عباس، والضحاك، وقتادةَ وغيرهم ﵃. فعلى (١) هذا القول يكون معنى الآية: فأمّا الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، خالدينَ فيها ما دامتِ السموات والأرض إلا من شاء ربك أن يخرجهم منها، فيدخلهم الجنةَ فـ (ما) بمعني مَنْ.
وقيل: إلا (٢) ههنا بمعنى سوى كقولك: عليَّ ألف إلا الألفان القديمان، والمعنى حينئذ خالدينَ فيها؛ أي: دائمين في النار، كدوام السموات والأرض، منذ خلقت إلى أن تفنَى سوى ما شاء ربك من الزيادةِ التي لا آخرَ لها على مدة بقاء السموات والأرض.
وحاصلُ هذا القول: أن إلَّا في المعنى، بمعنى حرف العطف، والاستثناء فكأنه قيل: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، وزيادة على هذه المدة لا منتهى لها، اهـ "جمل". وقيل (٣): هو استثناء من قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. وقيل: (إلا) بمعنى الواو؛ أي: وقد شاء ربك خلودَ هؤلاء في النار، وخلود هؤلاء في الجنة فهو كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: ولا للذين ظلموا. وقيل معناه: ولو شاء ربك لأخرجهم منها، ولكنه لم يشأْ لأنه حَكَم لهم بالخلود فيها، قاله الفراء. فهذه الأقوال في معنى الاستثناء ترجعُ إلى الفريقين، والصحيح هو القول الثاني الذي عليه ابن عباس ﵁، ويدل عليه قوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمَّد ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ويشاء من إخراج من أراد من النار، وإدخالِهم الجنة، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ومشيئته تعالى إنما تتعلق بما سبق به علمه، واقتضته حكمتُه، وما كان كذلك لم يكن إخلافًا لشيء مِنْ وعده، ولا من وعيده لخلود أهل النار فيها.
فهذا على الإجمال في الفريقين (٤)، فأما على التفصيل فقوله: إلا ما شاء
стр. 5742
ربك في جانب الأشقياء، يرجع إلى الزفير والشهيق، وتقريره: أن يفيدَ حصول الزفير والشهيق مع خلود؛ لأنه إذا دَخَل الاستثناء عليه، وجب أن يحصلَ فيه هذا المجموع، والاستثناء في جانب السعداء يكون بمعنى الزيادة يعني إلا ما شاء ربك من الزيادة لهم من النعيم بعد الخلود. وقيل: إن الاستثناء الأول في جانب الأشقياء، معناه إلا ما شاء ربك من أن يخرجهم من حر النار إلى البرد والزمهرير، وفي جانب السعداء معناه إلا ما شاء ربك أن يرفَعَ بعضَهم إلى منازلِ أعلَى منازلِ الجنان، ودرجاتها. والقول الثاني هو المختار.
١٠٨ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ قرأ ابن (١) مسعود، وطلحة بن مصرف، وابن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص: ﴿سُعدوا﴾ بضم السين وباقي السبعة، والجمهور بفتحها. فالضم من قولهم: سعده الله أي: أسعده فهو حينئذ متعدّ، والفتح من قولهم: سعد الرجل بمعنى قامت به السعادة، فهو حينئذ لازم.
والمعنى (٢): إنَّ الذينَ سبقت لهم السعادة من الله بموتهم على الإيمانِ، وإن سبقَ منهم الكفر في الدنيا، والمراد بالسعادة رضا الله تعالى عن العبدِ.
وعلامة ذلك أن يكون العبد محبًّا لربه ساعيًا في مرضاته دائمَ الإقبال على طاعته راضيًا بأحكامه. ﴿فَفِي الْجَنَّةِ﴾؛ أي: فمستقرون في الجنة حالةَ كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: ماكثينَ في الجنة مكث خلود ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؛ أي: مدة دوام السموات التي تظلهم والأرض التي تقلهم يعني سموات الجنة وأرضها ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من مقدار موقفهم للحساب، أو مفارقتهم للجنة أيَّامَ عذابهم، فإن التأبِيدَ من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداءِ، كما ينتقض باعتبار الانتهاء، أو المعنى خالدِينَ فيها مدةَ دوام السموات والأرض في الدنيا.
والمعنى: قدر مكث السموات والأرض من أول الدنيا إلى آخرها. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾؛ أي: غير ما شاء ربك من الزيادة التي لا منتهى لَها، فالمعنى خالدينَ
стр. 5743
فيها أبدًا. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. فالزيادة التي شاءها الله تعالى فسرت في آيات أخر بالخلود المؤبد. وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا تقديره: يعطيهم الله ذلك الجزاء عطاء غير مقطوع ولا ممنوع، والمعنى أنه ممتد إلى غير نهاية. مأخوذ من جذَّ إذَا قطعه أو كسره، وهو كقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: إن (١) هذا الجزاءَ هبة منه، وإحسانٌ دائم غَير مقطوع. وقد كثر وعد الله تعالى للمؤمنينَ المحسنينَ بأنه يزيدهم من فضله، وبأنه يُضاعِفُ لهم الحسنة بعشرة أمثالها، وبأكثر إلى سبع مئة ضعف، وبأنه يجزيهم بالحسنى، وبأحسنَ مما عملوا, ولم يُوعد بزيادة جزاء الكافرين والمجرمين على ما يستحقون، بل أوعدهم بأنه يجزيهم بما عملوا، وبأنَّ السيئة بمثلها، وهم لا يُظلمون، وبأنه لا يَظْلِم أحدًا، وهذا الجزاء، وهو الخلود في النار أثر طبيعي لتدسية النفس بالكفر والظلم والفساد.
١٠٩ - وبعد أن شرحَ سبحانه أقاصيصَ عَبدةِ الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء والسعداء أَنْذرَ أعداء النبي ﷺ والمشركين من قومه، بما حَلَّ بالأمم المهلكة من العذاب فقال: ﴿فَلَا تَكُ﴾ يا محمَّد أصله: لا تكنْ، حذفت النون لكثرة الاستعمال؛ أي: إذا تبين عندك يا محمَّد ما قصصت عليك من قَصَصِ المتقدمينَ وسوءِ عاقبتهم فلا تكن ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾؛ أي: في شك ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركون من أهل مكةَ من الأصنام؛ أي: لا تكن في شك في أن ما يعبدونه من الأصنام غير نافع ولا ضار، ولا تأثير له في شيء أو لا تكن في شك في بطلان عبادتهم لها، أو لا تكن في شك من سوء عاقبتهم، وكن على يقين في أنها ضلال سيء العاقبة. وهذا النهي له ﷺ هو تعريض لغيره ممن يداخله شيء من الشك، فإنه ﷺ لا يشك في ذلك أبدًا. وكأنه قيل: لم لا أكون في شك؛ فأُحبيب لأنهم ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا﴾ كان ﴿يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: إن معبودات هؤلاء كمعبودات آبائهم من قبل، في أنها لا تنفع ولا تضر، أو إن عبادتَهم لها كعبادةِ آبائهم من قبل في أنها ضلال باطلٌ؛ أي: فحالهم كحال آبائهم من غير تفاوت،
стр. 5744
فهم على الباطل، والتقليد لا على الحق والتحقيق.
وفيه (١): إشارةٌ على أنَّ أهلَ الفترة الذينَ عَبَدوا الأصنامَ من أهل النار، فإن الذَّم ينادي على ذلك. والمعنى (٢): أنهم سواء في الشرك بالله، وعبادة غيره، فلا يكن في صدرك حرج مما تراه من قومك فهم كمن قبلهم من طوائف الشرك، وجاء بالمضارع في ﴿كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾ لحكاية الحال الماضية.
والخلاصة (٣): أي إذا كَانَ أمر الأمم المشركة الظالمة في الدنيا ثم في الآخرة كما قصصناه عليك، فلا تكن في أدنى ريب مما يعبد قومك هؤلاء في عاقبته بمقتضى تلك السنن التي لا تبديلَ لها. وفي ذلك تسلية له ﷺ ، ووعيد لقومه كما لا يخفى. ثم بيَّن حالَهم في عبادتهم وجزاءهم عليها فقال: ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: لأنهم أشبهوا آباءَهم في الجهل والتقليد، فهم مقلدون لهم ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، وتوفية الشيءِ تأديته، وإعطاؤه على وجه التمام والضمير لهؤلاء الكفرة؛ أي: لمعطوهم حظهم المتعين لهم من العذاب الدنيوي والأخروي كما وفينا آباءهم أنصباءَهم المقدرةَ لهم حسب جرائمهم، فسيلحقهم مثل ما لَحَقَ بآبائهم، فإن التماثل في الأسباب يقتضي التماثل في المسببات، فإن قيل: لا سبب عندنا إلا الله. قلنا: يكفينا السببية العادية، وهو ما يفضي إلى الشيء بحسب جريان العادة. وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ حال مؤكدة من النصيب؛ لأنَّ التوفية تَقتضِي التكميلَ كقوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾. وفائدته مع دفع توهم التجوز: تقرير ذي الحال؛ أي: جعله مقررًا ثَابِتًا لا يظن أنه غيره؛ لأن التوفيةَ لا تستلزم عدمَ النقص، فقد يجوز أن يُوفَّى، وهو ناقص، كما يجوز أن يوفَّى وهو كامل. وفي الآية ذَمٌّ للتقليد، وهو قبولُ قول الغير بلا دليل. وقيل: المعنى (٤): وإنا لمعطوهم نصيبَهم من جزاءِ أعمالهم في الدنيا وافيًا تامًّا لا ينقص منه شيء، كما وفينا آباءهم الأولين من قبل، فأعمال الخير التي
стр. 5745
يعملونها في الدنيا كبر الوالدين، وصلة الأرحام، وإغاثة الملهوف يوفون جزاءَهم عليها بسعة الرزق، وكشف الضر جزاءً تامًّا وافيًا، ولا يجزون عليها في الآخرة، ومثل هذا الجزاء متاعٌ عاجل لا يلبث أن يزولَ. وقرأ (١) الجمهور: ﴿لموفُّوهم﴾ مشددًا من وفى، وقرأ ابن محيصن مخففًا من (أوفى).
١١٠ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد آتينا وأعطينا موسى بن عمرانَ التوراة، وهو أول كتاب اشتمل على الأحكام والشرائع، وأما ما قبله من الكتب، فإنما كانت مشتملةً على الإيمان باللهِ وتوحيده، ومن ثم قيل لها: صحف، وإطلاق الكتاب عليها مجاز. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾؛ أي: في شأن ذلك الكتاب، وكونه من عند الله، فآمن به قوم من بني إسرائيل، وكفَرَ آخرون، كما اختلف قومكَ في القرآن، فلا تبال يا محمَّد باختلافهم فيما آتيناك من القرآن، ولا تحزَنَ عليه، واصبر على تكذيبهم كما صَبَر موسى على تكذيب قومه، فإنَّ ما وقع لك فقد وقع لمن قبلك، ففيه تسلية له ﷺ . ولمَّا قَسَم النبي ﷺ غَنَائم حنين، وأطال بعض المنافقين الكلامَ في أنه لم يعدل في القسمة، قال النبي ﷺ : "من يَعْدِل إذَا لم يَعْدِل الله ورسولُه، رحمة الله على أخي موسى، لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر"، يعني أنَّ موسَى أصابه الأذى الكثير من جهة قومه، فصَبَر على أذاهم، فلم يجزَع فأنا أحق بالصبر منه؛ لأنَّ الجمعية الكمالية في ذاته ﷺ أتم فحَظُّه من النفحات الإلهية والأخلاق الحميدة الربانية أكثرُ وأوفرُ.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: ولولا الحكم الأزليُّ بتأخير العذاب عن أمتك، أو عن قوم موسى إلى يوم القيامَةِ. قال بعضهم: الأظهر أن لا (٢) تقيد بيوم القيامة، فإن أكْثَرَ طغاتهم نَزَلَ بهم العذاب يوم بدر، وفي غيره. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: لأوقع القضاء بين المختلفين من قومك بإنزال العذابِ الذي يستحقه المبطلونَ ليتميزوا به عن المحقينَ.
والكلمة هي كلمة القضاءِ بتأخير العذاب إلى الأجل المسمى، بحسب
стр. 5746
الحكمة الداعية إلى ذلك؛ أي: ولولا ما تقدم من قضاءِ الله بتأخير إهلاك البغاة المثيرين للاختلاف فيه بأهوائهم، وإبقاءِ المعتصمينَ بالوحدةَ والاتفاق على هِدَايَتِه لأهلكهم كما أَهْلَكَ الذينَ ردوا دعوة الرسل جحودًا وعنادًا، وهذا من جملة التسلية له ﷺ . ثمَّ وَصَفَهم بأنهم في شك من الكتاب فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: وإنَّ المكذبينَ بالكتاب من كفار قومك، أو من قوم موسى ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ عظيم ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من القرآن إن حمل على قوم محمَّد ﷺ ، أو من التوراة إن حمل على قوم موسى ﵇ ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: موقع في الريب، والاضطراب، فلا يدرون أحقٌّ هو أم باطلٌ؛ لأنهم (١) إذا نظروا لآبائهم، وما كانوا عليه قالوا: لو كانَ ما هم عليه ضلالًا ما اجتَمَعوا عليه، وإذا نظروا إلى النبي ﷺ ومعجزاته الظاهرة؛ قالوا: إنه لحق، وما جاء به صدق، فهم في شك، ولا شك أنه كفر، وكل هذا ناشىءٌ من الطبع على قلوبهم، وإلا فالحق ظاهرٌ لمن تدبَّره، اهـ "صاوي". وجاء في معنى الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. والذين أورثوا الكتاب بعد مَن تَقدَّم ذكرهم من الأنبياء هم اليهود والنصارى، وقد عَرَض لهم من الشك والرَّيب في كتبهم ما لم يكُن في عهد سَلَفِهم؛ إذ أنَّ التوراةَ التي كتبها موسى ﵇، قد فقدت في إحراق البابليين لهيكل سليمان، والنصارى كانوا أشدَّ اختلافًا في كتبهم ومذاهبهم.
١١١ - ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ من المختلفينَ في الكتاب المؤمنينَ منهم، والكافرين ﴿لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (اللام) (٢) الأولى موطئة للقسم، والثانية للتأكيد أو بالعكس، و (ما) مزيدة للفصل بين اللامين؛ أي: وإن (٣) كلًّا من المختلفين فيه، والله ليعطينَهم ويؤدِّينَهم ربك يا محمَّد أَجْزِيَة أعمالهم تامًّا وافيًا كاملًا إن خَيرًا فخَيْرٌ، وإن شرًّا فشر إذ لا يَخْفَى عليه شيء منها. أو المعنى: وإنَّ جميعَهم، والله ليوفينهم ربك جزاءَ أعمالهم، قالوا: وأحسن ما قيل: إن أصلَ لمَّا لمًّا بالتنوين
стр. 5747
بمعنى جميعًا، نظير قوله تعالى: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ فيكون توكيدًا لـ (كُلًّا)؛ أي: وإن كلًّا جميعًا من الخلائق، والله ليعطينَّهم ربك جزاء أعمالهم، ﴿إنه﴾؛ أي: إن ربك ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بما يعمل كل فرد من المختلفين من الخير أو الشر ﴿خَبِيرٍ﴾؛ أي: عالم بحيث لا يخفى عليه شيء من جلائله ودقائقه، فيجازي كلًّا بحسب عمله، وتوفية جزاءِ الطاعاتِ وعدٌ عظيمٌ، وتوفيةُ جزاء المعاصي وعَيدٍ عظيمٌ، والجملة تعليل لما قبلها، فعلى العاقلِ أن ينتبهَ من الغفلة، ويجانبَ ما يخالفَ أمر الله تعالى، فإن الله لا يفوته منه شيء. وقرأ (١) الحرمِيَّان نافع وابن كثير، وأبو بكر: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ بتخفيف النون ساكنة. وقرأ الباقون بتشديد: (إنَّ). وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد هنا وفي يس والطارق. وأجمعت السبعة على نصب (كُلًّا). فَتُصوَّر في قراءتهم أربع قراءات:
إحداها: تخفيفُ (إنْ) وتخفيف (لمَا) وهي قراءة الحرميان.
والثانية: تشديدهما، وهي قراءة ابن عامر وحمزة وحفص.
والثالثة: تخفيف (إن) وتشديد لمَّا، وهي قراءة أبي بكر.
والرابعة: تشديد (إنَّ) وتخفيف لما، وهي قراءة الكسائي وأبي عمرو.
وقرأ أبيٌّ والحسن بخلاف عنه، وأبان بن تغلب، و ﴿إنْ﴾ بالتخفيف ﴿كل﴾ بالرفع ﴿لمَّا﴾ مشددًا. وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم: ﴿وَإِن كلًّا لمَّا﴾ بتشديد الميم وتنوينها ولم يتعرضوا لتخفيف (إنْ) ولا تشديدها. وقال أبو حاتم الذي في مصحف أبي: ﴿وإن مِنْ كُلَّ إِلَّا لَيُوفِيَّنَهم﴾. وقرأ الأعمش: ﴿وإنْ كلُّ إلا﴾ وهو حرف ابن مسعود. فهذه أربعة وجوه في الشاذ.
١١٢ - ثم أمر سبحانه رسوله ﷺ بكلمة جامعة لأنواع الطاعة له سبحانه فقال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها في العقائد والأعمال
стр. 5748
والأخلاق، فإنَّ الاستقامةَ في العقائد اجتناب التشبيه، والتعطيل، وفي الأعمال الاحتراز عن الزيادة، والنقصان، وفي الأخلاق التباعد عن طرفي الإفراط والتفريط، وهذا في غاية العسر؛ أي؛ إذا تبين عندك يا محمَّد أحوال القرون الأولى، وأن إخوانَك الأَنبياء، ومؤمنيهم تحملوا من قومهم الأذى، وصبروا، واستقاموا على طريقتهم المثلى إلى أن يأتِيَ أمر الله تعالى، فأقولُ لك دُم أنت أيضًا على الاستقامة على التوحيد، والدعوة إليه كما أمركَ اللَّهُ تعالى فيَدْخُلْ في ذِلك جميع ما أمره به، وجميع ما نهاه عنه؛ لأنه قد أَمَره بِتَجَنُّبِ ما نهاه عنه كما أَمَره بفعل ما تعبّده بفعله، وأمته أسوة في ذلك. ولهذا قال: ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾؛ أي: رَجَعَ من الكفر إلى الإِسلام، وشاركَكَ في الإيمان, وهو معطوف على الضمير في ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ لأنَّ الفَصَل بين المعطوف والضمير المرفوع المعطوف عليه يقوم مقامَ التأكيد؛ أي: وليستَقِمْ مَنْ تاب معك. ومَا أعظمَ مَوْقِعَ هذه الآية، وأشدَّ أمرها، فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس المطهَّرةُ والذواتُ المقَدَّسة. ولهذا يقول المصطفى ﷺ : "شيبتنِي هود"؛ أي (١): ومَنْ تاب من الشرك، والكفر، وشارَكَك في الإيمان, هو المعني بالمعية، وإلا فليس لهم مصاحبة له في التوبة عما ذكر؛ إذ الأنبياء مَعْصُومون عن الكفر، وكذا عن تعمد الكبائر قبل الوحي، وبعده بالإجماع. ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾؛ أي: ولا تَنْحَرِفوا عما حدَّ لكم بإفراط، وتفريط، فإنَّ كِلاَ طرفي قصد الأمور ذميم، وإنما سمِّي ذلك طغيانًا، وهو تجاوز الحد، تغليظًا أو تغليبًا لحال سائر المؤمنين على حاله ﷺ . والطغيان (٢) مجاوزة الحد. ولَمَّا أمَرَ الله سبحانه بالاستقامة المذكورة بَيَّن أن الغلوَّ في العبادة، والإفراطَ في الطاعة، على وجه تخْرج به عن الحد الذي حدَّه، والمقدار الذي قدَّره ممنوع منه منهي عنه، وذلك كمن يصوم ولا يفطر، ويقوم الليل ولا ينام، ويترك الحلالَ الذي أَذِنَ الله به، ورغَّب فيه. ولهذا يقول الصادق المصدوق فيما صح عنه: "أمَّا أَنَا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأنكح النساءَ فمَن رَغِبَ عن سنتي فليس مني". والخطاب للنبيّ ﷺ ، ولأمته تغليبًا لحالهم على
стр. 5749
حاله، أو النهي عن الطغيان خاص بالأمة. ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: عالم بأعمالكم لا يخفَى عليه شيء منها، فيجازِيكم على ذلك، فاتقوه في المحافظة على حدوده، وهو في معنى التعليل للأمر والنهي السابقين في الآية. وقرأ الحسن والأعمش: ﴿بما يعملون﴾ بالياء على الغيبة، ورُويت عن عيسى الثقفي.
وحاصل معنى الآية (١): أي فالزم الصراطَ المستقيمَ الذي لا عوج فيه، واثبت عليه، وكذلك فليستقم من تاب من الشرك وآمن معك، ولا تنحرفوا عما رُسِمَ لكم بتجاوز حدوده غلوًا في الدين، فإن الإفراط فيه كالتفريط، كلاهما زيغ عن الصراط المستقيم.
وفي هذا إيماء إلى وجوب اتباع النصوص في الأمور الدينية من عقائد، وعبادات، واجتناب الرأي، وبطلان التقليد فيها، وإيضاح هذا أنَّ تحكيمَ العقل البشري في الخوض في ذات الله وصفاته، وفيما دون ذَلك من عَالَم الغيب كالملائكة، والعرش، والجنة، والنار تجاوز لحدوده، فإن أكبرَ العلماء والفلاسفة عقولًا عجزوا إلى اليوم عن معرفة كنه أنفسهم، وأنفس ما دونَهم من المخلوقات صغيرها وكبيرها، حتى الحشرات منها كالنحل والنمل، فأنَّى لهم أن يعرفوا كنهَ ذات الله تعالى وصفاته، أو معرفة حقيقة ملائكته وغيرهم من جند الله تعالى.
ولما خرج متأخروا الأمة عن هدي سلفهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان زَاغُوا فكانوا ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾. فسَقَطَ بعضهم في خيال التشبيه، وبعضهم في خيال التعطيل، ولو كانوا قد نهجوا نهج السابقين، لتجنبوا أسباب الخلاف والتفرق في الدين الذي أوعد الله أهله بالعذاب العظيم، وبرأ رسولَه منهم.
والواجب التزام كتاب الله تعالى، وما فسرته به سنة رسوله ﷺ من
стр. 5750
العباداتِ العمليةِ والمعاملات على النحو الذي بينه الكتاب، والسنة على السنن القويم، دونَ تأويل، ولا تخريجٍ لهما على غير ما يفْهَم مِن ظاهرهما. أَما الاختلاف فيما عدا ذلك من أمور القضاء والسياسة، وأمور المعاش من زراعات وتجارات، فهو أمر طبيعي لا يمكن الغنَى عنه، فلولاه لما تقدمت شؤون الحياة، ولَمَا حصل التنافس لدى أرباب المهن، والصناعاتِ، ولما جد كل يوم بدع جديد، ولكان الناس دائمًا على الفطرة الأولى، وأنَّى لعقل الإنسان أن يستمرَّ على حال واحدة، وقد أُوتيَ الخلافَةَ في الأرض، وحسْنَ استعمارها، وبهذا وحدَه فَضَلَ الملائكة، ولله في خلقه شؤون. وقد بيَّن سبحانه لنا المخرجَ إذا حَدث بيننا الخلاف في الدين فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآيةَ. وقد فسر ذلك النبي ﷺ بقوله لمعاذ بن جبل حين ولاه القضاء في اليمن: "بمَ تقضي؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: فبسنة رسوله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي، فأقره على ذلك. وهذا هو الاستقامة في الدين التي بها يرقى المرء إلى أعلى عليين. وقد حث الله رسوله عليها في هذه الآية وحَث موسَى وهارونَ عليها، فقال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾. ومَدَح من اتَّصَفوا بها، ووعدهم بالخير والفلاح في الآخرة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾. وروى مسلم عن سفيان الثقفي قال: قلتُ: يا رسول الله قل لي في الإِسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قل: آمنت بالله ثم استقم".
﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: بصير بعملكم، ومحيط به، فيجزيكم به، فاتقوه أن يَطَّلع عليكم، وأنتم عاملون بخلاف أمره. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾.
١١٣ - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾؛ أي: ولا تميلوا أدنى ميل؛ لأن الركونَ هو الميل اليسير,
стр. 5751
والخطاب لرسول الله ﷺ ومَنْ مَعَه ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: إلى الذين وُجد منهم الظلم بالجملة ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ بسبب ذلك ﴿النَّارُ﴾ الأخروية، وإذا كان الركونُ إلى من صدر منهم ظلم مرة في الإفضاء إلى مساس النار هكذا فما ظنك بالركون إلى من صدر منهم الظلم مرارًا، ورسخوا فيه، ثمَّ بالميل إليهم كلَّ الميل ﴿وَمَا لَكُمْ﴾، والحال: أن ما لكم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: من أنصار ينقذونكم من النار، على أن يكونَ مقابلة الجمع بالجمع بطريق انقسام الآحاد على الآحاد، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾؛ أي: وأنتم على هذه الحالة، وهي انتفاء ناصركم. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ جملة فعلية معطوفة على الاسمية قبلها، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد نصرة الله تعالى إياهم مع استحقاقهم العذابَ بسبب ركونهم؛ أي: ثم لا ينصركم الله، ولا ينقذكم منها إذ سَبَقَ في حكمه أن يُعَذِّبكم، ولا يُبقي عليكم. وقرأ الجمهور: ﴿تركنوا﴾ بفتح الكاف، والماضي رَكِنَ بكسرها، وهي لغة قريش.
وقال الأزهري: هي اللغة الفصحى. وعن أبي عَمرو بكسر التاء على لغة تميم في مضارع علم غير الياء. وقرأ قتادة، وطلحة، والأشهب، ورويت عن أبي عمرو: ﴿تَرْكُنوا﴾ بضم الكاف مضارع رَكَن بفتحها، وهي لغة قيس، وتميم. وقال الكسائي: وأهلُ نجد، وشذَّ "يَرْكنُ" بفتح الكاف مضارع، رَكَن بفتحها. وقرأ ابن أبي عَبْلَة: ﴿ولا تُرْكَنوا﴾ مبنيًّا للمفعول من أركنه إذا أَمالَه. وقرأ ابن وثاب، وعلقمة والأعمش، وابن مصرف، وحمزة، فيما روي عنه: ﴿فتمسَّكم﴾ بكسر التاء على لغة تميم، ذكره أبو حيان. وقرأت العامة: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ بإثبات نون الرفع. وقرأ زيد بن علي، وعائشة بحذف نون الرفع عطفًا على (تمسكم) ذكره في "الجمل"؛ ومعنى الآية: أي: لا تستندوا إلى الذين ظلموا من قومكم المشركين، ولا من غَيرهم فَتَجْعَلُوهم رُكنًا لكم تعتمدون عليه، فتقروهم على ظلمهم، وتوالوهم في شؤونكم الحربية، وأعمالكم الدينية، فإن الظالمينَ بعضهم أولياء بعض.
стр. 5752
وخلاصة ذلك: لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا كأنكم رضيتم عن أعمالهم، فإن فَعَلتم ذلك أصابتكم النار، التي هي جزاء الظالمين بسبب ركونكم إليهم، والاعتزاز بهم، والاعتماد عليهم، والركون إلى الظلم وأهله ظلم، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وليس لكم في هذه الحال التي تركنون فيها إليهم غير الله وليًّا ينقذكم، ويخلصكم من عذابه، ثم لا تنصرون؛ أي: لا ينصركم الله؛ لأن الذينَ يركنون إلى الظالمينَ يكونون منهم، وهو لا ينصر الظالمين، كما قال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ بل تكون عاقبتكم الحرمانَ مما وعد الله رسله، ومن ينصره من المؤمنين.
والخلاصة: أن الركونَ إلى الظالمينَ المنهي عنه، هو: الاعتماد على أعداء المؤمنين الذين يفتنونهم، ويصدونهم عن دينهم، ويؤيده ما روي عن ابن عباس ﵄، أنه فسر الظلمَ هنا بالشرك، و ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالمشركين. وقيل: إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم، ولو فرضنا أن سَبَبَ النزول هم المشركون، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ومن ابتلي بمخالطة الظلمة فليزن أَقْوالَهم وأفعالهم بميزان الشرع، فإنْ زاغوا عن ذلك فعلى أنفسهم قد جنوا، وطاعتهم واجبة على كل مَنْ دَخَل تحت أمرهم، ونهيهم في كل ما يأمرون به ما لم يكن في معصية الله. فمن أمروه أن يدخُل في شيء من الأعمال التي وَلَّوْهُ كالمناصب الدينية ونحوها فَلْيَدْخُل فيه إذا وثق من نفسه القدرةَ على القيام به، إلى أنه يجب الأخذ على أيدي الظالمين عامةً، وعلى أئمة الجَور والأمراء خاصةً، ويجب تغيير المنكر أولًا باليد، فإن لم يستطع ذلك فباللسان، وإلا فبالقلب وذلك أضعف الإيمان.
روى الإِمام أحمد، وأصحاب السنن, عن أبي بكر ﵁، أنه قَامَ فحمد الله، وأثنى عليه ثمَّ قال: أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ حتى أتى على آخر الآية، ألا وإن الناسَ إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك الله أن يعمهم بعقابه، أَلاَ وإني سمعت رَسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكَر بينهم، فلم ينكروه يوشِكَ أن
стр. 5753
يعمَّهم اللَّهُ بعقابه".
وفي الآية (١) أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم، والتهديد عليه، والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية ويرون ما فيها، ثم لا يرتَدِعُونَ عن الظلم والميل إلى أهله، ولا يتدبرون أنهم مؤاخَذون غير منصورين.
وفي الحديث: "إياكم والظلمَ فإنه يخرِّب قلوبَكم". وفي تخريب القلب تخريب سائر الجسد، فالظالم يظلم على نفسه، حيث يخرب أعضاءه الظاهرة، والباطنة، وعلى الله حيث يخرب بنيانَ الله، ويغيِّرُه ويفسده، ولأنه إذا ظَلَمَ غيره، وآذاه، فقد ظَلَمَ على الله ورسوله وآذاه. والدليل عليه قوله ﷺ : "أَنا من الله، والمؤمنون مِنّي، فَمَنْ آذى مؤمنًا، فقد آذاني، ومَنْ آذاني فقد أَذَى الله تعالى".
ودَخَل في الركون إلى الظالمينَ المداهنة والرضى بأقوالهم، وأعمالهم، ومحبة مصاحبتهم، ومعاشرتهم، ومد العَين إلى زهرتهم الفانية، وغبطتهم فيما أوتوا من القطوف الدانية، والدعاءِ لهم بالبقاء، وتعظيمُ ذِكرهم، وإصلاح دواتهم، وقلمهم، ودفعُ القلم أو الكاغد إلى أيديهم، والمشي خلفَهم، والتزيي بزيهم، والتَّشبهُ بهم وخياطة ثيابهم وحَلق رؤوسهم.
وقد امتنع بعض السلف عن رَدِّ جواب الظلمة في السلام، وقد سئل سفيان الثوري عن ظالم أَشْرَفَ على الهلاك في بريه، هل يُسقَى شربةَ ماء؟ فقال: لا، فقيل له: يموتُ، فقال: دعه فإنه إعانة للظالم. وقال غيره: يسقى إلى أنْ يثوبَ إلى نفسه، ثم يعرِض عنه.
وفي الحديث: "العلماء أُمناء الرسل على عباد الله، مَا لَمْ يُخَالِطُوا السلطانَ، فإذا فعلوا ذَلك فقد خانوا الرسل، فاحذروهم، واعتزلوهم"، فإذا علمتَ هذا، فاعلم أنَّ الواجب عليك: أن تَعْتَزلَ عنهم بحيث لا تراهم، ولا يرونك إذ لا سلامة إلا فيه، وأن لا تفتشَ عن أمورهم، ولا تتقرب إلى من هو
стр. 5754
من حاشيتهم، ومتصل بهم من إمامهم، ومؤذنهم فضلًا عن غيرهم، من عمالهم وخدمهم، ولا تتأسفَ على ما يفوتُ بسبب مفارقتهم، وترك مصاحبتهم، واذكر كثيرًا قولَ رسول الله ﷺ : "إذَا قرأ الرجل القرآنَ، وتفقه في الدين، ثم أتى بابَ السلطان تملقًا إليه، وطمعًا لما في يديه خَاضَ بقدرِ خطاه في نار جهنم". والحديث كأنه مأخوذ من الآية، فهما متطابقان معنًى كما لا يخفَى.
ورُوي: أن الله أوحى إلى يوشع بن نون أني مهلِك من قومك أربعينَ ألفًا من خيارهم، وستين ألفًا من شرارهم، فقال: ما بال الأخيار؟ فقال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، فكانوا يؤاكلونهم، ويشاربونهم. وبهذا تبيَّن أن بُغْضَ الظَّلمةِ والغضبَ عليهم لله واجب، وإنما ظَهَرَ الفساد في الرعايا، وجميع أقطار الأرض، برًّا وبحرًا بفساد الملوك، وذلك بفساد العلماء أوَّلًا إذ لولا قُضاةُ السوء وعُلماءُ السوءِ لقل فساد الملوك، بل لو اتفقَ العلماء في كل عصر على الحق، ومنع الظلم، مجتهدينَ في ذلك، مستفرغين مجهودَهم، لما اجترأ الملوك على الفسادِ، ولاضمحل الظلم من بينهم رأسًا وبالكلية.
ومن ثمَّ قال النبي ﷺ : "لا تزالُ هذه الأمة تحت يد الله وكنفه، ما لم يمالِىء قراؤها أمراءها".
وإنما ذَكَر القراء؛ لأنهم كانُوا هم العلماء، ومَا كَانَ علمهم إلا بالقرآن، ومعانيهم إلا بالسنة، وما وراء ذلك من العلوم، إنما أحدثت بعدهم كذا في "بحر العلوم" للشيخ عليٍّ السمرقندي رحمه الله تعالى.
وذكَرَ في "الإحياء": أنَّ من دخلَ على السلطان بلا دعوة، كان جاهلًا، ومن دعِيَ فلم يجِبْ كَانَ أَهْلَ بدعة.
وتحقيق المقام: أنَّ الركونَ في الآية أسند إلى المخاطبين، والمخالطة، وإتيان الباب، والممالأة إلى العلماء والقراء، فكل منها إنما يكون مذمومًا إذا كان من قبل العلماء، وأمَّا إذا كان من جانب السلاطين والأمراء بِأنْ يكونوا مجبورينَ في ذلك مطالَبينَ بالاختلاط لأجل الانتفاع الديني .. فلا بَأسَ حينئذٍ بالمخالطة, لأنَّ المجبورَ المطالبَ مؤيد من عند الله تعالى، خَال عن الأغراض
стр. 5755
النفسانية بِخِلافِ ما إذا كان مقارنًا بالأغراض النفسانية، فيكون موكولًا إلى نفسه فتختطفه الشياطين، نعوذ بالله من سخطه وغضبه.
١١٤ - ولما ذكر الله الاستقامةَ خَصَّ من أنواعها: إقامَةَ الصلاة لكونها رَأْسَ الإيمان وعمادَه، فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ يا محمَّد أنت وأمتك؛ أي: أدِّها على الوجه القويم، وأَدِمْهَا ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾؛ أي: في طرفي النهار من كل يوم؛ أي: غدوة وعشية، فالصبح في الغدوة، والظهر والعصر في العشية، وانتصابه على الظرفية، لكونه مضافًا إلى الوقت، فيعْطَى حكم المضاف إليه، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: وفي ساعات من الليل قريبة من النهار، وهي المغرب والعشاء، وانتصابه أيضًا على الظرفية، لعطفه على طرفي النهار، وهيَ الساعات القريبة من النهار، من أزلفه إذا قربه، جمع زلفة كغرف جمع غرفة.
والمراد بصلاة الغدوة، صلاة الصبح، وبصلاة العشية الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي، وبصلاة الزلف المغرب والعشاء.
وفيه دلالة بينة على إطلاق لفظ الجمع، وهو الزلف على الاثنين. فالآية مشتملة على الصلوات الخمس، ونظيرها قوله تعالى في سورة ق: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ أي بصلاة الصبح. ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾؛ أي: بصلاة العصر، والظهر، فالعصر أصل في ذلك الوقت، والظهر تَبَعٌ لها. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: في بعض أوقاته ﴿فَسَبِّحْهُ﴾؛ أي: بصلاتي المغرب والعشاء.
وفسَّر بعضُهم طرفي النهار بالصبح والمغرب، ورجَّحه ابن جرير، وزُلَفَ الليل بالعشاء والتهجد. فإنه كان واجبًا عليه فيوافق قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾.
ثم بيَّن فائدةَ الأمر السابق وحكمتَه فقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾؛ أي: إنَّ الأعمالَ الحسنة على الإطلاق، لا سيما الصلوات الخمس ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي: يكفِّرن الصغائر، ويذهبن المؤاخذة بها, لِمَا فيها من تزكية النفس وإصلاحها، فتمحو منها تأثير الأعمال السيئة في النفس، وإفْسَادَها لها, لا أنها تذهب السيئات نفسها؛ إذ هي قد وجدت بل مَا كانَ يترتب عليها من المؤاخذة
стр. 5756
والمعاتبة.
والمراد بالحسنات (١): ما يعم الأعمالَ الصالحة جميعًا، حتى ما كان منها تركًا لسيئة كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾. وجاء في الحديث الشريف قوله ﷺ : "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، وقوله: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكَفِّراتٌ لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". والمراد بالسيئات الصغائر؛ لأنَّ الكبائرَ لا يكفرها إلا التوبة، بدليل ما رواه مسلم: "الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر". وقرأ (٢) الجمهور: ﴿وزلَفًا﴾ بفتح اللام جمع زلفة كغرفة وغرف. وقرأ طلحة، وعيسى البصرة، وابن أبي إسحاق، وأبو جعفر، وابن القعقاع: ﴿زُلُفًا﴾ بضمها جمع زليف، أو كأنه اسم مفرد. وقرأ ابن محيصن، ومجاهد بإسكان اللام، وروي عنهما: (زَلْفَى) على وزن فعلى على صفة الواحد من المؤنث.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور (٣) من الوصايَا السابقة من الاستقامة والنهي عن الطغيان، والركون إلى الذين ظلموا، وإقامة الصلاة في تلك الأوقات ﴿ذِكْرَى﴾؛ أي: عِظة واعتبار ﴿لِلذَّاكِرِينَ﴾؛ أي: للمتعظين بأوامر الله ونواهيه، فمن امتثلَ إلى أوامر الله تعالى، فاستقامَ وأقامَ .. فقد تحقَّقَ بحقيقة الحال والمقام؛ أي: ذلكَ المذكور موعظة للمتعظين الذين يراقبون الله، ولا ينسونَه، وخصهم بالذكر, لأنهم هم الذين ينتفعونَ بِها.
١١٥ - ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمَّد أنت وأمتك على تحمل مشاق التكاليف أمرًا أو نهيًا من الاستقامة وعدم الطغيان وغيرهما، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: أجر المخلصينَ في أعمالهم الصالحة، فعلًا أو تركًا؛ أي: يوفيهم أجورَهم، ولا يضيع منها شيئًا، فلا يهمله، ولا يبخَسُه بنقص، وإنما عبَّر
стр. 5757
عن ذلك بنفي الإضاعة، مع أنَّ عَدَمَ إعطاء الأجر ليس بإضاعة، حقيقة كيف لا والأعمال غيرُ موجبة للثواب، حتى يلزمَ من تخلفه عنها ضياعها لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يمتنع صدوره منه سبحانه من القبائح، وإبرازًا للإثابة في معرض الأمور الواجبة، وهو تعليل للأمر بالصبر.
وعن أبي بكر الوراق قال: طلبنا أربعةَ أشياءَ سنينَ، فوجدناها في أربعة؛ طلبنا رضَى الله تعالى فوجدْنَاه في طاعته، وطلبنا السعة في المعيشة فوجدناها في صلاة الضحى، وطلبنا سلامة الدين فوجدناها في حفظ اللسان، وطلبنا نور القبر فوجدناه في صلاة الليل، فعلى العاقل السعي في طريق الطاعات، وتنوير القلب بنور العبادات، ذكره صاحبُ "الروح". والمعنى؛ أي (١): ووطن نفسَك على احتمال المشقة في سبيل ما أمرت به وما نهيتَ عنه في هذه الوصايا وفي غيرها، فإن الله لا يضيعْ أجرَ مَن أحسنَ عملًا، بل يوفيه ثوابَ عمله من غير بَخْسٍ له. وفي الآية إيماء إلى أنَّ الصبرَ من باب الإحسان.
فائدة: وقد كانت (٢) عادة القرآن على إجراء أكثر خطابات الأوامر على النبي ﷺ ، فلذلك قالَ: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ ﴿وَاصْبِرْ﴾ وأكثر خطابات النهي على الأمة، فلذلك قال: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ اعتبارًا للأصالة في الاتصاف، والتنزه والاجتناب فافهم.
١١٦ - ولما بيَّن (٣) ما حلَّ بالأمم الماضية من عذاب الاستئصالَ بيَّن هنا أن السَّبَب في ذلك أمران: الأول: عدم وجود مَنْ ينهى عن الفساد، الثاني: عدم رجوعهم عَمَّا هم فيه فقال: ﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ لولا تحضيضية مضمنة معنى النفي، وكان بمعنى وجد؛ أي: فهلا وجد ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾؛ أي: من الأمم المهلكة الكائنة ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال في "القاموس": القرون جمع قرن، والقرنُ مئة
стр. 5758
سنة، وهو أصح الأقوال الجارية في معنى القرن، وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم؛ لأنهم يتقدمونهم، وكلُّ أمة هَلَكَتْ، فلَم يبق منها أحد تُسمَّى قرناء. ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾؛ أي: أصحاب عقل ورأي ودين وفضل. وسُمِّي الفضل والجودةُ بقيةً على أن يكون الهاء للنقل كالذبيحة؛ لأنَّ الرجلَ إنَّما يستبقي مما يكسبه عادة أجودَه، وأفضلَه، فصار مثلًا في الجوْدَةَ والفضل، يقال: فلان من بقية القوم؛ أي: من خيارهم، ومنه ما قيل في المَثل: في الزوايا خبايَا، وفي الرجال بقايَا؛ وإنما قيل: بقية, لأنَّ الشرائعَ والدولَ، ونحوَها، قوتها في أولهَا، ثم لا تزالُ تضعف، فمن ثبت في وقت الضعف .. فهو بقية الصدر الأول. ﴿يَنْهَوْنَ﴾ نعت لأُولي؛ أي: ينهون قومهم المفسدين ﴿عَنِ الْفَسَادِ﴾ الواقع منهم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، ويمنعونهم من ذلكَ لكونهم ممن جمع الله فيهم بينَ جودة العقل وقوة الدين. وفي قوله: ﴿يَنْهَوْنَ﴾ حكاية الحال الماضية، والمراد بالتحضيض في لولا: النفيُ، والاستثناءُ في قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ منقطع، والمعنى: ما كانَ من القرون المهلكة من قبلكم أُولو فضل ودين ينهون عن الفساد في الأرض إلّا قليلًا ممن أنجينا منهم؛ أي: من القرون المهلكة نَهَوا عن الفساد، فنجَوا، وهم أتباع الرسل، وسائرهم تركوا النهيَ، فهلكوا، و (من) في ﴿ممن أنجينا﴾ للبيان لا للتبعيضِ؛ لأنَّ جميعَ الناجينَ ناهُونَ.
قيل: هؤلاء القليلُ: هم قوم يونس لقوله فيما مر: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾. والراجح أنهم أتباع الرسل، وأهل الحق من الأمم على العموم.
والمعنى: فهلا وجد من أولئك الأقوام الذين أهلكناهم بظلمهم وفسادهم في الأرض جماعة أولو عقل ورأي وصلاح ينهونهم عن الفساد في الأرض، باتباع الهوى، والشهوات التي تفسد عليهم أنفسَهم، ومصالِحَهم، فيحولون بينهم، وبين الفساد، ومن سنة اللَّهِ أن لا يهلك قومًا إلا إذا عَمَّ الفساد والظلم أكثرهم.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: ولكنْ كَانَ هناك قليل من الذين أنجيناهم مع رسلهم، منبوذينَ لا يقبل نهيهم وأمرهم مهددينَ مع رسلهم بالإبعاد والأذى. وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ معطوف على مقدر يقتضيه
стр. 5759
الكلام تقديره: إلا قليلًا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد فَنَجَوا، واتبعَ الذين ظلموا أنفسَهم وغيرهم بسبب مباشرتهم الفسادَ، وتركهم النهي عنه، فيكونُ العدول إلى المظهر لإدراج المباشرين معهم في الحكم، والتسجيل عليهم بالظلم، وللإشعار بعلية ذلك، لِمَا حَاقَ بهم من العذاب؛ أي: واتّبَعَ الذين تركوا النهيَ عن المنكرات، ما أنعموا فيه، واستدرجوا به من الشهوات، واشْتَغَلوا بتحصيل الرياسات، وأعرضوا عما وَرَاء ذلك من أمور الآخرة. ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾؛ أي: كافرينَ، فإن سبب استئصال الأمم المهلكة، فشو الظلم، وشُيوعُ ترك النهي عن المنكرات مع الكفر.
والمعنى: أي صاروا تابعينَ للنعم التي صاروا بها مترفينَ منعمين من خصب العيش، ورفاهية الحال، وسعة الرزق، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة، واستغرقوا أعمارَهم في الشهوات النفسانية.
وجملة: ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ معطوفة على: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: اتبعوا شهواتِهم، وكانوا بذلك الاتباعِ مجرمين، وهذا بيان لسبب استئصال الأمم المهلكة، وهو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتباع الشهوات.
وخلاصة ذلك (١): أنَّ العقولَ السليمةَ كافية لفهم ما في دعوة الرسل من الخير والصلاح، لو لم يمنع استعمال هِدَايَتِها الافتتانُ بالترف، والنعيم، بَدَلًا من القصد والاعتدال فيه، وشكر المنعم عليه، وقد هَدَتْ التجارب إلى أنَّ التَّرَفَ هو الباعث على الفسوق والعصيانِ، والظلم والإجرام، ويظهر ذلك بديئًا في الرؤساء والسادة، ومنهم ينتقل إلى الدهماء، والعامَّةِ، فيكون ذلك سببًا في الهلاك بالاستئصال، أو في فقد العزة والاستقلال، وتلك هي سنة الله في خلقه، كما قال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾. وفي الحديث (٢): "إن الله لا يعذب العامةَ بعمل الخاصة، حتى يروا المنكرَ بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروا، فلا ينكرون، فإذا فعلوا ذلكَ
стр. 5760
عذَّب الله العامَّةَ والخاصة"، فكل قوم لم يكن فيهم آمر بالمعروف، وناه عن المنكر، من أرباب الصدق، وهم مجتمعون على الفساد، أو لا يأتمرون بالأمر بالمعروف، ولا ينتهون بالنهي عن المنكر، فإنهم هالكون.
وقرأت فرقة (١): ﴿بَقِية﴾ بتخفيف الياء اسم فاعل من بقي نحو: شجيت فهي شجية. وقرأ أبو جعفر وشيبة: ﴿بُقْية﴾ بضم الباء وسكون القاف، بوزن فعلة. وقرىء: (بَقْيَة) بوزن فَعْلَة للمرة من بقاه يبقيه، إذا رقبه وانتظره. وقرأ زيد بن علي: ﴿إلا قليل﴾ بالرفع لحظ أن التحضيض تضمن النفْيَ فأبدل كما يبدل في صريح النفي. وقرأ جعفر بن محمَّد، والعلاء بن سيابة كذا في كتاب "اللوامح"، وأبو عمرو في رواية الجعفي، ﴿وأتبعوا﴾ ساكنة التاء مبنيةً للمفعول على حذف مضاف؛ لأنه مما يتعدَّى إلى مفعولين؛ أي: جزاء ما أترفوا فيه.
١١٧ - ثم بَيَّن ما يحول بين الأمم وإهلاكها فقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ يا محمَّد ﴿لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ (اللام) لام الجحود عند البصريين، وينتصب الفعل بَعْدَهَا بإضمار أن، وهي متعلقة بخبر كانَ المحذوف؛ أي: مريدًا لإهلاك أهل القرى. وقال الكوفيون: ﴿يهلك﴾ خبرُ كَانَ زيدت اللام دلالةً على التأكيد. ﴿بِظُلْمٍ﴾ حال من الفاعل؛ أي: ظالمًا لها بغير ذنب، واستحقاق للهلاك، بل استحَالَ ذلك في الحكمة. ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾؛ أي: غير ظالمينَ، حال من المفعول، والمراد تنزيه الله تعالى عن الظلم بالكلية، بتصويره بصورة مَا يستحيل صدوره عنه تعالى، وإلا فلا ظُلْمَ فيما فَعَلَ الله بعباده، كائنًا مَا كَانَ.
والمعنى: وما كان الله مريدًا لإهلاك أهل القرى حالةَ كونه ظَالِمًا لها بغير ذنب، ولا استحقاق إهلاك، حَالَةَ كون أهلها غيرَ ظالمين. وقيل قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ متعلق بالفعل المتقدم، والمراد به الشرك.
والمعنى: أي ما صح (٢)، ولا استقام أن يهلك الله أَهلَ القرى بظلم وشرك يتلبسون به، والحال أن أهلها مصلحون فيما بينهم في تعاطي
стр. 5761
الحقوق، لا يظلمون الناسَ شيئًا، والمعنى: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك وحده، حتى ينضم إليه الفساد في الأرض كما أهلكَ قوم شعيب بنقص المكيال والميزان, وبخس الناس أشياءهم، وأهلك قَوْم لوط بسبب ارتكابهم للفاحشة الشنعاء، وإنما لم يهلكهم بشركهم؛ لأن مكافَأَةَ الشرك النار لا ما دونَها.
قال بعضهم: الملك يبقى مع الشرك، ولا يبقَى مع الظلم. وقيل: المعنى: وما كان ليهلكهم بِذُنُوبِهم، وهم مصلحون؛ أي: مخلصون في الإيمان.
وحاصل معنى الآية: أي (١) أنه تعالى ليس من سنته أن يهلك القرى بشرك أهلها ما داموا مصلحينَ في أعمالهم الاجتماعية، والعمرانية، والمدنية، فلا يبخسون النَّاسَ حقوقهم، كما فعل قوم شعيب، ولا يَبْطِشُون بالناس بطشَ الجبارين، كقوم هود، ولا يذلون لمتكبر جبار، كقوم فرعون؛ ولا يرتكبون الفواحشَ، ويقطعونَ السبيلَ، ويأتون في ناديهم المنكرَ، كقوم لوط بل لا بد أن يضموا إلى الشرك الإفسادَ في الأعمال؛ والأحكام، ويفعلوا الظلمَ المدمر للعمران، ومن ثمَّ قالوا: الأمم تبقَى مع الكفر, ولا تبقَى مع الظلم والجَور. ويؤيد هذا ما أخرجه الطبراني، والديلميُّ، وابن مردويه عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأَل عن تفسير هذه الآية فقال: "وأهلها ينصف بعضهم بَعْضًا".
١١٨ - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ يا محمَّد، جعلَ الناس أمةً واحدةً ﴿لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: أهل (٢) دين واحد، إما أهلَ ضلالة، أو أهل هُدًى. وقيل معناه: جَعَلَهم مجتمعينَ على الحق، غير مختلفينَ فيه، أو مجتمعينَ على دينِ الإسلام دونَ سائِر الأديان، بحيث لا يكاد يختلف فيه أحد كما كانوا قبل الاختلاف. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ ولكنه لم يَشَأْ ذَلِكَ.
أي: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ أيها الرسول (٣) الكريم الشديد الحرص على إيمان
стр. 5762
قومك، الحزين من أجل إعراض أكثرهم عن إجابة دَعوتك، واتباع هديك ﴿لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: على دين واحد، بمقتضَى الغريزة والفطرة، لا اختيار لهم فيما يفعلون، فكانوا في حياتهم الاجتماعية، أشبَه بالنمل والنحل، وفي حياتهم الروحية أشبَه بالملائكة، مفطورينَ على طاعة الله، واعتقاد الحق، وعدم الميل إلى الزيغ والجور، لكنه تعالى خلَقهم كاسبِين، لا ملهمين، وعاملين بالاختيار لا مَجْبورين، ولا مضطرينَ وجعلهم متفاوتين في الاستعداد، وكسب العلم، وكانوا في أطْوَارِهم الأولى لا اختلافَ بينهم. ثم لما كثرت وتنوعت حَاجَاتهم، وكثرت مطالبهم، ظَهَرَ فيهم الاستعدادُ للاختلاف، ولكنه لم يشأْ ذلك، ولذلك قال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في ذات بينهم على أديان شتَّى أو لا يزالونَ مختلفينَ في الحق، أو دين الإِسلام.
فقد اختلف أهله فيه اختلافًا كثيرًا. فعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنين وسبعينَ فرقةً، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة". المراد بهذه الفرق، أهل البدع، والأهواء كالخوارج، والقدرية، والرافضةِ والمعتزلة، والمرادُ بالفرقة الواحدة: أهل السنة والجماعة، اهـ "خازن". أو لا يزالونَ مُخْتَلِفينَ في الرزق، فهذا غني، وهذا فقير، أو لا يزالون مختلفينَ في شؤونهم الدنيوية، والدينية بحسب استعدادهم الفطري،
١١٩ - ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ بالهداية إلى الدين الحق، فإنهم لم يختلفوا، أو إلا مَنْ رحم ربك من المختلفين في الحق، أو دين الإِسلام بهدايته إلى الصواب الذي هو حكم الله تعالى، وهو الحق الذي لا حقَّ غيره، أو إلا مَنْ رحم ربك بالقناعة. والأولى تفسير: ﴿لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ بالمجتمعةِ على الحق، وحكم كتابه فيهم، وهو الذي عليه مدار جمع كلمة الأمة، ووحدتها، حتى يكون معنى الاستثناء في ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ واضحًا غير محتاج إلى تَكَلُّفٍ.
﴿وَلِذَلِكَ﴾؛ أي: ولمشيئته تعالى فيهم الاختلافَ والتفرقَ في علومهم، ومعارفهم، وآرائهم، وما يتبع ذلك من الإرادة والاختيار في الأعمال ﴿خَلَقَهُمْ﴾؛ أي: خَلَقَ الناسَ كافَّةً، وبهذا كانوا خلفاء في الأرض، ومن ذلك اختلافهم في
стр. 5763
الدين والإيمان, والطاعة والعصيان، وبذا كانوا مَظْهرًا لأسرار خلقه الروحية، والجسدية، أو المادية، والمعنوية، فإنه جعل مصيرَ أهل الباطل إلى النار، ومصيرَ أهل الحق إلى الجنَّة. وقال ابن عباس: خَلَقهم في فَرِيقَيْنِ فريق يرحم فلا يختلف، وفريق لا يرحم فيختلفُ، فذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
والخلاصة (١): أن الناس فريقان: فريق اتفقوا في الدين، فجعلوا كتابَ الله حَكَمًا بينهم فيما اختلفوا فيه، فاجتمعت كلمتهم، وكانت أمة وَاحِدَةً فرحمهم الله تعالى، ووقاهم شرَّ الاختلاف في الدنيا، وعذابَ الآخرة. وفريق اختلفوا في الدين كما اختلفوا في منافع الدنيا، فكان بأسهم بَيْنَهم شديدًا، فذاقوا عقابَ الاختلاف في الدنيا، وأعقبه جزاؤهم في الآخرة، فحُرموا من رحمة الله بظلمهم لأنفسهم لا بظلم منه تعالى لهم.
فإن قلت: يعارض ما هنا أعني قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قولَه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾.
قلت: لا معارضة بَينَهما, لأنَّ ما هنا خَلَقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ﴾ معناه: ما خلقتهم إلا للأمر بالعبادة، وبهذا يزول الإشكال، تأمل.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾؛ أي: ثبت (٢) قول ربك يا محمَّد للملائكة: وعزتي وجلالي ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: لأجعلنها ملأى حتى تقول قط قط بمعنى يكفي يكفي كما في الحديث. وذلك بعد أن تمد أعناقَهَا، وتطلب الزيادة ليتجلى عليها بصفة الجلال، فتخضع وتذل وتقول: قَطْ قَطْ. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾؛ أي: من عصاتهما ﴿أَجْمَعِينَ﴾ لتأكيد العموم للنوعين، وإذا تمت وثَبَتَتْ امتنعَت من التغيير والتبديل؛ أي: قد سبق في قضائه وقَدَرِه وحكمته النافذة أن من خلقه من يستحق الجنة، ومنهم من يستحق النارَ، وأنَّ النارَ لا بد أن تملأَ من عالمي الجن
стр. 5764
والإنس، الذين لا يهتدون بما أرسلَ به رسلَه، وبما أنزلَ عَلِيهم من كتبه لهداية المكلفين، والحكم بين المُخْتَلِفِينَ.
١٢٠ - ولما ذكر (١) الله في هذه السورة الكريمة قَصَصَ الأمم الماضية، والقرُونَ الخالية، وما جرَى لهم مع أنبيائهم .. خاطب نبيَّه ﷺ بقوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾؛ أي: وكل نبأٍ وخبر من أنباءِ الرسل المتقدمين من قبلك، وأخبارهِم مع قومهم، مما يحتاج إليه، وما جرى لهم من المحاجات، والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب، والأذى، وكيف نَصَر الله حِزبَهُ المؤمنين، وخذل أعداءَه الكافرين، نقصه عليك، ونخبره لك لفوائدَ، منها: ما ذكره بقوله: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ حتى يكون كالجبل لتقومَ بأعباء الرسالة، ونشر الدعوة لما لك من الأسوة بإخوانك المرسلين. وهو بدل من ﴿كلًّا﴾؛ أي: نقص عليك من تلك الأنباء ما نقوي ونشد به قلبكَ، حتى يَزيدَ يقينك، وتطيبَ به نفسك، وتعلم أن الذي فعل بك قد فعل بالأنبياء قبلك، والإنسان إذا ابتليَ بمحنة وبلية، فرأى جماعةً يشاركونه فيها خف على قلبه بَلِيَّته كما يقال: البلية إذا عمت خفت وطابَتْ. وتثبيت (٢) الفؤاد هو بما جرى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولأتباعهم المؤمنين، وما لقوا من مكذبيهم من الأذى. ففي هذا كله أسوة بهم؛ إذ المشاركة في الأمور الصَّعْبة تهوِّن ما يلقَى الإنسانُ من الأذى، ثم الإعلام بما جرَى على مكذبيهم من العقوبات المستأصلة بأنواع من العذاب، من غرق، وريح، ورجفة، وخسف، وغَيرِ ذلك فيه طمأنينة للنفس، وتأنيس بأن يُصِيبَ الله من كذَّب الرسولَ ﷺ بالعذاب كَمَا جَرَى لمكذبي الرسل، وإنباء له ﵊ بحسن العاقبة له، ولأتباعه، كما اتفقَ للرسل وأتباعِهم. ومنها: ما ذكره بقوله: ﴿وَجَاءَكَ﴾ يا محمَّد ﴿فِي هَذِهِ﴾ الأَنْبَاء المقصوصة عليك، أو في هذه السورة، ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: البراهين الدالةَ على التوحيد، والنبوة ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾؛ أي: تنفير للمؤمنين من الاغترار بالدنيا.
﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إرشاد لهم إلى الاستعداد للآخرة؛ أي: وجاءك
стр. 5765
في هذه السورة النبأ الحق، والخبرُ الصدق الذي هو مطابق لِمَا جرَى للأمم السابقة، ليسَ فيه تغيير، ولا تحريفٌ، كما يَنْقل شيئًا من ذلك المؤرخُون. فإن قلت (١): قد جاءه الحق في سور القرآن كُلِّها، فلِم خص هذه السورة بالذكر؟
قلت: لا يلزَمُ من تخصيص هذه السورة بالذكر أن لا يَكُون قد جاءه الحق في غيرها من السور، بل القرآن كلُّه، حق يَحِقُّ تَدَبُّرُه، وصدقٌ يجب تصديقه، ولكن إنما خصَّها بالذكر، تشريفًا لها، ورفعًا لمنزلتها لكونها جمعت من قصص الأمم الماضية، ما لم يَكُن في غَيْرِها، وإنما عرفه، ونكر تَالِيَيهِ تفخيمًا له، لكونه يُطلَقُ على الله تعالى بخلاف تالييه، اهـ "كرخي".
قال في "الإرشاد" (٢): ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾؛ أي: الأمر الجامع بين كونه حقًّا في نفسه، وكونهِ موعظةً، وذِكرى للمؤمنينَ، ولكون الوصف الأول حالًا له في نفسه، حلّي باللام دون ما هو وصف له بالقياس إلى غيره، وتقديم الظرف أعني (في هذه) على الفاعل، أعني الحقَّ, لأنَّ المقصود بيان منافع السورة، لا بيان ذلك فيها, لا في غيرها؛ أي: لأن المقصودَ بيان اشتمالها على ذلك، لا بيان كونه موجودًا فيها دون غيرها.
﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾؛ أي: ونصيحة عظيمة للمؤمنين ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: وتذكرة لهم خَصَّهم بالذكر، لأنهم هم المنتفعون بالموعظة، والتذكير بأيام الله، وعقوبته، والفرق بين الموعظة والتذكير: أنَّ المَوْعِظَةَ هي ما ينزجر به السامِعُ، ويمتنع من الاغترار بزخارف الدنيا, ولذاتها لأنه إذا رَأَى إهلاك الأمم السابقة مع قوتهم، وجلادتهم وسعةِ رزقهم أعرضَ عن الدنيا، والتذكير: ما يقبل السامع بالتدبر فيه إلى أمور الآخرة، والتزود لها؛ لأنه إذَا رأى نَصرَ المؤمنين، وكَوْنَ الدولة لهم، ونَجَاتهم مع الرسل، أقْبَل إلى أمور الآخرة، والتزود لها. وقيل: هما مرادفان.
١٢١ - ﴿وَقُلْ﴾ يا محمَّد ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بهذا الحق، ولا يتعظون به، ولا
стр. 5766
يتذكرون من أهل مكة، وغيرهم. ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾؛ أي: على حَالَتِكم وجهتكم التي هي عدم الإيمان ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ على حالنا، وهو الإيمان به، والاتعاظ والتذكير به
١٢٢ - ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ بنا الدوائرَ والنوائبَ على ما يعدكم الشيطان ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم ما نَزَلَ بأمثالكم من الكفرة على ما وعد الرحمن. فهذا تهديد لهم؛ لأن الآيةَ منسوخة بآية السيف.
والمعنى (١): ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ بنا ما تتمنونه من انتهاء أمرنا إما بموت أو غيره، مما تحدِّثون به أنفسَكم، كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾.
﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أن ينزلَ بكم مثل ما نزلَ بأمثالكم من عقابه تعالى، بعذاب من عنده، أو بأيدي المؤمنين، وأن يكفل لنا النصرَ والغلبة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم. وقد أنجزَ وَعْدَه، ونصَرَ رسوله، وأيَّدَهُ، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
١٢٣ - و (اللام) في قوله (٢): ﴿وَلِلَّهِ﴾ للاختصاص ﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الغيب في الأصل مصدر، وإضافة المصدر يفيد العموم، والإضافة فيه بمعنى في؛ أي: وعلم جميع ما غاب عنك يا محمَّد، وعن سائر الخلائق في السموات والأرض مختص بالله ، فكيف يخفَى عليه أعمالكم؛ وهو المالك لجميع ما في السموات والأرض، المتصرف فيه كيف شاء، العالم بكل ما سيقع فيهما، والعالم بوقته الذي يقع فيه.
وخص (٣) ذكرَ الغيب مع كونه يعلم بما هو شاهد فيهما، لكونه من العلم الذي لا يُشَارِكهُ فيه غيره، وخص ذكرَ السموات والأرض مع كونه يعلم ما غاب في غيرهما من العرش والكرسي وغيرهما، لكونهما محسوسين للمخاطبين.
стр. 5767
وقيل: إنَّ غيبَ السموات والأرض نزول العذاب من السماء، وطلوعه من الأرض، والأول أولى، وبه قال أبو علي الفارسي وغيره.
﴿وَإِلَيْهِ﴾ وحده لا إلى غيره ﴿يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ بضم الياء، وفتح الجيم، أي يرد، وبفتح الياء، وكسر الجيم بمعنى يَعُود، ويصير أمور الخلائق كلها يوم القيامة، فيجازى كُلًّا بعمله خيرًا، أو شرًّا، فيرجع أمرك يا محمَّد، وأمُر الكفار إليه، فينتَقِم لَكَ منهم؛ أي: فأمركَ وأمرهم لا مَحَالةَ راجع إليه تعالى، ومَا شَاء كان، وما لم يَشَأْ لم يكن. وقرأ (١) نافع وحفص: ﴿يُرْجَعُ﴾ على البناء للمفعول. وقرأ الباقون على البناء للفاعل. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾؛ أي: وإذا (٢) كان أمر كل شيء يرجع إليه، فاعبده بإخلاص الدين له وحدَه، وادعُ إلى طاعته، واتباع أمره بالحكمة، والموعظة الحسنة ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ تعالى فيما لا يدخلُ في مكنتك، واستطاعتك مما ليس لك سبيل إلى الحصول عليه، لكونه لا يدخلُ تحتَ كسبك، ولا تنالُه يدك، والتوكل لا يجدي نفعًا بغير العبادة، والأخذ بالأسباب المستطاعة، وبدون ذلك يكون من التمني الكاذب، والعبادة لا تكمل إلّا بالتوكل، إذ به يكمل التوحيد والإخلاص له تعالى.
روى أحمد، والترمذي، وابن ماجه، أن النبي ﷺ قال: "الكيس مَنْ دان نفسه، وعمل لما بعدَ الموت، والعاجز من أتبع نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني".
وخلاصة ذلك: امتَثِلْ ما أمرت به، وداوم على التبليغ والدعوة، وتوكل عليه في سائر أمورك، ولا تبال بالذين لا يؤمنون، ولا يضيق صدرك بهم.
وقيل: معنى قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾؛ أي (٣): أطعه، واستقم على التوحيد أنت وأمتك ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فوض إليه جميعَ أمورك، فإنه كافيك وعاصمك من
стр. 5768
شرهم، فعليك تبليغ ما أوحينا إليك، بقلب فسيح غير مبال بعداوتهم، وعتوهم وسفههم، وفي تأخير الأمر بالتوكل عن الأمر بالعبادة إشعارٌ بأنه لا ينفَعُ بدونها.
﴿وَمَا رَبُّكَ﴾ يا محمَّد ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بساه (١) عما تعمل أنت أيها النبي ﷺ ومن اتبعك من المؤمنين من عبادته، والتوكل عليه، والصبر على أذى المشركين، فيوفيكم جزاءكم في الدنيا والآخرة، ولا بغافل عما يعمل المشركون من الكيد لَكُمْ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وسيجزيهم على أعمالِهم يوم تجْزَى كل نفس بما كسبَتْ، وقد صدق وعدَه، ونَصَرَ عبده، وأظهر دِينَه على الدين كلِّه، أي: فالله تعالى عالم به غير غافل عنه؛ لأنَّ الغفلةَ والسهوَ لا يجوزان على مَنْ لا يخفى عليه شيء في السموات والأرض، فيجازي كلًّا منك ومنهم بِمُوجَب الاستحقاق.
والجملة الأولى من هذه الآية (٢): دلت على أن عِلْمَه تعالى محيط بجميع الكائنات، كلِّيّها وجُزّئِيِّها حاضرها وغائبها؛ لأنه إذا أحاط علمه بما غاب، فهو بما حضر محيط؛ إذ علمه تعالى لا يتفاوت.
والجملة الثانية: دلَّت على القدرة النافذة، والمشيئة.
والجملة الثالثة: دلَّت على الأمر بإفراد مَنْ هذه صفاته بالعبادة الجسدية والقلبية، والعبادة أولى الرتب التي يتحلَّى بها العبدُ.
والجملة الرابعة: دلَّتْ على أنَّ الأمر بالتوكل، وهِيَ آخرة الرُّتَبِ؛ لأنه بنور العبادة أبصرَ أنَّ جميعَ الكائنات معذوقة بالله تعالى، وأنه هو المتصرف وحده في جَمِيعِها, لا يشركه في شيء منها.
والجملة الخامسة: تضمنت التنبيه على المُجَازَاةِ، فلا يضيع طاعةَ مطيع، ولا يهمل حالَ متمرد؛ أي: فإنه تعالى (٣) لا يُضَيِّعُ طاعات المطيعينَ، ولا يهمل
стр. 5769
أحوالَ المتمردين الجاحدين، وذلك بأن يحضروا في موقف القيامة، ويحاسبوا على النقير والقطمير، ويعاتبوا في الصغير والكبير ثم يحصل عاقبة الأمر فريق في الجنة وفريق في السعير.
وعن كعب الأحبار (١): إنَّ فَاتِحَةَ التوراةِ، فاتحةُ سورة الأنعام، وخاتمتها خاتمةُ سورة هود، هذه الآية يعني: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.
واعلم: أنَّ علم الغيوب بالذات مختص بالله تعالى، وأما إخبار الأنبياءِ والأولياء صلوات الله عليهم أجمعين، عن بعض المغيبات، فبواسطة الوحي، والإلهام، وتعليم الله تعالى، ومن هذا القبيل: إخباره ﷺ عن حال العشرة المبشرة، وكذا عن حال بعض الناس.
ثم إن (٢) التوكّل عبارة عن الاعتصام به تعالى في جميع الأمور، ومحله القلبُ، وحركة الظاهِرِ لا تنافي تَوَكُّلَ القلب بعدما تحقق عند العبد أنَّ التقدير من قبل الله تعالى، فإن تَعَسَّرَ شيءٌ، فبتقديره، فالواجب على كافَّةِ العباد أن يعبدوا اللَّهَ تعالى، ويعتمدوا عليه كل الاعتماد، لا عَلى الجاه والعقل، والأموال، والأولاد فإنَّ اللَّهَ تعالى خالق كل مخلوق، ورازق كلُّ مرزوق.
وفي الحديث: "ما من زرع على الأرض، ولا ثمر على الأشجار، إلا وعليه مكتوب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا رزقُ فلان بن فلان". وفي الحديث: "خَلَقَ الله الأرزاقَ قبل الأجسادِ بألف عام، فبسطها بين السماء والأرض, فضربتها الرياحُ، فوقعت في مشارق الأرض ومغاربها، فمنهم من وَقَعَ رزقه في ألف موضع، ومنهم من وقع في مئة، ومنهم من وقع على باب داره، يَغْدُو وَيرُوحُ حتَّى يَأتِيه".
وقرأ الصاحبان (٣) - نافع وابن عامر - وحفص، وقتادة، والأعرجُ، وشيبة
стр. 5770
وأبو جعفر، والجحدري: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بتاء الخطاب, لأنَّ قَبْلَه ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. وقرأ باقي السبعة بالياء على الغيبة. واختلف عن الحسن، وعيسى بن عمر.
وعن رسول الله ﷺ (١): "من قرأ سورةَ هود أعطي من الأجر عَشْرَ حسنات بعدد من صَدَّق بنوح، ومَنْ كذَّب به، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وإبراهيم، وموسى، وكان يومَ القيامة من السعداء" إن شاء الله تعالى.
خاتمة في بيان المقاصد الدينية التي اشتملت عليها هذه السورة
قد اشتملت هذه السورة على ما اشتملت عليه سابقتها من أصول الدين، ومبادئِهِ العامة التي لا يكون المؤمن مؤمنًا حقًّا إلا إذا سلك سبيلها، ونهج نهجَها، ومن ذلك:
١ - التوحيد وهو ضربان:
أ - توحيد الأُلوهية، وهو أولُ ما دعا إليه محمدٌ ﷺ ، ودعا إليه كل رسول قَبْلَه، وهو عبادته تعالى وحده، وعدم عبادة أحد معه، كما قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ فعبادة غيره من الأصنام كحجر وشجر وكوكب أو بشر ولي أو نبيٍّ أو شيطان أو ملك، إذا توجه العبد إليها توجهًا تعبديًّا ابتغاء النفع أو كشف الضر في غير الأسباب التي سخرها الله لجميع الناس، كل ذلك كفر لا فرق بينه وبين عبادة الأصنام، أو الأوثان، إذ جميع ما عَدَا الله تعالى فهو عَبْدٌ، وملك له لا يتوجه بالعبادة إليه.
ب - توحيد الربوبية؛ أي: اعتقاد أنَّ اللَّهَ وحده هو الخالق المدبر لهذا الكون، والمتصرف فيه على مُقْتَضى حكمته، ونظام سنَّته، وتسخيره الأَسباب لمن شاء بما شاء، وكان أكثر المشركينَ من العرب ومن قبلهم يؤمنون بأنَّ الربَّ الخالقَ المدبّر واحِدٌ، ولكن يقولون بتعدد الآلهة التي يتقرب بها إليه توسلًا، وطلبًا للشفاعة عنده.
стр. 5771
٢ - إثبات رسالته ﷺ بالقرآن بتحدّيهم بالإتيان بعشر سور مثله مفتريات، ودعوة مَن استطاعوا من دون الله لمظاهرتهم، وإعانتهم على الإتيان بها، إن كانوا صادقين، وقوله بعد ذلك: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ وما جاء في قوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾.
٣ - جاءت آيات البعث والجزاء في القرآن لدعوة المشركين إلى الإيمان, والاستدلال بها على قدرة الخالق، ولتذكير المؤمنين به للترغيب والترهيب، والموعظة والجزاء، كما جاء في قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
٤ - إهلاكُ الأمم بالظلم كما جاء في قوله لخاتم رسله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
٥ - سنته تعالى في ضلال الناس وغوايتهم بأن يكونوا بارتكاب أسبابهما من الأعمال الاختيارية، والإصرار عليها إلى أن تتمكنَ من صاحبها، وتحيطَ به خطيئته حتى يفقد الاستعدادَ للهُدَى والرشاد.
٦ - من طباع البشر العجل والاستعجالُ لِمَا يَطْلَبُ من النفع والخير، وما ينذر به من الشرِّ كما قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾.
٧ - سنته تعالى في تكوين الخلق، وأنه كَانَ أطوارًا في أزمنة مختلفة، بنظام مُحْكَمٍ، ولم يكن شيء منه فجائيًّا بلا تقدير، ولا ترتيب كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ فكلمة الخلق معناها: التقدير المحكم الذي تكون فيه الأشياء على مقاديرَ متناسبة، ثم أريد بها الإيجاد التقديريُّ؛ فالسموات السبع المرئية للناظرين، والأجرام السماوية قائمة بسنن دقيقة النظام، وما فيها من البسائط، والمركبات الغازية، والسائلة، والجامدة، كذلك والكون في جملته قائم بسنة عامة في ربط بعضه ببعض، وحفظِ نظامِهِ بأنْ يبنَى بعضه على
стр. 5772
بعض، وهو ما يسمِّيه العلماء: الجاذبِيَّةَ العامةَ، والجاذبية الخاصَّةَ.
٨ - أنَّ الطغيانَ والركونَ إلى الظالمين من أمهات الرذائل، كما قال: ﴿وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
٩ - الاختلاف في طبائع البشر: فيه فوائد، ومنافع علمية وعملية لا تظهر مَزَايَاهُ بدونها، وفيه مضار وشرور أكبرها التفرق، والتعادي به، وقد شرع الله لهم الدينَ لتكميل فطرتهم، والحكمِ بينهم فيما اختلفوا فيه بكتابه الذي لا مَجَالَ فيه للاختلاف، فاستحق الذين يحكمونه فيما يتنازعون فيه رحمتَه وثوابَه، والذِينَ يختلفون فيه سخْطَهُ وعِقَابَه.
١٠ - إتباع الإتراف، وما فيه من الفساد، والإجرام، ذلك أن مثار الظلم والإجرام الموجِبَ لهلاك الأمم، هو اتباع أكثرها, لِما أترِفُوا فيه من أسباب النعيم، والشهوات، واللذَّات، والمترفون هم مفسدوا الأمم، ومُهلكوها، وقد علم هذا المهتدون الأولون بالقرآن، من الخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين، فكانوا مَثَلًا صالحًا في الاعتدال في المعيشة، أو تغليب جانب الخشونة والشدة على الأتراف والنعمة، ففَتحوا الأمْصَارَ، وأقاموا دَوْلةً عزَّ على التاريخ أن يقيمَ مِثْلَها باتباع هدي القرآن، وبيان السنة له، وبذلك خرجوا من ظلمات الجهالة إلى نور العلم، والعرفان، ثم أضَاعَها من خلف من بعدهم من متبعي الإتراف، وكيف ضلوا بعد أن استفادوا الفنونَ والعلومَ، والملكَ والسلطان، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
١١ - إقامة الصلاة في أوقاتها من الليل والنهار؛ لأنَّ الحسناتِ يذهبن السيئات، وأعظم الحسناتِ الروحيةِ الصلاة لما فيها من تطهير النفس وتزكية الروح.
١٢ - النهي عن الفساد في الأرض، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهما سياج الدين والأخلاق والآداب.
١٣ - سننه تعالى في اختبار البشر؛ لإحسان أعمالهم كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ
стр. 5773
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
١٤ - أول اتباع الرسل والمصلحين الفقراءُ كما حكى عن قوم نوح ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾.
١٥ - التنازع بين رجال المال، ورجال الإصلاح في حرية الكسب المطلقة أو تقييد الكسب بالحلال ومراعاة الفضيلة.
١٦ - منْ سُنَنِهِ تعالى جعل العاقبة للمتقين، وذلك هو الأساس الأعظم في فوز الجماعات الدينية، والسياسية، والأمم والشعوب في مقاصدها، وغلبها لخصومها ومناوئيها.
١٧ - بيان أنَّ الاختلافَ في الدين ضروري كما قال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
١٨ - بيان أنَّ نَهْيَ أولي الأحلام عن الفساد، يَحْفَظُ الأمة مِنَ الهلاك كما قال: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾.
الإعراب
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾.
﴿فَأَمَّا﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتَ أنَّ مراتب الناس اثنان إما شقي أو سعيد، وأردتَ بيانَ مآلهما .. فأقول لك. ﴿أما﴾ حرف شرط وتفصيل. ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ. ﴿شَقُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿فَفِي﴾ (الفاء) رابطة لجواب أمَّا واقعة في غير موضعها؛ لأنَّ موضعها موضع (أما). ﴿في النارِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب (أما) لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة أما من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الاستقرار الذي تعلق به الخبرُ. ﴿زَفِيرٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿وَشَهِيقٌ﴾ معطوف عليه، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الضمير
стр. 5774
المستكن في الجار والمجرور قبله أعني قولَه: ﴿فَفِي النَّارِ﴾ أو حال من ﴿النار﴾ أو مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كَأن سائلًا سأَلَ حينَ أخبر أنهم في النار ماذا يكون لهم؟ فقيل: لهم كذا وكذا، كذا في "الفتوحات".
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾.
﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، أعني قَولَه: ﴿فَفِي النَّارِ﴾. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿مَا﴾ مصدرية ظرفية. ﴿دَامَتِ السَّمَاوَاتُ﴾ فعل وفاعل؛ لأنَّ دام هنا تامة بمعنى بقِيَتْ. ﴿وَالْأَرْضُ﴾ معطوف عليه، والجملة صلة (ما) المصدرية. ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف المقدر إليه، تقديره: مدة دوام السموات والأرض، والظرف المقدر متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء بمعنى غير. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء. ﴿شَاءَ رَبُّكَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ (ما) أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: إلا ما شاءه ربك. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ناصب واسمه. ﴿فَعَّالٌ﴾ خبره، وجملة إنَّ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿لِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بفعال، وقيل: (اللام) زائدة في مفعول الصفة تقويةً للعامل. ﴿يُرِيدُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة لـ (ما) أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره لما يريده.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾.
﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. (أما) حرف شرط ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ. ﴿سُعِدُوا﴾ فعل ونائب فاعل أو فعل وفاعل على اختلاف القرائتين، والجملة صلة الموصول. ﴿فَفِي الْجَنَّةِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب (أما)، وجملة (أما) معطوفة على جملة (أمّا) الأولى. ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في الخبر. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿ما﴾ مصدرية ظرفية. ﴿دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فعل وفاعل صلة (ما) المصدرية. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء بمعنى غير. ﴿ما﴾
стр. 5775
في محل النصب على الاستثناء. ﴿شَاءَ رَبُّكَ﴾ فعل وفاعل صلة لـ (ما) أو صفة لها. ﴿عَطَاءً﴾ مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف وجوبًا تقديره، يعطيهم الله عطاءً؛ أي: إعطاءً؛ لأنه اسم مصدر لأعطى، ويصح كونه مفعولًا به إذا كان بمعنى معطَى، ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ صفة لـ ﴿عَطَاءً﴾.
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾.
﴿فَلَا﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتَ يا محمَّد ما قصصنا لك من قصص المتقدمين، وسوء عاقبتهم، وأردتَ بيانَ ما هو اللازم لك .. فأقول لك: لا تك في مرية ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَكُ﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمِه سكون النون المحذوفة للتخفيفِ لكثرة استعمالِها؛ لأن أصلَه تكون، حذفت حركة النون للجازم، فالتقى ساكنان، ثمَّ حذفت الواو؛ لالتقاء الساكنين، ثم حذفت النون للتخفيف، واسمها ضمير يعود على محمَّد. ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ خبرها، وجملة تكون في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿مِرْيَةٍ﴾؛ أي: فلا تك في مرية ناشئة مما يعبد هؤلاء، أو في ما يعبد هؤلاء فمن بمعنى في. ﴿يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره مما يعبده هؤلاء من الأصنام. ﴿مَا﴾ نافية. ﴿يَعْبُدُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي قبلها. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿كَمَا﴾ (الكاف) حرف جر. (ما) مصدرية. ﴿يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار مجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة (ما) المصدرية، (ما) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور، بالكاف تقديره: كعبادة آبائهم، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره، ما يعبدون إلا عبادة كائنة كعبادة آبائهم، من قبل في كونها ضلالًا، وتقليدًا لا أصلَ لها. ﴿وَإِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿لَمُوَفُّوهُمْ﴾ خبره مرفوع (بالواو) لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ لأنَّ مفردَه ليس بعلم ولا صفة، وإنما جمع للتعظيم والنون حذفت للإضافة، و (اللام) حرف ابتداء، وهو مضاف
стр. 5776
إلى المفعول الأول. ﴿نَصِيبَهُمْ﴾ مفعول ثان له، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾. ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ حال مبينةٌ للنصيب الموفى، أو مؤكّدةٌ.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. (اللام) موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ فعل وفاعل، ومفعولان، والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. ﴿فَاخْتُلِفَ﴾ (الفاء) عاطفة. ﴿اختلف﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة. ﴿فِيهِ﴾ جار ومجرور نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتَيْنَا﴾. ﴿وَلَوْلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لولا﴾ حرف امتناع لوجود. ﴿كَلِمَةٌ﴾ مبتدأٌ سوغَ الابتداء بالنكرة وقوعُهُ بعد ﴿لولا﴾ أو وصفه بما بعده. ﴿سَبَقَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على كلمة. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية صفة ﴿كَلِمَةٌ﴾، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك موجودة. ﴿لَقُضِيَ﴾ (اللام) رابطة لجواب ﴿لولا﴾. ﴿قضي﴾ فعل ماض مغير الصيغة. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف، ومضاف إليه، والظرف في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قضي﴾، وجملةُ ﴿قُضِيَ﴾ جواب ﴿لولا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ مع جوابها معطوفة على جملة ﴿آتَيْنَا﴾ على كَوْنِهَا جَوابَ القسم. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ (اللام) حرف ابتداء. ﴿في شك﴾ جار ومجرور خبر (إن). ﴿مِنْهُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿شك﴾. ﴿مُرِيبٍ﴾ صفة ﴿شَكٍّ﴾ وجملة (إن) معطوفة على جملة ﴿آتَيْنَا﴾.
﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾.
وحاصلُ ما في كلمتي (إن) و (لما) من القراءات السبعة أربع: تخفيفهما، وتشديدهما، وتخفيف (إن) مع تشديد (لمَّا)، وتخفيف (لمَّا) مع تشديد (إنَّ).
فعلى القراءة الأولى: تقول في إعراب الآية (إن) مخففة من الثقيلة. ﴿كُلًّا﴾ اسمها منصوب بها. ﴿لما﴾ (اللام) حرف ابتداء، (ما) اسم موصول بمعنى الذين
стр. 5777
في محل الرفع خبر (إن) المخففة. ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ (اللام) موطئة للقسم. (يوفين) فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محلٌّ لها من الإعراب. و (الهاء) ضمير لجماعة الذكور الغائبين في محل النصب مفعولٌ أول. ﴿رَبُّكَ﴾ فاعل. ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ مفعول ثان، والجملة جوابُ للقسم المحذوف لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه صلة (ما) الموصولة، والعائد ضمير المفعول الأول، والموصول مع صلته خبر (إن) وجملة (إن) مستأنفة، والتقدير: وإن كلًّا من الخلائق للذين والله ليوفينهم ربك أعمالهم. ويجوز أن تكونَ (ما) نكرة موصوفة، والجملة القسمية مع جوابها صفة لـ (ما) الموصوفة، والتقدير: وإن كلا لخلق أو لفريق موصوفون يكون الله تعالى، وافيًا لهم أعمالهم والموصوف، وصفته خبر إن.
وعلى القراءة الثانية: أعني تشديدهما (إن) حرف نصب. ﴿كُلًّا﴾ اسمها. ﴿لما﴾ أصله: لمن ما بدخول لام الابتداءِ على من الجارة، دخَلت على ما الموصولة، أو الموصوفة؛ أي: لمن الذين، والله ليوفينهم، أو لمن خلق، والله ليوفينهم، فَلَمَّا اجتمعت النون ساكنة قبل ميم ما، وجب إدغامها فيه، فقلبت ميمًا، وأدْغمت الميمُ في الميم، فصارَ في اللفظ ثلاثَ ميمات، فخفف اللفظ بحذف إحداها، فقلبت كسرة ميم من الجارة فتحةً لوقوعها بين فتحتين، فصار اللفظ لما: فيقال في إعرابه (اللام) حرف ابتداء. (من) حرف جر. (ما) موصولة، أو موصوفة في محل الجر بـ (من). ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ (اللام) موطئة للقسم. ﴿يوفينهم ربك أعمالهم﴾ فعل وفاعل ومفعولان، والجملة جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم مع جوابه صلة لـ (ما) إنْ قلنا: موصولةً، أو صفة لها؛ إن قلنا: موصوفةً، والعائد، أو الرابط ضمير المفعول الأول، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر إن، تقديره: وإن كُلًّا من الخلائق لكائنون من الذين، والله ليوفينهم ربك أعمالهم، أو لكائنون من مخلوق، أو فريق وَافٍ لهم ربك أعمالَهم، وجملة إن مستأنفة.
وعلى القراءة الثالثة: أعني تخفيفَ (إنْ) مع تشديد (لَمَّا)، فإن المخففة
стр. 5778
عاملة، وأصل: لما لمن. (ما) فعل به ما تقدم.
وعلى القراءة الرابعة: أعني تخفيف (لَمَا) مع تشديد (إنَّ). (إنَّ) المشددة عاملة. و (اللام) للابتداء. و (ما) اسم موصول في محل الرفع خبرها. ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ جملةٌ قسميةٌ صلة الموصول فتحصَّل مما ذكر أنَّ (إن) عاملة. (وما) موصولة، أو موصوفة في جميع الأوجه كلها. و (اللام) الثانية موطئة للقسم، والأولى لام الابتداء. فتأمل، وما قررناه زبدة كلام طويل في هذا المقام فليحفظ.
﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بخبير. ﴿يَعْمَلُونَ﴾ صلة لما أو صفة لها. ﴿خَبِيرٌ﴾ خبر إن، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾.
﴿فَاسْتَقِمْ﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عَرَفْتَ يا محمَّد أحوالَ القرونَ الأولى مع أنبيائهم، وأن إخْوانَك المرسلين تحملوا الأذى من قومهم، فصبروا، واستقاموا على الطريقة المثلى، وأردت بيانَ ما هو اللازم لك؛ فأقول لكَ: ﴿استقم﴾. ﴿استقم﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿كَمَا﴾ (الكاف) حرف جر. (ما) موصولة في محل الجر بالكاف. ﴿أُمِرْتَ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة صلة لـ (ما) الموصولة، والعائد محذوف تقديره: كالاستقامة التي أمرت بها، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: فاستقم استقامة مثلَ الاستقامة التي أمرت بها. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. (من) اسم موصول في محل الرفع معطوف عل الضمير المستتر في ﴿استقم﴾ لوجود الفاصل. ﴿تَابَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على (من)، والجملة صلة الموصول. ﴿مَعَكَ﴾ ظرف، ومضاف إليه حال من الضمير المستتر في ﴿تَابَ﴾. ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ جازم وفعل، وفاعل معطوف على ﴿استقم﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾
стр. 5779
وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ (ما) أو صفة لها. ﴿بَصِيرٌ﴾ خبر إن مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر، والنهي السابقين.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ جازم وفعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَرْكَنُوا﴾. ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ (الفاء) عاطفة سببية. ﴿تمسكم النار﴾ فعل، ومفعول، وفاعل منصوب بأن مضمرةً وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، والجملة الفعلية صلة أن، المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك، لإصلاح المعنى تقديره: لا يكن منكم ركون إلى الذين ظلموا، فمس النار إياكم. ﴿وَمَا﴾ الواو حالية أو استئنافية. (ما) نافية. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِن دُونِ اَللهِ﴾ جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر. ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ مبتدأ مؤخر، و (من) زائدة، والتقدير: وما أولياء كائنون لكم حالَةَ كونهم من دون الله تعالى، والجملة الاسمية في محل النصب حال من (كاف) المخاطبين في ﴿تمسكم﴾؛ أي: فتمسكم النار حالَ انتفاء ناصركم، أو الجملة مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ، أتى بثم تنبيهًا على تباعد الرتبة، اهـ "سمين". ﴿لا﴾ نافية. ﴿تُنْصَرُونَ﴾ فعل، ونائب فاعل، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، عطفَ جملة فعلية على جملة اسمية.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾.
﴿وَأَقِمِ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿أقم الصلاة﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾. ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ ظرف، ومضاف إليه منصوب بالياء متعلق بـ ﴿أقم﴾. ﴿وَزُلَفًا﴾ منصوب على الظرفية معطوف على ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ صفة له. ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾ ناصب
стр. 5780
واسمه. ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إن)، وجملة (إنَّ) مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى﴾ مبتدأ وخبر. ﴿لِلذَّاكِرِينَ﴾ متعلق بـ ﴿ذِكْرَى﴾، والجملة مستأنفة. ﴿وَاصْبِرْ﴾ فعل أمر معطوف على ﴿أقم﴾ وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿فَإِنَّ﴾ (الفاء) تعليلية. ﴿إن اللَّه﴾ ناصب واسمه. ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فعل ومفعول، ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إنَّ)، وجملة إنَّ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية؛ لأنها مسوقة لتعليل المذكور قبلها.
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾.
﴿فَلَوْلَا﴾ (الفاء) استئنافية. ﴿لولا﴾ حرف تحضيض مضمن معنى النفي، لأنه لا يمكن تحضيضهم وتخويفهم بعد انقراضهم. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض تام بمعنى وجد. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ متعلق بـ ﴿كَانَ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ جار ومجرور صفة للقرون، لأنه اسم جنس محلى بأل، فهو بمنزلة النكرة. ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ فاعل، ومضاف إليه. ﴿يَنْهَوْنَ﴾ فعل وفاعل. ﴿عَنِ الْفَسَادِ﴾ متعلق به. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بالفساد؛ لأنَّ المصدرَ المقترن بأل يعمل في المفاعيل الصريحة، فيكون في الظرف أولى، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حال من الفساد ذكره في "الفتوحات". والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لفاعل ﴿كَانَ﴾. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ مستثنىً من الفاعل بملاحظة صفته. والمعنى (١): فما كان من القرون الماضية المهلَكة بالعذاب، جماعة أصحاب دين ينهون عن الفساد إلا قليلًا، وهم من أنجيناهم من العذاب، نَهَوْا عن الفساد، فالمستثنى منه القرونُ المهلكة بالعذاب، كما هو مقتضَى السياق، والمستثنى مَنْ أنجاه الله من العذاب، فاختلفَ الجِنسَ باعتبار الوصف المذكور. ﴿مِمَّنْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿قَلِيلًا﴾. ﴿أَنْجَيْنَا﴾ فعل وفاعل،