← Баляга

Баляга · id 17387

أسرار البلاغة - ت هنداوي

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (294 стр.). Показаны 281–294 · переход к 286.

стр. 281

على الاستعارة»، فأطلق لفظ «الاستعارة» على وقوع «المجلس» هنا، بمعنى القوم الذين يجتمعون في الأمور، وليس «المجلس» إذا وقع على القوم من طريق التشبيه، بل على حدّ وقوع الشيء على ما يتّصل به، وتكثر ملابسته إياه. وأيّ شبه يكون بين القوم ومكانهم الذي يجتمعون فيه؟ إلّا أنه لا يعتدّ بمثل هذا، فإنّ ذلك قد يتّفق حيث ترسل العبارة. وقال الآمديّ نفسه: «ثم قد يأتي في الشعر ثلاثة أنواع أخر، يكتسي المعنى العامّ بها بهاء وحسنا، حتى يخرج بعد عمومه إلى أن يصير مخصوصا ثم قال: وهذه الأنواع هي التي وقع عليها اسم البديع، وهي الاستعارة والطباق والتجنيس». فهذا نصّ في وضع القوانين على أن «الاستعارة» من أقسام البديع، ولن يكون النّقل بديعا حتى يكون من أجل الشبيه على المبالغة كما بيّنت لك. وإذا كان كذلك، ثم جعل «الاستعارة» على الإطلاق بديعا، فقد أعلمك أنها اسم للضرب المخصص من النّقل دون كلّ نقل، فاعرف. واعلم أنّا إذا أنعمنا النظر، وجدنا المنقول من أجل التشبيه على المبالغة، أحقّ بأن يوصف بالاستعارة من طريق المعنى. بيان ذلك: أن ملك المعير لا يزول عن المستعار، واستحقاقه إيّاه لا يرتفع. فالعاريّة إنما كانت عاريّة، لأن يد المستعير يد عليها، ما دامت يد المعير باقية، وملكه غير زائل، فلا يتصوّر أن يكون للمستعير تصرّف لم يستفده من المالك الذي أعاره، ولا أن تستقرّ يده مع زوال اليد المنقول عنها، وهذه جملة لا تراها إلّا في المنقول نقل التشبيه، لأنك لا تستطيع أن تتصوّر جري الاسم على الفرع من غير أن تحوجه إلى الأصل. كيف؟ ولا يعقل تشبيه حتى يكون هاهنا مشبّه ومشبّه به. هذا، والتشبيه ساذج مرسل، فكيف إذا كان على معنى المبالغة، على أن يجعل الثاني أنه انقلب مثلا إلى جنس الأوّل، فصار الرجل أسدا وبحرا وبدرا، والعلم نورا، والجهل ظلمة، لأنّه إذا كان على هذا الوجه، كانت حاجتك إلى أن تنظر به إلى الأصل أمسّ، لأنه إذا لم يتصوّر أن يكون هاهنا سبع من شأنه الجرأة العظيمة والبطش الشديد، كان تقديرك شيئا آخر تحوّل إلى صفته وصار في حكمه، من أبعد المحال. وأمّا ما كان منقولا لا لأجل التشبيه، كاليد في نقلها إلى النعمة، فلا يوجد ذلك فيه، لأنك لا تثبت للنعمة بإجراء اسم «اليد» عليها شيئا من صفات الجارحة المعلومة، ولا تروم تشبيها بها البتة، لا مبالغا ولا غير مبالغ. فلو فرضنا أن تكون

стр. 282

اليد» اسما وضع للنعمة ابتداء، ثم نقلت إلى الجارحة، لم يكن ذلك مستحيلا. وكذلك لو ادّعى مدّع أنّ جري اليد على النعمة أصل ولغة على حدتها، وليست مجازا، لم يكن مدّعيا شيئا يحيله العقل. ولو حاول محاول أن يقول في مسألتنا قولا شبيها بهذا، فرام تقدير شيء يجري عليه اسم الأسد على المعنى الذي يريده بالاستعارة، مع فقد السبع المعلوم، ومن غير أن يسبق استحقاقه لهذا الاسم في وضع اللغة، رام شيئا في غاية البعد. وعبارة أخرى: العاريّة من شأنها أن تكون عند المستعير على صفة شبيهة بصفتها وهي عند المالك، ولسنا نجد هذه الصورة إلا فيما نقل التشبيه للمبالغة دون ما سواه. ألا ترى أن الاسم المستعار يتناول المستعار له، ليدلّ على مشاركته المستعار منه في صفة هي أخصّ الصفات التي من أجلها وضع الاسم الأول؟ أعني أن الشجاعة أقوى المعاني التي من أجلها سمّي الأسد أسدا، وأنت تستعير الاسم للشيء على معنى إثباتها له على حدّها في الأسد. فأما «اليد» ونقلها إلى النعمة، فليست من هذا في شيء، لأنها لم تتناول النعمة لتدلّ على صفة من صفات اليد بحال. ويحرّر ذلك نكتة: وهي أنك تريد بقولك: «رأيت أسدا»، أن تثبت للرجل الأسدية، ولست تريد بقولك: «له عندي يد»، أن تثبت للنعمة اليديّة، وهذا واضح جدّا. واعلم أنّ الواجب كان أن لا أعدّ وضع «الشفة» موضع «الجحفلة»، و «الجحفلة» في مكان «المشفر»، ونظائره التي قدّمت ذكرها في الاستعارة، وأضنّ باسمها أن يقع عليه، ولكني رأيتهم قد خلطوه بالاستعارات وعدّوه معدّها، فكرهت التشدّد في الخلاف، واعتددت به في الجملة، ونبّهت على ضعف أمره بأن سمّيته «استعارة غير مفيدة». وكان وزان ذلك وزان أن يقال: «المفعول على ضربين مفعول صحيح، ومشبّه بالمفعول». فيتجوّز باعتداد المشبّه بالمفعول في الجملة، ثم يفصل بالوصف. ووجه شبه هذا النحو الذي هو نقل «الشفة» إلى موضع «الجحفلة» بالاستعارة الحقيقية، لأنك تنقل الاسم إلى مجانس له. ألا ترى أنّ المراد بالشفة والجحفلة عضو واحد، وإنما الفرق أنّ هذا من الفرس، وذاك من الإنسان، والمجانسة والمشابهة من واد واحد؟ فأنت تقول: أعير الشيء اسمه الموضوع له هنالك أي في الإنسان- هاهنا- أي في الفرس-، لأن أحدهما مثل صاحبه وشريكه في جنسه، كما أعرت الرجل اسم الأسد، لأنه شاركه في صفته الخاصّة به، وهي الشجاعة

стр. 283

البليغة. وليس لليد مع النعمة هذا الشبه، إذ لا مجانسة بين الجارحة وبين النعمة، وكذا لا شبه ولا جنسية بين البعير ومتاع البيت، وبين المزادة وبين البعير، ولا بين العين وبين جملة الشخص فإطلاق اسم «الاستعارة» عليه بعيد. ولو كان اللفظ يستحقّ الوصف بالاستعارة بمجرّد النقل، لجاز أن توصف الأسماء المنقولة من الأجناس إلى الأعلام بأنها مستعارة، فيقال: «حجر»، مستعار في اسم الرجل، ولزم كذلك في الفعل المنقول نحو: «يزيد ويشكر» وفي الصوت نحو: «ببّة» في قوله (١): [من الرجز] لأنكحنّ ببّه ... جارية خدبّة مكرمة محبّة ... تجبّ أهل الكعبة وذلك ارتكاب قبيح، وفرط تعصّب على الصواب. ويلوح هاهنا شيء. هو أنّا وإن جعلنا «الاستعارة» من صفة اللفظ فقلنا: «اسم مستعار»، و «هذا اللفظ استعارة هاهنا وحقيقة هناك»، فإنّا على ذلك نشير بها إلى المعنى، من حيث قصدنا باستعارة الاسم، أن نثبت أخصّ معانيه للمستعار له. يدلّك على ذلك قولنا: «جعله أسدا» و «جعله بدرا» و «جعل للشمال يدا»، فلولا أنّ استعارة الاسم للشيء تتضمّن استعارة معناه له، لما كان هذا الكلام معنى. لأن «جعل»، لا يصلح إلا حيث يراد إثبات صفة للشيء، كقولنا: «جعله أميرا، وجعله لصّا»، نريد أنه أثبت له الإمارة واللصوصية. وحكم «جعل» إذا تعدّى إلى مفعولين، حكم «صيّر»، فكما لا تقول: صيّرته أميرا» إلا على معنى أنك أثبتّ له صفة الإمارة، وكذلك لم تقل: «جعله أسدا» إلا على أنه أثبت له معنى من معاني الأسود، ولا يقال: «جعلته زيدا»، بمعنى سمّيته زيدا، ولا يقال للرجل: «اجعل

стр. 284

ابنك زيدا» بمعنى سمّه زيدا، ولا يقال: «ولد لفلان ابن فجعله زيدا» أي: سمّاه زيدا. وإنما يدخل الغلط في ذلك على من لا يحصّل هذا الشأن. فأما قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف: ١٩]، فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها، وذلك أنهم أثبتوا للملائكة صفة الإناث، واعتقدوا وجودها فيهم. وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ما صدر من الاسم- أعني إطلاق اسم البنات، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظ الإناث، أو لفظ البنات، اسما من غير اعتقاد معنى، وإثبات صفة، هذا محال لا يقوله عاقل- أو ما يسمعون قول الله : أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ [الزخرف: ١٩]، فإن كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على الملائكة ولم يعتقدوا إثبات صفة ومعنى، فأيّ معنى لأن يقال: «أشهدوا خلقهم»؟ هذا، ولو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة، ولم يفعلوا أكثر من أن وضعوا اسما، لما استحقّوا إلّا اليسير من الذّم، ولما كان هذا القول كفرا منهم. والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى ولكن قد يكون للشيء المستحيل وجوه في الاستحالة فتذكر كلّها، وإن كان في الواحد منها ما يزيل الشبهة ويتمّ الحجّة. فصل في تقسيم المجاز إلى اللغوي والعقلي، واللغوي إلى الاستعارة وغيرها واعلم أن «المجاز» على ضربين: مجاز من طريق اللغة، ومجاز من طريق المعنى والمعقول. فإذا وصفنا بالمجاز الكلمة المفردة كقولنا: «اليد مجاز في النعمة» و «الأسد مجاز في الإنسان وكلّ ما ليس بالسبع المعروف»، كان حكما أجريناه على ما جرى عليه من طريق اللغة، لأنا أردنا أنّ المتكلم قد جاز باللفظة أصلها الذي وقعت له ابتداء في اللغة، وأوقعها على غير ذلك، إمّا تشبيها، وإمّا لصلة وملابسة بين ما نقلها إليه وما نقلها عنه. ومتى وصفنا بالمجاز الجملة من الكلام، كان مجازا من طريق المعقول دون اللغة، وذلك أن الأوصاف اللّاحقة للجمل من حيث هي جمل، لا يصحّ ردّها إلى اللّغة، ولا وجه لنسبتها إلى واضعها، لأن التأليف هو إسناد فعل إلى اسم، واسم إلى اسم، وذلك شيء يحصل بقصد المتكلم، فلا يصير «ضرب» خبرا عن «زيد» بواضع اللغة، بل بمن قصد إثبات الضرب فعلا له، وهكذا: «ليضرب زيد»، لا يكون أمرا

стр. 285

لزيد باللغة، ولا «اضرب» أمرا للرجل الذي تخاطبه وتقبل عليه من بين كل من يصحّ خطابه باللغة، بل بك أيّها المتكلم. فالذي يعود إلى واضع اللغة، أنّ «ضرب» لإثبات الضرب، وليس لإثبات الخروج، وأنه لإثباته في زمان ماض، وليس لإثباته في زمان مستقبل. فأمّا تعيين من يثبت له، فيتعلّق بمن أراد ذلك من المخبرين بالأمور، والمعبّرين عن ودائع الصّدور، والكاشفين عن المقاصد والدّعاوى، صادقة كانت تلك الدعاوى أو كاذبة ومجراة على صحتها، أو مزالة عن مكانها من الحقيقة وجهتها ومطلقة بحسب ما تأذن فيه العقول وترسمه أو معدولا بها عن مراسمها نظما لها في سلك التّخييل، وسلوكا بها في مذهب التأويل. فإذا قلنا مثلا: «خطّ أحسن مما وشّاه الربيع» أو «صنعه الربيع»، وكنّا قد ادعينا في ظاهر اللفظ أن للربيع فعلا أو صنعا، وأنه شارك الحيّ القادر في صحّة الفعل منه. وذلك تجوّز من حيث المعقول لا من حيث اللغة، لأنه إن قلنا: «إنه مجاز من حيث اللغة»، صرنا كأنّا نقول: إن اللغة هي التي أوجبت أن يختصّ الفعل بالحيّ القادر دون الجماد، وإنها لو حكمت بأنّ الجماد يصحّ منه الفعل والصّنع والوشي والتزيين، والصّبغ والتحسين، لكان ما هو مجاز الآن حقيقة، ولعاد ما هو الآن متأوّل، معدودا فيما هو حقّ محصّل، وذلك محال. وإنما يتصوّر مثل هذا القول في الكلم المفردة، نحو «اليد» للنعمة، وذاك أنه يصحّ أن يقال: لو كان واضع اللغة وضع «اليد» أوّلا للنعمة، ثم عدّاها إلى الجارحة، لكان حقيقة فيما هو الآن مجاز، ومجازا فيما هو حقيقة فلم يكن بواجب من حيث المعقول أن يكون لفظ «اليد» اسما للجارحة دون النعمة، ولا في العقل أن شيئا بلفظ، أن يكون دليلا عليه أولى منه بلفظ، لا سيما في الأسماء الأول التي ليست بمشتقّة. وإنما وزان ذلك وزان أشكال الخطّ التي جعلت أمارات لأجراس الحروف المسموعة، في أنه لا يتصوّر أن يكون العقل اقتضى اختصاص كل شكل منها بما اختصّ به، دون أن يكون ذلك لاصطلاح وقع وتواضع اتّفق. ولو كان كذلك، لم تختلف المواضعات في الألفاظ والخطوط، ولكانت اللغات واحدة، كما وجب في عقل كل عاقل يحصّل ما يقول، أن لا يثبت الفعل على الحقيقة إلا للحيّ القادر. فإن قلت: فإن اللغة رسمت أن يكون «فعل» لإثبات الفعل للشيء كما زعمت، ولكنّا إذا قلنا: «فعل الربيع الوشي» أو «وشّى الربيع»، فإننا نريد بذلك معنى معقولا، وهو أن الربيع سبب في كون الأنوار التي تشبه الوشي .. فقد نقلنا الفعل عن

стр. 286

حكم معقول وضع له، إلى حكم آخر معقول شبيه بذلك الحكم، فصار ذلك كنقل الأسد عن السبع إلى الرجل الشبيه به في الشجاعة. أفتقول: «الأسد» على الرجل مجاز من حيث المعقول، لا من حيث اللغة، كما قلت في صيغة: «فعل» إذا أسندت إلى ما لا يصحّ أن يكون له فعل إنّها مجاز من جهة العقل، لا من جهة اللغة؟ فالجواب أن بينهما فرقا، وإن ظننتهما متساويين. وذلك أن «فعل» موضوع لإثبات الفعل للشيء على الإطلاق، والحكم في بيان من يستحق هذا الإثبات وتعيينه إلى العقل. وأما «الأسد» فموضوع للسبع قطعا، واللغة هي التي عيّنت المستحقّ له، وبرسمها وحكمها ثبت هذا الاستحقاق والاختصاص، ولولا نصّها لم يتصوّر أن يكون هذا السّبع بهذا الاسم أولى من غيره. فأمّا استحقاق الحيّ القادر أن يثبت الفعل له واختصاصه بهذا الإثبات دون كل شيء سواه، فبفرض العقل ونصّه لا باللغة، فقد نقلت «الأسد» عن شيء هو أصل فيه باللغة لا بالعقل. وأمّا «فعل» فلم تنقله عن الموضع الذي وضعته اللغة فيه، لأنه كما مضى، موضوع لإثبات الفعل للشيء في زمان ماض، وهو في قولك: «فعل الربيع» باق على هذه الحقيقة غير زائل عنها. ولن يستحقّ اللفظ الوصف بأنه مجاز، حتى يجري على شيء لم يوضع له في الأصل. وإثبات الفعل لغير مستحقّه، ولما ليس بفاعل على الحقيقة، لا يخرج «فعل» عن أصله، ولا يجعله جاريا على شيء لم يوضع له، لأن الذي وضع له «فعل» هو إثبات الفعل للشيء فقط، فأمّا وصف ذلك الشيء الذي يقع هذا الإثبات له، فخارج عن دلالته، وغير داخل في الموضع اللغويّ، بل لا يجوز دخوله فيه، لما قدّمت من استحالة أن يقال: «إنّ اللغة هي التي أوجبت أن يختصّ الفعل بالحيّ القادر دون الجماد»، وما في ذلك من الفساد العظيم، فاعرفه فرقا واضحا، وبرهانا قاطعا. وهاهنا نكتة جامعة، وهي أن «المجاز» في مقابلة «الحقيقة»، فما كان طريقا في أحدهما من لغة أو عقل، فهو طريق في الآخر. ولست تشكّ في أنّ طريق كون «الأسد» حقيقة في السبع، اللّغة دون العقل، وإذا كانت اللغة طريقا للحقيقة فيه، وجب أن تكون هي أيضا الطريق في كونه مجازا في المشبّه بالسّبع، إذا أنت أجريت اسم الأسد عليه فقلت: «رأيت أسدا»، تريد رجلا لا تميّزه عن الأسد في بسالته وإقدامه وبطشه. وكذلك إذا علمت أن طريق الحقيقة في إثبات الفعل للشيء هو العقل، فينبغي أن تعلم أنه أيضا الطريق إلى المجاز فيه. فكما أن العقل هو الذي دلّك حين

стр. 287

قلت: «فعل الحيّ القادر»، أنك لم تتجوّز، وأنك واضع قدمك على محض الحقيقة، كذلك ينبغي أن يكون هو الدالّ والمقتضى، إذا قلت: «فعل الربيع»، أنك قد تجوّزت وزلت عن الحقيقة، فاعرفه. فإن قال قائل: كان سياق هذا الكلام وتقريره يقتضي أنّ طريق المجاز كلّه العقل، وأن لا حظّ للّغة فيه، وذاك أنّا لا نجري اسم الأسد على المشبّه بالأسد، حتى ندّعي له الأسدية، وحتى نوهم أنه حين أعطاك من البسالة والبأس والبطش، ما تجده عند الأسد، صار كأنه واحد من الأسود قد استبدل بصورته صورة الإنسان، وقد قدّمت أنت فيما مضى ما بيّن أنك لا تتجوّز في إجراء اسم المشبّه به على المشبّه، حتى تخيّل إلى نفسك أنه هو بعينه فإذا كان الأمر كذلك فأنت في قولك: «رأيت أسدا»، متجوّز من طريق المعقول، كما أنك كذلك في «فعل الربيع». وإذا كان كذلك، عاد الحديث إلى أنّ المجاز فيهما جميعا عقليّ، فكيف قسّمته قسمين لغويّ وعقلي؟ فالجواب: أنّ هذا الذي زعمت- من أنك لا تجري اسم المشبّه به على المشبّه حتى تدّعي أنه قد صار من ذلك الجنس، نحو أن تجعل الرجل كأنه في حقيقة الأسد صحيح كما زعمت، لا يدفعه أحد. كيف السبيل إلى دفعه، وعليه المعوّل في كونه التشبيه على حدّ المبالغة، وهو الفرق بين الاستعارة وبين التشبيه المرسل؟ إلّا أن هاهنا نكتة أخرى قد أغفلتها، وهي أنّ تجوّزك هذا الذي طريقه العقل، يفضي بك إلى أن تجري الاسم على شيء لم يوضع له في اللغة على كل حال، فتجوز بالاسم على الجملة الشيء الذي وضع له، فمن هاهنا جعلنا اللغة طريقا فيه. فإن قلت: لا أسلّم أنه جرى على شيء لم يوضع له في اللغة، لأنك إذا قلت: «لا تجريه على الرجل حتى تدّعي له أنه في معنى الأسد»، لم تكن قد أجريته على ما لم يوضع له، وإنما كان يكون جاريا على غير ما وضع له، أن لو كنت أجريته على شيء لتفيد به معنى غير الأسدية. وذلك ما لا يعقل، لأنك لا تفيد بالأسد في التشبيه أنه رجل مثلا، أو عاقل، أو على وصف لم يوضع هذا الاسم للدلالة عليه البتة. قيل لك: قصارى حديثك هذا أنّا أجرينا اسم الأسد على الرجل المشبّه بالأسد على طريق التأويل والتخييل، أفليس على كل حال قد أجريناه على ما ليس بأسد على الحقيقة؟ وألسنا قد جعلنا له مذهبا لم يكن له في أصل الوضع؟ وهبنا قد ادّعينا للرجل الأسدية حتى استحق بذلك أن نجري عليه اسم الأسد،

стр. 288

أترانا نتجاوز في هذه الدعوى حديث الشجاعة، حتى ندّعي للرجل صورة الأسد وهيئته وعبالة عنقه ومخالبه، وسائر أوصافه الظاهرة البادية للعيون؟ ولئن كانت الشجاعة من أخصّ أوصاف الأسد وأمكنها، فإن اللغة لم تضع الاسم لها وحدها، بل لها في مثل تلك الجثّة وهاتيك الصورة والهيئة وتلك الأنياب والمخالب، إلى سائر ما يعلم من الصورة الخاصّة في جوارحه كلّها. ولو كانت وضعته لتلك الشجاعة التي تعرفها وحدها، لكان صفة لا اسما، ولكان كل شيء يفضي في شجاعته إلى ذلك الحدّ مستحقّا للاسم استحقاقا حقيقيّا، لا على طريق التشبيه والتأويل. وإذا كان كذلك، فإنّا وإن كنّا لم ندلّ به على معنى لم يتضمّنه اسم الأسد في أصل وضعه، فقد سلبناه بعض ما وضع له، وجعلناه للمعاني التي هي باطنة في الأسد وغريزة وطبع به وخلق، مجرّدة عن المعاني الظاهرة التي هي جثّة وهيئة وخلق، وفي ذلك كفاية في إزالته عن أصل وقع له في اللغة، ونقله عن حدّ جريه فيه إلى حدّ آخر مخالف له. وليس في «فعل»، إذا تجوّز فيه شيء من ذلك، لأنّا لم نسلبه لا بالتأويل ولا غير التأويل شيئا وضعته اللغة له، لأنه كما ذكرت غير مرّة: لإثبات الفعل للشيء من غير أن يتعرّض لذلك الشيء ما هو، أو هو مستحقّ لأن يثبت له الفعل أو غير مستحق. وإذا كان كذلك، كان الذي أرادت اللغة به موجودا فيه ثابتا له في قولك: «فعل الربيع»، ثبوته إذا قلت: «فعل الحيّ القادر»، لم يتغيّر له صورة، ولم ينقص منه شيء، ولم يزل عن حدّ إلى حدّ، فاعرفه. فإن قلت: قد علمنا أنّ طريق المجاز ينقسم إلى ما ذكرت من اللغة والمعقول، وأنّ «فعل» في نحو: «فعل الربيع»، مما طريقه المعقول، وأنّ نحو: «الأسد» إذا قصد به التشبيه، واستعير لغير السبع، طريق مجازه اللغة، وبقي أن نعلم لم خصّصت المجاز- إذا كان طريقه العقل- بأن توصف به الجملة من الكلام دون الكلمة الواحدة. وهلّا جوّزت أن يكون «فعل» على الانفراد موصوفا به؟ فإنّ سبب ذلك أن المعنى الذي له وضع «فعل» لا يتصوّر الحكم عليه بمجاز أو حقيقة حتى يسند إلى الاسم، وهكذا كل مثال من أمثلة الفعل، لأنه موضوع لإثبات الفعل للشيء، فما لم نبيّن ذلك الشيء الذي نثبته له ونذكره، لم يعقل أنّ الإثبات واقع موقعه الذي نجده مرسوما به في صحف العقول، أم قد زال عنه وجازه إلى غيره.

стр. 289

هذا، وقولك: هلّا جوّزت أن يكون «فعل» على الانفراد موصوفا به، محال، بعد أن نثبت أن لا مجاز في دلالة اللفظ، وإنما المجاز في أمر خارج عنه. فإن قلت: أردت: هلّا جوّزت أن ينسب المجاز إلى معناه وحده، وهو إثبات الفعل فيقال: «هو إثبات فعل على سبيل المجاز»؟ فإنّ ذلك لا يتأتّى أيضا إلا بعد ذكر الفاعل، لأن المجاز أو الحقيقة، إنما يظهر ويتصوّر من المثبت والمثبت له والإثبات، وإثبات الفعل من غير أن يقيّد بما وقع الإثبات له، لا يصحّ الحكم عليه بمجاز أو حقيقة، فلا يمكنك أن تقول: «إثبات الفعل مجاز أو حقيقة» هكذا مرسلا، إنما تقول: «إثبات الفعل للربيع مجاز، وإثباته للحيّ القادر حقيقة». وإذا كان الأمر كذلك علمت أن لا سبيل إلى الحكم بأنّ هاهنا مجازا أو حقيقة من طريق العقل، إلا في جملة من الكلام. وكيف يتصوّر خلاف ذلك؟ ووزان الحقيقة والمجاز العقليين، وزان الصدق والكذب، فكما يستحيل وصف الكلم المفردة بالصدق والكذب، وأن يجرى ذلك في معانيها مفرّقة غير مؤلّفة، فيقال: «رجل- على الانفراد- كذب أو صدق»، كذلك يستحيل أن يكون هاهنا حكم بالمجاز أو الحقيقة، وأنت تنحو نحو العقل إلا في الجملة المفيدة. فاعرفه أصلا كبيرا والله الموفق للصواب، والمسئول أن يعصم من الزّلل بمنّه وفضله. فصل في الحذف والزيادة، وهل هما من المجاز أم لا واعلم أن الكلمة كما توصف بالمجاز، لنقلك لها عن معناها، كما مضى، فقد توصف به لنقلها عن حكم كان لها، إلى حكم ليس هو بحقيقة فيها. ومثال ذلك: أن المضاف إليه يكتسي إعراب المضاف في نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]، والأصل: «واسأل أهل القرية»، فالحكم الذي يجب للقرية في الأصل وعلى الحقيقة هو الجرّ، والنصب فيها مجاز. وهكذا قولهم: «بنو فلان تطؤهم الطريق»، يريدون أهل الطريق، الرّفع في «الطريق» مجاز، لأنه منقول إليه عن المضاف المحذوف الذي هو «الأهل»، والذي يستحقّه في أصله هو الجرّ. ولا ينبغي أن يقال: «إن وجه المجاز في هذا، الحذف»، فإن الحذف إذا تجرّد

стр. 290

عن تغيير حكم من أحكام ما بقي بعد الحذف لم يسمّ مجازا. ألا ترى أنك تقول: «زيد منطلق وعمرو»، فتحذف الخبر، ثم لا توصف جملة الكلام من أجل ذلك بأنه مجاز؟ وذلك لأنه لم يؤدّ إلى تغيير حكم فيما بقي من الكلام. ويزيده تقريرا: أن المجاز إذا كان معناه: «أن تجوز بالشيء موضعه وأصله»، فالحذف بمجرّده لا يستحقّ الوصف به، لأنّ ترك الذكر وإسقاط الكلمة من الكلام، لا يكون نقلا لها عن أصلها، إنما يتصوّر النقل فيما دخل تحت النطق. وإذا امتنع أن يوصف المحذوف بالمجاز، بقي القول فيما لم يحذف. وما لم يحذف ودخل تحت الذكر، لا يزول عن أصله ومكانه حتى يغيّر حكم من أحكامه أو يغيّر عن معانيه، فأما وهو على حاله، والمحذوف مذكور، فتوهّم ذلك فيه من أبعد المحال، فاعرفه. وإذا صحّ امتناع أن يكون مجرّد الحذف مجازا، أو تحقّ صفة باقي الكلام بالمجاز، من أجل حذف كان على الإطلاق، دون أن يحدث هناك بسبب ذلك الحذف تغيّر حكم على وجه من الوجوه علمت منه أنّ الزيادة في هذه القضية كالحذف، فلا يجوز أن يقال إن زيادة «ما» في نحو: فَبِما رَحْمَةٍ [آل عمران: ١٥٩] مجاز، أو أن جملة الكلام تصير مجازا من أجل زيادته فيه. وذلك أنّ حقيقة الزيادة في الكلمة أن تعرى من معناها، وتذكر ولا فائدة لها سوى الصّلة، ويكون سقوطها وثبوتها سواء. ومحال أن يكون ذلك مجازا، لأن المجاز أن يراد بالكلمة غير ما وضعت له في الأصل أو يزاد فيه أو يوهم شيء ليس من شأنه، كإيهامك بظاهر النّصب في «القرية» أن السؤال واقع عليها. والزائد الذي سقوطه كثبوته لا يتصوّر فيه ذلك. فأما غير الزائد من أجزاء الكلام الذي زيد فيه، فيجب أن ينظر فيه، فإن حدث هناك بسبب ذلك الزائد حكم تزول به الكلمة عن أصلها، جاز حينئذ أن يوصف ذلك الحكم، أو ما وقع فيه، بأنه مجاز، كقولك في نحو قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]: إن الجرّ في «المثل» مجاز، لأن أصله النصب، والجرّ حكم عرض من أجل زيادة «الكاف»، ولو كانوا إذ جعلوا «الكاف» مزيدة لم يعملوها، لما كان لحديث المجاز سبيل على هذا الكلام. ويزيده وضوحا أن الزيادة على الإطلاق لو كانت تستحق الوصف بأنها مجاز، لكان ينبغي أن يكون كل ما ليس بمزيد من الكلم مستحقّا الوصف بأنه حقيقة، حتى يكون «الأسد» في قولك: «رأيت أسدا» وأنت تريد رجلا، حقيقة.

стр. 291

فإن قلت: المجاز على أقسام، والزيادة من أحدها. قيل: هذا لك إذا حدّدت المجاز بحدّ تدخل الزيادة فيه، ولا سبيل لك إلى ذلك، لأن قولنا: «المجاز»، يفيد أن تجوز بالكلمة موضعها في أصل الوضع، وتنقلها عن دلالة إلى دلالة، أو ما قارب ذلك. وعلى الجملة، فإنه لا يعقل من «المجاز» أن تسلب الكلمة دلالتها، ثم لا تعطيها دلالة أخرى، وأن تخليها من أن يراد بها شيء على وجه من الوجوه. ووصف اللفظة بالزيادة، يفيد أن لا يراد بها معنى، وأن تجعل كأن لم يكن لها دلالة قطّ. فإن قلت: أو ليس يقال إن الكلمة لا تعرى من فائدة ما، ولا تصير لغوا على الإطلاق، حتى قالوا: إنّ «ما» في نحو: «فبما رحمة من الله»، تفيد التوكيد؟ فأنا أقول إنّ كون «ما» تأكيدا، نقل لها عن أصلها ومجاز فيها. وكذلك أقول: إن كون الباء المزيدة في «ليس زيد بخارج»، لتأكيد النفي، مجاز في الكلمة، لأن أصلها أن تكون للإلصاق فإنّ ذلك على بعده لا يقدح فيما أردت تصحيحه، لأنه لا يتصوّر أن تصف الكلمة من حيث جعلت زائدة بأنها مجاز، ومتى ادّعينا لها شيئا من المعنى، فإنّا نجعلها من تلك الجهة غير مزيدة. ولذلك يقول الشيخ أبو علي في الكلمة إذا كانت تزول عن أصلها من وجه ولا تزول من آخر: «معتدّ بها من وجه، غير معتدّ بها من وجه»، كما قال في اللّام من قولهم: «لا أبا لزيد»، وجعلها من حيث منعت أن يتعرّف «الأب» بزيد، معتدّا بها من حيث عارضها لام الفعل من «الأب» التي لا تعود إلا في الإضافة نحو: «أبو زيد» و «أبا زيد»، غير معتدّ بها، وفي حكم المقحمة الزائدة. وكذلك توصف «لا» في قولنا: «مررت برجل لا طويل ولا قصير»، بأنها مزيدة ولكن على هذا الحدّ، فيقال: «هي مزيدة غير معتدّ بها من حيث الإعراب، ومعتدّ بها من حيث أوجبت نفي الطول والقصر عن الرجل، ولولاها لكانا ثابتين له». وتطلق الزيادة على «لا» في نحو قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ [الحديد: ٢٩]، لأنها لا تفيد النفي فيما دخلت عليه، ولا يستقيم المعنى إلّا على إسقاطها. ثم إن قلنا إنّ «لا» هذه المزيدة تفيد تأكيد النفي الذي يجيء من بعد في قوله: أَلَّا يَقْدِرُونَ، وتؤذن به، فإنّا نجعلها من حيث أفادت هذا التأكيد غير مزيدة، وإنما نجعلها مزيدة من حيث لم تفد النفي الصريح فيما دخلت عليه، كما أفادته في المسألة.

стр. 292

وإذا ثبت أنّ وصف الكلمة بالزيادة، نقيض وصفها بالإفادة، علمت أن الزيادة، من حيث هي زيادة، لا توجب الوصف بالمجاز. فإن قلت: تكون سببا لنقل الكلمة عن معنى هو أصل فيها إلى معنى ليس بأصل كدت تقول قولا يجوز الإصغاء إليه، وذلك، إن صحّ، نظير ما قدّمت من أن الحذف أو الزيادة قد تكون سببا لحدوث حكم في الكلمة تدخل من أجله في المجاز، كنصب القرية في الآية وجرّ المثل في الأخرى، فاعرفه. واعلم أن من أصول هذا الباب: أن من حقّ المحذوف أن المزيد أن ينسب إلى جملة الكلام، لا إلى الكلمة المجاورة له، فأنت تقول إذا سئلت عن: «اسأل القرية»: في الكلام حذف، والأصل: «أهل القرية»، ثم حذف «الأهل»، تعني حذف من بين الكلام. وكذلك تقول: «الكاف» زائدة في الكلام والأصل: «ليس مثله شيء». ولا تقول هي زائدة في «مثل»، إذ لو جاز ذلك، لجاز أن يقال إنّ «ما» في «فبما رحمة»، مزيدة في الرحمة، أو في «الباء» وأن «لا» مزيدة في «يعلم»، وذلك بيّن الفساد، لأن هذه العبارة إنما تصلح حيث يراد أن حرفا زيد في صيغة اسم أو فعل، على أن لا يكون لذلك الحرف على الانفراد معنى، ولا تعدّه وحده كلمة، كقولك: «زيدت الياء للتصغير في رجيل، والتاء للتأنيث في ضاربة». ولو جاز غير ذلك، لجاز أن يكون خبر المبتدأ إذ حذف في نحو: «زيد منطلق وعمرو»، محذوفا من المبتدأ نفسه، على حدّ حذف اللام من يد ودم، وذلك ما لا يقوله عاقل. فنحن إذا قلنا: إن «الكاف» مزيدة في «مثل»، فإنما نعني أنها لمّا زيدت في الجملة وضعت في هذا الموضع منها. والأصحّ في العبارة أن يقال: «الكاف في «مثل» مزيدة»، يعني الكاف الكائنة في «مثل» مزيدة، كما تقول: «الكاف التي تراها في «مثل» مزيدة» وكذلك تقول: «حذف المضاف من الكلام»، ولا تقول: «حذف المضاف من المضاف إليه». وهذا أوضح من أن يخفى، ولكنّي استقصيته، لأني رأيت في بعض العبارات المستعملة في المجاز والحقيقة ما يوهم ذلك، فاعرفه. ومما يجب ضبطه هنا أيضا: أن الكلام إذا امتنع حمله على ظاهره حتى يدعو إلى تقدير حذف، أو إسقاط مذكور، كان على وجهين:

стр. 293

أحدهما: أن يكون امتناع تركه على ظاهره، لأمر يرجع إلى غرض المتكلم، ومثاله الآيتان المتقدم تلاوتهما. ألا ترى أنك لو رأيت «اسأل القرية» في غير التنزيل، لم تقطع بأن هاهنا محذوفا، لجواز أن يكون كلام رجل مرّ بقرية قد خربت وباد أهلها، فأراد أن يقول لصاحبه واعظا ومذكّرا، أو لنفسه متّعظا ومعتبرا: «اسأل القرية عن أهلها، وقل لها ما صنعوا»، على حد قولهم: «سل الأرض من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإنها إن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا» وكذلك: إن سمعت الرجل يقول: «ليس كمثل زيد أحد»، لم تقطع بزيادة الكاف، وجوّزت أن يريد: ليس كالرجل المعروف بمماثلة زيد أحد. الوجه الثاني: أن يكون امتناع ترك الكلام على ظاهره، ولزوم الحكم بحذف أو زيادة، من أجل الكلام نفسه، لا من حيث غرض المتكلم به، وذلك مثل أن يكون المحذوف أحد جزءي الجملة، كالمبتدإ في نحو قوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف: ١٨ و ٨٣]، وقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ [النحل: ١١٧]، لا بدّ من تقدير محذوف، ولا سبيل إلى أن يكون له معنى دونه، سواء كان في التنزيل أو في غيره، فإذا نظرت إلى: «صبر جميل» في قول الشاعر (١): [من الرجز] يشكو إليّ جملي طول السّرى ... صبر جميل، فكلانا مبتلى وجدته يقتضي تقدير محذوف، كما اقتضاه في التنزيل، وذلك أن الداعي إلى تقدير المحذوف هاهنا، هو أن الاسم الواحد لا يفيد، والصفة والموصوف حكمهما حكم الاسم الواحد، و «جميل» صفة «للصبر». وتقول للرجل: «من هذا؟»، فيقول: «زيد»، يريد: هو زيد، فتجد هذا الإضمار واجبا، لأن الاسم الواحد لا يفيد. وكيف يتصوّر أن يفيد الاسم الواحد، ومدار الفائدة على إثبات أو نفي، وكلاهما يقتضي شيئين: مثبت ومثبت له، ومنفيّ ومنفيّ عنه؟

стр. 294

وأما وجوب الحكم بالزيادة لهذه الجهة، فكنحو قولهم: «بحسبك أن تفعل»، و: كَفى بِاللَّهِ [سورة النساء: ٦، وآيات أخر]، إن لم تقض بزيادة «الباء»، لم تجد للكلام وجها تصرفه إليه، وتأويلا تتأوله عليه البتة، فلا بدّ لك من أن تقول: إن الأصل: «حسبك أن تفعل»، و «كفى الله»، وذلك أن «الباء» إذا كانت غير مزيدة، كانت لتعدية الفعل إلى الاسم، وليس في «بحسبك أن تفعل» فعل تعدّيه الباء إلى حسبك. ومن أين يتصوّر أن يتعدّى إلى المبتدأ فعل، والمبتدأ هو المعرّى من العوامل اللفظية؟ وهكذا الأمر في «كفى» أو أقوى، وذلك أن الاسم الداخل عليه الباء في نحو: «كفى بزيد»، فاعل كفى، ومحال أن تعدّي الفعل إلى الفاعل بالباء أو غير الباء، ففي الفعل من الاقتضاء للفاعل ما لا حاجة معه إلى متوسّط وموصل ومعدّ، فاعرفه، والله أعلم بالصواب. تم بعون الله وتوفيقه طبع كتاب (أسرار البلاغة) للإمام عبد القاهر الجرجاني