← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قانوناً، ولا يستمسكون بشرائع الهداية، ولا يطوون صدورهم على ضمائر تردعهم عن الانغماس في موبقات الحياة ومظالمها ومفاسدها! وهذا النهي قصد به إلهاب شعور رسول الله ﷺ ، وتهييج وجدانه، ليكون في موقفه من مداهنة الكافرين كعهد الحياة به أشدّ وأصلب، وأسمى من أن يتنزّل إلى خداع رغائبهم! ٣٥ - معالم خصائص نموذج الفجور: - المعْلَم الأول: ثم جاء تفصيل بعض هذا الإجمال بتعيين نموذج الطبيعة البشريّة بوصفه وخصائصه الشرّيرة المعيّنة: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ والحلاّف مبالغة في كثرة الحلف، وامتهان القسم فيما رخص وسفل وهان واستهين، ولا يقع ذلك إلا ممن تولّى حياة الدناءات، وعاش فيها، وهانت عليه إنسانيّته، وانثلمت كرامته، وانعدمت من النفوس الثقة به، وشهر بينهم بالكذب والغشّ والخداع والخيانة، وخبث الطويّة، وملاحاة الناس في معاشرتهم والتحايل عليهم بما يكون وما لا يكون، وما ينبغي وما لا ينبغي! وليس وراء ذلك وضاعة أو مهانة أو زراية بالنفس أو حقارة، أو ذلة ودناءة، أو رذالة أو نذالة، فالتلازم بين المبالغة في الحلف وكثرته وامتهان القسم، وبين الوضاعة والمهانة في جميع صورها من رذائل الطباع وسفالة الأخلاق من تلازم لا تنفك روابطه النفسيّة، حتى صار عنواناً على فساد الفطرة ودنس الطبيعة!

стр. 1017

- المعْلم الثاني: ثم جاء بعد هذا الوصف وصف آخر يحمل خصيصة دامغة لهذا الطاغية في صورته النموذجيّة، ومعه قرينه الذي لا يفارقه، فكانا في تمثيل نموذج الإفساد في الأرض كأنهما غصنان من عوسجة الشرّ الوخيم، يرتبطان بما قدّمته الأولى من وصفَيْ المهانة والمبالغة في كثرة الحلف ارتباط الفرع بالأصل: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ والهمّاز هو العيّاب الذي يتسقط العيوب فيلصمها بالبرآء، ويتلقطها من أفواه الشرّيرين ليضعها على هامات الخيرين، حتى يتساووا معه في شرّيته، كما قال تعالى في وصف طبيعة هؤلاء الباغين للناس التورّط في حمأة الشر والفساد معهم، حتى تعالوا في سوء أطماعهم أن يتناولوا الشمس بأيديهم ليطفئوا نورها بأفواههم، فعتوا عتوًّا كبيراً، وودّوا لو أن رسول الله ﷺ مالأهم ليمالئوه، وداهنهم فيداهنوه، بعد أن دمغهم بتكذيب الأنبياء والمرسلين: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾. قال ابن عباس وعطية والضحاك والسدي: ودّوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودُّوا لو تُرخَّص لهم فيرخَّصون لك، وقال الفراء وغيره: لو تلين فيلينون لك، والآدّهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين! وقال مجاهد: المعنى ودّوا لو ركَنْت إليهم وتركت الحق فيمالئونك، وقال الربيع بن أنس: ودّوا لو تكذب فيكذبون، وقال قتادة: ودّوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك، ونقل القرطبي اثني عشر قولاً! (١) وقد أخبر الله تعالى في سورة نزلت برسم هؤلاء المفسدين العيّابين،

стр. 1018

الهمازين للناس، بأن لهم الويل، أي الخزي والنكال في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة]. والذي يشغل نفسه بتسقط ما يعيب به الناس ليشينهم في مجتمعهم، ويحقرهم بين قومهم، ويسقط مروءاتهم في بيئاتهم لا يزال رأيه الإفساد بين كل متوافقين، والتفريق بين كل متحابّين، والتعكير بين كل متصافين؛ لأن ارتباط الناس بالتوافق والمحبّة ومعاشراتهم بالمصافاة والمودّة يغيظ الهمّاز المشاء بالنميمة، لسوء مخبره، وكراهيته لكل خيريرى عليه الناس! وهذا هو المشاء بالنميمة الهمّاز اللماز، وصاحب هذه الخليقة الدنيئة مبغض محقور في الدنيا، مطرود من رحمة الله في الآخرة، وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنّة قتات" (١). والقتّات هو النمّام، وهو الذي ينقل الحديث على وجه الإغراء بين المرء وصاحبه! قال العلماء: وينبغي لمن حملت إليه نميمة ألا يصدّق من نمّ له، ولا يظن بمن نمّ عنه ما نقل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له، وأن ينهاه، ويقبح له فعله، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وألا يرضى لنفسه ما ينهى النمّام عنه، فينمّ هو على النمّام، فيصير نماماً. وهذا كله إذا لم يكن في الفعل مصلحة شرعيّة، وإلا

стр. 1019

فهي مستحبّة أو واجبة، كمن اطلع على شخص يريد أن يؤدي شخصاً ظلماً، فحذّره منه! (١) - المعلم الثالث: ثم عقبت الآية من سورة (القلم) هذه الأوصاف بثلاثة أوصاف تصم الطاغية العربيد بأخبث أوصاف نماذج الطبيعة الشرّيرة: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ وهو قادر عليه يمسكه عن مواضع البرّ والإصلاح، وينفقه تبذيراً وإسرافاً في مواطن السوء والإفساد، فهو في حقيقته شحيح بخيل، لا تنتفع الحياة الصالحة من وجوده بشيء، ولا يصل إلى أحد منه خير يصدّ عن الحق، ويعاند الهدى، ثم هو بعد ذلك ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ ظلوم كفّار، لا يقف في ظلمه وتعدّيه عند حد! - المعْلم الرابع: وهو في بطشه واستبداده متجاوز لكل حد، مبطل كذوب، فاجر عنيد، كثير الإثم في محاربته لله ورسوله، لا يتوقى شراً، ولا يتحذّر من بغي، ولا يتحرّز من عتوّ، فهو مجمع القبائح والفضائح، وموئل الدنايا والرذائل! ولا تنهي الآيات وصفها بهذه الأوصاف المهينة، حتى تتلقّاه مما شوّه خلق الله في صورته وسمته، وسحنته الخلقية ﴿عُتُلٍّ﴾ أي جاف، غليظ الطبع، شره، بطن، أكول شروب، فاحش العشرة، متفحش سيء المعرفة، لئيم النفس، خبيث الطبع، حقود كنود، يخاصم في غير حق فيفجر، ويعتدي فلا يبالي أن يخون ويغدر، ثقيل الظل جحود، كفور لكل نعمة، نكّار لكل إحسان!.

стр. 1020

- المعْلَم الخامس: وهو بعد ذلك الذي تقدّم من أوصاف السوء والقبائح (زَنِيمٍ) أي مشهر بلؤم الطبع، ودناءة النفس، وسوء الخلق، يتحامى الناس القرب منه اتقاء بغيه وعدوانه وبذائه، وهذا الوصف القبيح الذي أربى في فحشه على فحش ما سبقه من نعوت الخبث والشرّ، يجعل المتصف به يستشعر المهانة في نفسه، فيتكلف التعاظم الكذوب ليداري سوآته، ويشمخ مستكبراً ليخفي مهانته، ويسرع إلى الظلم يرتكبه، وإلى الطغيان يدّرعه ليغطي حقارته وضآلة شخصيّته، فالزنيم هو الشرّير الظلوم عظيم الشرّ الجفور، الذي يأكل فلا يشبع، ويمنع الخير أن يصل إلى غيره، ولو كان آتياً من غيره، يمنع غيره أن يصل في سعيه إلى خير! وهذان الوصفان ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ متلازمان في وجودهما، فالزنيم عتلّ، والعتلّ زنيم، وهما جماع الرذائل والقبائح، وهنا نذكر ما رواه الشيخان عن حارثة بن وهب الخزاعي، عن النبي ﷺ : "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ " "كل ضعيف، لو أقسم على الله لأبرَّه، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ" (١). قال القرطبي: (٢) هذا التفسير من النبي ﷺ في العتلّ قد أربى على أقوال

стр. 1021

المفسرين، ووقع في كتاب أبي داود في تفسير الجوّاظ أنه الفظّ الغليظ .. ثم قال: ففيه تفسيران مرفوعان .. وقد قيل: إنه الجافي القلب .. والزنيم: الملصق بالقوم الدعي .. وكان الوليد دعيًّا في قريش وليس من سنخهم (١). وأيّاماً كان فنكاح الجاهلية فيه أشياء لا تدخل تحت ضبط اجتماعي يَضبطها، ولا تتقيّد بوضع ديني يوجهها! - مجمع الخبائث: وفي قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ إشارة إلى أن وصف هذا الطاغية بالعتل الزنيم، بعد وصفه بما تقدم من النقائص والقبائحِ قد جمعت له مخابث الصفات ومقابحها، قال الفخر الرازي: (٢) قوله ﴿بَعد ذَلِكَ﴾ معناه أنه بعد ما عدّ له من المثالب والنقائص فهو عتلّ زنيم، وهذا يدل على أن هذين الوصفين، وهو كونه عتلاً زنيماً أشدّ معايبه؛ لأنه إذا كان جافياً غليظ الطبع قسا قلبه، واجترأ على كل معصية! - المعْلَم السادس: ثم جاء بعد هذه الأوصاف والمثالب ما يبين أن ما أوتيه هذا الطاغية من النعمِ، فكفره وجحد إحسان الله إليه فيه، وذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ هو الوصف الذي كان مظهر طغيانه وفجوره، واغتراره بما أوتي من نعم، وكفران النعمة إذا انضم إلى كفران المنعم كان من أعظم النقم الموجبة لسخط الله وبطشه، والتي تؤدي بصاحبها فتهلكه من حيث يريد السلامة، وتذله من حيث يريد العزّة!

стр. 1022

وهذا الوصف كان هو الوصف المعيّن في سورة (القلم) لإرادة الوليد ابن المغيرة بموضوعيّته لأوصاف الآيات، كإرادته بموضوعية أوصاف آيات (المدثر)؛ لأن هذا الوصف كنفسه إذ جاء هناك في أوصاف الطاغية بصورة الامتنان في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ ولم يشتهر في قريش بكثرة المال والبنين أحد شهرة الوليد بهما، وكل الذين ذكرهم المفسرون لنزول آيات (القلم) فيهم: الأخنس بن شريق، والأسود بن عبد المطلب الأسدي، وعبد الرحمن بن الأسود، وأبو جهل، ولم يكن فيهم من عرف بما عرف به الوليد في كثرة المال والبنين! فالوليد بن المغيرة هو نموذج الأوصاف والقبائح التي ذكرت في السورتين: سورة (المدثر) وسورة (القلم)، فلا ينبغي العدول عن هذا الظاهر إلى أقاويل أخرى! ثم عقّبت الآيات هذه الأوصاف وما ختمت به من الغرور الفاجر بنعمة الله التي أضفاها عليه من المال الوفير وكثرة البنين -وهما نعمة النعم في الدنيا وزينتها التي يتنافس عليها أهلها- بما كان نتيجة طبيعيّة لتلك المثالب والنقائص الخُلُقيّة والخَلْقيّة والقبائح الاجتماعيّة، من اجترائه على خبيثة الخبائث بوصف آيات الله إذا تليت وسمعها بأنها أساطير الأولين وخرافاتهم، وتكذبهم في أسمارهم، وهذا كالذي جاء في سورة (المدثر) من قول الطاغية فيما حكاه الله عنه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾. وهذا التوافق في المعنى بين ما جاء في سورة (المدثر) من وصف القرآن باطلاً بأنه سحر يؤثر، وبين ما جاء في سورة (القلم) من وصفه باطلاً بأنه

стр. 1023

أساطير الأوّلين، هو الدليل على أن الآيات في السورتين تعني نموذجاً واحداً للشرور، تمثل في شخص الوليد بن المغيرة المخزومي؛ لما كان متوافراً فيه من عتوّ الطغيان وفجور الكفر والاغترار بما أوتي من مال وبنين! ٣٦ - إشهار نموذج الشر: ثم بعد أن أنهت الآيات وصف الطاغية في عناده بالقبائح التي لازمته في حياته، ووصمته في تاريخه، وطاردته بعد هلاكه، ذكر الله تعالى ما توعّده به باعتباره نموذجاً لتلك القبائح من الخزي في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة، فقال: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾. ومعنى النموذجيّة في تصوير من اتصف بهذه القبائح أن كل ما يتصوّر أن يقع على الصورة الفرديّة لهذا النموذج هو واقع في الدنيا والآخرة بجميع من كان على شاكلته من الوثنيّن، أينما وجدوا وحيثما كانوا في أي زمان ومكان ومن أي جيل! والوسم في اللغة: العلامة المحسوسة، تكون في الحيوان من كيّه بالنار، أو خدش في عضو من أعضائه، أو قطع في أذنه يُعلَّم بها ليعرف، والخرطوم هو أنف الحيوان، ثم استعير لأنف الإنسان كما يستعار المشفر للشفة، وهذا لتقبيح الوصف به! قال المبرد (١): الخرطوم ها هنا الأنف، وإنما ذكر هذا اللفظ على سبيل الاستخفاف به؛ لأن التعبير عن أعضاء الناس بالأسماء الموضوعة، لأشباه تلك

стр. 1024

الأعضاء من الحيوانات يكون استخفافاً، كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافز! والوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه، لارتفاعه عليه، ولذلك جعلوه مكان العز والحميّة، واشتقّوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف في الأنف، وحمي أنفه، وفلان شامخ العرنين، وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبّر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة؛ لأن السمة على الوجه شيخ، فكيف على أكرم موضع من الوجه! والآية من قبيل الكناية، فالمقصود التعبير بالوسم وإرادته لازمة، وهو الشهرة، وهي هنا شهرة بالمذام والقبائح؛ لإفادة غاية الإذلال والمهانة في الدنيا والنكال والخزي وسوء العذاب في الآخوة! قال الرازي: وفي الآية احتمال آخر عندي، وهو أن ذلك الكافر إنما بلغ في عداوة الرسول ﷺ ، وفي الطعن في الدّين الحق، بسبب الأنفة والحميّة، فلما كان منشأ هذا الإنكار هو الأنفة والحميّة كان منشأ عذاب الآخرة هو هذه الأنفة والحميّة، فعبّر عن هذا الاختصاص بقوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾! فالمقصود بهذا الوعيد إشهار قبائح الطاغية وكسر شهوة عنجهيّته وغروره بتعرية نقائصه وكشف سوآته، حتى يتعالمه الناس ويعرفونه بما دفعه به القرآن، فلا يخفى أمره على أحد، كما لا تخفى الحيوانات الموسومة على خراطيمها! ولا شك أن هذه المبالغة في مذمة هذا الطاغية العنيد بقيت على وجه الدهر تلازمه وتلاحقه بالخزي والإذلال في حياته، وباللعنات والنكال بعد هلاكه!

стр. 1025

قال القرطبي: (١) وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة، ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه، فألحقه به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة! وهنا نبصر توافقاً في المعنى وموافقة لقول معظم المفسرين .. ومع هذا فهناك كثيرون من أهل الفجور الذين يضيق المقام بذكرهم، قد ذكرهم المفسرون وأصحاب السير! (٢) ٣٧ - منح في ثنايا المحن: هذا، وقد كانت هذه الفترة من سير الرسالة مشحونة (٣) بشدائد الحق، وفوادح البلاء، وقف فيها الرسول ﷺ وحده، يكافح في سبيل دعوته، وتبليغ رسالته، صابراً محتسباً، لا يكلّ له عزم، ولا تضعف له إرادة، ولا يملّ ولا يفتر، ولا يهاب مجموع أعدائه على كثرتهم الهائلة، ولا يبالي طغيان قوتهم الفاجرة، ولا يهتمّ بفجور مقاومتهم الطاغية، ولكنه ﷺ كان نقاذاً إلى هدفه، لا يكاد يخرج من محنة حتى يدخل في بلاءً أشدّ وأعظم، ولا يلبث أن يودع حادثاً حتى تواجهه أحداث، وقوى الشرّ والجبريّة الطاغية تتابعه أينما حلّ وحيثما توجّه بدعوته، وأصحابه قلة يسومها طغيان الماديّة الوثنيّة سوء العذاب، ويذيقونها شديد الأذى، وهم صابرون محتسبون تأسّياً برسول الله ﷺ في صبره وقوّة عزمه، انتظاراً للفرج من الله في وعده!

стр. 1026

٣٨ - إذاعة الإرجاف: وقد استنفد المشركون معهم كل لون من ألوان العذاب، فلم يصرفهم ذلك عن دينهم وعقيدتهم، كما استنفدوا مع رسول الله ﷺ كل عتوّ فاجر، وكل حيلة وتهاون، وكل ترغيب وترهيب، فلم يقعده ذلك عن المضيّ قدماً في نشر دعوته، وتبليغ رسالته، حتى استيأس الطغاة البغاة العتاة من عزيمته أن تقف دون غايته، فعمدوا إلى تعويق سير الرسالة بنشر الإشاعات الكاذبة، والإرجاف الخبيث، يذيعونه في وفود القبائل العربيّة الوافدة على مكة لحضور الموسم، ولكن الله تعالى كان لهم بالرصاد، فجعل من تدبير شرورهم وإفسادهم خيراً وإصلاحاً، وعادت الوفود إلى قبائلها وبطونها، وعشائرها في منازلهم ومواطنهم، ومعهم ذكر من رسول الله ﷺ ، وما يدعو إليه من الخير والهدى، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وإقامة موازين العدل، وإخلاص العبادة لله تعالى وحده! وسرى مع ذلك الحديث عناد قريش وطغيانها إلى الآذان في المواسم والمحافل التي تجمع مجموع الخطباء والشعراء والتجار المتحنفين، وتسرّبت إليهم الأنباء عن هدْي رسول الله ﷺ وسمته، ومقابلة الأذى بالعفو والصفح الجميل! وسدّت قريش بطغيانها على نفسها منافذ الإيمان وتقبّل الحق، وعتت عن أمر ربَّها ورسالته، وبغت في الأرض بغير الحق، فلم يبق لديها مسرب للاهتداء، وهنا نقر: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾! (يس).

стр. 1027

ونبصر بياناً من الله تعالى يعلن على مسامع الدنيا أن هؤلاء الأخباث من طغاة الماديّة الوثنيّة قد طبع الله على قلوبهم، فلن يهتدوا أبداً، وختم على سمعهم فلن يسمعوا سماع هداية وإرشاد أبداً، وطمس على أبصارهم فلن يبصروا دلائل عظمة الله ووحدانيّته قائمةَ في مظاهر الطبيعة وآياته الكونيّة، وهي تنادي بلسان حالها قويّةَ قاهرةً، فهم عمي، بكمٌ، صمُّ، لا يرجعون عن غيّهم، وعتوّ كفرهم .. وقد أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يعرض عنهم، وأن يتركهم إلى ما أقاموا أنفسهم له، وما وقفوا حياتهم عليه من العكوف على إرادة الدنيا وحطامها لا يريدون غيرها، فهم لا يرغبون في هدى، ولا يريدون حقاً، ولا يرضون أن يسود حياة الناس عدل ولا أن تتداركها رحمة؛ لأن الدنيا وجمعها كانت مبلغ علمهم بالحياة، ومنتهى غايتهم منها، فهم في جهالة جاهلة، ووثنيّة بليدة، وماديّة مظلمة، فقال الله عزّ شأنه لنبيّه ﷺ : ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾ (النجم)، قيل: نزلت في النضر بن الحارث، شيطان الأساطير والخرافات، والوليد بن المغيرة، طاغية السحر المأثور (١)، وهي من باب النماذج الممثلة لصور الشرّ والفساد المركوز في بعض الطبائع البشريّة! ٣٩ - توجيه إلهي: وكان هذا توجيهاً لرسول الله ﷺ إلى الانتقال بدعوته، وتبليغ رسالته، بعيداً عن عنجهيّة غطارفة قريش، وهم غارقون في وثنيّتهم الفاجرة التي

стр. 1028

يتاجرون بها العرب من وراء أسوار التنفّج المستكبر، والتعالي العتي بأنهم سدنة البيت الحرام، ومطعمو الحاج، وكان هذا التوجيه نقطة تحوّل في سير الرسالة، انطلقت منه إلى آفاق أرحب من آفاق مكة وقريشها، إلى جوّ أفسح من جوّ الطغيان الفاجر الذي كانت تعيشه قريش في بلدها، فخرج رسول الله ﷺ يعرض نفسه ودعوته على الناس في منازلهم، ويبلغهم رسالة ربهم في مجتمعات مواسمهم وأسواقهم، وقد أصبحوا في ذكر منه ﷺ ، وذكر من دعوته بما أحدثه طيش ملأ قريش في ترصّدهم لقبائل العرب، يحذّرونهم منه ﷺ ، ومن سحر كلامه، وفي الناس عقول، وللعقول وزن لما تسمع وما ترى، وقد أبى على كثير من العقلاء كرم إنسانيّتهم أن يلغي عقله، من أجل صيحات حاقدة، تطلقها حناجر بعض الدعاة إلى الشيطان من سفهاء قريش هنا وهناك، يعيبون بها محمداً ﷺ ، ويشوّهون بها دعوته، وما جاء به من الهدى والإصلاح، فليسمع العقلاء من محمَّد ﷺ ، ثم يحكموا .. أما أن يقول الحاقدون من غثاء الماديّة الوثنيّة قولاً، ثم يطلب إلى الناس من غير إعطائهم فرصة النظر الفاحص، والتدبر الباحث، أن يأخذوا هذا القول مقطع الفصل، فهذا ما لا ينبغي للعاقل أن يقبله، وأن يأخذ به نفسه! وقد كان لهذا التوجيه بالخروج إلى الدعوة إلى مجالها الفسيح، ومواجهة العقول بها مواجهة مباشرة، بعيدةً عن التأثير التقليدي لمواريث الوثنيّة المتحمسة في قريش وملأ طغاتها أثر واسع المدى، عظيم الخطر، وإن كان مختلفاً اختلافاً بعيد الأطراف، ولكنه كان على ما لقي فيه رسول الله ﷺ وأصحابه من شدّة ومحن كانت في بعض صورها أشدّ وأعنف مما لقوه من قريش في مكّة -مليئاً بالخير والتقدّم بالدعوة إلى خطواتها القويّة الرصينة التي

стр. 1029

كانت أساساً لدعائم تكوين المجتمع المسلم، وتحديد خصائصه، وتحصين كيانه، وحماية وجوده! وقد كان هذا التوجيه منفذاً من منافذ سريان الدعوة إلى العقول والقلوب، اتخذ فيه سَيْرُ الرسالة سَمْته إلى تبيث أقدامها راسخةً هادئة، في صبر لا ينفد، وعزائم لا تفتر! ٤٠ - إسلام الطفيل الدوسي: قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ ، على ما يرى من قومه، يبذل لهم النصيحة، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش، حين منعه الله منهم، يحذّرونه الناس، ومن قدم عليهم من العرب! وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدّث: أنه قدم مكّة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً، فقالوا له: يا طفيل، إنك قَدمْتَ بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا، قد أعضل (١) بنا، وقد فرّق جمَاعتنا، وشتّت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرّق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجته، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنّه ولا تسمعن منه شيئاً! قال: فوالله ما زالوا بي، حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئاً، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسفاً (٢)، فَرقاً من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه! قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول ﷺ قائمٌ يصلّي عند الكعبة،

стр. 1030

قال: فقمت منه قريباً، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلاماً حسناً، قال: فقلت في نفسي وا ثُكْلَ أمّي، والله إني لرجل شاعر ما يخفى عليّ الحسنُ من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول! فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته! قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمَّد، إن قومك قد قالوا لي كذا، وكذا، للذي قالوا، فوالله ما برحوا يخوّفونني أمرك حتى سددت أذني بكُرْسف، لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولاً حسناً، فأعرض عليّ أمرك، قال: فعرض عليّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولاً قطّ أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبيّ الله، إنّي امرؤٌ مُطاعُ في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإِسلام، فادْع الله أن يجعل لي آيةً تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: "اللهم اجعل له آية" قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنيّة (١)، تطلعني على الحاضر (٢)، وقع نورٌ بين عينيَّ مثل الصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي، إني أخشى أن يظنوا أنها مُثْلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحوّل فوقع في رأس سوطي، قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنيّة، قال: حتى جئتهم فأصبحت فيهم! قال: فلما نزلت أتاني أبي، وكان شيخاً كبيراً، قال: فقلت: إليك

стр. 1031

عني يا أبت، فلستُ منك ولستَ منّي، قال: ولمَ يا بنيّ؟ قلت: أسلمت وتابعت دين محمَّد، قال: أي بنيّ، فديني دينك، قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلّمك ما عُلِّمت، قال: فذهب فاغتسل، وطهرّ ثيابه، قال: ثم جاء فعرضت عليه الإِسلام فأسلم، قال: ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليك عنّي، فلستُ منك ولست منّي، قالت: لم؟ بأبي أنت وأميّ، قال: قلت قد فرق بيني وبينك الإسلام، وتابعت دين محمَّد ﷺ ، قالت: فديني دونك، قال: قلت: فاذهبي إلى حنا ذي الشَّرى -قال ابن هشام: ويقال: حمى ذي الشّرى- فتطهري منه! قَال: وكان ذو الشّرى صَنَماً لدوس، وكان الحمَى حمَى حَمَوْهُ له، وبه وشل (١) من ماء يهبط من جبل! قال: فقلت بأبِي أنتَ وأمي، أتخشى على الصبيّة من ذي الشّرى شيئاً، قال: قلت: لا، أنا ضامن لذلك، فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضت عليها الإِسلام، فأسلمت! (٢) ويروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إِن دوساً عَصَتْ وأبتْ فادْع الله، فقيل: هلكت دوس، قال: "اللهم! اهد دوساً وائْتِ بهم" (٣).

стр. 1032

قال ابن إسحاق: قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإِسلام، حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله ﷺ بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله ﷺ بخيبر، حتى نزلت المدينة، بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقنا برسول الله ﷺ بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين. (١) ٤١ - نور الهداية: تلك واحدة من الأحداث التي كانت أثراً من آثار العتوّ الوثنيّ الذي ادّاركه ملأ قريش وطغاتها في موقفهم من النبي ﷺ (٢)، وهم يحذّرون الناس منه، فجعلهم الله تعالى وهم راغمون كارهون ألسنة دعاية ونشر لدعوته وتبليغ رسالته، فانقلب عليهم قصدهم، وردّ الله كيدهم في نحورهم! وكان الطفيل الدوسي واحداً من ألبّاء العرب وعقلائهم الذين لم يرضوا لأنفسهم الذلّة والخنوع لطغيان ملأ قريش؛ إذ تلقفوه في قَدَماته مكّة وهم يعرفونه لبيباً حكيماً، ذا مكانة مرموقة في قومه، وكلمة مسموعة فيهم، فخافوا عليه وعلى قومه أن تبلغهم دعوة محمَّد ﷺ وهداية رسالته، وأن يسمعوا شيئاً مما ينزّل عليه من كلام ربّه نوراً وهدًى للناس ورحمة للعالمين، وهم أعلم الناس بروعة البيان القرآني، وسحر هدايته، وأثرها في العقول والقلوب، فاستقبلوا الطفيل محذّرين، مخوّفين، مرجفين بالباطل والزور .. ولكن الخداع المضلّل، إذا غَشَّى بصيرة العقل المستبصر لحظة أو لحظات فسرعان ما ينبلج في آفاقه ضوء الحقيقة ونور الهداية .. وبهذا كانت دوسٌ وزعيمها الطفيل كتيبةً من كتائب الإِسلام التي

стр. 1033

شاركت في هزيمة الماديّة الوثنيّة هزيمة منكرة، ونشرت راية التوحيد، وكسرت قناة الطغيان في ملأ قريش كسرة لم تقم لهم بعدها قائمة .. حيث طهرت البلد الحرام من رجس طغيانهم، وأخرج الله من أصلابهم بطولات الدعوة والهداية والفتح المبين! ٤٢ - مضاء العزيمة: وهذا نموذج من سياسة الحكمة التي انتهجها رسول الله ﷺ في تبليغ رسالته، ونشر دعوته بعزيمة لا تعرف التردّد في الأمور، وصبر يحتمل ما لا تحتمل شمّ الراسيات، أوذي ويؤذى فصبر، ويصبر على أذى السفهاء من غوغاء قريش، وسيم بالبلاء من ملئها فلم تفل له عزيمة، ومضى قدماً في عزيمة ماضية، وصبر صبور، فكان ذلك من أعظم عوامل نشر الدعوة بين مجتمعات العرب في مواسمهم ومنازلهم، وكان هذا الصبر قوّة تدفع بالدعوة إلى آفاق أوسع وأفسح من آفاق مكة وقريشها، وكأنما كان هذا الصبر المكافح يحمل الدعوة إلى الله في أشدّ أزماتها على أجنحة النصر المؤزر على رغم قوى الشرّ المؤلبة لمقاومتها، وكان هذا الصبر الصبور مدداً من القوة لا ينفد، يمدّ الدعوة بقوّة العزائم التي تنهض بها لتبليغ غايتها من العقول والقلوب في غير عجلة متسرّعة، وكان هذا الصبر الجميل يزيد قريشاً طغياناً وكفراً وعتوًّا وعناداً، ويضاعف من أحقاد ملأ الطغاة وأضغانهم على رسول الله ﷺ ، وعلى أصحابه، ولكنه كان يزيد في قوة إيمان المؤمنين، ويشجّع رسول الله ﷺ على الخروج بدعوته من حصار مكة وأهلها وعشائرها التي تقودها الوثنيّة العمياء بزمام العتوّ والكفور!

стр. 1034

٤٣ - حوار عقول: وكان رسول الله ﷺ يصابر القوم، ويصبر على جفوة الجفاة منهم، ويقدّر المهذّبين منهم قدرهم، ويعرف لهم مكانتهم، ولو لم يجيبوه إلى دعوته تشرّعاً بمكارم الأخلاق! ومن القبائل التي عرض رسول الله ﷺ نفسه عليها، ودعاها إلى الإسلام فأبوا: كندة، وفيهم سيّدهم مليح -أو فليح (١) - وبنو عبد الله بن كلب، وبنو حنيفة، وكان ردّهم عليه قبيحاً، (٢) وبنو عامر بن صعصعة، وقال رجل منهم يُدعى بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب .. أرأيت إن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: "الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء" قال: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك! (٣) ومحارب بن حصفة، وفزارة، وغسّان، ومرّة، وسليم، وعبس، وبنوا النضر، وبنو البكاء، وعذرة، والحضارمة (٤)، وربيعة، وبنو شيبان الذين كان فيهم وعلى رأسهم: مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، وقد تعلّلوا بحجج، منها الرغبة في التريّث لحين أخذ مشورة -من وراءهم- من قومهم!

стр. 1035

وكان ﷺ كثيراً ما يصحبه في لقاءاته وفود العرب في منازلهم من الموسم أبو بكر الصديق، وعليّ بن أبي طالب ﵄! ففي حديث عبد الله بن عباس عند صاحب عيون الأثر وغيره (١) عن عليّ ابن أبي طالب في خروجهما هو وأبو بكر مع رسول الله ﷺ لذلك، قال عليّ: وكان أبو بكر في كل خير مقدّماً فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمّي، هؤلاء غرر في قومهم، وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، ومثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالاً ولساناً، وكانت له غديرتان، وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر ﵁، فقال له أبو بكر ﵁: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على الألف، ولن تغلب الألف من قلّة، فقال أبو بكر: كيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجهد ولكل قوم جد، فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوّكم؟ فقال مفروق: إنا لأشدّ ما نكون غضباً حين نلقى، وإنا لأشدّ ما نكون لقاءً حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرّة، ويديل علينا أخرى، لعلك أخو قريش، فقال أبو بكر: أو قد بلغكم أنه رسول الله، فها هو ذا، فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ فقال: "أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّي رسول الله، وأن تؤووني وتنصروني؛ فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد".

стр. 1036

فقال مفروق: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فقال رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ (الأنعام). فقال مفروق: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريشٍ؟ فقال رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ (النحل). فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذّبوك، وظاهروا عليك، وكأنه أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال: هذا هانئ بن قبيصة، شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش، وإنّي أرى إن تركنا ديننا، واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا، ليس له أول ولا آخر، زلّة في الرأي، وقلّة؛ نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلّة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر، وكأنه أحبّ أن يشرك في الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى بن حارثة، شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا، واتباعنا دينك، لمجلس جلسته إلينا، ليس له أول ولا آخر، وإنا إنما نزلنا بين صَريي (١) اليمامة والسمامة (٢)،

стр. 1037

فقال رسول الله ﷺ : "ما هذان الصريان؟ " فقال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ألا نحدث حديثاً، ولا نؤوي محدثاً، وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت، هو مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤوبك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ : "ما أسأتم في الرد، إذ أفصحتم في الصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاط من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً، حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدّسونه؟ ". فقال النعمان بن شريك، اللهم لك ذا، فتلا رسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ (الأحزاب). ثم نهض رسول الله ﷺ فأخذ بيدي، فقال: يا أبا بكر، يا أبا حسن، أيّة أخلاق في الجاهليّة؟ ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتجاوزون فيما بينهم ... (١) ٤٤ - آيات من العبر: هذه القصة من غرر أحداث السيرة النبويّة في مرحلة الكفاح الصبور (١)، والصبر المكافح؛ لأنها في إطارها الواقعي تصوّر خطوات من سير الرسالة،

стр. 1038

وهي في طريقها إلى الإعلان عن نفسها وأهدافها بين وفود العرب القادمين على مكة لحضور الموسم، بعد أن سبقها ذكرها إلى الناس بما أتته قريش من طيش أحمق، ورعونة بلهاء في ترصدها القادمين أفراداً وجماعات، تحذّرهم رسول الله ﷺ أن يسمعوا منه أو يكلموه، خشية أن يجذبهم حديثه إلى متابعته والإيمان بدعوته، وتصديق رسالته! وكأنما كان ذلك الطيش الأرعن الذي تورّط فيه ملأ قريش بشؤم مشورة طاغيتهم الوليد بن المغيرة، وشيطانهم اللعين: النضر بن الحارث، وغميز الرجولة، فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام، إيذاناً من الله تعالى أن تنطلق دعوة محمَّد ﷺ من حصار قريش، فتطرق أبواب العقول والقلوب، على رغم أنف العتوّ العنيد الذي سيطر على عقليّة ملأ قريش وطغاتها من أحلاس الماديّة الوثنيّة، وقد حاولوا بكل ما يملكون من قوى ماديّة شرّيرة، وفجور دعائي عات عنيد، أن يعوقوا سير الرسالة، ويوقفوا مدّ انسياح الدعوة إلى الله تعالى، وسلكوا في سبيل ذلك كل طريق استطاعوا أن يسلكوه، ولم يتركوا أمراً تخيّلوه عائقاً يمكن أن يصدّ دعوة محمَّد ﷺ ويردّ تيّارها عن زحفه مزمجراً بقوة الحق وقهره إلا أتَوه وفعلوه! ولكن محمداً ﷺ وقد حمّله الله تعالى مصباح الهداية مضيئاً، ينير له الطريق، ويكشف له مسالك السير برسالته قدماً، لم يزل دؤوباً وهو منفرد وحيد، يجول في ميدان الكفاح وحده، في قلّة صابرة محتسبة من أصحابه، آمنوا به وبدعوته على خوف من بطش قومهم وجبروتهم، على نشر دعوته إلى توحيد الله ودينه القويم، يدعو إليه كل من لقيه ويلقاه من الناس في أي مكان وزمان ومجتمع! ولما استيأس رسول الله ﷺ من قومه، بعد أن بذل في سبيل هدايتهم كل

стр. 1039

جهد، فصبر على أذيّتهم، وصابرهم، وحاسنهم، وأغضى على سفاهة سفهائهم، وفجور طغاتهم، خرج -كما عرفنا- ومعه صاحبه وصدّيقه أبو بكر، وربيبه، رضيع ثدي النبوّة، عليّ بن أبي طالب ﵄ يعرض نفسه ودعوته إلى التوحيد والعدل على الناس، ويدعوهم إلى الإيمان به وإلى أن يؤووه، وينصروه على ظلم قريش وافترائها الكذب على الله. وتظاهرها على رسوله وهو قائم بأمر الله، ينشر دعوته، ويبلغ رسالته، فأفكت عليه وكذّبته، واستغنت بالباطل من الكفر الفاجر والوثنيّة الماديّة البليدة الظالمة المظلمة، وطرحت الحق وراءها ظهرياً، ولم ترفع له رأساً، وأقامت على عتوّها وعنادها تتربّص برسول الله الدوائر، وتمكر به وبأصحابه، وتؤذيهم أبشع الإيذاء -كما أسلفنا- متفنّنة في الإساءة والتعذيب، وهم صابرون محتسبون! ولقي رسول الله ﷺ هؤلاء الغرّ البهاليل من شيبان بن ثعلبة، الذين يصفهم الصدّيق أبو بكر ﵁، وهو أعرف العرب بأنساب العرب وشمائلهم، فيقول وقد التفت إلى رسول الله ﷺ بعد أن استخبرهم فانتسبوا له: هؤلاء غرر في قومهم، وهذا التعبير في صدقه ودقته مليء بالصور التي تسترعي الانتباه، فهو لم يقل: غرر قومهم، تحفّظاً أن يوغر صدر من عسى أن يكون في مستواهم أو أرفع قدراً منهم ولم يشهدهم! وهو بهذا الأسلوب البارع قد أدّى حقّ الروعة البيانيّة التي تفتح قلوب هؤلاء الغرّ الميامين؛ لما يرد عليهم من أحاديث الهداية والحق والعدل، ومكارم الأخلاق، ولا توصد باب النظر دون غيرهم! وكان في المقدمة مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وبدأ أبو بكر فأدار الحديث مع مفروق بن عمرو، لغلبته على القوم جمالًا وبياناً، وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر، ورسول الله ﷺ يصغي

стр. 1040

ويسمع، ولا يتكلم، وقرناء مفروق في زعامة قومهم في تنبّه يقظ يسمعون! وسأل أبو بكر مفروقاً عن عدد قومه، وهو لا يريد بالطبع إحصاءً عدديًّا لهم، ولكنه يريد أن يتعرّف على مصدر القوّة فيهم، وفي حروبهم، ليسمع رسول الله ﷺ حتى يعلم علم ما إليه قصد من منعة وحماية ونصرة وإيواء! ومن البداهة أن مصدر القوّة لتحقيق هذا الهدف إنما هم الرجال الأشدّاء، ذوو البأس والقوّة وصدق اللقاء في معمعان الوغي ومواقع النضال! وأجاب مفروق بأن عدد المنعة والحميّة فيهم يزيد على الألف -ولن يغلب الألف من قلّة- وكان لعدد الألف عند العرب روعة في التزيد به والتكثر، وهذا ما كانت بيئاتهم تقتضيه؛ فهم لم تكن لهم حروب عامة جامعة، وإنما كانت حروبهم جزئيّة محصورة متكافئة الأعداد، وسأل أبو بكر ﵁ مفروقاً عن المنعة والحميّة فيهم ليعرف مقدار حرصهم على غيرة الجوار وحماية البيضة وحفظ الذمار، فأجاب مفروق جواب الرجل العاقل الذي لا يستفزّه الغرور الأهوج، ولا يتوثبه الطيش الأرعن، ولا تملكه الكبرياء الحمقاء، فلم يندفع إلى التكذّب والإعاء لما ليس هو بكائن عنده وعند قومه، فقال: علينا أن نبذل ما نستطيع من جهد وصبر، وإذا كان لكل قوم جدّ يدّرعونه في مواقفهم، فلنا جدّنا في جهدنا وصبرنا! وسأل أبو بكر ﵁ مفروقاً عن الحرب بينهم وبين عدوّهم، ليستبين خصيصة قومه في لقائهم عدوّهم، فوصف مفروق قومه وصفاً من أبدع ما يوصف به قوم في ميدان البطولة والشجاعة التي لا تتهوّر، ولا تتقاعس، ولكنها بطولة جدّ ساعة الجدّ، فتربو على أمدها في توجيه رحى الحرب إلى مصافّهم في مصافّ الأبطال، فهم غضاب أشدّ ما يكون الغضب إذا لاقوا عدوّهم،

стр. 1041

والغضب شعلة من النار، وهم أشدّ ما يكونون اندفاعاً إلى اللقاء حين يغضبون، فلا يقوم لهم عدوّ، ولا يهزمون وهم سالمون، وزاد مفروق في وصف قومه وصفاً يعرف به أنهم يحبون الوغي في حومته، وأنهم يستعذبون الاقتحام فيه وتقبيل السيوف عند اللقاء، نشأة عليها نشؤوا وتربية بها تربّوا يحبّون السلاح والجياد أكثر من حبهم أفلاذ الأكباد، وكان مفروق رجلاً عاقلاً رزيناً، لا تستفزه رعونة الزعامة في قومه، ولا يغرّه شرف محتده، بل يعلن أن النصر من عند الله، لا يجلبه قوة ولا شجاعة، ولا تجربة، وهو إلى أصحاب الجهد الصبور أقرب منه إلى أصحاب القوة الرعناء، والله تعالى يداول بين الناس، فيوم لك ويوم عليك، يديلنا مرّة فينصرنا، ويديل علينا مرّة أخرى، فينصر عدوّنا علينا، سنة الله في خلقه! ثم التفت مفروق إلى أبي بكر، بعد أن أنهى حديثه معه، وقال له: لعلك أخو قريش؟ -يعني رسول الله ﷺ ولم يكن مفروق قد سبق له أن عرف رسول الله ﷺ قبل هذا المجلس، ولكن مفروقاً بدر أبا بكر بهذا التوقّع لما كان قد بلغه من ذكر رسول الله ﷺ وذكر دعوته ورسالته، وهنا تتجلّى براعة أبي بكر ﵁ في استرعاء الأنظار إلى التعرف على رسول الله ﷺ تعرّفاً يمكّن له في القلوب والأبصار، حتى إذا أجرى الحديث معه جرى في واديه وقصده، إذ يتولاه صاحب دعوته، فقال أبو بكر ﵁ ليؤكد هذا التعرّف، ويوجّه الأسماع إلى الهدف الذي كان له هذا اللقاء، فقال: أوقد بلغكم أنه رسول الله؟ فها هو ذا مشيراً إلى رسول الله ﷺ ! فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، وفي هذه الجملة يتجلّى صدق اليقين، وأدب النفس، ورصانة العقل، وامتلاك زمام الأمر؛ لأن أبا بكر ﵁ إذ

стр. 1042

قال: أو قد بلغكم أنه رسول الله، كان يتكلم بمنطق الإيمان الذي وقر في قلبه برسالة محمَّد ﷺ ، أما مفروق بن عمرو إذ قال: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإنما كان يتكلّم بمنطق عقله وأدبه، فهو لم يؤمن على كلام أبي بكر بأنهم بلغهم أن محمداً رسول الله ولم ينف ما بلغهم من رسالته، ولم يصف رسول الله ﷺ بما يخدش ذكره أنه رسول الله، ولكنه قارب الصدق مع نفسه، فقال: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، وهذا لا يدخل مفروقاً في ساحة الإيمان برسالة محمَّد ﷺ ولا يخرجه من ساحة صدق الإخبار! ثم أخذ مفروق في استكشاف حقيقة ما بلغه عن رسول الله ﷺ من ذكره أنه رسول الله، أرسله ليدعو الناس إلى توحيده، وخلع الأنداد والشركاء، بعد أن عرف شخص رسول الله ﷺ ، فقال: إلى أي شيء تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ ليأخذ بزمام الحوار الذي وصل إلى جوهره وغايته، فقال ﷺ : "أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوونى وتنصروني". وهذا تصديق وتأكيد لقول مفروق: قد بلغنا أنه يذكر أنه رسول الله، وها هو ذا ﷺ يذكر على سمع القوم وبصرهم، بل على سمع الدنيا وبصرها أنه رسول الله، ولكن الظالمين جحدوا رسالته، فكذّبوه، وتظاهروا على أمر الله، واستغنوا بالباطل عن الحق، وهذا هو ما دعا إليه قومه، لم يدعهم إلى شيء غيره، وهو ما دعا إليه الناس جميعاً، هي كلمة إذا قالوها سعدوا وأفلحوا، فهو ﷺ لم يطلب بدعوته مالاً وثراء، ولا شرفاً ولا سيادة ولا ملكاً وسلطاناً، ولكن الظالمين تظاهروا على أمرِ الله، فكذّبوا رسوله إذ دعاهم إلى توحيد خالقهم فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ (ص).

стр. 1043

أيهما العجاب، أمركم الذي تعبدون فيه آلهة شتى، أم أمر محمَّد ﷺ الذي يدعوكم إلى عبادة الله الواحد الأحد: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ (يوسف). ورسالة الله دعوة إلى الحق، لا تقف إذا نوهضت من أعداء الحق، ولا تستكين إذا حوصرت، بل يجب على الرسول ﷺ أن يبحث لرسالته عن أرض خصبة التوبة، ليحرثها بدعوته، ومن الله تعالى الإنباث والزرع: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ (الواقعة). وهكذا كان هذا اللقاء بحثاً عن التربة الخصبة التي تؤوي الرسول ﷺ ، وتنصر الرسالة، إذا آمنت واهتدت .. وسمع مفروق وصحبه من رسول الله ﷺ الأساس الذي قامت عليه دعائم دعوته، وسمعوا الأساس الذي له خرج من بلده، وعن قومه، ليلقى الناس به في منازلهم، ليجد من يؤويه وينصره على من ظلمه وكذبه وتظاهر على أمر الله! ولكن مفروقاً انطلق يسأل ويستكشف ما وراء هذه الدعوة التوحيديّة التي تخلعهم من وثنيّتهم، فقال: وإلى أي شيء تدعو يا أخا قريش؟ فانتقل به رسول الله ﷺ بالحديث والحوار، وبمن يسمع من الشاهدين إلى أمر جامع بين دعوة التوحيد، والأمر بعليا الفضائل، ومواطن الإحسان، وإلى النهي عن أصول الرذائل والشرور في المجتمع، فتلا عليه رسول الله ﷺ قول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ولا

стр. 1044

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ (الأنعام)! وظل مفروق وصحبه على موقفهم مع وثنيتّهم وتقاليدهم الجاهليّة جامدين، لا تهتزّ مشاعرهم، ولا تتحرّك عواطفهم، وانتقل مفروق يستزيد من أمور دعوة رسول الله ﷺ ، فقال يسأل: وإلى أيّ شيء -أيضاً- تدعو يا أخا قريش؟ فقال رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ (النحل)! وهنا فقط اهتزّت أريحيّة كرم النحيزة في الرجل، وثارت عواطفه، وتحرّك وجدانه، وتأثّرت مشاعره لمعاني الآية الكريمة، وتذوّقاً لمكارمها وآدابها، فقال وهو منفعل بأثر ما مسّ قلبه: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد كذب قوم كذبوك وظاهروا عليك، ولكن هذا الانفعال بمعنى الآية شيء والإيمان بالرسالة شيء آخر؛ لأن الإيمان بالرسالة يعتمد على إسلام الوجه لله تعالى، والإذعان المطلق لأمره ونهيه، والدخول في ساحة طاعته دخولاً لا يخالجه شك، ولا تردّد، ولا يحتاج إلى مشورة أحد، ولا إلى استئذان أحد، وموقف مفروق بن عمرو إلى هنا موقف تكرّم مع نفسه، وأدب خلقي مع حياته، بيد أنه لا يرقى إلى آفاق الإيمان بالله ورسوله، ولذلك التفت إلى صحبه وقرنائه في زعامته، وبدأ بصاحب دينهم وسادن وثنيّتهم: هانئ بن قبيصة، لأن الأمر في هذا الحوار كان أمر دين ودعوة إلى رسالة إلهيّة جاءت إلى الناس بدين جديد، يقتضيهم إذا آمنوا به أن يتركوا دينهم الذي هم عليه، والذي تقلّدوه وراثةً عن آبائهم، فكان لابدّ مشاركة صاحب دينهم في الحوار والحديث، ليعرف رأيه فيما سمع من صاحب الدعوة الجديدة الذي سمعوا أنه

стр. 1045

يذكر عن نفسه أنه رسول الله، وأنهم سمعوا في هذا المجلس دعوة إلى جانب توحيد الله تعالى أنه رسول الله، وها هم أولاء يرون رأي العين والقلب فيه، وفي سمْته، وفيما يدعو إليه جديداً كل الجدة على ما اعتنقوه من وثنيّة بليدة مظلمة، وعلى ما ألفوه وعرفوه في الناس من أخلاق وشيم، فما عسى أن يكون رأي صاحب دينهم فيما رأى وفيما سمع؟! فليتكلّم هانئ بن قبيصة شيخ شيبان في سنه، وصاحب دينهم في معرفته وعلمه بتقاليد جاهليّتهم، وشدّة حرصهم على التمسّك بوثنيّتهم، وقد قدّمه مفروق إلى النبي ﷺ فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، ولعل مفروق بن عمرو أراد مع ذلك أن يستبين أثر ما جرى من الحوار بينه وبين رسول الله ﷺ في أنفس قرنائه في زعامة قومه، ولعله كان يطوي بين جوانحه شيئاً من الرضا بالدعوة الجديدة والدّين الجديد، ولم يكن وهو مغلل بسلاسل الوثنيّة والزعامة يستطيع أن يبوح جهرةً بمكنون سرّه، فأراد أن يعرف ما اختلج في أنفس أصحابه دون أن ينفرد بخلافهم! وتكلم هانئ بن قبيصة، وكان عاقلاً متأنّياً، متّزناً حكيماً، أحكمته التجارب، فقال: إن تركهم دينهم الذي نهدوا في ظلّه، وشبّوا على تقاليده، وشابوا عليه، إلى دين جديد، مهما يكن شأن ما جاء به من مكارم الأخلاق، ومحاسن العمل، لمجرّد مجلس جلسه إليهم رسول الله ﷺ ، وعرض عليهم دعوته، وأبان عن شمائلها، وفضائل أصولها، ومحا من آدابها لم تكن له مقدّمات ممهّدات، ولا كانت له نهاية ينتهي إليها، وإنما كان أشبه بمجلس تعارف وتلاق، جمعتهم فيه برسول الله ﷺ المصادقة التي لم يكونوا هم يقصدونها، وقد سمعوا عنه وسمع منهم، وقالوا وقيل لهم، وعرفوا منه وعرف منهم، ولم

стр. 1046

يكن ذلك بكاف في نظرهم، لبتِّ الحكم في أمر قد يكون من أخطر أمور حياتهم، وحياة قومهم، يرونه زلة في الرأي، وقلّة نظر في العاقبة، والأمر أكبر من أن يؤخذ بالسرعة، لاحتياجه إلى أناة وتريّث ونظر، تقلّب فيه وجوه الرأي، ويجول في أنحائه العقل جولات توزن فيها الأمور بأشباهها، وتقاس المنافع بالمضارّ، وإنما تكون الزلّة مع العجلة! ثم بيّن هانئ أن هذا الأمر لعظم خطره لا يعنيهم وحدهم، ولا يخصّهم من بين قومهم، بل هو أمرهم وأمر قومهم من ورائهم، والزعامة العادلة هي التي لا تغتاب على الجمهرة فيما يعنيها من الأحداث في حياتها، ولا تستبد في تقرير مصير من قلّدوهم قلائد زعامتهم! ولعل هانئ بن قبيصة أراد أن يعطي رسول الله ﷺ صورة تمثّل زعامتهم لقومهم، ولذلك قال: ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، لم يشهدوه ولم يبدوا فيه رأياً؛ لأن ذلك من المفاسد الاجتماعيّة التي تشتّت جمع الجماعة، وتفرّق شملها، وتبدّد وحدتها، وتمزّق روابط الزعامة، وتحلّ عقدتها، وكان هانئ -كما كان صاحبه مفروق- وقّافاً مع وثنيّة لم يقارب الإيمان بالدّين الجديد، ولم يشرد منه، وسكت عن (لا)، و (نعم)، ولكنه أخذ لنفسه الحيطة، وأعطى الرسول ﷺ النَّصَف في عرف تقاليدهم الجاهليّة، وهو في هذا العرف لا تثريب عليه؛ لأنه رجل ما يزال سابحاً في غمرة زعامته الوثنيّة، فقال: ولكنّا نرجع إلى مستقرّنا بين قومنا، ومستودع أسرارنا في ديارنا، وننظر فيما سمعنا منذ اليوم، وينظر معنا قومنا، ويرجع رسول الله ﷺ إلى رأيه في عرض دعوته، وتبليغ رسالته، إلى كل من يلقاه من الناس، أداء لموجبات القيام بحق التبليغ، وينظر فيما سمع منّا، فلعلّ الله يجعل له منا ردْءًا يصدقه، ويجمع

стр. 1047

بيننا وبينه في ظلّ رأي قد غبَّ واستوى، والله من وراء ذلك بحكمته وعلمه وتدبيره! وتكلّم المثنى -وقادة الحرب من أقلّ الناس كلاماً في غير اختصاصهم- ولذلك أمّن المثنى على كلام هانئ، ولكنه زاد على كلام هانئ ما يخصّه في معرفته تقدير القوة الحربيّة التي يخشونها إذا أجابوا دعوة رسول الله ﷺ أن يؤووه وينصروه، وبيّن المثنى أن منازل قومه تقع بين أنهار كسرى ومياه العرب، وأن أنهار كسرى لا سبيل إلى اقتحامها، والاعتداء على حرمتها وكسر حدودها، فلذلك إذا وقع كان ذنباً لا يغفر، ولا يقبل فيه عذر لمعتذر، وأما مياه العرب فأمرها سهل، وذنبها مغفور، وعذرها مقبول. والقوّة عليها مقدورة، ثم بيّن المثنى السبب في صعوبة أمر أنهار كسرى، وأنها جاءت من قبل الوفاء بالعهد، والمحافظة على زمام العقد، فهم قد نزلوا منازلهم على عهد أخذه عليهم كسرى: ألّا يحدثوا حدثاً، وألًا يؤوا محدثاً، والعرب -كما أسلفنا- من أوفى الأمم بالعهد، وأحفظهم لحرمة عقد، وأبعدهم عن الخيانة والغدر، ثم بيَّن المثنى أن دعوة رسول الله ﷺ بما قامت عليه من توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة .. وخلع الشرك والوثنيّة بكافة ضروبها، وسائر ألوانهما، وإقامة موازين العدل والمساواة بين أبناء البشر في أرجاء الأرض وأقطارها، أمر يكرهه الملوك، وخاصة الأكاسرة الذين كانوا -كما عرفنا- يستعبدون شعوبهم استعباد عبوديّة، يتألهون بها عليهم، فكسرى كان في قومه معبوداً من دون الله تعالى، وكان ملكه قائماً على الاستعباد المطلق، والعرب ولا سيما المصاقبون للفرس يعلمون ذلك، ويعلمون شدّة حرص الأكاسرة على ملكهم في صورته الاجتماعيّة القائمة التي خضع لها

стр. 1048

شعبهم، وارتضاها حياةً لهم، حتى أخرجهم الإِسلام من ضيقها إلى سعة عدل الله ورحمته! وقد حفظ تاريخ الدعوة الإِسلاميّة في عهد رسول الله ﷺ -كما سيأتي- صورة من هذا الفجور الاستعبادي، وذلك حينما كتب النبي ﷺ إلى كسرى يدعوه إلى الإِسلام فيمن كتب إليهم من ملوك الأرض، فكبر على كسرى أن يقوم لله تعالى قائم من العرب يدعو إلى توحيده، ويأتي بدين جديد، يجعل هذا المستكبر على أسوة مع سائر البشر في المساواة والعدالة، فمزّق كتاب النبي ﷺ ، وتغضب وثار وانتفخت أوداج الكبرياء فيه، وزمجر، وهدر وأرعد وأزبد، وبلغ النبي ﷺ موقفه هذا فدعا عليه أن يمزّق الله ملكه، فمزّق الله ملك كسرى، وصارت فارس ملكاً إسلاميًّا، يحمل راية العالم الإِسلامي والمعرفة الإِسلامية، والدعوة إلى الله تعالى! وسيأتي بيان ذلك .. (١) هذا، والكلام الذي ذكره المثنى في صدد أنهار كسرى وتهيبهم لها يقصد به في صراحة لا تعرف الالتواء والمواربة، وهي خلق يغلب على القادة الحربيّن، بعد أن مهّد له بوجوب المحافظة على العهد أن قوّتهم لا تستطيع أن تقف أمام قوّة كسرى في جبروته، والعهد الذي بينه وبين جيرانه العرب، يعطيه حق أخذ من تحدّثه نفسه بالاعتداء على أنهاره وما وراءها من أرض كسرويه!، كأن هذا جاء اعتذاراً قدّمه المثنى صاحب شيبان وقائدهم عن عدم إمكان إيواء محمَّد ﷺ وحمايته ونصرته على كسرى وقومه فيما يقع على حدود أنهاره وبلاده! أما إذا

стр. 1049

كان الأمر خاصًّا بمياه العرب فهم قادرون على حمايته في دائرتها، وهم على أكمل استعداد لإيوائه في ديارهم، وحمايته، ونصرته على من يعاونه من العرب كافة، قريش فمن سواها! ٤٥ - قوّة الإيمان: وهنا موقف للنبوّة، يمثل عظمتها، ويصوّر قوّة إيمان الرسول ﷺ برسالته، التي لا تتوقّف عند حدّ أمّة من الأمم، أو شعب من الشعوب، أو جنس من الأجناس، أو طائفة من البشر، أو نظام من النظم الاجتماعيّة في أي شكل من شكول الحكم، فذلك كله يجب أن يدخل في دائرة رسالة محمَّد ﷺ ، فيجب أن تكون في سيرها منطلقة في وجوه الأرض تنشر دعوتها مهما كانت العقبات التي تواجهها في طريقها، ومهما تكن قوّة العتوّ والجبروت التي تحاول تعويقها عن أهدافها! ولهذا لما بيّن المثنى بن حارثة صاحب حرب شيبان أنه لا سبيل إلى القدرة على اقتحام أنهار كسرى، وحماية من يتخطّاها بأيّة دعوة -ولا سيما إذا كانت دعوة يكرهها الملوك، وفي طليعتهم الأكاسرة كدعوة رسول الله ﷺ ، فإن حماية شيبان إذا رأوه في ديارهم تكون حماية جزئيّة خاصة بمياه العرب- تجلّت عظمة النبوّة، وتعاظم جلال الرسالة، وترجم إيمان الرسول ﷺ برسالة نفسه عن قوّته ونفاذ عزيمته، وهذا الإيمان هو المعجزة العملية الخالدة لتبليغ الرسالة بلاغاً كاملاً واضحاً، والسير بها إلى غايتها، لتخرج الناس من ظلمات الجهالة والاستعباد إلى نور العلم وحريّة العقيدة والعمل في الحياة، وقد كان بيان المثنى صريحاً متعقلاً، مقدّراً للموقف من وجهة نظرهم، فكان صورة صادقة في

стр. 1050

صورته المعبّرة عن صدق القصد، بأنه وقومه لا يستطيعون إيواء رسول الله ﷺ وحمايته ونصرته على كسرى، وهو -كما يعلمون- في قوّته الحربيّة الهائلة، لكنهم قادرون على حمايته ونصرته مما يلي مياه العرب، وهذه حماية جزئيّة لا سلطان لها إلا على أضعف جوانب الحماية والنصرة، ودعوة محمَّد ﷺ ورسالته دين الله الذي يعمّ أقطار الأرض في شرقها وغربها، ويعمّ جميع الأمم والشعوب والأجناس البشريّة، وممالكهم ودولهم، ويعمّ مقاومة القوى التي تقف في سبيل نشر الدعوة، مهما كانت، وكيفما كانت، ولا يمكن أن تتحقق نصرة دين الله وهو بهذا العموم إلا بحياطة عامّة شاملة. لا تهاب أعظم القوى، ولا ترهب سلطاناً لأحد في الأرض غير سلطان الله تعالى! ولهذا جاء ردّ رسول الله ﷺ على المثنى رداً جميلاً حازماً، مقدّراً للقوم صدق صراحتهم، وهم يعلمون موقفه في وحدته، والتماس الإيواء والنصرة أينما وجد لها سبيلاً، فقد حدّد ﷺ في ردّه مهمة من ينبري لنصرة دين الله، وأنها يجب أن تكون عامةً شاملةً قويّةً قاهرةً، لا تهاب قوةً من قوى الأرض والبشر! فالنبي ﷺ قدّر للقوم إحسانهم في أسلوب حوارهم معه، وردّهم عليه، وبيّن لهم أن جهدهم الجزئي في نصرة دين الله تعالى لن ينصره في دعوته وتبليغ رسالته؛ لأن دين الله في عمومه وخلوده وقوة سلطانه، وما جاء به من توحيد الله تعالى، وإخلاص العبوديّة له، وطرح عباده المخلوقين كيفما كانوا، لن ينصره نصراً يحقق له أهدافه إلا من حاطه من جميع جوانبه، لا يترك منه جانباً مكشوفاً، ولا ثغرةً مهدرة، لا تحرسها قوة قادرة، تملك الدفاع عنها وتردّ اعتداء من يحاول اقتحامها مهما كانت قوته وسلطانه!

стр. 1051

٤٦ - المستقبل للإسلام: وقد أراد النبي ﷺ أن يعالج بحكمته مرض الخوف الذي ملأ صدور زعماء شيبان من كسرى وعتوّه وجبروت قوّته الحربيّة، ويهون عليهم شأن هذه القوة التي يرهبونها، ويخافون سطوتها وبطشها، لينزع من قلوبهم المهابة منهم، فهي قوّة منهارة أمام قوّة الإيمان بعقيدة الحق، بل هي قوّة ينخر فيها سوس الفناء، وستتهاوى أمام قوّة الحق والعدل! ولعل هؤلاء العرب الذين استضعفوا أنفسهم أمام قوّة الأكاسرة سيكون لهم إسهام في كسر حدّة هذه القوّة الماديّة الباطشة بزمجرتها، الجوفاء في حقيقتها؛ لأنها لا ترتبط بقوّة الإيمان بعقيدة الحق والعدل والإصلاح، وتحرير الإنسانيّة من براثن الاستعباد، وكذلك كل قوّة لا تملك في روحانيّتها هذا الارتباط العلوي محكوم عليها بالتفتت والزوال، وسيرثها الذين يقيمون دعائم قواهم على أسس من الإيمان والحق والعدل والإِسلام! وقد قرأ رسول الله ﷺ في كتاب الكون وسنن الله في حياة المجتمع الإنساني أن قوى الشرّ لا بقاء لها، وقد أراد ﷺ أن يرفع هؤلاء القوم الذين أخلدوا إلى الأرض، لا يريحونها على أجنحة الأمل الفسيح، ليعدّهم نفسيًّا ليوم يأتيهم وهم يخوضون معارك الشرف والكرامة مع هؤلاء الأكاسرة باسم الإِسلام والعدل، وأنهم سيكسرونهم ويورثهم الله تعالى أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشهم نساءهم، يستولدونهم جيلاً يجري في عروقهم دمهم من أكرم ناحيتيه، ولا يكون ذلك إلا بقوة الإيمان بعقيدة الحق التي لا تطلب من صاحبها إلا حوْطها بما يحفظها، ويستديم صلتها بالله القويّ الأعلى، مالك

стр. 1052

الملك. الذي يؤتي ملكه من يشاء من عباده، وينزعه ممن يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء، فسبحانه تقدّس، بنعمه وحمده، لا يطلب من عباده على إنعامه غير تسبيحه وتقديسه، فهل أنتم كذلك؟ وهنا بدر النعمان بن شريك -وكان يصغي ويسمع، ويعي ولا يتكلّم- ورأى أن الحوار بلغ نهايته بهذه البشرى الكريمة، فقال: اللهم لك ذا، وعند ذلك أراد النبي ﷺ إنباءهم إعجازاً؛ ليجعل ذلك واقعاً وعداً من الله، فتلا عليهم ما خصّه الله به من نعوت الحمد والكمال، والمجد والنصر المؤزر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ (الأحزاب). وقد تحقق ما أخبر به رسول الله ﷺ ، وفتحت فارس، وكان قائد فتحها الأول قائد شيبان، وصاحب حربها المثنى بن حارثة، وكان أبو بكر الصدّيق في خلافته، تأتيه أخباره في غمرة حياة فارس بغاراته عليها، واقتطاع أرضها، فيعجب به قبل أن يعرفه! ولما انتهى هذا المجلس إلى غايته نهض رسول الله ﷺ طيّب النفس بما سمع ورأى من القوم، ليترك أثر المجلس يعتلج في صدورهم، لعلّهم وعساهم! وقد أعرب ﷺ في أرفع بيان، وأبلغ أسلوب، وأصدق كلام، عن محاسن الأخلاق التي رآها في القوم، وهي من أخلاق العرب في جاهليّتهم، وعن أدبهم الاجتماعي بعضهم مع بعض في حوارهم وإصغائهم وحسن استماعهم لما يجري من الحديث، وفي أسلوب مخاطبتهم له ﷺ ، وهم لمّا يؤمنوا به بعد، وحسن تناولهم للحديث معه ﷺ ، وفي صدق صراحتهم، وصراحة

стр. 1053

صدقهم، وفي تعقلهم، وتأتيهم للأمور من مداخلها في ريث وأناة، فقال ﷺ وهو يشدّ على أيدي صاحبيه: الصدّيق أبي بكر، وعلي بن أبي طالب: أيّة أخلاق كانت للعرب في الجاهلية؟ ما أشرفها .. بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم"! ٤٧ - درس للدعاة: هذا لون من الأحداث التي عرضت للنبي ﷺ ، وهو يعرض نفسه على الناس في منازلهم، يدعوهم إلى توحيد الله، ويبلّغهم رسالة الله، وقد اخترنا ونختار منها ما كان له أثر قويّ في دفع سير الرسالة إلى أهدافها أو كان له أثر في بيان صور الكفاح الصبور، الذي درج عليه رسول الله ﷺ في أطوار دعوته، ليكون من ذلك نماذج لورثة تبليغ الدعوة من بعده ﷺ ، يحتذونها، ومُثُلاً يتقلّدونها، أداء لما قلّدوه من وجوب القيام بنشر دين الله في أرجاء العالم! وسبق أن عرفنا في تلك الساعات الأولى التي أشرقت فيها شمس الرسالة، قول ورقة: (يا ليتني فيها جذعاً، ليتني كون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : "أو مخرجيّ هم؟! " قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت بها إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزَّراً ...). ونتصوَّر مرّة بعد مرّة صور الإيذاء والتعذيب، والسخرية والاستهزاء -كما سبق- مما يعجز الخيال الشاخص عن تصوّره، تتوالى وتتواكب، تهزّ النفوس هزًّا، ولا يتلقّى الحس ذلك إلا بهول وروع! ألا إنه لأمرٌ أمرّ من كل أمر!

стр. 1054

ونتصوّر مشقّة الصبر أمام انتعاش الاضطهاد والتعذيب وانتفاخ الباطل وتورّمه .. وإمساك النفس على هذا راضيةً مطمئنّة إلى قدر الله -كما عرفنا- لا تتلفّت ولا تتردّد، يقيناً بوعد الله. وطلباً لمرضاته، وحنيناً إلى رضوانه .. ترقب رعاية القدرة التي لا أمن إلا في جوارها، والتي لا تقرب المخاوف من حماها! ومن ثُمَّ أبصرنا استعلاء النفس المطمئنّة على الضرَّاء، فلا تصغر، والسرَّاء فلا تبطر، واللأواء، فلا تجزع ولا تضجر .. حيث تشرئب الأعناق، وتهفو القلوب. وتأنس النفوس، وترفرف الأرواح! ويطالعنا قول الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ (العنكبوت). ونبصر استفهاماً استنكارياً لمفهوم الناس للإيمان، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان ليس لها في الجَنان مكان .. ونبصر الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرّد وإخلاص! ونبصر الحق أصيلاً في طبيعة الكون، عميقاً في تكوين الوجود .. ونبصر الباطل، لا أصالة فيه، ولا سلطان له، يطارده الحق فيدمغه، ولا بقاء لشيء يقذفه الحق فيدمغه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: ١٨)! ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ (يوسف)!

стр. 1055

الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٥] «طريق جهاد الدعوة في ضوء سيرة الرسول ﷺ -» تأليف الدكتور سعد المرصفي
следующие страницы →