الحسية الظاهرة، وعلومها الباطنة، كعلم يعقوب بتأويل رُؤْيَا يُوسُفَ وعِلْمِهِ بكذبهم في دعوى أكل الذئب له، ومن شَمِّهِ لرِيحِ يُوسُفَ منذ فصلت العير من أرض مصر ذاهبةً إلى أرض كَنْعَانَ، ومن رؤيةِ برهان رَبِّهِ، ومن كيد الله له ليأخذ أخاه بشرع الملك، ومن عِلْمِهِ بأنَّ إلْقَاءَ قميصه على أبيه يُعيده بصيرًا بعد عَمى بَقِيَ كثيرًا من السنين.
وقرأ مجاهد، وشِبْلٌ وأهلُ مكة، وابن كثير (١): ﴿آيةٌ﴾ علي الإفراد. وقرأ الجمهور: ﴿آياتٌ﴾. وفي مصحف أُبي: ﴿عبرةٌ للسائلين﴾ مكانَ آية.
٨ - ﴿إِذْ قَالُوا﴾؛ أي: إن في شأن يوسف وإخوته لعبرة حين قالوا؛ أي: حِينَ قال بعض العشرة لبعضهم والله ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ الشقيقُ بِنْيَامِينُ بكسر الباء وفتحها فاللام في ﴿لَيُوسُفُ﴾ موطئة (٢) للقسم كما قدرنا، أو لام الابتداء (٣)، وفيها تأكيد، وتحقيقٌ لمضمون الجملة، أرادوا أنَّ زيادة مَحَبَّتِهِ لهما أمر ثابت لا شبهة فيه، وإنما قالوا هو وأخوه، وهم إخوته أيضًا؛ لأنَّ أمَّهُمَا كانت واحدةً اسمها راحيلُ كما مرَّ فهو شَقِيقُه. والشقيق: الأخُ من الأب والأم. وقد يقال: للأخ من الأب، لأنَّه شَقَّ مَعَكَ ظهْرَ أبيك، وللأخ من الأم لأنه شق معك بطن أمك. وفي "القاموس": الشقيق كأمير الأخِ كأنه شقَّ نسَبُه من نسبه، انتهى. وإنما لم يذكر (٤) باسمه تلويحًا بأنَّ مدار المحبة إخوته ليوسف من الطرفين، الأب، والأم، فالمآل إلى زيادة الحُبِّ ليُوسُفَ ولذلك تعرضوا لقتله، وطرحه، ولم يتعرضوا لبنيامين. ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾؛ أي: أكْثرَ وأزيدُ مَحَبَّةً مِنَّا عند أبينا، وإنما قالوا هذه المقالَةَ: لأنه بلَغَتْهُم خَبر الرؤية، فأجمع رأيهُم على كيده. ﴿و﴾ الحال ﴿نحن عصبة﴾؛ أي: والحال أنَّا جماعةٌ قادرون على الحل والعقد قائمون بدفع المقاصد، والآفات مشتغلون بتحصيل المنافع، والخيرات، وقائمون بمصالح
стр. 5812
الأب، فنحن أحِقَّاءِ بزيادةِ المحبة منهما، لفضلنا بذلك، وبكوننا أَكْبَرَ سِنًّا، وما معنى اختيار صغيرين ضعيفين على العشرة الأقوياءِ. والعصبة والعصابة: العشرة من الرجال فصاعدًا كما سيأتي في مَبْحَثِ مفردات اللغة. وإنما قيل (١): أحبُّ بالإفراد في الاثنين؛ لأن أفعلَ منْ لا يُفرَّق فيه بين الواحد وما فوقه، ولا بَيْنَ المذكر والمؤنث، ولا بُدَّ من الفرق مع لام التعريف، وإذا أُضِيفَ جَازَ الأمران كما يُعرف من محله.
والمعنى (٢): أي إنَّ في شأنهم لعبرةً حين قالوا: ليوسُف وأخوه الشقيقُ بنيامينُ أحَبُّ إلَى أَبِينَا منا فهو يفضلهما علينا بمزيد محبة على صغرهما، وقليل نفعهما، ونحن رجال أشداء أقوياء، نَقُوم بكل ما يحتاج إليه من أسباب الرزق والكفاية.
﴿إِنَّ أَبَانَا﴾ في ترجيحهما علينا في المحبة مع فضلنا عليهما، وكونهما بمعزل من الكفاية، بالصغر، والقِلَّة ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: لفي خطأٍ بين ظاهر الحال بالنسبة إلى مصالح الدنيا، لا في الدين، وإلا لكفروا بذلك، نظروا إلى صورة يُوسُفَ، ولم يحيطوا علمًا بمعناه، فقالوا ما قالوا, ولم يعرفوا أنَّ يوسف أكبرُ منهم بحسب الحقيقة والمعنى؛ أي: إنَّ أبانا لقد أخطأ في إيثاره يوسفَ، وأخاه من أمه علينا بالمحبة، وهو قد ضَلَّ طريق العدل والمساواة ضلالًا بينًا لا يَخْفَى على أحد، فكيف يفضل غُلامَيْنِ ضعيفين لا يقومان له بخدمة نافعة على العصبة أولى القوة، والكسب، والحماية عن الذمار.
وفي الآية (٣): من العبرة وجوبُ عِناية الوَالِدَين بمداراة الأولاد، وتربيتهم على المحبة، واتقاءِ وقوع التحاسد والتباغض بينهم، واجتناب تفضيل بعضهم على بعض، بما يعده المفضول إهانةً له، ومحاباة لأخيه بِالهَوى. قال بعض (٤)
стр. 5813
العارفين: مَال يعقوبُ إلى يوسفَ لظهور كمال استعداده الكليِّ في رؤياه حين رَأى أحد عشرَ كَوْكبًا والشَّمْسَ والقمرَ له ساجدين، فَعَلِمَ أبوه من رؤياه أنه يَرِث أباه وجده، ويجمعُ استعداداتِ إخْوتِهِ، فكان يضمه كل ساعة إلى صدره، ولا يَصْبِرُ عنه فتَبالَغَ حَسَدُهم حتى حَمَلَهم على التعرُّض له.
وقيل: لأنَّ اللَّهَ تعالى أَرادَ ابتِلاَءَهُ بمحبته إليه في قلبه، ثمَّ غيَّبَهُ عنه ليكون البلاء أشدَّ عليه، لغيرة المحبة الإلَهية، إذ سلطان المحبة لا يقبل الشركة في ملكه، والجمالُ والكمال في الحقيقة لله تعالى، فلا يَحْتَجِبُ أحدٌ بما سواه، ولا كيد أشدَّ من كيد الولد. ألا ترى أنَّ نوحًا ﵇ دَعَا على الكفار فأغْرَقهم الله تعالى، فلَم يَحْتَرق قَلْبُه، فلما بلغَ وَلدُه الغرقَ صاح ولم يصبر وقال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾. قيل: وإنما خَصَّ (١) يعقوبُ يُوسُفَ بمزيد المحبة والشفقة؛ لأنَّ أُمهُ ماتَتْ وهو صغير، أو لأنه رَأَى فيه من آيات الرشد، والنجابة ما لم يره في سائر إخوته، أو لأنه وإن كانَ صغيرًا كان يخدم أباه بأنواع من الخدمة، أعلى مما كان يَصْدُر عن سائر الأولاد.
وكان (٢) بنيامين أصْغَرَ من يُوسُفَ فكان يعقوب يحبهما بسبب صغرهما، وموتِ أمهما، وحُبُّ الصغير, والشفقةُ عليه مركوز في فطرة البشر. وقيل لابنةِ الحسن: أي ابنيك أحبُّ إليك؟ قالت: الصغيرُ حتى يَكْبَرُ، والغائبُ حتى يَقدم، والمريضُ حتى يُفِيقَ. وقد نظم الشعراء في محبة الولد الصغير قديمًا وحديثًا، ومِنْ ذلك ما قاله الوزير أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري في قصيدته التي بَعَثَ بها إلى أولاده وهو في السجن:
وَصَغِيْرُكُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ فَإنَّنِي ... أَطْوِيْ لِفُرْقَتِهِ جَوَى لَمْ يَصْغُرِ
ذَاكَ المُقَدَّمُ في الْفُؤَادِ وَإِنْ غَدَا ... كُفُؤًا لَكُمْ في الْمُنْتَمَى وَالْعُنْصُرِ
إنَّ الْبَنَانَ الْخَمْسَ أَكْفَاءٌ مَعًا ... وَالْحِلْيُ دُوْنَ جَمِيْعِهَا لِلْخِنْصَرِ
وَإِذَا الْفَتَى بَعْدَ الشَّبَابِ سَمَا لَهُ ... حُبُّ الْبَنِيْنِ وَلاَ كَحُبِّ الأَصْغَرِ
стр. 5814
فإن قلت (١): والذي فَعَلَه إخوة يوسُفَ بيُوسُفَ هو محض الحسد، والحسدُ من أمهات الكبائر، وكذلك نسبةُ أبيهم إلى الضلال، هو مَحْضُ العقوق، وهو من الكبائر أيضًا، وكُلُّ ذلك قادحٌ في عصمة الأنبياء، فما الجواب عنه؟
قلت: هذه الأفعالُ إنَّمَا صدرت من إخوة يوسف قبل ثبوت النبوة لهم، والمعتبر في عصمة الأنبياء هو وَقْتُ حصول النبوة لا قبلها. وقيل: كانوا وَقْتَ هذه الأفعال مُراهِقينَ غَيْرَ بالغين، ولا تكليفَ عليهم قبل البلوغ، فعلى هذا لم تكن هذه الأفعالُ قادحة في عصمة الأنبياء، ولكنَّ هذا القول ليسَ بصحيح بدليل قولهم: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. قال في "الكواشي" (٢): لا وَقْفَ من السائلين إلى صالحينَ؛ لأن الكلامَ جملة محكية عنهم، انتهى؛ أي: للتعلق المعنويِّ بَيْنَ مقدم الكلام، ومؤخره إلَّا أن يكونَ مضطرًا بأن يَنْقَطِعَ نَفَسُهُ، فحينئذ يجب عليه أن يَرجع إلى ما قبله، ويوصل الكلامَ بعضَه ببعض، فإن لم يفعل أثِمَ كما في بعض شروح الجزري، وقرىء: (مبين)
٩ - ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ بكسر وضم، والمشهورُ: الكسر وَجْهُ الضم التبعية لعين الكلمة، وهي مضمومة؛ أي: قال إخوة يوسف بعضهم لبعض اقتلوا يوسف حتى لا يَكُونَ لأبيه أمَلٌ في لقائه ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ﴾؛ أي: أو انْبُذُوه في أرض منكورة (٣) مجهولة بعيدة عن العمران، لِيَهْلِكَ فيها أو يأكلَه السباع، وهو معنى تنكيرها وإبهامها لا أنَّ معناه أيُّ أرض كانت، ولذلك نُصِبَتْ نَصْبَ الظروف المبهمة، وهي ما لَيْسَ له حدود تحصره, ولا أقطارٌ تُحْوِيه. وفيه إشارة إلَى أنَّ التَّغْرِيبَ يُسَاوِي القَتْلَ كمَا في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: اطرحوه في أرض بعيدة عن العمران بحيث لا يهتدي إلى العودة إلى أبيه، إنْ هو سَلِمَ من الهلاك. ﴿يَخْلُ﴾ على الجزم في جواب الأمر؛ أي: يَخْلُص ﴿لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ من شغله بيوسف، فيقبل عليكم بكليته، ولا يَلْتَفِتْ عنكم إلى غيركم، وتتوفر محَبَّتُه فيكم، فَذِكْرُ الوجه لتصوير معنى إقبالِه عليهم؛ لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه؛ ويجوز أن يُرادَ
стр. 5815
بالوجه الذات؛ أي: يَخْلُ (١) لكم وجه أبيكم من شغله بيُوسُفَ، فيكن كل توجهه إليكم، وكُل إقباله عليكم بعد أن تخلو الديار ممن يَشْغَلُهُ عنكم ويشارككم في عطفه وحبه، ﴿وَتَكُونُوا﴾ بالجزم عطفًا على يخل ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد الفراغ من أمره؛ أي: وتكونوا من بعد قتله أو تغريبه في أرض بعيدة ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ صَلُحَتْ حالكم عند أبيكم، أو تائبين إلى الله مما جئتم به، مُصْلِحِين لأعمالكم، بما يكفر إثمها مع عدم التصدِّي لمثلها، وبذا يَرْضَى عنكم أبوكم، ويرضى عنكم ربكم.
١٠ - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من إخوة يوسف، وهو يهوذا. وقال قتادة: هو روبيل، وهو ابن خالته، وكَانَ أكْبَرُهُم سِنًّا، وأحسنهم رَأْيًا فيه. ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ نهاهم عن قتله، وقال: القتل كبيرة عظيمة، والأصح أنَّ قائلَ هذه المقالة هو: يهوذا؛ لأنه كان أقربهم إليه سِنًّا. ﴿وَأَلْقُوهُ﴾؛ أي: اطرحوا يُوسُفَ ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾؛ أي: في أسفل الجب، والبئر، وقعرها، وظلمتها، والغيَابَةُ: كل موضع سَتَرَ شَيْئًا، وغَيَّبَهُ عن النظر، والجُبُّ: البئرُ الكبيرة غير مطوية بالحجارة. سُمِّيَ بذلك, لأنه جُبَّ: أي: قطع، ولم يطو، وغيابته: ما يغيب عن رؤية البصر من قعره. وأفاد ذكر الغيابةَ مع ذكر الجب أن المشيرَ أشار بطرحه في موضع من الجبِّ مظلم لا يراه أحد. وقرأ (٢) الجمهور: ﴿غَيابة﴾ على الإفراد، ونافع: ﴿غيابات﴾ على الجمع، وابن هرمز: ﴿غَيَّابَاتٍ﴾ بالتشديد والجمع؛ وقرأ الحسن: (في غَيبَةِ) على صيغة المصدر. واختلفوا (٣) في مكان ذلك الجب. فقال قتادة هو: بئرُ بيت المقدس، وقال وهب: هو في أرض الأُردن على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، وقيل: بين مدين، ومصر، وإنما عَيَّنوا ذلك الجُبِّ للعلةِ التي ذكروها، وهي قولهم: ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، وأبو رجاء: ﴿تلتقطه﴾ بتاء التأنيث أنث على المعنى؛ أي: تأخذه على وجه الصيانة من الضياع والتلف. فإن الالتقاط أخذ شيء مشرف على الضياع. ﴿بَعْضُ
стр. 5816
السَّيَّارَةِ﴾؛ أي: بعض طائفة تسير في الأرض. والسيارة جماعة المسافرين الذين يسيرون في الأرض من مكان إلى آخر للتجارة أو غيرها، وذلك أنَّ هذا الجبَّ كَانَ مَعروفًا يرد عليه كثير من المسافرين؛ أي: يأخذه بعض المسافرين، فيذهب به إلى ناحية أخرى، فتستريحون منه ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ بمشورتي، ولم يقطع القول عليهم، بل إنما عَرَضَ عليهم ذلِكَ تَأْلِيفًا لقلبهم، وحذرًا من نسبتهم له إلى الافتيات؛ أي: الاستبداد، والتفرد به. وفيه (١): إشارة إلى ترك الفعل، فكَأنَّه قال: لا تَفْعَلُوا شيئًا من ذلك، وإن عزمتم على إزالتِهِ من عند أبيه ولا بُدَّ فَافْعَلُوا هذا القدرَ؛ أي: إلقاءَه في البئر، والأولى أن لا تفعلوا شيئًا من القتل والتغريب.
وحاصل المعنى (٢): أي: قال قائل منهم: وهو رُوبيل، أو يهوذا، لا تقتلوا يوسفَ، وألقوه في قعر البئر، حيث يَغِيبُ خبره، فيلتقطه بعض المسافرين، ويأخذوه إلى حيث ساروا في الأقطار البعيدة، وبذا يَتِمُّ لكم ما تريدون، وهو إبعاده عن أبيه، إن كنتم فاعلينَ ما هو المقصدُ لكم بالذات إذ لا شكَّ أن قَتْلَهُ لا يَعْنيكم لذاته، فَعَلام تُسْخِطُون خَالِقَكُم باقتراف جريمة القتل، والغرض يَتِمُّ بدونها.
قال محمَّد بن إسحاق (٣): اشتمل فِعْلُهُم هذا على جرائمَ كثيرةً من قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة، وترك العهد، والكذب مع أبيهم، وعفا الله عن ذلك كُلِّه، حتى لا ييأس أحدٌ من رحمة الله تعالى. وقال بعض أهل العلم: عَزَمُوا على قتله، وعَصَمَهُم الله تعالى رحمةً بهم، ولو فعلوا ذلك لَهَلَكُوا جميعًا، وكل ذلك كَانَ قَبْلَ أنْ نَبَّأهم اللَّهُ تعالى كما مر. فانظر إلى هؤلاء الإخوان الذين أَرْحَمُهُم له لا يَرْضى إلا بإلقاء يوسف في أسفل الجب، وهكذا إخوانُ الزمان، وأبناؤُه، فإنَّ ألسنتهم دائرة بكل شر، ساكتةٌ عن كل خير.
فلما أجمعوا على التفريق بين يوسف، وبين والده بضرب من الحِيَل،
стр. 5817
١١ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال إخْوَةُ يُوسُفَ لأبيهم يعقوب ﴿يَا أَبَانَا﴾ خاطبوه بذلك تحريكًا لسلسلة النسب بينه وبينهم، وتذكيرًا لرابطة الأخوة بينهم وبين يوسف، ليتَسَبَّبُوا بذلك إلى استنزاله عن رأيه في حفظه منهم، لما أحسَّ منهم بأمارات الحسد والبَغْيِ، فكأنهم قالوا: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾؛ أي: أي عُذْر لك في ترك الأمن؛ أي: في الخوف ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ مع أنك أبونا، ونحن بنوك، وهو أخونا. وجملة قوله: ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ حال من معنى الفعل في ﴿مَا لَكَ﴾ كما تقول: ما لك قائمًا بمعنى: ما تصنع قائمًا. والاستفهام فيه للاستخبار والتقرير.
وهذا الكلام مبني على مقدمات محذوفةٍ، وذلك أنهم قالوا أوَّلًا لِيُوسُفَ اخْرُج معنا إلى الصحراءِ إلى مواشينا، فنستبق ونَصيدُ، وقالوا له: سَلْ أباك أن يُرْسِلَكَ معنا، فسأله فتوقف يعقوبُ فقالوا له: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾؛ أي: أي شيء ثَبَتَ لكَ لا تَجْعَلُنا أُمَنَاءَ عليه مع أنه أخونا، وأنك أبونا، ونحن بَنُوكَ ﴿و﴾ الحال ﴿إنا له لناصحون﴾؛ أي: لعاطفون عليه، قائمون بمصلحته، وبحفظه؛ أي: هم أظهروا عند أبيهم، أنهم في غاية المحبة ليوسف، وفي غاية الشفقة عليه، والجملة حال من مفعول ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾؛ أي: والحال إنَّا لمريدون له الخير، ومشفقون عليه، ليس فينا ما يخلُّ بالنصيحة والمِقَةِ. وقرأ (١) زيد بن علي، وأبو جعفر، والزهري وعمرو بن عبيد، بإدغام نون (تأمن) في نون الضمير من غير إشمام. وقَرأ الجمهور بالإدغام والإشمام للضم، وعنهم إخفاء الحركة فلا يَكُونُ إدغامًا مَحْضًا. وقرأ ابن هرمز بضم الميم فتكون الضمة منقولَةٌ إلى الميم من النون الأولى بعد سلب الميم حركتَها، وإدغام النون في النون. وقرأ أُبي والحسنُ وطلحةُ بن مصرف، والأعمش: (لا تأمننا) بالإظهار، وضم النون على الأصل، وخط المصحف بنون واحدة. وقرأ ابن وثاب، وأبو رَزِين شذوذًا: (لا تِيْمُنَّا) على لغة تميم، وسَهَّل الهمزةَ بعد الكسرة ابن وثاب.
١٢ - وفي قوله: ﴿أَرْسِلْهُ﴾ دليل على أنه كان يمسكه ويصحبه دائمًا؛ أي: أرسله ﴿مَعَنَا غَدًا﴾ إلى الصحراء ﴿يَرْتَعْ﴾؛ أي: نتسع في أكل الفواكه، ونحوها؛ فإنَّ
стр. 5818
الرَّتْع هو الاتساع في الملاذِّ ﴿وَيَلْعَبْ﴾ بالاستباق، والانتضال تمرينًا لقتال الأعداءِ وبالإقدام على المباحات، لأجل انشراح الصدر لا للهو، وإنما سموه لعبًا لكونه على صُورته. قال (١) أبو الليث: لم يريدوا به اللعبَ الذي هو منهي عنه، وإنما أرادوا به المطايبة في المزاج في غير مأثم. وفيه دليل على أنه لا بأس بالمطايبة والتفرج. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أَنْ يَنَالَهُ مكروه؛ أي: نجتهد في حفظه غَايَةَ الاجتهاد حَتَّى نرده إليك سالمًا.
والمعنى (٢): أي أرسله مَعَنَا غَدَاةَ غدٍ حين نخرج كعادتنا إلى المَرْعَى في الصحراء، يشاركنا في الرياضة والأنس والسرور، وأكل الفواكه، والبقول، وغيرهما مما يَطِيبُ، وقد كان أكثر لعب أهل البادية السباقَ، والصراعَ والرَّمْىَ بالعصا، والسهام إن وجدت، وإنا لحافظوه من كل أذى يُصيبه. وقرأ (٣) الجمهور: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء والجزم. وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو بالنون، والجزم وكسر العين الحرميان، نافع وابن كثير. واختلف عن قنبل في إثبات الياء وحَذفِها. وروي عن ابن كثير: ﴿ويلعب﴾ بالياء وهي قراءةُ جعفر بن محمَّد. وقرأ العلاء بن سيابة: ﴿يرتع﴾ بالياء، وكسر العين مجزومًا محذوفَ اللام ﴿وَيَلْعَبْ﴾ بالياء، وضمَّ الباء خَبرَ مبتدأ محذوف؛ أي: وهو يلعبُ. وقرأ مجاهد، وقتادة، وابنُ مُحَيْصِن بنون مضمومة مأخوذ من أرتعنا، ﴿ونَلْعَب﴾ بالنون وكذلك أبو رجاء إلا أنه بالياء فيهما ﴿يرتع ويلعب﴾ والقراءتان على حذف المفعول أي يرتع المواشي شيء أو غيرها، وقرأ النخعي ﴿نرتع﴾ بنون ﴿ويلعب﴾. بياء بإسنادِ اللعب إلى يوسف وحدَه لصباه، وكذلك جاء عن أبي إسحاق ويعقوب. وكل هذه القراءات الفعلان فِيهَا مبنيان للفاعل. وقرأ زيد بن علي: ﴿يُرْتَع ويُلْعَب﴾ بضم الياءين مبنيًّا للمفعول، ويخرِّجها على أنه أضمر المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله، وهو ضمير غَدٍ، وكان أصله يرتع فيه، ويلْعَبُ فيه، ثم حذفَ واتسعَ فعُدِّيَ الفِعْلُ للضمير، فكان التقدير: يرتَعُهُ ويلعَبُهُ، ثمّ بَنَاهُ للمفعول فاستكن الضمير الذي كَانَ
стр. 5819
منصوبًا لكونه ناب عن الفاعل.
١٣ - ﴿قَالَ﴾؛ أي: قالَ يَعْقُوبُ مُجِيبًا لهم: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا﴾؛ أي: لَيُؤْلِمُ قَلْبي ذَهابُكُم به؛ لأني لا أصْبِرُ عنه ساعة ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ لكثرة الذئب في تلك الأرض ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ لاشتغالكم بالاتساع في الملاذ وبنحو التناضل.
واللام (١) في قوله: ﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ لام الابتداء، فإن قيل: لام الابتداء تُخَلِّصُ المضارعَ للحال عند جمهور النحاة، والذهابُ ههنا مستقبل، فيلزم تقدم الفعل على فاعله، مع أنه أَثَرُه .. قلنا: إنَّ التَّقْدِيرَ قصد أن تذهبوا به، والقصد حال، أو تصورُ ذَهابكم، وتوقعه، والتصور موجود في الحال، كما في العِلَّةِ الغائية، والحزن ألم القلب بفوت المحبوب، والخوف انزعاجُ النفس لنزول المكروه، ولذلك أسند الأولَ إلى الذهاب به المفوِّت لاستمرار مصاحبته، ومُوَاصلته ليوسف. والثاني: إلى ما يتوقع نزوله من أكل الذئب.
ورُوِي أنَّه رأى في المنام كأنه على رأس جبل، ويوسف في صحراء فَهَجَمَ عليه أحد عَشَرَ ذِئْبًا، فغاب يُوسُفُ بينهن، ولذا حَذَّرَهم من أكل الذئب، ومَع ذلك فَقد دَفَعَهُ إلى إخوته؛ لأنه إذا جاء القَدَرُ عَمِيَ البَصَرُ.
والحاصل (٢): أن يعقوبَ اعتذرَ لهم بشيئين:
أحدهما: عاجل في الحال، وهو ما يَلْحَقه من الحزن لمفارقته، وكان لا يصبر عَنْهُ.
والثاني: خوفه عليه من الذئب إنْ غفلوا عنه برعيهم ولعبهم، أو بقلَّةِ اهتمامهم بحفظه، وعنايتهم، فيأكله ويَحْزُن عليه الحُزْنَ المؤبَّد. وخصَّ الذِّئبَ لأنه كان السَّبُع الغالب على قطره، أو لصِغَر يُوسُفَ، فخافَ عليه هذا السَّبعَ الحقير، وكان تنبيهًا على خوفه عليه، ما هو أعظم افتراسًا ولحقارة الذئب، خصَّهُ الربيع بن ضبع الفزاري في كونه يَخْشَاهُ لَمَّا بَلَغَ مِنَ السِّنِّ:
стр. 5820
وَالذِّئْبُ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِيْ وَأَخْشَىُ الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا
وكأنَّ يعقوبَ بقوله: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ لقنهم ما يقولونَ من العذر إذا جاؤُوا, وليس معهم يوسف فلقنوا ذلك، وجعلوه عُدَّةً للجواب. وقرأ زيد بن علي: ﴿تَذْهَبُوا بِهِ﴾ من أذهبَ الرباعي وخرِّج على زيادة باء به كما خرَّج بعضهم ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ في قراءة مَنْ ضَمَّ التاء وكَسر الباءِ؛ أي: تنبت الدهنَ وتذهبوه. وقرأ الجمهور: ﴿الذِّئْبُ﴾ بالهمز، وهي لغة الحجاز. وقرأ الكسائي وورش، وحمزة إذا وَقف بغير همز. وقَالَ نصرُ: سمعت أبا عَمرو لا يُهْمِزُ.
١٤ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال إخوة يوسف لأبيهم، والله ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾؛ أي: لئن أكَلَ يوسفَ الذئب، واختَطَفَهُ من بيننا في الصحراء ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾؛ أي: والحال إنَّا جماعة شديدةُ البأس، عشرة رجال تُكْفى بنا الخطوب، وتُدْفَع بنا مهمات الأمور ﴿إِنَّا إِذًا﴾؛ أي: إذ عَجَزْنَا عن حفظ أخينا ﴿لَخَاسِرُونَ﴾؛ أي: لهالكون (١) ضَعْفًا، وخورًا، وعجزًا، ولا غناءَ عندنا, ولا نَفْعَ ولا ينبغي أن يعتدَّ بِنَا، ويُرْكَنَ إلينا. وفي "الكواشي": مغبونون بترك حرمة الوالد، والأخ، وإنما اقتصروا على جواب خوفه على يوسف من أكل الذئب، ولم يجيبوا عن الاعتذار الأول الذي هو الحُزْنُ لأنه السبب القوي في المنع دونَ الحُزْنِ لِقِصَرِ مدَّته، بناء على أنهم يأتون به عن قَرِيبٍ.
وعن بعض الصحابة ﵃ أنه قال: لا ينبغي للرجل أن يلقن الخصم الحجةَ؛ لأنَّ إخوةَ يُوسُفَ كَانُوا لا يعلمونَ أنَّ الذِّئْبَ يأكل الناسَ، إلى أن قالَ ذلك يعقوب، ولقنهم العلة في كيد يوسف. وفي الحديث: "البلاء مُوكَّلٌ بالمنطق، ما قال عبد لشيءٍ والله لا أفعله، إلَّا تَرَك للشيطان كل شيء فَولِعَ حتى يُوشِمَه". يُحْكَى أنَّ ابنَ السِّكِّيت من أئمة اللغة جَلَس مع المتوكل يومًا فجاء المعتزُّ والمؤيد ابنا المتوكل، فقال: أيهما أحبُّ إليك ابناي أم الحَسَنُ والحُسَيْنُ؟ قال: والله إنَّ قنبر خَادِمَ عليٍّ ﵁ خَيرٌ منك، ومن ابنَيْك، فقال: سلوا
стр. 5821
لِسَانه منْ قفاه، ففَعَلوا، فمات في تلك الليلة. ومِنَ العَجَبِ أنه أنشد قَبْلَ ذلك إلى المعتزِّ والمؤيد، وكان يعلِّمُهما فقال:
يُصَابُ الْفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ ... ولَيْسَ يُصَابُ الْمَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ
فَعَثْرَتُهُ فِيْ الْقَوْلِ تَذْهَبُ عَثْرَتُه ... وَعَثْرَتهُ في الرِّجْلِ تَبْرَأ عَلَى مَهْل
١٥ - قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ مرتب على محذوف تقديره: ولما رَأَى يعقوب إلحاحَ إخوة يوسف في خروجه معهم إلى الصحراء، ومبالغتهم في العهد، واليمين، ورَأَى أيضًا ميل يوسف إلى التفرج، والتنزه معهم رضِيَ بالقضاء، فأرسله معهم. وهذا (١) المقدر معطوف على قوله سابقًا: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَع﴾ إلخ. قال الحسن: كان بين خروج يُوسُفَ من حجر أبيه إلى يوم التلاقي ثَمانُون سنة، لم تجفَّ فيها عَيْنا يعقوب، وما على الأرض أكْرَمُ على الله منه، اهـ خازن؛ أي: فلمَّا ذهبوا به من عند يعقوب ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾؛ أي: عَزَمُوا، واتفقوا على أن يلقوه ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾؛ أي: في قَعْرِ البئر، وأسفلِه، وظلمته. وكان (٢) على ثلاثة فراسخَ من منزل يعقوب بكنعان، التي هي من نواحي الأردن، حَفَره شداد حين عَمَر بلاد الأردن، وكَانَ أعلاه ضَيِّقًا، وأسفله وَاسِعًا. وجواب (لمَّا) محذوف تقديره: فعلوا به ما فعلوا من الإذاية. وقيل: جوابه: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾. وقيل: يكون تقدير الجواب جَعَلُوه فيها. وقيل: الجوابُ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ و ﴿الواو﴾ مقحمة ومثلُه قَوْلُه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾؛ أي: ناديناه ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾؛ أي: وأوحينا إلى يوسف في الجب إزالةً لوحشته عن قلبه، وتبشيرًا له بما يؤول إليه أمره، وكَانَ ابنَ سبع سنين أو دونها. فاجتمع (٣) مع كونه صغيرًا على إنزال الضرر به، عشرة رجال من إخوته بقلوب غليظة، قد نُزِعَتْ عنها الرحمة, وسلِبَتْ منها الرأفة، فإنَّ الطبعَ البشريَّ - دَعْ عنْكَ الدِّينَ - يتجاوز عن ذنب الصغير, ويغتفره لضعفه عن الدفع، وعَجْزِه عن أيسر شيء يُرادُ
стр. 5822
منه، فكَيْفَ بِصغيرٍ لا ذنبَ له، بل كيف بصغير هو أخٌ وله ولهم أب مثل يعقوب. فلقد أبعد مَن قال: إنهم كانوا أنبياءَ في ذلك الوقت فما هكذا عَملُ الأنبياءِ ولا فعل الصالحين.
وفي هذا (١) دليل على أنه يجوز أن يوحِي الله إلى مَنْ كانَ صغِيرًا ويعطيه النبوةَ حينئذ كما وَقَع في عيسى، ويحيى بن زَكَرِيا.
وقد قيل: إنه كان في ذلك الوقت قد بَلَغَ مبالغ الرجال، وهو بعيد جدًّا، فإن من كان قد بَلَغَ مبالِغَ الرجال لا يُخَاف عليه أن يَأْكُلَه الذِّئْبُ.
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لتخبرن يا يوسف إخْوَتَك بصنيعهم هذا الذي فعلوه بك، بعد خُلُوصِكَ مما أرادوه بك من الكيد، وأنزلوه عليك من الضَّرَر. وجملة قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ في محل النصب على الحال من ضمير الغائبين في ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾؛ أي: والحال أنهم لا يشعرون بأنك أخوهم يوسف، لاعتقادهم هلاكك بإلقائهم لك في غيابة الجب، ولبعد عهدهم بِك، ولكونك قد صرت عند ذلك في حال غير ما كنت عليه أولًا، وخلاف ما عهدوه منك. وسيأتي ما قاله لهم عند دُخولِهم عليه بَعْدَ أنْ صَارَ إليه ملك مِصْرَ. والمقصود مِن هذا الإيحاء تقويةُ قَلْبِهِ بأنه سَيَحْصُل له الخَلاص عن هذه المحنة، ويَصِيرُونَ تَحْتَ قهره وقدرَتهِ.
والمعنى (٢): أي فلما ذَهَبَ به إخوته من عند أبيه بعد مُرَاجعتهم له، وقد عَزَموا عَزْمًا إجماعِيًّا، لا تردُّدَ فيه على إلقائه في غيابة الجب، نفَّذُوا ذلِكَ، وحينئذ أوحينا إليه، وحيًا إلهاميًّا تطييبًا لقلبه، وتثبيتًا لنفسه، لا تَحْزَنْ مِمَّا أنتَ فيه، فإنَّ لك من ذلك فرجًا ومخرجًا حسنًا، وسينصرك الله عليهم، ويرفع درجَتك، وستخبرهم بما صنعوا وهم لا يشعرونَ بأنك يوسف. وقرأ (٣) الجمهور: ﴿لتنبئنهم﴾ بتاء الخطاب. وابن عمر بياء الغيبة. وكذا في بعض مصاحفِ
стр. 5823
البصرة. وقرأ سَلَّام بالنون.
فصل في ذكر قصة ذهابهم بيوسف ﵇ (١)
قال وهبٌ وغيرَهُ من أهل السيَرِ والأخبار: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ قالوا له: أما تشتاقُ أن تخرج معنا إلى مواشينا، فنَصِيد، ونستبقَ؟ قال: بلى، قالوا له: أنسأل أبَاكَ أن يرسلكَ معنا؟ قال يوسف: افعلوا، فدخلوا بجماعتهم على يعقوب، فقالوا: يا أبانا إنَّ يُوسُفَ قد أحبَّ أن يخرج معنا إلى مَوَاشِينا، فقال يعقوب: ما تقول يا بنيَّ؟ قال: نعم يا أبت إني أرى من إخْوَتي اللِّين، واللُّطْفَ، فأحب أن تأذن لي، وكان يَعْقُوبُ يكره مُفَارَقتَهُ، ويحب مرضاتَهُ فأَذِنَ له، وأرْسَلَهُ معهم.
فلمّا خَرَجُوا من عند يَعْقُوب، جعلوا يَحْمِلُونَه على رقابهم، ويَعْقُوبُ ينظر إليهم، فلما بعدوا عنه، وصَارُوا إلى الصحراء أَلْقَوْهُ على الأرض، وأظهروا له ما في أنْفُسِهم من العداوة، وأَغْلَظوا له القَوْل، وجعلوا يضربونه. فجَعَل كلَّما جاء إلى واحد منهم، واستغاث به ضَرَبه. فلمَّا فَطِنَ لما عزموا عليه من قتله جعل يُنادِي يا أبتَاه يا يعقوبُ، لو رأيتَ يُوسُفَ، وما نزل من إخوته، لأحْزَنَكَ ذلك، وأبكاك يا أبتاه ما أسْرَعَ ما نسُوا عَهْدَك، وضيَّعوا وصيَّتَك، وجعل يبكي بُكاءً شديدًا. فأَخَذَهُ روبيل وجَلَد به الأرضَ، ثم جَثَمَ على صدره، وأراد قَتْلَه فقال له يوسف: مهلًا يا أخي لا تَقْتُلني. فقال له: يا ابنَ راحيل أنت صاحبُ الأحلام، قل لرؤياك تخلِّصُك من أيدينا, ولَوَى عنقه، فاستغاث يوسف بيهوذا، وقال له: اتق الله فِيَّ وحل بيني وبينَ مَنْ يريد قتلي. فأدركته رحمة الأخوة ورَقَّ له، فقال يهوذا: يا إخوتي ما على هذا عاهدتموني ألا أدلكم على ما هو أَهونُ لكم وأرفقُ به؟ فقالوا: وما هو؟ قال: تلقونه في هذا الجبِّ إمَّا أنْ يَمُوتَ أو يلتقِطه بَعْضُ السيارة، فانطلقوا به إلى بئر هناك على غير الطريق، واسع الأسفل ضيق الرأس، فجعلوا يدلونه في البئر فتعَلَّقَ بشفيرها، فرَبطُوا يديه، ونَزعوا قَمِيصَهُ. فقال: يا إخوتاه ردوا عليَّ قميصي لأستتر به في الجبِّ، فقالوا: اُدْعُ الشمسَ والقمرَ
стр. 5824
والكواكبَ تخلصكَ، وتؤنِسُك. فقال: إني لم أرَ شيئًا، فألقوه فيها، ثُمَّ قال: يا إخوتاه أتدعوني فيها فريدًا وحيدًا. وقيل: جعلوه في دلو ثمَّ أرسلوه فيها. فلمَّا بَلَغَ نصفَها ألقوه إرادةَ أن يموت، وكان في البئر ماءٌ فسَقَطَ فيه، ثم آوى إلى صخرة كانت في البئر، فقام عليها. وقيل: نزل عليه مَلَكٌ فحَلَّ يديه، وأَخْرَج له صخرةً من البئر فأجلسه عليها. وقيل: إنهم لما ألقوه في الجبِّ جَعَل يبكي فَنَادَوْهُ، فظن أنَّها رحمة أدركتهم، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ليقتلوه فمَنَعهم يهوذا من ذلك، وقيل: إنَّ يعقوبَ لما بعثه مع إخوته أَخْرَجَ له قميص إبراهيم، الذي كساه الله إياه من الجنة، حين أُلقِيَ في النار، فجعله يعقوب في قصبة فضةٍ، وجعَلَها في عنق يوسف، فألبسه الملك إياه حينَ ألقِي في الجُبِّ فأضاءَ له الجُبَّ. وقال الحَسنُ: لمَّا ألقِيَ يُوسَفُ في الجب عذبَ ماؤُه، فكان يكفيه عن الطعام والشراب، ودَخَلَ عليه جبريل فأَنِسَ بِهِ. فلمَّا أمسى نهض جبريلُ ليذهب، فقال له: إذا خَرَجْتَ استَوْحَشْتُ. فقال له: إذا رهبتَ شيئًا فقل: يا صريخ المستصرخِين، ويا غَوثَ المستغيثين، ويا مفرِّج كرب المكروبين، قد ترى مكاني، وتعلم حالي، ولا يخفى عليك شيءٌ من أمري. فلما قالها يوسف حفَّته الملائكة، واستأنس في الجُبِّ.
وقال محمَّد بن مسلم الطائِفيّ: لما ألقي يوسف في الجُب قال: يا شاهدًا غَيْرَ غائب، ويا قريبًا غير بعيد، ويا غالِبًا غير مغلوب، اجعل لي فرجًا مما أنا فيه، فما بات فيه. وقيل: مكث في الجبِّ ثلاثَةَ أيَّامٍ، وكان إخْوَتُه يَرْعَوْنَ حَوْلَهُ، وكان يهوذا يأتيه بالطعام. وقيل (١): عَلَّم جبريلُ يوسفَ هذا الدعاء، أي في البئر: "اللهم يا كاشفَ كل كربة، ويا مجيبَ كل دعوة، ويا جابرَ كل كسير، ويا ميسرَ كل عسير، ويا صاحِبَ كل غريب، ويا مؤنس كل وحيد، يا من لا إلَه إلا أنت سبحانَكَ، أسألك أن تجعل لي فرجًا ومخرجًا، وأن تَقْذِفَ حُبَّكَ في قلبي حتى لا يكون لي هم ولا ذكر غيرك، وأن تَحْفَظني وترحمني يا أرحم الراحمين".
стр. 5825
وقال بعضهم: سَبَبُ ابتلاء يعقوبَ بفراق يوسف ما روي في الخبر أنه ذَبَح جَدْيًا بَيْنَ يدي أُمِّهِ فلم يَرْضَ اللَّهُ تعالى ذلك منه، وأَرَى دمًا بدم، وفرقةً بفرقة، لعظمةِ احترام شأن النبوة، ومن ذلك المقام: حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقربين.
وقال بعضهم (١): لما وُلِدَ يوسُفُ اشترى يعقوب له ظئرًا، وكان لها ابن رضيع، فباع ابْنَها تكثيرًا لِلَّبَنِ على يوسف، فبكَتْ وتضرَّعَت، وقالت: يا رب إنَّ يعقوبَ فَرَّق بيني وبين ولدي، ففرق بينه وبين ولده يوسف، فاستجاب الله دعاءها فلم يَصِلْ يعقوب إلى يُوسُفَ إلا بعد أن لَقِيَتْ تلك الجارية ابنَها. هذا بالنسبة إلى حال يعقوب وابتلائه، وأمَّا بالنسبة إلى يوسف، فقد حكي أنه أخَذ يومًا مرآةً فنظر إلى صورته، فأَعْجَبَه حسنه، وبهاؤه، فقال: لو كنتُ عَبْدًا فباعوني لما وجد لي ثمن، فابتليَ بالعبودية، وبِيعَ بثمن بَخْسٍ، وكان ذلك سببَ فِرَاقِهِ من أبيه. وفيه إشارة إلى أنَّ الجَمَال والكمالَ كلَّه لله تعالى.
١٦ - ﴿و﴾ لَمَّا طرحوا يوسف في الجب ﴿جاءوا أباهم عشاء﴾؛ أي: رَجَعُوا إلى أبيهم، وَقْتَ العشاء في ظُلمة الليل، لِيَكُونُوا في الظلمة أجرأ على الاعتذار بالكذب. فَلَمَّا بَلَغُوا مَنْزِلَ يَعْقُوب جَعَلُوا ﴿يَبْكُونَ﴾؛ أي: يَتَبَاكَوْن ويصرخون لأنهم لم يبكوا حقيقةً بل فعلوا فِعْلَ من يبكي ترويجًا لكذبهم، وتَنْفِيقًا لمكرهم، وغَدْرِهِم، فسمع أصواتَهم، ففَزعَ من ذلك، وقال: ما لكم يا بنيَّ هل أصابكم في غَنمِكم شيء؟ قالوا: الأمرُ أعظمُ، قال: فما هو؟ وأينَ يوسف؟
١٧ - ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا﴾ حالةَ كونِنَا ﴿نَسْتَبِقُ﴾؛ أي يسابقُ بَعْضُنَا بعضًا في الرمي، أو العَدْوِ. وقيل: ننتضل (٢) ويؤيده قراءةُ ابن مسعودَ: ﴿ننتضل﴾. قال الزجاج: وهو نوعٌ من المسابقة. وقال الأزهري: النضالُ في السهام، والرِّهانُ في الخيل، والمسابقةُ تجمعهما. قال القشيري: ﴿نستبق﴾؛ أي: في الرمي أو على الفرس، أو على الأقدام. والغرض من المسابقة التدرب بذلك للحرب. ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾؛ أي: عند ثيابنا، وأزوادنا لِيَحْرُسَها ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ عَقِبَ ذلك من غير
стр. 5826
مضي زمان يعتاد فيه التفقدُ والتعهدُ؛ لأنَّ الفاءَ للتعقيب، وقد اعتذروا إليه بما خَافَه سابقًا عليه، ورُبَّ كلمة تقول لصاحبها دَعْنِي ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾؛ أي: بِمُصَدِّقٍ لنا في هذا العذر الذي أبدينا، والمقالة التي قُلْنَاها ﴿وَلَوْ كُنَّا﴾ عندك أو في الواقع ﴿صَادِقِينَ﴾؛ أي موصوفين بالصدق، والثقة لِمَا قَدْ عَلِقَ بقلبك من التهمة لنا في ذلك مع شدة محبتك له. قال الزجاج: والمعنى: ولو كنَّا عندك من أهل الصدق، والثقة ما صدَّقتنا في هذه القضية لشدة محبتك ليوسف، وكذا ذكره ابن جرير.
فائدة: والفرق (١) بين الصدق والتصديق: والكذب والتكذيب: أنَّ الصدق: هو الإخبارُ عن الشيء على ما هو به. والكذب: الإخبارُ عنه على خلاف ما هو به. والتصديق باللسان: الإخبارُ بكون القائل صادقًا، وبالقلب: الإذعان والقبولُ لذلك. والتكذيب بخلاف ذلك.
والمعنى (٢): أي جَاؤُوه وقت العشاء حين خَالَطَ سوادُ الليل بياضَ النهار، حالَ كونهم يبكون لِيُقْنِعُوه بما يريدون، قائلين له: إنا ذهَبْنا من موضع اجتماعنا نَتَسَابَقُ، ونَتَرامَى بالنِّبَال، وتركنا يُوسُفَ عند ثِيَابنَا، وأزوادنا لِيَحْفَظَها، إذ لا يستطيع مجاراتِنَا في استباقنا الذي يرهقُ القوِيَّ، فَأكَلَه الذّئبُ إذ بَعُدْنَا عنه، ولم نسمع استغاثته، ولا صُراخَهُ ونحن نعلم أنك لا تُصدِّقُنَا, ولو كُنَّا عندك صادقين، فكيفَ وأنت تتهمنا في ذلك، ولك العذر في هذا لغرابة ما وقَعَ، وعجيب ما اتَّفَقَ لنا في ذلك الأمر. وقوله: ﴿عِشَاءً﴾ نصب على الظرف، أو من (٣) العشوة، والعَشْوَةُ: الظلام، فجُمِعَ على فعال مثل رَاع ورُعاء، ويَكون انتصابه على الحال كقراءة الحسن: ﴿عُشى﴾ على وزن دجى جمع عاش حَذف منه الهاء، كما حذفت في مالك وأصلُه مالكة. وعن الحسن: (عشيًّا) بالتصغير لعشي أي آخر النهار.
стр. 5827
١٨ - ﴿وَجَاءُوا﴾؛ أي: جاء إخوة يوسف ﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾؛ أي: فَوقَ قميص يوسف، فهو منصوب على الظرفية، من قوله: ﴿بِدَمٍ﴾؛ أي: جَاؤوا بدم فوقَ قميصه، أو على الحالية منه، والخلافُ في تقدُّم الحال على المجرور فيما إذا لم يكن الحال ظرفًا ﴿كَذِبٍ﴾ مصدر وصف به الدم مبالغةً كأنَّ مجيئَهم من الكذب نفسه، كما يقال للكذَّاب: هو الكذب بعينه، أو مصدرٌ بمعنى مفعول، أي مكذوب فيه؛ لأنه لم يَكُنْ دَمُ يوسف. وقرأ (١) الجمهور: ﴿كذِبٍ﴾ وَصْفًا للدم على سبيل المبالغة، كما قلنا آنِفا أو على حذف مضاف؛ أي: ذي كذب لمَّا كان دالًّا على الكذب وصف به، وإن كان الكَذِبُ صَادِرًا من غيره. وقرأ زَيْدُ بن علي: ﴿كَذِبًا﴾ بالنصب على الحال، فاحتمل أن يَكُونَ مصدرًا في موضع الحال، وأن يَكُونَ مَفْعُولًا لأَجْلِهِ. وقرأت عَائِشَةُ والحسن: ﴿كَدِبٍ﴾ بالدال المهملة، وفسِّر بالكدر. وقيل: الطَّرِيِّ. وقيل: اليابس.
روي (٢) أنهم ذَبَحُوا سخلةً ولَطَخُوه بدمها، وزَالَ عنهم أن يمزِّقُوه فلَمَّا سمع يعقوبُ بخبر يوسف، صاح بأعلى صوته، فقال: أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه، وبكى حتى خَضِبَ وَجْهَه بدم القميص، قال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا أَكَل ابني، ولم يمزِّقْ عليه قَمِيصَهُ. وقوله: ﴿قَالَ﴾ مستأنف استئنافًا بيانيًّا كأنه قيل: ما قال يعقوب؟ هل صدَّقهم فيما قالوا: أو لا؟ فقيل: ﴿قَالَ﴾ يعقوب جوابًا لهم لم يكن ذلك الذي أخْبَرْتُمُوه لي صدقًا ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ وزينتْ وسَهَّلَتْ ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ قاله ابن عباس ﵄. والتسويل (٣): تقدير شيء في الأنفس مع الطمع في إتمامه. قال الأزهري: كأن التسويلَ تفعيل من سؤال الأشياء، وهي الأمنية التي يطلبها فيزيَّن لطالبها الباطلُ وغَيْرُه. ﴿أَمْرًا﴾ من الأمور مُنْكرًا لا يُوصَفُ ولا يُعْرَفُ فصنعتموه بيوسف، استدلَّ يَعْقُوبَ على أنهم فَعلُوا بيوسف ما أرادوا، وأنهم كاذبون، بشيئين: بما عرف منْ حسدهم الشديد، وبسلامة القميص، حيث لم يَكُن فيه خرق ولا أثر نَاب؛ فقوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ ردٌّ
стр. 5828
لقولهم: ﴿أكله الذئبُ﴾، وبل للإعراض عمَّا قبله، وإثبات ما بعده على سبيل التدارك، نحو: جاء زيد بل عَمْرُو كما في "بحر العلوم"؛ أي: قال (١) يعقوب ليس الأمر كما تقولون: بل زيَّنَتْ لكم أنفسكم أمرًا غَيْرَ ما تَصِفُون. قيل: لَمَّا جاءوا على قميصه بدمِ جَدْيٍ ذهلوا عن خَرْقِ القميص. فلَمَّا رأى يعقوبُ القميصَ صحيحًا قال: كذبتم لو أَكَله الذئبُ لَخَرق قَمِيصَه. وقالَ بعضُهم: بل قَتَلَهُ اللُّصُّ. فقال: كيفَ قَتَلُوه وتَرَكُوا قَمِيصَه؟ وهم إلى قميصه أحْوَجُ منه إلى قَتْلِه. وقيل: إنهم (٢) أتوه بذئب، وقالوا: هذا أكَلَه، فقال يعقوب: أيها الذِّئْبُ أنْتَ أكلت ولدي، وثمرة فؤادي، فأنطقه الله وقال: والله ما أكلْتُ ولدَكَ ولا رأيته قطُّ، ولا يَحِلُّ لنا أن نأكل لُحومَ الأنبياء. فقال يعقوب: فكيف وَقَعْتَ في أرض كنعان، قال: جئت لصلةِ الرحم قرابة لي فأخذوني، وأتوا بي إليك فأطْلَقَه يعقوب.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾؛ أي: فصبري صبر جميل، أو فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أولى من الجزع، والصبر الجميل: هو الذي لا شكوى فيه إلى أحد إلا إلى الخالق ، وإلا فقد فقال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
واعلم (٣): أنَّ الصَّبْرَ إذا لم يكن فيه شكوى إلى الخلق، يَكُونُ جميلًا، وإذا كَان فيه مع ذلك شكوى إلى الخالق يكون أجمل لِمَا فيه من رعاية حق العبودية ظاهرًا، حيث أمسك عن الشكوى إلى الخلق، وباطنًا حيث قصَّرَ الشكوى على الخالق، والتفويض جميل، والشكوى إليه أجملُ. وأما (٤) الهجرُ الجميلُ فهو الذي لا إيذاء معه. وأما الصَّفْحُ الجميل فهو الذي لا عِتَابَ بعده، وقد تحقق بجميعها كل من يوسف ويعقوب.
﴿وَاللَّهُ﴾ هو ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾؛ أي: المطلوب منه العونُ، وهو
стр. 5829
إنشاء الاستعانة المستمرة ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾؛ أي: على تحمل المكاره التي تذكرونا في أمر يوسف، أو على إظهار حال ما تصفون من شأن يوسف، وبيان كونه كذبًا، وإظهار سلامته كأنه عَلِمَ منه الكذب، وكأن (١) الله تعالى قد قَضَى على يعقوبَ أن يُوصِلَ إليه تلك الغموم الشديدةَ، والهمومَ العظيمة، لِيَكْثُرَ رُجُوعُه إلى الله تعالى، وينقطِعَ تعلق فكره عن الدنيا فيصلَ إلى درجةٍ عاليةٍ في العبودية، لا يمكن الوصول إليها إلَّا بتحمل المِحَنِ الشديدة، والله أعلم. وقرأ (٢) أبي والأشهب، وعيسى بن عمر: ﴿فصبرًا جميلًا﴾ بنصبهما، وكذا هي في مصحف أُبي، ومصحف أنس بن مالك. وروي كذلك عن الكسائي، ونَصبه على المصدر الخبريِّ، أي فاصبر صبرًا جميلًا. قيل: وهي قراءة ضعيفة عند سيبويه، ولا يصلح النصبُ في مثل هذا إلا مع الأمر، وكذلك يَحْسُن النَّصْبُ في قوله:
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِيْ طُوْلَ السُّرَى ... صَبْرًا جَمِيْلًا فَكِلاَنَا مُبْتَلَى
ويروى صبر جميل في البيت، وإنما تصح قراءة النصب على أن يقدَّر أن يعقوبَ رَجع إلى مخاطبةِ نَفْسِهِ، فكأنه قال: فاصبري يا نفسي صبرًا جميلًا.
ومعنى الآية: أي إنهم جَاؤوا بقميصه مُلَطَّخًا ظاهره بدم غير دم يوسف، وهم يدعون أنه دمه ليشهد بصدقهم، فكانَ دليلًا على كذبهم، ومن ثم قال: ﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾ ليستبين للقارىء والسامع أنه موضوع وضعًا متكلفًا إذ لو كان من افتراس الذئب لتمزق القميصُ، وتغلغل الدم في كل قطعة منه، ومن أجل هذا كلِّه لم يصدِّقْهم، وقال: هيهاتَ ليس الأمرُ كما تدَّعون بل سَهَّلَتْ لكم أنفسكم الأَمَّارةُ بالسوءِ أمرًا نكرًا، وزينته في قلوبكم فطَوَّعته لكم حتى اقترفتموه، وسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه، حتى يفرجه الله بعونه ولطفه، وإنّي أستعين به على أن يَكْفِيَنِي شَرَّ ما تصفون من الكذب.
١٩ - ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾؛ أي: رفقة مسافرون تسير من جهة الشام، يريدون مِصْرَ فأخطؤوا الطريقَ، فانطلقوا يَهِيمُون في الأرض حتى وقعوا في الأراضي التي فيها
стр. 5830
الجب، وهي أرض دوثن بَيْنَ مدين ومصر، فنزَلُوا عليه ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾؛ أي: بعثوا سَاقِيَهم ليطلب لهم الماء، وهو مَنْ يُهيِّىء الأرشية، والدِّلاءَ، فيتقدم الرفقة إلى الماء، يقال له: مالك بن ذعر الخزاعي ابن أخي شعيب ﵇، وهو رجلٌ من العرب العاربة من أهل مدين، ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾؛ أي: فأرْخَى، وأنزل دلوه في جب يوسف ليأخذ الماء فتعلق يوسف به، فلم يقدر الساقي على نزعه وإخراجه من البئر فنَظَرَ فيه فرأى غُلامًا قد تعلق بالدلو، فنادى أصْحَابَهُ فـ ﴿قَالَ يَا بُشْرَى﴾؛ أي: يا أصحابي. وقال الأعشى: إنه دعا امرأةً اسمها بشرى. وقال السديُّ: إنه نادى صاحبَهُ، واسمه بشرى كما قرأه. وعاصم والكسائي بغير ياء المتكلم بعد الألف المقصورة. وقال أبو علي الفارسي: والوجه أن يجعل البشرى اسمًا للبشارة، فنادى ذلك بشارةً لنفسه، كأنه يقول: يا أيتها البشرى هذا الوقت، وقتك، ولو كنت مِمَّنْ يخاطب لخوطبت الآنَ، ولأُمِرْتِ بالحضور، ويدلُّ على هذا قراءة الباقين، ﴿يا بشرايَ﴾ بفتح ياء المتكلم بعد الألف على الإضافة. قالوا: ما ذلك يا مالك؟ قال: ﴿هَذَا غُلَامٌ﴾ أحسن ما يكون من الغلمان، فكَانَ يوسُفُ حَسَنَ الوجه، جَعْدَ الشَّعْرِ، ضخم العَيْنَين، مُسْتَوي الخلق، أبيض اللون، غَليظ الساعدين، والعضدين، والساقين، خَميص البطن، صغير السرة، وكان إذا تبسَّم ظهر النور من ضواحكه، وإذا تكلم ظهر من ثناياه شعاع النور، ولا يستطيع أحد وَصْفَه. وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يُشْبِهُ آدم ﵇ يَوْم خَلَقه الله تعالى قبل أن يصيب الخطيئةَ، اهـ خازن.
فاجتمعوا عليه فأخرجوه من الجب بعد مكثه فيها ثَلاثَةَ أيام ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾؛ أي: أسَرُوا يُوسُفَ وأخفوه حَالةَ كونه ﴿بِضَاعَةً﴾؛ أي: مَتَاعًا للتجارة؛ أي: كَتَم الواردُ وأصحابه شأنَ يوسف من بقية القوم الذين معهم، وقالوا: إنه بضاعة استبضعناه، وحملناه لبعض أهل المال إلى مصر، وإنما قالوا ذلك خِيفَة أن يطلبوا منهم الشركة فيه، وذلك لأن الواردَ وأصحابَه قالوا: إن قلنا للسيارة التقطناه من الجُبِّ شاركونا فيه قَهْرًا. وإن قلنا: اشتريناه سألونا الشركة فالأصوبُ أن نقول: إن أهل الماء جعلوه بِضَاعَةً عندنا على أن نبيعه لهم بمصر. وقيل: إن إخْوَةَ يُوسُفَ أَسَرّوا شأن يوسُفَ، يعني أنهم أخفوا أمر يوسف، وكونه أخًا لهم بل
стр. 5831
قالوا: هو عبدٌ لنا أبَقَ. وصدقهم يوسف على ذلك؛ لأنهم توعدوه بالقتل سرًّا من مالك بن ذعر، وأصحابِه. والقول الأول أصحُّ لأن مالك بن ذعر هو الذي أسره بضاعةً وأصحابه. والبضاعةُ: ما بُضِعَ من المال للتجارة، أي: قُطِعَ.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بما يعمل إخْوَة يُوسُفَ بأبيهم وأخيهم من سوء الصنع، ولَمْ يَخْفَ عليه أسرارهم يعني من إرادة إهلاك يوسف، فجعل ذلك سببًا لنجاته، وتحقيقًا لرؤياه حتى يصيرَ ملك مصر بعد أَنْ كان عبدًا.
قال أصحاب الأخبار (١): إنَّ يهوذا كان يأتي يوسُفَ بالطعام، فأتاه فلم يَجِدْه في الجبِّ فأخبر إخْوته بذلك، فطلبوه، فإذا هم بمالك بن ذعْرٍ وأصحابه نزولًا قريبًا من البئر، فأتوهم، فإذا يوسف عندهم. فقالوا لهم: هذا عبدنا أبق منا، ويقال: إنهم هددوا يوسفَ حتى يكتم حالَه، ولا يعرفها أحد، وقال لهم مثل قولهم.
٢٠ - ثم إنهم باعوه منهم كما قال: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾.
وفي هذه الجملة (٢) وعيد شديدٌ لمن كان فعله سببًا لما وقع فيه يوسف من المحن، وما صار فيه من الابتذال بجري البيع والشراء فيه، وهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسُفَ بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ ﵈.
والمعنى (٣): أي وجاءت ذلك المكان قافلة تسير من مَدْيَنَ إلى مِصْرَ فأرسلوا وَارِدَهُمْ الذي يجلب لهم الماء للاستسقاء، فأرسل دَلْوه ودلاه في ذلك الجب فتعلق به يوسف. ولما خَرَجَ ورآه قال مُبشِّرًا جماعته السيارة: ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ أي: آن وقت البشرى فاحضري، كما يقال: يَا أسفًا، ويا حسرتا، إذا وقع ما هو سبب لذلك، فاستبشرتْ به السيارة، وأخفوه من الناس لئلا يَدَّعِيهِ أحدٌ من أهل ذلك المكان لأن يَكُونَ بضاعة لهم من جملة تجارتهم، والله عليم بما
стр. 5832
يعمله هؤلاء السيارة، وما يعمله إخوةُ يوسُفَ فلكل منهم مقصد خاص في يوسف، فالسيارة يدَّعون بالباطل، أنه عبد لهم فيتجرون فيه، وإخوةُ يوسف يريدون إخفاءه عن أبيه، ويدَّعُونَ أنَّ الذِّئبَ قد أكله، وذلك كيد بالباطل لِيُمْضِي فيه وفيهم حُكْمَهُ السابقَ في علمه، وليرى إخوةُ يوسُفَ ويُوسُفُ وأبوه قُدْرَتَه تعالى على تنفيذ ما أراد.
وفي هذا تذكير من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ وتسلية له على ما كان يلقى من قومه، وأقْرِبَائِه وأنسبائه المشركين من الأذى، فكأنه يقول له: اصبر على ما نالك في الله تعالى، فإني قادر على تغيير ذلك كما قدرت على تغيير ما لقِيَ يوسف من إخوته، وسيصير أمْرَكَ إلى العلو عليهم، كما صار أمر يوسف مع إخوته إذ صار سيدهم. ﴿وَشَرَوْهُ﴾؛ أي: باعوه في مصر؛ أي: باع يوسف مالك بن ذعر وأصحابه في مصر بعد أن وَصلُوا إليها وهو من الأضداد. والضمير للوارد وأصحابه، أو الضمير لإخوة يوسف؛ أي: باع إخوة يُوسُفَ يُوسُفَ للوارد وأصحابه، ويحتمل أن يكونَ الشِّراء على معناه؛ أي: واشترى الوارد وأصحابه يُوسُفَ من إخوته إذ جعلوه عُرْضَةً للابتذال بالبيع والشراء؛ لأنهم لم يَعْرِفُوا حَالَهُ إما لأنَّ الله تعالى أغفلهم عن السؤال، ليقضي أَمْرًا كان مفعولًا، أو لأنهم سألوا عن حاله، ولم يفهموا لُغَته لكونها عِبْريةً، أي باعوه في مصر. ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾؛ أي (١): مبخوس ناقص في نفسه لكونه زَيْفًا، وفي قدره لكونه قَلِيلًا فبخس هنا بمعنى مبخوس؛ لأنَّ الثَمَن لا يوسف بالمعنى المصدري، الذي هو النقص، ووصف بكونه مبخوسًا، إما لردائته وغشه، أو لنقصان وزنه، من بخسه حقه؛ أي: نقصه. وقال بعضهم: بثمن بخس؛ أي: حرام منقوص، لأن ثمن الحر حرام، انتهى. حمل البخس على المعنى لكون الحرام ممحوقَ البركات، والقولُ الأول هو الأصح. وقوله: ﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من ثمن أي لا دنانير ﴿مَعْدُودَةٍ﴾؛ أي: قليلة غير موزونة، فهو بيان لقلته، ونقصانه مقدارًا بعد بيان نقصانه في نفسه، بقوله: ﴿بَخْسٍ﴾؛ أي: زيف, لأنهم كانوا يَزِنُونَ الأوقية، وهي أربعون درهمًا
стр. 5833
ويعدون ما دونها. فعن ابن عباس: أنها كانت عشرين درهمًا. وعن السدي: اثنين وعشرين درهمًا. وقال عكرمة: كانت أربعين درهمًا.
﴿وَكَانُوا﴾؛ أي: البائعون ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في يُوسفَ ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾؛ أي: مِمَّنْ يرغب ويعرض عما في يده، فيبيعه بما طفَّ ونَقُصَ من الثمن؛ لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به، لا يبالي بما باعه، ولأنه يخاف أن يَظْهَرَ له مستحق فينزعه من يده، فيبيعه من أول مساوم بأوكس ثَمن وأرخصه. وأصل (١) الزهد: قِلَّةُ الرغبةِ، يقال: زَهِدَ فلان في كذا، إذا لم يكن له فيه رغبةٌ. والضمير في قوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ إن قلنا: إنه يرجع إلى إخوة يوسف كان وجه زهدهم فيه أنهم حسدوه، وأرادوا إبعاده عنهم، ولم يكن قصدهم تحصيل الثمن، وإن قلنا: إن قوله: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ يرجع إلى معنى واحد، وهو: أن الذين شَرَوْه كانوا فيه من الزاهدين، كان وجه زهدهم فيه: إظهار قلة الرغبة فيه، ليشتروه بثمن بخس قليل. ويحتمل أن يقالَ: إنَّ إخْوَتَهُ لما قالوا: إنه عبدنا، وقد أبق، أظْهَرَ المشترِي قِلَّةَ الرغبة فيه لهذا السبب.
قال أصحاب الأخبار (٢): ثمَّ إن مالك بن ذعر وأصحابَه لما اشتروا يُوسُفَ انطلقوا به إلى مصر، وتبعهم إخوته يقولون: استوثقوا منه، لا يأبق منكم، فذهبوا به حتى قدموا مصر. قال ابن عباس ﵄: لما دخلوا مصرَ لقِيَ قِطْفِيرٌ - صاحب أمر الملك -، وكان على خزائن مِصرَ مالِكَ بن ذعر فاشترى يوسُفَ منه بعشرين دينارًا، وزوج نعل، وثوبين أبيضين.
وقال وهب بن منبه: قَدِمَتِ السيارة بيوسف مِصْرَ، ودخلوا به السوقَ يُعرضونه للبيع، فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبًا، ووزنه فضة، ووزنه مِسْكًا وحَرِيرًا. وكان وزنه أربع مئة رطل. وكان عمره يومئذ ثلاث عَشَرةَ سنةً، أو سبع عشرة سنة. فابتاعه قطفير - وكان يسمَّى العزيز - بهذا الثمن، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾.
стр. 5834
والمعنى (١): أي وباعه السيارة في مصر بثمن قليل ناقص عن ثمن مثله أو الدراهم القليلة التي تعد عدًّا، ولا توزن وزنًا، وكانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية أربعين درهمًا، فَما فَوقَها، ويعدون ما دونها، ومن ثم يعبرون عن القليل بالمعدود. وفي سِفرِ التكوين أو التوراة: إنَّ إخْوَتَه قرروا بيعه للإسماعيليِّينِ؛ أي: للعرب، وقد أخرجه من الجب جماعة من أهل مدين، وباعوه لهم. وكانَ الذين باعوه أو الراغبين عنه الذين يبغونَ الخلاصَ منه، لئلا يَظْهَرَ مَنْ يطالبهم به؛ لأنه حُرٌّ، والثَّمَنُ، يكن مَقْصُودًا حِينَ بيعه، ومِنْ ثمَّ قَنِعوا بالبخس منه.
الإعراب
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾.
﴿الر﴾ تقدم البحث في إعرابه ومعناه. ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ. ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ خبر ومضاف إليه. ﴿الْمُبِينِ﴾ صفة لـ ﴿الْكِتَابِ﴾ والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّا﴾ واسمه. ﴿أنْزَلْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿قُرْآنًا﴾ حال موطئة من ضمير المفعول في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، ولكن بعد تأويله بمشتق، في حَالَةَ كونه مقروءًا؛ أي: مجموعًا. ﴿عَرَبِيًّا﴾ صفة ﴿قُرْآنًا﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إن) والجملة مستأنفة. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ناصب واسمه. وجملة ﴿أتعْقِلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعلَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ. ﴿نَقُصُّ﴾ وفعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق به. ﴿أَحْسَنَ اَلقَصَصِ﴾ ومفعول مطلق، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿بِمَا﴾ (الباء) حرف جر وسبب. (ما) مصدرية. ﴿أَوْحَيْنَا﴾ فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به. ﴿هَذَا﴾ في محل النصب مفعول ﴿أوْحَيْنَا﴾. ﴿الْقُرْآنَ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان منه، والجملة الفعلية صلة (ما) المصدرية (ما)
стр. 5835
مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بإيحائنا إليك هذا القرآن، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نَقُصُّ﴾. ﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ ﴿الواو﴾ حالية. (من) مخففة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا؛ أي: وإنه. (كنتَ) فعل ناقص واسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ متعلق بـ (كنت). ﴿لَمِنَ﴾ (اللام) حرف ابتداء. ﴿مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ جار ومجرور خبر (كان) وجملة (كان) في محل الرفع خبر (إن) المخففة، وجملة (إن) المخففة في محل النصب حال أو (كاف) ﴿عَلَيْكَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ﴾.
﴿إذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية مبني على السكون، والظرف متعلق بـ ﴿نَقُصُّ﴾ أو باذكر محذوفًا. ﴿قَالَ يُوسُفُ﴾ فعل وفاعل. ﴿لِأَبِيهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ (إذ). ﴿يَا أَبَتِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَتِ﴾ (يا) حرف نداء. ﴿أبت﴾ منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المعوضة عنها قال التأنيث للتفخيم، مَنَعَ أو ظهورها اشتغال المحل بالفتحة المجلوبة لمناسبة التاء؛ لأن التاء لا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا ﴿أب﴾ مضاف وياء المتكلم المعوضة عنها تاء التأنيث في محل الجر مضاف إليه، مبنية على السكون لشبهها بالحرف شبهًا وضعيًّا وتاء التأنيث حرف لا محل لها أو الإعراب مبنية على الفتح، وإنما حركت لِكَونها على حرف واحد، وكانت الحركة فتحةً تحريكًا لها بحركة أصلها الذي هو الياء في بعض لغاتها، وجملة النداء في محل النصب مقول قال، اهـ "هدية أولي الإنصاف في إعراب المنادى المضاف".
﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿رَأَيْتُ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقول قال على كونها جوابَ النداء. ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ عدد مركب في محل النصب على المفعولية الأولى، مبني على فتح الجزأين بنيَ الجزء الأول لشبهه بالحرف، شبهًا افتقاريًّا لافتقاره إلى الجزء الثاني، في دلالته على المعنى المراد، وبني الجزء الثاني لشبهه بالحرف، شبهًا
стр. 5836
معنويًّا لتضمنه معنى حرف العطف، وإنما حركا ليعلم أو لهما أصْلًا في الإعراب، وكانت الحركة فتحةً للخفة مع ثقل التركيب، ﴿كَوْكَبًا﴾ تمييز لـ ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ منصوب به. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ معطوفان على ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾. ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مؤكدة للجملة الأولى توكيدًا لفظيًّا. ﴿لِي﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَاجِدِينَ﴾. ﴿سَاجِدِينَ﴾ مفعول ثان لـ ﴿رَأَيْتُ﴾.
وفي "الفتوحات"، قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أنَّها جملة كررت للتوكيد، لما طال الفصل بالمفاعيل، كررت كما كررت أنكم في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ كذا قاله الشيخ.
والثاني: أنه ليس بتأكيد، وإليه نحا الزمخشري فإن قال: فإن قلت: ما معنى تكرار ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾.
قلت: ليس بتكرار، إنما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال، وقَعَ جوابًا له، كأنَّ يعقوب ﵇ قال له عند قوله: ﴿إنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ كيف رأيتَها سائلًا عن حال رؤيتها فقال: رأيتهم لي ساجدين؟.
قلت: وهذا أظهر لأنه متى دار الكلام بين الحَمْل على التأكيد، أو التأسيس، فَحَمْلُه على الثاني أولى، اهـ "سمين".
﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿يَا بُنَيَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ بالفتح منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحةٌ مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف، بعد قلب الكسرة فتحةً لمناسبة الألف المحذوفة، تلك الألف للتخفيف، ﴿بني﴾ مضاف، وياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف في محل الجر مضاف إليه. وبالكسر منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وجملة النداء في محل النصب مقول
стр. 5837
﴿قَالَ﴾. ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جوابَ النداء. ﴿عَلَى إِخْوَتِك﴾ جار ومجرور متعلقان بـ ﴿لا تقصص﴾ ﴿فَيَكِيدُوا﴾ (الفاء) عاطفة سببية. ﴿يكيدوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرةً وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي. ﴿لَكَ﴾ متعلق به، أو حال أو ﴿كَيْدًا﴾. ﴿كَيْدًا﴾ منصوب على المصدرية، أو مفعول به، والجملة الفعلية صلة أو المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد أو الجملة التي قبلَها أو غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن قصك رؤياك إياهم فكيدهم إياك. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾ ناصب واسمه. ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾ ﴿عَدُوٌّ﴾ خبر ﴿إنَّ﴾. ﴿مُبِينٌ﴾ صفة عدو، وجملة إن في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. كذلك جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ فعل ومفعول وفاعل والتقدير: ويجتبيك ربك للنبوة والرسالة اجتباءً مثل اجتبائه إياك بهذه الرؤية، والجملة معطوفة على جملة النداء السابق على كونا مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه في محل المفعول الثاني، والجملة الفعلية مستأنفة على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿يعلمك﴾ على كونِها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿يتم﴾ أو بـ ﴿نِعْمَتَهُ﴾. ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ جار ومجرور معطوف على عليك، وكرَّر (على) ليمكن العطف على الضمير المجرور كما هو مذهب البصريين. ﴿كَمَا﴾ (الكاف) حرف جر. (ما) مصدرية. ﴿أَتَمَّهَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَى أَبَوَيْكَ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿مِن قَبْلُ﴾ جار ومجرور متعلق به أيضًا. ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ يجوز أن يكونا بدلًا من أبويك، أو عطفَ بيان، أو على إضمار أعني، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدوية (ما) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور (بالكاف) تقديره:
стр. 5838
كإتمامها على أبويك من قبل الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: ويتم نعمته عليك إتمامًا مثلَ إتمامه إيَّاها على أبويك من قبلُ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ناصب واسمه. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبره. ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثان له، وجملة إن مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾.
﴿لَقَدْ﴾ (اللام) موطئة لقسم محذوف. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص. ﴿فِي يُوسُفَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ (كان) على اسمها. ﴿وَإِخْوَتِهِ﴾ معطوف على ﴿يُوسُفُ﴾. ﴿آيَاتٌ﴾ اسم (كان) مؤخر. ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، وجملة ﴿كَانَ﴾ جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم مستأنفة.
﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾.
﴿إِذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره اذكر ﴿إِذْ قَالُوا﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إِذ﴾ إليها. ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُواْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يُوسُفُ﴾ (اللام) موطئة للقسم، أو حرف ابتداءٍ على الخلاف المار فيه. ﴿يوسف﴾ مبتدأ. ﴿وَأَخُوه﴾ معطوف عليه. ﴿أَحَبَّ﴾ خبر المبتدأ. ﴿إلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ يتعلقان به، ولم تحصل المطابقة بين المبتدأ، والخبر؛ لأن الخبر هذا اسم تفضيل مجرد، وهو يلزم الذكير والتوحيد. قال ابن مالك:
وَإِنْ لِمَنكُوْرٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا ... أُلْزِمَ تَذْكِيْرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا
و ﴿أحَبُّ﴾ مصوغ من حب المبني للمفعول، وهو سماعي، ولو جاء على القياس ليوصل إليه بأشدَّ ونحوه. قال ابن مالك:
وَأَشْدِدَ أوْ أَشَدَّ أَوْ شِبْهَهُمَا ... يَخْلُفُ مَا بَعْضَ الشُّرُوْطِ عَدِمَا
والجملة الاسمية جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالُواْ﴾. ﴿وَنَحْنُ﴾ ﴿الواو﴾ واو الحال. ﴿نحن عصبة﴾ مبتدأ وخبر، والجملة
стр. 5839
في محل النصب حال من ضمير المتكلمين في ﴿مِنَّا﴾. ﴿إِنَّ أَبَانَا﴾ ناصب واسمه ومضاف إليه. ﴿لَفِي﴾ (اللام) حرف ابتداء. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ خبر ﴿إنَّ﴾. ﴿مُبِينٍ﴾ صفة ﴿ضَلَالٍ﴾، وجملة إنَّ مستأنفة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾.
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَوِ﴾ حرف عطف، وتمييز. ﴿اطْرَحُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿اقْتُلُوا﴾. ﴿أَرْضا﴾ منصوب على الظرفية أو بنزع الخافض. ﴿يَخْلُ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذفُ حرف العلة. ﴿لَكُم﴾ متعلق به. ﴿وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فاعل، ومضاف إليه. ﴿وَتَكُونُوا﴾ فعل ناقص واسمه معطوف على ﴿يَخْلُ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ متعلق به. ﴿قَوْمًا﴾ خبر ﴿تكونوا﴾. ﴿صَالِحِينَ﴾ صفة ﴿قَوْمًا﴾.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾.
﴿قَالَ قَائِلٌ﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة قائل، والجملة مستأنفة. ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ إلى قوله ﴿قَالُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فعل وفاعل، ومفعول به مجزوم بـ (لا) الناهية، والجملة في محل النصب مقول (قَالُوا). ﴿وأَلْقُوهُ﴾ فعل وفاعل، ومفعول معطوف على جملة ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾. ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق به. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ فعل ومفعول، وفاعل مجزوم بالطلب السابق. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ (إن) الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كنتم فاعلين فافعلوا هذا القدر؛ في: إلقاءه في البئر، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾.
стр. 5840
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَانَا﴾ منادى مضاف منصوب بالألف، وجملة النداء في محل النصب، مقول ﴿قَالوُا﴾. ﴿مَا﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور خبره، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جوابَ النداء. ﴿لَا﴾ نافية. ﴿تَأْمَنَّا﴾ فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة على النون المدغمة في نون (نا). (نا) ضمير المتكلمين في محل النصب مفعول به، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿يعقوب﴾. ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من كاف المخاطب، والعامل فيه الاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿وَإنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿ناصحون﴾. ﴿لناصحون﴾ (اللام) حرف ابتداء. (ناصحون) خبر (إن) وجملة (إن) في محل النصب على الحال من مفعول ﴿تَأْمَنَّا﴾.
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
﴿أرْسِلْهُ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مَعَنَا﴾ حال من مفعول ﴿أَرْسِلْهُ﴾. ﴿غَدًا﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿أرسل﴾. ﴿يَرْتَعْ﴾ مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿وَيَلْعَبْ﴾ معطوف عليه. ﴿وَإِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿لَهُ﴾ متعلق بما بعده. ﴿لَحَافِظُونَ﴾ خبر (إن) و (اللام) حرف ابتداء، وجملة إنّ في محل النصب حال من (هاء) ﴿أرْسِلْهُ﴾.
﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي﴾ إلى قوله ﴿قَالوُا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ فعل مضارع ومفعول، و (نون) وقاية و (اللام) حرف ابتداء. ﴿أَنْ تَذْهَبُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ (أن) المصدرية. ﴿بِهِ﴾ متعلق به، وجملة ﴿تذهبوا﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، ليحزن تقديره: ليحزنني ذهابكم
стр. 5841
به، وجملة ﴿يحزن﴾ في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ في محل النصب مقولُ ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَخَافُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ياء المتكلم في ﴿يحزنني﴾. ﴿أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ فعل ومفعول وفاعل منصوب بأن المصدرية، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، لـ ﴿أخاف﴾؛ أي: والحال أني أخاف أكل الذئب إياه. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ. ﴿عَنهُ﴾ متعلق بـ ﴿غَافِلُونَ﴾. ﴿غَافِلُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من (هاء) ﴿يأكله﴾ ولكنها حال سببية.
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَئِنْ﴾ (اللام) موطئة للقسم. (إن) حرف شرط. ﴿أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فعل ومفعول، وفاعل في محل الجزم بـ (إن) الشرطية على كونِه فعل شرط لها. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من (هاء) ﴿أَكَلَهُ﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿إذًا﴾ حرف جواب وجزاء، ولكن لا عمل لها لدخولها على الجملة الاسمية. ﴿لَخَاسِرُونَ﴾ خبر (إنَّ) و (اللام) حرف ابتداء، وجملة إن جوابَ القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب إن الشرطية محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: إن أكله الذئب، فإنا إذًا لخاسرون، وجملة الشرط معترضةٌ بين القسم، وجوابه، وجملةُ القسم في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ (الفاء) عاطفة على محذوف تقديره: فأرسلَه معهم، فلما ذهبوا به، وذلك المقدر معطوف على قوله سابقًا. ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ كما في "الجمل". ﴿لَمَّا﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿ذَهَبُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿بهِ﴾ متعلق به، والجملة فعل شرط لـ (لما). ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿ذَهَبُوا﴾. ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ ناصب يفعل، وفاعل، ومفعول أول. ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ جار ومجرور في محل
стр. 5842
المفعول الثاني، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، لـ ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ تقديره: وأجمعوا جعلهم إياه في غيابة الجب، وجواب (لما) محذوف تقديره: فعلوا به، ما فعلوا من الأذى، وجملة (لما) معطوفة على تلك الجملة المحذوفة. ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ فعل وفاعل معطوف على جواب (لما) المحذوف. ﴿إِليهِ﴾ متعلق به. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ (اللام) موطئة للقسم. ﴿تنبئنهم﴾ فعل ومفعول. ﴿بِأَمْرِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق به، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿هَذَا﴾ بدل من ﴿أمرهم﴾ أو صفة له، والجملة الفعلية جوابُ القسم لا محل لها من الإعراب، وجملةُ القسم في محل النصب مفعول ﴿أَوْحَيْنَا﴾. ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾.
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾.
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿عِشَاءً﴾ منصوب على الظرفية متعلق به. ﴿يَبْكُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿جاءوا﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَبَانَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَانَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿ذَهَبْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ في محل النصب مقول قال على كونها جوابَ النداءِ. ﴿نَسْتَبِقُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿ذَهَبْنَا﴾. ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿ذَهَبنَا﴾. ﴿عِندَ متاعنا﴾ ظرف، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تركنا﴾. ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فعل ومفعول وفاعل معطوف على ﴿تركنا﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. (ما) حجازية أو تميمية. ﴿أنتَ﴾ في محل الرفع اسمها أو مبتدأ. ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ خبر (ما) الحجازية، أو خبر المبتدأ و (الباء) زائدة. ﴿لَّنَا﴾ متعلق بـ ﴿مؤمن﴾، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَأَكَلَهُ﴾ على كونها مقول القول. ﴿وَلَوْ كُنَّا
стр. 5843
صَادِقِينَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة على محذوف تقديره: من كنا غير صادقينَ فما أنت بمؤمن لنا. (لو) حرف شرط. ﴿كُنَّا صَادِقِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة فعل شرط لـ (لو) لا محل لها من الإعراب، وجواب (لو) محذوف تقديره: ولو كنا صادقين، لاتهمتنا في هذه القصة، وجملة لو الشرطية معطوفة على الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة في محل النصب حال من ضمير (لنا) تقديره: وما أنت بمؤمن لنا حَالَةَ كَوْنِنا صَادِقينَ وغَيْرَ صادقين.
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾.
﴿وَجَاءُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾ ظرف بمعنى فوق في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿دم﴾. ﴿بِدَمٍ﴾ متعلق بـ ﴿جاؤوا﴾. ﴿كَذِبٍ﴾ صفة ﴿دم﴾ ولكنه في تأويل مشتق تقديره: مكذوب، والتقدير: ﴿وجاؤوا﴾ بدم حَالَه كونه فوق قميصه، وجملة ﴿جاؤوا﴾ مستأنفة. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿بَل﴾ حرف ابتداء وإضراب إبطالي. ﴿سَوَّلَتَ﴾ فعل ماض، وتاء تأنيث. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به. ﴿أَنْفُسُكُمْ﴾ فاعل. ﴿أَمْرًا﴾ مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَصَبْرٌ﴾ (الفاء) حرف عطف وتفريع. ﴿صبر﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فصبري صبر جميل. ﴿جَمِيلٌ﴾ صفة ﴿صبر﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿سَوَّلَتْ﴾ ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. ﴿عَلَى مَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾. ﴿تَصِفُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ (ما) أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره على ما تصفونه.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول، و (الفاء) عاطفة، والجملة معطوفة على جملة ﴿جاءت﴾.
стр. 5844
﴿فأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الوارد، والجملة معطوفة على جملة ﴿أرسلوا﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الوارد، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت قلت: يا بشرى بالقصر منادى نكرة مقصودة. وفي قراءة: ﴿يا بشراي﴾ بالياء منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿هَذَا غُلَامٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جوابَ النداء. ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ فعل وفاعل، ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾. ﴿بِضَاعَةً﴾ معمولٌ لمحذوف، هو حال من (واو) (أسروه) تقديره: (وأسروه) حالَةَ كونهم جَاعِلِيه بضاعةً، أي شيئًا مُتَموَّلًا. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. ﴿يَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره بما يعملونه.
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾.
﴿وَشَرَوْهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة أو معطوفة على (أسروه). ﴿بِثَمَنٍ﴾ متعلق به. ﴿بَخْسٍ﴾ صفة لـ (ثمن) على تأويله بمشتق تقديره: مبخوس، أي: منقوص. ﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من (ثمن). ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ صفة لـ ﴿دَرَاهِمَ﴾. ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿فِيهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿الزَّاهِدِينَ﴾. ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ جار ومجرور خبر (كان)، وجملة (كان) معطوفة على جملة ﴿أشَرَوْهُ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ﴿الْمُبِينِ﴾ اسم فاعل من أبان المتعدي، وسيأتي في قوله: ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أنه من اللازم، فهو من أبَانَ بمعنى أظهَرَ أي: المُظْهِرُ للحق من الباطل، والحلال من الحرام. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ والعربي منسوب للعرب، لأنه نزل بلغتهم، وواحدُ العرب عربي كما أن واحد الروم رومي، اهـ "سمين".
стр. 5845
واختلف العلماء هل يمكن أن يقالَ في القرآن شيء غير عربي. قال أبو عبيدة: ومن قال فيه شيء غير عربي، فقد أعظم على الله القول، واحتجَّ بهذه الآية: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة: أنَّ فيه عن غير العربي مثل: ﴿سِجِّيلٍ﴾ و ﴿المشكاة﴾ و ﴿اليم﴾ و ﴿استبرق﴾ ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح المختار؛ لأن هؤلاء أعلمُ عن أبي عبيدة بلسان العرب، وكلا القولين صواب إن شاء الله تعالى. ووجه الجمع بينهما أنَّ هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب، ودارَتْ على ألسنتهم صارت عربيةً فصيحةً، وإن كانت غير عربيةٍ في الأصل، لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم، وصارت لهم لغةً فظَهَر بهذا البيان صحة القولين، وأمكن الجمع بينهما، اهـ "خازن".
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ قص من باب: ردَّ والمصدر قَصَصًا بالفك، وقصًّا بالإدغام. وفي "المصباح": قَصَصْتُ الخَبَرَ قَصًّا من باب قتل، حدثته على وجهه، والاسم القصص بفتحتين، وقصصت الأثر: تتبعته، اهـ. وفي "البيضاوي": القصص هنا بمعنى المفعول كالنقض والسلب بمعنى المنقوض والمسلوب، اهـ.
﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وأحسن يجوز أن يكون أفعلَ تفضيل على بابه، وأن يكونَ لمجرد الوصف بالحسن، ويكونَ من باب إضافة الصفة لموصوفها؛ أي: القصص الحسن. وفي "الخازن": أصل القصص في اللغة من قصَّ الخبر، إذا تتبعه، وإنما سميت الحكاية قِصَّةً لأن الذي يَقُصُّ الحديثَ يذكر تلك القصة شيئًا فشيئًا. والمعنى: نحن نبين لك أخبار الأمم السالفة أحسنَ البيان. وقيل: المرادُ خُصوص قصة يوسف، وإنما كانت أحسنَ القصص لما فيها من الحكم، والنكت، وسير الملوك، والمماليك، والعلماء، ومَكْرِ النساء، والصبر على الأذى، والتجاوز عنه أحسنَ التجاوز وغير ذلك من الفوائد الشريفة.
﴿يَا أَبَتِ﴾ بكسر تاء التأنيث اللفظي التي هي عوض عن ياء المتكلم المحذوفة. وأصله: يا أبي فحذفت الياءُ، وأتي بالتاء عوضًا عنها، ونقلت كسرة ما قبل الياء، وهو الباء للتاء، ثم فتحت الباءُ على القاعدة في فتح ما قبل تاء التأنيث، وبفتح التاء، والأصل عليه: يا أبيَ، بكسر الباء؛ وفتح الياء؛ ففتحت
стр. 5846
الباءُ ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلَها، ثم حذفت الألف، وعوَّض عنها تاءُ التأنيث، وفُتحت للدلالة على أنَّ أصلَها الألف المنقلبة عن الياء. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز لُحوقُ تاء التأنيث بالمذكر؟
قلت: كما جاز نحو قولك: حَمامَةٌ ذكر وشاة ذكرٌ ورجل رَبْعَةٌ وغلام يفعة. قلت: يعني أنها جيء بها لمجرد تأنيث اللفظ كما في الألفاظ المستشهد بها، ثم قال الزمخشري. فإن قلت: فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء الإضافة؟
قلت: لأن التأنيثَ والإضافةَ يتناسبان في أن كلَّ واحد منهما زيادةٌ مضمومةٌ إلى الاسم في آخره.
قلت: وهذا قياس بعيد لا يعمل به عند الحذاق، فإنه يسمى الشبهَ الطَّرْدِيَّ في يعني أنه شَبهٌ في الصورة، اهـ "سمين". ﴿لِي سَاجِدِينَ﴾ والسجودُ هنا: منْ سَجْدَ البعير إذا خَفضَ رَأْسَهُ لراكبه حين ركوبه، وكان من عادة الناس في تحية التعظيم بفِلَسْطين، ومصر، وغيرهما، الانحناء مُبَالغَةً في الخضوع والتعظيم، وقدِ استعمله القرآن في انقياد كل المخلوقات لإرادة الله، وتسخيره، ولا يكون السجود عِبَادةً إلا بالقصد، والنية للتقرب إلى من يعتقد أنَّ له عليه سُلْطانًا غَيْبِيًّا فوق سلطان الأسباب المعهودة. ﴿رُؤْيَاكَ﴾ الرؤيا مصدر رَئِيَ في المنام رؤيا على وزن فعلى، كالسقيَا والبشرى، وألفه للتأنيث، ولذلك لم يصرف. ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ﴾ يقال: كاد له الأمر إذا دبَّر الكَيْدَ لأجله لمضرته، أو لمنفعته كما قال ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ كاد يَتَعدَّى بنفسه كما في قوله: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ وعدي هنا باللام لتضمُّنِه معنَى فعل يتعدى باللام، ولذا قال الشارح: يحتالوا في هلاك. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قال: فيكيدوك كما قال: فكيدوني جميعًا؟
قلت: ضُمِّنَ معنى فعل يتعدى باللام؛ ليفيدَ معنى فعل الكيد مع إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون أفيد، وأبلغ، في التخويف، وذلك نحو: فيحتالوا لك، ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر، و ﴿كَيْدًا﴾ مفعول به أي يصنعوا لك كيدًا أي أمرًا يكيدونك به، اهـ "سمين".
﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: بَين العداوةَ وظاهرها فهو من أبان اللازم. ﴿وَكَذَلِكَ
стр. 5847
يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، والاجتباء من جبيت الشيء إذ حصلته لنفسك، اهـ بيضاوي. وفي "الخازن" واجتباءُ العبدَ تخصيصه إياه بفيض إلهي تحصل منه أنواع المكرمات بلا سعي من العبد، وذلك مختص بالأنبياء، وببعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين، اهـ. ومنه: جبيت الماء في الحوض، أي: جمعته، ومعنى اجتباء الاصطفاء، وهذا يتضمن الثناء على يوسف، وتعديد نِعَمِ الله عليه. ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ والتأويل: الإخبار بما يؤول إليه الشيء في الوجود. والأحاديث جمع تكسير لحديثٍ فقيل لواحد: ملفوظ به، هو حديث، ولكنه شَذَّ جَمْعُه على أحاديثَ، وله نظائر في الشدود، كأباطيلَ، وأفاظيعَ، وأعاريضَ في باطل، وفظيعٍ وعريضٍ. وزَعَمَ أبو زيد أن له واحدًا مقدرًا، وهو أحدوثة، ونحوه، وليس باسم جمع؛ لأن هذه الصيغة مختصة بالتكسير، وإذا كانوا قد التزموا ذَلِكَ فيما لم يصرح له بمفرد من لفظه نحو: عباديد، وشَمَاطِيطَ، وأبابيلَ، ففي أحاديث أولى، اهـ سمين. ومعنى تأويل الأحاديث تعبيرُ الرؤيا، فالمراد بالرؤيا ما يرى في النوم، وسمي أحاديث؛ لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقةً وأحاديث الشيطان، والنفس إن كانت كاذبةً، اهـ بيضاوي. ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا﴾ أحب أفعل تفضيل، وهو مبني من حبَّ المبنيّ للمفعول، وهو شاذ، وإذا بنيت أفعل التفضيل من مادة الحب، والبغض تَعدَّى إلى الفاعل المعنوي بإلى، وإلى المفعول المعنوي باللام، أو بقي فإذا قلتَ: زيد أحبُّ إليَّ من بَكْرٍ كانَ معناه أنك تحب زيدًا أكثرَ من بكر، فالمتكلم هو الفاعلُ، وكذلك إذا قلت هو أبغض إليّ منه، كانَ معناه أنت المبغض، وإذا قلتَ: زيدٌ أحب لي من عمرو، أو أحب في منه كان معناه: إنَّ زيدًا يحبني أكثر من عمرو، وعلى هذا جاءت الآية الكريمة فإنَّ الأبَ هو فاعل المحبة، اهـ سمين. وقوله: وهو شاذ يُشْكِلُ عيه وقوعَه في القرآن إلا أن يجابَ بأنه شاذ قياسًا، فصيح استعمالًا لوروده في أفصح الفصيح، تأمل. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ والعصبة: ما زاد على عشرة. وعن ابن عباس ما بين عشرة وأربعين. وقيل: الثلاثة نَفَرٍ فإذا زادوا إلى تسعة فهم رهط، فإذا بلغوا العشرة فَصَاعِدًا فعُصْبَةٌ. وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة. وقيل: من عشرة إلى خمسة عشرَ. وقيل: ستة. وقيل: تسعة، والمادة تدل على الإحاطة من العصابة
стр. 5848
لإحاطتها بالرأس، اهـ سمين. ولا واحد لها من لفظها بل هي كالنفر، والرهط، وقد كانت الإخوة عشرةً.
﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قال الهروي: والغيابة: سدٌّ أو طاقٌ في البئر، قريبُ الماء يغيب ما فيه عن العيون. وقال الكلبي: الغيابة تكون في قعر الجب؛ لأن أسفله واسع، ورأسه ضيق، فلا يكاد الناظر يرى ما في جوانبه. وقال الزمخشري: هي غوره، وما غاب منه عن عين الناظر، وأظلم من أسفله. والجب: البئر التي لم تُطْوَ، ويقال لها: قبل الطيي رَكِيَّةٌ فإذا طويت قيل لها: بئر سمِّيت جُبًّا إما لكونها محفورة في جيوب الأرض؛ أي: ما غلظ منها، وإما لأنها قطعت في الأرض قطعًا، ومنه الجب في الذكر. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ والالتقاط: أخذ شيء مشرف على الضياع من الطريق، أو من حيث لا يحتسب، ومنه اللقطة. واللقيط: يعني: يأخذه بعض المسافرينَ فيَذْهَبُ به إلى ناحية أخرى، فيستريحوا منه، اهـ "خازن". والسيارة: الجمع الذين يسيرون في الطريق، جمع سيار؛ أي: المبالغ في السير، اهـ خطيب. وفي "المختار": السيارة القافلة، اهـ. ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ وفي "السمين": وقرأ العامة: تأمنا بالإخفاء؛ أي: إخفاءِ النون عند النون المتحركة. والإخفاء: هو عبارة عن تضعيف الصوت بالحركة، والفصل بين النونين؛ لأنَّ النونَ تسكن رأسًا، فيكون ذلك إخفاءً لا إدغامًا .. وقرأ بعضهم ذلك بإشمام، وهو عبارة عن ضم الشفتين إشارة إلى حركة الفعلِ مع الإدغام الصريح، كما يشير إليه الواقف. وفيه: عُسْرٌ كَبِيرٌ، قالوا: وتكون الإشارة إلى الضمة بعد الإدغام وقبل كَمَالِه. وقرأ أبو جعفر بالإدغام الصريح من غير إشمام، وقرأ الحسن ذلك بالإظهار مبالغةً في بيان إعراب الفعل، وللمحافظة على حركة الإعراب. واتفق الجمهور على الإخفاء أو الإشمام كما تقدم تحقيقه، اهـ. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ جمع ناصح، والناصح: المشفق المحب للخير. وعبارة "الخازن" هنا: المراد بالنصح هنا القيام بالمصلحة، وقيل: البر والعطف، والمعنى: وإنا لعاطفون عليه قائمون بمصلحته، وبحفظه. ﴿غَدًا﴾ وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك، وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد باليوم الذي يلي يومك. وأصله غَدْوٌ فحُذفت لامه، وقد جاءَ تامًّا ذكره أبو حيان. ﴿نرتع﴾ الجمهور على أنَّ العين آخِر الفعل يقال:
стр. 5849
رَتَعَ فلان في ماله، إذا أنْفَقَهُ في شهواته. والأصل في الرتع أكل البهائم في الخصب، زمن الربيع، ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير. والرَّتع: الاتساع في الملاذ، والتمتع في أكل الفواكه، ونحوها فمنهم من يسكن آخره على الجواب، ومنهم من يَضُمَّه على أن تكون حالًا مقدرة. ويقرأ: ﴿نَرْتَعِ﴾ بكسر العين، وهو نفتعل من رَعَى، أي نَرْعَى ماشيَتَنا، أو نأكلُ نحن ذكره أبو البقاء. ﴿ونلعب﴾ والمراد باللعب لعب المسابقة، والانتضال بالسهام، ونحوهما مما يتدرب له لمقاتلة الأعداء، وتعليم فنون الحرب. قال الراغب: يقال: لَعب فلان، إذا كان فعلُهُ غيرَ قاصد به مقصدًا صحيحًا. ﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ والحزن: ألم القلب بفراق المحبوب، أو وقوع مكروه. ﴿وَأَخَافُ﴾ والخوف: ألم النفس من توقع مكروه قبل وقوعه. ﴿الذِّئْبُ﴾ والذئب: سبع معروف، ويجمع على أذؤب، وذئاب، وذؤبان، وأرض مَذابة كثيرة الذئاب، وتذائيت الرياح جاءت من هنا ومن هنا فعل الذئاب.
﴿عِشَاءً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه ظرف أي وَقْتَ العشاء.
والثاني: أن يكون جمع عائش كقائم، وقيامٍ ويقرأُ بضم العين. والأصل: عُشَاة مثل غازٍ وغُزَاة، فحذفت الياء، وزيدت الألف عِوَضًا منها، ثم قلبت الألف همزةً. ويجوز أن يكونَ جمع فاعل على فِعَالٍ كما جمع فعيل على فعال كمرِيضٍ ومِرَاضٍ. ﴿عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ المتاع في اللغة كل ما انتفع به، وأصله النفع الحاضر، وهو اسم مصدر من متع تمتعًا كالسلام من سلم. ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ فيه وصف الدم بالمصدر على سبيل المبالغة، فكأنَّه نَفْسَه صار كَذِبًا، والفاعل والمفعول يسمَّيان بالمصدر كما يقال: ماء سكب؛ أي: مسكوبٌ والفاعل كقوله: ﴿إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ وكما سموا المصدرَ بهما قالوا: للعقل المعقول، وللجلد المجلود، ومنه قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ اهـ كرخي. وقرىء: ﴿بدم كدب﴾ بالدال المهملة، والكدب: الكدر، وقيل: الطَّرِيُّ. ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾؛ أي: زينت وسهّلت. وأصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه. قال صاحب "الكشاف": سَوَّلَتْ: سَهَّلَتْ من السول بالتحريك، وهو الاسترخاء في العصب، ونحوه؛ أي: سَهَّلت لكم أنْفُسكُم أمرًا عَظِيمًا، فعلتموه
стр. 5850
بيوسف، وهوَّنْتمُوه في أنفسكم وأعينكم. ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾، والوارد: الذي يَرِدُ الماءَ، ليستَقِي للقوم. ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ في "المختار" الدَّلْو: الذي يُسْتَقى بها، ودَلَى الدلو إذا نَزَعها، وبابه عَدَا وأدلاها أرسلها في البئر. وفي "القاموس": ودَلَوْتُ الدَّلْوَ ودليتها أرسلتها في البئر، ودلَّاها جَذَبَها لِيُخرِجَها، والدلو مؤنث، وقد يذكر، اهـ. ويصَغَّر على دلية ويجمع على أدل ودلاءً ودُلًى. ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾؛ أي: أخْفَوْه من الناس ﴿بِضَاعَةً﴾ والبضاعة: القِطْعَةُ من المال يفْرز للاتجار به من بَضَعْتُه إذا قَطَعْتُه، ومنه المَبْضَعُ. ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ وشُري الشيء: إذا باعَهُ واشتراه إذا ابْتَاعَهُ. والبَخْسُ: النَّاقِصُ والمَعيب كما قال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ والمراد هنا: الحرامُ أو الظلمُ لأنه بيع حر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإشارة بالبعيد إلى القريب في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ تنزيلًا لبعد مرتبته في الكمال، وعُلو شأنه مَنْزِلَةَ البُعْدِ الحسّيِّ. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقال في (١) "بحر العلوم": لعلَّ مُستعار لمعنى الإرادة لملاحظة العرب معنى الإرادة، أو الترجي في لَعَلَّ؛ أي: أنزلناه قرآنًا عربيًّا، إرَادَةَ أن تَعْقِلَه العربُ، ويفهموا منه ما يَدْعُوهم إليه، فلا يكون لهم حُجَّةً على الله، ولا يقولوا لنبيهم ما خُوطبنا به.
ومنا: جناسُ الاشتقاق في قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾.
ومنها: التعبيرُ عن عدم العلم بالغفلة في قوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ لإجلال شأنه ﵇ كما في "الإرشاد" فليست هي الغفلة المتعارفة بين الناس.
ومنها: عَطْفُ الخاصِ على العام في قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لإظهار