← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17441

ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية

عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم

Полный текст (124 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أشرف من متابعة الحبيب في: أوامره، وأفعاله، وأخلاقه، بآدابه؛ قولاً، وفعلاً، ونية، وعقداً». وفيها أيضاً «١٠/ ٢٥٧»، عن الجنيد أنه قال: «الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول؟؟؟؟؟ سنته ولزم طريقته، فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه». وفيها أيضاً «١٠/ ١٩٠»، عن أبي محمد سهل بن عبد الله التُّستري، أنه قال: «أصولنا ستة أشياء: التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنَّة رسول الله ﷺ ، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق». وقال: «على هذا الخَلْقِ مِنَ اللهِ: أن يلزموا أنفسهم سبعة أشياء: فأولها: الأمر والنهي - وهو الفرض -، ثم السنَّة، ثم الأدب، ثم الترهيب، ثم الترغيب، ثم السَّعة. فمن لم يلزم نفسه هذه السبعة، ولم يعمل بها لم يكمل إيمانه، ولم يتمَّ عقله، ولم يتهنَّأ بحياته، ولم يجد لذة طاعة ربه». وجاء في «الشفاء» للقاضي عياض «٢/ ٥٥٨» عنه ﵀ أنه قال: «أصول مذهبنا ثلاثةٌ: الاقتداء بالنبي ﷺ في الأخلاق والأفعال. والأكل من الحلال.

стр. 37

وإخلاص النية في جميع الأعمال». هذا طرفٌ مما جاء في هذا الأصل العظيم من أصول الدين، وهو اتباع السُّنَّةِ والعمل بها، وهو «بابٌ يطول تتبعه جداً» (١). فليكن ما مرَّ حافزاً للمسلمِ على التعلق بأهداب السُّنَّةِ، ومراعاة تطبيقها في كلِّ شأنٍ من شؤونه، فعلى قدر محبته للرسول ﷺ تكون متابعته؛ فليقلَّ أو ليستكثر. * * *

стр. 38

فوائد العمل بالسنَّة ومتى حافظ المسلمُ على السُّنَّةِ محافظته على الطعام والشراب الذي به قوام البدن أو أشدَّ: غمرته الفوائد الدينية والدنيوية، كما قال ابن قدامة ﵀: «وفي اتباع السنَّة: بركةُ موافقة الشرع، ورضى الربِّ ورفع الدرجات، وراحة القلب، وَدَعَةٌ البَدَنِ، وترغيمُ الشيطان، وسلوكُ الصراط المستقيم». اهـ (١). وقد قال ابنُ حبَّان - رحمه الله تعالى - في مقدَّمة صحيحه: وإِنَّ في لزوم سُنَّتِه: تمامَ السلامة، وَجِمَاعَ الكرامةِ، لا تطفأْ سُرُجُها، ولا تُدْحضُ حججُها، من لزمَهَا عُصِم، ومن خالفها نَدِمَ، إذْ هي الحصنُ الحصين، والركنُ الركين، الذي بان فضْلُه، ومَتُنَ حبْلُهُ، ومن تَمَسَّكَ به ساد، ومن رام خلافه باد. فالمتعلِّقون به أهل السعادةِ في الأجل، والمغبوطونَ بين الأنام في العاجل. اهـ (٢). وقال الغزالي - في كلامٍ له متين بهذا الصدد -:

стр. 39

«اعلم أن مفتاح السعادة: في اتباع السنَّة والاقتداء برسول الله ﷺ في جميع مصادره وموارده، وحركاته وسكناته؛ حتى في هيئة أكله وقيامه، ونومه وكلامه. لستُ أقول ذلك في آدابه في العبادات فقط، لأنه لا وجه لإِهمالِ السنن الواردة في غيرها، بل ذلك في جميع أمور العادات: فَبِهِ الاتباع المطلق، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَآءَاتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ ...﴾. فهل - بعد ذلك يليق بعاقلٍ أن يتساهل في امتثال السنَّة، فيقول: هذا من قبيل العادات فلا معنى للاتباع فيه؟! فإن ذلك يغلق عنه باباً عظيماً من أبواب السعادة». اهـ (١). وهذا الذي قاله أبو حامدٍ هو دأب السلف ﵃ كما قال القاضي عياض في «الشفا» (٢). «... وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس؛ وقد قال أنس حين رأى النبيَّ ﷺ يتتبع الدُّبَّاء من حوالي القصعة: فما زلت أحب الدُّباء من يومئذٍ.

стр. 40

وهذا الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، وابن جعفرٍ أتوا سَلْمى وسألوها أن تضع لهم طعاماً مما كان يعجب رسول الله ﷺ . وكان ابن عمر يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة، إذْ رأى النبي ﷺ يفعل ذلك». اهـ. فلو أن كلَّ فردٍ من أبناء هذه الأمة نَشَأَ وبين عينيه سيرة رسول الله ﷺ ، يأخذ منها آدابَهُ وأخلاقه، وحركته وسكونه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً: لنشأَ جيلٌ إيمانه كالجبال، يقذِفُ الرُّعْبَ في قلوب أعدائنا على مسيرة شهرٍ، وينهض بالأمةِ إلى أعلى ما تصبوا إليه من السعادة والسيادة. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن ينَصُرُهُ إِنَ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. هذا وللالتزام بالسنَّة ثمارٌ وفوائد لا تحصى، نقتصر منها على ما يلي: * أولاً - الوصول إلى درجة «المَحَبَّة» محبة الله لعبده المؤمن: قال ابن القيم ﵀: «لما كثر المدعون للمحبّة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخَلِيُّ حُرْقَةَ الشَّجِيِّ، فتنوَّع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إِلا ببينة: ﴿قُلْ إِن كُنُتمْ تحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾. فتأخر الخلقُ كلهم، وثبت أتباعُ الحبيب في: أفعاله، وأقواله،

стр. 41

وأخلاقه». اهـ (١). وقد روى البخاري في صحيحه (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنّه ...». ففي هذا الحديث العظيم دليلٌ على أن النوافلَ سببٌ من الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى لعبد، وبيانٌ لما يترتب على هذه المحبَّة من الخصال الحميدة. فمن أحبَّهُ الله تعالى كان سمعَهُ الذي يسمع به، بمعنى: أن الله يوفقه لسماع أحسن الكلام، ويصرفه عن سماع سيئة؛ وكان يَدَهُ التي يبطش بها، بمعنى: أن الله يوفقه لاستعمال هذه الجارحة في حدود الشرعيات: من الكسب المباح، وإنكار المنكرات، وتناول الطيبات، كما يوفقه تعالى إلى كفِّها عن كلِّ محرَّمٍ تَسْتَطِيْعُ تناولَهُ، وأخذَه. وهكذا قوله تعالى: كنت بصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها.

стр. 42

وهناك خصلةٌ أخرى تترتب لمن حصلت له هذه المحبَّة، هي: ما جاء في حديث أبي هريرة - المتفق عليه - أن النبي ﷺ قال: «إذا أحب اللَّهُ العبْدَ نادى جبريلَ: إن الله يحب فلاناً فأحبِبْهُ، فيحبُّه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء؛ إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبُّه أهل السماء، ثم يوضع له القبولُ في الأرض» (١)، هذا لفظ البخاري. * ثانيا - أن المحافظة على النوافل تجبر كسر الفرائض: لما رواه داود في سننه (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: «إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم: الصلاة، قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته - وهو أعلم -: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوُّع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم». ومما لا ريب فيه: أن الإتيان بالفرائض كما أراده الله متعذرٌ على أكثر الناس، إذْ لا يخلو عملهم من نقصٍ، كترك الخشوع في الصلاةِ وعدم الطمأنينة فيها، وكاللغو والغيبة والنميمة حالَ الصيام،

стр. 43

والجدالِ والفسق في الحجِّ ... إلخ؛ فكلُّ هذه وأمثالها يؤاخذ العبد بها، وتُنْقِصُ ثواب فرضه. إلاَّ أن الله لجزيل فضله وسعة رحمته جعل للعبد ما يتمم هذا النقص، ويُقَوِّمُ هذا الخلل؛ وذلك بمحافظته على ما شُرعَ من السنن والنوافل. فلا يليق بعاقلٍ - بعد هذا - أن يزهد فيما يتمِّمُ ويكمِّلُ فرضَهُ، ويُدْنِيهِ من رضاء ربه. قال الشاطبي في «الموافقات» (١). المندوب إذا اعتبرته اعتبارا أعمَّ من الاعتبار المتقدم وجدته خادماً للواجب، لأنه إما مقدمة له، أو تكميل له، أو تذكار به، كان من جنس الواجب أو لا. فالذي من جنسه: كنوافل الصلوات مع فرائضها، ونوافل الصيام، والصدقة، والحج، وغير ذلك مع فرائضها. والذي من غير جنسه: كطهارة الخبث في الجسد، والثوب، والمُصَلَّى، والسواك، وأخذ الزينة، وغير ذلك مع الصلاة؛ وكتعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وكفُّ اللسان عما لا يعني مع الصيام، وما أشبه ذلك. فإذا كان كذلك فهو: لاحقٌ بقسم الواجب بالكل، وقَلَّما يشذّ عنه مندوب يكون مندوباً بالكل والجزء. اهـ.

стр. 44

* ثالثاً - للمتمسك بالسنَّة فضلٌ كبيرٌ، ويزداد فضلُه رفعة كلّما كان الزَّمَنُ زمن إعراضٍ عن السنَّة، وإيذاءٍ لمن تمسك بها. روى المروزي في السنَّة (١) «ص: ٩» عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عتبة بن غزوان، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه: أجرُ خمسين منكم» قالوا: يا نبي الله! أَوْ منهم؟ قال: «بل منكم». وأخرج الترمذي (٥/ ٢٥٧) - وغيره - عن عبد الله بن المبارك، أخبرنا عتبة بن أبي حكيم، حدثنا عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أميَّة الشَّعْباني، عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن النبي ﷺ قال: «... فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبضَ على الجمر، للعامل فيهن مثلُ أجرِ خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم». قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم». قال الترمذي: حديث حسن غريب. اهـ (٢). وقد قال الإمام ابنُ القيم ﵀ في «النونية»: هذا وللمتمسِّكين بسنَّة الـ ... ـمختار عند فَسَادِ ذي الأزْمانِ

стр. 45

أجرٌ عظيمٌ ليس يقدرُ قَدْرَهُ ... إلا الذي أعطاه للإنسان فروى أبو داودَ في سُنَنٍ له ... ورواه - أيضاً - أحمدُ الشيبانِي أثراً تضمَّن أَجْرَ خَمْسِيْنَ امريءٍ ... من صَحْبِ أحمدَ خِيْرةِ الرحمنِ إسنادُهُ حَسَنٌ، ومِصْدَاقٌ له ... في «مسلم» فافْهَمْهُ فَهْمَ بَيَانِ إنَّ العبادةَ وقْتَ هَرْجٍ هِجْرَةٌ ... حقاً إليَّ وذاكَ ذو بُرْهانِ هذا فكم مِّنْ هِجْرَةٍ لكَ أيُّها الـ ... ـسُّنِّيُّ بالتَّحقِيْقِ لا بأَمانِ هذا وكم مِّنْ هجرةٍ لهُمُ بما ... قال الرَّسولُ، وجاء في القرآنِ ولقد أتى مصداقَهُ في «التَّرْ ... مِذِيَّ» لمنْ له أُذُنانِ واعيتانِ في أَجْرِ مُحْيِيْ سُنَّةٍ ماتتْ فذا ... كَ مع الرَّسولِ رَفيْقَةُ بجنانِ هذا ومصداقٌ له - أيضاً - أتى ... في «الترمذيِّ» لمنْ له عينانِ

стр. 46

تَشْبيهَ أُمَّتِهِ بغيثٍ: أوَّلٌ ... مِنْهُ وآخِرُهُ فَمشْتَبِهَانِ فلذاكَ لا يدري الذيْ هو مِنْهُمَا ... قدْ خُضَّ بالتفصِيْلِ والرُّجحَانِ وَلَقَدْ أتى أثرٌ بأنَّ الفَضْلَ في الـ ... طَّرَفَيْنِ أعني أولاً والثاني والوَسْطُ ذو ثَبَجٍ فأَعْوَجُ هكذا ... جاء الحديثُ وليس ذا نُكْرانِ ولقد أتى في «الوحي» مصداقٌ له ... في الثلَّتَيْنِ وذاك في القرآنِ أهلُ اليمينِ فَثُلَّةٌ مَعْ مثْلِها ... والسابقونَ أقلُّ في الحسبانِ ما ذاكَ إلا أنَّ تابِعَهُمْ هُمُ الـ ... غُرَبَاءُ ليستْ غربةَ الأوطانِ لكنَّها واللهِ غربةُ قائِمٍ ... بالدِّين بين عساكر الشيطانِ فلذاكَ شبَّهَهم بِهِ متبوعُهُمْ ... في الغُربَتَيْنِ وذاك ذو تبيانِ لم يُشْبِهُوْهُمْ في جميعِ أُمُوْرِهِمْ ... مِنْ كلِّ وجهٍ لَيْسَ يستويان (١)

стр. 47

* رابعاً - أن في العمل بالسُنَّةِ عصمةً من الوقوع في البدع: وفي هذا يقول أبو محمد عبد الله بن منازل ﵀: «لم يضيِّع أحدٌ فريضةً من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السُّننِ، ولم يُبتَلَ بتضييع السُّنَنِ أحد إلا يوشك أن يبتلى بالبدعِ». ولذا قال السلفُ - كما تقدم -: «الاعتصامُ بالسنَّةِ نجاة» فالاعتصام بالسنَّةِ نجاةٌ من كلِّ ما يعيقُ المسلم عن ربِّه تعالى، وأعظم ذلك خطراً؛ البدعُ التي هي بريدُ الكفر. فالبدعُ إنما تفشوا في تلك المجتمعات التي انطفأ نور السنة فيها، فلمْ تَرَ جاهراً بها، ولا داعياً إليها، ولا حاثًّا على امتثالها، وفي ذلك يقول ابن عباس ﵄: «ما يأتي على الناس من عامٍ إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن» رواه ابن وضاحٍ في «البدع والنهي عنها». * خامسًا: أن الحرصَ على القيام بالسنن من تعظيم شعائر الله: وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقَوى الْقُلُوبِ﴾. وشعائر الله: عام في جميع شعائر الله (١)، ومنها المناسك كلها، والهدايا، والقربانُ للبيتِ.

стр. 48

ومعنى تعظيمها: إجلالها، والقيام بها، وتكمليها على أكمل ما يقدر عليه العبد (١). فتعظيمُ الهدايا، يكون بمراعاة السُّنَّةِ فيها، بأن تكون سمينة حسنة، كما قال ابن عباس، وغيره (٢). وتعظيم هذه الشعائر لا يقوم إلا بقلبٍ بَلَغَ من التقوى ذراها. فالمعظم لها، يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه، لأن تعظيمها تابعٌ لتعظيم الله وإجلاله (٣). وإن من أعظم شعائر الله تعالى السُّنَنَ التي سنَّها رسول الله ﷺ ، فالمحافظة عليها، والوصية بها؛ من إجلال هذه الشعائر، وتعظيمها، المنبعثِ من ذوي تقوى القلوب. * سادساً: أن للعاملِ بالسُّنَّةِ مِثْلَ أجرِ من تَبِعَهُ لا ينقصُ من أجرهم شيئاً: ودليل ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (٢/ ٧٠٤) عن جرير بن عبد الله قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ في صدرِ النَّهار، قال: فجاءه قومٌ حفاةٌ عراةٌ مجتابيْ النِّمارِ أو العِبَاء، متقلدي السيوف، عامَّتُهُمْ من مضر، بل كلهم من مضر. فتمعَّر وجه رسول الله ﷺ لِمَا رأى بهم من القافة.

стр. 49

فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ - إلى آخر الآية - إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، تَصَدَّقَ رجلٌ من دينارِهِ، من درهمه، من ثوبه، من صاعِ بُرِّه، من صاع تمره «حتى قال» ولو بشقِّ تمرة». قال «فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرِّةٍ كادتْ كفُّهُ تعجزُ عنها، بل قد عَجَزَتْ، قال: ثم تَتابَعَ الناسُ حتى رأيتُ كَوْمَيْن من طعامٍ وثيابٍ، حتى رأيتُ وجه رسول الله ﷺ يتهلَّلُ، كأنهَّ مُذْهَبَة. فقال رسول الله ﷺ : «من سَنَّ في الإسلام سنةً حسنةً، فله أجرها، وأجْرُ مَنْ عَمِلَ بها بعده. من غَيْرِ أن ينقُصَ من أُجورهم شيء ...» الحديث. قال النووي في «شرح مسلم» على قوله: «من سنَّ ...»: فيه الحثُّ على الابتداء بالخيرات ... وسببُ هذا الكلامِ في هذا الحديثِ أنه قال في أوَّله: فجاء رجلٌ بصُرَّةٍ كادت كَفه تعجز عنها فتتابع الناس، فكان الفضل العظيم للبادي بهذا الخير، والفاتح لبابِ هذا الإحسان. اهـ (٧/ ١٠٤). فإذا أحيا المسلمُ سنة، فاقتدى به غيرُه، فله أجرُ العَمَل بها، وله مثل أجرِ من اقتدى به فيها، ولا ريب أَن هذا فضلٌ كبيرٌ، ينبغي للمسلمِ أن يُدْرِكَه، فإنَّ به تحصيلَ الثوابِ العظيم من أبوابٍ كثيرةٍ.

стр. 50

* سابعاً: في الالتزام بالسَّنَّة أمنُ الافتراق: فإنَّ الاجتماعَ على الَعَمَلِ بالسنُّةِ يَمْنَعُ وقوع كثيرٍ من الخلافاتِ المؤدِّية إلى العداوة والبغضاء. ولذا فإنَّ مجتمع أهل السنَّةِ تنعدمُ فيه الفرقة المذمومة، التي تبدو ظاهرة في مجتمعات أهل البدع. قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: «والبدعةُ مقرونةٌ بالفُرْقةِ، كما أنَّ السنَّة مقرونةٌ بالجماعة» (١). اهـ. وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاَءَهُمُ الْبَيِّنَاَتُ ...﴾ الآية. قال قتادة في تفسيرها: «يعني أهل البدعِ». اهـ. فأهل البدع هم أهل الاختلافِ والتَّفَرّقِ، لتركهم السنَّة، واتباعهم السُّبُلَ. قال عبد الرحمن بن مهدي: وقد سئل مالك بن أنس عن السُّنَّةِ؟ قال: «هي ما لا اسم له غيرُ السنَّة، وتلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. اهـ (٢).

стр. 51

وفيما نقل عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُون مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال في المختلفين: «إنهم أهل الباطل». ﴿إِلا من رحم ربك﴾، قال: فإن أهل الحقِّ ليس فيهم اختلاف. اهـ (١). وعن عكرمة: ﴿وَلا يَزَالُون مُخْتَلِفِينَ﴾: يعني: «في الأهواء» ﴿إِلا من رحم ربك﴾: «هم أهل السنَّة». وروى ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس: «أنَّ أهل الرحمة لا يختلفون». اهـ (٢). وفي وصيَّة أبي العالية أنه قال: «... وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء». فقال الحسن البصري: «﵀، صَدَقَ ونَصَحَ». اهـ (٣). وكان إبراهيم التيمي يقول: «اللهم اعصمني بدينك وبسنَّةِ نبيِّك؛ من الاختلاف في الحقِّ، ومن اتباع الهوى، ومن سُبُلِ الضلالة، ومن شبهات الأمور، ومن الزَّيْغِ والخصومات» (٤). * * *

стр. 52

فصل في حكم ترك السنن تقدَّم أن للحنفية اصطلاحاً خاصاً بهم في «السُّنة» فهم يفرقون بينها، وبين «النَّفْل»، ونشأ عن هذا التفريق: ترتيب حكمٍ لكلِّ واحدٍ منهما. قال البزدوي في أصوله: «والسنَنُ نوعان: سنَّة الهدى؛ وتاركها: يستوجب: إساءةً، وكراهيةً. والزوائِدِ؛ وتاركها: لا يستوجب إساءة ... وأما النفلُ فما يثاب المرء على فعله، ولا يعاقب على تركه ...» اهـ. قال علاء الدين البخاري في شرحه لأصول البزدوي، المسمى «كشف الأسرار» (١). «قوله: «سنَّة الهدى» يعني: سنةً أخذها من تكميل الهدى - أي الدين - وهي التي تعلق بتركها: كراهية وإساءة ... وهي مثل: الأذانِ، والإقامة، والجماعة، والسنن الرواتب.

стр. 53

ولهذا قال محمد - أي ابن الحسن - في بعضها: إنه يصير مسيئاً، وفي بعضها: إنه يأثم، وفي بعضها: يجب القضاء، وهي: سنَّة الفجر، ولكن لا يعاقب بتركها، لأنها ليست بفريضة ولا واجبة. و «الزوائد» أي: النوع الثاني: الزوائد، وهي التي لا يتعلق بتركها كراهة ولا إساءة، نحو: تطويل القراءة في الصلاة، وتطويل الركوع والسجود، وأفعاله خارج الصلاة من المشي، واللبس، والأكل. فإن العبد لا يطالب بإقامتها، ولا يأثم بتركها، ولا يصير مسيئاً. والأفضل أن يأتي بها، كذا في بعض مصنفات الشيخ ... قوله: «وأما النفل فما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه». قال القاضي الإمام: نوافل العبادات هي التي يبتدئ بها العبدُ زيادةً على الفرائض، والسنن المشهورة. وحكمها: أن يثاب العبد على فعلها، ولا يذم على تركها، لأنها جعلت زيادةً له لا عليه، بخلاف السنَّة؛ فإنها طريقة رسول الله ﷺ ، فمن حيث سبيلها الإِحياءُ، كان حقاً علينا، فعوتبنا على تركه». اهـ. ومثال النفل عندهم «ما زاد على القَصْرِ من صلاة السفر» وهو الشفع الثاني، لأن العبد لا يلام على تركه رأساً وأصلاً، ويثاب على فعله في الجملة. فتبيَّن بهذا أن الأقسام عند الحنفية ثلاثةٌ: سنن الهدى - ويقال لها: السنَّة المؤكدة - كالأذان، والإقامة، والسُّنَنِ المروية، والمضمضة

стр. 54

والاستنشاق؛ وسنن الزوائد، كأذان المنفرد، والسواك، ونحوها؛ ونفلٌ ومنه: المندوب والمستحب. قال ابن عابدين في «حاشيته» (١): «... أقول: فلا فرق بين النفل وسنن الزوائد من حيث الحكم، لأنه لا يكره ترك كلٌّ منهما». وإنما الفرق كون الأول - النفل - من العبادات، والثاني - سنن الزوائد - من العادات ... قال: وقد مثلوا لسنَّة الزوائد بتطويله ﷺ القراءة والركوع، والسجود؛ ولا شك في كون ذلك عبادة، وحينئذٍ فمعنى كون سنةِ الزوائد عادةً أن النبي ﷺ واظب عليها حتى صارت عادةً له، ولم يتركها إِلا أحياناً، لأن السنَّة هي: الطريقة المسلوكة في الدين فهي في نفسها عبادة، وسميت عادةً لما ذكرنا. ولما لم تكن من مكملات الدين وشعائره سميت: سنَّة زوائد، بخلاف سنَّة الهدى، وهي: السنن المؤكدة القريبة من الواجب التي يضلل تاركها، لأن تركها: استخفاف بالدين، وبخلاف النفل، فإنه كما قالوا: ما شرعَ لنا زيادة على الفرض والواجب والسنَّة بنوعيها، ولذا جعلوه قسماً رابعاً، وجعلوا منه: المندوب، والمستحب، وهو ما ورد بد دليل ندبٍ يخصه، كما في «التحرير». فالنفل: ما ورد به دليل ندبٍ عموماً أو خصوصاً، ولم يواظب عليه النبي ﷺ ، ولذا كان دون سنَّة الزوائد، كما صرَّح به في «التنقيح». وقد

стр. 55

يطلق النفل على ما يشمل السنن الرواتب، ومنه قولهم: باب الوتر والنوافل، ومنه تسمية الحج نافلةً ... إلخ». اهـ. وتبيَّن أن الأحكام المترتبة على هذه الأقسام كما يلي: أما سنن الهدى: فإن فاعلها يثاب، وتاركها بلا عذرٍ - على سبيل الإصرار - يستحق الحرمان من الشفاعة (١)، ويستوجب اللوم، والتضليل لاستخفافه بالدين. أما سنن الزوائد: فإنه يثاب على فعلها، ولا يستوجب تاركها إساءة ولا كراهة. أما النفل فحكمه حكم السنن الزوائد (٢). بقي مسألة، وهي: هل يلحق تارك سنن الهدى - عندهم - الإثمُ، أو لا؟ نَقَلَ علاء الدين البخاري في «كشف الأسرار» (٣)، عن أبي اليسر أنه قال: «وأما السنَّة فكل نَفْل واظب عليه رسول الله ﷺ مثل التشهُّد في الصلوات، والسنن الرواتب.

стр. 56

وحكمها: أنه يندب إلى تحصيلها، ويلام على تركها، مع لحوقِ إثمٍ يسير». أهـ. ونقل ابن عابدين في «حاشيته» (١) عن كتاب «البحر» أنه قال: «الذي يظهر من كلام أهل المذهب: أن الإثم منوط بترك الواجب أو السنَّة المؤكدة على الصحيح، لتصريحهم بأن من ترك سنن الصلوات الخمس، قيل: لا يأثم، والصحيح أنه يأثم، ذكره في «فتح القدير»». اهـ. هذا مجمل تأصيل الحنفية في هذا المسألة، وما ذكروه من الأمثلةِ المندرجة تحت «التقسيم» فهو باعتبار ما رجّحوه وذهبوا إليه، فتنبه لذلك، لئلا يقع عندك إشكالٌ. وقد وافقهم في الحكم بالتأثيم أفراد من علماء المذاهب الأخرى، منهم القاضي من الحنابلة (٢)، وغيره. * * * أما الجمهور فإنهم يصرِّحون بحكم السنَّة المرادفةِ للمندوبِ والنفل والمستحب في ضمن تعريفاتهم لها، فيقولون: هي «ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه» (٣).

стр. 57

إِلاَّ أنَّ هناكَ سنناً - كالوترِ وركعتي الفجر - يُشدِّدون في تركها مطلقاً. كما أنَّهُمْ يُسَوِّغونَ: الإنكار على مَنْ تركَ سنةً ولو لم تصل إلى درجة «الوتر» ونحوه. فمن الأول: قول الإمام مالك في «الوتر»: «ليس فرضاً؛ ولكن من تركه أُدِّبَ، وكانت جرحةً في شهادته» (١). اهـ. وقال الإمام أحمد: «من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل شهادته (٢)». اهـ. قال ابن مفلح في «الفروع» (٣): «وإنما قال هذا فيمن تركه طول عمره، أو أكثره؛ فإنه يُفَسَّقُ بذلك، وكذلك جميع السنن الراتبة إذا داومَ على تركها. لأنه بالمداومة يحصلُ راغباً عن السنة، وقد قال ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني». ولأنه بالمداومة تلحقُهُ التهمة بأنه غير معتقدٍ لكونه سنَّةً، وهذا

стр. 58

ممنوعٌ منه، ولهذا قال ﵇: «أنا بريء من كلِّ مسلمٍ بين ظهراني المشركين لا تتراءى ناراهما» (١). وإنما قال ذلك لأنه متّهم في أنه يكثّر جمعهم، ويقصد نصرهم، ويَرْغب في دينهم. وكلام أحمد خُرَّج على هذا. وكذا في «الفصول»: الإدمان على ترك هذه السنن الراتبة غير جائز، واحتجّ بقول أحمد في الوتر، لأنه يُعَدّ راغباً عن السنة. وقال بعد قول أحمد في الوتر: وهذا يقتضي أنه حكم بفسقه. ونَقَلَ جماعةٌ: مَنْ تركَ الوتر ليس عدلاً ...» اهـ. وقال النووي في «روضة الطالبين» (٢):

стр. 59

«... ومن اعتاد تركها - أي السنن الرواتب ... - ردَّت شهادتُهُ، لتهاونه بالدين، وإشعارِ هذا بقلَّة مبالاته بالمهمَّات. وحكى أبو الفرج في غير الوترِ وركعتي الفجر: وجهان؛ أنه لا تُرَدُّ شهادته باعتياد تركها». اهـ. وقد سئل الرَّمْلي عن القولين اللذين حكاهما أبو الفرج أيهما المعتمد؟ فأجاب: بأن المعتمد عدم ردِّ شهادته، وهو مقتضى قولهم: المداومة على ترك السنن الراتبة وتسبيحات الصلاة: يقدح في الشهادة». اهـ (١). * * * وقال شيخ الإسلام: «الوتر سنَّة مؤكدة باتفاق المسلمين، ومن أصرَّ على تركه فإنه تردُّ شهادته. ثم حكى تنازع العلماء في وجوبه وقال: لكن هو باتفاق المسلمين سنَّة مؤكدة، لا ينبغي لأحدٍ تركه». اهـ (٢). وسئل ﵀ عمَّن لا يواظب على السنن الرواتب: فأجاب: «من أصرَّ على تركها دلّ ذلك على قلَّةِ دينه، وردّت شهادته في مذهب أحمد، والشافعي، وغيرهما». اهـ (٣).

стр. 60

وقال - أيضاً -: «... حتى أنّ من داوم على ترك السنن التي هي دون الجماعة سقطت عدالتُهُ عندهم ولم تقبل شهادته، فكيف بمن يداوم على ترك الجماعة؟ فإنه يؤمر بها باتفاق المسلمين، ويلامُ على تركها، فلا يُمَكَّنُ من حُكمٍ ولا شهادة ولا فتياً مع إصراره على ترك السنن الراتبة، التي هي دون الجماعة، فكيف بالجماعة ...» اهـ (١). وقال الشاطبي في «الموافقات» (٢): «إذا كان الفعل مندوباً بالجزء كان واجباً بالكلِّ، كالأذان في المساجِدِ الجوامِع، أو غيرها ... وصدقة التّطوُّع، والنكاح، والوِتْر ... وسائر النَّوافل الرواتب؛ فإنها مندوبٌ إليها بالجزء، ولو فُرِضَ تَرْكُها جُمْلَةً: لَجُرِحَ التارِكُ لها، ألا ترى أنّ في الأذان إظهاراً لشعائر الإسلام، ولذلك يستحِقُّ أهل المصر القِتَالَ إذا تركوهُ ... والنكاح لا يخفى ما فيه مما هو مقصود للشارع، من تكثِيْرِ النَّسْلِ، وإبقاءِ النَّوع الإنسانيّ، وما أشبهَ ذلك. فالتركُ لها جملة: مؤثِّر في أوضاع الدِّينِ إذا كان دائما، أما إذا كان في بعض الأوقات فلا تأثير له، فلا محظور من الترك». اهـ. * * * ومن الثاني: ـ وهو تسويغ الإنكار على منْ ترك السُّنَنَ - ما ذكره

стр. 61

الحنابلة - رحمهم الله تعالى - من أن إنكار المنكر قد يكون واجباً، وقد يكون مندوباً. فيكون واجباً إذا تُرِكَ الواجبُ، وفُعل الحرامُ. ويكون مندوباً إذا تُرِكَ المندوبُ، وفُعل المكروه. وهذا أيضاً عند غير الحنابلة، كما ذكره العلامة ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١). قال النووي في شرح مسلم (٢) على حديث أبي هريرة في إنكار عمر على عثمان ﵃ عندما تأخَّرَ عن التكبير لصلاة الجمعة، وعندما تركَ الغُسْلَ لها: «فيه ... الإنكار على مخالف السنَّة، وإن كان كبير القدر». اهـ. وقال عليه الحافظ في «الفتح» (٣): «وفي هذا الحديث من الفوائد ... وإنكار الإمام على من أخلَّ بالفضل وإن كان عظيم المحلّ، ومواجهتُهُ بالإنكار ليرتدعَ مَنْ هو دونه بذلك». اهـ. وقال الحافظ - أيضا - في معرض المناقشة: «الإنكار قد يقع على ترك السُّنَّة». اهـ (٤). * * *

стр. 62

فصل وقد وردت أحاديث وآثار تتضمَّن اللوم والإنكار على من ترك سُنَّة، نذكر طرفاً منها، وكلام أهل العلم عليها: فمن ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخراً - وفي رواية له «رأى رسول الله ﷺ قوماً في مؤَخَّر المسجد» - فقال لهم: «تقدَّموا، فائتموا بي، وليأتم بكم مَنْ بعدكم؛ لا يزال قوم يتأَخَّرون حتى يؤخِّرهم الله». قال النووي في «شرحه»: «حتى يؤخرهم الله تعالى عن رحمته، أو عظيم فضله، ورفْع المنزلة، وعن العلم، ونحو ذلك». اهـ. وقال ابن علان في «دليل الفالحين» (٢): «[لا يزال قومٌ يتأخرون] أي عن اكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل [حتى يؤخرهم الله] عن رحمته، وعظيم ثوابه، وفضله، ورفيع

стр. 63

منزلةِ أهل قربه، حتى يكون عاقبة أمرهم النار، كما جاء في رواية».اهـ. والرواية التي أشار إليها، هي ما رواه عبد الرزاق في المصنف «٢/ ٥٢» قال: أخبرنا عكرمة بن عمَّار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال قومٌ يتخلفون عن الصفِّ الأول حتى يخلِّفَهُمُ الله في النار». وأخرجه من طريق عبد الرزاق: أبو داود في سننه «١/ ٤٣٨» - وبوّب عليه: باب كراهية التأخُر عن الصفِّ الأول -، وابنُ خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٧) - وبوَّب عليه: باب التغليظ في التخلُّف عن الصف الأول -، وابنُ حبان في صحيحه «٥/ ٥٢٩ / الإحسان» وغيرهم. وإسناده ضعيف، عكرمة بن عمَّار اليَمَامي مضعَّفٌ في روايته عن يحيى بن أبي كثير عند الأئمة. ومنها ما رواه البخاري في صحيحه - باب إثم من لم يتم الصفوف - عن أنس ﵁ أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرتَ مِنَّا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ ؟ قال: «ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف». والاحتجاج بهذا الحديث على ما نحن فيه ينبني على قولِ من قال: إن تسوية الصفوفِ مستحبَّة لا واجبةٌ. قال الحافظ في «الفتح» (١):

стр. 64

«ونازعَ - ابن حزمٍ - من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصفّ، وبما صحَّ عن سويد بن غفلة قال: «كان بلال يسوي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة»، فقال: ما كان عمر وبلالُ يضربانِ أحداً على تركِ غير الواجب، وفيه نظر، لجواز أنهما كانا يريان التَّعْزِيْرَ على تركِ السُّنةِ». اهـ. وقال الحافظ - أيضاً - على حديث أنسٍ مرفوعاً: «سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة»: «واستدلَّ ابن حزم (١) بقوله: «إقامة الصلاة» على وجوب تسوية الصفوف قال: لأن إقامة الصلاة واجبةٌ، وكل شيء من الواجب واجبٌ. ولا يخفى ما فيه، ولا سيما وقد بيّنا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة. وتمسَّك ابن بطّال بظاهر لفظ أبي هريرة: (فإن إقامة الصف من حُسْنِ الصلاة» فاستدلّ به على أنَّ التسويةَ سنَّة، قال: لأن حُسْنَ الشَيءِ زيادة على تمامه. وأُورِدَ عليه رواية «من تمام الصلاة». وأجاب ابنُ دقيق العيد، فقال: قد يؤخذ من قوله: «تمام الصلاة» الاستحباب، لأنَّ تمام الشيء في العرفِ أمرٌ زائدٌ على حقيقته التي لا يتحقَّق إِلا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمُّ

стр. 65

الحقيقةُ إلا به. كذا قال!! وهذا الأخذ بعيدٌ، لأن لفظ الشارع لا يحمل إلا على ما دلّ عليه الوضع في اللسانِ العربي، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عُرْف الشارع، لا العرف الحادث. اهـ (١). أما حديث: «لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ اللهُ بين وجوهكم». فقد اختلف في هذا الوعيد هل يحمل على الحقيقة أم المجاز؟ فمن حَمَلَهُ على الحقيقة لزمه القول بالوجوب» (٢). هذا وقد حكى ابن رشد الإجماعَ على عدم الوجوب، فقال في «بداية المجتهد» (٣): «أجمع العلماء على أنَّ الصفَّ الأول مُرَغَّبٌ فيه، وكذلك: تراص الصفوفِ وتسويتها، لثبوت الأمر بذلك عن رسول الله ﷺ ». اهـ. وعلى كلّ فإن المسألة ليس هذا موضع بسطها؛ إلا أن المقصود بها هنا: أن جماهير الأمَّة يرون سُنِّيَّة تراصِّ الصفوفِ وينكرون على من خالفها. فتحصَّل المراد، وهو: الإنكار على من خالف السنن، عند العلماء. ومن ذلك ما اتفقا عليه من حديث عليَّ بن حُسَيْن، أن حُسَيْن بن عليَّ أخبره، أنَّ عليَّ بن أبي طالب أخبره، أن رسول الله ﷺ طرقَه وفاطمةَ بنتُ النبي ﷺ ليلةً، فقال: «ألا تصليان؟» فقلتُ: يا رسول الله

стр. 66

أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلتُ ذلك، ولم يرجعْ إليَّ شيئاً، ثم سمعتُهُ وهو مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخذَه، وهو يقول: ﴿وَكَانَ اَلإِنَسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلاً﴾. وأخرجه النسائي في سننه «٣/ ٢٠٦» باب الترغيب في قيام الليل من طريق ابن إسحاق، حدثني حكيم بن حكيم، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده عليّ بن أبي طالب قال: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هَوِيًّا من الليل فلم يسمع لنا حِسًّا فرجع إلينا فأيقظنا، فقال: «قوما فصَليا» قال: فَجَلَسْتُ وأنا أعْرُكُ عيني، وأقول: إِنا واللهِ ما نُصَلِّي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفُسُنا بيد الله، فإن شاء أن يبعثنا بعثنا: قال: فَوَلّى رسولُ الله ﷺ وهو يقول - ويضربُ بيده على فخِذِهِ -: ما نُصَلِّي إلا ما كَتَبَ الله لنا. ﴿وَكَانَ اَلإِنَسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلاً﴾. وقد اختلف أهل العلم في قول النبي ﷺ هذا، هل هو إنكاراً على عليّ ﵁ أو تعجب من سرعة جوابه ... ، أو تسليم لعذرهما وأنه لا عتب عليهما. والراجح - والله أعلم - ما اختاره العلامة السندي في «حاشيته على سنن النسائي» حيث قال على قوله: وهو يقول: ﴿وَكَانَ اَلإِنَسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلاً﴾. «إنكارٌ لجدل عليّ، لأنه تمسَّك بالتقدير والمشيئة في مقابلة

стр. 67

التكليف وهو مردودٌ، ولا يتأتى إلا عن كثرة جدله. نعَم: التكليف ههنا ندبي لا وجوبي، فلذلك انصرف عنهم وقال ذلك. ولو كان وجوبياً لما تركهم على حالهم، والله تعالى أعلم». اهـ (١). * * * ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٦٣)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما قعد قومٌ مقعداً لا يذكرون الله ويصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب». وهو في سنن أبي داود (٥/ ١٨٠) بلفظ: «ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة». وفي سنن أبي داود - أيضاً - بلفظ: «من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة». قال الهيثمي في المجمع «١٠/ ٧٩» عن إسناد الإمام أحمد: «رجاله رجال الصحيح». اهـ. وقال النووي في الأذكار «ص: ٢٥٥»، عن إسناد أبي داود للفظ

стр. 68

الأول: «إسناده صحيح». اهـ. وقد أخرجه الترمذي في سننه «٥/ ٤٦١» من طريق سفيان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم». قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». اهـ. وقال الحاكم «١/ ٤٩٦» «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصالح ليس بالساقط». اهـ. فتعقبه الذهبي، وقال: «قلت: صالحٌ ضعيف». اهـ. وهو قد اختلط، ورواية سفيان الثوري عنه بعد الاختلاط، كما نص على ذلك ابن معين، وغيره. ومما يَدُلُّ على أنه لم يتقن لفظ هذا الحديث أن الإمام أحمد رواه من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: «ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليه ترة» «٢/ ٤٥٣». وابن أبي ذئب سمع من صالحٍ قبل أن يُخرِّف، قاله ابن معين. وقال الجوزجاني: «سماع ابن أبي ذئبٍ منه قديم». اهـ (١).

стр. 69

ورواه الإمام أحمد أيضاً «٢/ ٤٩٥» من طريق زياد بن سعد أن صالحاً مولى التوأمة أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «إذا قعد القوم في المجلس، ثم قاموا ولم يذكروا الله فيه كانت عليهم فيه حسرة يوم القيامة». وزياد قد سمع من صالح قبل الاختلاط نص على ذلك ابن عدي (١). فجعل الأحاديث السابقة مقوِّيةً لحديث صالح هذا بهذا اللفظ: لا يصحُّ، لأننا - حسب اطلاعنا - أدركنا أنه لم يتقن اللفظ. فإن تبَّين أنه قد أتقن فالحديث لا يدلُّ على الوجوب، فقد قال ابن علان في «شرح الأذكار» (٢) عند قوله في الحديث: «فإن شاء عذَّبهم»: أي على ذنوبهم الماضية، لا على ترك الذكر، فإنه ليس بمعصيةٍ، كذا في «الحرز». وقيل: إنه على سبيل الزجر والتهديد، إذ لله أن يعذب من غير ذنبٍ، فكيف وتفويتُ ذكره، والصلاة على أفضل خلقه، بالكلمات التي تجري في المجالس الموجبة للعقوبة غالباً في غايةٍ من التفريط والاستهتار بجانب الحق سبحانه ورسولِهِ ﷺ . فعُلِمَ أن ذلك المجلس لما كان مظنَّة للذنب نزل ما وقع فيها منزلةَ الذنب، فهُدِّدوا بذلك تنفيراً للناسِ عن خلوَّ مجالسهم عن أحد الأمرين: الذكر، أو الصلاة على النبي ﷺ ». اهـ.

стр. 70

«قال الخطابي في «معالم السنن» (١): «أصل الترة: النقص - ومعناها ههنا: التَّبِعَةُ». اهـ. وقال النووي: «ترة» أي نقص، وقيل: تبعة، ويجوز أن يكون حسرة، كما في الرواية الأخرى». اهـ (٢). * * * ومن ذلك ما اتفقا عليه من حديث أبي هريرة، قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذْ دخل عثمان بن عفان، فعَرَّض به عمر، فقال: ما بالُ رجالٍ يتأخَّرُوْنَ بعد النِّداء! فقال عثمان: يا أمير المؤمنين؛ ما زدْتُ حين سمعتُ النِّداء أنْ توضأتُ، ثم أَقْبَلتُ، فقال عمر: والوضوء أيضاً! ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل». هذا لفظ مسلم. وقد تقدم ذكر كلام النووي وابن حجر على الحديث، حيثُ استنبطوا منه: الإنكار على مخالف السنَّة، وإن كان كبير القدر (٣). قال الحافظ: «واستُدِل به على أنَّ غُسْل الجمعة واجبٌ؛ لقطع عمر الخطبةَ، وإنكاره على عثمان تركه.

стр. 71

وهو متعقب: لأنه أنكر عليه تركِ السُّنَّة المذكورة، وهي: التبكير إلى الجمعة، فيكون الغسل كذلك». اهـ (١). * * * ومن ذلك ما رواه سعيد بن منصور في «سننه»، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «ما أصبح رجلٌ علي غير وترٍ إلا أصبح على رأسه جريرٌ، قَدْرَ سبعين ذراعاً». قال الحافظ في «الفتح» (٢). «إسناده جيد». اهـ. والجرير: حَبْلٌ من أَدَمٍ نحو الزِّمام، قاله ابن الأثير في «النهاية» ١/ ٢٥٩. * * *

стр. 72

فصل وقد ذهب ابن حزمٍ إلى إنكار ما تقدم من لحوق اللومِ والعتاب على من ترك السنن. قال في «المحلى» (١) على قول الإمام مالك في الوتر: «ليس فرضاً، ولكن من تركه أُدِّبَ، وكانت جُرْحةً في شهادته». قال أبو محمد: «وهو خطأٌ بيِّن، لأنه لا يخلو تاركه أن يكون عاصياً لله أو غير عاصٍ؛ فإن كان عاصياً لله تعالى فلا يعصي أحد بترك ما لا يلزمه وليس فرضاً؛ فالوتر إذن فرضٌ، وهو لا يقول بهذا. وإنْ قال: بل هو غير عاصٍ لله تعالى. قيل: فمن الباطلِ أنْ يُودَّبَ من لم يعصِ الله تعالى، أو أن تجرح شهادة مَنْ ليس عاصياً لله ؛ لأن من لم يعصِ الله فقد أحسن، والله يقول: ﴿مَا عَلَى اُلمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾. اهـ. وقد استدل ابن حزم على هذا بما أخرجه من طريق مسلم بن الحجَّاج، ثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي سهيل بن

стр. 73

مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ » «خمس صلواتٍ في اليوم والليلة» قال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تتطوع ...»، وذكر باقي الحديث: فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه؛ فقال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق». وقد اتفق الشيخان على إخراجه من طريق مالكٍ. وأخرجه البخاري في كتاب الصيام من صحيحه، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله، به، وفيه: قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك بالحقِّ لا أتطوَّع شيئا ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئاً ... قال ابن حزمٍ: «وهذا نص من رسول الله ﷺ على قولنا، وأنه ليس إلا واجب أو تطوُّع، فإن ما عدا الخمس فهو تطوُّع؛ وهذا لا يسع أحداً خلافه». اهـ. وقد جعل ضابط الواجبِ: بأن مَنْ تركه عامداً كان عاصياً لله تعالى. والتطوُّع: ما إن تركه المرء عامداً لم يكن عاصياً لله تعالى. أقول: إن مما لا ريب فيه أن مَنْ أتى بهذه الفرائض كما أمره الله تعالى، تامَّةَ الأركان والشروط والواجبات: فهو مفلحٌ إن شاء الله تعالى، داخلٌ الجنَّةَ. إلا أن هذا ليس مانعاً من إلحاق اللوم به، كما تقدم في حديث

стр. 74

أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما قعد قومٌ مقعداً لا يذكرون الله ويصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرةً يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب». ولذا قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١) على هذا الحديث: «ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة، مع أنه لا يخِلٌّ بشيءٍ من الفرائض، وهذا مفلح بلا شك وإن كانت مواظبته على تركِ السنن مذمومةً وتردُّ بها الشهادة، إلا أنه ليس بعاصٍ، بل هو مفلحٌ ناجٍ، والله أعلم». اهـ. ولهذا فإن ابن عمر لما كان محافظاً على الفرائض تاركاً لقيام الليل حُذِّر في منامه، حيث رأى أن ملكين أخذاه فذهبا به إلى النار، قال: فإذا هي مطويَّة كطيَّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناسٌ قد عرفتهم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا مَلَكٌ آخر، فقال لي: لَمْ تُرَعْ. فقصصتُها على حفصة، فقصتها حفصةُ على رسول الله ﷺ ، فقال: «نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً. وقد بوَّب عليه البخاري في كتاب التهجد من «صحيحه»: باب فضل قيام الليل (٢).

стр. 75

قال المهلب: «إنَّما فسَّرها بقيام الليل لأنه لم يَرَ شيئا منه يغفل عنه من الفرائض، فُيذَكَّرُ بالنار، وعَلِمَ مبيته في المسجد، فعبَّرَ ذلك بأنه مُنَبِّهٌ على قيام الليل» (١). اهـ. وفي الحديث إيماءٌ إلى أن قيام الليل ينجي من النار. وقد تقدم ذكر بعض الأحاديث، الآثار، وكلام العلماء، في هذا الشأن فأغنى عن إعادته. هذا وقد تعدَّدت مناهج العلماء في الإجابة عن حديث الأعرابي، وكلها لا تخلو من نقدٍ. وعندي أن أولاها بالتأمل - فيما يتعلَّق بترك النوافل فقط - ما ذكره الشيخ محمد أنور الكشميري في «شرحه لصحيح البخاري» (٢) حيث قال: «والوجه عندي: أن هذا الرجل جاء إلى صاحب الشريعة، واسترخص منه بلا واسطة، فَرَخَّص له الشارع خاصةً «في ترك النفل» فيصير مستثنى من القواعد العامة، كما في الأضحية: «ولا تجزيء عن أحد بعدك». وهذا بابٌ يعلمه أهل العرفِ، فلا أثر له على القانون العام». اهـ.
следующие страницы →