قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا. وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ. إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:٢٦).
ذلك سر عجيب من أسرار اللباس في القرآن. فتدبر! (١)
والمرأة إذ تكشف عن أطرافها، ومفاتنها الجسمانية بتسيب شهواني؛ فإنما معناه أنها تبرز التمثال على حساب الطبيعة، وتمجد الفخار على حساب الروح! وتفر من تزيين حقيقة النفس إلى تزيين غلافها الخارجي فقط! فتخرج عن طبيعة الوجود البشري الذي قام على المفهوم النفسي في القرآن كما تبين، وتتنصل عن ماهيتها الوجودية ووظيفتها الكونية.
стр. 37
المبحث الثاني: السيماء التربوية لنفسية المرأة
تقوم السيماء التربوية للمرأة في الإسلام على ثلاثة أركان، ذات أبعاد جمالية خاصة، هي من لطائف الأنثى خِلْقَةً، ومن أسرارها العميقة. وهي كما يلي:
أولا- جمالية الأنوثة:
الأنوثة هي سر الجاذبية الخِلْقية في المرأة. والأنوثة في الإسلام مفهوم تكاملي؛ ومن هنا جماليته. أي أن به يُحَصِّل الرجل كمالَه، من حيث هو جنس بشري، وبدونه فهو ناقص أبدا. وكذلك المرأة في المقابل لا تكون إلا بالرجولة التي على أخيها أن يحفظها ويرعاها لها! و (الجمالية التكاملية) هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة:١٨٧)؛ ومن هنا وجدنا الإسلام ينهى بشدة عن (تَرَجُّلِ المرأة) أي تشبهها بالرجل؛ لما فيه من فقدان الهوية الفطرية، للتكاملية الإنسانية، ثم لما فيه من إخلال بالتوازن الجنسي، والجمالي في الخلق. فالأنوثة حقيقة وجودية ضرورية لاستمرار النسل من ناحية، وضرورة وجودية للشعور بمعنى الحياة لدى الجنسين، بما يكون من إنتاج للوظيفة البشرية في بناء الأسرة. ومن ثَمَّ؛ من وظيفة عمرانية في قيام الحضارات، واستمرار التاريخ إلى ما شاء الله. فكان الترجل النسوي لذلك تهديدا للوجود الإنساني وخرما لتوازنه! وقد وردت أحاديث عن الرسول الأكرم ﷺ في هذا الخصوص من مثل قوله ﷺ : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المُتَرَجِّلَةُ المتشبهة بالرجال، والدَّيُّوثُ! وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى) (١).
стр. 38
ومثله قوله ﷺ : (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا: الدَّيُّوثُ، والرَّجُلَةُ من النساء، ومدمن الخمر) (١). وعن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: (لعن الله الرَّجُلَةَ من النساء!) (٢)
والترجل في المرأة قد يكون شكليا كما باللباس، أو طريقة الكلام، أو المشي، أو نحو ذلك من الشكليات الظاهرة، وقد يكون بدنيا بتغيير خلق الله في نفسها، بالجراحات الطبية المحرمة التي تؤثر على طبيعتها الأنثوية، ووظيفتها الوجودية. وكل ذلك حرام بنص الأحاديث ومقاصد الشريعة. ومن هنا حرم الإسلام حتى مجرد التشبه بالرجل بله الترجل، كما حرم على الرجل التشبه بالنساء سواء! وذلك كما في قوله ﵊: (لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء!) (٣)
وقال في خصوص التشبه في اللباس: (لعن الله الرجلَ يلبس لَبْسَةَ المرأة، والمرأةَ تلبس لبسةَ الرجل) (٤). فالأنوثة إذن؛ مقصد إسلامي وجودي وتشريعي، وكل خرم له هو خرم لحقيقة التدين ولحقيقة الحياة.
ثانيا- جمالية الحياء والتخفي:
الحياء ضد الفحش والتفحش، وضد البَذَاء. وجمالية الحياء هي من المقتضيات الفطرية للأنوثة. والحياء بطبيعته يميل إلى التخفي؛ لأن به يحفظ وجوده في النفس وفي المجتمع. إن الحياء كالزئبق، بمجرد ما ترفع عنه الغطاء
стр. 39
يطير في الهواء ويتلاشى! ومن هنا كان لا حياء مع العري، وكان لا حياء مع البروز الفاضح. التخفي سر بقاء الحياء، والحياء سر بقاء الجمال! وإنما جمال الوردة ما لم تقطف! فإذا قطفت فركتها الأيدي ففقدت بهاءها، فلا جمال بعد! ومن هنا كانت الوردة الأجمل هي تلك المحصنة بين خضرة الأوراق وتيجان الأشواك!
والحياء عموما مبدأ إسلامي كلي، عام في كل شيء، سواء كان في الأقوال، أو في الأفعال، أو في الألبسة، أو في التصرفات وسائر الحركات. وهو معنى قول النبي ﷺ الجامع المانع: (ما كان الفحش في شيء قط إلا شَانَه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زَانَه) (١). كما أنه كان عاما في كل إنسان، من حيث هو مسلم يحمل عقيدة معينة، وانتماء حضاريا متميزا. ولذلك قرنه النبي ﷺ بالإيمان في قوله: (إن الحياء والإيمان قُرِنَا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر) (٢)، ومثله قوله ﷺ : (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبَذَاءُ من الجفاء، والجفاء في النار) (٣).
ثم جعله بعد ذلك سلوكا يوميا، وتعبدا عمليا، وربطه بالله جل وعلا؛ معرفةً بجلال وجهه، وعظمة سلطانه، وجمال إنعامه، فقال ﷺ : (استحيوا من الله تعالى حق الحياء! من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى،
стр. 40
وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلَى! ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا. فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء!) (١)
لقد قصدت بإيراد هذه النصوص أن أبين أن الحياء مقصد من أهم المقاصد الشرعية، التي تداني ما سطره العلماء في مقاصد الشريعة. وتَتَبُّعُ هذا المعنى بالمنهج الاستقرائي في النصوص الشرعية؛ يجعل منه كليا من أهم الكليات الخلقية في الإسلام.
ذلك ما يتعلق بالحياء مطلقا في الإسلام، أعني من حيث هو خُلُقٌ إسلامي عام في الرجال والنساء على السواء، وإن كان وجوده في المرأة أجلى وأبين وأجمل.
إلا أن المرأة في الشريعة الإسلامية اختصت منه بلطائف ومعان، ليست على الرجل، ضبطا وتشريعا. فكثيرة هي الأعمال التي أنيطت بالمرأة دون الرجل؛ رعيا لمقصد الحياء! فكل ما أوجب عليها التستر الجسمي أو الحركي أو الصوتي؛ فهو راجع إلى هذا المعنى.
فأما التستر الجسمي فهو ما فرض الله عليها من اللباس الإسلامي، في محكم القرآن العظيم، من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب:٥٩)، وما فصلته السنة النبوية في ذلك، من جزئيات بيانية توضيحية، من مثل قوله ﷺ : (ما من امرأة تخلع ثيابها في
стр. 41
غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله) (١). ومثله قوله ﷺ : (أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عنها ستره) (٢).
وأما التستر الحركي فهو ما فرضه الله عليها من الاتزان في المشي وفي الصلاة، وما حرمه عليها من التغنج في الشوارع، والأماكن التي يغشاها الرجال. قال تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ (النور:٣١) ومنعها من إمامة الرجال في الصلاة؛ لما فيه من كشف لحركة جسمها ومفاتنه عند الركوع والسجود! ونحو ذلك في الشريعة كثير.
وأما التستر الصوتي فهو متعلق بتلحين أنغامها الصوتية خاصة، وما في معناه من تغنج صوتي، وليس متعلقا بمطلق الصوت طبعا! وذلك كمنعها من الأذان، وتجويد القرآن بمحضر الرجال الأجانب عنها. ومن باب أولى وأحرى منعها من الغناء للرجال، وتلحين الصوت عند الكلام العام؛ قصد التأثير الجنسي على الرجل من غير الزوج! وذلك كله إنما هو مقدمات الزنى. ويجمع هذه المعاني قول الله تعالى الصريح: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (الأجزاب:٣٢).
كل ذلك إنما كان رعيا لجمالية الحياء الأنثوية في المرأة، وحفظا لفطرتها النفسية ولطائفها الوجدانية، وحمايتها من التسيب الخلقي الذي هو باب كل شر!
وعليه؛ فقد كان التخفي في الإسلام مطلبا تعبديا للمرأة في كل شيء؛ حتى في صلاتها! وبهذا المنطق يجب فهم حديث النبي ﷺ الذي جعل صلاتها في بيتها أفضل -في الأجر والمثوبة- من صلاتها في المسجد، على عكس ما
стр. 42
سنه للرجل تماما. وذلك قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها، أفضل من صلاتها في بيتها!) (١) وأوضح منه قوله ﷺ : (لأن تصلي المرأة في بيتها خير لها من أن تصلي في حجرتها، ولأن تصلي في حجرتها خير لها من أن تصلي في الدار، ولأن تصلي في الدار خير لها من أن تصلي في المسجد) (٢)
وعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي (أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي! " قالت: فأَمَرَتْ؛ فَبُنِيَ لها مسجد في أقصى بيت في بيتها، وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله (٣).
كل هذا التخفي في العادات والعبادات؛ إنما هو لحفظ جمالية الحياء. ذلك المقصد الذي يشكل سرا من أسرار الجمال في الأنثى!
وبهذه النصوص والمقاصد؛ يدرك المتبصر مقدار المخالفة الشرعية، في جمالية الحياء والتخفي، بين مثال المرأة المسلمة وبين حالها في واقعها المعاصر! فانظر -رحمك الله- كم هي بذيئة حالة الاستعراض التي تمارسها المرأة اليوم
стр. 43
على الملأ، في الشوارع والأماكن العامة، تقليدا لعادات اليهود والنصارى! بل لقد وصل الجهل بمثل هذه الحقائق؛ أن صار كثير ممن ينتسبن إلى التدين والعفاف؛ لا يجدن حرجا في الخروج مع أزواجهن، مشيا على هيأة من التغنج الفاضح، والتلاصق المخجل! خاصة الأزواج الحديثي العهد بالزواج. وكأن كونهما مرتبطين بعَقد شرعي كاف لتسويغ حالة الاستهتار الخلقي، التي يمارسانها على الملأ، من التخاصر والتمايل. فما بالك بمن دونهما من الساقطين والساقطات! لقد فقد الناس الإحساس بالحياء! وفسدت أذواقهم إلا قليلا!
ثالثا- جمالية الأمومة:
الأمومة في الإسلام مفهوم خاص، وكذلك سائر مفاهيم الأسرة، كالأبوة، والبنوة، والعمومة والخؤولة ... إلخ.
يخطئ من يظن أن تلك المصطلحات كما وردت في النصوص الشرعية، من كتاب وسنة؛ هي بالمعنى البيولوجي التناسلي فقط! كلا! إنها مفاهيم تعبدية! فالأبوة بالمعنى الجنسي، أو الأمومة بالمعنى التناسلي؛ كلاهما مفهوم بيولوجي له دلالة جنسية، يشترك فيها بالتساوي الإنسان مع سائر البهائم، والحيوانات الأهلية والوحشية!
إن المفاهيم الأسرية في الإسلام لها دلالة متفرعة عن مفهوم (الرَّحِم) بمعناه الإسلامي. و (الرحم) مصطلح قرآني أصيل، مشتق من (الرحمة)، يدل على معنى ديني مقدس في الإسلام. وهو الرابطة التعبدية التي تربط الناس فيما بينهم؛ بعلاقات تناسلية مبنية على مبادئ الشريعة. فلا يدخلها من الفروع والأصول إلا من كان نتاج عقد شرعي كامل!
ومن هنا فقَدَ الزاني مفهومَ (الأبوة) لما وُلِدَ له في الحرام؛ فلم يكن (أبا) بهذا الاعتبار! ولذلك لم يَجُزْ أن يلحق ابن الزنى بأبيه البيولوجي في أي شيء؛
стр. 44
نسبا وإرثا! لأن الأب في الإسلام إنما هو من كان له ولد شرعي من عقد شرعي.
والأصل في ذلك أن الله تعالى جعل الرحم، التي هي رابطة الأسرة في الإسلام؛ مَعْنىً تعبديا، لا يجوز انتهاكه بتغيير أو تبديل، ولا بقطع صلة؛ أي قطع العلاقات بين الفروع والأصول، عموديا أو أفقيا. بل جعل صلتها عملا تعبديا كسائر العبادات الأخروية المقرِّبة من الله تعالى. وجعل رتبتها التعبدية مقرونة في القرآن بتقوى الله ذاته جل وعلا. وذلك قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١).
وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه من الحديث القدسي: (قال الله تعالى: أنا خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، ومن بتَّهَا بتَتُّه!) (١) ومثله قوله ﵊: (الرَّحِمُ شُجْنَةٌ من الرحمن. قال الله: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته!) (٢) والشُّجْنَةُ هنا: القرابة المشتبكة كاشتباك العروق والأغصان. وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله!) (٣) فتجاوز مفهوم (الرحم) أن يكون مجرد غشاء من اللحم في بطن المرأة لحمل الجنين، بل تعدى هذا المفهوم للدلالة على العلاقة التعبدية بين أفراد الأسرة من الأصول والفروع عموديا وأفقيا. وهذا سر القوة
стр. 45
والصمود في بقاء الأسرة -بالمعنى الإسلامي- عبر التاريخ، رغم كل أشكال التذويب الثقافي، الذي تعرض له المسلمون في كل مكان!
إن الرحم نفسها بالمعنى البيولوجي، أي الغشاء الجنيني، هي راجعة في الاشتقاق اللغوي إلى معنى (الرحمة)؛ لما تتسم به الأم من هذا المعنى العظيم كلما حملت؛ فكانت لذلك مورد العطف والحنان! وإنما الرحمة من الله الرحمن الرحيم. هو جل وعلا يخلق ما يشاء كما يشاء.
وللدكتور عبد الوهاب المسيري تحليل دقيق للحركة النسوية في العالم العربي، يرجع به في نهاية المطاف إلى فضح الرغبة الغربية في تدمير نظام الأسرة الإسلامي؛ لما ذكرنا من اعتبارات. يقول: (والعالم الغربي الذي ساند الدولة الصهيونية -التي تحاول تفكيك العالم العربي والإسلامي سياسيا وحضاريا- يساند بنفس القوة حركات التمركز حول الأنثى في بلادنا (...) فالعالم الغربي الذي أخفق في عملية المواجهة العسكرية المباشرة مع العالم الثالث، اكتشف أن هذه المواجهة مكلفة وطويلة، ولا طاقة له بها؛ ومن ثم فالتفكيك هو البديل العملي الوحيد. كما أدرك العالم الغربي أن نجاح مجتمعات العالم الثالث في مقاومته يعود إلى تماسكها، الذي يعود بدوره إلى وجود بناء أسري قوي، لا يزال قادرا على توصيل المنظومات القيمية، والخصوصيات القومية إلى أبناء المجتمع؛ ومن ثم يمكنهم الاحتفاظ بذاكرتهم التاريخية، وبوعيهم بثقافتهم وهويتهم وقيمهم (...) وإذا كانت الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع؛ فإن الأم هي اللبنة الأساسية في الأسرة؛ ومن هنا تركيز النظام العالمي الجديد على قضايا الأنثى! فالخطاب المتمركز حول الأنثى هو خطاب تفكيكي (...) وهو خطاب يهدف إلى توليد القلق، والضيق والملل، وعدم الطمأنينة في نفس المرأة، عن طريق إعادة تعريفها! بحيث لا يمكن أن تتحقق هويتُها إلا خارج إطار الأسرة! وإذا انسحبت
стр. 46
المرأة من الأسرة تآكلت الأسرة وتهاوت! وتهاوى معها أهم الحصون ضد التغلغل الاستعماري والهيمنة الغربية!) (١)
ومن ثَمَّ حازت الأم في الشبكة الأسرية موقعا مركزيا، لا يدانيها فيه أحد. ولذلك قال الله ﵎ في القرآن العظيم: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان:١٤). فهو وإن وصى الإنسان بوالديه معا؛ إلا أنه خص الأم بذكر وظيفتها البيولوجية والنفسية والتربوية؛ فكان لها بذلك خصوص تمييز، لا يلحقه الأب. وهو صريح قول النبي ﷺ الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) (٢).
ومن هنا كان للأمومة جمالية خاصة في الإسلام، تتحقق على المستوى التربوي في تنشئة الفتاة، وإعدادها النفسي؛ لتملأ الوجدان الاجتماعي كله بالحب والحنان؛ مما يرسي نوعا من التوازن السيكولوجي في الأجيال، ويقوي النسيج الاجتماعي للأمة.
стр. 47
الفصل الثاني: المرأة وسيماء الصورة
المبحث الأول: سيماء الصورة في التدافع الحضاري
ونعني بسيماء الصورة هنا صورة الجسم. فكل الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، المتعلقة بلباس المرأة؛ إنما هي راجعة إلى الأصل الأول المبين في الفصل الأول. أي سيماء النفس. فوجب أن تكون الصورة خادمة للنفس وليس العكس، كما هي فلسفة الحضارة المادية في الغرب اليوم!
الصورة سيماء حضارية:
يخطئ الذين يظنون أن الصورة -بما تحمله من ألبسة وعلامات- محايدة لا انتماء لها. بل هي رمز خطير من أهم رموز الانتماء الحضاري! إنها تعبر عن تصور ما للحياة والوجود والمصير بصورة واعية، أو غير واعية.
إن العري في الغرب اليوم، عري الرجل والمرأة كليهما، صورة تعبر عن فلسفة حضارية! فأروبا وسليلتاها: أمريكا وأستراليا، تختزن مضمونا وثنيا قديما، يرجع إلى العهد اليوناني القديم. لقد انهزمت المسيحية يوم تبناها قسطنطين إمبراطور روما، فانتقلت من الشرق مهدها الأول إلى الغرب؛ ذلك أن الغرب لم يستطع أن يتخلص من فكره الوثني القديم. فبدل أن تتمسح أروبا توثنت المسيحية! أو بدل أن (تتنصر روما ترومت النصرانية) كما قال بعض مؤرخي الملل والنحل من المسلمين. وهذه أعظم مصيبة في تاريخ الديانة المسيحية! لقد فقدت طبيعتها الروحية إلى الأبد! قال ابن كثير ﵀: (ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له (قسطنطين)، فدخل في دين النصرانية.
стр. 48
قيل: حيلة؛ ليفسده، فإنه كان فيلسوفاً، وقيل: جهلاً منه، إلا أنه بدَّل لهم دين المسيح وحرَّفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في صيامهم عشرة أيام؛ من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح (دين قسطنطين)!) (١)
إن الفنان اليوناني القديم الذي لا يجد حرجا في رسم أو نحت الصورة عارية تماما، مع العناية الشديدة في نقش الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة، في التماثيل والصور؛ إنما يستجيب لطبيعة الفلسفة الإغريقية القديمة. فكل ذلك له دلالة التفسير المادي للحياة، والتصوير الغرائزي للإنسان! وهو حس وثني غليظ، بمقتضاه عبد الإنسان الشهوات السلطانية والمالية والجنسية، سواء في عهد الفراعنة في مصر، أو في عهد اليونان القديم، حيث الآلهة هي مرجع التفكير، والاعتقاد الفلسفي والاجتماعي لدى الإنسان. ولذلك كان العهر جزءا من فلسفة اليونان، وجزءا من قيمهم الدينية. وقد فصل العلامة المودودي في كتابه "الحجاب" هذا المعنى بما يكفي، لكنا نقتطف منه قوله ﵀: (وتبدلت مقاييس الأخلاق عندهم، إلى حد جعل كبار فلاسفتهم، وعلماء الأخلاق عندهم؛ لا يرون في الزنى وارتكاب الفحشاء غضاضة، يلام المرء عليها ويعاب! (...) وانتشرت فيهم عبادة أفروديت " Aphrodite" التي كان من قصتها عندهم في الأساطير " Mythology" أنها خادنت ثلاثة آلهة، مع كونها زوجة إله خاص! وأيضا كان من أخدانها رجل من عامة البشر، علاوة على تلك الآلهة. ومن بطنها تولد كيوبيد " Kupid" إله الحب! نتيجة اتصالها بذلك الخدن البشري!) (٢).
стр. 49
إن هذا المضمون -مع الأسف- لم تستطع المسيحية في أوروبا أن تقضي عليه، وإنما تكيفت معه وتبنته؛ استجابة لمحاباة الإمبراطور من جهة، واستجابة للعرقية الغربية اليونانية القديمة من جهة أخرى. ولكن الذي حدث هو تحول الأوثان من صورة إلى صورة! فبدل أن تصور الآلهة اليونانية شرعت في تصوير الآلهة المسيحية! فظهرت صورة العذراء وصورة المسيح ﵇ -زعموا- وصور القديسين! وأثقلت بها الكنائس في كل مكان! وصار للمسيحية تجل وثني مع الأسف! هو الذي تطور ليعري الصورة البشرية الحية في الغرب اليوم كاملة! فتوجهت العقلية الغربية إلى التعري في كل مجالات الحياة! ومن هنا شهد الغرب ثقافة العري، التي طبعت أدبه وفنونه. ومن ثم صدرها إلينا مع المثقف العربي المصنوع على النمط الأوروبي!
ولذلك فليس عبثا أن يتجه الفن الإسلامي في العمارة إلى التجريد بدل التجسيد! من خلال اعتماد الخط العربي في الزخرفة والتعبير، والأشكال الهندسية الانحنائية، المتكاتفة والمتعاطفة، نقوشا وأسوارا وأزقة، كتعاطف المصلين في الصف خلف الإمام. ثم الأشكال التجريدية في الأعمال من صيام وقيام. كل ذلك لأن التجريد هو الفضاء الأقدر على التعبير عن عقيدة التوحيد.
إن حركة العري الجنسية في الغرب اليوم ما هي إلا امتداد طبيعي للانتماء الحضاري اليوناني القديم! فهي تحمل في طياتها تقديس الشهوات، وعبادة الملذات. وبذلك صار للجسم/الصورة سلطة كبرى في بناء التصورات وصناعة القرارت، في السياسة والتجارة والإعلام! وتلك هي الوثنية في صورتها الجديدة!
الصورة سيماء إعلامية تجارية:
وبهذه الخلفية الحضارية وُظِّفَتْ صورة المرأة، كاسية أو عارية، في الثقافية الإعلامية الغربية، فكانت بذلك رمزا لترويج السلع والبضائع، والمنتوجات
стр. 50
المختلفة، من خلال أبعاد صورتها الجسمانية، وما يتداعى عنها من غرائز جنسية، تستدعيها في نفسية المشاهد والمتلقي؛ ليكون بعد ذلك أحد المستهلكين للبضاعة، التي مرت إلى عقله عبر قناة الجسد، جسد المرأة المشتهى!
إن هناك شيئا يمكن تسميته بعلم النفس التجاري! لكنه (علم) -إن صحت العبارة- نشأ في بلاد لا تعرف معنى لمفهوم الحرام! بل إنما تفتقت عنه عبقرية الشيطان اليهودي أساسا؛ ولذلك فقد جاء يحمل كل خصائص الرأسمالية المتوحشة. فصار صناعةً تستغل كل شيء، وتضحي بأي شيء: الدين والأخلاق والأعراض والقيم الإنسانية جملة؛ من أجل الوصول إلى غاية واحدة: هي الربح! فكان أن وظف السيمياء الأكثر تأثيرا في نفسية المستهلك الشهواني، وهي: جسد الأنثى، في صورته الجنسية!
فكانت هذه الصورة -مع الأسف- هي القناة الإشهارية الأولى، لكل البضاعة العالمية، من السيارة حتى الحذاء! ولم تعد صورة المرأة في الواقع النفسي التجاري العالمي؛ تتجاوز معنى مومياء البلاستيك المعدة لعرض الأزياء على قارعة الطريق!
والصورة سيماء سياسية: وبنجاح السيماء التجارية في استغلال جسد المرأة بأبعاده الجنسية؛ انتقلت العدوى إلى مجال التدافع السياسي الصرف خاصة في الوطن العربي والإسلامي اليوم، حيث توظف الصورة العارية من خلال الأدب، والثقافة، والفن السينمائي، والمسرحي، والألبوم الغنائي، والموديل الفتوغرافي، وموضة الشارع المتحركة، حتى نمط العمل الإداري! كل ذلك لتدمير بنية التدين في المجتمعات الإسلامية، هذه البنية التي تعتبر خميرة ما يسمى (بالإسلام السياسي) باصطلاح أعدائه، أو (الصحوة الإسلامية)، أو (حركة تجديد الدين)، باصطلاح أبنائه. لقد استُغل السلاح النسوي استغلالا خطيرا، في إعادة صياغة الأسرة؛ وفق المقياس الأوروبي وقيمه الحضارية،
стр. 51
ونقض أصول بناء الأسرة في القرآن بالتدريج. كل ذلك يحصل اليوم من خلال وسائل من أخطرها التطبيع على تداول الصورة العارية كموضة متحركة في بنية المجتمع العربي والإسلامي! (١)
والصورة سيماء قرآنية:
ومن هنا لم تكن عناية الإسلام بالصورة الجسمية فارغة من أي مضمون، أو مجرد شكليات، وجودها كعدمها، كلا! بل هي أيضا تعبر عن انتماء حضاري، وموقف عقدي، ورؤية وجودية. إنها عمق مذهبي، والتزام ديني (٢). ولذلك فليس عبثا أن تجد القرآن نفسه وهو أعظم مصدر ديني في الإسلام ينص على قواعد اللباس، وقواعد التصرف الصوري (نسبة إلى الصورة)، على سبيل الإلزام حينا، وعلى سبيل الإرشاد حينا آخر.
إن رمزية اللباس في الإسلام تنطلق مرجعيتها من قصة خلق آدم ﵇ وزوجه حواء. حيث كان لباس الجنة رمزا للرضى الإلهي، وبمجرد ارتكابهما للخطيئة تحول ذلك إلى عري! فالعري هو رمز التمرد على الخالق. إنه إذن رمز الشيطان! قال : ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى. فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى. فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (طه:١١٧ - ١٢٢). إن هذه الآيات تلخص قصة اللباس كيف بدأ في تاريخ الإنسان وفي تاريخ الدين كله. فآدم ﵇ وزوجه
стр. 52
كانا على تمام النعمة في الجنة، أَكْلاً وشُرْباً ولباسا. فقوله تعالى: (ولا تعرى) دال على أنه ﵇ كان يتمتع بلباس الجنة هو وزوجه. قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: (فأعلمه أن له في الجنة هذا كله: الكسوة والطعام والشراب والمسكن) (١). وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾: إنما قرن بين الجوع والعري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر) (٢). وقوله (ولا تضحى) أي لا تتعرض لحر الشمس. فهو في ظلالها وجمالها.
فصرح القرآن العظيم بعلة وسوسة الشيطان لآدم وزوجه؛ أنها الرغبة في تعريتهما التعرية التامة! حتى تظهر لهما سوءاتهما، فيريان ذلك من أنفسهما معا! وليس أبعد في المنكر والخزي من أن يتعرى الإنسان، ويكشف عن عورته على ملأ الناس! إذن تمسخ طبيعته التي فطر عليها، من رتبة الإنسانية إلى دَرَك البهَمِيَّة، كما هي معظم شوارع هذا الزمان وتلفزيوناته! صحيح أن آدم وزوجه إنما كانا وحيدين في جنسهما آنذاك. إذ هما أول الخلق البشري. ولكن قصة آدم إنما كانت لوضع أصول التربية الفطرية للإنسان، والعهد إليه بميثاقها.
فالشيطان سعى قصدا لنقض هذه المقاصد، وتعرية الإنسان وتطبيعه على التعري، وخرق الحياء كقيمة إنسانية. ولذلك قال في سورة الأعراف مبينا: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ
стр. 53
الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ!﴾ (الأعراف:٢٠ - ٢٢).
ومن هنا كانت الآية البصيرة -وكل آيات القرآن بصائر- الآية التي تحكم منطق اللباس في الإسلام، وتوجهه، وتمنحه مضمونه المقاصدي بالشمول الكلي، تحيل تعليل فطرة اللباس وطبيعته الإسلامية على قصة آدم نفسها، لكن بوضوح أبين، ودلالة أقوى، وهي قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا. وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ. ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا. إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ. إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:٢٦).
والذي نفسي بيده! لو أبصرت النساء اليوم هذه الآية وحدها لكفتهن! ولكن أكثرهن -مع الأسف- هن كما قال الله تعالى عَمْياوَاتُ البصائر: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ!﴾ (الأعراف:١٩٨).
ومن جمالية التعبير القرآني بهذه الآية البصيرة؛ أنه تعالى ذَكَر لباس الثياب، ثم كنى عنه بالريش؛ وذلك لما للطائر من جمال إذ ينطلق بريشه محلقا في الفضاء، أو مستقرا على الشجر، أو ماشيا على الأرض. وما أتعسه من طير فقد ريشه! أو نتفه من يعذبه به! ألا ذلك هو العذاب الأليم! وقرن تعالى هذا كله بلباس التقوى، وإنما القصد (بلباس التقوى) صلاح النفس، لا اللباس المادي الظاهر، ولكنه هنا سيق ليكون هو غاية اللباس المادي في الإسلام، والمقصد الأساس من تشريعه. فإنما اللباس ما عبر عن ورع صاحبه وتقواه، ذكرا كان أم أنثى.
ومن ثَمَّ كان العهد الذي أخذه الله على الإنسان، بعدم عبادة الشيطان؛ يعود بنا إلى قصة العري والعصيان الآدمي. وذلك قول الله ﷻ : ﴿أَلَمْ
стр. 54
أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (يس:٦٠ - ٦١). فكان الالتزام باللباس نوعا من الوفاء العَقَدي لعهد الله وعدم الإشراك به، كما كان التعري نوعا من الشرك والوثنية! لما فيه من إبراز وتقديس للجسمانية على حساب الروحانية؛ ومن هنا كانت أحكام اللباس في الإسلام متأصلة في عقيدة التوحيد! وهذا معنى من ألطف ما يكون، وسر من أعجب أسرار القرآن! .. فتدبر!
في هذا الفضاء الكوني القرآني إذن؛ جاءت آية سورة الأحزاب في فرض نموذج لباس المرأة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب:٥٩). وآيات سورة النور التي منها قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: ٣١).
وفي هذا الفضاء أيضا جاء تمييز الرجال بألبستهم وصورهم. صحيح أن الإسلام لم يفرض نموذجا عربيا أو عجميا للباس، ولكنه فرض قواعد يجب أن تحترم سواء كان اللباس عربيا أو عجميا. وقد لبس رسول الله ﷺ اللباس العجمي وأقره بين الصحابة، كالقَبَاطِي والجبة الرومية، وغير ذلك (١)،
стр. 55
مادامت تلك الألبسة لا تحمل دلالة دينية رمزية لغير المسلمين من ناحية، وما دامت من ناحية أخرى تستجيب لقواعد اللباس الرجالي في الإسلام.
فالأمر الوارد بإعفاء اللحية بصورة مخصوصة لا بأي صورة، وكذا الأمر بالتزام قواعد معينة عند كل لباس؛ كل ذلك يخدم هذه الأصول التشريعية والعقدية المنطلقة من قصة آدم، والساعية إلى تمييز الإنسان المسلم عن عالم الخطيئة والعصيان الشيطاني، الذي انحدرت إليه أمم المجوس وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. فقوله ﷺ مثلا: (خالفوا المشركين! أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى!) (١) وفي رواية لمسلم: (خالفوا المجوس)؛ ليس لتشكيل صورة قائمة على مجرد فن الديكور! كلا! بل هو لتمييز الصورة الإسلامية في سيميائها الحضارية، وانتمائها العقدي. إنها تعبير عن التبرؤ من النموذج الشيطاني الذي جر إليه إبليس اللعين الأمم الضالة لتغيير خلق الله، بما حكى عنه القرآن العظيم مفصلا بشكل عجيب! قال تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا. لَّعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا.
стр. 56
وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ (النساء:١١٧ - ١١٩).
ومن ذلك حديث أبي أمامة قال: (خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: "يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب! " قال: فقلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون؟ فقال رسول الله صلى الله ﷺ : "تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب! " قلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يَتَخَفَّفُونَ ولا ينتعلون! (١) فقال رسول الله ﷺ : "فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب! " فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عَثَانِينَهُمْ (يعني: لحاهم) ويُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ (يعني: شواربهم)! قال: فقال النبي صلى الله ﷺ : "قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم! وخالفوا أهل الكتاب!) (٢).
وبهذا القصد نهى الرجال عن إسبال الثوب، وإرخائه إلى ما تحت الكعبين من الأقدام؛ لما كان يدل عليه من خيلاء وكبر في عادات العرب، فقال ﷺ : (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار!) (٣). وقال ﷺ مبينا علة ذلك: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) (٤). ولنكتف بهذه الإشارات فيما يتعلق بسيمياء اللباس لدى الرجل؛ حتى لا نخرج عن غرض هذا الكتاب المتعلق بسيمياء المرأة على الخصوص. وإنما القصد أن نبين أن اللباس عموما في الإسلام، سواء منه ما تعلق بالرجال، أو ما تعلق بالنساء؛ له دلالة سيميائية
стр. 57
ترجع في رمزيتها إلى مقاصد دينية تعبدية، تضرب حقيقتها في عمق التصنيف الاعتقادي، وتتشكل صورتها في صلب الانتماء الحضاري، والتميز الثقافي.
العري كبيرة من الكبائر:
فمن هنا إذن؛ كان الوعيد النبوي شديدا بالنسبة للمتعريات من المسلمات، ففي هذا الإطار السيميائي، والسياق الحضاري؛ جاءت الأوامر القرآنية والنبوية بالتزام صورة معينة للباس لدى النساء. وأنكر الرسول ﷺ إنكارا رهيبا تعري المرأة. والعجيب أن ذلك الإنكار تعلق بصورة (كاريكاتورية) للباس المرأة؛ لم تكن قد ظهرت في زمانه ﷺ ، ولا عرفتها العرب. وإنما حدَّث عنها ﵊ مطلا على المستقبل من مشكاة النبوة، ومستبصرا للغيب، مما علمه الله. أي أنه كان يقرأ زماننا ويبصر عري نسائنا من قمة زمانه ﷺ ! فأنكر ذلك المستقبل الماضي في علم الله، وحذر من مجاراته والافتتان به؛ لِمَا عَلِم ﵊ من انتسابه الشيطاني، وتمرده على رب الكون! فرتب عليه وعيدا شديدا من عذاب الله! وتلك صفة كبائر الذنوب عموما في الإسلام، والسياق قاطع بأن هذه منها! وقد اشتهر في ذلك قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النّارِ لَمْ أَرَهُمَا. قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النّاسَ. وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاتٌ، رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) (١).
فهذا الحديث من دلائل نبوته ﷺ ، فقد وصف فيه ما لم يره بعين البصر، وإنما رآه بعين النبوة، مما سيكون في آخر الزمان وهو زماننا هذا. فكان وصفه العجيب كأدق ما يكون الوصف؛ لما عليه حال النساء اليوم، مما لم يسبق له مثيل في التاريخ! فهن فعلا كما قال ﷺ (كاسيات عاريات) بمعنى أنهن يلبسن ما به يكون العري أشد! وهو شيء غريب فعلا. ألا ترى أن نوع
стр. 58
اللباس الأنثوي اليوم إنما هو لزيادة بيان تفاصيل العورة، ومواطن الفتنتة من الجسم: خِرَقٌ رقيقة أو ناعمة تكشف وتشف، أو ترسم هيأة البدن على التمام والكمال، وتعري بعضه أو أغلبه تعرية تامة. فإذا المرأة في الشارع تسير عارية تماما! إنها لو خرجت بلا ثوب مطلقا لما فتنت كما تفتن الآن بقليل اللباس، مما يكون به عرض مواطن الفتنة في الجسم على أبين وجه، وعلى أدق توصيف! فأي شيطان هذا الذي يملي هندسة الشر على منتجي الموضة في العالم؟ ذلك هو قول النبي ﷺ (كاسيات عاريات!)
ثم إنهن بعد ذلك (مائلات مميلات)، ومعناه أنهن مائلات عن الصراط المستقيم أولا، ثم هن مائلات في مشيتهن بالطرقات، يَسِرْنَ بنوع من الانحناء إلى شمال تارة، وإلى يمين تارة أخرى؛ إمعانا في عرض أجسامهن العارية بأوضاع مختلفة، في المعرض المفتوح لأجساد النساء! ماذا بقي بعدُ من الكرامة لهؤلاء؟
وأما كونهن (مميلات) فهو أنهن يملن أعطافهن وأردافهن -إذا مشين- بتكسر ماجن، وتعهر فاضح. و (الإمالة) أيضا هي أثر ذلك كله على قلوب الشباب خاصة، وقلوب الرجال عامة، من التأثير الشيطاني والغواية الإبليسية، التي تميلهم عن الصراط المستقيم، وتخرجهم عن سبيل الهدى إلى سبل الضلال، وتخرجهم من النور الظلمات، أو من الظل إلى الحرور!
ثم هن كما قال ﷺ : (رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ)، ومعناه أن طريقة قص شعرهن، وشكل حلاقته؛ تجعل رؤوسهن أشبه ما تكون بأسنمة البُخْت المائلة. والبُخْت: جمع بُخْتِية، وهي الناقة. لكنها نوع خاص من الإبل، مُنَسَّلَةٌ من الجِمال العجمية. والأسْنِمَةُ: جمع سنام، وهو ذروة الناقة. وكثيرا ما تكون ذروة الناقة، أو الجمل؛ فعلا مائلة إلى جانب معين، ثائرة الوبر، متناثرة الشعر، بشكل وحشي، أو قل (فوضوي) بالمعنى الفني المعاصر للكلمة! أليس النساء هن كذلك فعلا؟ بلى والله! وبالضبط كما وصفهن
стр. 59
النبيُّ! فَعُدَّ أنواع القَصَّات في حلاقة الموضة الجهنمية اليوم! لترى مدى صدق الرسول ﷺ في الوصف الاستبصاري النبوي! عُدَّ إذن: القَصَّةَ المربَّعة! وقَصَّةَ الفرس! وقَصَّةَ الفتى! (للبنات طبعا!) والقَصَّةَ الإيطالية! والقَصَّةَ الوحشية ... ! إلى آخر ما في جعبة إبليس من تحليقات شيطانية! ذلك هو والله وصف الرسول ﷺ لهن: (رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ)! وصدق نبي الله ﷺ .
فإذا أضفت إلى هذا ما أخبر به ﵊ في بداية هذا الحديث، وهو الصنف الأول من أهل النار، أي: (قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النّاسَ!) رأيت ما يسمى في العصر الحديث بـ (قوات مكافحة الشغب)، ورأيت (جلادي السجون)، وشرطة الاختطافات والاستنطاقات القسرية، ورأيت كيف يحملون معهم هراواتهم وسياطهم، وسائر أدوات التعذيب الميكانيكية والكهربائية؛ لتحطيم جماجم المستضعفين، وتهشيم عظام المظلومين في كثير من بلاد العالمين! مما لم يدر بخلد شياطين العهد النبوي! إذا أضفت ذلك إلى ذلك؛ علمت دقة التصوير النبوي لمدى خطورة الانحراف الذي عليه المرأة المسلمة اليوم!
فاقرئي الحديث -بنيتي- مرة أخرى، وتدبري! أليس كان ﵊ ينظر إلى زماننا هذا بالضبط، وبدقة متناهية؟ أليس كان ينظر من مشكاة النبوة إلى غيب يبعد عنه ﷺ بأزيد من أربعة عشر قرنا من الزمان؟ بلى والله! وقطعا ستصدق نذارته كما صدقت نبوته. وإنما نذارته هنا هي قوله عن الفريقين: إنهم جميعا: (صنفان من أهل النار)، وأن النساء الكاسيات العاريات: (لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)! أي أنه كان يصف البعد الرهيب الذي يفصل بين هؤلاء النسوة وبين ريح الجنة؛ لِمَا هن هاويات فيه من دركات الجحيم الضاربة في أعماقها والعياذ بالله!
стр. 60
ولقد روي هذا المعنى بنبوءات أخرى عجيبة، في أحاديث صحيحة، تتحدث عن موديلات السيارات الفاخرة، التي تركبها النساء العاريات! فأبصَرَ منها النبي ﷺ لقطة فيها من التناقض السلوكي، والانفصام النفسي والاجتماعي؛ ما نراه اليوم عيانا! وهو ذهاب هؤلاء الكاسيات العاريات مع أزواجهن إلى المساجد للصلاة أحيانا! زعموا! وهو ما يقع خاصة يوم الجمعة، وأحيانا لا يذهبن للصلاة، وإنما يتبعن موكب العرسان، على عادة بعضهم في إدخال العريس إلى المسجد، في جوقة من الزغاريد والغناء، والعري الفاضح الماجن. وهذا أمر نشاهده اليوم في مصيف الأعراس، في بعض المساجد المغربية! وهو من أقبح البدع وأسوئها! اقرأ هذا الحديث النبوي العجيب، وانظر إلى تلك السيارات الموصوفة منذ أزيد من أربعة عشر قرنا من الزمان! قال ﷺ : (سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف! العنوهن فإنهن ملعونات! لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم! كما خدمتكم نساء الأمم من قبلكم) (١).
وروي بلفظ آخر هو قوله ﷺ : (يكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المَياثِرِ (٢)؛ حتى يأتوا أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات! لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمتهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم!) (٣)
стр. 61
فتدبر هذا الخطاب الرهيب، والوعيد الشديد في قول النبي ﷺ : (العنوهن فإنهن ملعونات!) ما كان ليكون ذلك كذلك؛ لو لم يكن التعري خطيئة من أبشع الخطايا، وأخسها! ولو لم يكن مسخا للفطرة الإنسانية، وتغييرا لخلق الله في السلوك النفسي والاجتماعي! إنه سيمياء الشيطان!
فالسِّتْرَ السِّتْرَ بنيتي! فإنه سيماء الرحمن! قال ﷺ : (إن الله تعالى حَيِيٌ سِتِّيرٌ، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر!) (١)
والخلاصة في هذه المسألة أنه يمكنك القول: إن هيأة المسلم في لباسه ومظهره -رجلا كان أو امرأة- هي عبارة عن صلاة! بكل ما تحمله كلمة (صلاة) من معاني السير إلى الله خضوعا وخشوعا.
إن سيماء الصورة في الإسلام لغة كاملة؛ لغة من لغات الصلاة المودعة في أسرار هذا الملكوت! إنها تعبير عن منطق الطير، وصحف إبراهيم، وألواح موسى، ومزامير داود وإنجيل عيسى، وآيات هذا الكتاب العظيم، الذي أنزل على محمد ﵊، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. ذلك الدين الواحد، ضل عنه المحرفون الذين بدلوا، وغيروا خلق الله، ونبذوا ستر الله، وانحازوا لعري إبليس! فهدى الله المسلمين إلى جمال الستر. ولكن أكثرهم اليوم - مع الأسف - لا يعقلون!
المبحث الثاني: التأصيل الفقهي لسيماء الصورة في الإسلام
ونظرا لعمق الدلالة السيميائية للباس المرأة في الإسلام، وارتباطه بماهيتها الإنسانية كما بينا؛ فقد جاء تشريع أحكامه فريضة في القرآن نفسه. ولم يترك ذلك لتشريع السنة فقط، أو تشريع الاجتهاد فقط، على الرغم مما للسنة ثم
стр. 62
للاجتهاد من قيمة تشريعية في الإسلام. لقد تولى الله ﷻ بذاته إنزال حكم لباس المرأة من فوق سبع سماوات! وفي ذلك ما فيه من قوة تشريعية، وحجية إلزامية ليس فوقها قوة!
إن ورود أحكام اللباس مبينة في القرآن العظيم نفسه له أكثر من معنى! إنه حكم إلهي مباشر، صدر من أعلى سلطة في هذا الوجود: الله رب العالمين، خالق الأكوان أجمعين، القاهر فوق عباده!
ولقد بينا في كتابنا البيان الدعوي قاعدة مراتب التشريع في الإسلام، وما للتشريع القرآني من قصد إلزامي بهذا المعنى. فليس الحكم الذي ذكره الله في القرآن نصا؛ كالحكم الذي لم يرد إلا في السنة، أو لم يرد بعد ذلك إلا في استنباطات الفقهاء. وليس معنى هذا التنقيص من القيمة التشريعية للسنة كلا! وإنما المقصود تمييز التشريع القرآني بما هو أهله. فإنما ذلك كلام الله المباشر. وتلك حقيقة وجودية من أعظم الحقائق وأثقلها. قال : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا!﴾ (المزمل: ٥).
ونورد ههنا خلاصة لمعنى قاعدة مراتب التشريع، على ما أصلناه في موضعه مفصلا بأدلته: (ومفادها أن ما كان من أصول الدين الاعتقادية أو العملية، إنما يكون أصل تشريعه في القرآن. ولا يترك منه للسنة إلا ما كان من قبيل البيان والتفصيل، من توضيح الهيآت وبيان الكيفيات. وذلك شأن الإيمان بالله واليوم الآخر، والصلاة والصيام والزكاة والحج؛ من الواجبات، وكذا شأن الربا، والخمر، والميسر، والزنا، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب؛ من المحرمات، ونحو هذا وذاك.
فقد ورد تشريع كل ذلك في القرآن أساسا. من مثل قوله تعالى في الواجبات: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (البقرة:١٠٩)، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم الصِّيام﴾ (البقرة:١٨٢)، وقوله: ﴿ولله على الناس حَجُّ البيت﴾ (آل عمران:٩٧)، ونحو قوله سبحانه في المحرمات: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ (البقرة:٢٧٧)،
стр. 63
﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (البقرة:٢٧٤)، وقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (المائدة:٩٢)، وقوله: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ (الإسراء:٣٢)، وقوله: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله﴾ (البقرة: ١٧٢). إلى غير ذلك من أصول الواجبات والمحرمات في الدين. فإن الله تعالى إنما أنزل كتابه ليكون أصل التشريع الأول بلا منازع، قال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (الأنعام:٣٩)، أي من أصول التشريع وكليات الأحكام. فلا حكم شرعي مما هو مقصود أصالة من الدين إلا وأصله التشريعي في القرآن.
فلا ينبغي أن يعتقد بناء على هذا؛ أن بعض الأصول الدينية التشريعية قد أهملت من القرآن؛ لتتولى السنة تشريعها. فهذا مما يخالف قصد الشارع، وطبيعة التشريع الإسلامي، وقواعده الكلية الاستقرائية. فإنما شأن السنة في مثل هذه الأمور بيان الهيآت التنزيلية والكيفيات التطبيقية، من مثل قوله ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١)، وحديث المسيء صلاته المشهور، وفيه: (والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني! فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع ... إلخ الحديث) (٢)، وبَّين ﷺ مقادير الزكاة وأنصبتها، وكيفية الصيام، وقال في الحج وهو يحج بالمسلمين في حجة الوداع: (يا أيها الناس خذوا عني مناسككم) (٣) ونحو هذا وذاك كثير، وإنما قصدنا التمثيل لطريقة السنة في التعامل مع أصول التشريع وكلياته، من البيان والتفصيل.
стр. 64
وعليه؛ فإنه لا يترك للسنة من التشريع إلا ما كان بمنزلة الفروع والجزئيات، لا الأصول والكليات. فإذا وجدت من السنة ما هو كذلك ـ ولم يكن بيانا تطبيقيا ولا تفصيليا ـ فإنك تجده من قبيل تأكيد التشريع لا تأسيس التشريع! فلا حكم من الكليات التشريعية إلا وتجد في كتاب الله أصله الأول. دل على ذلك الاستقراء التام لأصول الشريعة وفروعها. وذلك كأحاديث إيجاب الصلاة والزكاة والصيام والحج بالسنة، فإنما هو من قبيل التأكيد، لا التأسيس.
وأما ما تفردت السنة بتشريعه تأسيسا، من الواجبات والمحرمات، فإنه لا يكون من الأصول والكليات، وإنما هو من الفروع والجزئيات، بالنسبة إلى ما ورد في القرآن من التشريع. كأحاديث النهي عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وذوات السموم، ونحو ذلك.
إذن؛ فالأصل في المقصود أصالة من الشريعة أن يكون منصوصا عليه في الكتاب. وهذه هي المرتبة الأولى من التشريع. وذلك حق أمهات الفضائل وأمهات الرذائل، من الواجبات والمحرمات جميعا. وإنما للسنة المرتبة الثانية، فما اقتصر على تشريعه فيها -ولم يكن من قبيل البيان والتفصيل- كان إيجابه أو تحريمه بها من الدرجة الثانية، بالنسبة إلى ما أوجبه الله أو حرمه بالقرآن. ومن أخطأ هذه القاعدة الأصولية الجليلة فاته كثير من فقه الدين!) (١)
في هذا السياق إذن يأتي حكم لباس المرأة في القرآن. ويصدر الرحمن أمره العظيم إلى رسوله الكريم ﷺ ، في سورتين اثنتين من القرآن، فيقول جل وعلا في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب:٥٩).
стр. 65
ويقول سبحانه وجل شأنه في سورة النور: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ. وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا. وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء. وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:٣٠ - ٣١).
لقد ورد هذا الخطاب القرآني المشكل لسيماء الصورة، يحمل ضوابط رفيعة للرقي بالمرأة إلى وظيفتها الإنسانية الحقيقية. فجعل لها علامات، باعتبار أن العلامات هي وسيلة التعبير الأخطر في حياة الإنسان، والأكثر تأثيرا في توريث القيم، وتصديرها أو استيرادها.
فأما آية سورة الأحزاب فقد ألزمت المؤمنات جميعا بارتداء الجلباب وإدنائه. والمقصود بالجلباب: ما ترتديه المرأة فوق ثيابها؛ لتخرج به، فيستر جميع بدنها. سواء كان إزارا أو رداء، أو ملحفة. جاء في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير قوله: (الجِلْبَابُ: الإزَارُ والرّدَاء. وقيل: المِلْحَفَة. وقيل: هو كالمِقْنَعَة تُغَطّي به المرأة رأسها وظَهْرَها وصدرَها، وَجَمْعُه: جَلاَبيبُ) (١). ولذلك قال الأصفهاني في مفرداته: (والجلابيب: القُمُصُ والخُمُر، الواحد: جلباب) (٢).
وجاء في لسان العرب: (والجِلْبابُ: القَمِيصُ. والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطِّي به المرأَةُ راسَها وصَدْرَها؛ وقيل: هو ثوب واسِع، دون المِلْحَفةِ، تَلْبَسه المرأَةُ؛ وقيل: هو المِلْحفةُ (...) وقيل: هو ما تُغَطِّي به
стр. 66
المرأَةُ الثيابَ من فَوقُ كالمِلْحَفةِ؛ وقيل: هو الخِمارُ. وفي حديث أُم عطيةَ: "لِتُلْبِسْها صاحِبَتُها من جِلْبابِها" أَي إِزارها (...) وقيل: جِلْبابُ المرأَةِ مُلاءَتُها التي تَشْتَمِلُ بها، واحدها جِلْبابٌ، والجماعة جَلابِيبُ، وقد تَجلْبَبَتْ) (١). وقال في القاموس: (الجلباب: (...) القميص، وثوب واسع للمرأة دون الملحفة، أو ما يغطي به ثيابها من فوق كالملحفة) (٢).
وبناء على هذه النصوص يكون الجلباب هو الثوب الواسع الذي تستر به المرأة جميع جسمها، وترخيه على كل بدنها. وقد كان الجلباب في زمان النبي ﷺ عبارة عن رداء أو ملحفة، أو إزار تلتحف به المرأة، وهو أشبه بما تفعله اليوم النساء في واحات سجلماسة بتافيلالت بالمغرب الأقصى من التلفع بالإزار. ذلك هو الجلباب، دل عليه حديث النبي ﷺ للمرأة التي سألت عن الخروج لصلاة العيد: (هل على إحدانا بأس إن لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ فقال ﷺ : لِتُلْبِسْهَا صاحبتُها من جلبابها!) (٣) فلا يمكن أن يكون ذلك ممكنا إلا إذا كان الجلباب يتسع لامرأتين، ولا يكون كذلك إلا إذا كان إزارا، أو رداء صالحا للاشتمال. ويؤخذ منه أيضا أنه ثوب غير الثوب الذي تلبسه المرأة لِخاصَّةِ أمرها وبيتها. لكن يقاس عليه كل لباس ستر البدن كله،
стр. 67
من قميص فضفاض، أو جلباب مغربي فيه سعة، أو نحو ذلك مما يلف جسم المرأة ويكفيه إحاطةً وسترا.
صورة الحجاب الشرعي:
فتبين أن صورة لباس المرأة تعود إلى عبارتين محوريتين، من آيتين: الأولى عبارة (إدناء الجلباب) من قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:٥٩)، والثانية: (ضرب الخمار على الجيوب)، من قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور:٣١)، فيؤخذ من ذلك كله؛ عبارةً وأصالةً؛ أن أقل ما يجزئ المرأة من اللباس هو: ثوب وافٍ ضافٍ، ساتر فضفاض، لا يصف ولا يشف، يستوعب جميع البدن، في ثوب واحد. وهو معنى الجلباب كما تبين. فلا يجزئ عنه أشكال الموضة المستوردة من البنطلونات، والبذلات القصيرة، أو ذات الأجزاء؛ لأنها لا تفي بكمال الستر. وإنما يجزئ الجلباب المغربي الواسع، أو المشرقي، أو ما كان على شاكلته من أردية شاملة، كالقمصان، والعباءات النسوية الوافية، الساترة لجميع البدن بثوب واحد. ويقاس عليه أيضا كل معطف رومي أو عجمي، إذا جمع معاني الجلباب قصدا وغاية؛ من حيث استيعابه لجميع البدن طولا وعرضا، بشروطه الشرعية المذكورة (١). وذلك مقتضى الدلالة من آية الأحزاب في (إدناء الجلباب)؛ مراعاةً لقصد الشارع من كمال الستر.
ثم خمار للرأس، لكن بشرط أن يكون وافيا حتى تتمكن صاحبته من الضرب به على الجيوب. والجيوب هنا: هي ثنايا العنق من النحر، والقفا، والكتفين. وهو مقتضى عبارة الأمر الرباني العظيم: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ كما بيناه. ولها أن تدني الخمار على الجبين بدل إدناء الجلباب، إذا
стр. 68
كان الجلباب مما لا يلبس على الرأس مثل الجلباب المغربي، فهنا لابد من إدناء الخمار ضرورة! حتى يستوعب مقدمة الجبين ثم ترخيه على كتفيها وصدرها ونحرها، ثم تشده على ما هنالك؛ لتمتثل الضرب على الجيوب؛ استجابة لأمر الله جل وعلا. ولكن لا تعقده على رأسها من جهة القفا؛ بما يظهر هيأة الشعر وحجمه، كما يفعله بعض الجاهلات من المتحجبات! ولا تضفر طرفيه على جبينها بصورة الضفيرة من الشعر؛ بما يلفت الأنظار. وإنما تستجيب لله، بقصدها إلى الستر والحياء؛ عبادةً لله الواحد القهار، إن كانت من الصادقات حقا!
وبعد ذلك تلتزم شروط الستر الأخرى في لباسها، من عدم إظهار الزينة؛ استجابة لما ذكرنا من أمر الله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾؛ فلا يكون اللباس -لذلك- زينة في نفسه بألوانه وزخرفته، أو بما تظهر صاحبته عليه من الحلي. ذلك مجمل لباس المرأة في صورتها القرآنية، وسيمائها الإيمانية. وإنما الموفقة من وفقها الله.
وتفصيل ذلك بأدلته هو كما يلي:
فقوله تعالى من آية الأحزاب: (يدنين)؛ الإدناء: التقريب، وهو تقريب الإزار من العينين، حتى يغطي أغلب الجبين. وهو أصح تفسير ثبت سندا عن ابن عباس ﵄. قال: (تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به) (١). ومعنى قوله: ﴿ولا تضرب به﴾ أي لا تغطي به وجهها؛ لأن الضرب بالثوب على الشيء تغطيته به. وإنما المطلوب هو (الإدناء) بنص القرآن. والإدناء: تقريب الثوب من الوجه، أي إرخاؤه على الجبين، وشده على حدود الحاجبين، كما صحت بذلك النصوص، على ما سترى قريبا بحول الله.
стр. 69
قال العلامة محمد ناصر الدين الألباني: (وما خالفه إما شاذ أو ضعيف!) أي ما خالف قول ابن عباس هذا. وهو يقصد ما روي عن ابن عباس نفسه؛ من أن المرأة تغطي وجهها ولا تبدي إلا عينا واحدة، وسنده ضعيف! (١)
وكذلك ما تناقلوه بسند ضعيف عن عبيدة السلماني، من سؤال ابن سيرين له عن آية الإدناء (فتقنع عبيدة بملحفة، وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين، وغطى وجهه، وأخرج عينه اليسرى) (٢). وإنما روي بسند صحيح عن مجاهد تلميذ ابن عباس قوله في تفسير الإدناء: (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) (٣)
وهذا كله يقوي الرواية التي رويت عن ابن عباس في تفسير الإدناء أيضا، والتي صرح الألباني بتصحيحها، وهي قوله السابق: (وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشده على جبينها) (٤). وذلك كله يترك للوجه فرصة الظهور من الحاجب إلى الذقن.
وأما قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فجمهور المفسرين على أن المستثنى وهو ﴿ما ظهر منها﴾ يقصد به الوجه والكفان. وهو معنى متواتر من عمل النساء الصحابيات في زمن النبوة، ومن تفسير الصحابة، كما سيأتي. ويؤكده الحديث الصحيح، وهو قول النبي ﷺ
стр. 70
لأسماء بنت أبي بكر الصديق: (يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا! وأشار إلى وجهه وكفيه) (١).
وأما الصحابة الذين فسروا ﴿ما ظهر منها﴾ بأنه الوجه والكفان فهم: عبد الله بن عباس، وقد خرج الألباني الرواية عنه على سبعة طرق! بعضها صحيح الإسناد وبعضها يتقوى بالصحيح (٢). وكذلك عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والمسور بن مخرمة (٣).
ومن هنا فليس غريبا أن تجد شبه إجماع بين فقهاء الأمصار، على أن الوجه والكفين ليسا بعورة. وذلك هو مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك بن أنس، ومذهب الإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل. ورغم أن روايات أخرى عند أحمد بوجوب تغطية الوجه؛ إلا أن بعض علماء الحنابلة قالوا: بل كشفه هو الصحيح من المذهب. وهو قول الإمام علاء الدين المرداوي الحنبلي قال: (الصحيح من المذهب أن الوجه ليس بعورة) (٤). وهو اختيار ابن قدامة المقدسي الحنبلي، قال: (لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما [يعني على المُحْرِمَةِ بالحج أو بالعمرة] ولأن الحاجَة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والعطاء) (٥).
стр. 71
وقال ابن تيمية الجد -وهو حنبلي- في كتاب المنتقى: (باب أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين) (١).
وأما قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فالخمار في اللغة: ما تغطي به المرأة رأسها من دون الوجه. وإنما غطاء الوجه هو النقاب. ولذلك قال ﷺ : (لا تَنْتَقِبُ المُحْرِمَةُ ولا تلبس القُفَّازين) (٢). وقد شاع عند بعضهم فهم الخمار بمعنى النقاب وهو خطأ. وإنما الخمار ما تخمر به المرأة رأسها فقط. كما أجمع عليه أهل اللغة. قال الراغب الأصفهاني في المفردات: (أصل الخمر: ستر الشيء، ويقال لما يستر به: خمار؛ لكن الخمار صار في التعارف اسما لما تغطي به المرأة رأسها، وجمعه خُمُر، قال تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ واخْتَمَرَتِ المرأةُ وتَخَمَّرَتْ، وخمَّرتُ الإناءَ: غطيته) (٣).
وقال العلامة الألباني ﵀ بعد نقل نصوص أرباب اللغة والفقه والتفسير ما نصه: (فبهذه الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال أئمة التفسير والحديث والفقه واللغة؛ ثبت قولنا: إن الخمار غطاء الرأس وبطل قول الشيخ التويجري ومقلديه كابن خلف الذي زعم من "نظراته" أن الخمار عام لمسمى الرأس والوجه لغة وشرعا) (٤)
стр. 72
وقال الإمام الشوكاني في الخمار: (هو بكسر الخاء: ما يُغَطَّى به رأس المرأة، قال صاحب المحكم: الخمار: النصيف) (١). والنصيف: هو غطاء الرأس للمرأة، الذي ينسدل إلى نصفها، كما في المعاجم. قال النابغة الذبياني:
سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِدْ إسْقَاطَهُ ... فتَنَاوَلَتْهُ واتَّقَتْنَا باليَدِ!
ولهذا ذهب العلماء إلى أنه لو كان الخمار يشمل الوجه لما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (٢)؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة المرأة كاشفة وجهها. وهو دال باللزوم على أن الستر بالخمار لا يشمل الوجه، ولا هو صنع لذلك! وهذا فقه دقيق فتأمله!
النقاب فضيلة:
إلا أنه لا بد ههنا من البيان أنني بهذا لا أدعو إلى سفور الوجه، كلا! فليس لي أن أدعو إلى نبذ فضيلة شرعها الله تعالى لنساء المؤمنين! فالنقاب مشروع ولكنه ليس بواجب! وقد صح فعله عن الصحابيات بأدلة ثابتة منها: ما أخرجه البخاري من قول الرسول ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) (٣). وفيه دليل على أن المؤمنات كن يلبسن النقاب في غير الإحرام. وإنما النقاب: غطاء الوجه. ومنها ما صح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنها قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) (٤).
стр. 73
فإسدال النقاب على الوجه فضيلة، لا ينكرها إلا جاحد، أو غَالٍ. فإذا علمنا مما سبق أن التخفي مقصد من مقاصد التشريع، في أحاكم اللباس النسوي في الإسلام؛ علمنا أن النقاب -وهو أحوط للتخفي- زيادة في الخير، ومنزلة في الفضل، تتقرب به الصالحات إلى الله تعالى. ولكنه مع ذلك ليس فريضة. والقول بفرضيته أيضا غلو في الدين!
ولقد عُلِمَ عند أهل العلم بالشريعة وصناعة أصول الفقه؛ أن من الابتداع الخفي في الدين -الذي قد يخفى على بعض طلبة العلم- تحريف الحكم الشرعي، ونقله من رتبة الندب إلى الوجوب! أو من الجواز إلى الكراهة، أو من الكراهة إلى التحريم! قال الله جل وعلا: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (النحل:١١٦). اللهم إلا إذا كان ذلك صادرا عمن له أهلية الاجتهاد، وكان قد بلغ غاية الوسع في الاستدلال متجردا عن الأهواء المذهبية والعرفية؛ فقد صحت النصوص باغتفار خطئه.
وقد تشدد قوم وخالفوا الكتاب والسنة الصحيحة، وأقوال الصحابة، وفتاوى العلماء أرباب المذاهب وغيرهم. عندما قالوا بوجوب تغطية الوجه والكفين!
والقول بوجوب تغطية الوجه ينقضه ما صح عن النبي ﷺ من قوله لأسماء بنت أبي بكر في الحديث الصحيح المذكور قبل: (يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا! وأشار إلى وجهه وكفيه). وهو نص -بتعبير الأصوليين- في المسألة.
وينقضه أيضا تواتر كشف الوجه عند الصحابيات في زمانه ﷺ . والتواتر يفيد القطع بما هو حاصل فيه! وقد ذكر ذلك العلامة الألباني في الرد
стр. 74
المفحم (١). وساق عدة حوادث تشهد له في كتاب جلباب المرأة المسلمة، وفي كتاب الرد المفحم، نذكر منها حديث قيس بن أبي حازم قال: (دخلت أنا وأبي على أبي بكر ﵁، وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم، عنده أسماء بنت عميس تذب عنه، وهي امرأة بيضاء، موشومة اليدين، كانوا وشموها في الجاهلية) (٢). وهو واضح في أنها كانت مكشوفة الوجه واليدين. وعن عمران بن حصين ﵁، قال: (كنت مع رسول الله ﷺ قاعدا، إذ أقبلت فاطمة رحمها الله، فوقفت بين يديه، فنظرت إليها، وقد ذهب الدم من وجهها، فقال: ادني يا فاطمة! فدنت حتى قامت بين يديه، فرفع يده فوضعها على صدرها موضع القلادة، وفرج بين أصابعه، ثم قال: "اللهم مشبع الجاعة، ورافع الوضيعة، لا تجع فاطمة بنت محمد ﷺ ! " قال عمران: فنظرت إليها وقد غلب الدم على وجهها، وذهبت الصفرة، كما كانت الصفرة قد غلبت على الدم) (٣). وفي قصة صلب ابن الزبير (أن أمه [أسماء بنت أبي بكر] جاءت مسفرة الوجه مبتسمة) (٤)
وكذلك حديث الخَثْعَمِيَّةِ الذي لم يستطع المخالفون رده إلا بتأويلات باهتة باطلة. وهو ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أردف رسول الله ﷺ الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عَجُزِ راحلته، وكان الفضل رجلاً وضيئاً، فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم، وضيئة، تستفتي رسول الله ﷺ ، فطفق الفضل ينظر
стр. 75
إليها، وأعجبه حسنها، فالتفت النبي ﷺ والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل، فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله في الحج على عباده، أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم) (١).
قال العلامة الألباني منبها إلى: (تكرار نظره إليها وهو حاج! [يعني الفضل بن عباس] وكيف كان النبي ﷺ يكتفي بصرف وجهه عنها، ولا يأمرها بأن تسدل على وجهها، وهذا هو وقت الفتنة بها، وسد الذريعة دونها بزعمهم، ولكنه ﷺ لم يفعل ذلك. فدل فعله ﷺ على بطلان ما ذهبوا إليه من إيجاب الستر كما هو ظاهر؛ لاتفاق العلماء على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولذلك فقد أساء أحدهم حين قال - تخلصا من هذه الحجة الظاهرة - "لعل النبي ﷺ أمرها بعد ذلك! " أي بتغطية وجهها! فأقول تبعا لابن عمر، أو لغيره من السلف: اجعل (لعل) عند ذاك الكوكب! لأن فيه تعطيلا للسنة التي منها إقراره ﷺ (...) واعلم أيها القارئ أن الأحاديث التي أخذ منها العلماء - على اختلاف مذاهبهم - كثيرا من الأحكام من إقراره ﷺ أكثر من أن تحصر، ولو أن باحثا توجه لجمعها في كتاب، وتكلم عليها رواية ودراية؛ لكان من ذلك مجلد أو أكثر!) (٢)