Полный текст (697 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
نَاضِحَهُ وَيَأْكُلُ مَعَ الْخَادِمِ وَيَعْجِنُ مَعَهَا وَيَحْمِلُ بَضَاعَتَهُ مِنَ السُّوقِ * وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا.
وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَأَصَابَتْهُ مِنْ هَيْبَتِهِ رِعْدَةٌ فَقَالَ لَهُ (هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لسته بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ دَخَلْتُ السُّوقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَاشْتَرَي سَرَاوِيلَ وَقَالَ لِلْوَزَّانِ (زِنْ وَأَرْجِحْ) وَذَكَرَ الْقِصَّةَ، قَالَ: فَوَثَبَ إِلَى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَبِّلُهَا فَجَذَبَ يَدَهُ وَقَالَ (هَذَا تَفْعَلُهُ الأَعَاجِمُ بِمُلُوكِهَا وَلَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ) ثُمَّ أَخَذَ السَّرَاوِيلَ فَذَهَبْتُ لأَحْمِلَهُ فَقَالَ (صاحب الشئ أَحَقُّ بِشَيْئِهِ أَنْ يَحْمِلَهُ)
(فصل) وَأَمَّا عَدْلُهُ ﷺ وَأَمَانَتُهُ وَعِفَّتُهُ وَصِدْقُ لَهْجَتِهِ ، فَكَانَ ﷺ آمَنَ النَّاسِ وَأَعْدَلَ النَّاسِ وأعف الناس أصدقهم لَهْجَةً مُنْذُ كَانَ اعْتَرَفَ لَهُ بِذَلِكَ مُحَادُّوهُ وَعِدَاهُ وَكَانَ يسمى
стр. 142
قَبْلَ نُبُوَّتِهِ: الأَمِينَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانَ يُسَمَّى الأَمِينَ بِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الصَّالِحَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى (مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ وَتَحَازَبَتْ عِنْدَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِيمَنْ يَضَعُ الْحَجَرَ حَكَّمُوا أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ فَإِذَا بِالنَّبِيِّ ﷺ دَاخِلٌ وَذَلِكَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ فَقَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ؟ هَذَا الأَمِينُ قَدْ رَضِينَا بِهِ.
وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ: كَانَ يُتَحَاكَمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ ﷺ (وَاللَّهِ إِنِّي لأَمِينٌ فِي السَّمَاءَ أَمِينٌ فِي الْأَرْضِ) حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ الْحَافِظُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ
ابن خَيْرُونَ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى بْنُ زَوْجِ الْحُرَّةِ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ المروزي حدثنا أبو عيسى الحافظ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنَّهُمْ لا يكذبونك) الآية وَرَوَى غَيْرُهُ.
لَا نُكَذِّبُكَ وَمَا أَنْتَ فِينَا بِمُكَذَّبٍ.
وَقِيلَ إِنَّ الأَخْنَسَ بْنَ شريق
стр. 143
لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَكَمِ لَيْسَ هُنَا غَيْرِي وَغَيْرُكَ يَسْمَعُ كَلامَنَا، تُخْبِرُنِي عَنْ مُحَمَّدٍ صَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ.
وَسَأَلَ هِرَقْلُ عَنْهُ أَبَا سُفْيَانَ فَقَالَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا، وَقَالَ النَضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لِقُرَيْشٍ: قَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُمْ غُلامًا حَدَثًا أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ وَأَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا وَأَعْظَمُكُمْ أَمَانَةً حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمْ فِي صدغيه الشيب وجاءكم بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ قُلْتُمْ سَاحِرٌ، لَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ.
وَفِي الْحَدِيثَ عَنْهُ: مَا لَمَسَتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ لَا يَمْلِكُ رِقَّهَا.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي وَصْفِهِ ﷺ : أَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وَقَالَ فِي الصَّحِيحِ (وَيْحَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ
لَمْ أَعْدِلْ؟ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أعْدِلْ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ما خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما
стр. 144
فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ (قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ: قَسَّمَ كِسْرَى أَيَّامَهُ فَقَالَ يَصْلُحُ يَوْمُ الرِّيحِ لِلنَّوْمِ وَيَوْمُ الْغَيْمِ لِلصَّيْدِ وَيَوْمُ الْمَطَرِ لِلشُّرْبِ وَاللَّهْوِ وَيَوْمُ الشَّمْسِ لِلْحَوَائِجِ.
قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ مَا كان أَعْرَفَهُمْ بِسِيَاسَةِ دُنْيَاهُمْ (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهم عن الآخرة هم غافلون) وَلَكِنَّ نَبِيَّنَا ﷺ جَزَّأَ نَهَارَهُ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءًا لِلَّهِ وَجُزْءًا لأَهْلِهِ وجزءا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ جَزَّأَ جزأه بينه وبين النَّاسِ فَكَانَ يَسْتَعِينُ بِالْخَاصَّةٍ عَلَى الْعَامَّةِ ويَقُولُ (أَبْلِغُوا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغِي فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا آمَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكَبرِ) وَعَنِ الْحَسَنِ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَأْخُذُ أَحَدًا بِقَرْفِ أَحَدٍ وَلَا يُصَدِّقُ
أَحَدًا عَلَى أَحَدٍ، وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (ما هممت بشئ مِمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ غَيْرَ مَرَّتَيْنِ كُلُّ ذَلِكَ يَحُولُ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَا أُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ مَا هَمَمْتُ بِسُوءٍ حَتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ، قَلْتُ لَيْلَةً لِغُلَامٍ كَانَ يَرْعَى مَعِي: لَوْ أبْصَرْتَ لِي غَنَمِي حَتَّى أَدْخُلَ مَكَّةَ فَأَسْمُرَ بِهَا كَمَا يَسْمُرُ الشَّبَابُ، فَخَرَجْتُ لِذَلِكَ حَتَّى جِئْتُ أَوَّلَ دَارٍ مِنْ مَكَّةَ سَمِعْتُ عَزْفًا بِالدُّفُوفِ وَالمَزَامِيرِ لِعُرْسِ
стр. 145
بَعْضِهِمْ فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ، فَضُرِبَ عَلَى أُذُنِي فَنِمْتُ فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ عَرَانِي مَرَّةً أُخْرَى مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ أَهُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِسُوءٍ)
(فصل) وَأَمَّا وَقَارُهُ ﷺ وَصَمْتُهُ وتؤدته ومروؤته وَحُسْنُ هَدْيِهِ فحَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ الْحَافِظُ إِجَازَةً وَعَارَضْتُ بِكِتَابِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّلائِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الوَرَّاقُ حدثنا اللؤلؤي حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز ابن وهب سَمِعْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْقَرَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِهِ لَا يَكَادُ يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِهِ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي الْمَجْلِسِ احْتَبَى بِيَدَيْهِ وَكَذَلِكَ كَانَ أَكْثَرُ جُلُوسِهِ ﷺ مُحْتَبِيًا.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّهُ تَرَبَّعَ وَرُبَّمَا جَلَسَ القُرْفُصَاءَ وَهُوَ
стр. 146
فِي حَدِيثِ قَيْلَةَ.
وَكَانَ كَثِيرَ السُّكُوتِ لَا يَتَكَلَّمُ فِي غير حاجة، تعرض عمن نكلم بِغَيْرِ جَمِيلٍ، وَكَانَ ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا وَكَلَامُهُ فَصْلًا لَا فَضُولَ وَلَا تَقْصِيرَ، وَكَانَ ضَحِكُ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ التَّبَسُّمَ تَوْقِيرًا لَهُ وَاقْتِدَاءً بِهِ.
مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَخَيْرٍ وَأَمَانَةٍ لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْواتُ وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرُمُ، إِذَا تَكَلَّمَ أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطَّيْرُ.
وَفِي صِفَتِهِ: يَخْطُو تَكَفُّؤًا وَيَمْشِي هَوْنًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ: وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ: إِذَا مَشَى مَشَى مُجْتَمِعًا يُعْرَفُ فِي مِشْيَتِهِ أَنَّهُ غَيْرُ غَرِضٍ وَلَا وَكِلٍ أَيْ
стр. 147
غَيْرُ ضَجِرٍ وَلَا كَسْلَانَ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ أَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﵌.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: كَانَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ تَرْتِيلٌ أَوْ تَرْسِيلٌ.
قَالَ ابْنُ أَبِي هَالَةَ: كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعٍ: عَلَى الْحِلْمِ وَالْحَذَرِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّفَكُّرِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ أَحْصَاهُ، وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الطِّيبَ وَالرَّائِحَةَ الْحَسَنَةَ وَيَسْتَعْمِلُهُمَا كَثِيرًا وَيَحُضُّ عَلَيْهِمَا وَيَقُولُ (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْ مُرُوءَتِهِ ﷺ نَهْيُهُ عَنِ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْأَمْرُ بِالْأَكْلِ مِمَّا يَلِي، وَالْأَمْرُ بِالسِّوَاكِ وَإِنْقَاءُ البَرَاجِمِ وَالرَّوَاجِبِ وَاسْتِعْمَالُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ.
(فصل) وَأَمَّا زُهْدُهُ فِي الدُّنْيَا فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَخْبَارِ أَثْنَاءَ هذه
стр. 148
السِّيرَةِ مَا يَكْفِي، وَحَسْبُكَ مِنْ تَقَلُّلِهِ مِنْهَا وَإِعْرَاضِهِ عَنْ زَهْرَتِهَا، وَقَدْ سِيقَتْ إلَيْهِ بِحَذَافِيرِهَا وَتَرَادَفَتْ عَلَيْهِ فُتُوحُهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٌّ فِي نَفَقَةِ عِيَالِهِ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ (اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا) * حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِي وَالْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ والْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْجُلُودِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنَا أبو بكر ابن أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَفِي روَايَةٍ أُخْرَى مِنْ
خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ وَلَوْ شَاءَ لأعْطَاهُ اللَّهُ مَا لا يَخْطُرُ بِبَالٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَا شَبِعَ آلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ حَتَّى لَقَى اللَّهَ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 149
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا، وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا سِلَاحَهُ وَبَغْلَتَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَلَقَدْ مَاتَ وَمَا فِي بيتى شئ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرَ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي وَقَالَ لِي (إِنَّي عُرِضَ عَلَيَّ أَنْ يُجْعَلَ لِي بَطْحَاءُ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلْتُ لَا يَا رَبِّ أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا فَأَمَّا الْيَوْمَ الَّذِي أَجُوعُ فِيهِ فَأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ وَأَدْعُوكَ وَأَمَّا الْيَوْمَ الَّذِي أَشْبَعُ فِيهِ فَأَحْمَدُكَ وَأُثْنِي عَلَيْكَ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ (أَتُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ هَذِهِ الْجِبَالَ ذَهَبًا وَتَكُونَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ؟) فَأَطْرَقَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ (يَا جِبْرِيلُ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ قَدْ يَجْمَعُهَا مَنْ لَا عقْلَ لَهُ) فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ثَبَّتَكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنْ كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَنَمْكُثُ شَهْرًا مَا نَسْتَوْقِدُ نَارًا إِنْ هُوَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْمَاءُ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ هَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَلَمْ يَشْبَعْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رسول الله ﷺ
стр. 150
يَبِيتُ هُوَ وَأَهْلُهُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا لَا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا أَكَلَ رسول الله ﷺ عَلَى خُوَانٍ وَلَا فِي سُكُرُّجَةٍ وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا قَطُّ، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُهُ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا حَشْوُهُ لِيفٌ، وَعَنْ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ مِسْحًا نَثْنِيهِ ثِنْتَيْنِ فينام عليه فَثَنَيْنَاهُ لَهُ لَيْلَةً بِأَرْبَعٍ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: ما فرشتموا لِي اللَّيْلَةَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ رُدُّوهُ بِحَالِهِ فَإِنَّ وَطْأَتَهُ مَنَعَتْنِي اللَّيْلَةَ صَلَاتِي وَكَانَ يَنَامُ أَحْيَانًا عَلَى سَرِيرٍ مَزْمُولٍ بِشَريطٍ حَتَّى يُؤَثِّرَ فِي جَنْبِهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لم يمتلى جَوْفُ النَّبِيِّ ﷺ شِبَعًا قَطُّ وَلَمْ يَبُثَّ شَكْوَى إِلَى أَحَدٍ وَكَانَتَ الْفَاقَةُ
стр. 151
أَحَبَّ إليْهِ مِنَ الْغِنَى وَإِنْ كَانَ لَيَظَلُّ جائعا ليلتوى طُولَ لَيْلَتِهِ مِنَ الْجُوعِ فَلَا يَمْنَعُهُ صِيَامَ يَوْمِهِ وَلَوْ شَاءَ سَأَلَ رَبَّهُ جميع كنور الْأَرْضِ وَثِمَارِهَا وَرَغَدَ عَيْشِهَا وَلَقَدْ كُنْتُ أَبْكِي لَهُ رَحْمَةً مِمَّا أرَى بِهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِي عَلَى بَطْنِهِ مِمَّا بِهِ مِنَ الْجُوعِ وَأَقُولُ نَفْسِي لَكَ الْفِدَاءُ لَوْ تَبَلَّغْتَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَقُوتُكَ فَيَقُولُ (يَا عَائِشَةُ مالى وَلِلدُّنْيَا؟ إِخْوَانِي مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَبَرُوا عَلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا فَمَضَوْا عَلَى حَالِهِمْ فَقَدِمُوا عَلَى رَبِّهِمْ فَأَكْرَمَ مَآبَهُمْ وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُمْ فَأَجِدُنِي أَسْتَحْيِي إِنْ تَرَفَّهْتُ فِي مَعِيشَتِي أَنْ يُقَصَّرَ بِي غَدًا دُونَهُمْ وَمَا من شئ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اللُّحُوقِ بِإِخْوَانِي وَأَخِلَّائِي، قَالَتْ فَمَا أَقَامَ بَعْدُ إِلَّا شَهْرًا حَتَّى تُوُفِّيَ ﷺ .
(فصل) وَأَمَّا خَوْفُهُ رَبَّهُ وَطاعَتُهُ لَهُ وشِدَّةُ عِبَادَتِهِ فَعَلى قَدْرِ عِلْمِهِ بِرَبَّهُ وَلِذَلِكَ قَالَ فيما حدثا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَتَّابٍ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الطَرَابُلْسِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ
الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَبْرِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل حدثنا يحيى ابن بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شهاب عن سعيد بن المسيب
стр. 152
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لو تعلمون ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) ، زَادَ في روايتنا
стр. 153
عَنْ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذيِّ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذر ﵁ (إِنَّي أرى مالا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ) لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرةٌ تُعْضَدُ، رُوِيَ هَذَا الْكَلَامُ: وَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ، مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ نَفْسِهِ وَهُوَ أَصَحُّ وَفِي حَدِيث المُغِيرَةِ: صلى رسول الله ﷺ حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا.
وَنَحْوَهُ عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ عَمَلُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسم دِيَمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ.
وَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ * وَنَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَسٍ وَقَالَ: كُنْتَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ فِي اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ مصليا
стр. 154
وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ نَائِمًا.
وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَاكَ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ مَعَهُ فَبَدَأَ فَاسْتَفْتَحَ الْبَقَرَةَ، فَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍٍ إِلَّا وَقَفَ فَسَأَلَ، وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَمَكَثَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ يَقُولُ: سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، ثُمَّ سَجَدَ وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَرَأَ آلَ عِمْرانَ، ثُمَّ سُورَةً سُورَةً، يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَعَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلُهُ وَقَالَ: سَجَدَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، وَجَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْهُ وَقَامَ حَتَّى قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدَةَ * وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَيْلَةً.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ:
أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي هَالَةَ: كان رسول الله ﷺ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِكْرَةِ لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ.
وَقَالَ ﷺ : (إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) وَرُوِيَ (سَبْعِينَ مَرَّةً) * وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ سُنَّتِهِ فَقَالَ (الْمَعْرِفَةُ رَأْسُ مَالِي وَالْعَقْلُ أَصْلُ دِينِي وَالْحُبُّ أَسَاسِي وَالشَّوْقُ مركبي
стр. 155
وَذِكْرُ اللَّهِ أَنِيسِي وَالثِّقَةُ كَنْزِي وَالحُزْنُ رَفِيقِي وَالْعِلْمُ سِلَاحِي وَالصَّبْرُ رِدَائِي وَالرِّضَاءُ غَنِيمَتِي وَالْعَجْزُ فَخْرِي وَالزُّهْدُ حِرْفَتِي وَالْيَقِينُ قُوَّتِي وَالصِّدْقُ شَفِيعِي وَالطَّاعَةُ حَسْبِي وَالْجِهَادُ خُلُقِي وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: وَثَمَرَةُ فُؤَادِي فِي ذِكْرِهِ وَغَمِّي لِأَجْلِ أُمَّتِي.
وَشَوْقِي إِلَى رَبِّي .
(فصل) اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ صِفَاتِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم مِنْ كَمَالِ الْخَلْقِ حسن الصُّورَةِ وَشَرَفِ النَّسَبِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَجَمِيعُ الْمَحَاسِنِ هي هَذِهِ الصِّفَةُ لِأَنَّهَا صِفَاتُ الْكَمَالِ وَالْكَمَالُ وَالتَّمَامُ الْبَشَرِي وَالْفَضْلُ الْجَمِيعُ لهم صلوات اللهم عَلَيْهِمُ إِذْ رُتْبَتُهُمْ أَشْرَفُ الرُّتَبِ وَدَرَجَاتُهُمْ أَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ وَلَكِنْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بعض) وَقَالَ (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) وقد قال ﷺ إِنَّ أَوَّلَ زُمَرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ثُمَّ قَالَ آخِرَ الْحَدِيثَ عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵇ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَأَيْتُ مُوسَى فَإِذَا
стр. 156
هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ رَجْلٌ أَقْنَى كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَرَأَيْتُ عِيسَى فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ كَثِيرُ خَيْلَانِ الْوَجْهِ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ وَفِي حديث آخر مُبَطَّنٌ مِثْلُ السَّيْفِ قَالَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي صِفَةِ مُوسَى كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ * وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي صِفَةِ مُوسَى كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ * وَفِي حَدِيثِ أبي هريرة ﵁، عنه ﷺ مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ لُوطٍ نَبِيًّا إِلَّا فِي ذُرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَيُرْوَى فِي ثَرْوَةٍ أَيْ كَثْرَةٍ وَمَنَعَةٍ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ قَتَادَةَ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ وَكَانَ نَبِيُّكُمْ
стр. 157
أحصنهم وَجْهًا وَأَحسَنَهُمْ صَوْتًا ﷺ * وَفِي حَدِيثِ هِرقْلَ وَسَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أنْسَابِ قَوْمِهَا وَقَالَ تَعَالَى فِي أيُّوبَ (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) وَقَالَ تَعَالَى (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) إِلَى قَوْلِهِ (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) وَقَالَ (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى - إِلَى - الصَّالِحِينَ) وَقَالَ (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عمران) الآيتين وقال فِي نُوحٍ (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) وقال (أن اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ - إِلَى - الصالحين) وَقَالَ (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ - إِلَى - مادمت حيا) وقال (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى) الآيَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كَانَ مُوسَى رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا مَا يُرَى مِنْ جسده شئ اسْتِحْيَاءً الْحَدِيثَ وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُ (فَوَهَبَ
لِي رَبِّي حُكْمًا) الآيَة وَقَالَ فِي وَصْفِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أمين) وَقَالَ (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) وَقَالَ (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَر أُولُوا العَزْم من الرسل) وَقَالَ (وَوَهَبْنَا لَهُ إسحق وَيَعْقُوبَ كُلَّا هَدَيْنَا) إِلَى قَوْلِهِ (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) فَوَصَفَهُمْ بِأَوَصَافٍ جَمَّةٍ مِنَ الصَّلَاحِ والْهُدَى وَالاجْتِبَاءِ وَالْحُكْمِ وَالنُّبُوَّةِ وقال (فبشرناه بغلام عليم - إلى - وحليم) وَقَالَ (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ
стр. 158
رَسُولٌ كَرِيمٌ - إِلَى - أمين) وَقَالَ (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) وَقَالَ فِي إِسْمَاعِيلَ (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) الآيَتَيْنِ وَفِي مُوسَى (إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا) وَفِي سُلَيْمَانَ (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) وَقَالَ (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ - إلى - الأخيار) وفى داود (إنه أواب) ثُمَّ قَالَ (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخطاب) وَقَالَ عَنْ يُوسُفَ (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عليم) وَفِي مُوسَى (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا) وَقَالَ تَعَالَى عَنْ شَعَيْبٍ (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله من الصحالين) وقال (ما أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا استطعت) وَقَالَ (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حكما وعلما) وَقَالَ (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) الآية قَالَ سُفْيَانُ هُوَ الْحُزْنُ الدَّائِمُ فِي آيٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَ فِيهَا مِنْ خِصَالِهِمْ وَمَحَاسِنِ أخْلَاقِهِمِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِمْ وَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّمَا الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الكريم: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بن اسحق بْنِ إِبْرَاهِيمَ نَبِيُّ ابْنُ نَبِيِّ ابْنِ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ وَرُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ مَعَ مَا أُعْطِيَ مِنَ الْمُلْكِ لَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءَ تَخَشُّعًا وَتَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى وَكَانَ يُطْعِمُ النَّاسَ لَذَائِذَ الْأَطْعِمَةِ وَيَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ وَأُوحِيَ إِلَيْهِ يَا رَأْسَ الْعَابِدِينَ وَابْنَ مَحَجَّةِ الزَّاهِدِينَ وَكَانَتِ الْعَجُوزُ تَعْتَرِضُهُ وَهُوَ عَلَى الرِّيحِ فِي جُنُودِهِ
стр. 159
فَيَأْمُرُ الرِّيحَ فَتَقِفُ فَيَنْظُرُ فِي حَاجَتِهَا وَيَمْضِي وَقِيلَ لِيُوسُفَ مالك تَجُوعُ وَأنْتَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ قَالَ أَخَافُ أَنْ أشْبَعَ فَأَنْسَى الْجَائِعَ وَرَوَى أبُو هُرَيْرَةَ ﵁، عنه ﷺ : خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ فَكَانَ يَأْمُرُ بدابته فَتُسْرَجُ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) وَكَانَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ عَمَلًا بِيَدِهِ يعنيه عَنْ بَيْتِ الْمَالِ وَقَالَ ﷺ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَكَانَ يَلْبَسُ الصُّوفَ ويَفتَرِشُ الشَّعَرَ وَيَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ بِالْمِلْحِ وَالرَّمَادِ وَيَمْزِجُ شَرَابَهُ بِالدُّمُوعِ وَلَمْ يُرَ ضَاحِكًا بَعْدَ الخَطِيئَةِ وَلَا شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ حَيَاءً مِنْ رَبِّهِ وَلَمْ يَزَلْ بَاكِيًا حَيَاتَهُ كُلَّهَا وَقِيلَ بكى حتى نبته الْعُشْبُ مِنْ دُمُوعِهِ وَحَتَّى اتَّخَذَتِ الدُّمُوعُ فِي خده أخددا وَقِيلَ كَانَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا يَتَعَرَّفُ سِيرَتَهُ فَيَسْمَعُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ فَيَزْدَادُ تَوَاضُعًا، وَقِيلَ لِعِيسَى ﵇ لَوِ اتَّخَذْتَ حِمَارًا قَالَ أَنَا أكْرَمُ على الله تعالى مِنْ أَنْ يَشْغَلَنِي بِحِمَارٍ وَكَانَ يَلْبَسُ
الشَّعَرَ وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ أَيْنَمَا أَدْرَكَهُ النَّوْمُ نَامَ وَكَانَ أحب
стр. 160
الأَسَامِي إِلَيْهِ أَنْ يُقَالَ لَهُ مِسْكِينٌ وَقِيلَ إِنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ كَانَتْ تُرَى خُضْرَةُ الْبَقْلِ فِي بَطْنِهِ مِنَ الْهُزَالِ وَقَالَ ﷺ لَقَدْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلِي يُبْتَلَى أحَدُهُمْ بِالْفَقْرِ وَالْقَمْلِ وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعَطَاءِ إِلَيْكُمْ وَقَالَ عِيسَى ﵇ لِخَنْزِيرٍ لَقِيَهُ (اذْهَبْ بِسَلَامٍ) فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَكْرَهُ أنْ أعود لساني المنطبق بِسُوءٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ كَانَ طَعَامُ يَحْيَى الْعُشْبَ وَكَانَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى اتَّخَذَ الدَّمْعُ مَجْرًى فِي خَدِّهِ وَكَانَ يَأْكُلُ مَعَ الْوَحْشِ لِئَلَّا يُخَالِطَ النَّاسَ وَحَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ وَهْبٍ أَنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ يَسْتَظِلُّ بِعَرِيشٍ وَكَانَ يَأْكُلُ فِي نُقْرَةٍ مِنْ حَجَرٍ وَيَكْرَعُ فِيهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ كَمَا تَكْرَعُ الدَّابَّةُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ بِمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَلَامِهِ وَأَخْبَارُهُمْ فِي هَذَا كَلِّهِ مَسْطُورَةٌ وَصِفَاتُهُمْ فِي الْكَمَالِ وَجَمِيلِ الْأَخْلَاقِ وَحُسْنِ الصُّوَرِ وَالشَّمَائِلِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ فَلَا نُطَوِّلُ بِهَا وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى مَا تَجِدْهُ فِي كُتُبِ بَعْضِ جَهَلَةِ الْمُؤَرِّخِينَ وَالْمُفَسَّرِينَ مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا.
(فصل) قَدْ آتَيْنَاكَ أَكْرَمَكَ اللَّهُ مِنْ ذِكْرِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْفَضَائِلِ الْمَجِيدَةِ وَخِصَالِ الْكَمَالِ الْعَدِيدَةِ وَأَرَيْنَاكَ صِحَّتَهَا لَهُ ﷺ وَجَلَبْنَا مِنَ الآثَارِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ وَالْأَمْرُ أَوْسَعُ فمجال هذا
стр. 161
الْبَابِ فِي حَقِّهِ ﷺ مُمْتَدَّ يَنْقَطِعُ دون نفاده الأدِلَّاءِ وَبَحْرُ عِلْمِ خَصَائِصِهِ زَاخِرٌ لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ وَلَكِنَّا أَتَيْنَا فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ مِمَّا أَكْثَرُهُ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَشْهُورِ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ واقْتَصَرْنا فِي ذَلِكَ بِقُلَّ مِنْ كُلِّ وَغَيضٍ مِنْ فَيْضٍ وَرَأَيْنَا أَنْ نَخْتِمَ هَذِهِ الْفُصُولَ بِذِكْرِ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ أَبِي هَالَةَ لِجَمْعِهِ مِنْ شَمَائِلِهِ وَأَوْصَافِهِ كَثِيرًا وَإِدْمَاجِهِ جُمْلَةً كَافِيَةً مِنْ سِيَرِهِ وَفَضَائِلِهِ وَنَصِلُهُ بتَنِبيهٍ لَطِيفٍ عَلَى غَرِيبِهِ وَمُشْكِلِهِ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ ﵀ بقراءتي عليه سنة ثمان وخمسمائة قَالَ حَدَّثَنَا الإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ فِيمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ أَخْبَرَكُمُ الْفَقِيهُ الْأَدِيبُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ النَّيْسَابُورِيُّ وَالشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمُحمَّدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ الْوَخْشِيُّ قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ على ابن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخُزَاعِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الهيثم بن كليب الشاشى
стр. 162
أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيانُ بْنُ وَكِيعٍ
حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ إِمْلَاءً مِنْ كِتَابِهِ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنٍ لأَبِي هَالَةَ عَنِ الحسن بن علي ابْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ ﵀ وَقَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي طَاهِرٍ أحمد بن الحسن ابن أحمد بن خذادادا الْكَرْجِيِّ الْبَاقِلَّانِيِّ قَالَ وَأَجَازَ لَنَا الشَّيْخُ الْأَجَلُّ أَبُو الفَضْلِ أحمد بن الحسن ابن خَيْرُونَ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أحمد بن إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ ابن مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ مِهْرَانَ الْفَارِسِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَخِي طَاهِرٍ الْعَلَوِيُّ قَالَ حدثنا
стр. 163
إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين
عن أخيه مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَاللَّفْظُ لِهَذَا السَّنَدِ سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ عَنْ حِلْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ وَصَّافًا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخْمًا مُفَخَّمًا يَتَلأْلأُ وجهه تلألء الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوعِ وأنصر مِنَ الْمُشَذَّبِ عَظِيمَ الْهَامَةِ رَجِلَ الشَّعَرِ إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَ وَإِلَّا فَلا يحاوز شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذْنَيْهِ إذا هو وفره أَزْهَرَ اللَّوْنِ وَاسِعَ الْجَبِينِ أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ سَوَابِغَ مِنْ غَيْرِ قَرَنٍ بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ أَقْنَى الْعِرْنَينِ لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ وَيَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ كَثَّ اللِّحْيَةِ أَدْعَجَ سَهْلَ الْخَدَّيْنِ ضَلِيعَ الفم
стр. 164
أَشْنَبَ مُفَلَّجَ الْأَسْنَانِ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ كَأَنَ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ بَادِنًا مُتَمَاسِكًا سَوَاءَ الْبَطْنِ والصدر مشيخ الصَّدْرِ بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ مَوْصُولَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعَرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ عَارِيَ الثَّدْيَيْنِ مَا سِوَى ذَلِكَ أشْعَرَ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ رَحْبَ الرَّاحَةِ
شَثْنَ الكَفَّيْنِ والْقَدَمَيْنِ سَائِلَ الْأَطْرَافِ أَوْ قَالَ سَائِنَ الْأَطْرافِ وَسَائِرَ الْأَطْرَافِ سَبْطَ الْعَصَبِ خُمْصَانَ الْأَخْمَصَيْنِ مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ يَنْبُو
стр. 165
عَنْهُمَا الْمَاءُ إِذَا زَالَ زَالَ تَقَلُّعًا وَيَخْطُو تَكَفُّؤًا وَيَمْشِي هَوْنًا ذَرِيعَ الْمِشْيَةِ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا خَافِضَ الطَّرْفِ نظره إلى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ جُلُّ نَظَرِهِ المُلَاحَظَةُ يَسُوقُ أَصْحَابَهُ وَيَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ قُلْتُ صِفْ لِي مَنْطِقَهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِكْرَةِ
لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ طَوِيلَ السُّكُوتِ يَفْتَتِحُ الكلام ويختمه بأشداقه وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ فضلا لَا فُضُولَ فِيهِ وَلَا تَقْصِيرَ دَمِثًا لَيْسَ بالجنا في ولا المهين يعضم النِّعْمَةَ وَإِنْ دَقَّتْ لا يذم شئيا لَمْ يَكُنْ يَذُمُّ ذَوَاقًا وَلَا يَمْدَحُهُ وَلَا يُقَامُ لِغَضَبِهِ إذا تعرض
стр. 166
للحق بشئ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ وَلا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَنْتَصِرُ لَهَا إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَّبَهَا وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا فَضَرَبَ بِإبْهَامِهِ الْيُمْنَى رَاحَتَهُ الْيُسْرَى وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ وَيَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ قَالَ الْحَسَنُ فَكَتَمْتُهَا عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ زَمَانًا ثُمَّ حَدَّثْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي
إِلَيْهِ فَسَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَخْرَجِهِ وَمَجْلِسِهِ وَشَكْلِهِ فَلَمْ يَدَعْ مِنْهُ شَيْئًا قَالَ الْحُسَيْنُ سَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كَانَ دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ فَكَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ جزءا لله وجزئا لأهله وجزءا لنفسه ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بينه وَبَيْنَ النَّاسِ فَيَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى الْعَامَّةِ بِالْخَاصَّةِ وَلَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا فَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ وَقِسْمَتُهُ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ مِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ ويشغلهم فيما
стр. 167
يُصْلِحُهُمْ وَالْأُمَّةَ مِنْ مسألته عنهم وأخبارهم بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ وَيقُولُ لِيُبْلِّغَ الشَّاهِدُ مِنكُمُ الْغَائِبَ وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغِي حَاجَتَهُ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُذْكَرُ عِنْدهُ إِلَّا ذَلِكَ وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ قَالَ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ: يَدْخُلُونَ رُوَّادًا وَلَا يَتَفَرَّقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً يَعْنِي فُقَهَاءَ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلا مِمَّا يُعْنِيهِمْ
وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلَا يُفَرِّقُهُمْ يُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ ويوليه عليهم ويحذر النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ من غَيْرِ أَنْ يَطْوِي عَنْ أَحَدٍ بِشْرَهُ وَخُلُقَهُ وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ ويُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُصَوِّبُهُ وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوَهِّنُهُ مُعْتَدِلُ الْأَمْرِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ لَا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفَلُوا أَوْ يَمَلُّوا لِكُلِّ حَالٍ عِندَهُ عَتَادٌ لَا يُقَصِّرُ عَنِ الْحَقِّ وَلَا يُجَاوِزُهُ إِلَى غَيْرِهِ الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مواساة وموازرة فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ عَمَّا كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَجْلِسُ وَلَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى ذِكْرٍ وَلَا يُوَطِّنُ الْأَمَاكِنَ وَيَنْهَى عَنْ إِيطَانِهَا وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ ويُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نصيبه
стр. 168
حَتَّى لَا يَحْسَبَ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفُ عَنْهُ مَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ قَدْ وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ فَصَارَ لَهُمْ أَبًا وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ مُتَقَارِبِينَ مُتَفَاضِلِينَ فِيهِ بِالتَّقْوَى وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى صَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأصْوَاتُ وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ، وَلَا تنشى فَلَتَاتُهُ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ غَيْرِ الرِّوَايَتَيْنِ يَتَعَاطَفُونَ بِالتَّقْوَى مُتَوَاضِعِينَ يُوَقِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ وَيَرْحَمُونَ الصَّغِيرَ ويُرْفِدُونَ ذَا الْحَاجَةِ وَيَرْحَمُونَ الْغَرِيبَ فَسأَلْتُهُ عَنْ سِيرَتِهِ ﷺ فِي جُلَسَائِهِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ وَلَا فَحَّاشٍ وَلَا عَيَّابٍ وَلَا مَدَّاحٍ يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي وَلَا يُؤْيَسُ مِنْهُ قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ: الرِّيَاءِ، وَالْإِكْثَارِ، وَمَا لَا يُعْنِيهِ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلَاثٍ: كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا، وَلَا يُعَيِّرُهُ وَلَا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا يَرْجُو ثَوَابَهُ، إِذَا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطَيْرُ وَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ مَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ، حَدِيثُهُمْ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ
стр. 169
عَلَى الْجَفْوَةِ فِي الْمَنْطِقِ وَيَقُولُ إِذَا رَأَيْتُمْ صَاحِبَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ وَلَا يَطْلُبُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَتَجَوَّزَهُ فَيَقْطَعَهُ بِانْتِهَاءٍ أَوْ قِيَامٍ، هُنَا انْتَهَى حَدِيثُ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، وَزَادَ الآخَرُ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ ﷺ ؟ قَالَ: كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعٍ: عَلَى الْحِلْمِ، وَالْحَذَرِ، وَالتَّقْدِيرِ، وَالتَّفَكُّرِ * فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَفِي تسوية النظير وَالاسْتِمَاعِ بَيْنَ النَّاسِ * وَأَمَّا تَفَكُّرُهُ فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى وَجُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ ﷺ فِي الصَّبْرِ فَكَانَ لا يغضبه شئ يسنفزه وجميع لَهُ فِي الْحَذَرِ أَرْبَعٌ: أَخْذُهُ بِالْحَسَنِ لِيُقْتَدَى بِهِ وَتَركُهُ الْقَبِيحَ لِيُنْتَهَى عَنْهُ وَاجْتِهَادُ الرَّأْيِ بِمَا أصْلَحَ أُمَّتَهُ وَالْقِيَامُ لَهُمْ بِمَا جَمَعَ لَهُمْ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
انْتَهَى الْوَصْفُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ.
(فصل فِي تَفْسِيرِ غَرِيبِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمُشْكِلِهِ) قَوْلَهُ المُشَذَّبُ أَيِ الْبَائِنُ الطُّولِ فِي نَحَافَةٍ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْمُمَغَّطِ، وَالشَّعَرُ الرَّجِلُ الَّذِي كَأَنَّهُ مُشِطَ فَتَكَسَّرَ قَلِيلًا لَيْسَ بِسَبْطٍ وَلَا جَعْدٍ، وَالْعَقِيقَةُ شَعَرُ الرَّأْسِ أَرَادَ إِنِ انفرقته مِنْ ذَاتِ نَفْسِهَا فَرَقَهَا وَإِلَّا تَرَكَهَا مَعْقُوصَةً وَيُرْوَى عَقِيصَتُهُ، وَأَزْهَرَ اللَّوْنِ نَيِّرُهُ وقيل أزهر حَسَنٌ وَمِنْهُ زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَيْ زِينَتُهَا وَهَذَا كَمَا قال في الحديث
стр. 170
الآخَرِ لَيْسَ بِالْأَبَيْضِ الْأَمْهَقِ وَلَا بِالآدَمِ، والأَمْهَقُ: هُوَ النَّاصِعُ الْبَيَاضِ وَالآدَمُ الأَسْمَرُ اللَّوْنِ، وَمِثْلُهُ فِي الحديث الآخر: أببض مُشْرَبٌ أَيْ فِيهِ حُمْرَةٌ، وَالْحَاجِبُ الْأَزَجُّ الْمُقَوَّسُ الطَّوِيلُ الوَافِرُ الشَّعَرِ، وَالأقْنَى: السَّائِلُ الْأَنْفِ الْمُرْتَفِعُ وَسَطُهُ، وَالْأَشَمٌ: الطَّوِيلُ قَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَالْقَرَنُ: اتِّصَالُ شَعَرِ الْحَاجِبَيْنِ، وَضِدُّهُ البَلَجُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ وَصْفُهُ بِالْقَرَنِ، وَالْأَدْعَجُ: الشَّدِيدُ سَوَادِ الْحَدَقَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ: أَشْكَلُ الْعَيْنِ، وأَسْجَرُ الْعَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي فِي بَيَاضِهَا حُمْرَةٌ، والضَّلِيعُ: الوَاسِعُ وَالشَّنَبُ: رَوْنَقُ الأسنان وماؤها، وقيل: رقتها وتحزيز فيها كما يوجد في أسنان الشباب، والفلج فرق بَيْنَ الثَّنَايَا، ودَقِيقُ الْمَسْرُبَةِ خَيْطُ الشَّعَرِ الَّذِي بَيْنَ الصَّدْرِ وَالسُّرَّةِ، بَادِنٌ ذُو لَحْمٍ وَمُتَمَاسِكٌ مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ يُمْسِكُ.
بَعْضُهُ بَعْضًا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ لَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ
أي لَيْسَ بِمُسْتَرْخِي اللَّحْمِ.
وَالْمُكَلْثَمُ الْقَصِيرُ الذَّقَنِ، وَسَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ أَيْ مُسْتَوِيهِمَا مُشِيحُ الصَّدْرِ إنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فَتَكُونُ مِنَ الْإِقْبَالِ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي أَشَاحَ أَيْ أنَّهُ كَانَ بَادِيَ الصَّدْرِ وَلَمْ يَكُنْ فِي صَدْرِهِ قَعَسٌ وَهُوَ تَطَامُنٌ فِيهِ وبه يتَّضِحُ قَوْلُهُ قَبْلَ سَوَاءِ الْبَطْنِ والصَّدْرِ أَيْ لَيْسَ بِمُتَقَاعِسِ الصَّدْرِ، وَلَا مفاض البطن، ولمل اللَّفْظَ مَسِيحُ: بِالسِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بِمَعْنَى عَرِيضٍ كَمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخَرَى، وَحَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ والكراديس رؤس الْعِظَامِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ جَلِيلُ
стр. 171
الْمُشَاشِ وَالْكَتَدِ وَالْمُشَاشُ: رؤس الْمَنَاكِبِ، وَالْكَتَدُ: مُجْتَمَعُ الكنفين وَشَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لَحِيمُهُمَا، وَالزَّنْدَانِ: عَظْمَا الذِّرَاعَيْنِ، وَسَائِلُ الْأَطْرَافِ أَيْ طَوِيلُ الْأَصَابِعِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُ رُوِيَ سَائِلُ الْأَطْرَافِ أَوْ قَالَ سَائِنُ بِالنُّونِ قَالَ وَهُمَا بِمَعْنًى تُبْدَلُ اللَّامُ مِنَ النُّونِ إنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِهَا وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَسائِرُ الْأَطْرَافِ فَإِشَارَةٌ إِلَى فَخَامَةِ جَوَارِحِهِ كَمَا وَقَعَتْ مُفَصَّلَةً فِي الْحَدِيثِ وَرَحْبُ الرَّاحَةِ أَيْ وَاسِعُهَا وَقِيلَ كَنَّى بِهِ عَنْ سَعَةِ الْعَطَاءِ وَالْجُودِ، وخُمْصَانُ الْأَخْمَصَيْنِ أَيْ متجا في أَخْمَصِ الْقَدَمِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا تَنَالُهُ الْأَرْضُ مِنْ وَسَطِ الْقَدَمِ، وَمَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ أَيْ أَمْلَسُهُمَا وَلِهَذَا قَالَ يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خِلافُ هَذَا قَالَ فِيهِ إذا وطئ بقدمه وطئ بِكُلِّهَا لَيْسَ لَهُ أَخْمَصُ وَهَذَا يُوَافِقُ مَعْنَى قَوْلِهِ مَسِيحُ الْقَدَميْنِ وبه قَالُوا سُمِّي الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْمَصُ وَقِيلَ مَسِيحٌ لَا لَحْمَ عَلَيْهَمَا وَهَذَا أَيْضًا يُخَالفُ قوله شئن الْقَدَمَيْنِ وَالتَّقَلُّعُ رَفْعُ الرِّجْلِ بِقُوَّةٍ، وَالتَّكَفُّؤُ: الْمَيْلُ إِلَى سَنَنِ الْمَمْشَى وَقَصْدِهِ، وَالْهَوْنُ: الرِّفْقُ وَالْوَقَارُ، وَالذَّرِيعُ: الْوَاسِعُ الْخَطْوِ أَيْ أَنَّ مَشْيَهُ كَانَ يَرْفَعُ فِيهِ رِجْلَيْهِ بِسُرْعَةٍ وَيَمَدُّ خَطْوَهُ خِلافَ مِشْيَةِ الْمُخْتَالِ وَيَقْصِدُ سَمْتَهُ.
وَكُلُّ ذَلِكَ بِرِفْقٍ وَتَثَبُّتٍ دُونَ عَجَلَةٍ كَمَا قَالَ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَقَوْلُهُ يَفْتَتِحُ الْكَلَامُ وَيَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ أَيْ لِسِعَةِ فَمِهِ، وَالْعَرَبُ تَتَمَادَحُ بِهَذَا، وَتَذُمُّ بِصِغَرِ الْفَمِ، وَأَشَاحَ: مَالَ وَانْقَبَضَ، وَحَبُّ الْغَمَامَ: الْبَرَدُ، وَقَوْلُهُ: فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ
стр. 172
أَيْ جَعَلَ مِنْ جُزْءِ نَفْسِهِ مَا يُوَصِّلُ الْخَاصَّةَ إليْهِ فَتُوَصَّلُ عَنْهُ لِلْعَامَّةِ، وَقِيلَ يَجْعَلُ مِنْهُ لِلْخَاصَّةِ ثُمَّ يُبْدِلُهَا فِي جُزْءٍ آخَرَ بِالْعَامَّةِ: وَيَدْخُلُونَ رُوَّادًا أَيْ مُحْتَاجِينَ إليْهِ وَطَالِبِينَ لِمَا عِنْدَهُ وَلَا يَنْصَرِفُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ، قِيلَ: عَنْ عِلْمٍ يَتَعَلَّمُونَهُ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَيْ فِي الْغَالِبِ وَالْأَكْثَرِ، وَالْعَتَادُ العدة والشئ الْحَاضِرُ الْمُعَدُّ، وَالْمُوَازَرَةُ الْمُعَاوَنَةُ وَقَوْلُهُ لَا يُوَطَّنُ الْأَمَاكِنَ أَيْ لَا يَتَّخِذُ لِمُصَلَّاهُ مَوْضِعًا مَعْلُومًا، وَقَدْ وَرَدَ نَهْيُهُ عَنْ هَذَا مُفَسَّرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَصَابَرَهُ أَيْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُرِيِدُ صَاحِبُهُ وَلَا نؤبن فِيهِ الْحُرَمُ أَيْ لَا يُذْكَرْنَ فِيهِ بِسُوءٍ وَلَا تُنْثَى فَلَتاتُهُ أَيْ لَا يُتَحَدَّثُ بِهَا أَيْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلْتَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ أَحَدٍ سُتِرَتُ، وَيُرْفِدُونَ: يُعِينُونَ، وَالسَّخَّابُ: الْكَثِيرُ الصِّيَاحِ، وَقَوْلُهُ وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ، قِيلَ مُقْتَصِدٌ فِي ثَنَائِهِ وَمَدْحِهِ، وَقِيلَ إِلَّا مِنْ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ عَلَى يَدٍ سَبَقَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، وَيَسْتَفِزُّهُ: يَسْتَخِفُّهُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي وَصْفِهِ ﷺ مَنْهُوسُ الْعَقِبِ أَيْ قَلِيلُ لَحْمِهَا، وَأَهْدَبُ الْأَشْفَارِ: أَيْ طويل شعرها
стр. 173
(الباب الثالث) فيما ورد من صحيح الأخبار ومشهورها بعظيم قدره عند ربه ومنزلته وما خَصَّهُ بِهِ فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كَرَامَتِهِ ﷺ
* لَا خِلافَ أنَّهُ أَكْرَمُ الْبَشَرِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأْفَضَلُ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ، وَأَعْلاهُمْ دَرَجَةً، وَأَقْرَبُهُمْ زُلْفَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَقَد اقْتَصَرْنَا مِنْهَا عَلَى صَحِيحِهَا وَمُنْتَشِرِهَا وَحَصَرْنَا مَعَانِي مَا وَرَدَ مِنْهَا فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَصْلًا
(الْفَصْلِ الأَوَّلُ) فِيمَا وَرَدَ مِنْ ذِكْرِ مَكَانَتِهِ عِنْدَ رَبِّهُ وَالاصْطِفَاءِ وَرِفْعَةِ الذِّكْرِ وَالتَّفْضِيلِ، وَسِيَادَةِ وَلَدِ آدَمَ وَمَا خَصَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَزَايَا الرُّتَبِ وَبَرَكَةِ اسْمِهِ الطَّيِّبِ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الله ابن أحمد العدل إذ نا بِلَفْظِهِ حَدَّثَنَا أَبُو الحسن الْفَرْغَانِيُّ حَدَّثَتْنَا أُمُّ الْقَاسِمِ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهَا حَدَّثَنَا حَاتِمٌ وَهُوَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَحْيَى الْحِمَّانِيِّ حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَايَةَ ابن ربعى عن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (أن الله تَعَالَى قَسَمَ الْخَلْقَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهِمْ قِسْمًا.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى أَصْحَابُ الْيَمِينِ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ فَأَنَا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَنَا خَيْرُ أَصْحَابِ
стр. 174
الْيَمِينِ ثُمَّ جَعَلَ الْقِسْمَيْنِ أَثْلاثًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا ثُلُثًا وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ فَأَنَا مِنَ السَّابِقِينَ وَأَنَا خَيْرُ السَّابِقِينَ ثم جعل الأثلاث قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهَا قَبِيلَةً وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَجَعَلْنَاكُمْ شعوبا وقبائل) الآيَةَ فَأَنَا أَتْقَى وَلَدِ آدَمَ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، ثُمَّ جَعَلَ الْقَبَائِلَ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهَا بَيْتًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البيت) الآية، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ قَالَ (وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والْجَسَدِ) وَعَنْ واثلة ابن الأَسْقَعِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ (أَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَلا فَخْرَ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْهُ ﷺ (أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ قَلَّبْتُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَلَمْ أرَ رَجُلًا أَفَْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَلَمْ أرَ بَنِي أَبٍ أَفْضَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ بِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، فَارْفَضَّ عَرَقًا.
وَعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
стр. 175
عَنْهُ ﷺ (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَهْبَطَنِي فِي صُلْبِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ وَقذَفَ بِي فِي النَّارِ فِي صُلْبِ إبْرَاهِيمُ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنِي فِي الْأصْلابِ الْكَرِيمَةِ إِلَى الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى أَخْرَجَنِي بَيْنَ أَبَوَيَّ لَمْ يَلْتَقِيَا عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ) وَإِلَى هَذَا أشَارَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ﵁ بِقَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظَّلالِ وَفِي * مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الورق ثُمَّ هَبَطْتَ الْبِلادَ لَا بَشَرٌ * أَنْتَ وَلَا مُضْغَةٌ وَلَا عَلَقُ بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وَقَدْ * أَلْجَمَ نَسْرًا وَأَهْلَهُ الْغَرَقُ تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إِلَى رَحِمٍ * إذَا مَضَى عَالِمٌ بَدَا طبق
стр. 176
ثُمَّ احْتَوَى بَيْتُكَ المهيمن من * خندف عَلْيَاءَ تَحْتَهَا النُّطُقُ وَأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضِ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الْأُفُقُ فَنَحْنُ فِي ذَلِكَ الضِّيَاءُ وَفِي النُّورِ * وَسُبْلِ الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ يَا بَرْدَ نَارِ الْخَلِيلِ يَا سَبَبًا * لِعِصْمَةِ النَّارِ وَهِيَ تَحتَرِقُ وَرَوَى عَنْهُ ﷺ أَبُو ذَرٍّ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ (أُعْطِيتُ خَمْسًا - وَفِي بَعْضِهَا سِتًّا - لَمْ يُعْطَهُنَّ نسى قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وطهورا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِنَبِيَّ قَبْلِي وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَأُعطِيتُ الشَّفَاعَةَ) وَفِي رِوَايَةٍ بَدَلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ: (وَقِيلَ لِي سَلْ تُعْطَهْ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (وَعُرِضَ عَلَيَّ أُمَّتِي فَلَمْ يَخْفَ عَلَيَّ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ) وَفِي رِوَايَةٍ بعثت
стр. 177
إِلَى الأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ) قِيلَ السُّودُ الْعَرَبُ لأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَلْوَانِهِمُ الْأُدْمَةُ فَهُمْ مِنَ السُّودِ، وَالْحُمْرُ الْعَجَمُ، وَقِيلَ الْبِيضُ وَالسُّودُ مِنَ الْأُمَمِ، وَقِيلَ الحُمْرُ الْإِنْسُ وَالسُّودُ الْجِنُّ * وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَبَيْنَا أَنَا نائم إذ جئ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدَيَّ) * وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ (وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ) وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ﷺ (إِنَّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنَّي والله لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ وَإِنَّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَإِنَّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أن تَنَافَسُوا فِيهَا) وَعَنْ عبد الله ابن عَمْرٍو ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال (أنا
стр. 178
مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ لَا نَبِيَّ بَعْدِي أُوتِيتُ جَوامِعَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَعُلِّمْتُ خَزَنَةَ النَّارِ وَحَمَلَةَ الْعَرْشِ * وَعَنِ ابْنُ عُمَرَ (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) وَمِنْ رِوَايَةِ ابن وَهْبٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى سَلْ يَا مُحَمَّدُ فَقُلْتُ مَا أَسْأَلُ يَا رَبِّ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَاصْطَفَيْتَ نُوحًا، وَأَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَعْطَيْتُكَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، أَعْطَيْتُكَ الْكَوْثَرَ وَجَعَلْتُ اسْمَكَ مَعَ اسْمِي يُنَادَى بِهِ فِي جَوْفِ السَّمَاءِ وَجَعَلْتُ الْأَرْضَ طَهُورًا لَكَ وَلِأُمَّتِكَ وَغَفَرْتُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَأَنْتَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَغْفُورًا لَكَ، وَلَمْ أَصْنَعْ ذَلِكَ لأَحَدٍ قَبْلَكَ، وَجَعْلَتُ قُلُوبَ أُمَّتِكَ مَصَاحِفَهَا، وَخَبَّأْتُ لَكَ شَفَاعَتَكَ وَلَمْ أَخْبَأْهَا لِنَبِيٍّ غَيْرِكَ) * وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، رَوَاهُ حُذَيْفَةُ (بَشَّرَنِي - يَعْنِي رَبَّهُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعِي مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَيْسَ عَلَيْهِمُ حِسَابٌ، وَأَعْطَانِي أَنْ لَا تَجُوعَ أُمَّتِي وَلَا تُغْلَبَ، وَأَعْطَانِي النَّصْرَ وَالْعِزَّةَ وَالرُّعْبَ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ أُمَّتِي شَهْرًا، وَطَيَّبَ لِي وَلِأُمَّتِي الْمَغَانِمَ، وَأَحَلَّ لَنَا كَثِيرًا مِمَّا شَدَّدَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) * وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ (مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أعطى من
стр. 179
الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا
أَوْحَى اللَّه إِلَيَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) مَعْنَى هَذَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ بَقَاءُ مُعْجِزَتِهِ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَسَائِرُ مَعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ذَهَبَتْ لِلْحِينِ وَلَمْ يُشَاهِدْهَا إِلَّا الْحَاضِرُ لَهَا وَمُعْجِزَةُ الْقُرْآنِ يَقِفُ عَلَيْهَا قَرْنٌ بعد قرن عَيَانًا لَا خَبَرًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وفيه كلام يَطُولُ هَذَا نُخْبَتُهُ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِ، وَفِيمَا ذُكِرَ فِيهِ سِوَى هَذَا آخِرَ بَابِ الْمُعْجِزَاتِ * وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ كُلُّ نَبِيٍّ أعطى سبعة بحباء وَزَرَاءَ رُفَقَاءَ مِنْ أُمَّتِهِ، وأُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أربعة عشر بحيبا مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٌ، وَقَالَ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ) وَإِنَّ آدَمَ لِمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ وَعِدَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ قَالُوا فَمَا فَضْلُهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لأَهْلِ السَّمَاءِ (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ من دونه) الآية - وقال
стр. 180
لِمُحَمَّدٍ ﷺ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مبينا) الآية، قَالُوا: فَمَا فَضْلهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بلسان قومه) الآيَةَ، وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ)
وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَشَدَّادِ ابن أَوْسٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵃ فَقَالَ: نَعَمْ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ يَعْنِي قَوْلَهُ: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رسولا منهم) وَبَشَّرَ بِي عِيسَى ورَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ قُصُورُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بكير فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بَهْمًا لَنَا إِذْ جَاءَنِي رَجُلانِ عَلَيْهَمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ثَلاثَةُ رِجَالٍ بطت من ذهب مملوة ثَلْجًا فَأَخَذَانِي فَشَّقَا بَطْنِي قَالَ فِي غَيْرِ هذا الْحَدِيثِ مِنْ نَحْرِي إِلَى مَرَاقِّ بَطْنِي ثُمَّ استخرجا
следующие страницы →