Полный текст (105 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قال: وهذا مذهب قوي، انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في الكلام على حديث النمرقة: يستفاد منه أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، ولا بين أن تكون مدهونة أو منقوشة أو منقورة أو منسوجة، خلافًا لِمَن استثنى النسج وادعى أنه ليس بتصوير، انتهى.
الخامسة: الغضب وتسعر الوجه عند رؤية المنكر.
السادسة: كراهة دخول البيت الذي فيه صورة.
السابعة: إنكار المنكر بحسب القدرة فمَن قدر على التغيير بيده فذلك هو الواجب عليه كما فعل النبي ﷺ في هتْك الستر بيده الكريمة ولا يكفي الإنكار باللسان لِمَن قدر على الإنكار باليد، ومَن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
الثامنة: هتْك الصور وطمْسها أينما وُجِدت، وسواء في ذلك الصور المجسدة وغير المجسدة.
وقد حكى الإجماعَ على منْع المجسَّدة ووجوب تغييرها غيرُ واحد من العلماء ومنهم النووي وابن العربي المالكي.
قال ابن العربي: وسواء كانت مما يمتهن أم لا.
وقرر الإمام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - تغيير الصورة المجسَّمة وغير المجسمة قال: وكل ما كان من العين أو التأليف المحرَّم فإزالته وتغييره متَّفق عليها بين المسلمين؛ مثل إراقة خمر المسلم،
стр. 37
وتفكيك آلات الملاهي، وتغيير الصور المصورة، وإنما تنازعوا في جواز إتلاف محلِّها تبعًا للحال، والصواب جوازه كما دلَّ عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما، انتهى كلامه - رحمه الله تعالى.
وعمومات الأحاديث التي تقدَّمت والتي ستأتي تقتضي التسوية بين المجسَّدة وغير المجسَّدة في المنْع من صناعتها، ووجوب تغييرها إذا وجدت الأماكن في بساط ونحوه مما يُدَاس بالأرجل، وكذلك ما يكون فيما يُمْتَهَن بالاستعمال كالوسائد ونحوها، فهذه وإن أمكن نقضها بدون نقض يَلحَق ما هي فيه - نقضت والدليل على ذلك فعلُ النبي ﷺ كما سيأتي في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه، وفي رواية تصاوير بدل تصاليب.
وإن لم يمكن نقضها وأمكن لطخ الرأس بخياطة أو صبغ أو غيره مما يطمسه فإنه يلطخ؛ لأن في ذلك تغييرًا للصورة؛ والدليل على ذلك أمر النبي ﷺ كما سيأتي في حديث علي ﵁: ((لا تدع صورة إلا طمستها))، وفي رواية: ((إلا لطختها))، وإن لم يمكن نقضها ولا لطخها تُرِكت بشرط أن تبتذل وتمتهن.
قال النووي: وأما اتخاذ المصوَّر فيه صورة حيوان فإن كان معلَّقًا على حائط أو ثوبًا ملبوسًا أو عمامة ونحو ذلك مما لا يُعَدُّ ممتهَنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام.
قلت: والدليل على ذلك رواية ربيعة بن عطاء عن القاسم بن محمد، وما رواه مسلم في حديث النمرقة وغير ذلك من الروايات التي
стр. 38
تقدمت في حديث عائشة ﵂ وما سيأتي في رواية زيد بن خالد ﵁ عن عائشة ﵂، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ في قصة جبريل كما سيأتي - إن شاء الله تعالى.
وما ذكرته هاهنا فيه جمع بين الأحاديث، والله أعلم.
التاسعة: جواز القعود والاتِّكاء على ما فيه صورة إذا لم يمكن طمسها؛ لأن في وطء الصورة والقعود والاتكاء عليها ابتذالاً وامتهانًا لها.
العاشرة: شدة الوعيد للمصورين.
الحادية عشرة: تكليفهم بما لا يقدرون عليه من نفخ الروح فيما صوروه، والقصد من ذلك طول تعذيبهم وإظهار عجزهم.
قال النووي: وأما قوله ﷺ : ((ويقال لهم أحيوا ما خلقتم)) فهو الذي يسميه الأصوليون أمر تعجيز كقوله - تعالى -: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]، انتهى.
الثانية عشرة: فيه الرد على صاحب الأغلال وأضرابه من الزنادقة الذين يخشون أو يرجون أن يقدر المصورون على نفخ الروح في تصاويرهم.
الثالثة عشرة: قال الحافظ ابن حجر: إن في قوله ﷺ : ((إن
стр. 39
أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة)) اهتمامًا بالزجر عن اتخاذ الصور؛ لأن الوعيد إذا حصل لصانعها فهو حاصل لمستعملها؛ لأنها لا تصنع إلا لتستعمل فالصانع متسبب والمستعمل مباشر فيكون أولى بالوعيد، انتهى.
الرابعة عشرة: امتناع الملائكة من دخول البيت إذا كان فيه صورة.
ولا فرق في هذا بين أن تكون الصورة مجسَّمة أو غير مجسمة؛ لأن (أل) للاستغراق فتعم كل صورة محرمة الصنعة والاتخاذ، وكذلك النكرة في قوله: ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة)) تقتضي العموم أيضًا؛ لأنها في سياق النفي فتعم كل صورة من صور ذوات الأرواح.
قال الخطابي في الكلام على هذا الحديث: وأما الصورة فهي كل صورة من ذوات الأرواح كانت لها أشخاص منتصبة أو كانت منقوشة في سقف أو جدار أو مصنوعة في نمط أو منسوجة في ثوب أو ما كان، فإن قضية العموم تأتي عليه فليجتنب، انتهى.
وقد ذكر القرطبي والنووي سبب امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه الصور ة.
فأما القرطبي فقال في "المفهم": إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه الصورة؛ لأن مُتَّخِذها قد تشبَّه بالكفار؛ لأنهم يتخذون الصور
стр. 40
في بيوتهم ويعظمونها، فكرهت الملائكة ذلك فلم تدخل بيته هجرًا له لذلك، انتهى.
وأما النووي فقال في "شرح مسلم": قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله - تعالى - وبعضها في صورة ما يُعْبَد من دون الله - تعالى - فعوقب مُتَّخِذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه، واستغفارها له، وتبريكها عليه وفي بيته، ودفعها أذى الشيطان، انتهى.
الحديث الثالث: عن أنس ﵁ قال: كان قرام لعائشة ﵂ قد سترت به جانب بيتها فقال النبي ﷺ : ((أميطي عنِّي قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي))؛ رواه الإمام أحمد والبخاري.
قال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية؛ يعني: فضلاً عمن دونها.
قلت: وهذا الحديث شبيه بالرواية الأخيرة عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ وشبيه أيضًا برواية سعد بن هشام عنها ﵂.
وظاهر هذه الروايات أن النبي ﷺ كان قد أقرَّها على نصب القرام في أول الأمر، ثم أمرها بعد ذلك بنزعه، فعلى هذا يكون الأمر بالنزع ناسخًا للإقرار.
стр. 41
قال النووي في الجواب عن إقراره لها: هذا محمول على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة فلهذا كان رسول الله ﷺ يدخل ويراه ولا ينكره قبل هذه المرة الأخيرة، انتهى.
الحديث الرابع: عن عبدالله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الذين يصنعون هذه الصور يُعَذَّبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم))؛ رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي.
وفي هذا الحديث من الفوائد تحريم التصوير، وأنه من الكبائر وتعذيب المصوِّرين يوم القيامة وتكليفهم بما يظهر به عجزهم، والرد على صاحب الأغلال وأشباهه، وأنه لا فرْق بين الصور المجسَّمة وغير المجسمة؛ لأن (أل) للاستغراق فتعم كما تقدم التنبيه على ذلك قريبًا.
الحديث الخامس: عن أبي الضحى مسلم بن صبيح قال: كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير فرأى في صفته تماثيل فقال: سمعت عبدالله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون))؛ رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي، وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية لأحمد ومسلم عن مسلم بن صبيح قال: كنت مع مسروق في بيت فيه تماثيل مريم فقال مسروق: هذه تماثيل كسرى، فقلت: لا هذه تماثيل مريم، فقال مسروق: أما إني سمعت عبدالله بن مسعود ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون))؛
стр. 42
وفي رواية لهما أيضًا: أن من أشد أهل النار يوم القيامة عذابًا المصورون، وفي هذا الحديث من الفوائد تحريم التصوير وأنه من الكبائر، وشدة الوعيد للمصورين، وأنهم من أشد أهل النار عذابًا، وأنه لا فرق بين تصوير ما له ظل وما لا ظل له.
قال الخطابي: إنما عظمت عقوبة المصور؛ لأن الصور كانت تُعْبَد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن، وبعض النفوس إليها تميل.
قال: والمراد بالصور هنا التماثيل التي لها روح، انتهى.
الحديث السادس: عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجلٌ قتله نبي أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين))؛ رواه الإمام أحمد.
الحديث السابع: عن ابن عباس ﵄ وقد روي عنه من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: عن سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عباس ﵄ إذ أتاه رجل فقال: يا أبا عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي وإنما أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس ﵄: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ سمعته يقول: ((مَن صور صورة فإن الله مُعَذِّبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخٍ فيها أبدًا))، فربا الرجل ربوةً شديدة واصفرَّ وجهه فقال: ((ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح))؛ رواه الإمام أحمد والشيخان، وهذا لفظ البخاري.
стр. 43
ولفظ مسلم قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال: إني رجل أصوِّر هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: ادنُ منِّي، فدنا منه ثم قال: ادنُ منِّي، فدنا حتى وضع يده على رأسه قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس فتعذبه في جهنم))، وقال: إن كنت لا بُدَّ فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له.
الوجه الثاني: عن النضر بن أنس بن مالك قال كنت عند ابن عباس ﵄ وهو يفتي الناس لا يسند إلى نبي الله ﷺ شيئًا من فتياه، حتى جاءه رجل من أهل العراق فقال: إني رجل من أهل العراق، وإني أصور هذه التصاوير، فقال ابن عباس ﵄: ادنُهْ، إمَّا مرتين أو ثلاثًا، فدنا فقال له ابن عباس ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن صور صورة في الدنيا يكلف الله يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح وليس بنافخ))؛ رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي، وهذا لفظ أحمد.
الوجه الثالث: عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((مَن صوَّر صورةً عُذِّب وكُلِّف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ))؛ رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ الترمذي: ((مَن صور صورةً عذَّبه الله حتى ينفخ فيها - يعني: الروح - وليس بنافخ فيها))، ثم قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 44
الحديث الثامن: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن صوَّر صورةً كُلِّف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ))؛ رواه الإمام أحمد والنسائي.
وفي هذا الحديث والذي قبله من الفوائد تحريم التصوير، وأنه من الكبائر للوعيد عليه بالنار، وأن التحريم عامٌّ في كل صورة من صور ذوات الأرواح؛ لأن قوله: ((صورة)) نكرة في سياق الشرط فتعم المجسدة وغير المجسدة والتامة والناقصة إذا كان فيها الرأس.
ويدخل في العموم تصوير الوجه وحده؛ لإطلاق الصورة عليه لغة وشرعًا كما سيأتي تقريره - إن شاء الله تعالى.
وفيهما أيضًا تعذيب المصورين وتعجيزهم والرد على صاحب الأغلال.
وفي حديث ابن عباس ﵄ جواز تصوير الشجر ونحوه مما لا روح فيه.
وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء وقول المانعين أحوط.
ومن أقوى ما يُحْتَجُّ لهم به حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يقول الله : ومَن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة))؛ متفق عليه، فقوله في هذا الحديث: "يخلق خلقًا كخلقي" يعمُّ ذوات الأرواح والشجر وغيره ويعمُّ الصور التامة والناقصة.
ويدخل في عمومه تصوير اليد وحدها، والرجل وحدها، وما سواهما من الأعضاء؛ لأن الجميع من خلق الله - تعالى.
стр. 45
وفي قوله: "فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" دليل أيضًا على أنه لا يجوز تصوير الشجر.
ومما يدل على المنع أيضًا حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله))؛ متفق عليه.
وفي رواية لمسلم والنسائي: ((أن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله)).
وظاهر هذا الحديث يقتضي العموم للحيوانات والنباتات وغيرها من مخلوقات الله - تعالى.
وقد ورد التصريح بالمنع في حديث ضعيف رواه ابن ماجه في "سننه" عن أبي أمامة ﵁ أن امرأة أتت النبيَّ ﷺ فأخبرته أن زوجها في بعض المغازي فاستأذنتْه أن تصوِّر في بيتها نخلة فمنعها أو نهاها.
وهذا الحديث مما يستأنس به، ويؤيده ما تقدَّم عن أبي هريرة وعائشة ﵄ والله أعلم.
الحديث التاسع: عن أبي جحيفة ﵁ أن النبي ﷺ لعن المصورين ؛ رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود الطيالسي في "مسنده".
وفي هذا الحديث من الفوائد تحريم التصوير وأنه من الكبائر؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة.
стр. 46
وفيه شدة الوعيد للمصورين؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله - تعالى.
وفيه عموم التحريم للصور المجسدة لكل ما يسمى صورة من صور ذوات الأرواح، والله أعلم.
الحديث العاشر: عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵄ ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا ذلك للنبي ﷺ فقال: ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة))؛ متفق عليه.
وفيه من الفوائد تحريم التصوير وأنه من سنن النصارى، وأن المصورين من هذه الأمة متشبِّهون بهم.
وفي قوله: ((أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) وعيد شديد لهم، ودليل على سوء ما لهم في الدار الآخرة، وتحذير لهذه الأمة عن التشبه بهم.
الحديث الحادي عشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وُكِّلتُ بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل مَن دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين))؛ رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
стр. 47
وفيه من الفوائد تحريم التصوير، وأنه من الكبائر لشدة الوعيد عليه، وأن مآل المصورين إلى النار مع الجبابرة والمشركين، وظاهره أنه لا فرق بين الصور المجسمة وغير المجسمة.
الحديث الثاني عشر: عن عائشة ﵂ قالت: واعَد رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في ساعة يأتيه فيها فجاءت تلك الساعة ولم يأته وفي يده عصا، فألقاها من يده وقال: ((ما يخلف الله وعده ولا رسله))، ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره فقال: ((يا عائشة، متى دخل هذا الكلب هنا؟))، فقالت: والله ما دريت، فأمر به فأُخْرِج فجاء جبريل فقال رسول الله ﷺ : ((واعدتني فجلست لك فلم تأتِ!))، فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صوره؛ رواه مسلم.
ورواه ابن ماجه مختصَرًا ولفظه: قالت: واعَد رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في ساعة يأتيه فيها فراث عليه، فخرج النبي ﷺ فإذا هو بجبريل قائم على الباب فقال: ((ما منعك أن تدخل؟))، قال: إن في البيت كلبًا، وإنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة))؛ إسناده صحيح.
الحديث الثالث عشر: عن ابن عباس ﵄ قال: أخبرتني ميمونة ﵂ أن رسول الله ﷺ أصبح يومًا واجمًا فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال
стр. 48
رسول الله ﷺ : ((إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أم والله ما أخلفني))، قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا فأمر به فأُخْرِج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة، قال: أجل، ولكنَّا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة))؛ رواه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني.
الحديث الرابع عشر: عن ابن عمر ﵄ قال: وعد النبي ﷺ جبريل فراث عليه حتى اشتدَّ على النبي ﷺ فخرج النبي ﷺ فلقيه فشكا إليه ما وجد فقال له: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب؛ رواه البخاري.
الحديث الخامس عشر: عن أسامة بن زيد ﵄ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وعليه الكآبة فسألته فقال: ((لم يأتني جبريل منذ ثلاث))، فإذا جرو كلب بين يديه فأمر به فقتل، فبدا له جبريل- ﵇ فهشَّ إليه رسول الله ﷺ فقال: ((ما لك لم تأتني؟)) فقال: إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا تصاوير؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي.
الحديث السادس عشر: عن أبي هريرة ﵁ وقد روي عنه من وجهين:
أحدهما: عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي
стр. 49
هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه تماثيل أو تصاوير))؛ رواه مسلم.
الوجه الثاني: عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمُرْ برأس التمثال الذي بالباب فليُقْطْع فيصير كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر فليقطع ويجعل منه وسادتين منتبذتين تُوطَآن، ومُرْ بالكلب فيخرج))، ففعل رسول الله ﷺ وكان ذلك الكلب جروًا للحسين أو للحسن تحت نضد له فأمر به فأُخْرِج؛ رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجه، وهذا لفظ الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن حبان، ورواية النسائي مختصرة وفيها زيادة ليست عند أبي داود والترمذي.
ولفظه: استأذن جبريل ﵇ على النبي ﷺ فقال: ((ادخل))، فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رؤوسها أو يُجْعَل بساطًا يُوطَأ؛ فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير.
الحديث السابع عشر: عن علي ﵁ عن النبي ﷺ : ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنب))؛ رواه الإمام أحمد
стр. 50
وأبو داود الطيالسي وأهل السنن إلا الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي.
ورواه الإمام أحمد أيضًا مطولاً وفيه: أن النبي ﷺ قال: ((سمعت في الحجرة حركة فقلت: مَن هذا؟ فقال: أنا جبريل، قلت: ادخل، قال: لا، اخرج إليَّ، فلمَّا خرجت قال: إن في بيتك شيئًا لا يدخله مَلَك ما دام فيه، قلت: ما أعلمه يا جبريل، قال: اذهب فانظر، ففتحت البيت فلم أجد فيه شيئًا غير جرو كلب كان يلعب به الحسن، قلت: ما وجدت إلا جروًا، قال: إنها ثلاث لن يلج ملَك ما دام فيها أبدًا واحد منها: كلب، أو جنابة، أو صورة روح)).
الحديث الثامن عشر: عن أبي طلحة الأنصاري ﵁ وقد روي عنه من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت أبا طلحة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة))؛ رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود الطيالسي وأهل السنن إلا أبا داود.
الوجه الثاني: عن الليث بن سعد، عن بكير بن عبدالله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ عن أبي طلحة صاحب رسول الله ﷺ أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة))، قال بسر: ثم اشتكى زيد بعدُ فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة فقلت لعبيدالله الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ : ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيدالله:
стр. 51
ألم تسمعه حين قال: إلا رقمًا في ثوب؛ رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي.
ورواه الشيخان أيضًا من حديث عمرو بن الحارث، أن بكير بن الأشج حدثه، أن بسر بن سعيد حدثه، أن زيد بن خالد الجهني ﵁ حدثه ومع بسر بن سعيد عبيدالله الخولاني الذي كان في حجر ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ حدثهما زيد بن خالد، أن أبا طلحة ﵁ حدثه، أن النبي ﷺ قال: ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة))، قال بسر: فمرض زيد بن خالد فعدناه، فإذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير فقلت لعبيدالله الخولاني: ألم يحدثنا في التصاوير؟ فقال: إنه قال: إلا رقم في ثوب ألا سمعته؟ قلت: لا، قال: بلى قد ذكره.
ورواه مسلم أيضًا وأبو داود من حديث سعيد بن يسار، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ عن أبي طلحة الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تمثال)).
وقال: انطلق بنا إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ نسألها عن ذلك، فانطلقنا فقلنا: يا أم المؤمنين، إن أبا طلحة حدثنا عن رسول الله ﷺ بكذا وكذا، فهل سمعت النبي ﷺ يذكر ذلك؟ قالت: لا، ولكن سأحدثكم بما رأيته فعل؛ خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه وكنت أتحيَّن قُفُوله، فأخذت نمطًا كان لنا فسترته على العرض، فلما
стр. 52
جاء استقبلته فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أعزك وأكرمك، فنظر إلى البيت فرأى النمط فلم يرد علي شيئًا ورأيت الكراهية في وجهه، فأتى النمط حتى هتكه، ثم قال: ((إن الله لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الحجارة واللبن))، قالت: فقطعته وجعلته وسادتين وحشوتهما ليفًا، فلم ينكر ذلك عليَّ؛ هذه رواية أبي داود وهي أتم من رواية مسلم.
الوجه الثالث: وهو الحديث التاسع عشر عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري ﵁ يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف ﵁ قال: فدعا أبو طلحة إنسانًا ينزع نمطًا تحته، فقال سهل: لم تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير وقال فيها النبي ﷺ ما قد علمت، قال سهل: أو لم يقل: ((إلا ما كان رقمًا في ثوب))؟ قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي؛ رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الحديث العشرون: عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، أن رافع بن إسحاق مولى الشفا أخبره قال: دخلت أنا وعبدالله بن أبي طلحة على أبي سعيد الخدري ﵁ نعوده، فقال أبو سعيد الخدري ﵁: أخبرنا رسول الله ﷺ أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل أو تصاوير، يشك إسحاق بن عبدالله لا يدري أيتهما قال أبو سعيد ﵁.
رواه مالك وأحمد والترمذي وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 53
الحديث الحادي والعشرون: عن علي ﵁ قال: صنعت طعامًا فدعوت رسول الله ﷺ فجاء، فرأى في البيت تصاوير فرجع؛ رواه ابن ماجه هكذا مختصرًا وإسناده صحيح، وبوَّب عليه بقوله: (باب إذا رأى الضيف منكرًا رجع).
ورواه النسائي أتمَّ منه ولفظه: قال: صنعت طعامًا فدعوت النبي ﷺ فجاء، فدخل فرأى سترًا فيه تصاوير فخرج وقال: ((إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير)).
ورواه أبو نعيم في "الحلية" بأبسط منه، ولفظه عن سعيد بن المسيب أن عليًّا ﵁ صنع طعامًا فجاء النبي ﷺ حتى إذا نظر في البيت رجع، فقال له علي: ما رجعك يا رسول الله - فداك أبي وأمي؟ قال: ((إني رأيت في بيتك سترًا فيه تصاوير، وإن الملائكة لا تدخل بيتًا في تصاوير)).
وفي هذا الحديث والأحاديث التسعة قبله عدة فوائد نذكر منها ما يتعلق بالمقصود في هذا الفصل:
فالأولى منها: امتناع الملائكة من دخول البيت إذا كان فيه صورة من صور ذوات الأرواح، وقد تقدم تعليل امتناعهم في فوائد الحديث الثاني فليراجع.
قال الخطابي - رحمه الله تعالى - والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه: وهو ما يكون من الصور التي فيها روح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن، انتهى.
стр. 54
والمراد بالبيت: المكان الذي يستقر فيه الشخص سواء كان بناء أو خيمة أو غير ذلك، نبه على ذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري".
الثانية: أنه لا فرق بين الصور المجسدة وغير المجسدة فكل منها مانع من دخول الملائكة كما تدل على ذلك عمومات الأحاديث التي ذكرت آنفًا، وحديث أبي هريرة ﵁ في قصة جبريل صريح في امتناعهم من دخول البيت الذي فيه الصور التي ليست بمجسدة، وكذلك الحديث الأخير من حديثي علي ﵁ صريح في ذلك أيضًا، وإذا كانت الصور التي ليست بمجسدة مانعة من دخول الملائكة فالصور المجسدة كذلك بل أَوْلَى، والله أعلم.
الثالثة: الرد على مَن أجاز صناعة الصور التي ليست بمجسدة، ومَن أجاز اتخاذها فيما لا يُوطَأ ويمتهن؛ كالبساط والمخدة ونحو ذلك، وحديث أبي هريرة ﵁ صريح في الرد عليهم، وكذلك الأخير من حديثي علي ﵁ وكذلك حديث عائشة ﵂ في النمرقة.
وأما استثناء الرقم في الثوب كما في حديث زيد بن خالد وحديث عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن أبي طلحة وسهل بن حنيف - رضي
стр. 55
الله عنهما - فقد احتج به مَن أجاز اتخاذ الثياب والستور التي فيها الصور كما هو مروي عن زيد بن خالد ﵁.
قال النووي: وهو مذهب القاسم بن محمد، وقد أجاب عن ذلك النووي وابن حجر العسقلاني؛ فأما النووي فقال في "شرح مسلم" قوله: ((إلا رقما في ثوب)) هذا يحتج به مَن يقول بإباحة ما كان رقمًا مطلقًا، وجوابنا وجواب الجمهور عنه: إنه محمول على رقم على صورة الشجر وغيره مما ليس بحيوان، وقد قدمنا أن هذا جائز عندنا، وأما ابن حجر فإنه ذكر جواب النووي بمعناه، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل النهي، كما يدل عليه حديث أبي هريرة الذي أخرجه أصحاب السنن.
قلت: هو الحديث السادس عشر مما تقدم ذكره قريبًا، ولعل زيد بن خالد والقاسم بن محمد لم يبلغهما حديث أبي هريرة وحديث علي ﵄ في المنع من تعليق الستور التي فيها الصور، ولم تبلغهما أيضًا الأحاديث التي تقتضي عموم النهي عن اتخاذ ما فيه صورة إلا ما كان في بساط ومخدة ونحوهما مما يداس ويمتهن، والله أعلم.
الرابعة: أن قطع رأس الصورة يزيل المحذور منها ويكفي في التغيير، وأما قطع غيره فلا يكفي عنه، ولو قطعت الصورة كلها سوى الرأس فالمحذور باقٍ، والتغيير المشروع لم يحصل كما سيأتي تقريره - إن شاء الله تعالى.
стр. 56
الخامسة: جواز الجلوس والاتكاء على ما فيه صورة ؛ لأن في ذلك امتهانًا لها، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق أيوب عن عكرمة قال: كانوا يقولون في التصاوير في البسط والوسائد التي توطأ ذل لها.
وروي أيضًا من طريق عاصم عن عكرمة قال: كانوا يكرهون ما نصب من التماثيل نصبًا، ولا يرون بأسًا بما وطئته الأقدام، وروي أيضًا من طريق ابن سيرين ومن طريق سالم بن عبدالله ومن طريق عكرمة بن خالد ومن طريق سعيد بن جبير أنهم قالوا: لا بأس بالصورة إذا كانت تُوطَأ، وروي أيضًا من طريق عروة أنه كان يتكئ على المرافق فيها تماثيل الطير والرجال.
نقل هذه الآثار كلها الحافظ ابن حجر في "فتح الباري".
السادسة: أن الملائكة لا تمتنع من دخول البيت إذا كانت فيه صورة في بساط ومخدة ونحوهما مما يداس ويمتهن؛ ويدل على ذلك قول جبريل للنبي ﷺ ومُرْ بالستر فليقطع، ويجعل منه منتبذتين تُوطَآن.
وفي رواية النسائي: فإما أن تقطع رؤوسها أو يجعل بساطًا يُوطَأ.
ولو كان وجود الصورة في الوسائد والبُسُط التي تمتهن وتُداس بالأرجل مانعًا من دخول الملائكة لأمر جبريل بإتلافها أو إخراجها من البيت كما أمر بقطع رأس التمثال وإخراج الكلب، والله أعلم.
السابعة: وجوب إنكار المنكر؛ كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة وحديث عائشة وحديث علي ﵃.
стр. 57
الثامنة: هجر مَن أظهر المنكر؛ فلا يسلم عليه ولا تجاب دعوته.
التاسعة: كراهة دخول البيت الذي فيه تصاوير ، وقد نص الإمام أحمد على هذا، وهو قول عمر وأبي مسعود ﵄ وروي ذلك عن ابن مسعود ﵁.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: المنصوص عن أحمد والمذهب الذي نص عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة التي فيها التصاوير، انتهى.
وقال البخاري - رحمه الله تعالى - في "صحيحه": وقال عمر ﵁: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": هذا الأثر وصله عبدالرزاق من طريق أسلم مولى عمر قال: لما قدم عمر الشام صنع له رجل من النصارى طعامًا وكان من عظمائهم، وقال: أحب أن تجيئني وتكرمني؟ فقال له عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها؛ يعني: التماثيل.
قلت: وقد رواه البخاري موصولاً في "الأدب المفرد" فقال في باب دعوة الذمي: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن أسلم مولى عمر قال: لما قدمنا مع عمر بن الخطاب ﵁ الشام أتاه الدهقان قال: يا أمير المؤمنين، إني قد صنعت لك طعامًا فأحب أن تأتيني بأشراف مَن معك؛ فإنه أقوى لي في عملي وأشرف لي، قال:
стр. 58
إنا لا نستطيع أن ندخل كنائسكم هذه مع الصور التي فيها.
وروى البيهقي من طريق عدي بن ثابت، عن خالد بن سعيد، عن أبي مسعود ﵁ أن رجلاً صنع طعامًا فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى تكسر الصورة؛ قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح.
قلت: وقد ذكره أبو بكر المروذي في كتاب "الورع" من حديث خالد بن سعيد قال: دُعِي أبو مسعود ﵁ إلى طعام فقالوا له: في البيت صورة، فأبى أن يأتيهم حتى ذهب إنسان فكسرها.
وقال البخاري في "صحيحه"، ورأى ابن مسعود ﵁ صورة في البيت فرجع.
العاشرة: أن المدعو إذا لم يعلم بما في بيت الداعي من التصاوير إلا بعد ما دخل فالسنة له أن يخرج؛ كما تفيده رواية النسائي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج من بيته لما رأى الستر الذي فيه التصاوير، وهو ظاهر ما ذكره البخاري عن ابن مسعود ﵁.
وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - على أنه يخرج لصورة على الجدار.
وإن كان المدعوُّ يقدر على تغيير الصورة فالواجب عليه أن يغيرها كما فعل النبي ﷺ في هتك الستر الذي نصبته عائشة ﵂ ولما في حديث علي ﵁: ((لا تدع صورة إلا طمستها))، وسيأتي ذكره قريبًا - إن شاء الله تعالى.
стр. 59
الحديث الثاني والعشرون: عن ابن عباس ﵄ وقد روي عنه من وجوه:
أحدها: عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄ قال: دخل النبي ﷺ البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال ﷺ : ((أما لهم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مصور فما له يستقسم))؛ رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي.
الوجه الثاني: عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله ﷺ : ((قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما ما اقتسما بها قط))؛ رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود.
وفي رواية لأحمد والبخاري أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت - يعني: الكعبة - لم يدخل، وأمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام فقال: ((قاتلهم الله، والله ما استقسما بالأزلام قط)).
الوجه الثالث عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة، فلما أتاه قال: ((أرني المفتاح))، فأتاه به - فذكر الحديث إلى أن قال: - وفتح باب الكعبة فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم ﵊ معه قداح
стр. 60
يستقسم بها، فقال رسول الله ﷺ : ((ما للمشركين - قاتلهم الله - وما شأن إبراهيم وشأن القِدَاح))، ثم دعا بجفنة فيها ماء فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل؛ رواه ابن مردويه.
الحديث الثالث والعشرون: عن جابر ﵁ قال: كان في الكعبة صور فأمر رسول الله ﷺ أن يمحوها قبل عمر ﵁ ثوبًا ومحاها به، فدخلها رسول الله ﷺ وما فيها منها شيء؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود وهذا لفظ أحمد.
ولفظ أبي داود: أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب ﵁ زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى مُحِيَت كل صورة فيها.
الحديث الرابع والعشرون: عن شيبة بن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا شيبة، امحُ كلَّ صورة في البيت))؛ ذكره البخاري في "تاريخه".
الحديث الخامس والعشرون: قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه بلغه أن النبي ﷺ أمر بطَمْس الصور التي كانت في البيت؛ رواه عمر بن شبة في "أخبار مكة".
وقال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، ورأى إبراهيم
стр. 61
مصورًا في يده الأزلام يستقسم بها فقال: ((قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾)) [آل عمران: ٦٧]، ثم أمر بتلك الصور كلها فطُمِسَت.
الحديث السادس والعشرون: عن أسامة بن زيد ﵄ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة ورأى صورًا، قال: فدعا بدلو من ماء فأتيته به، فجعل يمحوها ويقول: ((قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون))؛ رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" بإسناد جيد، وعمر بن شيبة في "أخبار مكة" والحافظ الضياء المقدسي في "المختارة".
وفي معنى قوله: ((قاتلهم الله)) أقوال:
أحدها: لعنهم الله، قاله ابن عباس ﵄ واختاره الإمام البخاري - رحمه الله تعالى.
الثاني: قتلهم الله، قاله ابن جريج.
الثالث: أنه ليس هو على تحقيق المقاتلة، ولكنه بمعنى التعجب، حكاه البغوي في "تفسيره".
قال الراغب الأصفهاني: والصحيح أن ذلك هو المفاعلة، والمعنى صار بحيث يتصدَّى لمحاربة الله، فإن مَن قاتل الله فمقتول، ومَن غالَبه فهو مغلوب، انتهى.
ويظهر لي أن المراد به هاهنا اللعن المقرون بالإنكار على المصورين،
стр. 62
والتعجب من سوء صنيعهم وجراءتهم على المضاهاة بخلق الله - تعالى - مع عجزهم عن نفخ الروح فيما يصورونه، والله أعلم.
فإن قيل: إن في هذه الأحاديث شيئًا من التعارض؛ ففي الرواية الأولى عن عكرمة أن النبي ﷺ أمر بالآلهة فأُخْرِجت، وفي روايته الأخرى أنه أمر بها فمُحِيت، ومثله ما في حديث جابر وأسامة بن زيد وعمرو بن دينار.
وأيضًا ففي رواية كريب عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، ونحوه ما في حديث أسامة بن زيد ﵄ وما ذكره ابن هشام وهذا يعارض رواية عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، ونحوه ما في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة حتى مُحِيَت كل صورة فيها.
والجواب أن يقال: ليس بين هذه الروايات تعارض بحمد الله - تعالى - فأما التي يفهم منها التعارض بين المحو والإخراج فوجه الجمع بينها أنه ﷺ أمر بمحو ما كان منقوشًا في أعمدة الكعبة وحيطانها، وأمر بإخراج ما كان مجسدًا ليكسر خارج الكعبة مع الأصنام التي كانت حولها؛ ليرى المشركين ما يصيب ألهتهم من
стр. 63
الإهانة والإذلال، وليعلموا أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تدفع عن أنفسها شيئًا فضلاً عن عابديها؛ وعلى هذا فمَن قال من الرواة أن النبي ﷺ أمر بالصور فمُحِيت فمراده الصور المنقوشة، ومَن قال أمر بها فأُخْرِجت فمراده الصور المجسدة، والله أعلم.
وأما التي يفهم منها التعارض بين دخوله ﷺ الكعبة مع وجود الصور فيها وبين امتناعه من الدخول حتى محيت الصور كلها فوجه الجمع بينها أنه ﷺ أراد دخول الكعبة، فلما رأى ما فيها من الصور رجع وأمر بإخراج ما كان مجسدًا ومحو ما كان منقوشًا في الأعمدة والحيطان، فلما أخبروه بإزالة الصور كلها دخل فوجد بقية خَفِيت على المأمورين بالمحو والإخراج، فمنها حمامة من عيدان كسرها بيده الكريمة ثم طرحها، ومنها صور منقوشة محاها بالماء، وعلى هذا فمَن قال من الرواة: إن النبي ﷺ دخل الكعبة وفيها صور فمراده ما وجده النبي ﷺ مما خفي على المأمورين بإتلاف الصور، ومَن قال: إنه لم يدخلها حتى محيت كل صورة فيها فعمدته ما أخبر به المأمورون من محو الصور كلها، وخفي على الراوي ما خفي على المأمورين بالإتلاف، والله أعلم.
الحديث السابع والعشرون: عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك؛ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 64
الحديث الثامن والعشرون: عن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن النوح، والشعر، والتصاوير، وجلود السباع، والتبرج، والغناء، والذهب، والخز والحرير؛ رواه الإمام أحمد والبخاري في "تاريخه" بأسانيد جيدة.
الحديث التاسع والعشرون: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه؛ رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ أحمد: لم يكن يدع في بيته ثوبًا فيه تصاليب إلا نقضه.
ولفظ أبي داود: كان لا يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا قضبه، قال الخطابي: معناه: قطعه، والقضب: القطع، والتصليب: ما كان على صورة الصليب.
وذكر الحافظ ابن حجر أن في رواية الكشميهني "تصاوير" بدل "تصاليب"، فلعل البخاري - رحمه الله تعالى - أشار إلى هذه الرواية؛ حيث ترجم على هذا الحديث بقوله: (باب نقض الصور).
وقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أنه استنبط من نقْض الصليب نقْض الصورة التي تشترك مع الصليب في المعنى وهو عبادتها من دون الله، فيكون المراد بالصور خصوص ما يكون من ذوات الأرواح، بل أخص من ذلك.
ثم نقل الحافظ عن ابن بطَّال أنه قال: في هذا الحديث دلالة على أنه ﷺ كان ينقض الصورة سواء كانت مما له ظل
стр. 65
أم لا، وسواء كانت مما تُوطَأ أم لا، وسواء في الثياب وفي الحيطان وفي الفرش والأوراق وغيرها، انتهى.
الحديث الثلاثون: عن أبي الهياج الأسدي - واسمه: حيان بن حصين - قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته؛ رواه الإمام أحمد ومسلم، وأهل السنن إلا ابن ماجه.
وفي رواية لمسلم: ولا صورة إلا طمستها، ونحوه رواية النسائي.
وفي رواية لأحمد: أن عليًّا ﵁ قال: أبعثك فيما بعثني رسول الله ﷺ : أمرني أن أسوِّي كل قبر، وأطمس كل صنم.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: هذا يدل على طمس الصور في أيِّ شيء كانت، وهدم القبور المشرفة وإن كانت من حجارة أو آجر أو لبن.
قال المروذي: قلت لأحمد: الرجل يكتري البيت فيرى فيه تصاوير، ترى أن يحكها؟ قال: نعم.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: وحجته هذا الحديث الصحيح، انتهى.
الحديث الحادي والثلاثون: عن أبي محمد الهذلي ويكنى أيضًا بأبي مورع عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ في جنازة فقال: ((أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنًا إلا كسره، ولا قبرًا إلا سوَّاه، ولا صورة إلا لطخها؟))، فقال رجل: أنا يا رسول الله، فانطلق فهاب أهل المدينة فرجع، فقال علي ﵁: أنا انطلق
стр. 66
يا رسول الله، قال: ((فانطلق))، فانطلق ثم رجع فقال: يا رسول الله، لم أدع بها وثنًا إلا كسرته، ولا قبرًا إلا سوَّيته، ولا صورة إلا لطختها، ثم قال رسول الله ﷺ : ((مَن عاد لصنعة شيء من هذا فقد كفر بما أُنْزِل على محمد)) ﷺ رواه الإمام أحمد وابنه عبدالله في "زوائد المسند" وأبو داود الطيالسي في "مسنده".
وفي هذا الحديث والأحاديث التسعة قبله عدة فوائد:
الأولى منها: امتناع الملائكة من دخول البيت إذا كان فيه صورة.
الثانية: أن تصوير ذوات الأرواح واتخاذ الصور من أفعال المشركين وسننهم، فمَن صنع الصور من هذه الأمة أو اتخذها عنده فهو متشبه بهم، ومَن تشبه بقوم فهو منهم.
الثالثة: كراهة دخول البيت الذي فيه صورة، وقد تقدم ما روي عن عمر وأبي مسعود وابن مسعود ﵃ في ذلك.
الرابعة: مشروعية تغيير الصور بالمحو ونحوه إن أمكن، وإلا فبالتلطيخ بما يغير هيئتها.
الخامسة: كراهة الصلاة في الموضع الذي فيه صورة.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: وهو أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام؛ لأن كراهة الصلاة في الحمام إما لكونه مظنَّة النجاسة، وإما لكونه بيت الشيطان وهو الصحيح.
وأما محل الصور فمظنَّة الشرك، وغالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور، انتهى.
стр. 67
وقال البخاري في "صحيحه": وكان ابن عباس ﵄ يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وصله البغوي في "الجعديات"، وزاد فيه: فإن كان فيها تماثيل خرج فصلى في المطر.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: المنصوص عن أحمد والمذهب الذي نص عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة التي فيها التصاوير، والصلاة فيها وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهة، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا شك، انتهى.
السادسة: أنه لا فرق بين الصور المجسَّدة وغير المجسدة، فكل من النوعين يجب تغييره.
وتُكْرَه الصلاة في الموضع الذي هو فيه، وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - على حكِّ التصاوير التي ليست بمجسدة، ونقدم قريبًا ما نقله المروذي عنه في ذلك.
وقال المروذي أيضًا: قلت لأبي عبدالله: فإن دخلت حمامًا فرأيت فيه صورة ترى أن أحك الرأس؟ قال: نعم.
وقد روي عن الحسن وعمر بن عبدالعزيز نحو ذلك، فأما الحسن البصري فذكر المروذي في كتاب "الورع" عن عيسى بن المنذر الراسبي قال: سمعت الحسن وقال له عقبة الراسبي: في مسجدنا سابحة فيها تصاوير فقال الحسن: أنجروها.
وأما عمر بن عبدالعزيز فذكر الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - عن حسين بن وردان قال: مر عمر بن عبدالعزيز بحمام عليه
стр. 68
صورة، فأمر بها فطمست وحُكَّت، ثم قال: لو علمت مَن عمل هذا لأوجعته ضربًا، ويتخرج على هذه الرواية عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - أن تغيير الصور المجسَّدة مطلوب كغير المجسدة بل أولى.
السابعة: إنكار المنكر باليد لِمَن قدر على ذلك.
الثامنة: لعن المصورين، والدعاء عليهم.
التاسعة: أن متخذ الصورة شريكٌ لصانعها في الوزر واللعنة ؛ لأن اتخاذها دليل على الرضا بصناعتها، والراضي بالذنب كفاعله.
وقال الحافظ ابن حجر: إن المتخذ أَوْلَى بالوعيد، وتقدم كلامه في ذلك مع فوائد الحديث الثاني، فيراجع.
العاشرة: التصريح بعجز المصورين عن نفخ الروح فيما يصورون.
الحادية عشرة: الرد على صاحب الأغلال ومَن شاكَلَه من الزنادقة الذين يخشون أو يرجون أن يأتي زمن يوجد فيه إنسان صناعي وحيوان صناعي.
الثانية عشرة: الرد على مَن زعم أن المنع خاص بالصور المجسدة؛ فإن الصور التي أمر رسول الله ﷺ بمحوها ومحا هو بنفسه الكريمة ما بقي منها قد كانت من غير المجسدة قطعًا.
وأما المجسدة فقد كان ﷺ يطعنها بعود معه أو يشير به إليها إشارة فتخر على وجوهها وأقفائها، كما جاء ذلك في أحاديث صحيحة عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ﵃.
стр. 69
وذكر ابن إسحاق في "السيرة" أن النبي ﷺ وجد في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، فقد سوى رسول الله ﷺ بين الصور المجسدة وغير المجسدة في الإنكار والتغيير، فمَن فرق بينهما فمنع المجسدة وأوجب تغييرها وأجاز غير المجسدة ولم يرَ تغييرها فقد فرق بين متماثلين، وآمن ببعض ما جاء عن الرسول ﷺ في ذلك وردَّ بعضه.
الثالثة عشرة: النهي الصريح عن اتخاذ الصور في البيوت وعن صناعتها.
الرابعة عشرة: أن النهي يقتضي التحريم وهذا هو الصحيح من قولي العلماء، وقد نُقِل هذا عن مالك والشافعي وهو قول الجمهور، واختاره البخاري - رحمه الله تعالى - قال في آخر كتاب الاعتصام من "صحيحه": (باب نهي النبي ﷺ على التحريم إلا ما تعرف إباحته).
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": أي: بدلالة السياق، أو قرينة الحال، أو قيام الدليل على ذلك، انتهى.
الخامسة عشرة: مشروعية نقض الصور والتصاليب من الثياب ونحوها إذا أمكن ذلك، فإن لم يمكن فالواجب تلطيخها بما يغير هيئتها.
السادسة عشرة: الأمر الصريح بطمس الصور وأن لا يترك منها شيء، ومن الواجب المتعين على ولاة أمور المسلمين أن يفعلوا كما فعل رسول الله ﷺ وكما فعل الخليفة الراشد علي ﵁ فيبعثوا رجالاً يطمسون الصور التي عند رعاياهم ولا يتركوا منها شيئًا، ويجب عليهم أيضًا أن يمنعوا من صناعة التصاوير في سائر بلاد ولايتهم، ومَن
стр. 70
جلبها إليهم من خارج ولايتهم.
ولو سلكوا منهاج الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى - في تأديب المصورين لكان ذلك خيرًا لهم، وليعلم أولو الأمر أنهم مسؤولون يوم القيامة عن رعاياهم فليعدُّوا للسؤال جوابًا.
السابعة عشرة: عموم الأمر بطمس الصور، فيدخل في ذلك كل صورة من صور ذوات الأرواح، سواء كان لها ظل أو لم يكن، وسواء كانت تامة أو ناقصة إذا كان فيها رأس؛ لأن النكرة في قوله ﷺ : ((لا تدع صورة إلا طمستها)) تقتضي العموم، ويدخل في عمومها الرأس المصور وحده؛ لأن تصوير الرأس هو أعظم مقصود بالنهي كما يدل على ذلك قول جبريل للنبي ﷺ : "مُرْ برأس التمثال فليقطع فيصير كهيئة الشجرة".
وقد قال بعض الفقهاء إذا فرق بين الرأس والجسد فقد زال المحذور، وكذلك إذا قطع من الصورة ما لا يبقى الحيوان بعد ذهابه كصدره أو بطنه، وكذلك إذا كانت الصورة رأسًا بلا بدن.
وهذا القول ليس بشيء لمخالفته لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة جبريل ﵇ -ولمخالفته أيضًا لعمومات كثير من الأحاديث التي سبق ذكرها،
стр. 71
والصحيح أن المحذور في الصورة الرأس وحده نص عليه الإمام أحمد - رحمه الله تعالى.
وروى ذلك عن ابن عباس ﵄ وعكرمة، قال أبو داود سمعت أحمد - رحمه الله تعالى - يقول: الصورة الرأس.
وقد تقدم قريبًا ما نقله المروذي عن أحمد - رحمه الله تعالى - من حكِّ الرأس وحده.
ثم قال أبو داود: حدثنا محمد بن محبوب قال: حدثنا وهيب - يعني: بن خالد الباهلي - عن خالد - يعني: الحذاء - عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فليس هو صورة؛ إسناد صحيح على شرط البخاري.
وقال أيضًا: حدثنا أحمد - يعني: الإمام أحمد بن حنبل - قال: حدثنا إسماعيل - يعني: ابن عُلَيَّة - عن خالد، عن عكرمة نحوه، لم يذكر ابن عباس ﵄ إسناده صحيح على شرط البخاري.
وفي "المسند" من حديث شعبة بن دينار مولى ابن عباس ﵄ أن المسور بن مخرمة ﵄ دخل على ابن عباس ﵄ يعوده من وجع وعليه برد إستبرق، فقال: يا أبا عباس، ما هذا الثوب؟ قال: ما هو؟ قال: هذا الإستبرق، قال: والله ما علمت به، وما أظن النبي ﷺ نهى عن هذا حين نهى عنه إلا للتجبر والتكبر، ولسنا بحمد الله كذلك، قال: فما هذه التصاوير في الكانون؟ قال: ألا ترى قد
стр. 72
أحرقناها بالنار، فلما خرج المسور قال: انزعوا هذه الثوب عنِّي، واقطعوا رؤوس هذه التماثيل، قالوا: يا أبا عباس، لو ذهبت إلى السوق كان أنفق لها مع الرأس، قال: لا، فأمر بقطع رؤوسها، وهذا حديث حسن قال أحمد وابن معين: شعبة بن دينار لا بأس به، وبقية رجاله "الصحيح".
قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: الكانون الموقد؛ يعني: الموضع الذي توقد فيه النار.
قلت: وهو معروف بهذا الاسم إلى زماننا، ولكنه لنوع من المواقد لا لجميعها.
وفي هذا الحديث والذي قبله دليل على أن حكم الصورة متعلق بالرأس وحده؛ والأصل في هذا قول جبريل للنبي ﷺ : مر بالرأس فليقطع فيصير كهيئة الشجرة، فدلَّ على أن المحذور كله في تصوير الرأس، ودلَّ على أن قطع غيره لا يقوم مقامه ولا يكفى في التغيير، ولو كان المقطوع مما لا تبقى الحياة بعد ذهابه كصدره أو بطنه.
وعلى هذا فتحريم التصوير والاتخاذ متعلق بوجود الرأس، وكذلك وجوب الطمس متعلق بوجود الرأس، والله أعلم.
وأما قياس قطع الصدر أو البطن على قطع الرأس فهو قياس مع وجود الفارق؛ لأنها وإن شاركاه في ذهاب الحياة بذهابهما فقد اختفى هو دونهما ودون سائر الأعضاء بشيئين:
стр. 73
أحدهما: أنه إذا قطع صار باقي الجسم كهيئة الشجرة، وخرج عن شكل ذوات الأرواح.
الثاني: أنه مشتمل على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء ومجمع المحاسن، وأعظم فارق بين الحيوان وبين غيره من النباتات والجمادات، وبطمسه تذهب بهجة الصورة ورونقها، وتعود إلى مشابهة النباتات والجمادات؛ ولهذا قال جبريل للنبي ﷺ : "مر برأس التمثال فليقطع فيصير كهيئة الشجرة".
وبهذا يعرف أن غير الرأس لا يساويه، وأن مَن قاس شيئًا من الأعضاء على الرأس فقياسه غير صحيح فلا يعتدُّ به، والله أعلم.
وقد قال بهذا القياس الفاسد كثير من فقهاء الحنابلة، فخالفوا نص أمامهم مع مخالفتهم لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة جبريل ﵇ ولما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فليس بصورة، ولعمومات الأحاديث التي تقدم ذكرها، وخليق بهذا القول أن يضرب به الحائط ولا يعول عليه، والله الموفق.
ويدخل في عموم النكرة أيضًا الوجهُ المصوَّر وحده؛ لإطلاق لفظ الصورة عليه في كلام النبي ﷺ وكلام أصحابه ﵃ وكلام أهل اللغة.
فأما إطلاق ذلك عليه في كلام النبي ﷺ ففي عدة أحاديث:
стр. 74
الأول منها: عن سالم بن عبدالله، عن أبيه ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تضرب الصور يعني: الوجه؛ رواه الإمام أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وقال البخاري - رحمه الله تعالى - في "صحيحه": (باب الوسم والعلم في الصورة) حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر ﵄ أنه كره أن تعلم الصورة، وقال ابن عمر ﵄: نهى النبي ﷺ أن تضرب، تابعه قتيبة قال: حدثنا العنقري، عن حنظلة، وقال: تضرب الصورة.
قوله: "أن تعلم الصورة"؛ أي: يجعل في الوجه علامة من كي أوسمة.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": المراد بالصورة الوجه، قال: وقد أخرج الإسماعيلي الحديث من طريق وكيع عن حنظلة بلفظ أن تضرب وجوه البهائم، ومن وجه آخر عنه أن تضرب الصورة؛ يعني: الوجه.
وأخرجه أيضًا من طريق محمد بن بكر البرساني وإسحاق بن سليمان الرازي كلاهما عن حنظلة قال: سمعت سالمًا يسأل عن العلم في الصورة فقال: كان ابن عمر ﵄ يكره أن تعلم الصورة، وبلغنا أن النبي ﷺ نهى أن تضرب الصورة يعني بالصورة الوجه.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر))؛ الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه.
стр. 75
والمراد بالصور هاهنا الوجوه خاصة؛ لما في الصحيحين عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليدخلن الجنة من أمتي سبعون - أو سبعمائة - ألف - لا يدري أبو حازم أيهما قال - متماسكون، آخذ بعضهم بعضًا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم وجوههم على صورة القمر ليلة البدر)).
وفي "المسند" و"صحيح مسلم" عن جابر بن عبدالله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال - فذكر الحديث وفيه -: ((فتنجوا أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا لا يحاسبون)) الحديث.
وفي "المسند" أيضًا من حديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أُعْطِيت سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر)).
الحديث الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ...)) الحديث؛ رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي هذا الحديث والذي قبله تشبيه صور الزمرة الأولى من أهل الجنة بصورة القمر، ومعلوم أن القمر ليس فيه إلا صورة الوجه وحده فدل على أن الوجه
следующие страницы →