← Баляга

Баляга · id 17387

أسرار البلاغة - ت هنداوي

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (294 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفرق بين التشبيه والتمثيل وإذ قد عرفت الفرق بين الضّربين، فاعلم أن التشبيه عامّ والتمثيل أخصّ منه، فكل تمثيل تشبيه، وليس كلّ تشبيه تمثيلا، فأنت تقول في قول قيس بن الخطيم: [من الطويل] وقد لاح في الصّبح الثريّا لمن رأى ... كعنقود ملّاحيّة حين نوّرا (١) «إنّه تشبيه حسن»، ولا تقول: «هو تمثيل»، وكذلك تقول: «ابن المعتزّ حسن التشبيهات بديعها»، لأنك تعني تشبيهه المبصرات بعضها ببعض، وكلّ ما لا يوجد الشبه فيه من طريق التأوّل، كقوله: [من الطويل] كأنّ عيون النّرجس الغضّ حولها ... مداهن درّ حشوهنّ عقيق (٢) وقوله: [من الكامل] وأرى الثّريّا في السّماء كأنّها ... قد تبدّت من ثياب حداد (٣) وقوله: [من مجزوء الخفيف] وتروم الثّريا ... في الغروب مراما كانكباب طمرّ ... كاد يلقى اللّجاما (٤) وقوله: [من المنسرح]

стр. 72

قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشّر سقم الهلال بالعيد يتلو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود (١) وقوله: [من السريع] لمّا تعرّى أفق الضّياء ... مثل ابتسام الشّفة اللّمياء وشمطت ذوائب الظّلماء ... قدنا لعين الوحش والظّباء داهية محذورة اللّقاء ... ويعرف الزّجر من الدّعاء بأذن ساقطة الأرجاء ... كوردة السّوسنة الشّهباء ذا برثن كمثقب الحذّاء ... ومقلة قليلة الأقذاء صافية كقطرة من ماء (٢) وما كان من هذا الجنس ولا تريد نحو قوله: [من الكامل] اصبر على مضض الحسو ... د فإنّ صبرك قاتله فالنّار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله (٣) وذلك أن إحسانه في النوع الأول أكثر، وهو به أشهر. وكل ما لا يصحّ أن يسمّى «تمثيلا» فلفظ «المثل» لا يستعمل فيه أيضا، فلا يقال: «ابن المعتزّ حسن الأمثال»، تريد به نحو الأبيات التي قدّمتها، وإنما يقال: «صالح بن عبد القدّوس كثير الأمثال في شعره»، يراد نحو قوله: [من السريع] وإنّ من أدّبته في الصّبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه حتّى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه (٤) وما أشبهه، مما الشبه فيه من قبيل ما يجري في التأوّل، ولكن إن قلت في قول ابن المعتز: فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله إنه «تمثيل»، فمثل الذي قلت ينبغي أن يقال، لأن تشبيه الحسود إذا صبر

стр. 73

وسكت عنه، وترك غيظه يتردّد فيه بالنار التي لا تمدّ بالحطب حتى يأكل بعضها بعضا، مما حاجته إلى التأوّل ظاهرة بيّنة. فقد تبيّن بهذه الجملة وجه الفرق بين «التشبيه»، و «التمثيل». وفي تتبّع ما أجملت من أمرهما، وسلوك طريق التحقيق فيهما، ضرب من القول ينشط له من يأنس بالحقائق. فصل اعلم أن الذي أوجب أن يكون في التشبيه هذا الانقسام، أنّ الاشتراك في الصفة يقع مرّة في نفسها وحقيقة جنسها، ومرة في حكم لها ومقتضى. فالخدّ يشارك الورد في الحمرة نفسها وتجدها في الموضعين بحقيقتها واللفظ يشارك العسل في الحلاوة، لا من حيث جنسه، بل من جهة حكم وأمر يقتضيه، وهو ما يجده الذائق في نفسه من اللّذّة، والحالة التي تحصل في النفس إذا صادفت بحاسّة الذّوق ما يميل إليه الطبع ويقع منه بالموافقة، فلمّا كان كذلك، احتيج لا محالة إذا شبّه بالعسل في الحلاوة أن يبيّن أنّ هذا التشبيه ليس من جهة الحلاوة نفسها وجنسها، ولكن من مقتضى لها، وصفة تتجدّد في النفس بسببها، وأنّ القصد أن يخبر بأنّ السامع يجد عند وقوع هذا اللفظ في سمعه حالة في نفسه، شبيهة بالحالة التي يجدها الذائق للحلاوة من العسل، حتى لو تمثّلت الحالتان للعيون، لكانتا تريان على صورة واحدة، ولوجدتا من التناسب على حدّ الحمرة من الخدّ، والحمرة من الورد. وليس هاهنا عبارة أخصّ بهذا البيان من «التأوّل»، لأن حقيقة قولنا: «تأوّلت الشيء»، أنك تطلّبت ما يؤول إليه من الحقيقة، أو الموضع الذي يؤول إليه من العقل، لأن «أوّلت وتأوّلت» فعّلت وتفعّلت من «آل الأمر إلى كذا يؤول»، إذا انتهى إليه، و «المآل»، المرجع وليس قول من جعل «أوّلت وتأوّلت» من «أوّل» بشيء، لأن ما فاؤه وعينه من وضع واحد «ككوكب» و «ددن» لا يصرّف منه فعل، و «أوّل» «أفعل» بدلالة قولنا: «أوّل منه»، كقولنا: «أسبق منه وأقدم». فالواو الأولى فاء والثانية عين وليس هذا موضع الكلام في ذلك فيستقصى. وأما الضرب الأول، فإذا كان المثبت من الشبه في الفرع من جنس المثبت في الأصل، كان أصلا بنفسه، وكان ظاهر أمره وباطنه واحدا، وكان حاصل جمعك بين الورد والخد، أنك وجدت في هذا وذاك حمرة، والجنس لا تتغير حقيقته بأن يوجد

стр. 74

في شيئين، وإنما يتصوّر فيه التفاوت بالكثرة والقلّة والضعف والقوة، نحو أن حمرة هذا الشيء أكثر وأشد من حمرة ذاك. وإذا تقرّرت هذه الجملة، حصل من العلم بها أن التشبيه الحقيقي الأصلي هو الضرب الأول، وأن هذا الضرب فرع له ومرتّب عليه. ويزيد ذلك بيانا: أنّ مدار التشبيه على أنه يقتضي ضربا من الاشتراك، ومعلوم أن الاشتراك في نفس الصفة، أسبق في التصوّر من الاشتراك في مقتضى الصفة كما أن الصفة نفسها مقدّمة في الوهم على مقتضاها، فالحلاوة أوّلا، ثم إنها تقتضي اللذّة في نفس الذائق لها. وإذا تأملنا متصرّف (١) تركيبه، وجدناه يقتضي أن يكون الشيئان من الاتفاق والاشتراك في الوصف، بحيث يجوز أن يتوهّم أن أحدهما الآخر. وهكذا تراه في العرف والمعقول، فإنّ العقلاء يؤكّدون أبدا أمر المشابهة بأن يقولوا: «لا يمكنك أن تفرق بينهما»، ولو رأيت هذا بعد أن رأيت ذاك لم تعلم أنك رأيت شيئا غير الأوّل، حتى تستدلّ بأمر خارج عن الصّورة. ومعلوم أن هذه القضية إنما توجد على الإطلاق والوجود الحقيقي في الضرب الأول وأمّا الضرب الثاني، فإنما يجيء فيه على سبيل التقدير والتنزيل، فأما أن لا تجد فصل ا بين ما يقتضيه العسل في نفس الذائق، وما يحصل باللفظ المرضيّ والكلام المقبول في نفس السامع، فما لا يمكن ادّعاؤه إلّا على نوع من المقاربة أو المجازفة، فأمّا على التحقيق والقطع فلا. فالمشابهات المتأوّلة التي ينتزعها العقل من الشيء للشيء، لا تكون في حدّ المشابهات الأصلية الظاهرة، بل الشبه العقلي كأنّ الشيء (٢) به يكون شبيها بالمشبّه. فصل ثم إن هذا الشبه العقلي ربما انتزع من شيء واحد، كما مضى انتزاع الشّبه للفظ من حلاوة العسل وربما انتزع من عدّة أمور يجمع بعضها إلى بعض، ثم يستخرج من مجموعها الشبه، فيكون سبيله سبيل الشيئين يمزج أحدهما بالآخر، حتى تحدث صورة غير ما كان لهما في حال الإفراد، لا سبيل الشيئين يجمع بينهما وتحفظ صورتهما.

стр. 75

ومثال ذلك قوله : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة: ٥]، الشبه منتزع من أحوال الحمار، وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ومستودع ثمر العقول، ثم لا يحسّ بما فيها ولا يشعر بمضمونها، ولا يفرّق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، ولا من الدّلالة عليه بسبيل، فليس له مما يحمل حظّ سوى أنه يثقل عليه، ويكدّ جنبيه فهو كما ترى مقتضى أمور مجموعة، ونتيجة لأشياء ألّفت وقرن بعضها إلى بعض. بيان ذلك: أنه احتيج إلى أن يراعى من الحمار فعل مخصوص، وهو الحمل، وأن يكون المحمول شيئا مخصوصا، وهو الأسفار التي فيها أمارات تدلّ على العلوم، وأن يثلّث ذلك بجهل الحمار ما فيها، حتى يحصل الشبه المقصود. ثم إنه لا يحصل من كل واحد من هذه الأمور على الانفراد، ولا يتصوّر أن يقال إنه تشبيه بعد تشبيه، من غير أن يقف الأول على الثّاني، ويدخل الثاني في الأول، لأن الشّبه لا يتعلق بالحمل حتى يكون من الحمار، ثم لا يتعلق أيضا بحمل الحمار حتى يكون المحمول الأسفار، ثم لا يتعلق بهذا كله حتى يقترن به جهل الحمار بالأسفار المحمولة على ظهره فما لم تجعله كالخيط الممدود، ولم يمزج حتى يكون القياس قياس أشياء يبالغ في مزاجها حتى تتحد وتخرج عن أن تعرف صورة كلّ واحد منها على الانفراد، بل تبطل صورها المفردة التي كانت قبل المزاج، وتحدث صورة خاصة غير اللواتي عهدت، ويحصل مذاقها (١) حتى لو فرضت حصولها لك في تلك الأشياء من غير امتزاج، فرضت ما لا يكون لم يتمّ المقصود، ولم تحصل النتيجة المطلوبة، وهي الذمّ بالشقاء في شيء يتعلق به غرض جليل وفائدة شريفة، مع حرمان ذلك الغرض وعدم الوصول إلى تلك الفائدة، واستصحاب ما يتضمن المنافع العظيمة والنعم الخطيرة، من غير أن يكون ذلك الاستصحاب سببا إلى نيل شيء من تلك المنافع والنّعم. ومثال ما يجيء فيه التشبيه معقودا على أمرين إلا أنهما لا يتشابكان هذا التشابك قولهم: «هو يصفو ويكدر» و «يمرّ ويحلو» و «يشجّ ويأسو»، و «يسرح ويلجم»، لأنك وإن كنت أردت أن تجمع له الصّفتين، فليست إحداهما ممتزجة بالأخرى، لأنك لو قلت: «هو يصفو»، ولم تتعرض لذكر «الكدر» أو قلت:

стр. 76

«يحلو»، ولم يسبق ذكر «يمرّ»، وجدت المعنى في تشبيهك له بالماء في الصّفاء وبالعسل في الحلاوة بحاله وعلى حقيقته. وليس كذلك الأمر في الآية لأنك لو قلت: «كالحمار يحمل أسفارا»، ولم تعتبر أن يكون جهل الحمار مقرونا بحمله، وأن يكون متعدّيا إلى ما تعدّى إليه الحمل، لم يتحصل لك المغزى منه. وكذلك لو قلت: «هم كالحمار في أنه يجهل الأسفار»، ولم تشرط أن يكون حمله الأسفار مقرونا بجهله لها لكان كذلك. وكذلك لو ذكرت الحمل والجهل مطلقين، ولم تجعل لهما المفعول المخصوص الذي هو الأسفار، فقلت: «هو كالحمار في أنه يحمل ويجهل»، وقعت من التشبيه المقصود في الآية بأبعد البعد، والنكتة أن التشبيه بالحمل للأسفار، إنما كان بشرط أن يقترن به الجهل، ولم يكن الوصف بالصّفاء والتشبيه بالماء فيه بشرط أن يقترن به الكدر، ولذلك لو قلت: «يصفو ولا يكدر» لم تزد في صميم التشبيه وحقيقته شيئا، وإنما استدمت الصّفة كقولك: «يصفو أبدا وعلى كل حال». فصل اعلم أن الشّبه إذا انتزع من الوصف لم يخل من وجهين: أحدهما: أن يكون لأمر يرجع إلى نفسه. والآخر: أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه. فالأوّل: ما مضى في نحو تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة، وذلك أنّ وجه التشبيه هناك أنّ كل واحد منهما يوجب في النفس لذّة وحالة محمودة، ويصادف منها قبولا. وهذا حكم واجب للحلاوة من حيث هي حلاوة، أو للعسل من حيث هو عسل. وأما الثاني: وهو ما ينتزع منه الشبه لأمر لا يرجع إلى نفسه، فمثاله أن يتعدّى الفعل إلى شيء مخصوص يكون له من أجله حكم خاصّ، نحو كونه واقعا في موقعه وعلى الصواب، أو واقعا غير موقعه، كقولهم: «هو كالقابض على الماء» و «الراقم في الماء»، فالشبه هاهنا منتزع ممّا بين القبض والماء، وليس بمنزع من القبض نفسه، وذلك أن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيها، فإذا كان الشيء مما لا يتماسك، ففعلك القبض في اليد لغو وكذلك القصد في «الرّقم» أن يبقى أثر في الشيء، وإذا فعلته فيما لا يقبله، كان فعلك كلا فعل وكذلك قولهم: «يضرب في حديد بارد» وينفخ في غير فحم».

стр. 77

وإذا ثبت هذا، فكل شبه كان هذا سبيله، فإنك لا تجد بين المعنى المذكور وبين المشبّه إذا أفردته، ملابسة البتة. ألا تراك تضرب الرّقم في الماء والقبض عليه، لأمور لا شبه بينهما وبينها البتة، من حيث هما رقم وقبض؟. وإذا قد عرفت هذا فالحمل في الآية من هذا القبيل أيضا، لأنه تضمّن الشّبه من اليهود، لا لأمر يرجع إلى حقيقة الحمل، بل لأمرين آخرين: أحدهما تعدّيه إلى الأسفار، والآخر اقتران الجهل للأسفار به. وإذا كان الأمر كذلك، كان قطعك الحمل عن هذين الأمرين في البعد من الغرض، كقطعك القبض والرّقم عن الماء، في استحالة أن يعقل منها ما يعقل بعد تعدّيهما إلى الماء بوجه من الوجوه، فاعرفه. فإن قلت: ففي اليهود شبه من الحمل، من حيث هو حمل على حال. وذلك أن الحافظ للشيء بقلبه، يشبه الحامل للشيء على ظهره، وعلى ذلك يقال: «حملة الحديث»، و «حملة العلم» كما جاء في الأثر: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله» (١)، و «ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه». فالجواب: أن الأمر وإن كان كذلك، فإنّ هذا الشبه لم يقصدها هنا وإنما قصد ما يوجبه تعدّي الحمل إلى الأسفار، مع اقتران الجهل بها به، وهو العناء بلا منفعة. يبيّن ذلك: أنك قد تقول للرجل يحمل في كمّه أبدا دفاتر علم، وهو بليد لا يفهم، أو كسلان لا يتعلم: «إن كان يحمل كتب العلم فالحمار أيضا قد يحمل»، تريد أن تبطل دعواه أن له في حمله فائدة، وأن تسوّي بينه وبين الحمار في فقد الفائدة مما يحمل. فالحمل هاهنا نفسه موجود في المشبّه بالحمار، ثم التشبيه لا ينصرف إليه من حيث هو حمل، وإنما ينصرف إلى ما ذكرت لك من عدم الجدوى والفائدة. وإنما يتصوّر أن يكون الشّبه راجعا إلى الحمل من حيث هو حمل، حيث يوصف الرجل مثلا بكثرة الحفظ للوظائف، أو جهد النفس في الأشغال المتراكمة، وذلك خارج عن الغرض مما نحن فيه.

стр. 78

ومن هذا الباب قولهم: «أخذ القوس باريها»، وذلك أن المعنى على وقوع الأخذ في موقعه ووجوده من أهله، فلست تشبّهه من حيث الأخذ نفسه وجنسه، ولكن من حيث الحكم الحاصل له بوقوعه من باري القوس على القوس. وكذلك قولهم: «ما زال يفتل منه في الذّروة والغارب» الشبه مأخوذ ما بين الفتل وما تعدّى إليه من الذّروة والغارب، ولو أفردته لم تجد شبها بينه وبين ما يضرب هذا الكلام مثلا له، لأنه يضرب في الفعل أو القول يصرف به الإنسان عن الامتناع إلى الإجابة، وعن الإباء عليك مرادك، إلى موافقتك والمصير إلى ما تريد منه. وهذا لا يوجد في الفتل من حيث هو فتل، وإنما يوجد في الفتل إذا وقع في الشّعر من ذروة البعير وغاربه (١). واعلم أن هذا الشبه حكمه واحد، سواء أخذته ما بين الفعل والمفعول الصريح، أو ما يجري مجرى المفعول. فالمفعول كالقوس في قولك: «أخذ القوس باريها». وما يجري مجرى المفعول، الجارّ مع المجرور، كقولك: «الرّقم في الماء» و «هو كمن يخطّ في الماء». وكذلك الحال، كقولهم: «كالحادي وليس له بعير»، فقولك: «وليس له بعير»، جملة من الحال، وقد احتاج الشبه إليها، لأنه مأخوذ ما بين المعنى الذي هو «الحدو»، وبين هذه الحال، كما كان مأخوذا بين الرقم والماء، وما بين الفتل والذروة والغارب. وقد تجد بك حاجة إلى مفعول وإلى الجارّ مع المجرور كقولك: «وهل يجمع السيفان في غمد»، و «أنت كمن يجمع السيفين في غمد»، ألا ترى أن الجمع فيه لا يغني بتعدّيه إلى السيفين، حتى يشترط كونه جمعا لهما في الغمد؟ فمجموع ذلك كله يحصّل الغرض. وهكذا نحو قول العامّة: «هو كثير الجور على إلفه»، وقولهم: «كمبتغي

стр. 79

الصّيد في عرّيسة الأسد»، لأن «الصيد» مفعول و «في عرّيسة» جارّ مع المجرور. فإذا ثبت هذا، ظهر منه أنه لا بدّ لك في هذا الضرب من الشّبه من جملة صريحة أو حكم الجملة. فالجملة الصريحة قولك: «أخذ القوس باريها» وحكم الجملة أن تقول: «هذا منك كالرّقم في الماء»، و «كالقابض على الماء»، فتأتي باسم الفاعل. وذاك أنّ المصدر واسم الفاعل ليسا بجملتين صريحا ولكن حكم الجملة قائم فيهما، وهو أنك أعملتهما عمل الفعل. ألا ترى أنك عدّيتهما على حسب ما تعدّى الفعل؟ وخصائص هذا النوع من «التمثيل» أكثر من أن تضبط، وقد وقفتك على الطريقة. فهذا أحد الوجوه التي يكون الشّبه العقلي بها حاصلا لك من جملة من الكلام، وأظنّه من أقوى الأسباب والعلل فيه. وعلى الجملة، فينبغي أن تعلم أن المثل الحقيقي، والتشبيه الذي هو الأولى بأن يسمّى «تمثيلا» لبعده عن التشبيه الظاهر الصريح، ما تجده لا يحصل لك إلا من جملة من الكلام أو جملتين أو أكثر، حتى إنّ التشبيه كلما كان أوغل في كونه عقليّا محضا، كانت الحاجة إلى الجملة أكثر. ألا ترى إلى نحو قوله : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس: ٢٤]، كيف كثرت الجمل فيه؟ حتى إنك ترى في هذه الآية عشر جمل إذا فصّلت. وهي وإن كان قد دخل بعضها في بعض حتى كأنها جملة واحدة، فإن ذلك لا يمنع من أن تكون صور الجمل معنا حاصلة تشير إليها واحدة واحدة. ثم إنّ الشبه منتزع من مجموعها، من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض، وإفراد شطر من شطر، حتى إنك لو حذفت منها جملة واحدة من أيّ موضع كان، أخلّ ذلك بالمغزى من التشبيه. ولا ينبغي أن تعدّ الجمل في هذا النحو بعدّ التشبيهات التي يضمّ بعضها إلى بعض، والأغراض الكثيرة التي كل واحد منها منفرد بنفسه، بل بعدّ جمل تنسق ثانية منها على أوّلة، وثالثة على ثانية، وهكذا. فإنّ ما كان من هذا الجنس لم تترتّب فيه الجمل ترتيبا مخصوصا حتى يجب أن تكون هذه سابقة وتلك تالية والثالثة بعدهما. ألا ترى أنك إذا قلت: «زيد كالأسد بأسا، والبحر جودا، والسيف مضاء، والبدر بهاء»، لم يجب عليك أن تحفظ في هذه التشبيهات نظاما مخصوصا؟ بل لو

стр. 80

بدأت بالبدر وتشبيهه به في الحسن، وأخّرت تشبيهه بالأسد في الشجاعة، كان المعنى بحاله، وقوله: [من السريع] النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم (١) إنما يجب حفظ هذا الترتيب فيها لأجل الشّعر، فأمّا أن تكون هذه الجمل متداخلة كتداخل الجمل في الآية، وواجبا فيها أن يكون لها نسق مخصوص كالنسق في الأشياء إذا رتّبت ترتيبا مخصوصا كان لمجموعها صورة خاصّة فلا (٢). وقد يجيء الشيء من هذا القبيل يتوهّم فيه أن إحدى الجملتين أو الجمل تنفرد وتستعمل بنفسها تشبيها وتمثيلا، ثم لا يكون كذلك عند حسن التأمل، مثال ذلك قوله: [من الطويل] كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رجوها أقشعت وتجلّت (٣) هذا مثل في أن يظهر للمضطرّ إلى الشيء، الشديد الحاجة إليه، أمارة وجوده، ثم يفوته ويبقى لذلك بحسرة وزيادة ترح. وقد يمكن أن يقال: «إن قولك: «أبرقت قوما عطاشا غمامة»، تشبيه مستقلّ بنفسه، لا حاجة به إلى ما بعده من تمام البيت في إفادة المقصود الذي هو ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة، إلّا أنه وإن كان كذلك، فإن حقّنا أن ننظر في مغزى المتكلم في تشبيهه. ونحن نعلم أن المغزى أن يصل ابتداء مطمعا بانتهاء مؤيس، وذلك يقتضي وقوف الجملة الأوّلة على ما بعدها من تمام البيت. ووزان هذا أن الشرط والجزاء جملتان، ولكنا نقول: إنّ حكمهما حكم جملة

стр. 81

واحدة، من حيث دخل في الكلام معنى يربط إحداهما بالأخرى، حتى صارت الجملة لذلك بمنزلة الاسم المفرد في امتناع أن تحصل به الفائدة. فلو قلت: «إن تأتني» وسكتّ، لم تفد كما لا تفيد إذا قلت: «زيد» وسكتّ، فلم تذكر اسما آخر ولا فعلا، ولا كان منويّا في النفس معلوما من دليل الحال. ثم إن الأمر، وإن كان كذلك، فقد يجوز أن تخرج الكلام عن الجزاء فتقول: «تأتيني»، فتعود الجملة على الإفادة، لإغنائك لها عن أن ترتبط بأخرى، وإزالتك المعنى الذي أوجب فقرها إلى صاحبة لها، إلا أن الغرض الأوّل يبطل والمعنى يتبدّل، فكذلك الاقتصار على الجملة التي هي: «أبرقت قوما عطاشا غمامة»، يخرج عن غرض الشاعر. فإن قلت: فهذا يلزمك في قولك: «هو يصفو ويكدر». وذلك أن الاقتصار على أحد الأمرين يبطل غرض القائل، وقصده أن يصف الرجل بأنه يجمع الصفتين، وأن الصفاء لا يدوم. فالجواب: أن بين الموضعين فرقا، وإن كان يغمض قليلا، وهو أن الغرض في البيت أن يثبت ابتداء مطمعا مؤنسا أدّى إلى انتهاء مؤيس موحش، وكون الشيء ابتداء لآخر هو له انتهاء، معنى زائد على الجمع بين الأمرين، والوصف بأن كلّ واحد منها يوجد في المقصود. وليس لك في قولك: «يصفو ويكدر»، أكثر من الجمع بين الوصفين. ونظير هذا أن تقول: «هو كالصّفو بعد الكدر»، في حصول معنى يجب (١) معه ربط أحد الوصفين بالآخر في الذكر ويتعيّن به الغرض، حتى لو قلت: «يكدر ثم يصفو»، فجئت بثمّ التي توجب الثاني مرتّبا على الأوّل، وأنّ أحدهما مبتدأ والآخر بعده، صرت بالجملة إلى حد ما نحن عليه من الارتباط، ووجوب أن يتعلّق الحكم بمجموعهما، ويوجد الشبه إن شبّهت ما بينهما، على التشابك والتداخل، دون التباين والتزايل. ومن الواضح في كون الشّبه معلّقا بمجموع الجملتين، حتى لا يقع في الوهم تميّز إحداهما على الأخرى قوله: «بلغني أنك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيّهما شئت والسّلام» ٢، وذلك أن المقصود من هذا الكلام: التردّد بين الأمرين، وترجيح الرأي فيهما، ولا يتصوّر التردّد والترجيح في الشيء الواحد، فلو جهدت وهمك أن تتصوّر لقولك: «تقدّم رجلا» معنى وفائدة ما لم تقل: «وتؤخّر أخرى»، أو تنوه في قلبك، كلّفت نفسك شططا.

стр. 82

وذكر أبو أحمد العسكري أن هذا النحو من الكلام يسمّى: «المماثلة»، وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد «بالمثل» و «التمثيل» وليس الأمر كذلك، كيف وأنت تقول: «مثلك مثل من يقدم رجلا ويؤخّر أخرى»؟ ووزان هذا أنك تقول: «زيد الأسد»، فيكون تشبيها على الحقيقة وإن كنت لم تصرّح بحرف التشبيه ومثله أنك تقول: «أنت ترقم في الماء»، و «تضرب في حديد بارد»، و «تنفخ في غير فحم»، فلا تذكر ما يدلّ صريحا على أنك تشبّه، ولكنك تعلم أن المعنى على قولك: «أنت كمن يرقم في الماء، وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم»، وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشّبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في صلة اسمه أو صفته. واعلم أن «المثل» قد يضرب بجمل لا بدّ فيها من أن يتقدّمها مذكور يكون مشبّها به، ولا يمكن حذف المشبّه به والاقتصار على ذكر المشبّه، ونقل الكلام إليه حتى كأنه صاحب الجملة، إلا أنه مشبّه بمن صفته وحكمه مضمون تلك الجملة. بيان هذا، أن قول النبي ﷺ : «النّاس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة» (١)، لا بدّ فيه من المحافظة على ذكر المشبّه به الذي هو «الإبل»، فلو قلت: «الناس لا تجد فيهم راحلة أو «لا تجد في الناس راحلة»، كان ظاهر التعسّف. وهاهنا ما هو أشدّ اقتضاء للمحافظة على ذكر ما تعلّق الجملة به وتسند إليه، وذلك مثل قوله : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [يونس: ٢٤]، لو أردت أن تحذف «الماء» الذي هو المشبّه به، وتنقل الكلام إلى المشبّه الذي هو «الحياة»، أردت ما لا تحصل منه على كلام يعقل، لأن الأفعال المذكورة المحدّث بها عن الماء، لا يصحّ إجراؤها على الحياة فاحفظ هذا الأصل فإنك تحتاج إليه، وخصوصا في الاستعارة، على ما يجيء القول فيه إن شاء الله تعالى. والجملة إذا جاءت بعد المشبّه به، لم تخل من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون المشبّه به معبّرا عنه بلفظ موصول، وتكون الجملة صلة،

стр. 83

كقولك: «أنت الذي من شأنه كيت وكيت»، كقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ [البقرة: ١٧]. والثاني: أن يكون المشبّه به نكرة تقع الجملة صفة له، كقولنا: «أنت كرجل من أمره كذا وكذا»، وقول النبي ﷺ : «النّاس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة»، وأشباه ذلك. والثالث: أن تجيء مبتدأة، وذلك إذا كان المشبّه به معرفة، ولم يكن هناك «الذي»، كقوله تعالى: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [العنكبوت: ٤١]. فصل في مواقع التمثيل وتأثيره واعلم أنّ مما اتفق العقلاء عليه، أن «التمثيل» إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه (١)، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبّهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها، وضاعف قواها في تحريك النّفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا، وقسر الطّباع على أن تعطيها محبّة وشغفا. فإن كان مدحا، كان أبهى وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهزّ للعطف،

стр. 84

وأسرع للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بغرّ المواهب والمنائح، وأسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر (١). وإن كان ذمّا، كان مسّه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشده، وحدّه أحدّ (٢). وإن كان حجابا، كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر (٣).

стр. 85

وإن كان افتخارا، كان شأوه أمدّ، وشرفه أجدّ، ولسانه ألدّ (١). وإن كان اعتذارا، كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسّخائم أسلّ، ولغرب الغضب أفلّ، وفي عقد العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث (٢). وإن كان وعظا، كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزّجر،

стр. 86

وأجدر بأن يجلّي الغياية (١)، ويبصّر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل (٢). وهكذا الحكم إذا استقريت فنون القول وضروبه، وتتبّعت أبوابه وشعوبه (٣).

стр. 87

وإن أردت أن تعرف ذلك وإن كان تقلّ الحاجة فيه إلى التعريف، ويستغنى في

стр. 88

الوقوف عليه عن التوقيف فانظر إلى نحو قول البحتري (١): [من الكامل] دان على أيدي العفاة، وشاسع ... عن كل ندّ في النّدى وضريب كالبدر أفرط في العلوّ وضوءه ... للعصبة السّارين جدّ قريب وفكّر في حالك وحال المعنى معك، وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني ولم تتدبّر نصرته إيّاه، وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه، ويؤدّي إليه ناظراه، ثم قسهما على الحال وقد وقفت عليه، وتأمّلت طرفيه، فإنك تعلم بعد ما بين حالتيك، وشدّة تفاوتهما في تمكّن المعنى لديك، وتحبّبه إليك، ونبله في نفسك، وتوفيره لأنسك، وتحكم لي بالصدق فيما قلت، والحقّ فيما ادّعيت وكذلك فتعهّد الفرق بين أن تقول: «فلان يكدّ نفسه في قراءة الكتب ولا يفهم منها شيئا» وتسكت، وبين أن تتلو الآية، وتنشد نحو قول الشاعر (٢): [من الطويل] زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيّدها إلّا كعلم الأباعر لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح، ما في الغرائر والفصل بين أن تقول: «أرى قوما لهم بهاء ومنظر، وليس هناك مخبر، بل في الأخلاق دقّة، وفي الكرم ضعف وقلّة» وتقطع الكلام، وبين أن تتبعه نحو قول الحكيم: «أما البيت فحسن، وأما السّاكن فرديء»، وقول ابن لنكك (٣): [من المنسرح] في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر وقول ابن الرّومي (٤): [من الخفيف] فغدا كالخلاف يورق للعي ... ن ويأبى الإثمار كلّ الإباء

стр. 89

وقول الآخر: [من الطويل] فإن طرّة راقتك فانظر فربّما ... أمرّ مذاق العود والعود أخضر (١) وانظر إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يورق شجره ويثمر، ويفترّ ثغره ويبسم، وكيف تشتار الأري من مذاقته، كما ترى الحسن في شارته. وأنشد قول ابن لنكك: [من البسيط] إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجا ... رأيت صورته من أقبح الصور (٢) وتبيّن المعنى واعرف مقداره، ثم أنشد البيت بعده: وهبك كالشّمس في حسن، ألم ترنا ... نفرّ منها إذا مالت إلى الضّرر وانظر كيف يزيد شرفه عندك؟. وهكذا فتأمّل بيت أبي تمام: [من الكامل] وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود (٣) مقطوعا عن البيت الذي يليه، والتّمثيل الذي يؤدّيه، واستقص في تعرّف قيمته، على وضوح معناه وحسن بزّته، ثم أتبعه إياه: لولا اشتعال النّار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود وانظر هل نشر المعنى تمام حلّته، وأظهر المكنون من حسنه، وزينته، وعطّرك بعرف عوده، وأراك النضرة في عوده، وطلع عليك من طلع سعوده، واستكمل فضله في النفس ونبله، واستحقّ التقديم كلّه، إلا بالبيت الأخير، وما فيه من التمثيل والتصوير؟. وكذلك فرق في بيت المتنبي: [من الوافر] ومن يك ذا فم مرّ مريض ... يجد مرّا به الماء الزّلالا (٤)

стр. 90

لو كان سلك بالمعنى الظاهر من العبارة كقولك: «إن الجاهل الفاسد الطبع يتصوّر المعنى بغير صورته، ويخيّل إليه في الصواب أنه خطأ»، هل كنت تجد هذه الروعة، وهل كان يبلغ من وقم الجاهل ووقذه، وقمعه وردعه والتهجين له والكشف عن نقصه، ما بلغ التمثيل في البيت، وينتهي إلى حيث انتهى؟. وإن أردت اعتبار ذلك في الفنّ الذي هو أكرم وأشرف، فقابل بين أن تقول: «إن الذي يعظ ولا يتّعظ يضرّ بنفسه من حيث ينفع غيره»، وتقتصر عليه وبين أن تذكر المثل فيه على ما جاء في الخبر من أن النبي ﷺ قال: «مثل الّذي يعلّم الخير ولا يعمل به، مثل السّراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه»، ويروي: «مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها» (١). وكذا فوازن بين قولك للرجل تعظه: «إنك لا تجزى السيئة حسنة، فلا تغرّ نفسك» وتمسك، وبين أن تقول في أثره: «إنك لا تجني من الشّوك العنب، وإنما تحصد ما تزرع»، وأشباه ذلك. وكذا بين أن تقول: «لا تكلّم الجاهل بما لا يعرفه» ونحوه، وبين أن تقول: «لا تنثر الدّرّ قدّام الخنازير» أو: «لا تجعل الدّرّ في أفواه الكلاب»، وتنشد نحو قول الشافعي ﵀: أأنثر درّا بين سارحة الغنم (٢) وكذا بين أن تقول: «الدنيا لا تدوم ولا تبقى»، وبين أن تقول: «هي ظلّ زائل، وعاريّة تستردّ، ووديعة تسترجع»، وتذكر قول النبي ﷺ : «من في الدنيا ضيف وما في يديه عاريّة، والضيف مرتحل، والعاريّة مؤدّاة»، وتنشد قول لبيد: [من الطويل]

стр. 91

وما المال والأهلون إلّا وديعة ... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع (١) وقول الآخر: [من الرمل] إنّما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار (٢) فهذه جملة من القول تخبر عن صيغ «التمثيل» وتخبر عن حال المعنى معه. فأما القول في العلّة والسبب، لم كان للتمثيل هذا التأثير؟ وبيان جهته ومأتاه، وما الذي أوجبه واقتضاه، فغيرها. وإذا بحثنا عن ذلك، وجدنا له أسبابا وعللا، كلّ منها يقتضي أن يفخم المعنى بالتمثيل، وينبل ويشرف ويكمل. فأوّل ذلك وأظهره، أنّ أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفيّ إلى جليّ، وتأتيها بصريح بعد مكنّى، وأن تردّها في الشيء تعلّمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من طرق الحواسّ أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حدّ الضرورة، يفضل المستفاد من جهة النّظر والفكر في القوة والاستحكام، وبلوغ الثقة فيه غاية التمام، كما قالوا: «ليس الخبر كالمعاينة» (٣)، و «لا الظنّ كاليقين»، فلهذا يحصل بها العلم هذا الأنس أعني الأنس من جهة الاستحكام والقوة.

стр. 92

وضرب آخر من الأنس، وهو ما يوجبه تقدّم الإلف، كما قيل (١): [من الكامل] ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل ومعلوم أن العلم الأوّل أتى النفس أوّلا من طريق الحواسّ والطباع، ثم من جهة النظر والرّويّة، فهو إذن أمسّ بها رحما، وأقوى لديها ذمما، وأقدم لها صحبة، وآكد عندها حرمة وإذ نقلتها في الشيء بمثله عن المدرك بالعقل المحض وبالفكرة في القلب، إلى ما يدرك بالحواسّ أو يعلم بالطّبع، وعلى حدّ الضرورة، فأنت إذن مع الشاعر وغير الشاعر إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثّل ثم مثّله كمن يخبر عن شيء من وراء حجاب، ثم يكشف عنه الحجاب ويقول: «ها هو ذا، فأبصر تجده على ما وصفت». فإن قلت: إن الأنس بالمشاهدة بعد الصفة والخبر، إنما يكون لزوال الرّيب والشكّ في الأكثر، أفتقول: إن التمثيل إنما أنس به، لأنه يصحّح المعنى المذكور والصفة السابقة، ويثبت أن كونها جائز ووجودها صحيح غير مستحيل، حتى لا يكون تمثيل إلا كذلك؟. فالجواب: إن المعاني التي يجيء «التمثيل» في عقبها على ضربين: غريب بديع يمكن أن يخالف فيه، ويدّعى امتناعه واستحالة وجوده، وذلك نحو قوله: [من الوافر] فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال (٢) وذلك أنه أراد أنه فاق الأنام وفاتهم إلى حدّ بطل معه أن يكون بينه وبينهم مشابهة ومقاربة، بل صار كأنه أصل بنفسه وجنس برأسه. وهذا أمر غريب، وهو أن يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصّة به إلى أن يصير كأنه ليس من ذلك

стр. 93

الجنس، وبالمدّعي له حاجة إلى أن يصحّح دعواه في جواز وجوده على الجملة إلى أن يجيء إلى وجوده في الممدوح. فإذا قال: «فإن المسك بعض دم الغزال»، فقد احتجّ لدعواه، وأبان أن لما ادّعاه أصلا في الوجود، وبرّأ نفسه من ضعة الكذب، وباعدها من سفه المقدم على غير بصيرة، والمتوسّع في الدعوى من غير بيّنة. وذلك أن المسك قد خرج عن صفة الدم وحقيقته، حتى لا يعدّ في جنسه، إذ لا يوجد في الدم شيء من أوصافه الشريفة الخاصة بوجه من الوجوه، لا ما قلّ ولا ما كثر، ولا في المسك شيء من الأوصاف التي كان لها الدم دما البتة. والضرب الثاني: أن لا يكون المعنى الممثّل غريبا نادرا يحتاج في دعوى كونه على الجملة إلى بيّنة وحجّة وإثبات. نظير ذلك أن تنفي عن فعل من الأفعال التي يفعلها الإنسان الفائدة، وتدّعي أنه لا يحصل منه على طائل، ثم تمثّله في ذلك بالقابض على الماء والرّاقم فيه، فالذي مثّلت ليس بمنكر مستبعد، إذ لا ينكر خطأ الإنسان في فعله أو ظنّه وأمله وطلبه. ألا ترى أن المغزى من قوله (١): [من الطويل] فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع (٢) أنّه قد خاب في ظنّه أن يتمتّع بها ويسعد بوصلها، وليس بمنكر ولا عجيب ولا ممتنع في الوجود، خارج من المعروف المعهود، أن يخيب ظنّ الإنسان في أشباه هذا من الأمور، حتى يستشهد على إمكانه، وتقام البيّنة على صدق المدّعي لوجدانه. وإذا ثبت أن المعاني الممثّلة تكون على هذين الضربين، فإن فائدة «التمثيل» وسبب الأنس في الضرب الأول بيّن لائح، لأنه يفيد فيه الصّحة وينفي الرّيب والشكّ، ويؤمن صاحبه من تكذيب المخالف، وتهجّم المنكر، وتهكّم المعترض، وموازنته بحالة كشف الحجاب عن الموصوف المخبر عنه حتى يرى ويبصر، ويعلم كونه على ما أثبتته الصّفة عليه موازنة ظاهرة صحيحة. وأمّا الضرب الثاني: فإن «التمثيل» وإن كان لا يفيد فيه هذا الضرب من الفائدة، فهو يفيد أمرا آخر يجري مجراه. وذلك أن الوصف كما يحتاج إلى إقامة الحجة على صحة وجوده في نفسه، وزيادة التثبيت والتقرير في ذاته وأصله، فقد يحتاج إلى بيان المقدار فيه، ووضع قياس من غيره يكشف عن حدّه ومبلغه في القوة والضعف والزيادة والنقصان. وإذا أردت أن تعرف ذلك، فانظر أوّلا إلى التشبيه

стр. 94

الصريح الذي ليس بتمثيل، كقياس الشيء على الشيء في اللون مثلا: «كحنك الغراب» (١)، تريد أن تعرّف مقدار الشدة، لا أن تعرّف نفس السواد على الإطلاق. وإذا تقرر هذا الأصل، فإن الأوصاف التي يردّ السامع فيها بالتمثيل من العقل إلى العيان والحسّ، وهي في أنفسها معروفة مشهورة صحيحة لا تحتاج إلى الدلالة على أنها هل هي ممكنة موجودة أم لا فإنّها وإن غنيت من هذه الجهة عن التمثيل بالمشاهدات والمحسوسات، فإنها تفتقر إليه من جهة المقدار، لأن مقاديرها في العقل تختلف وتتفاوت. فقد يقال في الفعل: إنه من حال الفائدة على حدود مختلفة في المبالغة والتوسط، فإذا رجعت إلى ما تبصر وتحسّ عرفت ذلك بحقيقته، وكما يوزن بالقسطاس، فالشاعر لمّا قال: كقابض على الماء خانته فروج الأصابع أراك رؤية لا تشكّ معها ولا ترتاب أنه بلغ في خيبة ظنّه وبوار سعيه إلى أقصى المبالغ، وانتهى فيه إلى أبعد الغايات، حتى لم يحظ لا بما قلّ ولا ما كثر. فهذا هو الجواب. ونحن (٢) بنوع من التسهّل والتسامح، نقع على أن الأنس الحاصل بانتقالك في الشيء عن الصفة والخبر إلى العيان ورؤية البصر، ليس له سبب سوى زوال الشكّ والرّيب. فأما إذا رجعنا إلى التحقيق: فإنّا نعلم أن المشاهدة تؤثّر في النفوس مع العلم بصدق الخبر، كما أخبر الله تعالى عن إبراهيم ﵊ في قوله: قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [سورة البقرة: ٢٦٠]، والشواهد في ذلك كثيرة، والأمر فيه ظاهر، ولولا أن الأمر كذلك، لما كان لنحو قول أبي تمام: [من الطويل] وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد فإنّي رأيت الشّمس زيدت محبّة ... إلى النّاس أن ليست عليهم بسرمد (٣) معنى، وذلك أنّ هذا التجدّد لا معنى له، إذا كانت الرؤية لا تفيد أنسا من حيث هي رؤية، وكان الأنس لنفيها الشّكّ والرّيب، أو لوقوع العلم بأمر زائد لم يعلم من قبل.

стр. 95

وإذا كان الأمر كذلك، فأنت إذا قلت للرجل: «أنت مضيع للحزم في سعيك، ومخطئ وجه الرشاد، وطالب لما لا تناله»، إذا كان الطّلب على هذه الصفة ومن هذه الجهة، ثم عقّبته بقولك: «وهل يحصل في كفّ القابض على الماء شيء مما يقبض عليه؟». فلو تركنا حديث تعريف المقدار في الشدة والمبالغة ونفي الفائدة من أصلها جانبا بقي لنا ما تقتضيه الرّؤية للموصوف على ما وصف عليه من الحالة المتجدّدة، مع العلم بصدق الصفة. يبيّن ذلك، أنه لو كان الرجل مثلا على طرف نهر في وقت مخاطبة صاحبه وإخباره له بأنه لا يحصل من سعيه على شيء، فأدخل يده في الماء وقال: «انظر هل حصل في كفّي من الماء شيء؟ فكذلك أنت في أمرك». كان لذلك ضرب من التأثير زائد على القول والنطق بذلك دون الفعل. ولو أن رجلا أراد أن يضرب لك مثلا في تنافي الشيئين فقال: «هذا وذاك هل يجتمعان؟»، وأشار إلى ماء ونار حاضرين، وجدت لتمثيله من التأثير ما لا تجده إذا أخبرك بالقول فقال: «هل يجتمع الماء والنار؟». وذلك الذي تفعل المشاهدة من التحريك للنفس، والذي يجب بها من تمكّن المعنى في القلب إذا كان مستفاده من العيان، ومتصرّفه حيث تتصرّف العينان وإلّا فلا حاجة بنا في معرفة أن الماء والنار لا يجتمعان إلى ما يؤكده من رجوع إلى مشاهدة واستيثاق تجربة. وممّا يدلّك على أن «التمثيل» بالمشاهدة يزيدك أنسا، وإن لم يكن بك حاجة إلى تصحيح المعنى، أو بيان لمقدار المبالغة فيه، أنك قد تعبّر عن المعنى بالعبارة التي تؤدّيه، وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس منزعا، نحو أن تقول وأنت تصف اليوم بالطول: «يوم كأطول ما يتوهّم» و «كأنّه لا آخر له»، وما شاكل ذلك من نحو قوله: [من البسيط] في ليل صول تناهى العرض والطّول ... كأنّما ليله باللّيل موصول (١) فلا تجد له من الأنس ما تجده لقوله: [من الطويل] ويوم كظلّ الرّمح قصّر طوله (٢)

стр. 96

على أن عبارتك الأولى أشدّ وأقوى في المبالغة من هذا، فظلّ الرّمح على كل حال متناه تدرك العين نهايته، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له، وكذلك تقول: «يوم كأقصر ما يتصوّر» و «كأنّه ساعة» و «كلمح البصر» و «كلا ولا»، فتجد هذا، مع كونه تمثيلا، لا يؤنسك إيناس قولهم: «أيام كأباهيم القطا»، وقول ابن المعتزّ: [من الكامل] بدّلت من ليل كظلّ حصاة ... ليلا كظلّ الرمح غير موات (١) وقول آخر: [من الوافر] ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذّباب (٢) وكذا تقول: «فلان إذا همّ بالشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه، وقصر خواطره على إمضاء عزمه، ولم يشغله شيء عنه»، فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن، ثم لا ترى في نفسك له هزّة، ولا تصادف لما تسمع أريحيّة، وإنما تسمع حديثا ساذجا وخبرا غفلا، حتى إذا قلت: [من الطويل] إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه (٣) امتلأت نفسك سرورا وأدركتك طربة كما يقول القاضي أبو الحسن لا تملك دفعها عنك. ولا تقل إن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وإن كان يوجب شيئا منه، فليس الأصل له، بل لأن أراك العزم واقعا بين العينين، وفتح إلى مكان المعقول من قلبك بابا من العين. وهاهنا، إذا تأمّلنا، مذهب آخر في بيان السبب الموجب لذلك، هو ألطف مأخذا، وأمكن في التحقيق، وأولى بأن يحيط بأطراف الباب. وهو أنّ لتصوير الشبه

стр. 97

من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلّته، واجتلابه إليه من الشّقّ البعيد، بابا آخر من الظّرف واللّطف، ومذهبا من مذاهب الإحسان لا يخفى موضعه من العقل. وأحضر شاهدا لك على هذا: أن تنظر إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض، فإن التشبيهات سواء كانت عامّية مشتركة، أم خاصيّة مقصورة على قائل دون قائل تراها لا يقع بها اعتداد، ولا يكون لها موقع من السامعين، ولا تهزّ ولا تحرّك حتى يكون الشبه مقرّرا بين شيئين مختلفين في الجنس، فتشبيه العين بالنّرجس، عامّيّ مشترك معروف في أجيال الناس، جار في جميع العادات، وأنت ترى بعد ما بين العينين وبينه من حيث الجنس وتشبيه الثريّا بما شبّهت به من عنقود الكرم المنوّر، واللجام المفضّض، والوشاح المفصّل، وأشباه ذلك، خاصّيّ، والتباين بين المشبّه والمشبّه به في الجنس على ما لا يخفى. وهكذا إذا استقريت التشبيهات، وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشدّ، كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحيّة أقرب. وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثير للدفين من الارتياح، والمتألّف للنافر من المسرة، والمؤلّف لأطراف البهجة أنك ترى بها الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين، وترى الصورة الواحدة في السماء ولأرض، وفي خلقة الإنسان وخلال الروض، وهكذا، طرائف تنثال عليك إذا فصّلت هذه الجملة، وتتبّعت هذه اللّحمة. ولذلك تجد تشبيه البنفسج في قوله: [من البسيط] ولازورديّة تزهو بزرقتها ... بين الرّياض على حمر اليواقيت كأنّها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت (١) أغرب وأعجب وأحقّ بالولوع وأجدر من تشبيه النرجس: «بمداهن درّ حشوهن عقيق»، لأنه أراك شبها لنبات غضّ يرفّ، وأوراق رطبة ترى الماء منها يشفّ، بلهب نار في جسم مستول عليه اليبس، وباد فيه الكلف.

стр. 98

ومبنى الطباع وموضوع الجبلّة، على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشّغف منها أجدر. فسواء في إثارة التعجّب، وإخراجك إلى روعة المستغرب، وجودك الشيء من مكان ليس من أمكنته، ووجود شيء لم يوجد ولم يعرف من أصله في ذاته وصفته. ولو أنه شبّه البنفسج ببعض النبات، أو صادف له شبها في شيء من المتلوّنات، لم تجد له هذه الغرابة، ولم ينل من الحسن هذا الحظ. وإذا ثبت هذا الأصل، وهو أنّ تصوير الشّبه بين المختلفين في الجنس، مما يحرّك قوى الاستحسان، ويثير الكامن من الاستظراف، فإن «التمثيل» أخصّ شيء بهذا الشأن، وأسبق جار في هذا الرهان، وهذا الصّنيع صناعته التي هو الإمام فيها، والبادئ لها والهادي إلى كيفيتها، وأمره في ذلك أنك إذا قصدت ذكر ظرائفه، وعدّ محاسنه في هذا المعنى، والبدع التي يخترعها بحذقه، والتأليفات التي يصل إليها برفقه، ازدحمت عليك، وغمرت جانبيك، فلم تدر أيّها تذكر، ولا عن أيّها تعبّر، كما قال: [من الرجز] إذا أتاها طالب يستامها ... تكاثرت في عينه كرامها (١) وهل تشكّ في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر لك بعد ما بين المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المشئم والمعرق. وهو يريك للمعاني الممثّلة بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة، والأشباح القائمة، وينطق لك الأخرس، ويعطيك البيان من الأعجم، ويريك الحياة في الجماد، ويريك التئام عين الأضداد، فيأتيك بالحياة والموت مجموعين، والماء والنار مجتمعين، كما يقال في الممدوح هو حياة لأوليائه، موت لأعدائه، ويجعل الشيء من جهة ماء، ومن أخرى نارا، كما يقال: [من الخفيف] أنا نار في مرتقى نظر الحا ... سد، ماء جار مع الإخوان (٢) وكما يجعل الشيء حلوا مرّا، وصابا عسلا وقبيحا حسنا، كما قال: [من الخفيف]

стр. 99

حسن في وجوه أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السوام (١) ويجعل الشيء أسود أبيض في حال، كنحو قوله: [من الطويل] له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنّه في القلب أسود أسفع (٢) ويجعل الشيء كالمقلوب إلى حقيقة ضدّه، كما قال: [من الخفيف] غرّة بهمة، ألا إنما كن ... ت أغرّ أيّام كنت بهيما (٣) ويجعل الشيء قريبا بعيدا معا، كقوله: [من الكامل] دان على أيدي العفاة وشاسع (٤) وحاضرا وغائبا، كما قال: [من المتقارب] أيا غائبا حاضرا في الفؤاد ... سلام على الحاضر الغائب (٥) ومشرّقا مغرّبا، كقوله: [من المنسرح] له إليكم نفس مشرّقة ... أن غاب عنكم مغرّبا بدنه (٦)

стр. 100

وسائرا مقيما، كما يجيء في وصف الشعر الحسن الذي يتداوله الرواة وتتهاداه الألسن، كما قال القاضي أبو الحسن: [من المتقارب] وجوّابة الأفق موقوفة ... تسير ولم تبرح الحضرة (١) وهل يخفى تقريبه المتباعدين، وتقريبه بين المختلفين، وأنت تجد إصابة الرجل في الحجّة، وحسن تخليصه للكلام، وقد مثّلت تارة بالهناء ومعالجة الإبل الجربى به، وأخرى بحزّ القصّاب اللحم وإعماله السكّين في تقطيعه وتفريقه في قولهم: يضع الهناء مواضع النقب (٢) و «يصيب الحزّ» و «يطبّق المفصل»، فانظر: هل ترى مزيدا في التناكر والتنافر على ما بين طلاء القطران، وجنس القول والبيان؟ ثم كرّر النظر وتأمّل: كيف حصل الائتلاف، وكيف جاء من جمع أحدهما إلى الآخر، ما يأنس إليه العقل ويحمده الطبع؟ حتى إنّك لربما وجدت لهذا المثل إذا ورد عليك في أثناء الفصول، وحين تبيّن الفاضل في البيان من المفضول قبولا، ولا ما تجد عند فوح المسك ونشر الغالية، وقد وقع ذكر «الحزّ» و «التطبيق» منك موقع ما ينفى الحزازات عن القلب، ويزيل أطباق الوحشة عن النفس. وتكلّف القول في أن للتمثيل في هذا المعنى الذي لا يجارى إليه، والباع الذي لا يطاول فيه، كالاحتجاج للضّرورات، وكفى دليلا على تصرفه فيه باليد الصّناع، وإيفائه على غايات الابتداع، أنه يريك العدم وجودا والوجود عدما، والميّت حيّا

стр. 101

والحيّ ميّتا أعني جعلهم الرجل إذا بقي له ذكر جميل وثناء حسن بعد موته، كأنه لم يمت، وجعل الذكر حياة له، كما قال: ذكر الفتى عمره الثّاني (١) وحكمهم على الخامل الساقط القدر الجاهل الدنيء بالموت، وتصييرهم إياه حين لم يكن ما يؤثر عنه ويعرف به، كأنه خارج عن الوجود إلى العدم، أو كأنه لم يدخل في الوجود. ولطيفة أخرى له في هذا المعنى، هي، إذا نظرت، أعجب، والتعجّب بها أحقّ ومنها أوجب، وذلك جعل الموت نفسه حياة مستأنفة حتى يقال: إنه بالموت استكمل الحياة في قولهم: «فلان عاش حين مات»، يراد الرجل تحمله الأبيّة وكرم النفس والأنفة من العار، على أن يسخو بنفسه في الجود والبأس، فيفعل ما فعل كعب بن مامة في الإيثار على نفسه، أو ما يفعله الشجاع المذكور من القتال دون حريمه، والصبر في مواطن الإباء، والتصميم في قتال الأعداء، حتى يكون له يوم لا يزال يذكر، وحديث يعاد على مرّ الدهور ويشهر، كما قال ابن نباتة (٢): [من الكامل] بأبي وأمّي كلّ ذي ... نفس تعاف الضّيم مرّة ترضى بأن ترد الرّدى ... فيميتها ويعيش ذكره وإنه ليأتيك من الشيء الواحد بأشباه عدة، ويشتقّ من الأصل الواحد أغصانا في كل غصن ثمر على حدة، نحو أن «الزّند» بإيرائه يعطيك شبه الجواد، والذكيّ الفطن، وشبه النجح في الأمور والظفر بالمراد وبإصلاده شبه البخيل لا يعطيك شيئا،

стр. 102

والبليد الذي لا يكون له خاطر ينتج فائدة ويخرج معنى وشبه من يخيب سعيه، ونحو ذلك ويعطيك من «القمر» الشهرة في الرجل والنباهة والعزّ والرفعة، ويعطيك الكمال عن النقصان، والنقصان بعد الكمال، كقولهم: «هلا نما فعاد بدرا»، يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي يشبه أصله من الفضل والعقل وسائر معاني الشرف، كما قال أبو تمام (١): [من الكامل] لهفي على تلك الشواهد منهما ... لو أمهلت حتى تصير شمائلا لغدا سكونهما حجى، وصباهما ... كرما، وتلك الأريحيّة نائلا إنّ الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا وعلى هذا المثل بعينه، يضرب مثلا في ارتفاع الرجل في الشرف والعزّ من طبقة إلى أعلى منها، كما قال البحتري (٢): [من الكامل] شرف تزيّد بالعراق إلى الذي ... عهدوه بالبيضاء أو ببلنجرا مثل الهلال بدا فلم يبرح به ... صوغ اللّيالي فيه حتى أقمرا ويعطيك شبه الإنسان في نشئه ونمائه إلى أن يبلغ حدّ التمام، ثم تراجعه إذا انقضت مدّة الشباب، كما قال (٣): [من البسيط] المرء مثل هلال حين تبصره ... يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتّسق يزداد حتّى إذا ما تمّ أعقبه ... كرّ الجديدين نقصا ثم ينمحق وكذلك يتفرّع من حالتي تمامه ونقصانه فروع لطيفة، فمن غريب ذلك قول ابن بابك (٤): [من الكامل] وأعرت شطر الملك ثوب كماله ... والبدر في شطر المسافة يكمل

стр. 103

قاله في الأستاذ أبي علي، وقد استوزره فخر الدولة بعد وفاة الصاحب وأبا العباس الضبيّ وخلع عليهما وقول أبي بكر الخوارزمي (١): [من الطويل] أراك إذا أيسرت خيّمت عندنا ... مقيما وإن أعسرت زرت لماما فما أنت إلا البدر إن قلّ ضوؤه ... أغبّ، وإن زاد الضياء أقاما المعنى لطيف، وإن كانت العبارة لم تساعده على الوجه الذي يجب، فإن الإغباب أن يتخلل وقتي الحضور وقت يخلو منه، وإنما يصلح لأن يراد أن القمر إذا نقص نوره، لم يوال الطلوع كل ليلة، بل يظهر في بعض الليالي، ويمتنع من الظهور في بعض. وليس الأمر كذلك، لأنه على نقصانه يطلع كل ليلة حتى يكون السّرار، وقال ابن بابك في نحوه: [من المتقارب] كذا البدر يسفر في تمّه ... فإن خاف نقص المحاق انتقب وهكذا ينظر إلى مقابلته الشّمس واستمداده من نورها، وإلى كون ذلك سبب زيادته ونقصه وامتلائه من النور والائتلاق، وحصوله في المحاق، وتفاوت حاله في ذلك، فتصاغ منه أمثال، وتبيّن أشباه ومقاييس، فمن لطيف ذلك قول ابن نباتة (٢): [من الخفيف] قد سمعنا بالعزّ من آل ساسا ... ن ويونان في العصور الخوالي والملوك الألى إذا ضاع ذكر ... وجدوا في سوائر الأمثال مكرمات إذا البليغ تعاطى ... وصفها لم يجده في الأقوال وإذا نحن لم نضفه إلى مد ... حك كانت نهاية في الكمال إن جمعناهما أضرّ بها الجم ... ع وضاعت فيه ضياع المحال فهو كالشمس بعدها يملأ البد ... ر، وفي قربها محاق الهلال

стр. 104

وغير ذلك من أحواله: كنحو ما خرج من الشّبه من بعده وارتفاعه، وقرب ضوئه وشعاعه، في نحو ما مضى من قول البحتري: دان على أيدي العفاة ومن ظهوره بكل مكان، ورؤيته في كل موضع، كقوله (١): كالبدر من حيث التفتّ رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا في أمثال لذلك تكثر. ولم أعرض لما يشبّه به من حيث المنظر، وما تدركه العين، نحو تشبيه الشيء بتقويس الهلال ودقّته، والوجه بنوره وبهجته، فإنّا في ذكر ما كان «تمثيلا»، وكان الشّبه فيه معنويّا. فصل وإن كان ممّا مضى، إلا أن الأسلوب غيره، وهو أن المعنى إذا أتاك ممثّلا، فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى غير طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر له والهمّة في طلبه. وما كان منه ألطف، كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابه أشدّ. ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزيّة أولى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضنّ وأشغف، ولذلك ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال (٢): [من البسيط] وهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي وأشباه ذلك مما ينال بعد مكابدة الحاجة إليه، وتقدّم المطالبة من النفس به. فإن قلت: فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمّد ما يكسب

стр. 105

المعنى غموضا، مشرّفا له وزائدا في فضله، وهذا خلاف ما عليه الناس، ألا تراهم قالوا: إن خير الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك؟. فالجواب: أني لم أرد هذا الحدّ من الفكر والتعب، وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في نحو قوله (١): [من الوافر] فإن المسك بعض دم الغزال وقوله (٢): [من الوافر] وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال وقوله: [من الوافر] رأيتك في الذين أرى ملوكا ... كأنّك مستقيم في محال وقول النابغة (٣): فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المتأدى عنك واسع وقوله (٤): [من الطويل] فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب وقول البحتري (٥): [من الطويل] ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم ... وللسيف حدّ حين يسطو ورونق

стр. 106

وقول امرئ القيس (١): [من الطويل] بمنجرد قيد الأوابد هيكل وقوله (٢): [من الكامل] ثم انصرفت، وقد أصبت ولم أصب، ... جذع البصيرة قارح الإقدام فإنك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعاني، كالجوهر في الصدف لا يبرز لك إلّا أن تشقّه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه. ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عمّا اشتمل عليه، ولا كلّ خاطر يؤذن له في الوصول إليه، فما كل أحد يفلح في شقّ الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة، كما ليس كلّ من دنا من أبواب الملوك، فتحت له، وكان (٣): [من الطويل] من النّفر البيض الّذين إذا اعتزوا ... وهاب رجال حلقة الباب قعقعوا أو كما قال (٤): [من الطويل] تفتّح أبواب الملوك لوجهه ... بغير حجاب دونه أو تملّق

стр. 107

وأما التعقيد، فإنما كان مذموما لأجل أن اللفظ لم يرتّب الترتيب الذي بمثله تحصل الدّلالة على الغرض، حتى احتاج السامع إلى أن يطلب المعنى بالحيلة، ويسعى إليه من غير الطريق، كقوله (١): [من الكامل] ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنّها عمل السيوف عوامل وإنما ذمّ هذا الجنس، لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في مثله، وكدّك بسوء الدّلالة وأودع لك في قالب غير مستو ولا مملّس، بل خشن مضرّس، حتى إذا رمت إخراجه منه عسر عليك، وإذا خرج خرج مشوّه الصورة ناقص الحسن. هذا، وإنما يزيدك الطلب فرحا بالمعنى وأنسا به وسرورا بالوقوف عليه، إذا كان لذلك أهلا، فأمّا إذا كنت معه كالغائص في البحر، يحتمل المشقّة العظيمة، ويخاطر بالروح، ثم يخرج الخرز، فالأمر بالضدّ مما بدأت به. ولذلك كان أحقّ أصناف التعقّد بالذم ما يتعبك، ثم لا يجدي عليك، ويؤرّقك ثم لا يورق لك، وما سبيله إلّا سبيل البخيل الذي يدعوه لؤم في نفسه، وفساد في حسّه، إلى أن لا يرضى بضعته في بخله، وحرمان فضله، حتّى يأبى التواضع ولين القول، فيتيه ويشمخ بأنفه، ويسوم المتعرّض له بابا ثانيا من الاحتمال تناهيا في سخفه أو كالذي لا يؤيسك من خيره في أول الأمر فتستريح إلى اليأس، ولكنه يطمعك ويسحب على المواعيد الكاذبة، حتى إذا طال العناء وكثر الجهد، تكشّف عن غير طائل، وحصلت منه على ندم لتعبك في غير حاصل. وذلك مثل ما تجده لأبي تمام من تعسّفه في اللفظ، وذهابه به في نحو من التركيب لا يهتدي النحو إلى إصلاحه، وإغراب في الترتيب يعمي الإعراب في طريقه، ويضلّ في تعريفه، كقوله (٢): [من الكامل] ثانيه في كبد السّماء، ولم يكن ... لاثنين ثان إذ هما في الغار

стр. 108

وقوله (١): [من البسيط] يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا ... من راحتيك درى ما الصّاب والعسل ولو كان الجنس الذي يوصف من المعاني باللطافة ويعدّ في وسائط العقود، لا يحوجك إلى الفكر، ولا يحرّك من حرصك على طلبه، بمنع جانبه وببعض الإدلال عليك وإعطائك الوصل بعد الصدّ، والقرب بعد البعد، لكان «باقلّي حار» وبيت معنى هو عين القلادة وواسطة العقد واحدا، ولسقط تفاضل السامعين في الفهم والتصوّر والتبيين، وكان كلّ من روى الشعر عالما به، وكلّ من حفظه إذا كان يعرف اللغة على الجملة ناقدا في تمييز جيّده من رديئه، وكان قول من قال (٢): [من الطويل] زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيّدها إلا كعلم الأباعر وكقول ابن الرومي (٣): [من المنسرح] قلت لمن قال لي: عرضت على الأ ... خفش ما قلته فما حمده قصّرت بالشعر حين تعرضه ... على مبين العمى إذا انتقده ما قال شعرا ولا رواه فلا ... ثعلبه كان لا ولا أسده فإن يقل: إنّني رويت، فكالدّف ... تر جهلا بكلّ ما اعتقده وما أشبه ذلك، دعوى غير مسموعة ولا مؤهّلة للقبول، فإنما أرادوا بقولهم: «ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك»، أن يجتهد المتكلم في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخلّ بالدّلالة، وعاق دون الإبانة، ولم يريدوا أن خير الكلام ما كان غفلا مثل ما يتراجعه الصبيان ويتكلّم به العامّة في السوق. هذا، وليس إذا كان الكلام في غاية البيان وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح،

стр. 109

أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفا، فإن المعاني الشريفة اللطيفة لا بدّ فيها من بناء ثان على أوّل، وردّ تال على سابق. أفلست تحتاج في الوقوف على الغرض من قوله: [من الكامل] كالبدر أفرط في العلوّ (١) إلى أن تعرف البيت الأول، فتتصوّر حقيقة المراد منه ووجه المجاز في كونه دانيا شاسعا، وترقم ذلك في قلبك، ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر، ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى، وتردّ البصر من هذه إلى تلك، وتنظر إليه كيف شرط في العلوّ والإفراط، ليشاكل قوله: «شاسع»، لأن الشّسوع هو الشديد البعد، ثم قابله بما لا يشاكله من مراعاة التناهي في القرب فقال: «جدّ قريب»؟ فهذا هو الذي أردت بالحاجة إلى الفكر، وبأنّ المعنى لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبه، واجتهاد في نيله. هذا، وإن توقفت في حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله، فهل تشكّ في أن الشاعر الذي أدّاه إليك، ونشر بزّه لديك، قد تحمّل فيه المشقّة الشديدة، وقطع إليه الشّقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى درّه حتى غاص، ولم ينل المطلوب حتى كابد منه الامتناع والاعتياص؟ ومعلوم أن الشيء إذا علم أنه لم ينل في أصله إلا بعد التّعب، ولم يدرك إلا باحتمال النّصب، كان للعلم بذلك من أمره من الدعاء إلى تعظيمه، وأخذ الناس بتفخيمه، ما يكون لمباشرة الجهد فيه، وملاقاة الكرب دونه. وإذا عثرت بالهوينا على كنز من الذهب، لم تخرجك سهولة وجوده إلى أن تنسى جملة أنه الذي كدّ الطالب، وحمّل المتاعب، حتى إن لم تكن فيك طبيعة من الجود تتحكّم عليك، ومحبّة للثناء تستخرج النفيس من يديك كان من أقوى حجج الضّنّ الذي يخامر الإنسان أن تقول: «إن لم يكدّني فقد كدّ غيري»، كما يقول الوارث للمال المجموع عفوا إذا ليم على بخله به، وفرط شحّه عليه: «إن لم يكن كسبي وكدّي، فهو كسب أبي وجدي، ولئن لم ألق فيه عناء، لقد عانى سلفي فيه الشدائد، ولقوا في جمعه الأمّرين، أفأضيّع ما ثمّروه، وأفرّق ما جمعوه، وأكون كالهادم لما أنفقت الأعمار في بنائه، والمبيد لما قصرت الهمم على إنمائه؟». وإنك لا تكاد تجد شاعرا يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل والتقريب،

стр. 110

وردّ البعيد إلى المألوف القريب، ما يعطي البحتريّ، ويبلغ في هذا الباب مبلغه، فإنه ليروض لك المهر الأرن رياضة الماهر، حتى يعنق من تحتك إعناق القارح المذلّل، وينزع من شماس الصعب الجامح، حتى يلين لك لين المنقاد الطّيع، ثمّ لا يمكن ادعاء أنّ جميع شعره في قلّة الحاجة إلى الفكر، والغنى عن فضل النظر، كقوله (١): [من الهزج] فؤادي منك ملآن ... وسرّي فيك إعلان وقوله (٢): [من الكامل] عن أيّ ثغر تبتسم وهل ثقل على المتوكل قصائده الجياد حتى قلّ نشاطه لها واعتناؤه بها، إلا لأنّه لم يفهم معانيها كما فهم معاني النوع النازل الذي انحطّ له إليه؟ أتراك تستجيز أن تقول: إن قوله: منى النّفس في أسماء لو يستطيعها (٣) من جنس المعقّد الذي لا يحمد، وإن هذه الضّعيفة الأسر، الواصلة إلى القلوب من غير فكر، أولى بالحمد، وأحقّ بالفضل. هذا، والمعقّد من الشعر والكلام لم يذمّ لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر على الجملة، بل لأنّ صاحبه يعثر فكرك في متصرّفه، ويشيك طريقك إلى المعنى، ويوعّر مذهبك نحوه، بل ربّما قسّم فكرك، وشعّب ظنّك، حتى لا تدري من أين تتوصّل وكيف تطلب؟. وأمّا الملخّص، فيفتح لفكرتك الطريق المستوي ويمهّده، وإن كان فيه تعاطف أقام عليه المنار، وأوقد فيه الأنوار، حتى تسلكه سلوك المتبين لوجهته، وتقطعه قطع الواثق بالنّجح في طيّته، فترد الشريعة زرقاء، والروضة غنّاء، فتنال الريّ، وقطف الزهر الجنيّ، وهل شيء أحلى من الفكرة إذا استمرت وصادفت نهجا
следующие страницы →