Полный текст (824 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قال في رواية الأثرم وأبي منصور: إذا قدم من سفره في بعض النهار وهو مفطر؛ فينبغي أن يتوقى الأكل في الحضر, وكذلك الحائض لا تأكل بقية النهار, وإذا قدم من سفره وامرأته قد طهرت؛ فلا أحب أن يغشاها.
٤٠ - وجابر بن زيد زعموا أنه قدم من سفر, فوجد امرأته قد طهرت من حيضها, فوقع عليها.
وفي وجوبه روايتان, هذه طريقة القاضي وأصحابه.
وقال ابن أبي موسى: إذا قدم المسافر مفطراً؛ أحببنا له أن يمسك عن الأكل والشرب بقية يومه, فإن أكل أو جامع مَنْ طهرت من حيضها؛ أساء, ولا كفارة عليه, ولا يلزمه سوى القضاء, والحائض إذا طهرت في بعض النهار؛ فلها الكل بقية يومها.
وعنه رواية أخرى: أنها تمسك بقية يومها كالمسافر.
فجعل المسافر يمسك رواية واحدة على سبيل الاستحباب المؤكد, بحيث يكون أكله مكروهاً, وحمل كلام أحمد حيث أذن على إقراره حيث منع على الكراهة, وجعل في الحائض روايتين.
ووجه ذلك أن المسافر كان يمكنه الصوم ويصح منه في أول النهار, وإنما أفطر باختياره, فيصح الإِمساك في الجملة؛ بخلاف الحائض؛ فإن المنافي
стр. 37
لصحة الصوم وقد وجد أول النهار, فامتنع أن تمسك في يوم حاضت فيه, وجعل الإِمساك بكل حال غير واجب؛ لما يأتي.
وعلى الطريقة الأولى: ففي الجميع روايتان:
إحداهما: لا يجب الإِمساك, بل يستحب. قال في رواية ابن منصور: إذا أصبح مفطراً في السفر, فدخل [أهله] , فأكل؛ ليس عليه شيء, ويعجبني أن لا يأكل؛ لأن الله سبحانه إنما اوجب صوم يوم واحد؛ فإيجاب صوم بعض يوم آخر يحتاج إلى دليل.
والثانية: يجب الإِمساك.
قال في رواية حنبل: إذا قدم في بعض النهار؛ أمسك عن الطعام, وإذا طهرت الحائض من آخر النهار؛ تمسك عن الطعام.
وقال في رواية صالح وابن منصور في المسافر يقدم في رمضان, واليهودي والنصراني يُسلمان: يكفون عن الطعام, ويقضون ذلك اليوم, والحائض كذلك, وهي اختيار القاضي وأصحابه؛ لأن المقتضي للفطر قد زال, فيجب الإِمساك, وإن وجب القضاء, كما لو قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار, ولأن الإِمساك. . . هذا إن كان قد أكلوا, فأما إن كانوا ممسكين ولو ينووا في أثناء النهار والصوم؛ فقال القاضي وابن عقيل: يجب عليهم بالإِتمام رواية واحدة؛ كما لو نووا الصوم.
فأما إن قدم المسافر أو صح المريض وقد بيَّت الصوم؛ لم يجز الفطر
стр. 38
رواية واحدة, بل لو جامع بعد الإِقامة؛ لزمه الكفارة. نص عليه في رواية صالح. قال: وكذلك الصبي إذا بلغ صائماً.
والأشبه الفرق كما في التبييت.
وخرَّج أصحابنا أنه لا يلزمه؛ كما لو سافر وهو صائم؛ فإن له أن يفطر على الصحيح؛ فإذا أجاز قطع الصوم للسفر؛ فرفعه أولى.
وإذا علم المسافر أو غلب على ظنه أنه [يقدم] في أثناء النهار؛ فإنه يُبَيِّت الصوم تلك الليلة.
قال في رواية أبي طالب: إذا كان في سفر, فأراد أن يدخل المدينة إلى أهله من الغد؛ فليجمع الصوم من الليل؛ فإذا دخل المدينة؛ كان صائماً. هكذا كان ابن عمر.
٤١ - وذلك لما روى مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا كان في سفره في رمضان, فعلم أنه داخل المدينة من أول يومه؛ دخل وهو صائم.
وقد ذكر أحمد عن ابن عمر نحوه.
стр. 39
قال ابن عبد البر: هذا هو المستحب عند جماهير العلماء؛ إلا أن بعضهم أشد تشديداً فيه من بعض.
قال القاضي: ظاهر هذا أنه لا يجوز له الفطر إذا علم أنه يقدم في بعض النهار؛ لأن من أصله أنه إذا قدم؛ تعين عليه الإِمساك إذا كان مفطراً؛ فإذا علم أن سفره لا يتسع لفطر يوم؛ وجب أن يمتنع منه؛ لأن وجود السفر في أول النهار سبب يبيح الرخصة, فجاز العمل به.
وإن علم أنه يزول آخر النهار, كما لو صلى في أول الوقت قاصراً, وهو يعلم أنه [يقدم] في الوقت, أو صلى بالتيمم وهو يعلم أنه يجد الماء في آخر الوقت, وكما لو علم الصبي أنه يبلغ في أثناء النهار بالسن؛ فإنه لا يلزمه التبييت.
ووجه الأولى: أن الفطر في الحضر غير جائز في الحضر غير جائز أصلاً, بل يجب الصوم فيه, ولا يمكن الصوم فيه؛ إلا أن يُبيِّت النية من الليل, وما لا يتم إلا به فهو واجب, ولأن الصوم واجب في ذمة المسافر, وإنما أجيز له تأخير الفعل إذا كان مسافراً, فإذا علم أنه يقدم في أثناء اليوم؛ فقد أخَّرَ الصوم بدون سبب الرخصة, وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الصبي؛ فإنه لم يجب عليه شيء قبل البلوغ.
فأما الحائض إذا علمت أنها تطهر في أثناء اليوم؛ فهنا لا يجوز تبييت النية؛ لأن الحيض يمنع صحة الصوم.
стр. 40
* فصل:
فأما إذا وجد سبب الفطر في أثناء النهار , مثل أن تحيض المرأة؛ فإنها تصير مفطرة؛ لأن الحيض يمنع صحة الصوم, وتأكل ولا تمسك, فيما ذكره ابن المنذر عن أحمد, وهو رواية.
قال في رواية عبد الله: فإن كانت امرأة صامت ثم حاضت؛ تمسك عن الطعام إلى آخر النهار, وتعيد ذلك اليوم. وكذلك المسافر إذا قدم المصر وهو مفطر؛ يمسك.
قال القاضي: لأن اليوم قد اجتمع فيه ما يوجب الإِمساك وهو الصوم أوله, وما يوجب الأكل وهو الحيض آخره, فغلب الإِمساك؛ [كما] لو حاضت أوله أو قدم المسافر, والأول. . . .
وكذلك إذا مرض الرجل؛ فإن له أن يفطر؛ فإن المريض رُخص له في الفطر لأجل المشقة التي تلحقه بالصوم, وهذا لا فرق فيه بين أول النهار وآخره, وكذلك لو ابتدأ الصلاة قائماً ثم اعتل؛ أتمَّها جالساً.
لكن هل يجوز له الجماع وتجب عليه الكفارة؟ على الروايتين في المسافر.
стр. 41
أما إذا سافر في أثناء النهار؛ فهل يجوز له الفطر؟ على روايتين:
أحدهما: لا يجوز. قال في رواية صالح: إذا أصبح في شهر رمضان, ثم سافر آخر النهار؛ فلا يعجبني أن يفطر.
لأن العبادة المختلفة بالحضر والسفر إذا تلبس بها في الحضر, ثم سافر؛ غُلِّب فيها حكم الحضر؛ كالصلاة والمسح, ولأنه قد شَرَع في صوم وجب عليه؛ فلم يجز له الخروج منه لغير ضرورة؛ كما لو شرع. . .
ولعل هذه الرواية خاصة فيمن أراد السفر آخر النهار؛ فإنه قد صام معظم يومه, ويدل على ذلك:
٤٢ - ما رواه أبو داوود في «مراسيله» عن طاووس؛ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سافر أول النهار؛ أفطر, وإذا سافر حين تزول الشمس؛ لم يفطر».
والأخرى: يجوز له الفطر كسائر الأعذار. وقال في رواية الفضل فيمن خرج في سفر هل يفطر؟ قال: اختلفوا فيه, وأرجوا أن لا يكون به بأس. وقال أيضاً فيمن يصوم بعض رمضان ثم يعرض له سفر: يفطر إذا جاوز البيوت. وقال في رواية ابن منصور وابن إبراهيم إذا خرج مسافر متى يفطر؟ قال: إذا برز عن البيوت. وهي أشهر عنه وأصح عند أصحابنا.
لكن إتمام الصوم له أفضل.
٤٣ - قالوا: لما روى عبيد بن جبر؛ قال: «كنت مع أبي بصرة الغفاري
стр. 42
في سفينة من الفسطاط في رمضان, فدفع ثم قُرِّب غداؤه, ثم قال: اقترب. فقلت: ألست بين البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغب عن سنة النبي ﷺ ؟». رواه أحمد وابن يونس في «تاريخ مصر».
٤٤ - وفي رواية لأحمد عن يزيد بن أبي حبيب: «أن أبا بصرة الغفاري
стр. 43
خرج في رمضان من الإِسكندرية, فأتي بطعامه, فقيل له: لم تغب عنا منازلنا بعد. فقال: أترغبون عن سنة رسول الله ﷺ ؟ قال: فما زلنا مفطرين حتى بلغوا مكان كذا وكذا».
٤٥ - وعن محمد بن كعب؛ قال: «أتيت أنس بن مالك في رمضان, وهو يريد سفراً, وقد رحلت له راحلته, ولبس ثياب السفر, فدعا بطعام, فأكل, فقلت له: سنة؟ قال: سنة, ثم ركب». رواه الترمذي- وقال: حديث حسن -
стр. 44
والدارقطني - وقال فيه: وقد تقارب غروب الشمس -, والصحابي إذا أطلق السنة؛ فإنما تنصرف إلى سنة رسول الله ﷺ .
٤٦ - وعن أبي الخير, عن منصور الكلبي: «أن دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق مِزَّة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط, وذلك ثلاثة أميال, في رمضان, ثم إنه أفطر, وأفطر معه ناس, وكره آخرون أن يفطروا, فلما رجع إلى قريته؛ قال: والله؛ لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن أني أراه, إن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه (يقول ذلك للذين صاموا). ثم قال [عند ذلك]: اللهم! اقبضني إليك». رواه أحمد وأبو داوود.
стр. 45
٤٧ - وقد احتج بعض أصحابنا على ذلك بما رواه خالد الحذاء, عن عكرمة, عن ابن عباس ﵄؛ قال: «خرج رسول الله ﷺ في رمضان إلى حنين, والناس مختلفون؛ فصائم ومفطر, فلما استوى على راحلته؛ دعا بإناءٍ من لبن أو ماء, فوضعه على راحلته (أو: راحته) , ثم نظر إلى الناس, فقال المفطرون للصوام: أفطروا». رواه البخاري.
قال أبو بكر عبد الرزاق بن عبد القادر الجيلي: صوابه: خيبر أو مكة؛ لأنه قصدهما في هذا الشهر؛ فأما حنين؛ فكانت بعد الفتح بأربعين ليلة.
واعلم أن الرواية صحيحة, ولا يجوز أن يعتقد أن ذلك كان إلى خيبر؛ فإنه لا خلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله رسول الله ﷺ : أنه غزى خيبر مرجعه من الحديبية, وأنها كانت في ذي القعدة سنة ست, وخيبر في أوائل سنة سبع,
стр. 46
فكيف يجوز أن يعتقد أن خيبر كانت في رمضان؛ ثم هم لا يختلفون أنها لم تكن في رمضان؟!
نعم ذَكَرَ حنيناً؛ لأنها كانت في ضمن غزوة الفتح, ولم يكن في الفتح قتال, وإنما كان القتال بحنين, وأراد بغزوة حنين غزوة الفتح, ولذلك لما ذكر البخاري هذه الرواية قال: وقال عبد الرزاق: أنا معمر, عن أيوب, عن عكرمة, عن ابن عباس؛ قال: «خرج النبي ﷺ عام الفتح» , لم يزد.
ورواه البرقاني وغيره بتمامه قال:
٤٨ - «خرج النبي ﷺ عام الفتح في شهر رمضان, حتى مَرَّ بغدير في الطريق, وذلك في نحو الظهيرة. قال: فعطش الناس, وجعلوا يمدون أعناقهم, وتتوق إليه أنفسهم. قال: فدعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء, فأمسكه على يده, حتى رآه الناس, ثم شرب, وشرب الناس في رمضان».
وهذا الخروج إما أن يكون خروجه من المدينة إلى مكة, أو خروجه من مكة إلى حنين؛ فإنه لم يزل صائماً في خروجه إلى أن بلغ الكديد؛ كما في حديث ابن عباس المشهور؛ كما تقدم في الرواية الأخرى, وأما خروجه إلى حنين. . . .
٤٩ - ثم قد روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ غزا غزوة الفتح في
стр. 47
رمضان, وقال: «صام رسول الله ﷺ حتى بلغ الكديد - الماء الذي بين قديد وسعفان - أفطر حتى انسلخ الشهر». رواه البخاري.
وهذا يقتضي أنه لم يشرع في صوم بعد يوم الكديد, وذلك أن رسول الله ﷺ إنما غزا في رمضان غزوة بدر وغزوة الفتح خاصة.
٥٠ - وعن سيار بن مخراق: أنه سأل ابن عمر عن صيام المسافر؟ فقال: «خرج رسول الله ﷺ لأربع عشرة مضيت من رمضان, فأناخ راحلته, ووضع إحدى رجليه في الغرز والأخرى في الأرض, فدعا بلبن من لبنها, فشرب».
стр. 48
رواه حرب.
٥١ - وقد احتج كثير من أصحابنا بما روى جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح, فصام حتى بلغ كراع الغميم, وصام الناس, فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام, وإن الناس ينظرون فيما فعلت؟ فدعا بقدح من الماء بعد العصر, فشرب, والناس ينظرون إليه, فأفطر بعضهم, وصام بعضهم, فبلغه أن ناساً صاموا, فقال: «أولئك العصاة». رواه مسلم والنسائي والترمذي وصححه.
٥٢ - وربما احتج بعضهم بحديث ابن عباس؛ قال: «سافر رسول الله ﷺ في رمضان, حتى بلغ سعفان, ثم دعا بإناء من ماء, فشرب نهاراً ليراه الناس, وأفطر حتى قدم مكة».
وكان ابن عباس يقول: «صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر؛ فمن شاء صام, ومن شاء أفطر». متفق عليه.
стр. 49
٥٣ - وفي رواية عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ خرج من المدينة, ومعه عشرة آلاف, وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة, فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة, يصوم ويصومون, حتى بلغ الكديد, وهو ما بين عسفان وقديد أفطر و [أفطروا]».
وقال الزهري: «وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ الآخر فالآخر». متفق عليه.
واعتقد من احتج بهذا أنه خرج من المدينة صائماً, وأنه وصل ذلك اليوم إلى كراع الغميم وإلى الكديد! وهذا خطأ؛ فإن عسفان قرية معروفة بينها وبين مكة نحو يومين, وهي اليوم خراب.
٥٤ - ولهذا قال ابن عباس: «يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان».
стр. 50
وجبل قديد قريب منها, وهذا الماء بينهما, فهذا يبين أن الفطر إنما كان بعد عدة أيام من مخرجه من المدينة.
وأما كراعُ الغميم؛ فقد قيل إن الأبنية. . . .
فتبين بهذا أن هذا الفطر إنما كان في صوم قد أنشأه في السفر, فيدل هذا على أن المسافر إذا نوى الصوم في السفر, ثم بدا له أن يفطر؛ فله ذلك, وهذا لا يختلف المذهب فيه؛ إلا أن يريد الفطر بالجماع؛ ففيه روايتان:
أحدهما: ليس له ذلك, وعليه الكفارة إذا أفطر بجماع, نص عليه في رواية مثنى بن جامع.
وكذلك إذا قلنا فيمن نوى الصوم ثم سافر: إنه ليس له الفطر, فجامع؛ فعليه الكفارة؛ لأن الموجب الموسع إذا شرع فيه ثم أراد الخروج؛ لم يكن له ذلك؛ كما لو شرع في قضاء رمضان والصلاة في أول الوقت, والصوم في السفر
стр. 51
أدنى أحواله أن يكون بمنزلة الواجب الموسع, فكان القياس أنه لا يجوز الخروج منه بعد الدخول فيه.
نعم؛ جاز ذلك بالأكل والشرب لمجيء السنة به, ولأن الحاجة تدعو إليه, فرخص في الخروج منه للحاجة.
أما هتك صوم رمضان الواجب بالجماع؛ فلم يجيء فيه رخصة, ولا تدعو الحاجة إليه, وهذا كما أن السفر يبيح الصلاة في السفينة للحاجة, ولا يبيحها على الراحلة, وإن اشتركا في عدم الاستقرار.
ولم يذكر القاضي في «المجرد» إلا هذا؛ قال: وعلى هذا الأصل المريض الذي تدعوه الحاجة إلى الفطر بالأكل لا يجوز له الفطر بالوطء؛ فإن وطئ؛ كان عليه الكفارة كالسفر سواء.
والرواية الثانية: له الفطر بالجماع وغيره, ولا شيء عليه. قال في رواية ابن منصور: وقيل له: الزهري يكره للمسافر أن يجامع المرأة في السفر نهاراً في رمضان؟ فلم ير به بأساً في السفر, وهي المنصورة عند أصحابنا؛ لأن النبي ﷺ كان قد أصبح صائماً في السفر ثم أفطر كما تقدم.
٥٥ - وعن أبي سعيد؛ قال: أتى رسول الله ﷺ على نهر من ماء السماء, والناس صيام في يوم صائف مشاة, ونبي الله ﷺ على بغلة له, فقال: «اشربوا أيها الناس!». قال: فأبوا. فقال: «إني لست مثلكم, إني أيسركم, إني راكب». فأبوا. فثنى رسول الله ﷺ فخذه, فنزل, وشرب وشرب الناس, وما كان يريد أن يشرب. رواه أحمد.
стр. 52
وهذا والذي قبله نص ظاهر في أنه قد أصبح المسلمون صياماً, ثم أفطروا بعد ذلك, وكل من جاز له الإِفطار بالأكل؛ جاز له الإِفطار بالجماع؛ كالمسافر الذي لم ينو, وذلك أنه إذا نوى المريض أو المسافر الفطر, وأكلا؛ فلهما فعل كل ما ينافي الصوم من جماع وغيره على إحدى الروايتين, قاله أصحابنا: وذلك لأنه إذا عزم على الإِفطار؛ صار مفطراً, فيقع الجماع من مفطر, والفرق بين هذا وبين العبادة الموسعة أن هنا صوم رمضان عبادة مضيقة, وإنما السفر والمرض جوز تأخيرها عن وقتها, فإذا أثر في التضييق الواجب بالشرع؛ فلأن يؤثر في التضييق الواجب بفعل المكلف أولى وأحرى؛ لأن المقتضي لإِباحة الفطر هنا قائم في جميع الوقت. . . .
والفرق بين الصوم والصلاة: أن قصر الصلاة إسقاط لشطرها؛ فليس له أن يتركه بعد أن يلتزمه أو ينعقد سبب لزومه, ولهذا قلنا: لو سافر وقد وجب عليه الصلاة؛ صلاها تامة, والصوم مجرد تأخير للصوم إلى وقت آخر, ليس هو إسقاطاً, ثم المشقة في السفر تلحقه باستدامة الصوم؛ بخلاف تكميل تلك الصلاة؛ فأنه لا مشقة فيه.
стр. 53
فعلى هذا يجوز له الفطر, سواء كان قد نوى السفر من الليل أو نواه في بعض النهار, على رواية الجماعة, ونقل عنه صالح: إذا كان قد حدث نفسه من الليل بالسفر؛ فيفطر, وإن أدركه الفجر في أهله؛ إلا أن يكون نوى السفر في بعض النهار؛ فلا يعجبني أن يفطر.
ويحتمل أن تكون هذه الرواية مثل الرواية الأولى التي نقلها صالح, فيكون فيما إذا نوى السفر من الليل يجوز له الفطر قولاً واحداً, ويحتمل أن يجمع في هذا بين الروايتين في الأصل.
قال القاضي: وظاهر هذا يقتضي جواز نية الفطر في أهله قبل خروجه من بلده؛ لأنه إذا كان من نيته السفر من يومه والفطر في سفره؛ لم يصح له نية الصوم.
ويفارق هذا الفطر بالأكل والشرب أن يتأخر حتى يفارق البيوت؛ ففي الموضع الذي يجوز [له] القصر يجوز [له] الفطر. . . .
وإذا نوى المقيم الصوم, فأراد السفر ليفطر حيلة للفطر؛ لم يستبح الفطر. قاله ابن عقيل بناء على أصلنا: أن الحيل لا تسقط الزكاة ولا تبيح الفروج ولا الأموال.
مسألة:
ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان, ورؤية هلال رمضان, ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه:
وجملة ذلك أن الموجب لصوم رمضان أحد ثلاثة أشياء:
стр. 54
أحدها: إكمال عدة شعبان؛ فمتى أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً؛ لزمهم الصوم, سواء رأوا الهلال أو لم يروه, وسواء حال دون منظره سحاب أو قتر أو لم يحل؛ لتواتر الأحاديث عن النبي ﷺ بذلك, ولأن الشهر لا يكون أكثر من ثلاثين يوماً؛ فمتى كمل شعبان؛ فقد تيقنَّا دخول شهر رمضان.
ثم إكمال شعبان مبني على ابتدائه؛ فإن كان أوله قد رئي بالرؤية العامة؛ فآخره قد تيقن انصرامه بكمال العدة, وإن كان بشهادة عدلين. . . .
الثاني: رؤية الهلال؛ فإذا رئي رؤية عامة؛ فقد وجب الصوم, سواء رأوه بعد إكمال عدة شعبان أو لتسع وعشرين خلت منه, وهذا أيضاً من العلم العام.
وقد قال الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] , وتواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بوجوب الصوم لرؤيته.
الثالث: أنه يحول بيننا وبين مطلعه غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان.
وذلك أنه إذا لم يُرَ ولم تكمل العدة؛ فإما أن يكون هناك مانع يمنع من رؤيته لمن أرادها وقصدها, أو لا يكون هناك مانع:
стр. 55
فإن لم يكن هناك مانع؛ لم يجز صومه من رمضان, ومنه يوم الشك المنهي عن صومه؛ كما سيأتي إن شاء الله.
وإن كان هناك حائل يمنع من رؤيته, وهو أن يكون دون مطلعه ومنظره سحاب أو قتر؛ يجوز أن يكون الهلال تحته قد حال دون رؤيته؛ فالمشهور عن أبي عبد الله ﵀: أنه يصام من رمضان, ويجزئ إذا تبين أنه من رمضان, ولا يجب قضاؤه. نقله عنه الجماعة, منهم ابناه والمرُّوذي والأثرم وأبو داوود ومهنى والفضل بن زياد.
وهل يقال: يجوز على هذا أن يُسمى يوم شك فيه, فيه روايتان:
إحداهما: يسمى يوم شك, نقلها المروذي؛ فعلى هذا يرجح جانب التعبد.
والثانية: لا يُسمى يوم شك, بل هو يوم من رمضان من طريق الحكم, وهو ظاهر ما نقله مهنى, وهو قول الخلال والأكثرين من أصحابنا.
فعلى هذا لا يتوجه النهي عن صوم يوم الشك إليه إذا قلنا: هو من رمضان, وعليه جماهير أصحابنا.
وروى عنه حنبل: إذا حال دون منظر الهلال حائل؛ أصبح الناس متلوِّمين ما يكون بعد, وإذا لم يحل دون منظره شيء؛ أصبح الناس مفطرين, فإن جاءهم خبر؛ كان عليهم يوم مكانه, ولا كفارة.
فعلى هذا لا يصام من رمضان, وهذا اختيار طائفة من أصحابنا, منهم ابن عقيل والحلواني وأبو القاسم وابن منده؛ فعلى هذه الرواية يستحب له أن يصبح ممسكاً متلوماً, وإن لم يحل دونه شيء؛ أصبح مفطراً.
وروى عنه حنبل في موضع آخر وقد سئل عن صوم يوم الشك, فقال:
стр. 56
صم مع جماعة الناس والإمام، فإن السلطان أحوط في هذا وأنظر للمسلمين وأشد تفقداً، والجماعة؛ يد الله على الجماعة، ولا يعجبني أن يتقدم رجل الشهر بصيام؛ إلا من كان يصوم شعبان؛ فليصله برمضان.
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: لا أرى صيام يوم الشك إلا مع الإمام ومع الناس. قال أبو عبد الله: وأذهب إلى حديث ابن عمر؛ لأن الصلاة والصيام والجهاد إلى الإمام.
٥٦ - يعني ما رواه حنبل عن ابن عمر: أنه قال: «صوموا مع الجماعة، وأفطروا مع الجماعة».
٥٧ - ووجه عدم الصوم ما روي عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم (أو: غبي، أو: غمي) عليكم؛ فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». رواه البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عنه.
٥٨ - ٥٩ - ورواه مسلم من حديث معاذ بن معاذ عن شعبة، والنسائي من حديث ابن علية وورقاء عن شعبة، وقالا: «فإن غُمِّي (غُمَّ) عليكم الشهر؛ فعدوا ثلاثين».
стр. 57
٦٠ - ورواه مسلم من حديث الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد، وقال: «فأكملوا العدد فعدوا ثلاثين يوماً».
٦١ - ورواه أحمد من حديث شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته؛ فإن غبي عليكم؛ فعدوا ثلاثين يوماً».
٦٢ - وعن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الهلال؛ فصوموا، وإذا رأيتموه؛ فأفطروا، فإن غم عليكم؛ فصوموا ثلاثين يوماً». رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه.
٦٣ - ورواه أحمد بهذا اللفظ عن أبي سلمة عن أبي هريرة بإسناد صحيح.
٦٤ - وعن أبي سلمة عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم عليكم؛ فعدوا ثلاثين يوماً، ثم أفطروا». رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ورواه الدارقطني من
стр. 58
حديث إسماعيل بن جعفر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة؛ قال: ورواه أبو بكر بن عياش وأسامة بن زيد عن محمد بن عمرو بهذا. قال: وهي أسانيد صحاح.
٦٥ - وعن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته, وأفطروا لرؤيته؛ فإن حال بينكم وبينه سحاب؛ فكملوا العدة ثلاثين, ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً». رواه أحمد والنسائي.
стр. 59
٦٦ - وفي رواية للنسائي: «فأكملوا العدة عدة شعبان».
٦٧ - ورواه أبو داوود والطيالسي؛ قال: «صوموا لرؤيته, وأفطروا لرؤيته؛ فإن حال بينكم وبينه غمامة أو ضبابة؛ فأكملوا شهر شعبان ثلاثين, ولا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان».
٦٨ - وعن محمد بن حنين, عن ابن عباس؛ قال: [عجبت] ممن يصوم قبل الشهر [وقد] قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الهلال؛ فصوموا, وإذا
стр. 60
رأيتموه؛ فأفطروا, فإن غم عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين». رواه النسائي.
٦٩ - وفي رواية للنسائي والترمذي: «صوموا لرؤيته, وأفطروا لرؤيته؛
стр. 61
فإن حالت دونه غيابة؛ فأكملوا العدة ثلاثين يوماً. قال الترمذي: حدي حسن صحيح.
٧٠ - ورواه أبو داود ولفظه: «لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين؛ إلا أن يكون شيئاً يصومه أحدكم, ولا تصوموا حتى تروه, ثم صوموا حتى تروه؛ فإن حال دونه غمامة؛ فأكملوا العدة ثلاثين يوماً, ثم أفطروا». هكذا رواه أبو داوود من حديث زائد عن سماك, وقال: رواه حاتم بن أبي صغيرة وشعبة والحسن بن صالح عن سماك بمعناه, ولم يقولوا: «ثم أفطروا».
стр. 62
٧١ - وقد روى مسلم في «صحيحه» عن ابن عباس عن النبي ﷺ ؛ قال: «إن الله تعالى قد أمده لرؤيته؛ فإن أغمي عليكم؛ فأكملوا العدة».
٧٢ - وعن عائشة؛ قالت: «كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره؛ يصوم لرؤية رمضان؛ فإن غم عليه؛ عد ثلاثين يوماً ثم صام». رواه احمد وأبو داوود, وقال الدارقطني: هذا إسناد حسن صحيح.
стр. 63
٧٣ - وعن ربعي عن حذيفة بن اليمان؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة, ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة». رواه أبو داود والنسائي.
стр. 64
٧٤ - ورواه النسائي عن ربعي عن بعض أصحاب النبي ﷺ . ورواه أيضاً مرسلاً.
٧٥ - وعن ربعي بن حراش: أن النبي ﷺ قال: «صوموا لرؤيته, وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم؛ فعدوا شعبان ثلاثين, ثم صوموا؛ فإن غم عليكم؛ فعدوا رمضان ثلاثين ثم أفطروا؛ إلا أن تروا قبل ذلك». رواه الدارقطني.
٧٦ - وعن عمار بن ياسر؛ قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه؛ فقد عصى أبا القاسم ﷺ ». رواه الأربعة, وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 65
٧٧ - وذكره البخاري تعليقاً, فقال: وقال صلة عن حذيفة: «من ضام يوم الشك؛ فقد عصى أبا القاسم».
٧٨ - وعن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة؛ فلا تصوموا حتى تروه؛ فإن غم عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين». هكذا رواه البخاري بهذا الإسناد واللفظ. . . .
٧٩ - والذي في «الموطأ» بهذا الإسناد: أن رسول الله ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرون؛ فلا تصوموا حتى ترو الهلال, ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غم عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين».
стр. 66
٨٠ - ثم روى مالك عن ثور بن زيد عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصوموا حتى ترو الهلال, ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غم عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين».
فلعل. . . .
٨١ - وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان, فضرب بيده, فقال: «الشهر هكذا وهكذا (ثم عقد إبهامه في الثانية) , صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم عليكم؛ فاقدروا ثلاثين». رواه مسلم.
فوجه الدلالة من هذه الأحاديث من وجوه:
أحدها أن قوله: «فأكملوا العدة»: يقتضي إكمال العدة في هلال الصوم وفي هلال الفطر؛ فإن الصوم والفطر قد تقدم ذكرهما جميعاً في قوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم عليكم - في أحد هذين الموضعين -؛ فأكملوا العدة؛ لأن اللفظ مطلق؛ فلا يجوز تقييده, ولأنه لو اختلف حكم الهلالين؛ لبينه, ولا يجوز حمله على أنه إن غم فيهما جميعاً؛ لأن غمه أغم من أن يُغم فيهما أو في أحدهما, فيجب حمله على الصور [تين] جميعاً, وأن لا يحمل على واحد منهما.
стр. 67
الثاني: أن قوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة»: صريح في هذا الحكم.
الثالث: أن قوله في حديث أبي هريرة: «فأكملوا عدة شعبان» , وكذلك في حديث ابن عباس وفي حديث ابن عمر: «لا تصوموا حتى تروه؛ فإن غم عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين»: خاص في عدة شعبان, وفي أنه لا يُصام حتى يُرى الهلال.
الرابع: حديث عائشة نصٌّ مفسر بقولها: «عدَّ ثلاثين يوماً ثم صام».
الخامس: أن حديث عمار مفسر بالنهي عن صوم يوم الشك, وهذا يوم شك؛ لأنه يحتمل أن يكون من شعبان ويحتمل أن يكون من رمضان, ولا معنى للشك إلا التردد بين الجهتين.
وأما رواية من روى: «فاقدروا له»؛ فمعناها: احسبوا له وعدوا له حتى يعلم الوقت الذي يتيقن فيه طلوعه, وهو عند إكمال العدة؛ كما جاء مفسراً: «فاقدروا ثلاثين».
٨٢ - وكما روى أيوب: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل البصرة: «بلغنا عن رسول الله ﷺ نحو حديث ابن عمر عن النبي ﷺ , زاد: وإنَّ أحسن ما يقدر له: أنَّا إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا؛ فالصوم إن شاء الله لكذا وكذا؛ إلا أن يروا الهلال قبل ذلك». رواه أبو داوود في «سننه».
فقوله: «إلا أن تروا الهلال قبل ذلك»: دليل على أنهم فهموا من قوله:
стр. 68
«فاقدروا له»: كمال العدة؛ لأن الهلال لا يُرى قبل ليلة الثلاثين, وإنما يُرى قبل الحادية والثلاثين.
وقد زعم بعضهم أن حديث ابن عمر منسوخ؛ لأن التقدير هو حساب الوقت الذي يطلع فيه, وهذا إنما يعلمه أهل الحساب, ونحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. وقد يكون القدر بأن ينظر إلى طلوعه صبيحة ثمانٍ وعشرين؛ فإن رئي تلك الغداة؛ علم أن الشهر تام, وأنه لا يطلع ليلة الثلاثين, وإن لم يُرَ فيها؛ عُلم أن الشهر ناقص, وأنه يطلع ليلة الثلاثين, لكن يضيق اعتبار هذا على الناس, وقد لا ينضبط, فنسخ بإكمال العدة. وأيضاً؛ فإنها عبادة يتيقن دخول وقتها, فلم تفعل في وقت الشك؛ كالصلاة والحج, ولأنه شك في طلوع الهلال؛ فلا يشرع معه الصوم؛ كالشك في الصحو. . . .
وأما من جعل الناس تبعاً للسلطان؛ فلقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. . .﴾ [الحجرات: ١].
٨٣ - ولقوله ﷺ : «صومكم يوم تصومون».
стр. 69
٨٤ - وقال ابن عمر: «صم مع الجماعة, وأفطر مع الجماعة». رواه حنبل.
٨٥ - وقال أبو سعيد: «إذا رأيت هلال رمضان؛ فصم, وإذا لم تره؛ فصم مع جماعة الناس, وأفطر مع جماعة الناس». رواه الأثرم.
ولأن الإِمام أحوط في هذا وأشد مراعاة, فوجب اتباعه في هذا كما يتبع فيما يأمر به من الجهاد وغيره, وكما لو قال ثبت عندي صوم أول يوم من رمضان, وكان ثبوته بشاهد واحد؛ وجب اتباعه على مَنْ لا يوجب الصوم بشاهد واحد. ذكره القاضي.
٨٦ - ووجه الأول: ما رواه أحمد, حدثنا إسماعيل, أنبأ أيوب, عن نافع, عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الشهر تسع وعشرون؛ فلا تصوموا حتى تروه, ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غم عليكم؛ فاقدروا له». قال نافع: فكان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون؛ يبعث مَنْ ينظر, فإن رأى؛ فذاك, وإن لم يُرَ ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر؛ أصبح مفطراً, وإن حال دون منظره سحاب أو قتر؛ أصبح صائماً. رواه الجماعة إلا
стр. 70
الترمذي؛ إلا أن قوله: قال نافع. . . إلى آخره؛ فإنما رواه أحمد وأبو داوود.
٨٧ - وفي رواية أبي داوود: وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب.
٨٨ - وقال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد, عن عبيد الله, حدثني نافع, عن ابن عمرو؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «الشهر تسع وعشرين, هكذا وهكذا, فإن غم عليكم فاقدروا له». وكان ابن عمر إذا كان ليلة تسع وعشرين وكان في السماء سحاب أو قتر أصبح صائماً.
قال أصحابنا: فوجه الدلالة من وجوه:
أحدها: أن ابن عمر قد روى عن النبي ﷺ قوله: «فاقدروا له» , وفسر ذلك بأن كان يصوم يوم الثلاثين مع إغماء السماء, والصحابي إذا روى عن النبي ﷺ لفظاً مجملاً, وفسره بمعنى؛ وجب الرجوع إلى تفسيره؛ لأنه أعلم باللغة ولأنه يدري بقرائن الأحوال من النبي ﷺ ما يعلم به قصده, وقرائن الأحوال في الغالب لا يمكن نقلها, ولأنه شهد التنزيل وحضر التأويل وشاهد الرسول, فيكون أعلم بما ينقله ويرويه؛ فكيف بما قد نقله ورواه؟!
стр. 71
٨٩ - ولهذا رجع ابن عمر في تفسيره التفرق أنه التفرق بالأبدان لما روى حديث: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» , لا سيما والراوي هو ابن عمر, وكان في اتباعه للسنة وتحريه لدينه بالمكان الذي لا يخفى, وتفسيره مقدم على تفسير غيره ممن هو بعده في الفقه واللغة.
الثاني: من جهة اللغة؛ فإنهم يقولون: قدرت الشيء أقدُره وأقدِره قدراً بمعنى قدَّرته أقدِّره تقديراً, يقولون: قَدَر الله هذا الأمر وقَدَّره من القضاء, وقَدَرْت الشيء وقَدَّرْته من الحساب, وقَدَر على عياله قَدْراً مثل قَتَر وقُدِر على الإنسان رزقه مثل قُتِر, قال جماعة من أهل اللغة: قَدَر يَقْدِر بمعنى ضيق, ومنه قوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]؛ أي: نضيق, وقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: ١٢] أي: يضيق, فإن كان قوله: «فاقدروا له»؛ بمعنى: ضيقوا له؛ فالتضييق لا يكون إلا بأن يحسب له أقل زمان يطلع فيه, وهو طلوعه ليلة الثلاثين, وإن كان بمعنى: قدروا له؛ فإن التقدير الحساب والعدد, وذلك يطلق على التقدير بالثلاثين وعلى التقدير بالتسع والعشرين؛ فالقدر بالثلاثين هو القدر في آخر الشهر, وعلى ذلك تحمل الرواية المفسرة إن صحت فإن مدارها. . .؛ فإن الراوي لها ابن عمر, ومحال أن يروي: «فاقدروا له» في أول الشهر ثلاثين ويقدر هو تسعاً وعشرين.
٩٠ - وقد روي ذلك مفسراً من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدَّموا الشهر (يعني: رمضان) بيوم ولا يومين؛ إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم, صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم
стр. 72
عليكم فاقدروا ثلاثين يوماً ثم أفطروا» , رواه أحمد, والقدر بالتسع والعشرين يكون في أول الشهر؛ لتفسير ابن عمر, ولأنه أحوط للصوم؛ فالقدر في كل هلال بما يقتضيه, كما كانت البينة في كل هلال بحسبه؛ ففي أوله يقبل قول الواحد وفي آخره لا بد من اثنين.
الثالث: قوله: «إنما الشهر تسع وعشرون. . .» إلى قوله: «فإن غم عليكم فاقدروا له»؛ فلولا أنه أراد التقدير له بالتسع والعشرين لم يكن لذكرها هنا معنى, بل أعلمهم أن الشهر الذي لا بد منه تسع وعشرون, واليوم الموفي ثلاثين قد يكون وقد لا يكون, فإذا غم الهلال؛ فعدوا له الشهر المذكور, وهو التسع والعشرون.
ويوضح ذلك أنه أتى بقوله: «فلا تصوموا حتى تروه, ولا تفطروا حتى تروه» عقب قوله: «إنما الشهر تسع وعشرون» بحرف الفاء المشعرة بالسبب؛ فكأنه قال: الشهر الذي لا بد منه تسع وعشرون؛ فاقدروا له هذا العدد إذا غم عليكم.
الرابع: قد قيل: معناه: فاقدروا له زماناً يطلع في مثله الهلال:
٩١ - كما في حديث عائشة: «فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن
стр. 73
المشتهية للنظر»؛ أي: اقدروا زماناً يقف في مثله جارية حديثة السن.
٩٢ - وأيضاً؛ فما روى أحمد في «مسائل الفضل بن زياد» بإسناده عن أبي عثمان؛ قال: قال عمر: «ليتق أحدكم أن يصوم يوماً من شعبان, ويفطر يوماً من رمضان؛ فإن تقدم قبل الناس؛ فليفطر إذا أفطر الناس».
[فـ] نهى من احتاط بالصوم في أول الشهر أن يبني على ذلك في آخره, فيفطر يوماً من رمضان, وأمره أن يجعل احتياطه في الطرفين.
٩٣ - وعن الزهري, عن سالم؛ قال: «كان أبي إذا أشكل عليه شأن الهلال؛ تقدم قبله بصيام يوم».
وقد تقدم رواية نافع عنه بالفَصْل بين الصحو والغيم.
٩٤ - و [عن] معاوية بن صالح, عن أبي مريم؛ قال: سمعت أبا هريرة يقول: «لأن أتعجل في صيام رمضان بيوم أحب إلي [من] أن أتأخر؛ لأني إذا تعجلت؛ لم يفتني, وإذا تأخرت؛ فاتني».
وفي لفظ آخر: «تقدم رمضان بيوم من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان».
٩٥ - وعن عبد الله بن هبيرة, عن عمرو بن العاص: «أنه كان يصوم
стр. 74
[اليوم] الذي يشك فيه من رمضان».
٩٦ - وعن مكحول وابن [حلبس]: أن معاوية بن أبي سفيان كان يقول: «إن رمضان يوم كذا وكذا, ونحن متقدمون؛ فمن أحب أن يتقدم؛ فليتقدم, ولأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان».
٩٧ - وعن يحيى بن أبي إسحاق؛ قال: «[رأيت] هلال الفطر: إما عند الظهر, وإما قريباً منها, فأفطر ناس من الناس, فأتينا أنس بن مالك, فأخبرناه برؤية الهلال, وبإفطار من أفطر, فقال هذا اليوم يكمل لي واحد وثلاثين يوماً, وذلك أن الحكم بن أيوب أرسل إليَّ قبل صيام الناس: إني صائم, فكرهت الخلاف عليه, فصمت, وأنا متم صوم يومي هذا إلى الليل».
стр. 75
٩٨ - وعن عبد الله بن أبي موسى عن عائشة: «أنها كانت تصوم اليوم الذي تشك فيه من رمضان».
٩٩ - وعن [فاطمة بنت المنذر عن أسماء]: «أنها كانت تصوم اليوم الذي يُشك فيه من رمضان».
١٠٠ - وروى أحمد في «المسند» عن عبد الله بن أبي موسى؛ قال:
следующие страницы →