفسيره»: لا خلاف أنّ الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال: ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ﴾؛ أي؛ أقم وامكث، ولازم الجنة، واتخذها مسكنا لك، وهو محل السكون، وليس المراد به ضدّ الحركة، بل اللّبث والاستقرار و ﴿أَنْتَ﴾ تأكيد للضمير المستكن في ﴿اسْكُنْ﴾ وهذا أحد المواضع التي يستكن فيها الضمير وجوبا ﴿وَزَوْجُكَ﴾ معطوف على ذلك الضمير المستكن، وحسن العطف عليه تأكيده بأنت، كما هو مذكور في محله؛ أي: اسكن أنت وزوجك حواء ﴿الْجَنَّةَ﴾ يقال للمرأة الزوج والزوجة، والزوج أفصح، كما في «تفسير أبي الليث» وإنما لم يخاطبهما أوّلا؛ تنبيها على أنه المقصود بالحكم، والمعطوف عليه تبع له، والجنة هي دار الثواب بإجماع المفسرين، خلافا لبعض المعتزلة، والقدرية، حيث قالوا: المراد بالجنة بستان كان في أرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان، خلقه الله تعالى امتحانا لآدم، وأوّلوا الهبوط بالانتقال منه إلى أرض الهند، كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾، وفيه نظر؛ لأن الهبوط قد يستعار للانتقال إذا ظهر امتناع حقيقته وابتعادها، وهناك ليس كذلك، وقوله: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ﴾ هو من خطاب الأكابر والعظماء، فأخبر الله تعالى عن نفسه بصيغة الجمع؛ لأنه ملك الملوك؛ أي: اتّخذا جنة الخلد مأوى ومنزلا كلّها، وسمي آدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض؛ أي: ترابها، كما مر. وسميت زوجه حوّاء؛ لأنها خلقت من حي؛ لأنها خلقت من ضلع آدم الأيسر، فلذا كان كل إنسان ناقصا ضلعا من الجانب الأيسر، فجهة اليمين أضلاعها ثمانية عشر، وجهة اليسار أضلاعها سبعة عشر.
واختلفوا (١) في خلق حواء: هل كان قبل دخول الجنة أو بعده؟ ويدل على
стр. 480
الأول: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه بعث الله جندا من الملائكة، فحملوا آدم وحواء على سرير من الذهب مكلل بالياقوت، واللؤلؤ، والزمرد، وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت. حتى أدخلوهما الجنة، ويدل على الثاني: ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه لما خلق الله الجنة، وأسكن فيها آدم، بقي فيها وحده، فألقى الله عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من الجانب الأيسر، ووضع مكانه لحما، فخلق منه حواء. ومن الناس من قال: لا يجوز أن يقال خلقت حواء من ضلع آدم؛ لأنه يكون نقصانا منه، ولا يجوز القول بنقص الأنبياء. قلنا: هذا نقص منه صورة، تكميل له معنى؛ لأنه جعلها سكنه وأزال بها وحشته، وحزنه، فلما استيقظ وجدها عند رأسه قاعدة، فسألها من أنت؟ فقالت: إني امرأة، فقال: ولم خلقت، قالت: لتسكن إليّ، وأسكن إليك، فقالت الملائكة: يا آدم! ما اسمها؟ قال: حواء، قالوا: ولم؟
قال: لأنها خلقت من حي، أو لأنها أصل كل حي، أو لأنها كانت في ذقنها حوّة؛ أي: حمرة مائلة إلى السواد، وقيل: في شفتها، وسميت مرأة؛ لأنها خلقت من المرء، كما أن آدم سمي بآدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، وعاشت بعد آدم سبع سنين وسبعة أشهر، وعمرها تسعمائة وسبع وتسعون سنة.
واعلم: أن الله تعالى، خلق واحدا من أب دون أم وهو حواء، وآخر من أم دون أب وهو عيسى، وآخر من أب وأم وهم أولاد آدم، وآخر من غير أب وأم وهو آدم ﵇، فسبحان من أظهر من عجائب صنعه ما يتحيّر فيه العقول.
ثم اعلم (١): أن الله تعالى، خلق حواء لأمر تقتضيه الحكمة؛ ليدفع آدم وحشته بها لكونها من جنسه؛ وليبقي الذرية على ممر الأزمان والأيام إلى ساعة القيام، فإن بقاءها سبب لبعثه الأنبياء، وتشريع الشرائع والأحكام، ونتيجة لأمر معرفة الله تعالى، فإن الله تعالى خلق الخلق لأجلها.
وفي الزوجية منافع كثيرة دينية، ودنيوية، وأخروية، ولم يذكر الله تعالى في
стр. 481
كتابه من الأنبياء إلا المتزوجين، وقالوا إن يحيى ﵇، قد تزوج لنيل الفضل وإقامة السنة، ولكن لم يجامع؛ لكون ذلك عزيمة في تلك الشريعة، ولذلك مدحه الله تعالى بكونه حصورا. وفي «الأشباه» ليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم إلى الآن، ثم تلك العبادة تستمر في الجنة إلا الإيمان والنكاح. قيل: فضل المتأهل على العزب، كفضل المجاهد على القاعد، وركعة من المتأهل أفضل من سبعين ركعة من عزب، هذا كله لكون التزوج سببا لبقاء النسل، وحفظا من الزنا، والترغيب في النكاح يجري إلى ما يجاوز المائة الأولى من الألف الثاني، كما قال ﷺ : «إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة بعد الألف، فقد حلّت العزوبة، والعزلة، والترهب على رؤوس الجبال»، وذلك لأن الخلق في المائتين أهل الحرب والقتل، فتربية جرو حينئذ خير من تربية ولد، وأن تلد المرأة حيّة خير من أن تلد الولد.
﴿وَكُلا﴾ أنتما ﴿مِنْها﴾؛ أي: من ثمار الجنة. وجّه الخطاب (١) إليهما؛ إيذانا بتساويهما في مباشرة المأمور به، فإن حواء أسوة له في الأكل بخلاف السكن فإنها تابعة له فيها، ثمّ معنى الأمر بهذا والشغل به مع أنه اختصّه واصطفاه، وللخلافة أبداه أنه مخلوق، والذي يليق بالخلق هو السكون بالخلق، والقيام باستجلاب الحظّ؛ أي: وكلا أنتما من ثمار الجنة أكلا ﴿رَغَدًا﴾؛ أي: أكلا واسعا رافها بلا تقدير، ولا تقتير ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾؛ أي: من أيّ مكان من الجنة شئتما وأردتما الأكل منه، وسّع عليهما؛ إزاحة للعلّة والعذر، في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر.
فإن قلت: لم قال هنا ﴿وَكُلا﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿فَكُلا﴾ بالفاء؟
قلت: لأن اسكن معناه هنا استقر، لكون آدم وحواء كانا في الجنة، والأكل يجامع الاستقرار غالبا، فلهذا عطف بالواو الدالّة على الجمع والمعنى، اجمعا بين الأكل وبين الاستقرار، وفي الأعراف معناه ادخل، لكونهما، كانا
стр. 482
خارجين عنها، والأكل لا يكون مع الدخول عادة، بل عقبه، فلهذا عطف بالفاء الدالة على التعقيب وقد بسطت الكلام على ذلك في «الفتاوي». اه. شيخ الإسلام.
وقرأ الجمهور (١): ﴿رَغَدًا﴾ بفتح الغين، وقرأ إبراهيم النخعي، ويحيى بن وثاب بسكونها ﴿رَغَدًا﴾، والتسكين لغة تميم؛ أي: أكلا واسعا كثيرا لا عناء فيه ولا حجر. قال امرؤ القيس:
بينما المرء نراه ناعما ... يأمن الأحداث في عيش رغد
وبقوله سبحانه: ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾ أباح لهما الأكل حيث شاءا، فلم يحظر عليهما مكانا من أماكن الجنة، كما لم يحظر عليهما مأكولا إلا ما وقع النهي عنه. و (شاء) في وزنه خلاف: فنقل عن سيبويه: أنّ وزنه فعل بكسر العين، فنقلت حركتها إلى الشين فسكنت واللام ساكنة للضمير، فالتقى ساكنان فحذفت لالتقاء الساكنين، وكسرت الشين؛ لتدل على أن المحذوف ياء، كما صنعت؟ في بعت، كما سيأتي في مبحث التصريف.
﴿وَلا تَقْرَبا﴾ بالأكل ولو كان (٢) النهي عن الدنو لضمت الراء ﴿هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ الشجرة منصوب على أنه بدل من اسم الإشارة، أو نعت له بتأويلها بمشتق؛ أي: هذه الحاضرة من الشجر؛ أي: لا تأكلا منها، وإنما علق النهي بالقربان منها؛ مبالغة في تحريم الأكل ووجوب الاجتناب عنه، والشجرة: هي البر والسنبلة.
قاله ابن عباس، وأبو مالك، وقتادة، وهو الأشهر، والأجمع، والأنسب؛ لأنّ النوع الإنساني ظهر في دور السنبلة، وعليها من كل لون، وثمرها أحلى من العسل، وألين من الزبد، وأشد بياضا من الثلج، كل حبة من حنطتها، مثل كلية البقرة، وقد جعلها الله سبحانه رزق أولاده في الدنيا، ولذلك قيل: تناول سنبلة فابتلي بحرث السنبلة، وقيل: الكرمة، ولذلك حرّمت علينا الخمر. قاله ابن
стр. 483
مسعود، وابن عباس أيضا، وابن جبير. أو التين: قاله بعض الصحابة، وقتادة، ولهذا ابتلاه الحق بلباس ورقها، كما ابتلاه بثمرها، وهو البلاء الحسن، وقيل:
شجرة من أكل منها أحدث. قاله أبو العالية، وقال علي: شجرة الكافور، وقال بعض أهل الكتاب: شجرة الحنظل، وقال أبو مالك: النخلة، والأولى عدم تعينها؛ لعدم ورود النص القاطع فيها.
وقرىء (١): ﴿ولا تقربا﴾ بكسر التاء، وهي لغة عن الحجازيين في فعل يفعل، يكسرون حرف المضارعة التاء والهمزة والنون، وأكثرهم لا يكسر الياء، ومنهم من يكسرها، وقرأ ابن محيصن ﴿هذي﴾ بالياء، وقرأ الجمهور بالهاء وقرىء ﴿الشجرة﴾ بكسر الشين، حكاها هارون الأعور، عن بعض القراء، وقرأ أيضا ﴿الشيرة﴾ بكسر الشين والياء المفتوحة بعدها، وكره أبو عمرو هذه القراءة وقال: يقرأ بها برابر مكة وسوادنها، وينبغي أن لا يكرهها؛ لأنها لغة منقولة فيها، وقال الأصمعي: نحسبه بين الأنام شيره.
وفي نهي (٢) الله سبحانه آدم وزوجه عن قربان الشجرة دليل: على أن سكناهما في الجنة لا تدوم لأن المخلد لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يمنع من شيء.
وقوله: ﴿فَتَكُونا﴾ إما معطوف على تقربا، أو منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، وهذا هو الأظهر، والتقدير عليه: لا يكن منكما قربان الشجرة فكونكما ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: من الذين ظلموا أنفسهم وأضروها بمعصية الله تعالى، أو بإخراجكما من دار النعيم إلى دار الشقاء، أو بالأكل من الشجرة التي نهيتما عنها، أو بالفضيحة في الملأ الأعلى، أو بمتابعة إبليس، أو بترك الأولى. وقال قوم: هما أول من ظلم نفسه من الآدميين. وقال قوم: كان قبلهم ظالمون شبهوا بهم، ونسبوا إليهم، وفي قوله: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ دلالة
стр. 484
على أن النهي كان على جهة الوجوب لا على جهة الندب؛ لأن تاركه لا يسمى ظالما.
وقال بعض أهل الإشارات (١): الذي يليق بالخلق عدم السكون إلى الخلق، وما زال آدم وحده بكل خير وبكل عافية، فلما جاءه الشّكل والزوج، ظهر إتيان الفتنة وافتتاح باب المحنة، وحين ساكن حواء، أطاعها فيما أشارت عليه من الأكل، فوقع فيما وقع ولقد قيل:
داء قديم في بني آدم ... صبوة إنسان بإنسان
قال القشيري: نبه سبحانه، على أن عاقبة دخول آدم الجنة خروجه منها بارتكاب الخطيئة بقوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فإذا أخبر سبحانه بجعله خليفة في الأرض، فكيف يمكن بقاؤه في الجنة. كان آدم لا يساويه أحد في الرتبة، يتوالى عليه النداء بيا آدم، ويا آدم، فأمسى وقد نزع عنه لباسه، وسلب استئناسه، والقدرة لا تكابر، وحكم الله لا يعارض، وقال الشاعر:
لله درّهم من فتية بكروا ... مثل الملوك وراحوا كالمساكين
تتمة (٢): واختلفت آراء العلماء في الجنة المرادة هنا: فمن قائل: إنها دار الثواب التي أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، لسبق ذكرها في هذه السورة، وفي ظواهر السنة ما يدل عليه، فهي إذا في السماء حيث شاء الله منها. ومن قائل: إنها جنة أخرى، خلقها الله تعالى امتحانا لآدم ﵇، وكانت بستانا في الأرض بين فارس وكرمان، وقيل: بفلسطين، وليست هي الجنة المعروفة، وعلى هذا جرى أبو حنيفة، وتبعه أبو منصور الماتريدي في تفسيره المسمى «بالتأويلات»، فقال: نحن نعتقد أن هذه الجنة بستان من البساتين، أو غيضة عن الغياض، كان آدم وزوجه منعمين فيها، وليس علينا تعيينها، ولا البحث عن مكانها، وهذا هو مذهب السلف، ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل
стр. 485
السنة وغيرهم. اهـ.
قال الألوسي في تفسيره «روح المعاني»: (١) ومما يؤيد هذا الرأي:
١ - أن الله خلق آدم في الأرض؛ ليكون خليفة فيها هو وذريته، فالخلافة منهم مقصودة بالذات، فلا يصح أن يكون وجودهم فيها عقوبة عارضة.
٢ - أنه تعالى لم يذكر أنه بعد خلق آدم في الأرض عرج به إلى السماء، ولو حصل لذكر؛ لأنه أمر عظيم.
٣ - أن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون، فكيف دخلها الشيطان الكافر للوسوسة.
٤ - أنها دار للنعيم والراحة لا دار للتكليف، وقد كلف آدم وزوجه أن لا يأكلا من الشجرة.
٥ - أنه لا يمنع من فيها من التمتع بما يريد منها.
٦ - أنه لا يقع فيها العصيان والمخالفة؛ لأنها دار طهر لا دار رجس، وعلى الجملة فالأوصاف التي وصفت بها الجنة الموعود بها، ومنها أن عطاءها غير مجذوذ ولا مقطوع، لا تنطبق على جنة آدم.
﴿وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾؛ أي: كلا منها أكلا هنيئا من أي مكان شئتما، وأباح لهما الأكل كذلك، إزاحة للعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها، من بين أشجارها التي لا حصر لها ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ الخ. لم يبين لنا ربنا هذه الشجرة، فلا نستطيع أن نعينها من تلقاء أنفسنا بلا دليل قاطع؛ ولأن المقصود يحصل بدون التعيين، ولكنا نقول إن النهي لحكمة، كأن يكون في أكلها ضرر، أو يكون ذلك ابتلاء من الله لآدم واختبارا له، ليظهر به ما في استعداد الإنسان من الميل إلى معرفة الأشياء واختبارها، ولو كان في ذلك معصية يترتب عليها ضرر.
стр. 486
٣٦ - ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾؛ أي: أزلق آدم وحواء، ونحاهما، وأبعدهما الشيطان؛ أي: إبليس بوسوسته عَنْها؛ أي: عن الجنة؛ أي: تسبب بوسوسته ودعائه إلى أكل الشجرة في إخراجهما عن الجنة. وقيل: الضمير في عنها عائد إلى الشجرة، وعن بمعنى الباء السببية؛ أي: أوقعهما الشيطان في الزلل، والهفوة، والخطيئة بسبب الشجرة: أي: بسبب حثه إياهما على أكل الشجرة. والإزلال: الإزلاق والزلة بالفتح، الخطأ، وهو الزوال عن الصواب من غير قصد.
فإن قلت (١): إبليس كافر، والكافر لا يدخل الجنة، فكيف دخل هو؟
قلت: إنما منع من الدخول على وجه التكرمة، كما تدخلها الملائكة، ولم يمنع من الدخول للوسوسة؛ ابتلاء لآدم وحواء. وقيل: إنه دخلها على صورة دابة من دواب الجنة. وقيل: وسوس إليهما وهو خارج عنها، وهما داخلها، لكن أتوا على بابها. وقيل: غير ذلك. وقرأ حمزة، والحسن، وأبو رجاء، فأزالهما، ومعنى: الإزالة التنحية. وروي عن حمزة، وأبي عبيدة إمالة فأزالهما ﴿فَأَخْرَجَهُما﴾؛ أي: تسبب إبليس في إخراجهما ﴿مِمَّا كانا فِيهِ﴾ من الكرامة والنعيم الواسع الذي كانا فيه في الجنة أولا، بأن قال لهما هل أدلكما على شجرة الخلد، وقاسمهما بالله إني لكما لمن الناصحين، فأكلا منها، ولم يقصد إبليس إخراج آدم من الجنة؛ وإنما قصد إسقاطه من مرتبته، وإبعاده، كما أبعد، فلم يبلغ مقصده، فقال تعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾.
﴿وَقُلْنَا﴾ نحن لآدم، وحواء، وإبليس ﴿اهْبِطُوا﴾؛ أي: انزلوا إلى الأرض، فالمأمور بالهبوط آدم، وزوجه، وإبليس، وهو المأثور عن ابن عباس، ومجاهد، وكثير من السلف، ويشهد له قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ إذ العداوة بين الشيطان والإنسان.
وقيل: الخطاب لآدم وحواء، ورجحه الزمخشري وجمع الضمير؛ لأنهما أصلا الجنس، فكأنهما الجنس كله، ويدل له قوله تعالى في سورة طه: ﴿اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾. وقيل: الخطاب لأربعة،
стр. 487
والرابع الحية. قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال كعب، ووهب: اهبطوا جملة، ونزلوا في بلاد متفرقة. وقال مقاتل: اهبطوا متفرقين، فهبط إبليس. قيل بالأبلّة، وحواء بجدة، وآدم بالهند. وقيل: بسرنديب بجبل يقال له واسم. وقيل: كان غذاؤه جوز الهند، وكان السحاب يمسح رأسه فأورث ولده الصلع، وهذا لا يصح، إذ لو كان كذلك لكان أولاده كلهم صلعا. وروي عن ابن عباس: أن الحية اهبطت بنصيبين. وروى الثعلبي: بأصبهان، والمسعودي: بسجستان، وهي أكثر بلاد الله حيات. وقيل: ببيسان. وقيل: لما نزل آدم بسرنديب من الهند، ومعه ريح الجنة، علق بشجرها وأوديتها، فامتلأ ما هناك طيبا، فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم ﵇. وذكر ابن الجوزي كيفية في إخراجه، قال:
وأدخل آدم في الجنة ضحوة، وأخرج منها بين الصلاتين، فمكث فيها نصف يوم، والنصف خمس مئة عام مما يعد أهل الدنيا، ولكن لا أصل له.
والأشبه أن قوله (١): ﴿اهْبِطُوا﴾ أمر تكليف؛ لأن فيه مشقة شديدة بسبب ما كانا فيه من الجنة، إلى مكان لا تحصل فيه المعيشة إلا بالمشقة. وقرأ الجمهور ﴿اهْبِطُوا﴾ بكسر الباء، وقرأ أبو حيوة ﴿اهبطوا﴾ بضم الباء، وهما لغتان. قال القرطبي (٢) في تفسيره: إن الصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض، ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك، وهي نثر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم، ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي، إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف، فكانت تلك الأكلة سبب إهباطهما من الجنة فأخرجهما؛ لأنهما خلقا منها؛ وليكون آدم خليفة الله في الأرض، ولله أن يفعل ما يشاء، وقد قال: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وهذه منقبة عظيمة، وفضيلة كريمة شريفة. انتهى كلام القرطبي. فهبوطه من الجنة هبوط التشريف، والامتحان، والتمييز بين قبضتي السعادة والشقاوة؛ لأن ذلك من مقتضيات الخلافة الإلهية، وأكثر المفسرين على أن المعنى: انزلوا استخفافا بكم، لكن القول ما قالت حذام. وجملة قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾؛ أي:
стр. 488
اهبطوا حالة كونكم متعادين، يبغي بعضكم على بعض بتضليله، حال من (١) فاعل اهبطوا، استغنى فيها عن الواو بالضمير، والعدو يصلح للواحد والجمع، ولهذا لم يقل أعداء، فإبليس عدو لهما، وهما عدو لإبليس، والحية عدو لبني آدم، وهم عدوها، هي تلسعهم وهم يدمغونها، وإبليس يفتنهم وهم يلعنونه، وكذا العداوة بين ذرية آدم وحواء، بالتحاسد في الدنيا والاختلاف في الدين، والعداوة مع إبليس دينية، فلا ترتفع ما بقي الدين، والعداوة مع الحية طبيعية، فلا ترتفع ما بقى الطبع، ثم هذه عداوة تأكدت بيننا وبينهم، لكنّ حزبا يكون الله معهم كان الظفر لهم، ثم قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ إخبار عن كونه؛ أي: التعادي لا أمر بتحصيله، ولما قال: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قال آدم: الحمد لله، حيث لم يقل سبحانه: أنا لكم عدو. والعدو: هو المجاوز حده في مكروه صاحبه.
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: موضع استقرار على وجهها بالإقامة فيها، أو في القبور. والمستقر ثلاثة:
الأول: رحم الأم. قال تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أودع في صلب الأب، واستقر في رحم الأم.
والثاني: الدنيا قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
والثالث: العقبى، إما في الجنة. قال تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ وإما في النار. قال تعالى: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ (٦٦) ﴿وَمَتاعٌ﴾؛ أي: تمتع بنعيمها، وانتفاع به ﴿إِلى حِينٍ﴾؛ أي: إلى وقت انقضاء آجالكم؛ يعني: إلى الموت.
والمعنى (٢): أي إن استقراركم في الأرض وتمتعكم فيها، ينتهيان إلى وقت محدد، وليسا بدائمين، كما زعم إبليس حين وسوس لآدم، وسمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد، وفي هذا إشارة إلى أن الإخراج من جنة الراحة إلى الأرض؛ للعمل فيها، لا للفناء، ولا للمعاقبة بالحرمان من التمتع بخيراتها، ولا للخلود فيها.
стр. 489
قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿إِلى حِينٍ﴾ فائدة لآدم ﵇، ليعلم أنه غير باق فيها، ومنتقل إلى الجنة التي وعد الرجوع إليها، وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب، ولما هبطوا وقع آدم بأرض الهند، ووقعت حواء بجدة، وبينهما سبعمائة فرسخ، فجاء آدم في طلبها حتى أتى جمعا، فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت المزدلفة، واجتمعا بجمع، والحية بسجستان، وكانت أكثر بلاد الله حيات، ولولا العربد تأكلها، وتفني كثيرا منها، لأخليت سجستان من أجل الحيات، وإبليس بسدّ يأجوج ومأجوج، فابتلي آدم بالحرث، والكسب، وحواء بالحيض، والحبل، والطلق، ونقصان العقل، وجعل الله قوائم الحية في جوفها، وجعل قوتها التراب، وجعل إبليس بأقبح صورة وأفضح حالة.
يذكر أن الحية كانت خادم آدم ﵇ في الجنة، فخانته بأن مكنت عدوه من نفسها، وأظهرت العداوة له هناك، فلما أهبطوا تأكدت العداوة، فقيل لها: أنت عدو بني آدم، وهم أعداؤك، وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك.
٣٧ - قيل: إنها أدخلت إبليس الجنة بين فكيها، ولو كانت تنذره ما تركها تدخل به، وقال إبليس: أنت في ذمتي، فأمر رسول الله ﷺ بقتلها ولو في الصلاة، والفاء في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ للدلالة على أن التوبة، حصلت عقب الأمر بالهبوط قبل تحقق المأمور به، ومن ثمة قال القرطبي: إن آدم تاب، ثم هبط، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾ ثانيا؛ ومنه يعرف أن الأمر بالهبوط ليس للاستخفاف، ومشوبا بنوع سخط، إذ لا سخط بعد التوبة، فآدم أهبط بعد أن تاب الله عليه، ومعنى تلقّي الكلمات: استقبالها بالأخذ، والقبول، والعمل بها حين علمها، فإن قلت: ما هن؟
قلت: هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ وعن ابن مسعود ﵁ إن أحب الكلام إلى الله تعالى، ما قال أبونا آدم حين اقترف الخطيئة، وهي: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وتلقى من باب تفعّل الخماسي، وهو هنا بمعنى المجرد؛ أي: بمعنى: لقي آدم من ربه كلمات وأخذها. وقرأ الجمهور برفع آدم ونصب كلمات، والمعنى عليه: حفظ آدم، وألهم من ربه
стр. 490
كلمات، يدعو بها لتكون سببا ووسيلة له، ولأولاده إلى التوبة، وتلك الكلمات مبيّنة في (سورة الأعراف) بقوله تعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ الآية. وقرأ ابن كثير بنصب آدم، ورفع كلمات، والمعنى: استقبلت آدم، وجاءته من ربه كلمات كانت سببا لتوبته ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فقبل منه ربه التوبة، وتفضل عليه بالرحمة، ورجع عليه بالقبول، وأصل التوب الرجوع، فإذا وصف به العبد، كان رجوعا عن المعصية إلى الطاعة، وإذا وصف به البارىء، أريد به الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة، والفاء للدلالة على ترتبه، على تلقي الكلمات المتضمن لمعنى التوبة، وتمام التوبة من العبد بالندم على ما كان، وبترك الذنب الآن، وبالعزم على أن لا يعود إليه في مستأنف الزمان، وبردّ مظالم العباد، وبإرضاء الخصم بإيصال حقه إليه باليد، والاعتذار عنه باللسان واكتفى بذكر (١) آدم ﵇؛ لأن حواء كانت تابعة له في الحكم، ولذلك طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن ﴿إِنَّهُ﴾ : ﴿هُوَ التَّوَّابُ﴾؛ أي: الرجاع على عباده بالمغفرة، أو كثير القبول لتوبة عباده، أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي: كثير الرحمة لعباده، وفي الجمع بين الوصفين، وعد بليغ للتائب بالإحسان مع العفو والغفران، والجملة تعليل؛ لقوله: ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿إِنَّهُ﴾ بكسر الهمزة، وقرأ نوفل بن أبي عقرب ﴿أنه﴾ بفتح الهمزة، ووجهه: أنه فتح على التعليل، والتقدير: لأنه، فالمفتوحة مع ما بعدها فضله، إذ هي في تقدير مفرد ثابت واقع مفروغ من ثبوته، لا يمكن فيه نزاع منازع، وأما الكسر، فهي جملة ثابتة تامة، أخرجت مخرج الإخبار المتقبل الثابت.
وروي عن ابن عباس ﵄ (٣) - قال: بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا، ولم يشربا أربعين يوما، ولم يقرب آدم حواء مائة سنة، وقال شهر بن حوشب: بلغني أن آدم لما هبط إلى الأرض،
стр. 491
مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله. وروي أن الله تعالى: تاب على آدم في يوم عاشوراء.
قالوا: لو أن دموع أهل الأرض جمع، لكانت دموع داود أكثر حيث أصاب الخطيئة، ولو أن دموع داود، ودموع أهل الأرض جمع، لكانت دموع آدم أكثر حيث أخرجه الله من الجنة، فإذا كان حال من اقترف خطيئة دون صغيرة هذا، فكيف حال من انغمس في بحر العصيان، والتوبة بمنزلة الصابون، فكما أن الصابون يزيل الأوساخ الظاهرة، فكذا التوبة تزيل الأوساخ الباطنة، والعبد إذا رجع عن السيئة وأصلح عمله، أصلح الله شأنه وأعاد عليه نعمته الفائتة.
قلت: وما أوردوه في قصة هبوط آدم وحواء من الجنة، وما يتعلق به، قد نقلوا أكثره من الإسرائيليات التي لا يصح شيء منها عند النّقدة من أهل العلم، ورجال الدين.
فإن قلت: كيف يصح عصيان آدم ثم توبته، مع أن الأنبياء معصومون؟
قلت: أجيب عنه بثلاثة أجوبة:
١ - أن المخالفة التي صدرت منه كانت قبل النبوة، والعصمة إنما تكون عن مخالفة الأوامر بعدها.
٢ - أن الذي وقع منه كان نسيانا؛ فسمي عصيانا تعظيما لأمره، والنسيان والسهو لا ينافيان العصمة.
٣ - أن ذلك من المتشابه، كسائر ما جاء في القصة مما لا يمكن حمله على ظاهره، ويجب تفويض أمره إلى الله تعالى، كما هو رأي
سلف الأمة، أو هو من باب التمثيل، كما هو رأي الخلف.
٣٨ - ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾؛ أي: انزلوا ﴿مِنْها﴾؛ أي: من الجنة إلى الأرض حالة كونكم ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال من ضمير الجمع؛ تأكيد في المعنى للجماعة من آدم، وحواء، وإبليس، والحية، وكأنه قيل: اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمان؛ أي: اهبطوا منها حال كونكم مجتمعين
стр. 492
في الهبوط في زمان واحد، أو في أزمنة متفرقة، وكرر (١) الأمر بالهبوط؛ للتأكيد، وإيذانا بتحتم مقتضاه، وتحققه لا محالة، ودفعا لما عسى يقع في أمنيته ﵇، من استتباع قبول التوبة للعفو عن ذلك؛ ولأن الأول: دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها، ولا يخلدون. والثاني: أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فاختلف المقصود، وكان يصح لو قرن المعنيان بذكر الهبوط مرة، لكن اعترض بينهما كلام، وهو تلقّيه الكلمات، ونيله قبول التوبة، فأعاد الأول ليتصل المعنى الثاني به، وهو الابتلاء بالعبادة، والثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية. وقيل: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا. والثاني: منها إلى الأرض.
قال في «الإرشاد» (٢) والثاني مقرون بوعد إيتاء الهدى المؤدي إلى النجاة والنجاح، وما فيه من وعيد العقاب، فليس بمقصود من التكليف قصدا أوليا، بل إنما هو دائر على سوء اختيار المكلفين، ثم إن في الآية دليلا على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها؛ لأن آدم قد أخرج من الجنة بمعصية واحدة، وهذا كما قال القائل:
إذا تمّ أمر دنا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تم
إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي﴾، يا ذرية آدم؛ أي: إن يأتينكم مني، فما مزيدة، والفاء لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر به ﴿هُدىً﴾؛ أي: رشد وبيان شريعة، برسول أبعثه إليكم، وكتاب أنزله عليكم، والخطاب في قوله: ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ لآدم، والمراد ذريته، وإبليس وذريته، لم يأتهم كتاب ولا رسول، ولا يكون منهم أتباع.
وجواب الشرط الأول، هو الشرط الثاني مع جوابه، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾؛ أي: اقتدى برسولي، وتمسك بشريعتي. وكرّر (٣) لفظ الهدى، ولم
стр. 493
يضمر بأن. يقال فمن تبعه؛ لأنه أراد بالثاني ما هو أعمّ من الأول، وهو ما أتى به الرسل من الاعتقاديات والعمليات، واقتضاه العقل، أي: فمن تبع ما أتاه من قبل الشرع، مراعيا فيه ما يشهد به العقل من الأدلة الآفاقية والأنفسية ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدارين، من لحوق مكروه ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من فوات مطلوب، فالخوف (١) على المتوقع، والحزن على الواقع. وقيل: الخوف غم يلحق الإنسان من توقع أمر في المستقبل، والحزن: غم يلحقه من فوات أمر في الماضي، وهو بمعنى ما قبله، وأما الخوف المثبت لهم في بعض الآيات، فهو في الدنيا. اه.
«كرخي». أي: لا يعتريهم ما يوجب ذلك، لا أنه يعتريهم ذلك، لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، ولا أنه لا يعتريهم نفس الخوف والحزن أصلا، بل يستمرون على السرور والنشاط، كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله تعالى، وهيبته، واستقصارا للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية، من خصائص الخواص والمقربين.
والمعنى (٢): فبعد هبوطكم إلى الأرض، إن يأتكم من جهتي هدى، وشريعة، وبيان حق، ودعوة إليه على ألسنة رسلي، فمن تبع هداي الذي أرسلت به رسلي، واستمسك بالشرائع التي أتوا بها، وراعى ما يحكم العقل بصحته، بعد النظر في الأدلة التي في الآفاق والأنفس، فلا خوف عليهم في الآخرة من العذاب، ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا؛ أي: إن المهتدين بهدي الله لا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، فإن من سلك سبيل الهدى، سهل عليه كل ما أصابه، أو فقده؛ لأنه موقن بأن الصبر والتسليم مما يرضي ربه، ويوجب مثوبته، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته، وأحسن عزاه عما فقده، فمثله مثل التاجر الذي يكدّ ويسعى، وتنسيه لذة الربح آلام التعب.
والأديان قد حرّمت بعض اللذات، التي كان في استطاعة الإنسان أن يتمتع بها، لضررها إما بالشخص، أو بالمجتمع، فمن تمثلت له المضارّ التي تعقب
стр. 494
اللذة المحرمة، وتصوّر ما لها من تأثير في نفسه، أو في الأمة، فرّ منها فرار السليم من الأجرب، إلا أن المؤمن بالله واليوم الآخر يرى في انتهاك حرمات الدين، ما يدنس النفس ويبعدها عن الكرامة يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
والخلاصة: أن من جاءه الهدى على لسان رسول بلغه إياه واتبعه، فقد فاز بالنجاة، وبعد عنه الحزن، والخوف يوم الحساب، والجزاء والعرض على الملك الديان يوم يقوم الناس لرب العالمين.
قرأ الأعرج (١): هداي بسكون الياء، وفيه الجمع بين الساكنين كقراءة من قرأ (محياي)، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ عاصم الجحدري، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن أبي عمر ﴿هدي﴾ بقلب الألف ياء، وإدغامها في ياء المتكلم، إذ لم يمكن كسر ما قبل الياء؛ لأنه حرف لا يقبل الحركة، وهي لغة هذيل يقلبون ألف المقصور ياء، ويدغمونها في ياء المتكلم، وقال شاعرهم:
سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرّموا ولكل قوم مصرع
وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بالرفع والتنوين، وقرأ الزهري، وعيسى الثقفي، ويعقوب بالفتح في جميع القرآن، وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه بالرفع من غير تنوين. وجه قراءة الجمهور، مراعاة الرفع في ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فرفعوا للتعادل. قال ابن عطية: والرفع على إعمالها عمل ليس، ولا يتعين ما قاله، بل الأولى أن يكون مرفوعا بالابتداء لوجهين:
أحدهما: أنّ إعمال (لا) عمل ليس قليل جدا.
٣٩ - والثاني: حصول التعادل بينهما، إذ تكون لا قد دخلت في كلتا الجملتين على مبتدأ، ولم تعمل فيهما. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا برسلنا المرسلة
стр. 495
إليهم، معطوف (١) على من تبع. إلخ قسيم له، كأنه قيل: ومن لم يتبعه. الخ، وإنما أوثر عليه ما ذكر؛ تفظيعا لحال الضلالة؛ وإظهارا لكمال قبحها، وإيراد الموصول بصيغة الجمع؛ للإشعار بكثرة الكفرة.
﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ المنزلة عليهم، أو كفروا بالآيات جنانا، وكذبوا بها لسانا ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى الموصول، باعتبار إتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتكذيب ﴿أَصْحابُ النَّارِ﴾؛ أي: ملازموها وملابسوها بحيث لا يفارقونها، وفي الصحبة معنى الوصلة، فسموا أصحابها لاتصالهم بها وبقائهم فيها، فكأنهم ملكوها فصاروا أصحابها ﴿هُمْ فِيها﴾؛ أي: في النار ﴿خالِدُونَ﴾؛ أي: دائمون، والجملة في حيز النصب على الحالية.
وعبارة أبي حيان هنا قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) قسيم لقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾؛ أي: وهو أبلغ من قوله: (ومن لم يتبع هداي) وإن كان التقسيم يقتضيه؛ لأنّ نفي الشيء يكون بوجوه: منها: عدم القابليّة بخلقة، أو غفلة. ومنها: تعمد ترك الشيء فأبرز القسيم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في صورة ثبوتية، ليكون مزيلا للاحتمال الذي يقتضيه النفي، ولما كان الكفر قد يعني به كفر النعمة، وكفر المعصية، بين أن المراد هنا الشرك بقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وبآياتنا متعلق بقوله:
﴿وَكَذَّبُوا﴾ وهو من إعمال الثاني، إن قلنا إن كَفَرُوا يطلبه من حيث المعنى، وإن قلنا لا يطلبه، فلا يكون من الإعمال.
والآيات هنا الكتب المنزلة على جميع الأمم، أو معجزات الأنبياء ﵇، أو القرآن، أو دلائل الله في مصنوعاته أقوال، وفي قوله: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ﴾ (٣) دلالة على اختصاص من كفر وكذب بالنار، فيفهم أن من اتبع الهدى هم أصحاب الجنة، وكان التقسيم يقتضي أن من اتبع الهدى لا خوف ولا حزن يلحقه، وهو صاحب الجنة، ومن كذب يلحقه الخوف والحزن، وهو صاحب