مقدمة السيد محمد رشيد رضا
بسم الله الرّحمن الرّحيم الرَّحْمنُ
عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فله الحمد أن علم، والشكر على ما أنعم، ومنه الصلاة والتسليم، على نبيه الرءوف الرحيم، الذي جاء بتوحيد اللغة والدين، وجعل الكتاب والحكمة في الأميين، فكانوا بذلك أئمة وكانوا هم الوارثين.
الإنسان يمتاز بالعلم، وإنما العلم بالتعلم، والتعلم باللغة، واللغات تتفاضل في حقيقتها وجوهرها بالبيان، وهو تأدية المعاني التي تقوم بالنفس تامة على وجه يكون أقرب إلى القبول وأدعى إلى التأثير. وفي صورتها وأجراس كلمها بعذوبة النطق، وسهولة اللفظ والإلقاء، والخفة على السمع. وإن للغة العربية من هذه المميزات الميزان الراجح، والجواد القارح، يعرف ذلك من أخذها بحق، وجرى فيها على عرق، فكان من مفرداتها على علم، وضرب في أساليبها بسهم. ومن آية ذلك لعير العارف، أن أولئك الشراذم والأوزاع من أهلها قد حملوها إلى الأمم التي كان للغاتها في العلوم قدم، ولم يحملوهم عليها بالإلزام، ولا بالتعليم العام. وكان من أمرها مع هذا أن نسخت بطبيعتها لغة المصريين من مصرهم، والرومانيين من شامهم، واستعلت على الفارسية العذبة في مهدها وموطنها، وامتد شعاعها إلى الأندلس في غربي أوربة.
بعد ما طاف ساحل إفريقيا الشمالي، وإلى جدار الصين من الشرق- كل ذلك في زمن قريب لم يعرف في التاريخ مثله للغة أخرى من لغات الفاتحين الذين يتخذون كل الوسائل لنشر لغاتهم، وتعميمها بالتعليم العام، وضرب الترغيب والترهيب.
كانت لغة أميين وثنيين جاهليين، فظهر فيها أكمل الأديان، فكانت له أكمل مظهر، وتجلى لها العلم فكانت له خير مجلى. وصارت بذلك لغة الدين والشريعة، وعلوم العقل والطبيعة، ولكن عدت على أهلها عواد كونية، وطرأت عليهم أمراض اجتماعية، فضعف فيهم كل مقوم من مقومات الأمم الحية. ومن تلك المقومات الحقيقية اللغة فقد فسدت ملكتها في الألسنة، والتوى طريق تعليمها في المدارس، حتى كادت تكون من اللغات الدوارس.
стр. 2
ظهر ضعف اللغة في القرن الخامس، وكانت في ريعان شبابها، وأوج عزها وشرفها، وكان أول مرض ألم بها الوقوف عند ظواهر قوانين النحو، ومدلول الألفاظ المفردة، والجمل المركبة، والانصراف عن معاني الأساليب، ومغازي التركيب، وعدم الاحتفال بتصريف القول ومناحيه، وضروب التجوز والكناية فيه- وهذا ما بعث عزيمة الشيخ عبد القاهر الجرجاني إمام علوم اللغة في عصره إلى تدوين علم البلاغة، ووضع قوانين للمعاني والبيان،
كما وضعت قوانين النحو عند ظهور الخطأ في الإعراب. فوضع هذا الكتاب في البيان، ومن فاتحته يتنسم القارئ أن دولة الألفاظ كانت قد تحكمت في عصره، واستبدت على المعاني، وأنه يحاول بكتابه تأييد المعاني ونصرها، وتعزيز جانبها وشد أزرها.
كتب قبل عبد القاهر في مسائل من البيان بعض البلغاء كالجاحظ وابن دريد وقدامة الكاتب، ولكنهم لم يبلغوا فيما بنوه أن جعلوه فنا مرفوع القواعد مفتح الأبواب كما فعل عبد القاهر من بعدهم فهو واضع علم البلاغة كما صرح به بعض علمائها، وإن لم يذكر له هذه المنقبة المؤرخون الذين رأينا ترجمته في كتبهم، حتى أن ابن خلدون الذي تصدى دون القوم للإلمام بتاريخ الفنون أهمل ذكره، وزعم أن الذي هذب الفن بعد أولئك الذين كتبوا في مسائل متفرقة منه هو السكاكي، وما كان السكاكي إلا عيالا على عبد القاهر، تلا تلوه، وأخذ عنه، مع المخالفة في شيء من الترتيب والتبويب، ولكنه لم يسلم من التكلف في بعض عباراته، والتعقيد في بعض منازعه، فإذا جاز لنا أن نقول: إنه فاق لتأخره بالترتيب المعلوم، وبما حرره من الحدود والرسوم. فإننا لا ننسى من فضل المتقدم سلامة عبارته، وصفاء ديباجته، وغوصه على أسرار الكلام، ووضع دررها في أبدع نظام.
كان السكاكي وسطا بين عبد القاهر الذي جمع في البلاغة بين العلم والعمل وأضرابه من البلغاء العاملين، وبين المتكلفين من المتأخرين الذين سلكوا بالبيان مسلك العلوم النظرية، وفسروا اصطلاحاته كما يفسرون المفردات اللغوية، ثم تنافسوا في الاختصار والإيجاز، حتى صارت كتب البيان أشبه بالمعميات والألغاز، فضاعت حدود بتلك الحدود. ودرست رسومه بهاتيك الرسوم (١)، وكان من أثر فساد ذوق
стр. 3
اللغة اختيار هذه الكتب التي ملكت العجمة عليها أمرها، على الكتب التي ملكت العجمة عليها أمرها، على الكتب التي تهديك إلى العلم الصحيح بمعانيها، وتهدي إليك الذوق السليم بأساليبها، فكادت كتب عبد القاهر تمحى وتنسخ، وصارت حواشي السعد تطبع وتنسخ، وهذا هو حظ العلم النافع إذا ألقي إلى الأمة في طور التدلي والضعف، فمثل عبد القاهر في أسرار بلاغته ودلائل إعجازه، كمثل ابن خلدون في مقدمته والسلطان سليمان العثماني في قوانينه.
رب غذاء طيب نافع عافته النفس لمرض ألم بها حتى إذا نقهت أو أبلت اشتهته وطلبته. وهذا هو مثلنا أمس واليوم،
فقد كنا متفقهين على أخذ العلم من كتب علمائنا المتأخرين كما يختار المريض الغذاء الضار، فظهر فينا هداة مرشدون يسعون في إحياء ما أماته الجهل من آثار سلفنا ومصنفات أئمتنا، ويدلوننا على العلم الحي الذي تفجر من ينابيع النفوس الحية، لنفرق بينه وبين الرسوم الميتة التي سماها الجهل علما.
ولما هاجرت إلى مصر في سنة ١٣١٥ لإنشاء (المنار) الإسلامي ألفيت إمام النهضة الإسلامية الحديثة الأستاذ الحكيم الشيخ محمدا عبده رئيس جمعية إحياء العلوم العربية ومفتي الديار المصرية، اليوم مشتغلا في بعض وقته بتصحيح كتاب دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني. وقد استحضر نسخة من المدينة المنورة ومن بغداد ليقابلها على النسخة التي عنده، فسألته عن كتاب (أسرار البلاغة) للإمام المذكور فقال: إنه لا يوجد في هذه الديار فأخبرته بأن في أحد بيوت العلم في طرابلس الشام نسخة منه، فحثني على استحضارها وطبعها فطلبتها من صديقي الحميم العالم الأديب عبد القادر أفندي المغربي، وهي مما تركه والده فلبى الطلب.
وعلمنا أن نسخة أخرى من الكتاب في إحدى دور الكتب السلطانية في دار السلطنة السنية، فندبنا بعض طلاب العلم الأذكياء لمقابلة نسختنا بتلك النسخة، فخرج لنا من مجموعهما نسخة صحيحة سرعنا في طبعها ووضعنا في ذيل المطبوع شرحا لطيفا ضبطنا فيها الكلمات الغريبة وفسرنا منها ومن جمل الكتاب ما رأيناه يستحق التفسير. وأشرنا إلى الخلاف بين النسختين، فيما يحتمل صحة الاثنتين.
أما كون عبد القاهر واضع الفن ومؤسسه. فقد صرح به غير واحد من العلماء الأعلام، أجلهم قدرا، وأرفعهم ذكرا، أمير المؤمنين محيي علوم اللغة والدين، السيد يحيى بن حمزة الحسيني صاحب كتاب (الطراز، في علوم حقائق الإعجاز)، فقد
стр. 4
قال في فاتحة كتابه هذا وهو من أحسن ما كتب في البلاغة بعد عبد القاهر ما نصه:
«وأول من أسس من هذا الفن قواعده وأوضح براهينه، وأظهر فرائده ورتب أفانينه، الشيخ العالم النحرير علم المحققين عبد القاهر الجرجاني، فلقد فك قيد الغرائب بالتقييد، وهد من سور المشكلات بالتسوير المشيد، وفتح أزهاره من أكمامها. وفتق أزراره بعد استغلاقها واستبهامها، فجزاه الله عن الإسلام أفضل الجزاء، وجعل نصيبه من ثوابه أوفر النصيب والإجزاء، وله من المصنفات فيه كتابان أحدهما لقبه بدلائل الإعجاز. والآخر لقبه بأسرار البلاغة، ولم أقف على شيء منهما. مع شغفي بحبهما وشدة إعجابي بهما، إلا ما نقله العلماء في تعاليقهم منهما» (١).
وأما مكانة هذا الكتاب وبيان ما يمتاز به على كتب البيان فحسبي في بيانها عرضه على الأنظار مع التنبيه على
مسألتين نافعتين (إحداهما) أن العلم هو صورة المعلوم مأخوذة عنه بواسطة الإدراك كما تؤخذ الصورة الشمسية بالآلة المعروفة فإن كان المعنى المنتزع من الجزئيات قانونا كليا يرشد إليها فهو القاعدة. وإن كان صورة تناسبها وتقربها من الفهم فهو المثل. (والثانية) أن القاعدة الكلية هي صورة إجمالية للمعلومات الجزئية، والأمثلة والشواهد صور تفصيلية لها. والتعليم النافع إنما يكون بقرن الصور المفصلة بالصورة المجملة، إذ بالتفصيل تعرف المسائل، وبالإجمال تحفظ في العقل. وبهذه الطريقة يجمع بين العلم والعمل الذي يثبت به العلم، وهي طريقة عبد القاهر في كتابه هذا وكتاب دلائل الإعجاز، على أن كلام الشيخ رحمه الله تعالى كله من آيات البلاغة فهو يعطيك علمها بمعانيه، وعملها بمبانيه، وبهذه المميزات يفضل هذا الكتاب جميع ما بين أيدينا من كتب الفن لأنها إنما تقتصر على سرد القواعد والأحكام بعبارات اصطلاحية، تنكرها بلاغة الأساليب العربية. ولا تذكر من الشواهد والأمثلة إلا القليل النادر، الذي أدلى به السابق إلى اللاحق والأول إلى الآخر.
لهذا بادر الإمام، مفتي الديار المصرية في هذه الأعوام، إلى تدريس الكتاب في الأزهر الشريف عقيب شروعنا في طبعه فأقبل على حضور درسه مع أذكياء الطلاب كثيرون من العلماء والمدرسين وأساتذة المدارس الأميرية. وقد قال أحد فضلاء هؤلاء
стр. 5
الأستاذين (١) بعد حضور الدرس الأول «إننا قد اكتشفنا في هذه الليلة معنى علم البيان».
وقد ظهر للأستاذ في غضون التدريس والمطالعة أغلاط في الكتاب بعضها من الطبع، وبعضها من تحريف النساخ في الأصل، وأغلاط أخرى في التعليقات فأحصيناها كلها من نسخته، ووضعنا لها جدولا في آخر الكتاب إتماما للفائدة ومما يجب التنبيه عليه أن بعض تراجم فصول الكتاب هي من وضعنا فإن المصنف رحمه الله تعالى كان يكتفي في كثير منها بكلمة (فصل).
ونختم هذه المقدمة بملخص ترجمة المصنف رحمه الله تعالى فنقول:
اتفق المؤرخون على الثناء عليه بالعلم والدين، ولقبوه بالإمام، واشتهر بالنحوي من قبل أن يضع علم البلاغة. على أنه كان متكلما وفقيها أيضا، قال الحافظ الذهبي في تاريخه (دول الإسلام): «وفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة مات إمام النحاة أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني صاحب التصانيف» وقال تاج الدين السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى): عبد القاهر بن عبد الرحمن الشيخ الكبير أبو بكر الجرجاني النحوي
المتكلم على مذهب الأشعري الفقيه على مذهب الشافعي أخذ النحو بجرجان عن أبي الحسين محمد بن الحسن الفارسي ابن أخت الشيخ أبي علي الفارسي، وصار الإمام المشهور المقصود من جميع الجهات، مع الدين المتين، والورع والسكون». قال السلفي: كان ورعا قانعا دخل عليه لص وهو في الصلاة فأخذ ما وجد وعبد القاهر ينظر ولم يقطع صلاته. (ثم قال السبكي):
«ومن مصنفاته كتاب (المغني على شرح الإيضاح) في نحو ثلاثين مجلدا، وكتاب (المقصد في شرح الإيضاح) أيضا ثلاث مجلدات، وكتاب (إعجاز القرآن الصغير) و (العوامل المائة). و (المفتاح)، و (شرح الفاتحة)، و (العمدة في التصريف)، وكتاب (الجمل المختصر المشهور).
وفي كتاب (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) نحو من ذلك وزاد في ذكر المصنفات شرح كتاب الجمل، وذكر أن علي بن أبي زيد الفصيحي أخذ عنه وذكروا له شعرا فمنه ما أورده الصلاح الكتبي في فوات الوفيات:
стр. 6
لا تأمن النفثة من شاعر ... ما دام حيا سالما ناطقا
فإن من يمدحكم كاذبا ... يحسن أن يهجوكم صدقا
واتفقوا على أنه توفي سنة ٤٧١، قال السبكي: (وقيل: ٤٧٤) رحمه الله تعالى.
السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة (المنار)
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحقق
الحمد لله الذي شرفنا بعد أخذ آيات القرآن، بتعلم علوم البلاغة والبيان؛ فلا جرم أنها تقع من سائر العلوم اللغوية بمنزلة الرأس من الجسد، فهي باسمى منزلة، وأعلى مكان، وذلك لتعلقها ببيان أسرار الكتاب المجيد، ومن ثم بيان مقصود الله ومراده من العبيد.
وبعد؛ فإن كتاب (أسرار البلاغة) يعد وهو وكتاب (دلائل الإعجاز) لشيخ البلاغيين- بلا منازع- الإمام عبد القاهر الجرجاني، يعدان بالمقام الأول من كتب البلاغة بلا نزاع بين أهل العلم بهذا الفن، ولم أر في كلام أحد من
المتقدمين أو المتأخرين من يقدم عليهما كتابا في هذا الفن؛ بل إنك إذا سألت أحدا عن كتاب جيد يحفظ للبلاغة رونقها وطلاوتها غير هذين الكتابين فإنه يقف باهتا متحيرا فلا يعيرك جوابا، غير النفي القاطع، فإن سألته عن أجود الكتب بعدهما، فإنه يتردد ويتلعثم من جهة عظم الهوّة وعظم الفارق والبون، بين هذين الكتابين وما يجعل تاليا لهما وما ذلك إلا لأن كتب المتقدمين قبل عبد القاهر كانت عبارة عن مباحث متفرقة، وإشارات خاطفة، وعبارات متناثرة، تكد في جمعها من هنا وهناك، فجاء ذلك الإمام فجمع أصول هذا العلم، وردّ إليها فروعه، ووضع له قواعده وأصوله، بغير جفاف ولا تعقيد، وبغير مبالغة في الحصر والإحصاء والتفريع والتمييز، والتحديد، مما عرف عن المتأخرين كالسكاكي ومن تابعه من صرامة المنطق والمبالغة في التحديد والتجريد.
فكانت طريقته قصدا بين الطريقة الأدبية القديمة في تحليل النصوص وترك الأمور هملا دون تقييد ولا تعقيد ولا تجريد لقواعد العلم وأصوله، وبين طريقة المتأخرين الذين غلب عليهم جفاف المنطق وصرامته، وشدة التجريد والتعقيد وقوته. ويأتي هذا الكتاب الجليل (أسرار البلاغة) ليفرده الشيخ لمعالجة أكثر
стр. 8
مباحث علمي البديع والبيان بحسب التقسيم الثلاثي للبلاغة عند المتأخرين، كما اشتمل كتابه دلائل الإعجاز على أكثر مباحث (علم المعاني).
وتأتي قيمة هذا الكتاب الجليل (أسرار البلاغة) في أنه يبين وجه الحق في قضية المحسنات البديعية التي اعتبرها البلاغيون المتأخرون أمرا خارجا عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فهي مجرد زينة لفظية يؤتى بها بعد استيفاء الكلام وجوه المطابقة، فيؤتى به لمجرد الزخرف والزينة والكلام في غنى عنه.
هذه النظرة الخاطئة هي التي جعلت من البديع حجر عثرة في سبيل ارتقاء النصوص الأدبية في العصر الذي شاعت فيه تلك النظرة العقيمة حيث تبارى قارضو الشعر في تدبيج قصائدهم بصور الزخرف اللفظي الكثيرة المتعددة التي تبارى هؤلاء البلاغيون في تعدادها وبيانها والإيصاء بها.
فكانت سمة تلك العصور هي الإكثار من تلك المحسنات والزخارف دون أن يكون لها دور في التعبير عن المعاني أو الأفكار التي صيغت لها تلك النصوص والأشعار، ولعل هذه النظرة الخاطئة قد ظهرت بوادرها في عصر الإمام عبد القاهر الجرجاني بدليل ما استشهد به من الأبيات الدالة على التكلف في استخدام صور الجناس وغيرها من فنون البديع.
الأمر الذي دعاه إلى أن يرد الأمر إلى نصابه، ويكشف النقاب عن الدور الذي يمكن أن تضطلع به تلك المحسنات
إذا ما أتي بها مواكبة للمعنى، موافقة له، وذلك إذا أرسلت النفوس على سجيتها، ولم يتكلف في إيراد تلك الوجوه من المحسنات.
ولذا فقد اجتهاد الإمام عبد القاهر في وضع ضوابط توظيف تلك المحسنات، وبيان متى تحسن، ومتى تقبح؛ فمن ذلك قوله: «أما التجنيس؛ فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعا حميدا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا ... إلخ».
وتراه ينعي على المتأخرين في زمانه المغالاة في أمر تلك المحسنات فيقول:
«وقد تجد في كلام المتأخرين الآن كلاما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع
стр. 9
السامع من طلبه في خبط عشواء، وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على المعنى وأفسده، كمن ثقل العروس بأصناف الحلى حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها».
هذا وقد فصلت الكلام على هذه القضية مرارا في تعليقاتي على هذا الكتاب، وفيما كتبته من قبل في رسالتي للماجستير عن الجهود البلاغية للإمام الطيبي (١)، وغيرها من كتبي، وأمر آخر مما يحمد لعبد القاهر في هذا الكتاب وهو تناوله لمباحث علمي البديع والبيان بلا فصل بينهما فهي لديه جميعا مجرد أساليب لغوية بلاغية ينبغي على البلاغي أن يقف أمامها بالتحليل الأدبي البلاغي الذي يوازن فيها بين الصياغة التعبيرية الأسلوبية التي تشكلت بها تلك الفنون والأساليب وبين المعاني الفنية التي تدل عليها، بلا تفريق بين تلك المباحث وبغير تشتيت للنظر بوضع الحدود المصطنعة بينها بلا داع ولا ضرورة تملها النظرة البلاغية الأدبية، اللهم إلا أن تكون النظرة المنطقية العقلانية المتجردة المهوّمة في خيالات العقول بغير مطابقة لحقيقة تلك الفنون، ولا مناسبة لطبيعتها. والحق أننا هنا لسنا بصدد تعداد مظاهر الجودة والتوفيق في هذا السفر العظيم فهي عديدة تنأى عن الحصر، وقد كتب في دراستها وتحليلها أسفار عديدة، وسيقف القارئ بنفسه على كثير من تلك الفوائد والأسرار كلما نظر في هذا الكتاب ثم راح يوازن بينه وبين ما انتهت إليه أحدث النظريات الأسلوبية والبلاغية في علوم البلاغة والأسلوب.
منهج التحقيق:
أما عن منهجنا في تحقيق هذا الكتاب فيتلخص في تلك النقاط:
١ - ضبط متن الكتاب اعتمادا على نسخه المتداولة لا سيما نسختي الشيخ (رشيد رضا) ونسخة الشيخ (محمود
شاكر) وهي أجود طبعات الكتاب وتحقيقاته.
٢ - تخريج جميع شواهد الكتاب ونصوصه القرآنية والحديثية والشعرية في مصادرها الأصلية ما أمكن مع الاهتمام بعزو الشواهد الشعرية إلى مصادرها التي استشهدت بها في كتب البلاغة العربية لخدمة القارئ إذا ما أراد الوقوف على وجه الاستشهاد بالبيت أو جمع كلام البلاغيين في الاستشهاد به.
стр. 10
٣ - شرح الغريب.
٤ - إثبات أهم فروق النسخ المؤثرة في إحالة المعاني.
٥ - إثبات أهم تعليقات الشيخ رشيد رضا، وشيخه محمد عبده لأهميتها وجلالتها، مع الانتفاع بتعليقات الشيخ محمود شاكر كذلك، وقد رمزت لتعليقات الشيخ رشيد بكلمة (رشيد) بين قوسين بعد تمام النقل. ولشيخه محمد عبده برمز (ش) ولكلام الشيخ محمود شاكر برمز (شاكر).
ووضحت تعليقاتي وإضافاتي لما عقبت به بعد أحدهم بقولي (قلت) بين قوسين.
هذا، ولا يفوتنا في هذا المقام أن نتوجه بالشكر لدار الكتب العلمية على ما قامت به من جهد مشكور في مراجعة تجارب الكتاب وتصحيحه وطباعته تلك الطباعة اللائقة.
هذا، والله نسأل أن يجزل لنا المثوبة في هذا العمل، ولكل من شارك فيه بجهد مشكور، وأن ينفع به ويعين على معرفة أسرار كتابه العزيز، إنه سبحانه مولى ذلك وهو القادر عليه.
وكتبه د. عبد الحميد هنداوي المدرس بقسم البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية دار العلوم- جامعة القاهرة الجيزة في رجب ١٤٢١ هـ.
стр. 11
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة المؤلف]
قال الشيخ الإمام مجد الإسلام أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي رحمة الله عليه ورضوانه:
الحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله أجمعين.
اعلم أن الكلام هو الذي يعطي العلوم منازلها، ويبيّن مراتبها، ويكشف عن صورها، ويجني صنوف ثمرها، ويدلّ على سرائرها، ويبرز مكنون ضمائرها، وبه أبان الله تعالى الإنسان من سائر الحيوان، ونبّه فيه على عظم الامتنان، فقال عزّ من قائل:
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ [الرحمن ١ - ٤]، فلولاه لم تكن لتتعدّى فوائد العلم عالمه، ولا صحّ من العاقل أن يفتق عن أزاهير العقل كمائمه، ولتعطّلت قوى الخواطر والأفكار من معانيها، واستوت القضيّة في موجودها وفانيها.
نعم، ولوقع الحيّ الحسّاس في مرتبة الجماد، ولكان الإدراك كالذي ينافيه من الأضداد، ولبقيت القلوب مقفلة على ودائعها، والمعاني مسجونة في مواضعها، ولصارت القرائح عن تصرّفها معقولة، والأذهان عن سلطانها معزولة، ولما عرف كفر من إيمان، وإساءة من إحسان، ولما ظهر فرق بين مدح وتزيين، وذمّ وتهجين. ثم إنّ الوصف الخاصّ به، والمعنى المثبت لنسبه، أنه يريك المعلومات بأوصافها التي وجدها العلم عليها، ويقرّر كيفياتها التي تناولها (١) المعرفة إذا سمت إليها.
وإذا كان هذا الوصف مقوّم ذاته وأخصّ صفاته، كان أشرف أنواعه ما كان فيه أجلى وأظهر، وبه أولى وأجدر. ومن هاهنا يبيّن للمحصل، ويتقرّر في نفس المتأمّل، كيف ينبغي أن يحكم في تفاضل الأقوال إذا أراد أن يقسّم بينها حظوظها من الاستحسان، ويعدّل القسمة بصائب القسطاس والميزان.
ومن البيّن الجليّ أن التباين في هذه الفضيلة، والتباعد عنها إلى ما ينافيها من
стр. 12
الرذيلة، ليس بمجرّد اللفظ (١). كيف؟ والألفاظ لا تفيد حتى تؤلّف ضربا خاصّا من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب. فلو أنك عمدت إلى بيت شعر أو فصل نثر فعددت كلماته عدّا كيف جاء واتّفق، وأبطلت نضده (٢) ونظامه الذي عليه بني، وفيه أفرغ المعنى وأجري، وغيّرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد ما أفاد، وبنسقه المخصوص أبان المراد، نحو أن تقول في: [من الطويل] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل (٣) «منزل قفا ذكرى من نبك حبيب»، أخرجته من كمال البيان، إلى مجال الهذيان. نعم وأسقطت نسبته من صاحبه، وقطعت الرّحم بينه وبين منشئه، بل أحلت أن يكون له إضافة إلى قائل، ونسب يختصّ بمتكلم. وفي ثبوت هذا الأصل ما تعلم به أنّ المعنى الذي له كانت هذه الكلم بيت شعر أو فصل خطاب، هو ترتيبها على طريقة معلومة، وحصولها
على صورة من التأليف مخصوصة. وهذا الحكم- أعني الاختصاص في الترتيب- يقع في الألفاظ مرتّبا على المعاني المرتّبة في النفس، المنتظمة فيها على قضيّة العقل (٤). ولا يتصوّر في الألفاظ وجوب تقديم وتأخير، وتخصّص في ترتيب وتنزيل، وعلى ذلك وضعت المراتب والمنازل في الجمل المركّبة، وأقسام الكلام المدوّنة، فقيل: من حق هذا أن يسبق ذلك، ومن حقّ ما هاهنا أن يقع هنالك، كما قيل في المبتدأ والخبر والمفعول والفاعل، حتى حظر
стр. 13
في جنس من الكلم بعينه أن يقع إلّا سابقا، وفي آخر أن يوجد إلا مبنيّا على غيره وبه لاحقا، كقولنا: إن الاستفهام له صدر الكلام، وإن الصفة لا تتقدم على الموصوف إلا أن تزال عن الوصفية إلى غيرها من الأحكام.
فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرا أو يستجيد نثرا، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللّفظ فيقول: حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب سائغ، وخلوب رائع، فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف (١)، وإلى ظاهر الوضع اللغويّ، بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يقتدحه العقل من زناده.
وأمّا رجوع الاستحسان إلى اللفظ من غير شرك من المعنى فيه، وكونه من أسبابه ودواعيه، فلا يكاد يعدو نمطا واحدا، وهو أن تكون اللفظة مما يتعارفه الناس في استعمالهم، ويتداولونه في زمانهم، ولا يكون وحشيا غريبا، أو عامّيا سخيفا، سخفه بإزالته عن موضوع اللغة، وإخراجه عما فرضته من الحكم والصفة، كقول العامة
«أشغلت» و «انفسد». وإنما شرطت هذا الشرط، فإنه ربما استسخف اللفظ بأمر يرجع إلى المعنى دون مجرّد اللفظ، كما يحكى من قول عبيد الله بن زياد لما دهش: «افتحوا لي سيفي»، وذلك أن «الفتح» خلاف «الإغلاق»، فحقّه أن يتناول شيئا هو في حكم المغلق والمسدود، وليس السّيف بمسدود، وأقصى أحواله أن يكون كونه في الغمد بمنزله كون الثوب في العكم (٢)، والدرهم في الكيس، والمتاع في الصندوق. و «الفتح» في هذا الجنس (٣) يتعدّى أبدا إلى الوعاء المسدود على الشيء الحاوي له لا إلى ما فيه، فلا يقال: «افتح الثوب»، وإنما يقال: «افتح العكم» و «أخرج الثوب» و «افتح الكيس».
وهاهنا أقسام قد يتوهّم في بدء الفكرة، وقبل إتمام العبرة، أنّ الحسن والقبح فيها لا يتعدّى اللفظ والجرس، إلى ما يناجي فيه العقل النفس، ولها إذا حقّق النظر مرجع إلى ذلك، ومنصرف فيما هنالك، منها: «التجنيس» و «الحشو».
стр. 14
القول في التجنيس
أما «التجنيس» فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان وقع معنييهما من العقل موقعا حميدا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله: [من الكامل]
ذهبت بمذهبه السّماحة فالتوت ... فيه الظّنون: أمذهب أم مذهب (١)
واستحسنت تجنيس القائل: [من الرجز] حتى نجا من خوفه وما نجا (٢) وقول المحدث: [من الخفيف]
ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أو دعاني (٣)
لأمر يرجع إلى اللفظ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأوّل وقويت في الثاني؟ ورأيتك لم يزدك «بمذهب ومذهب» على أن أسمعك حروفا مكررة، تروم فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفّاها، فبهذه السريرة
صار «التجنيس» - وخصوصا المستوفى منه المتّفق في الصورة- من حلى الشّعر، ومذكورا في أقسام البديع.
فقد تبين لك أن ما يعطي «التجنيس» من الفضيلة، أمر لم يتمّ إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن، ولما وجد فيه معيب مستهجن. ولذلك ذمّ الاستكثار منه والولوع به.
وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه، إذ الألفاظ
стр. 15
خدم المعاني والمصرّفة في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستها، المستحقّة طاعتها. فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنّة من الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب، والتّعرّض للشّين.
ولهذه الحالة كان كلام المتقدّمين الذين تركوا فضل العناية بالسجع، ولزموا سجيّة الطبع، أمكن في العقول، وأبعد من القلق، وأوضح للمراد، وأفضل عند ذوي التّحصيل، وأسلم من التفاوت، وأكشف عن الأغراض، وأنصر للجهة التي تنحو نحو العقل، وأبعد من التّعمّد الذي هو ضرب من الخداع بالتزويق، والرضى بأن تقع النقيصة في نفس الصّورة. وإنّ الخلقة، إذا أكثر فيها من الوشم والنقش، وأثقل صاحبها بالحلي والوشي، قياس الحلي على السيف الدّدان (١)، والتوسّع في الدعوى بغير برهان، كما قال: [من الطويل]
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيّب (٢)
وقد تجد في كلام المتأخرين الآن كلاما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع، إلى أن ينسى أنّه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيّل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء، وربّما طمس بكثرة ما يتكلّفه على المعنى وأفسده، كمن ثقّل
العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها (٣).
стр. 16
فإن أردت أن تعرف مثالا فيما ذكرت لك، من أن العارفين بجواهر الكلام لا يعرّجون على هذا الفنّ إلا بعد الثقة بسلامة المعنى وصحّته، وإلا حيث يأمنون جناية منه عليه، وانتقاصا له وتعويقا دونه، فانظر إلى خطب الجاحظ في أوائل كتبه هذا- والخطب من شأنها أن يعتمد فيها الأوزان والأسجاع، فإنها تروى وتتناقل تناقل الأشعار، ومحلّها محلّ النسيب والتشبيب (١) من الشعر الذي هو كأنه لا يراد منه إلّا الاحتفال في الصنعة، والدّلالة على مقدار شوط القريحة (٢)، والإخبار عن فضل القوة، والاقتدار على التفنّن في الصنعة- قال في أول كتاب الحيوان:
«جنّبك الله الشّبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة سببا، وبين الصدق نسبا، وحبّب إليك التثبّت، وزيّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزّ الحق، وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذلّ اليأس، وعرّفك ما في الباطل من الذلّة، وما في الجهل من القلّة».
فقد ترك أوّلا أن يوفّق بين «الشبهة» و «الحيرة» في الإعراب، ولم ير أن يقرن «الخلاف» إلى «الإنصاف»، ويشفع «الحق» «بالصدق»، ولم يعن بأن يطلب «لليأس» قرينة تصل جناحه، وشيئا يكون رديفا له، لأنه رأى التوفيق بين المعاني أحقّ، والموازنة فيها أحسن، ورأى العناية بها حتى تكون إخوة من أب وأمّ؛ ويذرها على ذلك تتّفق
بالوداد، على حسب اتّفاقها بالميلاد، أولى من أن يدعها، لنصرة السجع وطلب الوزن، أولاد علّة (٣)، عسى أن لا يوجد بينها وفاق إلا في الظواهر، فأما أن يتعدّى ذلك إلى الضمائر، ويخلص إلى العقائد والسّرائر، ففي الأقلّ النادر.
وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا، ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا، ولا تجد عنه حولا، ومن هاهنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقّه بالحسن وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهّب لطلبه، أو ما هو- لحسن ملاءمته، وإن كان مطلوبا- بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك كما يمثّلون به أبدا من قول الشافعي رحمه الله تعالى وقد سئل عن النّبيذ فقال: «أجمع
стр. 17
أهل الحرمين على تحريمه». ومما تجده كذلك قول البحتري: [من الكامل]
يعشى عن المجد الغبيّ ولن ترى ... في سؤدد أربا لغير أريب (١)
وقوله: [من الوافر]
فقد أصبحت أغلب تغلبيّا ... على أيدي العشيرة والقلوب (٢)
ومما هو شبيه به قوله: [من الكامل]
وهوى هوى بدموعه فتبادرت ... نسقا يطأن تجلّدا مغلوبا (٣)
وقوله: [من الكامل]
ما زلت تقرع باب بابل بالقنا ... وتزوره في غارة شعواء (٤)
وقوله: [من الكامل]
ذهب الأعالي حيث تذهب مقلة ... فيه بناظرها حديد الأسفل (٥)
ومثال ما جاء من السجع هذا المجيء وجرى هذا المجرى في لين مقادته، وحل هذا المحلّ من القبول قول القائل:
«اللهم هب لي حمدا، وهب لي مجدا، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلّا بمال» (٦)، وقول ابن العميد: «فإن الإبقاء على خدم السلطان عدل الإبقاء على ماله، والإشفاق على حاشيته وحشمه، عدل الإشفاق على ديناره ودرهمه».
стр. 18
ولست تجد هذا الضرب يكثر في شيء، ويستمرّ كثرته واستمراره في كلام القدماء، كقول خالد: «ما الإنسان، لولا اللسان، إلا صورة ممثلة، وبهيمة مهملة»، وقول الفضل بن عيسى الرقاشي: «سل الأرض فقل: من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا».
وإن أنت تتبّعته من الأثر وكلام النبي ﷺ ، تثق كلّ الثقة بوجودك له على الصّفة التي قدمت، وذلك كقول النبي ﵇: «الظّلم ظلمات يوم القيامة»، وقوله صلوات الله عليه: «لا تزال أمّتي بخير ما لم تر الغنى مغنما، والصدقة مغرما»، وقوله: «يا أيّها الناس؛ أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام».
فأنت لا تجد في جميع ما ذكرت لفظا اجتلب من أجل السجع، وترك له ما هو أحقّ بالمعنى منه وأبرّ به، وأهدى إلى مذهبه.
ولذلك أنكر الأعرابي حين شكا إلى عامل ألما بقوله: «حلأت (١) ركابي، وشقّقت ثيابي، وضربت صحابي»، فقال له العامل: «أو تسجع أيضا» إنكار العامل السجع حتى قال: «فكيف أقول؟»، وذاك أنّه لم يعلم أصلح لما أراد من هذه الألفاظ ولم يره بالسجع مخلّا بمعنى، أو محدثا في الكلام استكراها، أو خارجا إلى تكلّف واستعمال لما ليس بمعتاد في غرضه. وقال الجاحظ: «لأنه لو قال: «حلّئت إبلي» أو «جمالي» أو «نوقي» أو «بعراني» أو «صرمتي» (٢) لكان لم يعبّر عن حقّ معناه، وإنما حلّئت ركابه، فكيف يدع «الركاب» إلى غير الركّاب؟ وكذلك قوله: «وشقّقت ثيابي، وضربت صحابي».
فقد تبين من هذه الجملة أن المعنى المقتضى اختصاص هذا النّحو بالقبول:
هو أنّ المتكلم لم يقد المعنى نحو التجنيس والسّجع، بل قاده المعنى إليهما، وعبر
стр. 19
به الفرق عليهما، حتى إنه لو رام تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس فيه ولا سجع، لدخل من عقوق المعنى وإدخال الوحشة عليه، في شبيه بما ينسب إليه المتكلف للتّجنيس المستكره، والسجع النّافر. ولن تجد أيمن طائرا، وأحسن أوّلا وآخرا، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب للاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيّتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تكتس إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها. فأمّا أن تضع في نفسك أنه لا بدّ من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين، فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه (١)، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذّمّ، فإن ساعدك الجدّ كما ساعد في قوله: «أو دعاني أمت بما أو دعاني»، وكما ساعد أبا تمام في نحو قوله: [من الطويل]
وأنجدتم من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد (٢)
وقوله: [من الكامل]
هنّ الحمام، فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهنّ حمام (٣)
فذاك، وإلّا أطلقت ألسنة العيب، وأفضى بك طلب الإحسان من حيث لم يحسن الطلب، إلى أفحش الإساءة وأكبر الذنب، ووقعت فيما ترى من ينصرك، لا يرى أحسن من أن لا يرويه لك، ويودّ لو قدر على نفيه عنك، وذلك كما تجده لأبي
стр. 20
تمام إذا أسلم نفسه للتكلف، ويرى أنه إن مرّ على اسم موضع يحتاج إلى ذكره أو يتصل بقصة يذكرها في شعره، من دون أن يشتقّ منه تجنيسا، أو يعمل فيه بديعا، فقد باء بإثم، وأخلّ بفرض حتم، من نحو قوله: [من البسيط]
سيف الإمام الذي سمّته هبّته ... لمّا تخرّم أهل الكفر مخترما
إنّ الخليفة لمّا صال كنت له ... خليفة الموت فيمن جار أو ظلما
قرّت بقرّان عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما (١)
وكقول بعض المتأخرين: [من الكامل]
البس جلابيب القنا ... عة إنّها أوقى رداء
ينجيك من داء الحري ... ص معا ومن أوقار داء (٢)
وكقول أبي الفتح البستي: [من السريع]
جفّوا فما في طينهم للذي ... يعصره من بلّة بلّه (٣)
وقوله: [من الوافر]
أخ لي لفظه درّ ... وكلّ فعاله برّ
تلقّاني فحيّاني ... بوجه بشره بشر (٤)
لم يساعدهما حسن التوفيق كما ساعد في نحو قوله: [من الوافر]
وكلّ غنى يتيه به غنيّ ... فمرتجع بموت أو زوال
стр. 21
وهب جدّي طوى لي الأرض طرّا ... أليس الموت يزوي ما زوى لي (١)
ونحوه: [من السريع]
منزلتي تحفظ من ذلّتي ... وباحتي تكرم ديباجتي (٢)
واعلم أنّ النكتة التي ذكرتها في التجنيس، وجعلتها العلّة في استيجابه الفضيلة وهي حسن الإفادة، مع أنّ الصورة
صورة التكرير والإعادة وإن كانت لا تظهر الظهور التامّ الذي لا يمكن دفعه، إلا في المستوفى المتفق الصورة منه كقوله: [من الكامل]
ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيى لدى يحيى بن عبد الله (٣)
أو المرفوّ الجاري هذا المجرى كقوله: «أو دعاني أمت بما أو دعاني». فقد يتصوّر في غير ذلك من أقسامه أيضا، فمما يظهر ذاك فيه ما كان نحو قول أبي تمام:
[من الطويل]
يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب (٤)
وقول البحتري: [من الطويل]
لئن صدفت عنّا فربّت أنفس ... صواد إلى تلك الوجوه الصّوادف (٥)
стр. 22
وذلك أنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من «عواصم» والباء من «قواضب»، أنها هي التي مضت، وقد أرادت أن تجيئك ثانية، وتعود إليك مؤكّدة، حتى إذا تمكن في نفسك تمامها، ووعى سمعك آخرها، انصرفت
عن ظنّك الأول، وزلت عن الذي سبق من التخيّل، وفي ذلك ما ذكرت لك من طلوع الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها، وحصول الربح بعد أن تغالط فيه حتى ترى أنه رأس المال.
فأما ما يقع التجانس فيه على العكس من هذا، وذلك أن تختلف الكلمات من أوّلها كقول البحتري: [من الخفيف]
بسيوف إيماضها أوجال ... للأعادي ووقعها آجال (١)
وكذا قول المتأخر: [من الطويل]
وكم سبقت منه إليّ عوارف ... ثنائي من تلك العوارف وارف
وكم غرر من برّه ولطائف ... لشكري على تلك اللّطائف طائف
وذلك أنّ زيادة «عوارف» على «وارف» بحرف اختلاف من مبدأ الكلمة في الجملة، فإنه لا يبعد كلّ البعد عن اعتراض طرف من هذا التخيّل فيه، وإن كان لا يقوى تلك القوة، كأنك ترى أن اللفظة أعيدت عليك مبدلا من بعض حروفها غيره أو محذوفا منها. ويبقى في تتبّع هذا الموضع كلام حقّه غير هذا الفصل وذلك حيث يوضع.
فصل في قسمة التجنيس وتنويعه
فالذي يجب عليه الاعتماد في هذا الفنّ، أن التوهّم على ضربين: ضرب يستحكم حتى يبلغ أن يصير اعتقادا.
وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ، ولكنه شيء يجري في الخاطر، وأنت تعرف ذلك وتتصور وزنه إذا نظرت إلى الفرق بين الشيئين يشتبهان الشبه التامّ؛ والشيئين يشبه أحدهما بالآخر على ضرب من التقريب، فاعرفه.
وأما «الحشو» فإنما كره وذمّ وأنكر وردّ، لأنه خلا من الفائدة، ولم يحل منه
стр. 23
بعائدة، ولو أفاد لم يكن حشوا، ولم يدع لغوا. وقد تراه مع إطلاق هذا الاسم عليه واقعا من القبول أحسن موقع، ومدركا من الرّضى أجزل حظّ، وذاك لإفادته إيّاك، على مجيئه مجيء ما لا يعوّل في الإفادة عليه، ولا طائل للسامع لديه، فيكون مثله مثل الحسنة تأتيك من حيث لم ترقبها، والنافعة أتتك ولم تحتسبها، وربّما رزق الطّفيليّ ظرفا يحظى به حتى يحلّ محلّ الأضياف الذين وقع الاحتشاد لهم، والأحباب الذين وثق بالأنس منهم وبهم.
وأما التطبيق والاستعارة وسائر أقسام البديع، فلا شبهة أنّ الحسن والقبح لا يعترض الكلام بهما إلّا من جهة المعاني خاصّة، من غير أن يكون للألفاظ في ذلك نصيب، أو يكون لها في التحسين أو خلاف التحسين تصعيد
وتصويب.
أما «الاستعارة»، فهي ضرب من التشبيه، ونمط من التمثيل، والتشبيه قياس، والقياس يجري فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستفتى فيه الأفهام والأذهان، لا الأسماع والآذان.
وأما «التطبيق»، فأمره أبين، وكونه معنويا أجلى وأظهر، فهو مقابلة الشيء بضده، والتضادّ بين الألفاظ المركّبة محال، وليس لأحكام المقابلة ثمّ مجال.
فخذ إليك الآن بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في تعسّف اللفظ: [من الطويل]
وما مثله في الناس إلا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه (١)
فانظر أتتصوّر أن يكون ذلك للفظه من حيث إنّك أنكرت شيئا، من حروفه، أو صادفت وحشيّا غريبا، أو سوقيّا ضعيفا؟ أم ليس إلّا لأنه لم يرتّب الألفاظ في الذكر، على موجب ترتيب المعاني في الفكر، فكدّ وكدّر، ومنع السامع أن يفهم الغرض إلّا بأن يقدّم ويؤخّر، ثم أسرف في إبطال النّظام، وإبعاد المرام، وصار كمن رمى بأجزاء تتألّف منها صورة، ولكن بعد أن يراجع فيها بابا من الهندسة، لفرط ما عادى بين أشكالها، وشدّة ما خالف بين أوضاعها.
وإذا وجدت ذلك أمرا بيّنا لا يعارضك فيه شكّ، ولا يملكك معه امتراء، فانظر
стр. 24
إلى الأشعار التي أثنوا عليها من جهة الألفاظ، ووصفوها بالسلامة، ونسبوها إلى الدّماثة، وقالوا: كأنّها الماء جريانا، والهواء لطفا، والرياض حسنا، وكأنها النّسيم، وكأنها الرّحيق مزاجها التّسنيم، وكأنها الديباج الخسروانيّ في مرامي الأبصار، ووشي اليمن منشورا على أذرع التّجار، كقوله: [من الطويل]
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
وشدّت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الّذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح (١)
ثم راجع فكرتك، واشحذ بصيرتك، وأحسن التأمّل، ودع عنك التجوّز في الرأي، ثم انظر هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفا، إلّا إلى استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها، أو حسن ترتيب تكامل معه
البيان حتى وصل المعنى إلى القلب مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقرّ في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن، وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل الذي هو كالزيادة في التحديد، وشيء داخل المعاني المقصودة مداخلة الطفيليّ الذي يستثقل مكانه، والأجنبيّ الذي يكره حضوره، وسلامته من التقصير الذي يفتقر معه السامع إلى تطلّب زيادة بقيت في نفس المتكلم، فلم يدلّ عليها بلفظها الخاصّ بها، واعتمد دليل حال غير مفصح، أو نيابة مذكور ليس لتلك النّيابة بمستصلح.
وذلك أن أوّل ما يتلقّاك من محاسن هذا الشعر أنه قال:
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة فعبّر عن قضاء المناسك بأجمعها والخروج من فروضها وسننها، من طريق أمكنه أن يقصّر معه اللفظ، وهو طريقة العموم، ثم نبّه بقوله:
стр. 25
ومسّح بالأركان من هو ماسح على طواف الوداع الذي هو آخر الأمر، ودليل المسير الذي هو مقصوده من الشعر. ثم قال:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا فوصل بذكر مسح الأركان، ما وليه من زمّ الركاب وركوب الرّكبان، ثم دلّ بلفظة «الأطراف» على الصّفة التي يختصّ بها الرّفاق في السّفر، من التصرف في فنون القول وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتظرّفين، من الإشارة والتلويح والرّمز والإيماء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس، وقوّة النشاط، وفضل الاغتباط، كما توجبه ألفة الأصحاب وأنسة الأحباب، وكما يليق بحال من وفّق لقضاء العبادة الشريفة ورجا حسن الإياب، وتنسّم روائح الأحبّة والأوطان، واستماع التهاني والتّحايا من الخلّان والإخوان.
ثم زان ذلك كلّه باستعارة لطيفة طبّق فيها مفصل التشبيه، وأفاد كثيرا من الفوائد بلطف الوحي والتنبيه، فصرّح أوّلا بما أومأ إليه في الأخذ بأطراف الأحاديث، من أنهم تنازعوا أحاديثهم على ظهور الرّواحل، وفي حال التوجّه
إلى المنازل، وأخبر بعد بسرعة السير، ووطاءة الظّهر، إذ جعل سلاسة سيرها بهم كالماء تسيل به الأباطح، وكان في ذلك ما يؤكّد ما قبله، لأن الظّهور إذا كانت وطيئة وكان سيرها السّير السهل السريع، زاد ذلك في نشاط الرّكبان، ومع ازدياد النشاط يزداد الحديث طيبا.
ثم قال: «بأعناق المطيّ»، ولم يقل «بالمطيّ»، لأن السرعة والبطء يظهران غالبا في أعناقها، ويبين أمرهما من هواديها وصدورها، وسائر أجزائها تستند إليها في الحركة، وتتبعها في الثّقل والخفّة، ويعبّر عن المرح والنشاط، إذا كانا في أنفسها، بأفاعيل لها خاصّة في العنق والرأس، وتدلّ عليهما بشمائل مخصوصة في المقاديم.
فقل الآن: هل بقيت عليك حسنة تحيل فيها على لفظة من ألفاظها حتى إنّ فضل تلك الحسنة يبقى لتلك اللفظة لو ذكرت على الانفراد، وأزيلت عن موقعها من نظم الشاعر ونسجه وتأليفه وترصيفه، وحتى تكون في ذلك كالجوهرة التي هي، وإن ازدادت حسنا بمصاحبة أخواتها، واكتست بهاء بمضامّة أترابها، فإنها إذا جليت للعين فردة، وتركت في الخيط فذّة، لم تعدم الفضيلة الذاتية، والبهجة التي في نفسها مطويّة والشّذرة من الذهب تراها بصحبة الجواهر لها في القلادة، واكتنافها لها في عنق الغادة، ووصلها بريق جمرتها والتهاب جوهرها، بأنوار تلك الدّرر التي
стр. 26
تجاورها، ولألاء اللآلئ تناظرها تزداد جمالا في العين، ولطف موقع من حقيقة الزين. ثم هي إن حرمت صحبة تلك العقائل، وفرّق الدهر الخئون بينها وبين هاتيك النفائس، لم تعر من بهجتها الأصيلة، ولم تذهب عنها فضيلة الذّهبية. كلّا، ليس هذا بقياس الشعر الموصوف بحسن اللفظ، وإن كان لا يبعد أن يتخيّله من لا ينعم النظر، ولا يتمّ التدبّر، بل حقّ هذا المثل أن يوضع في نصرة بعض المعاني (١) الحكمية والتشبيهية بعضا، وازدياد الحسن منها بأن يجامع شكل منها شكلا، وأن يصل الذّكر بين متدانيات في ولادة العقول إياها، ومتجاورات في تنزيل الأفهام لها.
واعلم أن هذه الفصول التي قدّمتها وإن كانت قضايا لا يكاد يخالف فيها من به طرق، فإنه قد يذكر الأمر المتّفق عليه، ليبنى عليه المختلف فيه. هذا وربّ وفاق من موافق قد بقيت عليه زيادات أغفل النظر فيها، وضروب من التلخيص والتهذيب لم يبحث عن أوائلها وثوانيها، وطريقة في العبارة عن المغزى في تلك الموافقة لم يمهّدها، ودقيقة في الكشف عن الحجة على مخالف لو عرض من المتكلفين لم يجدها، حتى تراه يطلق في عرض كلامه ما يبرز به وفاقا في معرض خلاف، ويعطيك إنكارا وقد هم باعتراف، وربّ صديق والاك قلبه، وعاداك فعله، فتركك مكدودا لا تشتفي من دائك بعلاج، وتبقى منه في سوء مزاج.
المقصد
واعلم أن غرضي في هذا الكلام الذي ابتدأته، والأساس الذي وضعته، أن أتوصّل إلى بيان أمر المعاني كيف تختلف وتتفق، ومن أين تجتمع وتفترق، وأفصل أجناسها وأنواعها، وأتتبّع خاصّها ومشاعها، وأبين أحوالها في كرم منصبها من العقل، وتمكّنها في نصابه، وقرب رحمها منه، أو بعدها حين تنسب عنه، وكونها كالحليف الجاري مجرى النّسب، أو الزّنيم الملصق بالقوم لا يقبلونه، ولا يمتعضون له ولا يذبّون دونه.
وإنّ من الكلام ما هو كما هو شريف في جوهره كالذهب الإبريز الذي تختلف
стр. 27
عليه الصور وتتعاقب عليه الصناعات، وجلّ المعوّل في شرفه على ذاته، وإن كان التصوير قد يزيد في قيمته ويرفع من قدره، ومنه ما هو كالمصنوعات العجيبة من موادّ غير شريفة، فلها، ما دامت الصورة محفوظة عليها لم تنتقض، وأثر الصنعة باقيّا معها لم يبطل قيمة تغلو، ومنزلة تعلو، وللرغبة إليها انصباب، وللنفوس بها إعجاب، حتى إذا خانت الأيام فيها أصحابها، وضامت الحادثات أربابها، وفجعتهم فيها بما يسلب حسنها المكتسب بالصّنعة، وجمالها المستفاد من طريق العرض، فلم يبق إلا المادّة العارية من التصوير، والطّينة الخالية من التشكيل سقطت قيمتها، وانحطت رتبتها، وعادت الرّغبات التي كانت فيها زهدا، وأوسعتها عيون كانت تطمح إليها إعراضا دونها، وصدّا، وصارت كمن أحظاه الجدّ (١) بغير فضل كان يرجع إليه في نفسه، وقدّمه البخت من غير معنى يقضي بتقدّمه، ثم أفاق فيه الدهر عن رقدته، وتنبّه لغلطته، فأعاده إلى دقّة أصله، وقلّة فضله.
وهذا غرض لا ينال على وجهه، وطلبة لا تدرك كما ينبغي، إلا بعد مقدّمات تقدّم، وأصول تمهّد، وأشياء هي كالأدوات فيه حقّها أن تجمع، وضروب من القول هي كالمسافات دونه، يجب أن يسار فيها بالفكر وتقطع.
وأوّل ذلك وأولاه، وأحقّه بأن يستوفيه النظر ويتقصّاه، القول على «التشبيه» و «التمثيل» و «الاستعارة»، فإن هذه أصول كبيرة، كأنّ جلّ محاسن الكلام إن لم نقل: كلّها، متفرّعة عنها، وراجعة إليها، وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في متصرّفاتها، وأقطار تحيط بها من جهاتها، ولا يقنع طالب التحقيق أن يقتصر فيها على أمثلة تذكر،
ونظائر تعدّ، نحو أن يقال: «الاستعارة» مثل قولهم «الفكرة فخّ العمل»، وقوله: [من الطويل] وعرّي أفراس الصّبا ورواحله (٢) وقوله: «السفر ميزان القوم»، وقول الأعرابي: «كانوا إذا اصطفّوا سفرت بينهم
стр. 28
السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف قفز الحمام»، و «التمثيل» كقوله:
فإنك كاللّيل الّذي هو مدركي (١) ويؤتى بأمثلة إذا حقّق النّظر في الأشياء يجمعها الاسم الأعمّ، وينفرد كل منها بخاصّة، من لم يقف (٢) عليها كان قصير الهمّة في طلب الحقائق، ضعيف المنّة في البحث عن الدقائق، قليل التّوق إلى معرفة اللطائف، يرضى بالجمل والظواهر، ويرى أن لا يطيل سفر الخاطر، ولعمري إنّ ذلك أروح للنفس، وأقلّ للشّغل، إلا أنّ من طلب الراحة ما يعقب تعبا، ومن اختيار ما تقلّ معه الكلفة ما يفضي إلى أشدّ الكلفة، وذلك أن الأمور التي تلتقي عند الجملة وتتباين لدى التفصيل، وتجتمع في جذم ثم يذهب بها التشعّب ويقسمها قبيلا بعد قبيل، إذا لم تعرف حقيقة الحال في تلاقيها حيث التقت، وافتراقها حيث افترقت، كان قياس من يحكم فيها، إذا توسّط الأمر قياس من أراد الحكم بين رجلين في شرفهما وكرم أصلهما وذهاب عرقهما في الفضل، ليعلم أيّهما أقعد في السؤدد، وأحقّ بالفخر، وأرسخ في أرومة المجد، وهو لا يعرف من نسبتهما أكثر من ولادة الأب الأعلى والجد الأكبر، لجواز أنّ يكون واحد منهما قرشيا أو تميميا، فيكون في العجز عن أن يبرم قضية في معناهما، ويبيّن فضلا أو نقصا في منتماهما في حكم من لا يعلم أكثر من أن كل واحد منهما آدميّ، ذكر، أو خلق مصوّر.
واعلم أن الذي يوجبه ظاهر الأمر، وما يسبق إلى الفكر، أن يبدأ بجملة من القول في «الحقيقة» و «المجاز» ويتبع ذلك القول في «التشبيه» و «التمثيل»، ثم ينسّق ذكر «الاستعارة» عليهما، ويؤتى بها في أثرهما. وذلك أن «المجاز» أعمّ من «الاستعارة»، والواجب في قضايا المراتب أن يبدأ بالعامّ قبل الخاصّ، و «التشبيه» كالأصل في «الاستعارة»، وهي شبيه بالفرع له، أو صورة مقتضبة من صوره إلّا أنّ
стр. 29
هاهنا أمورا اقتضت أن تقع البداية بالاستعارة، وبيان صدر منها، والتنبيه على طريق الانقسام فيها، حتى إذا عرف بعض ما يكشف عن حالها، ويقف على سعة مجالها، عطف عنان الشرح إلى الفصلين الآخرين، فوفّيا حقوقها، وبيّن فروقهما، ثم ينصرف إلى استقصاء الكلام في «الاستعارة».
تعريف الاستعارة
اعلم أن «الاستعارة» في الجملة أن يكون للّفظ أصل في الوضع اللغوي معروف تدلّ الشواهد على أنه اختصّ به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلا غير لازم، فيكون هناك كالعارية.
تقسيم الاستعارة
ثم إنها تنقسم أوّلا قسمين:
أحدهما: أن يكون لنقله فائدة.
والثاني: أن لا يكون له فائدة، وأنا أبدأ بذكر غير المفيد، فإنه قصير الباع، قليل الاتساع، ثم أتكلم على المفيد الذي هو المقصود.
وموضع هذا الذي لا يفيد نقله، حيث يكون اختصاص الاسم بما وضع له من طريق أريد به التوسّع في أوضاع اللغة، والتنوّق (١) في مراعاة دقائق في الفروق في المعاني المدلول عليها، كوضعهم للعضو الواحد أسامي كثيرة بحسب اختلاف أجناس الحيوان، نحو وضع «الشفة» للإنسان و «المشفر» للبعير و «الجحفلة» للفرس، وما شاكل ذلك من فروق ربما وجدت في غير لغة العرب وربما لم توجد، فإذا استعمل الشاعر شيئا منها في غير الجنس الذي وضع له، فقد استعاره منه ونقله عن أصله وجاز به موضعه، كقول العجّاج: [من الرجز] وفاحما، ومرسنا مسرّجا (٢)
يعني أنفا يبرق كالسّراج، و «المرسن» في الأصل للحيوان، لأنه الموضع الذي يقع عليه «الرسن» وقال آخر: يصف إبلا: [من الرجز]
стр. 30
تسمع للماء كصوت المسحل ... بين وريديها وبين الجحفل (١)
وقال آخر: [من الرجز] والحشو من حفّانها كالحنظل (٢) فأجرى «الحفّان» على صغار الإبل، وهو موضوع لصغار النعام، وقال الآخر:
[من المتقارب]
فبتنا جلوسا لدى مهرنا ... ننزّع من شفتيه الصّفارا (٣)
فاستعمل «الشفة» في الفرس، وهي موضوعة للإنسان. فهذا ونحوه لا يفيدك شيئا، لو لزمت الأصليّ لم يحصل لك، فلا فرق من جهة المعنى بين قوله «من شفتيه» وقوله «من جحفلتيه» لو قاله، إنما يعطيك كلا الاسمين العضو المعلوم فحسب، بل الاستعارة هاهنا بأن تنقصك جزءا من الفائدة أشبه، وذلك أنّ الاسم في هذا النحو، إذا نفيت عن نفسك دخول الاشتراك عليه بالاستعارة، دلّ ذكره على العضو وما هو منه، فإذا قلت «الشفة» دلّ على الإنسان، أعني يدلّ على أنك قصدت هذا العضو من الإنسان دون غيره، فإذا توهمت جري الاستعارة في الاسم، زالت عنها هذه الدلالة بانقلاب اختصاصها إلى الاشتراك. فإذا قلت «الشفة» في موضع قد جرى فيه ذكر الإنسان والفرس، دخل على السامع بعض الشبهة، لتجويزه أن تكون استعرت الاسم للفرس، ولو فرضنا أن تعدم هذه الاستعارة من أصلها وتحظر، لما كان لهذه الشبهة طريق على المخاطب، فاعرفه.
وأمّا «المفيد» فقد بان لك باستعارته فائدة ومعنى من المعاني وغرض من الأغراض، لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل لك. وجملة تلك الفائدة وذلك الغرض «التشبيه»، إلا أنّ طرقه تختلف حتى تفوت النهاية، ومذاهبه تتشعب حتى لا غاية، ولا يمكن الانفصال (٤) منه إلا بفصول جمّة، وقسمة بعد قسمة. وأنا أرى أن
стр. 31
أقتصر الآن على إشارة تعرّف صورته على الجملة بقدر ما تراه، وقد قابل خلافه الذي هو «غير المفيد»، فيتمّ تصوّرك للغرض والمراد، فإن الأشياء تزداد بيانا بالأضداد.
ومثاله قولنا: «رأيت أسدا»، وأنت تعني رجلا شجاعا، و «بحرا»، تريد رجلا جوادا و «بدرا» و «شمسا»، تريد إنسانا مضيء الوجه متهلّلا و «سللت سيفا على العدوّ» تريد رجلا ماضيا في نصرتك، أو رأيا نافذا وما شاكل ذلك، فقد استعرت اسم الأسد للرجل، ومعلوم أنك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم يحصل لك، وهو المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة، وإيقاعك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه وبأسه وشدّته، وسائر المعاني المركوزة في طبيعته، مما يعود إلى الجرأة. وهكذا أفدت باستعارة «البحر» سعته في الجود وفيض الكفّ، و «بالشمس والبدر» ما لهما من الجمال والبهاء والحسن المالئ للعيون الباهر للنواظر.
وإذ قد عرفت المثال في كون الاستعارة مفيدة على الجملة، وتبيّن لك مخالفة هذا الضرب للضرب الأوّل الذي هو «غير المفيد»، فإني أذكر بقية قول مما يتعلق به، أعني بغير المفيد، ثم أعطف على أقسام المفيد وأنواعه، وما يتصل به ويدخل في جملته من فنون القول بتوفيق الله . وأسأله عز اسمه المعونة، وأبرأ إليه من الحول والقوة، وأرغب إليه في أن يجعل كل ما نتصرّف فيه منصرفا إلى ما يتصل برضاه (١)، ومصروفا عمّا يؤدّي إلى سخطه.
اعلم أنه إذا ثبت أن اختصاص «المرسن» بغير الآدمي لا يفيد أكثر مما يفيد الأنف في الآدمي وهو فصل هذا العضو من غيره ولم تكن باستعارته للآدميّ مفيدا ما لا تفيده بالأنف لم يتصوّر (٢) أن يكون استعارة من جهة المعنى. وإذا كان مدار أمره على اللفظ لم يتصور أن يكون في غير لغة العرب. بلى، إن وجد في لغة الفرس مراعاة نحو هذه
الفروق، ثم نقلوا الشيء من الجنس المخصوص به إلى جنس آخر، كانوا قد سلكوا في لغتهم مسلك العرب في لغتها.
وليس كذلك «المفيد»، فإن الكثير منه تراه في عداد ما يشترك فيه أجيال الناس، ويجري به العرف في جميع اللغات. فقولك «رأيت أسدا»، تريد وصف رجل بالشجاعة وتشبيهه بالأسد على المبالغة، أمر يستوي فيه العربيّ والعجميّ، وتجده في كل جيل، وتسمعه من كل قبيل، كما أن قولنا «زيد كالأسد» على التصريح
стр. 32
بالتشبيه كذلك. فلا يمكن أن يدّعى أنا إذا استعملنا هذا النحو من الاستعارة، فقد عمدنا إلى طريقة في المعقولات لا يعرفها غير العرب، أو لم تتفق لمن سواهم، لأن ذلك بمنزلة أن تقول: إن تركيب الكلام من الاسمين، أو من الفعل والاسم، يختصّ بلغة العرب، وإنّ الحقائق التي تذكر في أقسام الخبر ونحوه، مما لا نعقله إلّا من لغة العرب، وذلك مما لا يخفى فساده.
فإذا ذكر المجاز، وأريد أن يعدّ هذا النحو من الاستعارة فيه، فالوجه أن يضاف إلى العقلاء جملة، ولا تستعمل لفظة توهم أنه من عرف هذه اللغة وطرقها الخاصة بها، كما تقول مثلا فيما يختصّ باللغة العربية من الأحكام، نحو الإعراب بالحركات، والصّرف ومنع الصّرف، ووضع المصدر مثلا مواضع اسم الفاعل نحو «رجل صوم» و «ضيف»، وجمع الاسم على ضروب، نحو جمع السلامة والتكسير وجمع الجمع، وإعطاء الاسم الواحد في التكسير عدّة أمثلة نحو «فرخ» و «أفرخ» و «فراخ» و «فروخ»، وكالفرق بين المذكّر والمؤنّث في الخطاب وجملة الضمائر وما شاكل ذلك. ولإغفال هذا الموضع والتجوّز في العبارة عنه، دخل الغلط على من جعل الشيء من هذا الباب سرقة وأخذا حتى نعي عليه. وبيّن أنه من المعاني العاميّة والأمور المشتركة التي لا فضل فيها للعربيّ على العجميّ، ولا اختصاص له بجيل دون جيل، على ما ترى القول فيه، إن شاء الله تعالى في موضعه. وهو تعالى وليّ المنّ بالتوفيق له بفضله وجوده.
ولو أن مترجما ترجم قوله: [من المتقارب] وإلّا النّعام وحفّانه (١) ففسّر «الحفّان» باللفظ المشترك الذي هو كالأولاد والصغار، لأنه لا يجد في اللغة التي بها يترجم لفظا خاصّا، لكان مصيبا ومؤدّيا للكلام كما هو. ولو أنه ترجم قولنا: «رأيت أسدا»، تريد رجلا شجاعا، فذكر ما معناه معنى قولك: «شجاعا شديدا»، وترك أن يذكر الاسم
الخاص في تلك اللغة بالأسد على هذه الصورة، لم يكن مترجما للكلام، بل كان مستأنفا من عند نفسه كلاما.
وهذا باب من الاعتبار يحتاج إليه، فحقّه أن يحفظ، وعسى أن يجيء له زيادة بسط فيما يستقبل.
стр. 33
فاعلم أنك قد تجد الشيء يخلط بالضّرب الأول الذي هو استعارة من طريق اللفظ ويعدّ في قبيله، وهو إذا حقّقت ناظر إلى الضرب الآخر الذي هو مستعار من جهة المعنى وجار في سبيله. فمن ذلك قولهم: «إنه لغليظ الجحافل، وغليظ المشافر»، وذلك أنه كلام يصدر عنهم في مواضع الذّمّ، فصار بمنزلة أن يقال: كأنّ شفته في الغلظ مشفر البعير وجحفلة الفرس، وعلى ذلك قول الفرزدق: [من الطويل]
فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتي ... ولكنّ زنجيّا غليظ المشافر (١)
فهذا يتضمّن معنى قولك: «ولكن زنجيا كأنه جمل لا يعرفني ولا يهتدي لشرفي». وهكذا ينبغي أن يكون القول في قولهم: «أنشب فيه مخالبه»، لأنّ المعنى على أن يجعل له في التعلّق بالشيء والاستيلاء عليه، حالة كحالة الأسد مع فريسته، والبازي مع صيده.
وكذا قول الحطيئة: [من الطويل]
قروا جارك العيمان لمّا جفوته ... وقلّص عن برد الشّراب مشافره (٢)
حقّه، إذا حقّقت، أن يكون في القبيل المعنويّ، وذلك أنه وإن كان عنى نفسه بالجار، فقد يجوز أن يقصد إلى وصف نفسه بنوع من سوء الحال، ويعطيها صفة من صفات النقص، ليزيد بذلك في التهكم بالزّبرقان، ويؤكّد ما قصده من رميه بإضاعة الضيف واطراحه وإسلامه للضرّ والبؤس، وليس ببعيد من هذه الطريقة من ابتدأ شعرا في ذمّ نفسه، ولم يرض في وصف وجهه بالتقبيح والتشويه إلا بالتصريح الصريح دون الإشارة والتنبيه:
وأما قول مزرّد: [من الطويل]
فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر (٣)
стр. 34
فقد قالوا إنه أراد أن يقول: «بساق وقدم»، فلما لم تطاوعه القافية وضع الحافر موضع القدم. وهو وإن كان قد قال بعد هذا البيت ما يدلّ على قصده أن يحسن القول في الضيف، ويباعده من أن يكون قصد الزراية عليه، أو يحول حول الهزء به والاحتقار له، وذلك قوله:
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... بهذا المحيّا من محيّ وزائر
فليس بالبعيد أن يكون فيه شوب مما مضى، وأن يكون الذي أفضى به إلى ذكر الحافر، قصده أن يصفه بسوء الحال في مسيره، وتقاذف نواحي الأرض به، وأن يبالغ في ذكره بشدّة الحرص على تحريك بكره، واستفراغ مجهوده في سيره، ويؤنس بذلك أن تنظر إلى قوله قبل:
وأشعث مسترخي العلابي طوّحت ... به الأرض من باد عريض وحاضر
فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت ... بعلياء نشز للعيون النّواظر (١)
وبعده «فما رقد الولدان»، فإذا جعله «أشعث مسترخي العلابيّ»، فقد قربت المسافة بينه وبين أن يجعل قدمه حافرا، ليعطيه، من الصلابة وشدة الوقع على جنب البكر حظّا وافرا.
وهكذا قول الآخر: [من الطويل]
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقّق (٢)
هو في حد التشبيه والاستعارة، لأن المعنى على أن الأظلاف لمن يربأ بالملك عن مشابهته، كأنه قال: «أجعل أمرها إلى ملك، لا إلى عبد جاف متشقق الأظلاف». ويدلّ على ذلك أن أبا بكر بن دريد قال في أول الباب الذي وضعه للاستعارة: «يقولون للرجل إذا عابوه: جاءنا حافيا متشقّق الأظلاف» ثم أنشد البيت. فإذا كان من شرط هذه الاستعارة أن يؤتى بها في موضع العيب والنقص، فلا شك في أنها معنوية.
стр. 35
وكذا قوله: [من المنسرح]
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا (١)
فأجرى «التولب» على ولد المرأة، وهو لولد الحمار في الأصل، وذلك لأنه يصف حال ضرّ وبؤس، ويذكر امرأة بائسة فقيرة، والعادة في مثل ذلك الصفة بأوصاف البهائم، ليكون أبلغ في سوء الحال وشدّة الاختلال.
ومثله سواء قول الآخر: [من مجزوء الكامل]
وذكرت أهلي بالعرا ... ء وحاجة الشعث التّوالب (٢)
كأنه قال: «الشعث التي لو رأيتها حسبتها توالب»، لما بها من الغبرة وبذاذة الهيئة (٣). و «الجدع» في البيت بالدال غير معجمة. حكى شيخنا ﵀ قال:
أنشد المفضّل «تصمت بالماء تولبا جذعا» بالذال المعجمة، فأنكره الأصمعي وقال:
إنما هو «تصمت بالماء تولبا جدعا» وهو السيّئ الغذاء. قال: فجعل المفضّل يصيح، فقال الأصمعي: لو نفخت في الشّبّور (٤) ما نفعك، تكلّم بكلام الحكل (٥) وأصب!.
стр. 36
وأما قول الأعرابي: «كيف الطلا وأمّه؟» فمن جنس «المفيد» أيضا، لأنه أشار إلى شيء من تشبيه المولود بولد الظبي، ألا تراه قال ذاك بعد أن انصرف عن السخط إلى الرضى، وبعد أن سكن عنه فورة الجوع الذي دعاه إلى أن قال: «ما أصنع به؟
آكله أم أشربه» حتى قالت المرأة «غرثان فاربكوا له» (١).
وأمّا قوله: [من البسيط]
إذا أشرف الدّيك يدعو بعض أسرته ... عند الصّباح، وهم قوم معازيل (٢)
فاستعارة «القوم» هاهنا، وإن كانت في الظاهر لا تفيد أكثر من معنى الجمع، فإنها مفيدة من حيث أراد أن يعطيها شبها مما يعقل. على أن هذا إذا حقّقنا في غير ما نحن فيه وبصدده في هذا الفصل، وذلك أنه لم يجتلب الاسم المخصوص بالآدميين حتى قدّم تنزيلها منزلتهم فقال: «هم»، فأتى بضمير من يعقل. وإذا كان الأمر كذلك، كان «القوم» جاريا مجرى الحقيقة. ونظيره أنك تقول: «أين الأسود الضّارية»؟ وأنت تعني قوما من الشجعان، فيلزم في الصفة حكم ما لا يعقل، فتقول:
«الضارية»، ولا تقول «الضارون» البتة، لأنك وضعت كلامك على أنك كأنك تحدّث عن الأسود في الحقيقة.
وعلى هذه الطريقة ينبغي أن يجرى بيت المتنبي: [من الكامل]
زحل، على أنّ الكواكب قومه ... لو كان منك لكان أكرم معشرا (٣)
стр. 37
وإن لم يكن معنا اسم آخر سابق حكم ما يعقل للكواكب، كالضمير في قوله «وهم قوم»، وذلك أنّ ما يفصح به الحال من قصده أن يدّعي للكواكب هذه المنزلة يجري مجرى التصريح بذلك. ألا ترى أنه لا يتّضح وجه المدح فيه إلا بدعوى أحوال الآدميين ومعارفهم للكواكب، لأنه يفاضل بينه وبينها في الأوصاف العقلية بدلالة قوله: «لكان أكرم معشرا»، ولن يتحصّل ثبوت وصف شريف معقول لها ولا الكرم على الوجه الذي يتعارف في الناس حتى تجعل كأنها تعقل وتميز، ولو كانت المفاضلة في النور والبهاء وعلوّ المحلّ وما شاكل ذلك، لكان لا يلزم حينئذ ما ذكرت. وحقّ القول في هذا القبيل أعني ما يدّعى فيه لما لا يعقل العقل فصل يفرد به، ولعله يجيء في موضعه بمشيئة الله وتوفيقه.
القول في الاستعارة المفيدة
اعلم أنّ الاستعارة في الحقيقة هي هذا الضرب دون الأول، وهي أمدّ ميدانا، وأشدّ افتنانا، وأكثر جريانا، وأعجب حسنا وإحسانا، وأوسع سعة وأبعد غورا، وأذهب نجدا في الصّناعة وغورا، من أن تجمع شعبها وشعوبها، وتحصر فنونها وضروبها، نعم، وأسحر سحرا، وأملأ بكل ما يملأ صدرا، ويمتع عقلا، ويؤنس نفسا، ويوفر أنسا، وأهدى إلى أن تهدي إليك أبدا عذارى قد تخيّر لها الجمال، وعني بها الكمال وأن تخرج لك من بحرها جواهر إن باهتها الجواهر مدّت في الشرف والفضيلة باعا لا يقصر، وأبدت من الأوصاف الجليلة محاسن لا تنكر، وردّت
تلك بصفرة الخجل، ووكلتها إلى نسبتها من الحجر وأن تثير من معدنها تبرأ لم تر مثله، ثم تصوغ فيها صياغات تعطّل الحليّ، وتريك الحلي الحقيقي وأن تأتيك على الجملة بعقائل (١) يأنس إليها الدين والدنيا، وشرائف (٢) لها من الشرف الرّتبة العليا، وهي أجلّ من أن تأتي الصفة على حقيقة حالها، وتستوفي جملة جمالها.
ومن الفضيلة الجامعة فيها أنها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدّة تزيد قدره نبلا، وتوجب له بعد الفضل فضلا، وإنّك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت بها فوائد حتى تراها مكرّرة في مواضع، ولها في كل واحد من تلك المواضع شأن مفرد، وشرف منفرد، وفضيلة مرموقة، وخلابة موموقة.
стр. 38
ومن خصائصها التي تذكر بها، وهي عنوان مناقبها، أنّها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدّة من الدّرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثّمر. وإذا تأمّلت أقسام الصّنعة التي بها يكون الكلام في حدّ البلاغة، ومعها يستحق وصف البراعة، وجدتها تفتقر إلى أن تعيرها حلاها، وتقصر عن أن تنازعها مداها وصادفتها نجوما هي بدرها، وروضا هي زهرها، وعرائس ما لم تعرها حليها فهي عواطل، وكواعب ما لم تحسّنها فليس لها في الحسن حظّ كامل.
فإنك لترى بها الجماد حيّا ناطقا، والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة، والمعاني الخفيّة بادية جليّة، وإذا نظرت في أمر المقاييس وجدتها ولا ناصر لها أعزّ منها، ولا رونق لها ما لم تزنها، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها. إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل، كأنها قد جسّمت حتى رأتها العيون، وإن شئت لطّفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها إلّا الظنون.
وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها، وإنما ينجلي الغرض منها ويبين، إذا تكلّم على هذه التفاصيل، وأفرد كلّ فن بالتمثيل، وسترى ذلك إن شاء الله، وإليه الرغبة في أن توفّق للبلوغ إليه والتوفّر عليه.
وإذ قد عرّفتك أن لها هذا المجال الفسيح، والشّأو البعيد، فإني أضع لك فصل ا، بعد فصل، وأجتهد بقدر الطاقة في الكشف والبحث.
فصل
وهذا فصل قسّمتها فيه قسمة عامية. ومعنى «العامية»، أنك لا تجد في هذه الاستعارة قسمة إلا أخصّ من هذه
القسمة، وأنها قسيمة الاستعارة من حيث المعقول المتعارف في طبقات الناس وأصناف اللغات، وما تجد وتسمع أبدا نظيره من عوامّ الناس كما تسمع من خواصهم.
اعلم أن كل لفظة دخلتها الاستعارة المفيدة، فإنها لا تخلو من أن تكون اسما أو فعلا، فإذا كانت اسما فإنه يقع مستعارا على قسمين:
أحدهما: أن تنقله عن مسمّاه الأصلي إلى شيء آخر ثابت معلوم فتجريه عليه، وتجعله متناولا له تناول الصفة مثلا للموصوف، وذلك قولك «رأيت أسدا» وأنت تعني «رجلا شجاعا» و «عنّت لنا ظبية» وأنت تعني امرأة و «أبديت نورا» وأنت
стр. 39
تعني هدى وبيانا وحجّة وما شاكل ذلك، فالاسم في هذا كله كما تراه متناول «شيئا معلوما» يمكن أن ينصّ عليه فيقال: إنه عني بالاسم وكني به عنه ونقل عن مسمّاه الأصلي فجعل اسما له على سبيل الإعارة والمبالغة في التشبيه.
والثاني: أن يؤخذ الاسم على حقيقته، ويوضع موضعا لا يبين فيه شيء يشار إليه فيقال: هذا هو المراد بالاسم والذي استعير له، وجعل خليفة لاسمه الأصلي ونائبا منابه، ومثاله قول لبيد: [من الكامل]
وغداة ريح قد كشفت وقرّة ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها (١)
وذلك أنه جعل للشمال يدا، ومعلوم أنه ليس هناك مشار إليه يمكن أن تجرى اليد عليه، كإجراء «الأسد» و «السيف» على الرجل في قولك «انبرى لي أسد يزئر» و «سللت سيفا على العدوّ لا يفلّ»، و «الظباء» على «النساء» في قوله:
الظباء الغيد و «النور» على الهدى والبيان في قولك «أبديت نورا ساطعا» وكإجراء «اليد نفسها على من يعزّ مكانه كقولك «أتناز عني في يد بها أبطش، وعين بها أبصر» تريد إنسانا له حكم اليد وفعلها، وغناؤها ودفعها، وخاصّة «العين» وفائدتها، وعزّة موقعها، ولطف موضعها لأنّ معك في هذا كله ذاتا ينصّ عليها، ترى مكانها في النفس، إذا لم تجد ذكرها في اللفظ.
وليس لك شيء من ذلك في بيت لبيد، بل ليس أكثر من أن تخيّل إلى نفسك أن «الشّمال» في تصريف «الغداة» على حكم طبيعتها، كالمدبّر المصرّف لما زمامه بيده، ومقادته في كفّه، وذلك كلّه لا يتعدّى التخيّل والوهم والتقدير في النفس، من غير أن يكون هناك شيء يحسّ، وذات تتحصّل. ولا سبيل لك أن تقول: كنى باليد عن كذا، وأراد باليد هذا الشيء، أو جعل الشيء الفلانيّ «يدا» كما تقول: «كنى بالأسد عن زيد، وعنى به زيدا، وجعل زيدا أسدا»،
وإنما غايتك التي لا مطّلع وراءها أن تقول: «أراد أن يثبت للشمال في الغداة تصرّفا كتصرّف الإنسان في الشيء يقلّبه، فاستعار لها «اليد» حتى يبالغ في تحقيق الشبه، وحكم «الزمام» في
стр. 40
استعارته للغداة حكم «اليد» في استعارتها للشمال، إذ ليس هناك مشار إليه يكون الزمام كناية عنه، ولكنه وفّى المبالغة شرطها من الطرفين، فجعل على «الغداة» «زماما»، ليكون أتمّ في إثباتها مصرّفة، كما جعل للشمال «يدا»، ليكون أبلغ في تصييرها مصرّفة.
ويفصل بين القسمين أنك إذا رجعت في القسم الأول إلى التشبيه الذي هو المغزى من كل استعارة تفيد، وجدته يأتيك عفوا، كقولك في «رأيت أسدا» «رأيت رجلا كالأسد» أو «رأيت مثل الأسد» أو «شبيها بالأسد» وإن رمته في القسم الثاني وجدته لا يؤاتيك تلك المؤاتاة، إذ لا وجه لأن تقول: «إذا أصبح شيء مثل اليد للشمال» أو «حصل شبيه باليد للشّمال»، وإنما يتراءى لك التشبيه بعد أن تخرق إليه سترا، وتعمل تأمّلا وفكرا، وبعد أن تغيّر الطريقة، وتخرج على الحد الأول (١)، كقولك: «إذ أصبحت الشّمال ولها في قوة تأثيرها في الغداة شبه المالك تصريف الشيء بيده، وإجراءه على موافقته، وجذبه نحو الجهة التي تقتضيها طبيعته، وتنحوها إرادته»، فأنت كما ترى تجد الشّبه المنتزع هاهنا إذا رجعت إلى الحقيقة، ووضعت الاسم المستعار في موضعه الأصلي لا يلقاك من المستعار نفسه، بل مما يضاف إليه. ألا ترى أنك لم ترد أن تجعل الشّمال كاليد ومشبهة باليد، كما جعلت الرجل كالأسد ومشبّها بالأسد، ولكنك أردت أن تجعل «الشمال» كذي اليد من الأحياء، فأنت تجعل في هذا الضرب المستعار له وهو نحو «الشمال» ذا شيء، وغرضك أن تثبت له حكم من يكون له ذلك الشيء في فعل أو غيره، لا نفس ذلك الشيء، فاعرفه.
وهكذا قول زهير: [من الطويل] وعرّي أفراس الصّبا ورواحله (٢) لا تستطيع أن تثبت ذواتا أو شبه الذوات تتناولها الأفراس والرّواحل في البيت،