← Тараджим

Тараджим · id 17551

الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

أبو حفص البزار

Полный текст (65 стр.). Показаны 36–65 · переход к 41.

стр. 36

من العلماء قنع من الدنيا بمثل ما قنع هو منها، أو رضي بمثل حالته التي كان عليها؟ لم يُسمع أنه رغب في زوجةٍ حسناء ولا سرية حوراء، ولا دار قوراء، ولا جَوَارٍ، ولا بساتين ولا عَقار، ولا شدّ على دينار ولا درهم، ولا رغب في دواب ولا نَعَم، ولا ثياب ناعمة فاخرة ولا حَشَم، ولا زاحم في طلب الرياسات، ولا راءى ساعيًا في تحصيل المباحات، مع أنّ الملوك والأمراء والتجّار والكبار كانوا طَوعَ أمرِه، خاضعين لقوله وفعله، وادّين أن يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم، مظهرين لإجلاله، أو أن يؤهل كلًا منهم (١) في بذل ماله. فأين حاله هذه من أحوال بعض المنتسبين إلى العلم وليسوا من أهله، ممّن قد أغراه الشيطان بالوقيعة فيه بقوله وفعله؟ أتُرى ما نظروا ببصائرهم إلى صفاتهم وصفاته، وسِماتهم وسماته، وتحاسدهم في طلب الدنيا وفراغه عنها، وتحاشدهم في الاستكثار منها، ومبالغته في الهرب منها، وخدمتهم الأمراء واختلافهم إلى أبوابهم، وذلّ الأمراء بين يديه، وعدم اكتراثه بكبرائهم وأترابهم ومداجاتهم وتعبداتهم، وصدعه إيّاهم بالحق، وقوّة جأشه في محاورتهم؟ بلى والله! ولكن قتَلَتْهم الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، وغطّى على أحلامهم حبّ الدنيا السارقة، سارقة العقل لا سارقة البدن، حتى أصبحوا قاطعين من بايَنَهم (٢) في طلبها، واصلين مَن واصلهم في جلبها.

стр. 37

الفصل السابع في إيثاره مع فقره، وتواضعه كان ﵁ مع شدّة تركه للدنيا ورفضه لها وفقره فيها وتقلّله منها= مؤثِرًا بما عساه يجده منها، قليلًا كان أو كثيرًا، جليلًا أو حقيرًا، لا يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن التصدّق به، ولا الكثير فيصرفه النظر إليه عن الإسعاف به. فقد كان يتصدّق حتى إذا لم يجد شيئًا نزع بعض ثيابه ممّا يحتاج إليه فيَصِل به الفقير، وكان يستفضل من قوته القليل الرغيف والرغيفين فيؤثر بذلك على نفسه، وربّما خبأهما في كمّه ويمضي ونحن معه لسماع الحديث، فيراه بعضنا وقد دفعه إلى الفقير مستخفيًا، يحرص أن لا يراه أحد، وكان إذا ورد عليه فقير، وآثر المقام عنده يؤثره عند الأكل بالأكثر من قوته الذي جُعِل برسمه. حدّثني الشيخ الصالح العارف زين الدين علي الواسطيّ ما معناه: أنّه أقام بحضرة الشيخ مدة طويلة. قال: فكان قوتنا في غالبها أنه كان في بكرة النهار يأتيني ومعه قدر نصف رطل خبزًا بالعراقي، فيكسره بيده لُقمًا ونأكُل منه أنا وهو جميعًا، ثم يرفع يده قَبْلي، ولا يفرغ باقي القُرْص من بين يديّ حتى أشبع، بحيثُ أنّي لا أحتاجُ إلى الطعام إلى الليل. وكنتُ أرى ذلك من بركة الشيخ. ثم يَبْقى إلى بعد العشاء الآخرة حتى يفرغ من جميع عوائده التي يفيدُ الناسَ بها في كلّ يوم من أصناف القُرَب. فيؤتى بعشائنا، فيأكل هو معي لُقَيْمات، ثم يؤثرني بالباقي. وكنتُ أسأله أن يزيدَ على أكْلِه فلا يفعل، حتى إنّي كنتُ في نفسي أتوجّعُ له من قلّة أكله.

стр. 38

وكان هذا دأبُنا (١) في غالب مدّة إقامتي عنده، وما رأيتُ نفسي أغنى منها في تلك المدة، ولا رأيتُني أجمع (٢) همًّا مني فيها. وحكى غيرُ واحد ما اشتهر عنه من كثرة الإيثار، وتفقّد المحتاجين والغُرَباء، ورقيقي الحال من الفُقهاء والقُرّاء، واجتهاده في مصالحهم وصِلاتهم، ومساعدته لهم. بل لكلّ أحدٍ من العامّةِ والخاصّة ممن يمكنه فعل الخير معه، وإسداء المعروف إليه بقوله وفِعْله، ووجهه وجاهه. وأمّا تواضعه؛ فما رأيتُ ولا سمعتُ بأحدٍ من أهل عصره مثله في ذلك، كان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والغني الصالح والفقير. وكان يُدْني الفقيرَ الصالح ويُكرمُه ويؤنسه ويُباسطه بحديثه المستحلى زيادة على مثله من الأغنياء، حتى إنّه ربما خدمه بنفسه؛ وأعانه بحَمْل حاجته، جَبْرًا لقَلْبه، وتقرُّبًا بذلك إلى ربّه. وكان لا يسأمُ ممّن يَسْتَفْتِيه أو يسأله، بل يُقبل عليه ببشارة وجْه ولين عريكة، ويقفُ معه حتى يكون هو الذي يُفارقه، كبيرًا كان أو صغيرًا، رجلًا أو امرأةً، حُرًّا أو عبْدًا، عالمًا أو عامِيًّا، حاضرًا أو باديًا، ولا يجبهه ولا يُحرِجهُ ولا يُنفِّرُه بكلام يوحشُه، بل يُجيبُه ويُفهِّمُهُ ويُعَرِّفُه الخطأَ من الصواب، بلطف وانبساط. وكان يلزم التواضع في حضوره مع الناس ومغيبه عنهم، في قيامه وقعوده ومَشْيه، ومجلسه ومجلس غيره.

стр. 39

ولقد بالغ معي حال إقامتي بحضرته في التواضع والإكرام، حتى إنه لا يذكرني باسمي، بل يُلَقِّبني بأحسن الألقاب، ويُظهِرُ لي خصوصًا بين أصحابي من الإكرام والتبجيل والإدناء منه، بحيث لا يتركني أجلس إلّا إلى جانبه، قصيرًا كان مجلسُه أو طويلًا، خاصًّا أو عامًّا. ولازمني في حال قراءتي «صحيح البخاري». وكان قَصْدي قراءته على راويه منفردًا، لاستصغاري نفسي عن القراءة هُناك بمحضر من الناس، ولقصدي تعجيل فراغي منه انتهازًا للفُرْصة، وخَوْفًا من فوات ذلك الشيخ الراوي، لكونه تفرّد بروايته سماعًا على أصحاب أبي الوقت السِّجْزي. فلما سمع الشيخ بذلك ألزمني قراءته بمجْمَع كثير من الناس رجالًا ونساءً وصبيانًا. وقال: ما ينبغي إلّا على صِفةٍ يكون نفعُها متعديًا إلى المسلمين. فتجرّد لي بحيث حصل لي مُرادي وفوقه من تحصيل قراءتي له في عشرين مجلسًا متوالية، لم يتخللها سوى الجمعة. ولازمني فيها، وحضر القراءة كلّها يضبطها بنسخة كانت بيده هي أصلُ ابن ناصر الحافظ يُعارض بها نسخة القراءة، وكانت أصلَ الشيخ المُسْمع (١). وَأظهر لي من حسن الأخلاق والمبالغة في التواضع، بحيث إنه كان إذا خرجنا من منزله بقصد القراءة يحمل هو بنفسه النسخة ولا يَدَعُ أحدًا منّا يحملها عنه. وكنتُ أعتذرُ إليه من ذلك خَوْفًا من سوء الأدب، فيقول: لو حملْتُه على رأسي لكان ينبغي. ألا أحمل ما فيه كلامُ رسول الله ﷺ ؟

стр. 40

وكان يجلس تحت الكرسي ويَدَعُ صَدْر المجالس، حتى إنّي لأستحي من مجلسه هناك، وأعجب من شدّة تواضعه، ومبالغته في إكرامي بما لا أستحق وتقديمي عليه في المجلس. ولولا قراءتي حديث رسول الله ﷺ ، وعِظَم حُرْمتها لما كان ينبغي لي ذلك. وكان هذا حاله في التواضع والتنازل والإكرام لكلّ مَنْ يَرِدُ عليه، أو يصحبه، أو يلقاه. حتى إنّ كلّ مَنْ لقيه يحكي عنه من المبالغة في التواضع نحوًا مما حكيتُه وأكثر من ذلك. فسبحان مَنْ وفّقه وأعطاه، وأجراه على خلال الخير وأمضاه.

стр. 41

الفصل الثامن في هيئته ولباسه كان ﵁ متوسّطًا في لباسه وهيئته، لا يلبس فاخر الثياب بحيثُ يُرْمق ويمدّ إليه النظر فيها، ولا أطمارًا، ولا غليظةً تُشهر حال لابسها ويُميَّز من عامّة الناس بصفةٍ خاصة يراه الناسُ فيها (١). بل كان لباسُه وهيئتُه كغالب الناس ومتوسّطهم. ولم يكن يلزم نوعًا واحدًا من اللباس فلا يَلْبَسُ غيرَه. كان يلبس ما اتفق وحصل ويأكل ما حضر. وكانت بذاذة الإيمان (٢) عليه ظاهرة. لا يُرَى مُتَصَنِّعًا في عمامة ولا لباس ولا مِشية ولا قيام ولا جلوس، ولا يتهيّأ لأحدٍ يلقاه، ولا لمَنْ يَرِدُ عليه من بلد. ومن العجب أنّي كنتُ قد رأيتُه قبل لُقِيِّه بمدّةٍ فيما يرى النائم، ونحن جلوس نأكلُ طعامًا على صفة مُعيّنة. فحالَ لقائي له ودخولي عليه وجدتُه يأكلُ مثل ذلك الطعام على نحوٍ من الصفة التي رأيت. فأجلسني، وأكلنا جميعًا كما رأيت في المنام. وأخبرني غير واحد أنه ما رآه ولا سمع أنه طلب طعامًا قطُّ ولا غداء ولا عشاء، ولو بقي مهما بقي؛ لشدّة اشتغاله بما هو فيه من العلم والعمل، بل كان يؤتى بالطعام، وربما يُترك عنده زمانًا حتى يلتفت إليه، وإذا أكل

стр. 42

أكل شيئًا يسيرًا. قال: وما رأيناه يذكر شيئًا من ملاذّ الدنيا ونعيمها، ولا كان يخوض في شيء من حديثها، ولا يُسألُ عن شيء من معيشتها، بل جلُّ همّته وحديثه في طلب الآخرة، وما يقرّب إلى الله تعالى. وهكذا كان في لباسه، لم يُسمع أنه أمر أن يُتَّخذ له ثوب بعينه، بل كان أهله يأتون بلباسه وقت علمهم باحتياجه إلى بدل ثيابه التي عليه، وربّما بقيت عليه مدّة حتى تتّسخ ولا يأمر بغسلها حتى يكون أهله هم الذين يسألونه ذلك. وأخبر أخوه (١) الذي كان ينظر في مصالحه الدنيوية أنّ هذا حاله في طعامه وشرابه ولباسه وما يحتاج إليه ممّا لا بدّ منه من أمور الدنيا، وما رأيت أحدًا كان أشدَّ تعظيمًا للشيخ من أخيه هذا ــ أعني القائم بأوَدِه (٢) ــ وكان يجلس بحضرته كأنّ على رأسه الطير، وكان يهابه كما يهاب سلطانًا، وكنا نعجب منه في ذلك ونقول له: إنّ من العرف والعادة أنّ أهل الرجل لا يحتشمونه كالأجانب، بل يكون انبساطهم معه فضلًا عن الأجنبي، ونحن نراك مع الشيخ كتلميذ مبالغ في احتشامه واحترامه، فيقول: إني أرى منه أشياء لا يراها غيري، أوجبَتْ أن أكون معه ما ترون. وكان يُسأل عن ذلك فلا يذكر منه شيئًا لما يعلم من عدم إيثار الشيخ لذلك.

стр. 43

الفصل التاسع في ذكر بعض كرامته وفراسته أخبرني غير واحد من الثقات ببعض ما شاهده من كراماته، وأنا أذكر بعضها على سبيل الاختصار، وأبدأ من ذلك ببعض ما شاهدته. فمنها: أنه جرى بيني وبين بعض الفضلاء منازعة في عدة مسائل، وطال كلامنا فيها، وجعلنا نقطع الكلام في كل مسألة بأن نرجع إلى الشيخ وما يُرجحه من القول فيها. ثم إن الشيخ ﵁ حضر، فلما هممنا بسؤاله عن ذلك سَبَقنا هو وشرع يذكر لنا مسألة مسألة كما كنا فيه، وجعل يذكر غالب ما أوردناه في كل مسألة، ويذكر أقوال العلماء، ثم يرجح منها ما يُرجحه الدليل، حتى أتى على آخر ما أردنا أن نسأل عنه، وبيَّن لنا ما قصدنا أن نستعمله منه، فبقيتُ أنا وصاحبي ومَن حَضَرَنا مبهوتين متعجبين ممّا كاشَفَنا به، وأظهره الله عليه ممّا كان في خواطرنا. وكنت في خلال الأيام التي صحِبْته فيها إذا بحث مسألةً يحضر لي إيرادٌ، فما يستتمُّ خاطري به، حتى يشرع فيورده ويذكر الجواب من عدّة وجوه. وحدّثني الشيخ الصالح المقرئ أحمد بن الحريمي أنّه سافر إلى دمشق، قال: فاتفق أنّي لمّا قدمتها لم يكن معي شيء من النفقة البتة، وأنا لا أعرف أحدًا من أهلها، فجعلت أمشي في زقاق منها كالحائر، فإذا بشيخ قد

стр. 44

أقبل نحوي مسرعًا فسلَّم، وهشَّ في وجهي، ووضع في يدي صُرَّة فيها دراهم صالحة، وقال لي: أنفق هذه الآن فيما أنت فيه، فإن الله لا يضيعك، ثم رُدَّ على أثره كأنه ما جاء إلا من أجلي، فدعوت له وفرحت بذلك، وقلت لبعض من رأيته من الناس: من هذا الشيخ؟ فقال: وكأنك لا تعرفه، هذا ابن تيمية، لي مدة طويلة لم أره اجتاز بهذا الدرب. وكان جُلُّ قصدي من سفري إلى دمشق لقاءه، فتحقَّقتُ أنّ الله أظهره عليّ وعلى حالي، فما احتجت بعدها إلى أحد مدّة إقامتي بدمشق، بل فتح الله عليّ من حيث لا أحتسب، واستدللت فيما بعد عليه، وقصدت زيارته والسلام عليه، فكان يكرمني ويسألني عن حالي، فأحمد الله تعالى إليه. وحدّثني الشيخ العالم المقرئ تقي الدين عبد الله ابن الشيخ الصالح المقرئ أحمد بن سعيد قال: سافرت إلى مصر حين كان الشيخ مقيمًا بها، فاتّفق أنّي قدمتها ليلًا وأنا مُثقل مريض، فأُنزلت في بعض الأمكنة، فلم ألبث أن سمعت من ينادي باسمي وكنيتي، فأجبته وأنا ضعيف، فدخل إليّ جماعة من أصحاب الشيخ ممّن كنت قد اجتمعت ببعضهم في دمشق، فقلت: كيف عرفتم بقدومي، وأنا قدمتُ هذه الساعة؟ فذكروا أنّ الشيخ أخبرنا أنّك قدمت وأنت مريض، وأمرنا أن نسرع بنقلك، وما رأينا أحدًا جاء، ولا أخبرنا بشيء، فعلمت أنّ ذلك من كرامات الشيخ ﵁. وحدثني أيضًا قال: مرضت بدمشق ــ إذ كنت بها ــ مرضةً شديدة منعتني حتى من الجلوس، فلم أشعر إلا والشيخ عند رأسي وأنا مثقل بالحُمّى والمرض، فدعا لي وقال: جاءت العافية، فما هو إلا أن فارقني وجاءت العافية وشُفيت من وقتي.

стр. 45

وحدّثني أيضًا: قد كنتُ أستكتب شعرًا لبعض من انحرف عن الشيخ قد تنقصَّه فيه. وكان سبب قوله ذلك الشعر أنه نُسب إلى قائله شعر وكلام يدلُّ على الرفض، فأُخذ الرجل وأُثبت ذلك عليه في وجهه عند حاكم من حُكام الشرع المطهر، فأمر به فشُهِّر حاله بين الناس، فتوهم أن الذي كان سبب ذلك الشيخ، فحمله ذلك على أن قال فيه ذلك الشعر، وبقي عندي، وكنت ربما أورد بعضَه في بعض الأحيان، فوقعت في عدّة أشياء من المكروه والخوف متواترة، ولولا لطف الله تعالى بي فيها لأتت على نفسي، فنظرت من أين دُهيتُ، فلم أر لذلك سببًا إلا إيرادي لبعض ذلك الشعر، فعاهدت الله أن لا أنوّه بشيء منه، فزال عني أكثر ما كنت فيه من المكاره، وبقي بعضه، وكان ذلك الشعر عندي فأخذته وحرقته وغسلته، حتى لم يبق له أثر، واستغفرت الله تعالى من ذلك، فأذهب الله عني جميع ما كنت فيه من المكروه والخوف، وأبدلني الله به عكسه، ولم أزل بعد ذلك في خير وعافية، ورأيت ذلك حالًا من أحوال الشيخ ومن كرامته على الله. وحدثني أيضًا قال: أخبرني الشيخ ابن عماد الدين المقرئ المطرّز قال: قدمت على الشيخ ومعي حينئذ نفقة، فسلّمت عليه، فردّ عليّ ورحّب بي، وأدناني ولم يسألني هل معك نفقة أم لا. فلما كان بعد أيّام وقد نفِدَت نفقتي أردت أن أخرج من مجلسه بعد أن صليت مع الناس وراءه، فمنعني وأجلسني دونهم، فلما خلا المجلس دفع إليَّ جملة دراهم، وقال: أنت الآن بغير نفقة، فارتفق بهذه، فعجبت من ذلك، وعلمت أنّ الله كشَفَه على حالي أوّلًا لما كان معي نفقة، وآخرًا لما نفِدَت واحتجت إلى نفقة. وحدّثني من لا أتهمه أنّ الشيخ ــ ﵁ ــ حين نزل المُغل

стр. 46

بالشام لأخذ دمشق وغيرها، رجَفَ أهلُها وخافوا خوفًا شديدًا، وجاء إليه جماعةٌ منهم وسألوه الدعاء للمسلمين، فتوجه إلى الله، ثم قال: أبشروا، فإن الله يأتيكم بالنصر في اليوم الفلاني بعد ثالثة، حتى ترون الرؤوس معبّأة بعضها فوق بعض. قال الذي حدثني: فوالذي نفسي بيده ــ أو كما حلف ــ ما مضى إلّا ثلاثٌ ــ مثل قوله ــ حتى رأينا رؤوسهم كما قال الشيخ، على ظاهر دمشق، معبأة بعضها فوق بعض (١). وحدّثني الشيخ الصالح الورع عثمان بن أحمد بن عيسى النسّاج أنّ الشيخ ــ ﵁ ــ كان يعود المرضى بالبيمارستان بدمشق، في كل يوم، فجاء على عادته فعادهم، فوصل إلى شاب منهم فدعا له، فشُفي سريعًا، وجاء إلى الشيخ يقصد السلام عليه، فلما رآه هشَّ له وأدناه، ثم دفع إليه نفقةً وقال: قد شفاك الله، فعاهد الله أن تعجل الرجوع إلى بلدك، أيجوز أن تترك زوجتك وبناتٍ لك أربعًا بلا نفقة وتقيم هاهنا، فقال الفتى: فقبّلت يده وقلت: يا سيدي أنا تائب إلى الله على يدك، وعجبت مما كاشفني به، وكنت قد تركتهم بلا نفقة، ولم يكن قد عرف بحالي أحدٌ من أهل دمشق. وحدثني مَن أثق به: أنّ الشيخ ــ ﵁ ــ أُخبر عن بعض القضاة أنه قد مضى متوجّهًا إلى مصر المحروسة ليُقلَّد القضاء، وأنه سمعه يقول: حالما أصل إلى البلد قاضيًا أحكم بقتل فلان، رجل معيّن من فضلاء أهل العلم والدين، قد أجمع الناس على علمه وزهده وورعه، ولكن حصل في

стр. 47

قلب القاضي منه من الشحناء والعداوة ما صوَّب له الحكم بقتله، فعظُم ذلك على من سمعه خوفًا من وقوع ما عَزَم عليه من القتل بمثل هذا الرجل الصالح، وحذرًا على القاضي أن يوقعه الهوى والشيطان في ذلك، فيلقى الله متلبِّسًا بدم حرام، وفتْكٍ بمسلم معصوم الدم بيقين، وكرهوا وقوع مثل ذلك لما فيه من عظيم المفاسد. فأبلغ الشيخ ــ ﵁ ــ هذا الخبر بصفته، فقال: إن الله لا يُمكِّنه ممّا قصد، ولا يصل إلى مصر حيًّا، فبقي بين القاضي وبين مصر قدرٌ يسير، وأدركه الموت، فمات قبل وصولها، كما أجرى الله تعالى على لسان الشيخ ﵁. قلت: وكرامات الشيخ ﵁ كثيرةٌ جدًّا، لا يليق بهذا المختصر أكثر مِن ذكر هذا القدر منها. ومن أظهر كراماته أنه ما سُمِع بأحدٍ عاداه أو غضّ منه إلا وابتُلي بعدّة بلايا غالبها في دينه، وهذا ظاهر مشهور لا يُحتاج فيه إلى شرح صفته.

стр. 48

الفصل العاشر في ذكر كرمه ﵁ كان ــ ﵁ ــ مجبولًا على الكرم، لا يتطبّعه ولا يتصنّعه، بل هو له سجيّة، وقد ذكرت فيما تقدم أنه ما شدَّ على دينار ولا درهم قطُّ، بل كان مهما قدر على شيء من ذلك يجود به كلّه، وكان لا يردُّ من يسأله شيئًا يقدر عليه من دراهم ولا دنانير، ولا ثياب ولا كتب، ولا غير ذلك، بل ربما كان يسأله بعض الفقراء شيئًا من النفقة، فإن كان حينئذٍ متعذّرًا لا يدعه يذهب بلا شيء، بل كان يعمد إلى شيء من لباسه فيدفعه إليه، وكان ذلك المشهور عند الناس من حاله. حدثني الشيخ العالم الفاضل المقرئ أبومحمد عبد الله ابن الشيخ الصالح المقرئ أحمد بن سعيد قال: كنت يومًا جالسًا بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁، فجاء إنسان فسلَّم عليه، فرآه الشيخ محتاجًا إلى ما يعتمّ به، فنزع الشيخ عمامته من غير أن يسأله الرجل ذلك، فقطعها نصفين واعتمّ بنصفها، ودفع النصف الآخر إلى ذلك الرجل، ولم يحتشم للحاضرين عنده. قلت: وربّما توهم بعض من يحتاج إلى التفهيم أنّ هذا الفعل من الشيخ فيه إضاعة المال، أو نوع من التبذّل الذي يشين المروءة، وليس الأمر كذلك، فإنه لم يكن عنده حينئذ معلوم غير ثيابه، ورأى أنّ قطع العمامة من بقية لباسه ممّا يفسده ولا يحصل به المقصود، ولم يكن عليه ولا عنده حينئذ ثوبٌ صحيح لا يحتاج إليه حتى يدفعه إليه، فسارع إلى

стр. 49

قطع ما يستغني ببعضه عن كلِّه فيما وُضع له، وهو العمامة، فنفع أخاه المسلم وسدّ حاجته حينئذ ببعضها، واستغنى هو بباقيها. وهذا هو أكمل التصرف الصالح والرُّشد التام، والجود المذكور المشهور، والإيثار بالميسور. وأما التبذُّل الذي فيه نوع من إسقاط المروءة فليس من هذا القبيل في شيء، بل هذا من المبالغة في التواضع، وعدم رؤية النفس في محل الاحتشام، ورفض إرادة المرء تعظيم نفسه بحضرة الحاضرين، وهذه خصال محمودة مطلوبة شرعًا وعقلًا. وقد روي مثل ذلك عن سيد الأنام وأكمل الخلق مروءةً وعقلًا وعلمًا محمد المصطفى ﷺ : أنه لبس يومًا شملة سوداء لها حواش بيض، وخرج إلى المسجد، وجماعة من المسلمين حضور، فرآه إنسان فقال: يا رسول الله! أعطني هذه الشملة، وكان رسول الله ﷺ لا يمنع سائلًا يسأله، فنزعها ﷺ عن كريمه المكرّم ودفعها إلى ذلك الرجل، وطفق الناس يلومون ذلك الرجل على ما فعل، وكونه سأل النبي ﷺ وكان محتاجًا إلى ما يلبس، وقد علم أنه ﷺ لا يمنع شيئًا يُسأله، فقال الرجل معتذرًا إليهم: إنّي لم أطلبها لألبسها، لكن لأجعلها لي كفنًا عند موتي، قال الراوي: فأمسكها عنده حتى كانت كفنه. وهذا حديث مشهور قد رواه غير واحد من الحفاظ الثقات (١). وهو من أوضح الدليل على ما قلناه، بل أبلغ في الجود والتواضع وكسر النفس وكرم الأخلاق. وحدثني من أثق به أنّ الشيخ ــ ﵁ ــ كان مارًّا يومًا في بعض

стр. 50

الأزقّة، فدعا له بعض الفقراء، وعرف الشيخ حاجتَه، ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه، فنزع ثوبًا من على جلده ودفعه إليه وقال: بعه بما تيسّر وأنفقه، واعتذر إليه من كونه لم يكن معه شيء (١) من النفقة. وهذا أيضًا من المبالغة في عدم إكثاره بغير ما يقرِّب إلى الله تعالى، وجوده بالميسور كائنًا ما كان، وهذا من أبلغ إخلاص العمل لله سبحانه، فسبحان الموفّق من شاء لما شاء. وحدّثني من أثق به ــ أيضًا ــ أنّ الشيخ ﵁ كان لا يردُّ أحدًا يسأله شيئًا من كتبه، بل يأمره أن يأخذ هو بنفسه ما شاء منها، وأخبرني أنه جاءه يومًا إنسان فسأله كتابًا ينتفع به، فأمره أن يأخذ كتابًا يختاره (٢)، فرأى ذلك الرجل بين كتب الشيخ مصحفًا قد اشتُري بدراهم كثيرة، فأخذه ومضى، فلام بعضُ الجماعة الشيخَ في ذلك، فقال: لا يحسن بي أن أمنعه بعدما سأله، دعه، فلينتفع به. وكان الشيخ ينكر إنكارًا شديدًا على من يُسأل شيئًا من كتب العلم التي يملكها ويمنعها من السائل، ويقول: ما ينبغي أن يُمنع العلم ممّن يطلبه. ومن كرمه: أنه كان لا ينظر أبدًا إلى جهة الملك والتموّل. وهذا القدر من كرمه يُغني المقتدي.

стр. 51

الفصل الحادي عشر في ذكر قوة قلبه وشجاعته كان ــ ﵁ ــ من أشجع الناس وأقواهم قلبًا، ما رأيت أحدًا أثبت جأشًا منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدوّ منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم. أخبر غيرُ واحد: أنّ الشيخ ــ ﵁ ــ كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهادٍ يكون بينهم واقِيَتَهم (١) وقُطْبَ ثَباتِهم، إن رأى من بعضهم هلعًا أو رقّةً وجبانةً، شجّعه وثبّته وبشّره ووعده بالنصر والظَّفَر والغنيمة، وبيّن له فضل الجهاد والمجاهدين، وإنزال الله عليهم السكينة. وكان إذا ركب الخيل يتحنّك ويجول في العدوّ كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبّر تكبيرًا أنكى في العدوّ من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت. وحدّثوا أنهم رأوا منه في فتح عكّة أمورًا من الشجاعة يعجزُ الواصف عن وصفها، قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره. ولمّا ظهر السلطان غازان على دمشق المحروسة، جاءه ملك الكَرْج وبذل له أموالًا جزيلة على أن يمكِّنه من الفتك بالمسلمين من أهل دمشق، ووصل الخبر إلى الشيخ، فقام من فوره وشجّع المسلمين ورَغَّبهم في

стр. 52

الشهادة، ووعدهم على قيامهم النصر والظفر والأمن وزوال الخوف، فانْتُدِب منهم رجال من وجوههم وكبرائهم وذوي الأحلام منهم، فخرجوا معه إلى حضرة السلطان غازان، فلمّا رآهم السلطان قال: من هؤلاء؟ فقيل: هم رؤساء دمشق، فأذن لهم، فحضروا بين يديه، فتقدم الشيخ ﵁ أوّلًا، فلمّا أن رآه أوقع الله له في قلبه هيبة عظيمة ﵁، حتى أدناه وأجلسه، وأخذ الشيخ في الكلام معه أوّلًا في عكس رأيه عن تسليط المخذول (١) ملك الكرج على المسلمين، وضمن له أموالًا، وأخبره بحرمة دماء المسلمين، وذكَّره ووعظه. فأجابه إلى ذلك طائعًا، وحُقِنت بسببه دماء المسلمين، وحُميت ذراريهم، وصين حريمهم. وحدّثني مَن أثق به عن الشيخ كمال الدين ابن المنجّا (٢) قدّس الله روحه قال: كنت حاضرًا مع الشيخ حينئذ، فجعل ــ يعني الشيخ ــ، يُحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل وغيره، ويرفع صوته على السلطان حتى جثا على ركبتيه، وجعل يقرب منه في أثناء حديثه، حتى لقد قرب أن تلاصق ركبته ركبة السلطان، والسلطان مع ذلك مقبلٌ عليه بكُلّيته، مُصْغٍ لما يقول، شاخص إليه لا يعرض عنه. وأن السلطان من شدّة ما أوقع الله له في قلبه من المحبة والهيبة سأل من يخصه من أهل حضرته: من هذا الشيخ؟ وقال ما معناه: إني لم أر مثله ولا أثبت قلبًا منه، ولا أوقع من حديثه في قلبي، ولا رأيتني أعظم انقيادًا مني لأحد منه، فأخبر بحاله، وما هو عليه من العلم والعمل، وسأله إن أحببت أن أعمر لك بلد آبائك حرّان،

стр. 53

وتنتقل إليه، ويكون برسمك، فقال: لا والله، لا أرغب عن مهاجر إبراهيم، وأستبدل به غيره، فخرج من بين يديه مكرّمًا مُعزّزًا، قد صنع له الله بما طوى عليه نيّته الصالحة من بذله نفسه في طلب حقن دماء المسلمين، فبلغه ما أراده، وكان ذلك أيضًا سببًا لتخليص غالب أسارى المسلمين من أيديهم، وردّهم على أهلهم وحفظ حريمهم، وهذا من أعظم الشجاعة والثبات وقوّة الجأش. وأخبرني من لا أتهمه أنّ الشيخ ــ ﵁ ــ حين وُشي به إلى السلطان المعظّم الملك الناصر، أحضره بين يديه، فكان من جملة كلامه: إنّني أُخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ المُلك، فلم يكترث به، بل قال له بنفس مطمئنة وقلبٍ ثابت وصوتٍ عالٍ سمعه كثير ممّن حضر: أنا أفعلُ ذلك؟ والله إنّ مُلكك وملك المُغْل لا يساوي عندي فلسين، فتبسّم السلطان لذلك، وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وإن الذي وشى بك إليّ كاذبٌ، واستقرّ له في قلبه من المحبة الدينية ما لولاه لكان قد فتك به منذ دهر طويل؛ من كثرة ما يُلقى إليه في حقّه من الأقاويل الزور والبُهتان، ممّن ظاهر حاله للطّغَام العدالة، وباطنه مشحون بالفسق والجهالة. ولم يزل المبتدعون أهل الأهواء وآكلو الدنيا بالدين، متعاضدين متناصرين في عدوانه، باذلين وسعهم بالسعي في الفتك به، متخرّصين عليه الكذب الصُراح، مختلقين عليه، وناسبين إليه ما لم يقله ولم ينقله، ولم يوجد له به خط، ولا وجد له في تصنيف ولا فتوى، ولا سُمع منه في مجلس. أتراهم ما علموا أنّ الله سائلهم عن ذلك ومحاسبهم عليه؟ أوَ ما

стр. 54

سمعوا قولَ الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦ - ١٨]. بلى والله، ولكن غلب عليهم ما هم فيه من إيثار الدنيا على الآخرة، والعمل للعاجلة دون الآجلة، فلهذا حسدوه وأبغضوه، لكونه مباينهم ومخالفهم، لبغضه ورفضه ما أحبوا، وطلبه ومحبته ما باينوا ورفضوا. ولمّا علم الله نياته ونيّاتهم أبى أن يُظفرهم فيه بما راموا، حتى إنه لم يحضر معه منهم أحد في عقد مجلس إلا وصنع الله له ونصره عليهم بما يظهره على لسانه من دحض حججهم الواهية وكشف مكيدتهم الداهية للخاصة والعامة.

стр. 55

الفصل الثاني عشر من ذكر قوّته في مرضاة الله وصبره على الشدائد، واحتماله إياها وثبوته على الحق كان ــ ﵁ ــ من أعظم أهل عصره قوّة ومقامًا وثبوتًا على الحق، ولتحقيق توحيد الحقّ، لا يصدُّه عن ذلك لوم لائم ولا قول قائل، ولا يرجع عنه لحجة محتجّ، بل كان إذا وضح له الحقّ يعضُّ عليه بالنواجذ، ولا يلتفت إلى مباين معاند، فاتفق غالب الناس على معاداته، وجُلُّ من عاداه قد تستروا باسم العلماء والزمرة الفاخرة، وهم أقبل الناس في الإقبال على الدنيا والإعراض عن الآخرة. وسبب عداوتهم له: أنّ مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرياسة، وإقبال الخلق وراءه، قد رقّاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في قلوب الخاصّة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، فنصبوا عداوته، وامتلأت قلوبهم محاسدة، وأرادوا ستر ذلك عن الناس، حتى لا يفطن بهم، فعمدوا إلى اختلاق الباطل والبُهتان عليه، والوقوع فيه خصوصًا عند الأمراء والحكام، وإظهارهم الإنكار عليه فيما يُفتي به من الحلال والحرام، فشقّقوا قلوب الطّغام بما اجترحوه (١) من زور الكلام، ونسوا أنّ لكلّ قول مقامًا (٢) بين يدي أحكم الحُكام، يسأله هل قلته بحقٍّ

стр. 56

أو بذام؟ فيجازي المحقَّ دار السلام، والمبطل دار الانتقام. فبعضهم صَبَا إلى أقوالهم تقليدًا، وصار في حقّ هذا الإمام جبّارًا عنيدًا، وأحسّ بذلك من العامّة قوم قد أصبحوا للحكام عبيدًا، وتصوروا أن أخذهم بزمام حصول المال يكون شديدًا، فأصبحوا وهم لهم مصدِّقين، وفي طاعتهم سابقين (١)، فاجتمع من هذا التركيب العديد، بحيث عاداه أكثر السادات والعبيد، كلٌّ بحسب غرضه الفاسد، وهو مع ذلك كلّما رأى تحاشدهم في مباينته وتعاضدهم في مناقضته، لا يزداد للحقّ إلا انتصارًا، ولكثرة حججه وبراهينه إلا إظهارًا. ولقد سُجن أزمانًا وأعصارًا، ولم يولّهم دُبُره فرارًا. ولقد قصد أعداؤه الفتكَ به مرارًا، وأوسعوا حيلهم عليه إعلانًا وإسرارًا، فجعل الله حفظه منهم له شعارًا ودثارًا، ولقد ظنُّوا أن في حبسه مشينة، فجعله الله له فضيلة وزينة، وظهر له يوم موته ما لو رآه وادُّه أقرَّ به عينيه، فإن الله تعالى لعلمه بقرب أجله، ألبسه من الفراغ عن الخلق للقدوم على الحق أجمل حلله، كونه حُبِس على غير جريرة ولا جريمة، بل على قوّة في الحقّ وعزيمة، هذا مع ما نشر الله له من علومه في الآفاق، وبهر بفنونه البصائرَ والأحداق، وملأ بمحاسن مؤلفاته الصُّحف والأوراق، كبتًا ورغمًا للأعداء أهل البدع المضلة والأهواء.

стр. 57

الفصل الثالث عشر في أنّ الله جعله حُجّة في عصره ومعيارًا للحق والباطل وهذا أمرٌ قد اشتهر وظهر، فإنه ــ ﵁ ــ ليس له مُصنَّف ولا نصٌّ في مسألة ولا إفتاء إلّا وقد اختار فيه ما رجّحه الدليل النقلي والعقلي على غيره، وتحرّى قول الحق المحض فبرهن عليه بالبراهين القاطعة الواضحة الظاهرة، بحيث إذا سمع ذلك ذو الفطرة السليمة يثلج قلبه بها، ويجزم بأنها الحق المبين. وتراه في جميع مؤلفاته إذا صحّ الحديث عنده يأخذ به ويعمل بمقتضاه، ويقدّمه على قول كل قائل من عالم ومجتهد، وإذا نظر المنصف إليه بعين العدل يراه واقفًا مع الكتاب والسنة لا يُميله عنهما قولُ أحد كائنًا من كان، ولا يرائي في الأخذ بعلومهما أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنهما لقول أحد، وهو متمسّك بالعروة الوثقى، واليد الطولى، وعاملٌ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] وبقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. وما سمعت أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبّع معانيهما، والعمل بمقتضاهما. ولهذا لا يُرى في مسألة أقوال العلماء إلا وقد أفتى بأبلغها موافقةً للكتاب والسنة، وتحرّى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول.

стр. 58

ولمّا منّ الله عليه بذلك جعله حجّة في عصره لأهله، حتى إنّ أهل البلد البعيدة عنه كانوا يرسلون إليه بالاستفتاء عن وقائعهم، ويعوِّلون عليه في كشف ما التبس عليهم حكمه، فيشفي غلّتهم بأجوبته المسدّدة، ويبرهن على الحق من أقوال العلماء المتعددة، حتى إذا وقف عليها كلُّ محقّ ذو بصيرة وقوى، ممن قد وُفّق لترك الهوى، أذعن بقبولها، وبان له حقّ مدلولها، وإن سمع عن أحد من أهل وقته مخالفته في حقه المشهور، يكون ممن قد ظهر عليه عند الخاصة والعامة فعل الشرور، والاشتغال بترّهات الغرور. ومن أراد تحقيق ما ذكرته فليُمعن النظر ببصيرته، فإنه حينئذ لا يرى عالمًا من أهل أيّ بلد شاء موافقًا لهذا الإمام، معترفًا بما منحه الله تعالى من صنوف الإلهام، مثنيًا عليه في كل محفل ومقام، إلّا وراءه من اتّبع من علماء بلده الكتاب والسنة، واشتغل بطلب الآخرة ورغب فيها، وبالغ في الإعراض عنها وأهملها. ولا يرى عالمًا مخالفًا له، منحرفًا عنه، ملتبسًا بالشحناء له، إلا وهو من أكبرهم نَهَمًا في جمع الدنيا، وأوسعهم حيلًا في تحصيلها، وأكثرهم رياءً، وأطلبهم سمعةً، وأشهرهم عند ذي الُّلب أحوالًا رديّة، وأشدّهم على ذوي الحكم والظلم دهاءً ومكرًا، وأبسطهم في الكذب لسانًا، وإن نظر إلى محبّيه ومبغضيه من العوام، رآهم كما وصفت من اختلاف القبيلين الأولين. ولقد أمعنت فكري ونظري، فرأيته كما وصفته، لا والله ما أتحرّج في أحدٍ منهما، ومن ارتاب في ذلك فليعتبر هو بنفسه فإنه يراه كذلك، إن أزاح عنه غطاء الهوى، وما كان ذلك كذلك إلّا لما علم الله سبحانه من حسن

стр. 59

طوية هذا الإمام، وإخلاص قصده، وبذل وسعه في طلب مرضاة ربّه، ومتابعة نبيه صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 60

الفصل الرابع عشر في ذكر وفاته وكثرة من صلى عليه وشَيَّعه أخبرني غيرُ واحد ممن كان حاضرًا بدمشق حين وفاته ــ ﵁ قال: إنّ الشيخ ــ قدّس الله روحه ــ مرض أيامًا يسيرة، وكان إذ ذاك الكاتب شمس الدين الوزير (١) بدمشق المحروسة، فلما علم بمرضه استأذن في الدخول عليه لعيادته، فأذن الشيخ له في ذلك، فلما جلس عنده أخذ يعتذر له عن نفسه، ويلتمس منه أن يحلّه مما عساه أن يكون قد وقع منه في حقّه من تقصير أو غيره، فأجابه الشيخ ــ ﵁ ــ بأني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أنّي على الحقّ، وقال ما معناه: إني قد أحللت السلطان المعظّم الملك الناصر من حبسه إيّاي؛ كونه فعل ذلك مقلِّدًا غيره معذورًا، ولم يفعله لحظّ نفسه، بل لما بلغه ممّا ظنّه حقًّا من مُبلِّغه، والله يعلم أنه بخلافه، وقد أحللتُ كلَّ واحد مما بيني وبينه، إلا من كان عدوًّا لله ورسوله. قال: ثم إن الشيخ بقي إلى ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة الحرام، وتوفي إلى رحمة الله تعالى ورضوانه في بكرة ذلك اليوم، وذلك من سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مائة، وهو على حاله، مجاهدًا في ذات الله تعالى، صابرًا، محتسبًا، لم يجبن، ولم يهلع، ولم يضعف، ولم يتتعتع، بل

стр. 61

كان إلى حين وفاته مشتغلًا بالله عن جميع ما سواه. قال: فما هو إلا أن سمع الناس بموته حتى لم يبق في دمشق من يستطيع المجيء إلى الصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك وتفرّغ له، حتى غلّقت الأسواق بدمشق، وعُطِّلت معايشها حينئذ، وحصل للناس بمصابه أمرٌ شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم، وخرج الأمراء والرؤساء، والعلماء والفقهاء، والأتراك والأجناد، والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام. قال: ولم يتخلَّف أحدٌ من الناس فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته (١)، فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم، بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس فأهلكوهم (٢). فغُسِّل ﵁ وكُفِّن. قال: وازدحم من حضر غسله من الخاصة والعامة على الماء المنفصل عن غسله، حتى حصل لكلّ واحدٍ منهم شيء قليل (٣). ثم أخرجت جنازته، فما هو إلا أن رآها الناس حتى أكبّوا عليها من كلّ جانب، كُلٌّ منهم يقصد التبرّك بها، حتى خُشي على النعش أن يُحطَّم قبل وصوله إلى القبر، فأحدق بها الأمراء والأجناد، واجتمع الأتراك فمنعوا

стр. 62

الناس من الزحام عليها خشية من سقوطها عليهم (١) من اختناق بعضهم، وجعلوا يردّونهم عن الجنازة بكلّ ما يمكنهم، وهم لا يزدادون إلا ازدحامًا وكثرة، حتى أدخلت جامع بني أمية المحروس، ظنًّا منهم أنه يسع الناس، فبقي كثير من الناس خارج الجامع، وصُلّي عليه ــ ﵁ ــ في الجامع، ثم حُمل على أيدي الكبراء والأشراف ومن حصل له ذلك من جميع الناس إلى ظاهر دمشق، ووضع بأرض فسيحة متّسعة الأطراف، وصلّى عليه الناس. قال: وكنت أنا قد صليت عليه في الجامع، وكان لي مستشرف على المكان الذي صُلّي فيه عليه بظاهر دمشق، فأحببت أن أنظر إلى الناس وكثرتهم، فأشرفت عليهم حال الصلاة، وجعلت أنظر يمينًا وشمالًا ولا أرى أواخرهم، بل رأيت الناس قد طبقوا تلك الأرض كلّها. واتفق جماعة ممّن حضر حينئذ وشاهد الناس والمصلّين عليه، على أنّهم يزيدون على خمسمائة ألف، وقال العارفون بالنقل والتاريخ: لم يُسمع في جنازة بمثل هذا الجمع إلا جنازة الإمام أحمد بن حنبل ﵁. ثم حمل بعد ذلك إلى قبره فوُضع، وقد جاء الكاتب (٢) شمس الدين الوزير، ولم يكن حاضرًا قبل ذلك، فصلّى عليه أيضًا ومن معه من الأمراء والكبراء ومن شاء الله من الناس.

стр. 63

ولم يُر لجنازة أحدٍ ما رئُي لجنازته من الوقار والهيبة، والعظمة والجلالة، وتعظيم الناس لها، وتوقيرهم إيّاها، وتفخيمهم أمر صاحبها، وثنائهم عليه بما كان عليه من العلم والعمل، والزهادة والعبادة، والإعراض عن الدنيا، والاشتغال بالآخرة، والفقر والإيثار، والكرم والمروءة، والصبر والبشارة (١)، والشجاعة والفروسية والإقدام، والصدع بالحقّ، والإغلاظ على أعداء الله وأعداء رسوله، والمنحرفين عن دينه، والنصر لله ولرسوله ولدينه ولأهله، والتواضع لأولياء الله والتذلل لهم، والإكرام والإعزاز والاحترام لجنابهم، وعدم الاكتراث بالدنيا وزخرفها ونعيمها ولذّاتها، وشدة الرغبة في الآخرة والمواظبة على طلبها، حتى لتسمع ذلك ونحوه من الرجال والنساء والصبيان، وكلّ منهم يثني عليه بما يعلمه من ذلك. قال: ودُفن في ذلك اليوم ــ ﵁ وأعاد علينا من بركاته ــ ثم جعل الناس ينتابون (٢) قبره للصلاة عليه من القُرى والأطراف والأماكن والبلاد، مُشاة وركبانًا، وما وصل خبر موته إلى بلد ــ فيما نعلم ــ إلا وصُلِّي عليه في جميع جوامعه ومجامعه، خصوصًا أرض مصر والشام والعراق وتبريز والبصرة وقراها وغيرها، وخُتِمت له الختمات الكثيرة في الليالي والأيام، في أماكن كثيرة لم يضبط عددها، خصوصًا بدمشق المحروسة ومصر والعراق وتبريز والبصرة وغيرها، حتى جعل كثير من الناس القراءة له ديدنًا لهم، وأديرت الرَّبْعَة الشريفة على الناس لقراءة القرآن المجيد وإهدائه له.

стр. 64

وقد رثاه كثير من الفضلاء بقصائد متعددة، ولا يسع هذا المختصر ذكرها، وذلك لما وجب للشيخ ــ ﵁ ــ عليهم من الحق في إرشادهم إلى الحقّ، والمنهج المستقيم بالأدلة الواضحة الجلية النقلية والعقلية، خصوصًا في أصول الدين، فإن الله أنعم على الناس في هذا الزمان الذي قد ظهرت فيه البدع وأُميتت السنن، وصار أغلب أهله مُمْرِجين في البدع والحرام من حيث لا يشعرون، ومن حيث لا يعلمون، ومنّ الله عليهم بما وفقه له من إيضاح أصول الدين، وتبيين الحقّ المحض، والاعتقاد العدل، وإفراده عن غيره من البدع والضلالات بأمور لم يسبق إلى مثلها، وإظهارها على لسانه بما أورده من ذلك من مؤلفاته ومصنفاته وقواعده المطابقة للحق، وتقريراته، وما أبرزه من الحجج والبراهين الظاهرة، الموافقة للمعقول والمنقول، ممّا لم يتمكّن أحدٌ من المتكلمين والمناظرين الإتيان بمثله، وما أظهره وأورده من كثرة الدلائل العقلية بعد النقلية حتى قطع به جميع المبتدعين، وكشف به عوار حجج الشاكِّين المُشكّكين. فجزاه الله أحسن الجزاء عن الإسلام والمسلمين، وسبحان من أعطاه ما أولاه، ومدّه بحسن التوفيق إلى ما هداه، وأعانه بالصبر الجميل إلى أن توفاه، ورضي عنه وأرضاه، ورزقنا والمسلمين كافة الحياة والموت على الكتاب والسنة حتى نلقاه، والاعتصام بهما جميعًا في جميع ما نلقاه. والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام الأكملان الأطيبان على سيدنا

стр. 65

محمد المصطفى، خاتم الأنبياء وصاحب اللواء، وعلى آله وصحبه أجمعين آمين (١).