← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة دار طوق النجاة

стр. 2

الجزء الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بين يدي الكتاب الحمد لله رافع منازل المتمسكين بالذكر المبين، وهادي المؤمنين المتقين، الذين يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، ويتدبرون آياته للعمل والموعظة والادّكار، تكفل سبحانه بحفظه؛ فلم يغير صفاءه كدر التحريف، ولم تحم حوله أخطاء التصحيف، فنحن نقرؤه اليوم كما نزل به الروح الأمين على قلب سيدنا محمد ﷺ . والصلاة والسلام الأتمان الأدومان الأكملان على من أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، وسراجا منيرا للمخبتين، وعلى آله الطهر الميامين، وصحابته أجمعين. أما بعد: فقد أرسل المولى سبحانه رسوله بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ليدّبّروا آياته وليتذكر أولو الألباب، كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، فهو المعجزة الخالدة الذي فاق كل بيان، وأخرس كل لسان، وأبهر أهل الفصاحة من قحطان وعدنان، بل تحدّى الجن والإنس أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فكان المعجزة الدائمة، والبرهان الصادق، على ما أتى به رسوله من حقائق. دامت لدينا ففاقت كل معجزة ... عن النبيين إذ جاءت ولم تدم

стр. 3

من اتبع هداه .. فقد فاز برضاه، وكانت الجنة مأواه، وأما من خالفه وأباه .. فقد اتخذ إلهه هواه، لا يزيغ عنه إلا هالك، ولا يجحده إلا مكابر. هذا؛ ولقد نزل القرآن الكريم بلغة العرب، وعلى نهج أساليبهم في الكلام، كما قال سبحانه: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. وكان الصحابة يفهمونه في جملته، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، وكانوا يرجعون إلى المأمور بالبيان ﷺ ، لمعرفة التفاصيل والدقائق. واشتهر عدد كبير من الصحابة بالتفسير، كالخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وغيرهم، فكانت مصادرهم القرآن نفسه؛ لأن كثيرا من آياته يفسر بعضها بعضا، وما أجمل في موضع .. قد يأتي تفصيله في مواضع أخرى، حتى إن بعض المفسرين ألّفوا كتبا خاصة في تفسير القرآن بالقرآن. المصدر الثاني لتفسيرهم هو السنة النبوية، وهذا ما يطلق عليه التفسير بالسنة. هذا؛ بالإضافة إلى لغتهم التي نزل بها القرآن، وقد كانوا من خلّص العرب، وهم أقعد بمعرفة اللغة ومناحيها وأساليبها، وعندهم ديوان العرب، الشعر الذي كانوا يستجلون منه غريب القرآن، وطرق الأساليب، وكانوا معتمدين في ذلك على الرواية في حفظها وتبليغها، وحين بدأ المسلمون بتدوين علومهم ولا سيما علم الحديث .. كان مندرجا ضمن السنة، ثم انفصل تدريجيا عنها. وبدأت المرحلة الأولى للتأليف المستقل في تفسير القرآن العظيم، وقد

стр. 4

تمثلت في التأليف في غريب القرآن، التي اقتصرت فيه هذه المرحلة على تفسير الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى بيان، وذلك ككتب الرؤاسي (ت ١٧٠ هـ)، والكسائي (ت ١٨٩ هـ)، والفرّاء (ت ٢٠٧ هـ). ثم تلا ذلك المرحلة الثانية: وهي التفسير الكامل للقرآن الكريم، كتفاسير «ابن ماجه» (ت ٢٧٣ هـ)، و «ابن جرير الطبري» (ت ٣١٠ هـ)، و «ابن المنذر» (ت ٣١٨ هـ)، و «ابن أبي حاتم» (ت ٣٢٧ هـ)، فكانت هذه المؤلفات جامعة لتفسير الغريب، وما ورد من الآثار في معنى الآيات، وأسباب نزولها من الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين، وهذا ما يطلقون عليه: التفسير بالمأثور. ولذا نجد هؤلاء يعتمدون في النقل على الأسانيد، وربما يذكرون عدة آراء في معنى الآية الواحدة، حتى صح أن يطلق على هذه التفاسير: التفاسير الموسوعية، كتفسير ابن جرير الطبري. المسمى «جامع البيان»، وهو مطبوع متداول، وقد حقق نحو نصفه العلّامة المحدث أحمد محمد شاكر، إلا أن المنية اخترمته قبل أن يتمه وأتمه أخوه العلامة محمود محمد شاكر ﵀ وطبع في دار المعارف بمصر. ثم تدرج التفسير في سلم التوسع، فدونت في أثناء التفسير العلوم العقلية أيضا، وكان من الطبعي أن يتضخم وتتسع أطرافه، لشحنه بالمعارف العامة والعلوم المتنوعة والآراء، بل والعقائد أيضا، فقد امتزج التفسير بذلك كله، وكثير من البارعين في فنون معينة من علوم اللغة وغيرها فسروا القرآن من زاوية تخصصهم؛ لأن عندهم من الملكات العلمية في تلك المجالات ما يستطيعون أن يبدعوا ويفيدوا، وبهذا تعددت الاتجاهات للمفسرين.

стр. 5

- فمنهم من عني بالتفسير اللغوي وما يتصل به، فكثر في منهجه التخريجات الإعرابية، والوجوه النحوية، وأكثر من الشواهد نظما ونثرا، ومنهم الزجاج، والواحدي في «البسيط»، وأبو حيان في «البحر المحيط». - ومنهم من اتجه في تفسيره إلى مقارعة الفلاسفة، وذكر شبههم والرد عليها، والتوسع في هذا الميدان، كالفخر الرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب». - ومنهم من عني باستنباط الأحكام الشرعية، وإيراد الفروع الفقهية، كل وفق مذهبه، مع الرد على من خالفه من أصحاب المذاهب الأخرى، كما فعل الجصاص الحنفي في «أحكام القرآن»، والقرطبي المالكي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن» (١). - وهناك تفاسير أخرى لها اتجاهات أخرى، إما عقائدية ك «تفسير القاضي عبد الجبار» و «الزمخشري»، أو تاريخية عني مؤلفوها كثيرا بالقصص وأخبار الأمم السالفة، ك «تفسير الثعلبي» و «الخازن». والخلاصة: أن القرآن العظيم لا زال علماء الدين وغيرهم يغترفون من مناهله الروية، ويستنبطون من نصوصه الإلهية، فيواكب كل مصر، ويتلاءم مع كل عصر، ويهتدون منه إلى ما يقيم الحجة على أهل الزيغ والعناد، وما يثبت أنه منزل من رب العباد. وقد قام العلماء الأجلة في العصر الحديث بجهودهم في هذا الميدان، فكتبوا فيه تأسيا بالسلف، فتراهم بين مؤلف جامع لأشتات التفاسير وبين مهذب لمطولاتها، ومنقح لما ورد من الإسرائيليات والحشو فيها، فبعضهم كانت غايته التبسيط والتهذيب والبيان، وبعضهم زاد فأفاد وألف فأجاد،

стр. 6

فترى المكتبة الإسلامية الحديثة قد حوت أصنافا من المؤلفات المعاصرة في التفسير، منها على سبيل التذكير لا الحصر: «تفسير الشيخ طنطاوي جوهري»، «تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي»، «التفسير المنير» للدكتور الزحيلي، «صفوة التفاسير» للدكتور الصابوني، «تفسير آيات الأحكام» للدكتور السايس، «إعراب القرآن الكريم» لمحيي الدين درويش، وغيرها الكثير الكثير. هذا؛ وإن من أجل كتب التفسير المعاصرة، وأوسعها وأنفسها كتاب «حدائق الروح والريحان» فإنه جمع فيه ما تفرق في غيره، وأوعب فأحسن، وانتقى فوفّق وأجمل؛ فقد ضمن هذا التفسير من الفرائد والفوائد، والعلوم واللطائف والنفائس المستجادات، ما تقر به أعين أهل العلم، وتقيده أفكار المستفيدين من تفسير الكتاب المبين، فإن هذا التفسير أكبر دليل للمقولة الشائعة: (كم ترك الأول للآخر) فقد جمع فأوعى، وبسط القول فشفى، وبحث فاستوفى، وأدنى عويص المسائل؛ فإذا هي على طرف الثمام، وقرّب ما كان بعيد المنال؛ فإذا هو داني الجنى، وجمع شتيت المعارف، فنظمها في سلك واحد، واصطفى من الآراء أرجحها، ومن الأقوال أقواها، وأرسل أشعة البيان في كافة مناحي التفسير، فحشدها في صعيد واحد، وضم شمل المتفرق، في أسلوب الراسخ المحقق، وطريقة العلم المدقق. والعلماء على اختلاف مشاربهم وتخصصاتهم سيجدون في هذا التفسير ما ينشدونه من علم، وما يميلون إليه من فن، الكلّ سيجد فيه بغيته، وسيرتوي من منهله الروي، ويقطف من ثمره الشهي، فهو تفسير يغني عن غيره، ولا يغني عنه غيره، إلا أن غيره من روافده. - فمن كان يبحث عن تفسير آية بالمأثور، ويريد الوقوف على أقوال الصحابة والتابعين فيها .. فسيصادف مطلبه، إضافة إلى التفسير العام.

стр. 7

- ومن كان همه معرفة النواحي اللغوية، والوقوف على الوجوه النحوية، أو الإعراب التفصيلي .. فإن هذا التفسير من خير ما يعرض هذه المباحث. - ومن كان مغرما بالبلاغة القرآنية، وإعجازه البياني .. فإن هذا التفسير قد جعل من منهجه التحدث عن هذا الفن بعد كل مجموعة من الآيات. - ومن كان منقّبا عن القراءات ووجوهها، محاولا الإحاطة بها وبمن قرأ بها .. فإن هذا المبحث من جملة الفنون التي اعتنى بها هذا التفسير. - ومن يريد التفقه في الدين، واستنباط الأحكام الشرعية من النصوص القرآنية، ومعرفة آراء الأئمة الفقهاء في ذلك .. فعليه أن يتصفح هذا الكتاب الجليل. وهكذا .. نجد أن بروز مثل هذا الكتاب في عالمنا المعاصر يختصر لنا الطريق، ويمهد لنا لمعرفة كثير من الفنون، دون الحاجة إلى الرجوع إلى عدة مصادر قديمة يحتاج البحث فيها إلى جهد ووقت، وما أضيق أوقات المعاصرين. وفي الختام: أتقدم بالشكر إلى اللجنة التي قامت بتصحيح ومراجعة الطبعة الأولى لهذا التفسير، والتي تشرفت برئاستها ومتابعة أمورها، فلله الحمد والمنة. وقد أكرمنا الله بأخذ إجازة من المؤلف متع الله بحياته في جميع مروياته وعلومه، وقد أشار علينا المؤلف بأن نكون أول من يتدارس هذا التفسير مع طلبة العلم، فجزاه الله خير الجزاء. ويسرنا أن نبشر القراء بأنه قريبا سيصدر للمؤلف متع الله بحياته شرح واف ل «صحيح الإمام مسلم» في ستة عشر مجلدا، والمسمى «الكوكب الوهاج والروض البهاج على صحيح مسلم بن الحجاج».

стр. 8

نسأل الله أن ينفع بالمؤلف وعلومه، وأن يجعلنا خداما لكتابه وسنة نبيه محمد ﷺ ، وأن يكتب الأجر والثواب لكل من ساهم ويساهم في إخراج وتحقيق ونشر التراث الإسلامي الخالد بحاله ومقاله وماله، فلله الحمد والمنة، والصلاة والسلام على صاحب القرآن والسنة، وعلى آله وصحبه والوارثين للعلم والحكمة. وكتبه أ. د. هاشم محمد علي مهدي مستشار الدراسات والبحوث برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة في العشر الأواخر من رمضان سنة (١٤٢٥ هـ)

стр. 9

مقدمة التفسير المسماة «نزل كرام الضيفان في ساحة حدائق الروح والريحان» تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة ترجم للمؤلف وقدم له تلميذه الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة

стр. 10

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 11

مقدمة التفسير المسماة «نزل كرام الضيفان في ساحة حدائق الروح والريحان»

стр. 12

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة وتقديم الحمد لله واهب النعم ودافع النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على عبده الأكرم سيد العرب والعجم، وعلى آله وصحبه وكل عالم ومتعلّم. أما بعد فقد أذن لي مؤلّف «حدائق الروح والريحان» وهو العالم الجهبذ والعلّامة النحرير فريد عصره وأوانه متّع الله بحياته ونفع بعلومه؛ بأن أرتّب وأراجع وأحقّق سفره العظيم .. وأجازني كذلك في جميع مؤلفاته ومروياته من فنون العلم وصنوف المعرفة في هذا الدين التي نقلها العدول من هذه الأمة خير خلف عن خير سلف فلله الحمد والمنة. وإنه ليشرّفني التعريف بهذا الحجة العلم والمقيم بأرض الحرم فأقول هو محمد أمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن أبو ياسين الأرمي جنسا، العلوي قبيلة، الأثيوبي دولة، الهرري منطقة، الكري ناحية، البويطي قرية، السلفي مذهبا، السعودي إقامة نزيل مكة المكرمة جوار الحرم الشريف في المسفلة حارة الرشد.

стр. 13

مولده: ولد في الحبشة في منطقة الهرر في قرية بويطه في عصر يوم الجمعة أواخر شهر ذي الحجة، سنة ألف وثلاثمائة وثمان وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التحيات. نشأته: ترّبى بيد والده وهو يتيم عن أمه، ووضعه عند المعلّم وهو ابن أربع سنين، وتعلّم القرآن وختمه وهو ابن ست سنين، ثمّ حوّله إلى مدارس علوم التوحيد والفقه، وحفظ من توحيد الأشاعرة «عقيدة العوام» للشيخ أحمد المرزوقي، و «الصغرى»، و «صغرى الصغرى»، و «الكبرى»، و «كبرى الكبرى» للشيخ محمد بن يوسف السنوسي؛ لأن أهل الحبشة كانوا وقتئذ من الأشاعرة، وحفظ من مختصرات فقه الشافعية كثيرا، ك «مختصر بافضل الحضرمي»، و «مختصر أبي شجاع» مع «كفاية الأخيار»، و «عمدة السالك» لأحمد بن النقيب، «وزبد أحمد بن رسلان» وهي ألفية في فقه الشافعية، وقرأ «المنهاج» للإمام النووي مع شرحه «مغني المحتاج»، و «المنهج» لشيخ الإسلام الأنصاري مع شرحه «فتح الوهاب»، وقرأ كثيرا من مختصرات كتب الشافعية ومبسوطاتها على مشايخ عديدة من مشايخ بلدانه. رحلته: ثم رحل إلى شيخه سيبويه زمانه، وفريد أوانه أبي محمد الشيخ موسى بن محمد الأدّيلي (١)، وبدأ عنده دراسة الفقه، بدأ بشرح جلال الدين المحلي على «منهاج» النووي، ثم بعد ما

стр. 14

وصل إلى كتاب (السّلم) حوّله شيخه المذكور - رحمه الله تعالى - إلى دراسة النحو لما رأى فيه من النجابة والاجتهاد في العلم، وقرأ عليه مختصرات النحو، ك «متن الأجرومية» وشروحها العديدة، و «متن الأزهرية» و «ملحة الإعراب» مع شرحه «كشف النقاب» لعبد الله الفاكهي، و «قطر الندى» مع شرحه «مجيب النّدا» لعبد الله الفاكهي، وقرأ «الألفية» لابن مالك مع شروحها العديدة، ك «شرح ابن عقيل»، و «شرح المكودي»، و «شرح السيوطي»، ثم اشتغل بكتب الصرف والبلاغة والعروض والمنطق والمقولات والوضع، واجتهد فيها وحفظ «ألفية ابن مالك» و «ملحة الإعراب» و «لامية الأفعال» و «السلّم» في المنطق، و «الجوهر المكنون» في البلاغة، وكان لا ينام كل ليلة حتى يختم القصائد المذكورة حفظا، وكان قليل النوم في صغره إلى كبره، حتى أنه كان لا ينام غالبا بعد ما كبر إلا أربع ساعات من أربع وعشرين ساعة لكثرة اجتهاده في مذاكرة العلم، وكان يدرّس هذه الفنون جنب حلقة شيخه، مع دراسته على الشيخ المذكور، ثم رحل من عنده بعد ما لازمه نحو سبع سنوات إلى شيخه خليل زمانه، وحبيب عصره وأوانه الشيخ محمد مديد الأدّيلي أيضا، وقرأ عنده مطولات كتب النحو ك «مجيب الندا على قطر الندى»، و «مغني اللبيب» كلاهما لابن هشام، و «الفواكه الجنيّة على المتممة الآجرومية»، وغير ذلك من مطولات علم النحو، وكان يدرّس أيضا جنب حلقة شيخه، وقرأ عليه أيضا التفسير إلى سورة يس.

стр. 15

ثم رحل من عنده بعد ما لازمه ثلاث سنوات، إلى شيخه الشيخ الحاوي، المفسّر في زمانه، الشيخ إبراهيم بن يس الماجتي (١)، فقرأ عليه التفسير بتمامه والعروض من مختصراته ومطولاته ك «حاشية الدمنهوري الكبير على متن الكافي»، و «شرح شيخ الإسلام الأنصاري على المنظومة الخزرجية»، و «شرح الصبان» على منظومته في العروض، وقرأ عليه أيضا مطولات المنطق والبلاغة ولازمه نحو: ثلاث سنوات. ثم رحل من عنده إلى الشيخ الفقيه الشيخ يوسف بن عثمان الورقي (٢)، وقرأ عليه مطولات علم الفقه ك «شرح الجلال المحلى على المنهاج»، و «فتح الوهاب على المنهج» لشيخ الإسلام مع «حاشيته» لسليمان البجيرمي، و «حاشيته» لسليمان الجمل، و «حاشية التوشيح على متن أبي شجاع»، و «مغني المحتاج» للشيخ الخطيب إلى كتاب (الفرائض)، وقرأ عليه غير ذلك من كتب الفرائض ك «حواشي الرّحبية» و «الفرات الفائض في فن الفرائض» وهو كتاب جيد من مطولاتها، ولازمه نحو: أربع سنوات. ثم رحل من عنده إلى الشيخ إبراهيم المجّي (٣) وقرأ عليه فتح الجواد لابن حجر الهيتميّ على متن الإرشاد لابن المقرىء الجزئين الأولين منه.

стр. 16

ثم رحل من عنده إلى شيخ المحدثين الشيخ الحافظ الفقيه الشيخ أحمد بن إبراهيم الكري، وقرأ عليه «البخاري» بتمامه و «صحيح الإمام مسلم» وبعض كتب الاصطلاح. ثم رحل من عنده إلى مشايخ عديدة، وقرأ عليهم «السنّن الأربعة»، و «الموطأ» وغير ذلك من كتب الحديث مما يطول بذكره الكلام، ثم رحل من عندهم إلى شيخ عبد الله نورو القرسيّ (١)، فقرأ عليه مطولات كتب البلاغة ك «شروح التلخيص» لسعد الدين التفتازاني وغيره، ومطولات كتب أصول الفقه ك «شرح جمع الجوامع» لجلال الدين المحلي، وقرأ عليه من النحو «حاشية الخضريّ على ابن عقيل». وقرأ على غير هؤلاء المشايخ كتبا عديدة من فنون متنوعة مما يطول الكلام بذكره من كتب السيرة، وكتب الأمداح النبوية ك «بانت سعاد» و «همزية البوصيري» و «بردته» و «القصيدة الوترية» و «الطرّاف والطرائف وإضاءة الدجنّة» ألفية في كتب الأشاعرة، وغير ذلك مما يطول الكلام بذكره، وكان يدرّس مع دراسته جنب حلقة مشايخه ما درس عليهم من أربع عشرة سنة من عمره. ثم استجاز من مشايخه هؤلاء كلهم التدريس، استقلالا في ما درس عليهم فأجازوا له، فبدأ التدريس استقلالا في جميع الفنون، في أوائل سنة ألف وثلاثمائة وثلاث وسبعين، في اليوم

стр. 17

الثاني عشر من ربيع الأول ١٢/ ٣/ ١٣٧٣ من الهجرة النبوية، فاجتمع عنده خلق كثير من طلّاب كلّ الفنون زهاء ستمائة طالب، أو سبعمائة طالب وكان يدرس من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء الآخرة نحو: سبع وعشرين حصة من حصص الفنون المتنوعة، وكان يحيي ليله دائما بكتابة التآليف وبما قدّر الله له من طاعته. والله أعلم * * *

стр. 18

ومؤلفاته كثيرة من كل الفنون حتى أوشكت إلى أن لا تحصى، و المطبوع المنتشر منها اثنا عشر كتابا: [من النحو] ١ - «الباكورة الجنية في إعراب متن الآجرومية». ٢ - «الفتوحات القيومية في علل وضوابط متن الآجرومية». ٣ - «الدرر البهية في إعراب أمثلة الآجرومية». ٤ - «جواهر التعليمات شرح على التقريظات ومقدمة علم النحو». ٥ - «هدية أولي العلم والإنصاف في إعراب المنادى المضاف». * ومن الصرف: ٦ - «مناهل الرجال على لامية الأفعال». ٧ - «تحنيك الأطفال على لامية الأفعال». * ومن المصطلح: ٨ - «الباكورة الجنية على منظومة البيقونية». ٩ - «هداية الطالب المعدم على ديباجة صحيح مسلم». ١٠ - «خلاصة القول المفهم على تراجم رجال صحيح مسلم» مجلدان.

стр. 19

* ومن كتب الأسماء والصفات: ١١ - «هدية الأذكياء على طيبة الأسماء في توحيد الأسماء والصفات». ١٢ - «سلّم المعراج على خطبة المنهاج» للإمام النواوي. وغير المطبوع منها من الفنون المتنوعة: * من التفسير: ١٣ - «حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن» اثنان وثلاثون مجلدا جمع فيه سبعة فنون، بل ثمانية، بل تسعة لم يسبق له نظير من كتب التفسير وهو الذي ننشر مقدمته الآن. * ومن النحو: ١٤ - «حاشية على كشف النقاب على ملحة الإعراب». ١٥ - «هدية الطلاب في إعراب ملحة الإعراب». ١٦ - «الصور العقلية على تراجم الألفية» لابن مالك. ١٧ - «التقريرات على حاشية الخضري على الألفية». ١٨ - «حاشية على الفواكه الجنية على متمّمة الآجرومية». ١٩ - «التقريرات على مجيب النّدا على قطر النّدى» كلاهما لعبد الله الفاكهي.

стр. 20

* ومن البلاغة: ٢٠ - «الدرّ المصون على الجوهر المكنون» لعبد الرحمن الأخضري. ٢١ - «التقريرات على مختصر سعد الدين، على التلخيص». * ومن المنطق: ٢٢ - «الكنز المكتّم على متن السّلّم» للأخضري أيضا. ٢٣ - «التذهيب على متن التهذيب في المنطق». * ومن العروض: ٢٤ - «الفتوحات الربانية على منظومة الخزرجية في العروض». ٢٥ - «التبيان على منظومة الصبان في العروض». * ومن الحديث: ٢٦ - «النهر الجاري على تراجم البخاري ومشكلاته». ٢٧ - «رفع الصدود على سنن أبي داود» على الربع الأول منه لم يكمّل. * ومن الأصول: ٢٨ - «التقريرات على شرح المحلي على جمع الجوامع في الأصول».

стр. 21

* ومن الفقه: ٢٩ - «التقريرات على شرح المحلي وحاشيتي القليوبي وعميرة عليه على المنهاج» في فقه الشافعية. ٣٠ - «حاشية على فتح الجواد على متن الإرشاد» في فقه الشافعية. ٣١ - «أضوأ المسالك على عمدة الناسك» لأحمد بن النقيب. ٣٢ - «التقريرات على التوشيح على غاية الاختصار». ٣٣ - «التقريرات على فتح الوهاب مع حاشيته التجريد» لسليمان البجيرمي. ٣٤ - «التقريرات على قصيدة زبد أحمد بن رسلان». * ومن الأمداح النبوية والسيرة المرضية: ٣٥ - «نيل المراد على متن بانت سعاد» لكعب بن زهير الصحابي الجليل ﵁. ٣٦ - «البيان الصريح على بردة المديح» للبوصيري. ٣٧ - «البيان الظريف على العنوان الشريف». ٣٨ - «المقاصد السّنيّة على القصائد البرعية». ٣٩ - «التقريرات على همزية البوصيري».

стр. 22

* ومنها في المصطلح: ٤٠ - «جوهرة الدّرر على ألفية الأثر» لعبد الرحمن السيوطي. ٤١ - ومنها «نزل كرام الضيفان مقدمة تفسير حدائق الروح والريحان» وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن. ٤٢ - ومنها «مجمع الأسانيد ومظفر المقاصد من أسانيد كل الفنون». ٤٣ - «فتح الملك العلام في عقائد أهل الإسلام على ضوء الكتاب والسنة». - وكانت هجرته من الحبشة إلى هذه المملكة السعيدة في تاريخ سنة ثمان وتسعين بعد ألف وثلاثمائة كما أرّخه بقوله: هاجرت في ثمان وتسعين ... من بعد ألف وثلاث مئين وكان سبب هجرته؛ اتفاق الشيوعيّين على قتله، حين أسس في منطقته الجبهة الإسلامية الأرومية، وجاهد بهم وأوقع في الشيوعيين قتلا ذريعا، وحاصروه لقتله وخرج من بين أيديهم بعصمة الله تعالى، وكان بعد ما دخل هذه المملكة، وحصل على النظام مدرسا في دار الحديث الخيرية من بداية سنة ألف وأربعمائة، وكان أيضا مدرسا في المسجد الحرام ليلا نحو: ثمان سنوات، بإذن رئاسة شئون الحرمين حتى تقرر تكريس وقته لمزيد من التأليف. فتصدى لشرح صحيح مسلم في خمسة عشر جزءا مجلدا وله أسانيد عديدة من مشايخ كثيرين في

стр. 23

جميع الفنون خصوصًا في التفسير والأمهات الستة فسبحان المنفرد بالكمال. والله أعلم ***

стр. 24

هذا وبعد التفصيل في ذكر سيرة هذا المفسّر الجليل يحسن بنا التمهيد لمقدمة هذا التفسير، بالثناء على الله الحميد المجيد، الفعّال لما يريد، الذي اختار صفوة العبيد، سيدنا ونبينا محمد ﷺ وبعثه بمكارم الأخلاق، ونشر فضله وذكره في جميع الآفاق، وأنزل عليه نورا هدى به من الضلالة، وأنقذ به من وفّق من الجهالة، وحكم بالفوز والفلاح لمن اتّبعه، وبالخسران لمن أعرض عنه، بعد ما سمعه، عجز الخلائق عن معاندته، ومعارضته، حين تحدّاهم على أن يأتو بسورة من مثله، في مقابلته، ثمّ سهّل على عباده المؤمنين مع إعجازه تلاوته، ويسّر على الألسن قراءته، ودراسته، أمر فيه، وزجر، وبشّر فيه، وأنذر، وذكر فيه المواعظ، ليتذكّر، وضرب فيه الأمثال، ليتدبّر، وقصّ فيه من أخبار الماضين؛ ليعتبر، ودلّ فيه على آيات التوحيد؛ ليتفّكر، ثمّ لم يرض منّا بسرد حروفه، دون حفظ حدوده، ولا بإقامة كلماته، دون العمل بمحكماته، ولا بتلاوته، دون تدبّر آياته، في قراءته، ولا بدراسته دون تعلم حقائقه، وتفهم دقائقه ولا حصول لهذه المقاصد منه، إلا بدراية تفسيره وأحكامه، ومعرفة حلاله وحرامه، وأسباب نزوله وأقسامه، والوقوف على ناسخه ومنسوخه، ومعرفة تناسب آياته، خاصّه وعامّه، ومطلقه ومجمله، فإنّه: أرسخ العلوم أصلا وأسبغها فرعا وفضلا، وأكرمها نتاجا، وأنورها سراجا، فلا شرف إلّا وهو السبيل

стр. 25

إليه، ولا خير إلّا وهو الدالّ عليه، وقد قيّض الله تعالى له رجالا موفّقين، وبالحقّ ناطقين، حتّى صنّفوا في سائر علومه المصنّفات، وجمعوا سائر فنونه المتفرّقات، كلّ على قدر فهمه، ومبلغ علمه، نظرا للخلف، واقتداء بالسّلف، فشكر الله سعيهم، ورحم كافّتهم، وأشهد أن لا إله إلا الله، الفرد الصمد، الواحد الأحد، الذي لم يكن له كفوا أحد، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، شهادة تشهد لي يوم الدين، بكامل الإيمان واليقين، فيا واجب الوجود، ويا فائض الجود، ويا غاية كلّ مقصود، صلّ وسلّم على حبيبك المحمود، صاحب اللّواء المعقود، وعلى آله وصحبه ذوي الكرم والجود، صلاة توازي غناءه وتجازي عناءه، وكلّ من أعانه، وقرّر بنيانه. أمّا بعد: فلمّا فرغ واضع هذا التفسير «حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن» منه، حبّذ له مقدمة وجيزة لتكون سفينة لمن أراد الخوض في بحاره، والمفتاح لمن أراد معالجة قفل أسراره، أسماها «نزل كرام الضيفان في ساحة حدائق الروح والريحان» وقد أشتملت هذه المقدمة على ثلاثين فصلا. هاك مقدمة طابت فرعا ... وطابا أصلها أصلا أصلا * * * ألا إنما القرآن تسعة أحرف ... سأنبيكها في بيت شعر بلا خلل حلال حرام محكم متشابه ... بشير نذير قصة عظة مثل * * *

стр. 26

ما حوى العلم جميعا أحد ... لا ولو مارسه ألف سنه إنما العلم بعيد غوره ... فخذو من كل علم أحسنه هذا وقد آن أوان شروع القارىء في تفحص هذا الكنز وإلقاء النظر على جواهره الثمينة والفريدة وبالله التوفيق والهداية لأقوم طريق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الدكتور/ هاشم بن محمد علي مهدي الأربعاء ٥/ ٥/ ١٤٢٠ هـ

стр. 27

الفصل الأول في فضل القرآن الكريم وتلاوته، وتعلّمه، وتعليمه (١) فقد ورد في فضله، وتعلُّمه، وتعليمه أحاديث كثيرة: فمنها: ما رواه الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - في «صحيحة» عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى: خمّا، بين مكّة والمدينة، فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثمّ قال: «أمّا بعد: ألا أيّها النّاس! إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب، وإنّي تارك فيكم ثقلين، أوّلهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب الله، ورغّب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي». زاد في رواية: «كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به، وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلّ». وفي رواية: «كتاب الله هو حبل الله من اتّبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة». وفي رواية الترمذي عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي»، أحدهما أعظم من الآخر: وهو كتاب الله؛ «حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل

стр. 28

بيتي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». ومنها: ما أخرجه مسلم أيضا: عن عمر بن الخطاب قال: أما إنّ نبيّكم ﷺ قال: «إنّ الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين». ومنها: ما روي عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن، كالبيت الخرب». أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح. ومنها: ما أخرجه البخاريّ، عن عثمان بن عفان ﵁: عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلّم القرآن، وعلّمه». ومنها: ما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران». متّفق عليه. (الماهر): الحاذق الكامل الحفظ، الجيّد التلاوة. (يتعتع)؛ أي: يتردّد في تلاوته؛ لضعف حفظه. (له أجران) يعني: أجر بسبب القراءة، وأجر بسبب تعبه فيها والمشقّة فيها، وليس معناه: أنّ له أجرا أكثر من أجر الماهر، بل الماهر أفضل منه، وأكثر أجرا. ومنها: ما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن؛ كمثل الأترجّة طعمها طيّب، وريحها طيّب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن،

стр. 29

كمثل التمرة طعمها طيّب، ولا ريح له، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن، كمثل الريحانة ريحها طيّب، وطعمها مرّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة طعمها مرّ، ولا ريح لها». متّفق عليه. فيه دليل على فضيلة حفّاظ القرآن، ومشروعيّة ضرب الأمثال؛ لإيضاح المقاصد. ومنها: ما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله، فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الم﴾ * حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ومنها: ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رجل: يا رسول الله! أيّ الأعمال أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: «الحالّ المرتحل»، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: «الذي يضرب من أوّل القرآن إلى آخره، كلّما حلّ ارتحل». أخرجه الترمذي. ومنها: ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإنّ منزلك عند الله آخر آية تقرؤها» أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ومنها: ما روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «يجيء القرآن يوم القيامة، فيقول: يا ربّ! حلّه، فيلبس تاج الكرامة، ثمّ يقول: يا ربّ! زده، فيلبس حلّة الكرامة، ثمّ يقول: يا ربّ! ارض

стр. 30

عنه، فيرضى عنه، فيقال: اقرأ، وارق، ويزاد بكلّ آية حسنة». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. ومنها: ما روي عن سهل بن معاذ الجهنيّ، عن أبيه، أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قرأ القرآن وعمل به، ألبس والداه يوم القيامة تاجا، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنّكم بالذي عمل بهذا» أخرجه أبو داود. ومنها: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ القرآن فاستظهره، فأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، أدخله الله الجنّة، وشفّعه في عشرة من أهل بيته، كلّهم قد وجبت لهم النار». أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، وليس له إسناد صحيح. ومنها: ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أذن الله لشيء، كإذنه لنبيّ يتغنّى بالقرآن يجهر به» متّفق عليه. ما أذن الله، أي: استمع لمن يتغنّى بالقرآن، أي: يحسّن صوته به. ومنها: ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن». ومنها: ما روي عن عقبة بن عامر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصدقة» أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والدارميّ، والترمذي، وقال: حديث حسن غريب.

стр. 31

وفي «مسند أبي داود الطيالسيّ: وهو أوّل مسند ألّف في الإسلام، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ . قال: «من قام بعشر آيات، لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية، كتب من القانتين، ومن قام بألف آية، كتب من المقنطرين». والآثار في معنى هذا الفصل كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفّق للهداية. والله أعلم * * *

стр. 32

الفصل الثاني في كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى، وما يكره منها، وما يحرم، واختلاف الناس في ذلك (١) روى البخاري، عن قتادة قال: سألت أنسا عن قراءة رسول الله ﷺ ؟ قال: (يمدّ مدّا، إذ قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ (١)، يمدّ بسم الله ويمدّ بالرحمن ويمدّ بالرحيم). وروى الترمذي، عن أمّ سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقطّع قراءته، يقول: «الحمد لله ربّ العالمين»، ثمّ يقف الرحمن الرحيم، ثمّ يقف، وكان يقرأ مالك يوم الدين. قال: حديث غريب. وأخرجه أبو داود بنحوه. وروي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «أحسن الناس صوتا؛ من إذا قرأ رأيته يخشى الله تعالى». وروي عن زياد النّميري: «أنّه جاء مع القرّاء إلى أنس بن مالك، فقيل له: اقرأ، فرفع صوته وطرّب؛ وكان رفيع الصّوت، فكشف أنس عن وجهه، وكان على وجهه خرقة سوادء، فقال: (يا هذا ما هكذا يفعلون)، وكان إذا رأى شيئا ينكره، كشف عن وجهه الخرقة.

стр. 33

وروي عن قيس بن عبّاد أنّه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الذكر، وممّن روي عنه كراهة رفع الصوت عند قراءة القرآن: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، والنّخعيّ وغيرهم، وكرهه مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، كلّهم كره رفع الصوت بالقرآن، والتّطريب فيه. وروي عن سعيد بن المسيب: أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يؤمّ الناس، فطرّب في قراءته، فأرسل إليه سعيد يقول: أصلحك الله! إنّ الأمّة لا تقرأ هكذا، فترك عمر التّطريب بعد. وروي عن القاسم بن محمد: أنّ رجلا قرأ في مسجد النبي ﷺ فطرّب، فأنكر ذلك القاسم وقال: يقول الله : ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية. وروي عن مالك: أنّه سئل عن النّبر في قراءة القرآن في الصلاة، فأنكر ذلك، وكرهه كراهة شديدة، وأنكر رفع الصوت به. وروى ابن القاسم عنه: أنّه سئل عن الألحان في الصلاة؟ فقال: لا يعجبني، وقال: إنّما هو غناء يتغنّون به؛ ليأخذوا عليه الدّراهم. وأجازت طائفة رفع الصوت بالقرآن والتطريب به؛ لأنّه إذا حسن الصوت به، كان أوقع في النّفوس وأسمع في القلوب، واحتجّوا بقوله ﷺ : «زيّنوا القرآن بأصواتكم» رواه البراء بن عازب. أخرجه أبو داود والنسائي. وبقوله ﷺ : «ليس منّا من لم

стр. 34

يتغنّ بالقرآن»، أخرجه مسلم. وبقول أبي موسى للنبي ﷺ : (لو أعلم أنّك تستمع قراءتي لحبّرته لك تحبيرا). وبما رواه عبد الله بن مغفّل، قال: قرأ رسول الله ﷺ ، عام الفتح في مسير له، (سورة الفتح) على راحلته، فرجّع في قراءته. وممّن ذهب إلى هذا أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعيّ، وابن المبارك، والنضر بن شميل، وهو اختيار أبي جعفر الطبري، وأبي الحسن بن بطّال، والقاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهم. قلت: القول (١) الأول أصحّ لما ذكرناه ويأتي، وأمّا ما احتجّوا به من الحديث الأوّل؛ فليس على ظاهره؛ وإنّما هو من المقلوب، أي: زيّنوا أصواتكم بالقرآن. قال الخطّابي، وكذا فسّره غير واحد من أئّمة الحديث. (زيّنوا أصواتكم بالقرآن) وقالوا: هو من المقلوب، كما قالوا: عرضت الحوض على الناقة؛ وإنّما هو عرضت الناقة على الحوض. قال: ورواه معمر، عن منصور، عن طلحة، فقدّم الأصوات على القرآن، وهو الصحيح. قلت: وهذا الخلاف ما لم يمنع فهم معنى القرآن بترديد الأصوات، وكثرة التّرجيعات، فإن زاد الأمر على ذلك حتى لا يفهم معناه، فذلك حرام باتفاق، كما يفعل القرّاء بالديار المصريّة، الذين يقرؤون أمام الملوك والجبابرة، ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز، ضلّ سعيهم وخاب عملهم، فيستحلّون بذلك تغيير كتاب الله، ويهوّنون على أنفسهم الاجتراء على الله، بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه، جهلا

стр. 35

بدينهم، ومروقا عن سنّة نبيّهم، ورفضا لسير الصّالحين فيه من سلفهم، ونزوعا إلى ما يزيّن لهم الشيطان من أعمالهم، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعهم، فهم في غيّهم يتردّدون، وبكتاب الله يتلاعبون، فإنا لله وإنّا إليه راجعون. لكن قد أخبر الصادق المصدوق: أنّ ذلك يكون، فكان كما أخبر النبيّ ﷺ . ذكر الإمام الحافظ، أبو الحسن رزين، وأبو عبد الله، الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول»، من حديث حذيفة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اقرأوا القرآن بلحون العرب، وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل الفسق، ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدي قوم يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء، والنّوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم». اللّحون: جمع لحن: وهو التّطريب، وترجيع الصوت، وتحسينه بالقراءة، والشعر، والغناء، قال علماؤنا: ويشبه أن يكون هذا الذي يفعله قرّاء زماننا بين يدي الوعّاظ، وفي المجالس من اللّحون الأعجميّة، الّتي يقرؤون بها، ما نهى عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم. والترجيع في القراءة: ترديد الحروف، كقراءة النصارى. والترتيل في القراءة: هو التّأنيّ فيها، والتمهّل، وتبيين الحروف، والحركات؛ تشبيها بالثغر المرتّل، وهو المشبه بنور الأقحوان، وهو المطلوب في قراءة القرآن، قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. وسئلت أمّ سلمة؛ عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته؟ فقالت: (ما لكم وصلاته)، ثمّ نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة

стр. 36

مفسّرة حرفا حرفا. أخرجه النسائي، وأبو داود، والترمذي، وقال هذا حديث صحيح غريب. والله أعلم * * *

стр. 37

الفصل الثالث في تحذير أهل القرآن والعلم من الرياء، وغيره قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. روى مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل الناس يقضى عليه يوم القيامة؛ رجل استشهد فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتّى استشهدت، قال: كذبت، ولكنّك قاتلت ليقال: جرىء، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل تعلّم العلم، وعلّمه، وقرأ القرآن. فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلّمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنّك تعلّمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارىء، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كلّه، فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت فيها من سبيل تحبّ أن ينفق فيها، إلّا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنّك فعلت ليقال: هو

стр. 38

جواد، فقد قيل، «ثمّ أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار». وقال الترمذيّ في هذا الحديث: ثمّ ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي، فقال: «يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أوّل خلق الله، تسعّر بهم النار يوم القيامة». قال ابن عبد البرّ: وهذا الحديث، فيمن لم يرد بعمله، وعلمه وجه الله تعالى. وروي عن النبي ﷺ أنّه قال: «من طلب العلم لغير الله، أو أراد به غير الله، فليتبوّأ مقعده من النار». وأخرج ابن المبارك في «رقائقه» عن العباس بن عبد المطلّب. قال: قال رسول الله ﷺ : «يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار، وحتى تخاض البحار، بالخيل في سبيل الله ﵎، ثمّ يأتي أقوام يقرءون القرآن، فإذا قرءوه قالوا»: من أقرأ منّا، من أعلم منّا؟ ثم التفت إلى أصحابه، فقال: «هل ترون في أولئكم من خير؟» قالوا: لا، قال: «أولئك منكم، أولئك من هذه الأمّة، وأولئك هم وقود النّار». وروى أبو داود، والترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلّم علما ممّا يبتغى به وجه الله، لا يتعلّمه؛ إلّا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة». يعني: ريحها. قال الترمذي: حديث حسن. وروى الترمذي أيضا: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تعوّذوا بالله من جبّ الحزن»، قالوا: يا رسول الله! وما جبّ الحزن؟ قال: «واد في جهنّم، تتعوّذ منه جهنّم في كلّ يوم

стр. 39

مائة مرّة»، قيل: يا رسول الله! ومن يدخله؟ قال: «القرّاء المراءون بأعمالهم»، وقال هذا حديث غريب. وفي كتاب أسد بن موسى: أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ في جهنّم واديا، إنّ جهنّم تتعوّذ من شرّ ذلك الوادي، كلّ يوم سبع مرّات، وإنّ في ذلك الوادي لجبّا، إنّ جهنّم، وذلك الوادي؛ ليتعوّذان بالله من شرّ ذلك الجبّ، وإنّ في الجبّ لحيّة، وإنّ جهنّم والوادي والجبّ؛ ليتعوّذون بالله من شر تلك الحيّة سبع مرات، أعدّها الله تعالى للأشقياء من حملة القرآن، الذين يعصون الله». فيجب على حامل القرآن، وطالب العلم أن يتّقي الله في نفسه، ويخلص العمل لله، فإن كان تقدّم له شيء ممّا يكره؛ فليبادر التّوبة والإنابة، وليبتدىء الإخلاص في التوبة وعمله، فالذي يلزم حامل القرآن من التحفّظ، أكثر ممّا يلزم غيره، كما أنّ له من الأجر ما ليس لغيره. وأخرج الطبريّ في كتاب «آداب النفوس» قال: حدّثنا أبو كريب، محمد بن العلاء، حدثنا المحاربيّ، عن عمرو بن عامر البجليّ، عن ابن صدقة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أو عمّن حدّثه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تخادع الله؛ فإنّه من يخادع الله يخدعه الله، ونفسه يخدع لو يشعر» قالوا يا رسول الله. وكيف يخادع الله؟ قال: «تعمل بما أمرك الله به، وتطلب به غيره، واتقوا الرياء، فإنّه الشرك، وإنّ المرائي يدعى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء، ينسب إليها: يا كافر! يا فاجر! يا غادر! يا

стр. 40

خاسر! ضل عملك، وبطل أجرك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له، يا مخادع. وروى علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: (كيف أنتم، إذا لبستكم فتنة يربوا فيها الصغير، ويهرم الكبير، وتتّخذ سنة مبتدعة، يجري عليها الناس؟ فإذا غيّر منها شيء)، قيل: قد غيرت السّنة، قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «إذا كثر قرّاؤكم، وقلّ فقهاؤكم، وكثر أمراؤكم، وقلّ أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقّه لغير الدّين). وقال سفيان بن عيينة: بلغنا عن ابن عباس أنّه قال: (لو أنّ حملة القرآن أخذوه بحقّه، وما ينبغي؛ لأحبّهم الله، ولكن طلبوا به الدنيا، فأبغضهم الله، وهانوا على الناس). وروي عن أبي جعفر، محمد بن علي في قول الله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ (٩٤)، قال: قوم وصفوا الحقّ والعدل بألسنتهم، وخالفوه إلى غيره. والله أعلم * * *
следующие страницы →