← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

إنسان عن آخر .. القيمة الباقية التي تستحق السعي والكد، والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾! ولفظ: ﴿فَازَ﴾! بذاته يصوّر معناه بجرسه، ويرسم هيئته ويلقي ظله، وكأنما للنار جاذبيّة تشدّ إليها من يقترب منها، ويدخل في مجالها! فهو في حاجة إلى من يزحزحه قليلاً قليلاً ليخلصه من جاذبيّتها المنهومة! فمن أمكن أن يزحزح عن مجالها، ويستنقذ من جاذبيّتها، ويدخل الجنّة فقد فاز! صورة قويّة، بل مشهد حيّ، فيه حركة وشد وجذب! وهو كذلك في حقيقته وفي طبيعته، فللنار جاذبيّة! أليست للمعصية جاذبيّة؟! أليست النفس في حاجة إلى من يزحزحها عن جاذبيّة المعصية؟ بلي! وهذه هي زحزحتها عن النار! أليس الإنسان -حتى مع المحاولة واليقظة الدائمة- يظل أبداً مقصّراً في العمل .. إلا أن يدركه فضل الله؟ بلى! وهذه هي الزحزحة عن النار، حين يدرك الإنسان فضل الله، فيزحزحه عن النار! ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾! إنها متاع .. ولكنه ليس متاع الحقيقة، ولا متاع الصحوة واليقظة؛ بل متاع الغرور .. المتاع الذي يخدع الإنسان فيحسبه متاعاً .. المتاع الذي ينشئه الغرور والخداع! وعندما تكون هذه الحقيقة قد استقرّت في النفس وتكون النفس قد

стр. 1087

أخرجت من حسابها الحرص على الحياة -إذ كل نفس ذائقة الموت على كل حال- وأخرجت من حسابها متاع الغرور الزائل .. عندما يبيّن الله للمؤمنين ما ينتظرهم من بلاء في الأموال والأنفس، وقد استعدت نفوسهم للبلاء فمن ثمَّ تتبيّن معالم الطريق كما يصوّرها الكتاب والسنّة، ويثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عوداً، إذ هؤلاء هم الذين يصلحون لحملها والصبر عليها، إذن فهم مؤتمنون! وذلك لكي تعزّ هذه الدعوة عليهم وتغلو، بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء، وبقدر ما يضحّون في سبيلها من عزيز وغال، فلا يفرطون فيها بعد ذلك، مهما تكن الأحوال! وذلك لكي يصلب عود الدعاة في تبليغ الدعوة؛ فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة، وتنمّيها وتجمعها وتوحّدها، وهي في حاجة إلى استثارة هذه القوى، لتتأصّل جذورها وتتعمّق، وتتّصل بالتربة الخصبة الغنيّة في أعماق الفطرة! وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم، وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة عمليّة واقعيّة، ويعرفون حقيقة النفس البشريّة وخباياها ويعرفون حقيقة الجماعات والمجتمعات وهم يرون كيف تصطرع مبادئ دعوتهم، مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس .. ومداخل الشيطان إلى هذه النفوس، ومزالق الطريق، ومسارب الضلال! ثم لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه لابدّ فيها من خير، ولابدّ فيها منْ سرٍّ يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون .. فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها إليها أفواجاً في نهاية المطاف!

стр. 1088

إنها سنّة الدعوات، وكي يصبر المؤمن على ما فيها من مشقّة، ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على تقوى الله، فلا يشط فيعتدي وهو يردّ الاعتداء، ولا ييأس من رحمة الله ويقطع أمله في نصره وهو يعاني الشدائد، وما يصبر على هذا كله إلا أولو العزم الأقوياء: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾! وهكذا علمت الجماعة المسلمة اللأولى ما ينتظرها من تضحيات وآلام، وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال، من أهل الكتاب من حولها، ومن المشركين أعدائها .. ولكنها سارت في الطريق، ولم تتخاذل، ولم تتراجع، ولم تنكص على أعقابها! لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الوت، وأن توفية الأجور يوم القيامة، وأنه من زحزح عن النار وأدخل الجنّة فقد فاز، وأن الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور .. على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف، وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو! والأرض الصلبة المكشوفة باقية في كل زمان، والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان، وأعداء الدعوة هم أعداؤها .. تتوالى القرون والأجيال، وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال .. والقرآن هو القرآن! وهبها كانت القاضية .. فهذا هو الأمل والرجاء، وهنا يطالعنا ما رواه أحمد وغيره بسند قويّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما يجد الشهيد من مَسِّ الموت، إِلا كما يجدُ أحدُكم مسَّ الْقَرْصَة". (١)

стр. 1089

وفي رواية للشيخين وغيرهما عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "ما من عبدٍ يموت له عند الله خير، يسرّه أن يرجع إِلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، لِمَا يرى من فضل الشهادة، فإِنه يسرّه أن يرجع إِلى الدّنيا مرةً أخرى". وفي رواية: "ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إِلى الدنيا، يتمنّى أن يرجع إِلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء، إِلا الشهيد، يتمنّى أن يرجع إِلى الدّنيا، فيقتَل عشر مرّات، لِمَا يرى من الكرامة". (١) ولنا حديث عن فضل الجهاد ومكانة الشهيد في حينه بعون الله وتوفيقه! وتختلف وسائل الابتلاء والفتنة باختلاف الزمان .. وتختلف وسائل الدعاية ضدّ الجماعة المسلمة، ووسائل إيذائها في سمعتها وفي مقوماتها وفي أعراضها وفي أهدافها وفي أغراضها .. ولكن الأصول واحدة: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ (آل عمران)! ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيداً للجماعة المسلمة، كلما همّت أن تتحرّك بهذه العقيدة، وأن تحاول تحقيق منهج الله في الحياة، تَجَمَّعتْ عليها وسائل الكيد والفتنة، ووسائل الدعاية الخبيثة، لتشويه أهدافها، وتمزيق أوصالها!!

стр. 1090

ويبقى هذا التوجيه القرآني حاضراً يجلو لأبصارها طبيعة هذه الدعوة، وطبيعة طريقها، وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق، ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد الله، فتعرف حين تتناوشها الذئاب بالأذى، وحين تعوى حولها بالدعاية، وحين يصيبها الابتلاء والفتنة .. أنها سائرة في الطريق، وأنها ترى معالم الطريق! ومن ثمَّ تستبشر بالابتلاء والأذى والفتنة، والادعاء الباطل عليها وإسماعها ما يُكره، وما يؤذي .. تستبشر بهذا كله؛ لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها من قبل، وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق، ويبطل عندها الكيد والبليّة، ويصغر عندها الابتلاء والأذى، وتمضي في طريقها الموعود إلى الأمل المنشود .. في صبر وفي تقوى .. وفي عزم أكيد! قيمة العقيدة: ويطالعنا قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ (الحج)! وهنا نبصر نموذجاً من الناس يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة، ويظنها صفقة في سوق التجارة .. والعقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة (١)، وتتجاذبه الأحداث

стр. 1091

والدوافع فيتشبّث هو بالصخرة التي لا تتزعزع، وتتهاوى من حوله الإسناد فيستند هو إلى الأصول التي لا تحول ولا تزول! هذه هي قيمة العقيدة في حياة المؤمن، ومن ثمَّ يجب أن يستوي عليها، متمكّناً منها، واثقاً بها، لا يتلجلج ولا ينتظر عليها جزاء، فهي في ذاتها جزاء؛ ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه، والسند الذي يستند عليه .. أجل هي في ذاتها جزاء على تفتّح القلب للنور وطلبه للهدى .. ومن ثمَّ يهبه الله العقيدة ليأوي إليها، ويطمئن بها .. هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله تتجاذبهم الرياح، وتتقاذفهم الزوابع، ويستبدّ بهم القلق؛ بينما هو بعقيدته مطمئن القلب، ثابت القدم، هادئ البال، موصول بالله، مطمئن بهذا الاتصال! وأمّا ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه القرآن هنا فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾! وقال: إن الإيمان خير، فها هو ذا يجلب النفعِ ويدر الضرع، وينمّي الزرع، ويربح التجارة، ويكفل الرواج ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾! خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليها، ولم يتماسك له، ولم يرجع إلى الله فيه .. وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه، وانكفائه عن عقيدته، وانتكاسه عن الهدي الديني الذي كان ميسّراً له! والتعبير القرآني يصوّر عبادته لله ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾؛ لأنه غير متمكّن من العقيدة، ولا متثبّت في العبادة .. يصوره في حركة جسديّة متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى، ومن ثمّ ينقلب على وجهه عند مسّ الفتنة ووقفته المتأرجحة تمهّد من قبل لهذا الانقلاب!

стр. 1092

إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة؛ ولكنه لا يصلح للعقيدة، فالعقيدة حقّ يعتنق لذاته، بانفعال القلب المتلقّي للنور والهدى الذي لا يملك إلا أن ينفعل بما يتلقّى .. والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى، فهي لا تطلب جزاءها خارجاً عن ذاتها! والمؤمن يعبد ربّه شكراً له على هدايته إليه، وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به جلَّ شأنه! والمؤمن لا يجرّب إلهه، فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له، مستسلم ابتداء لكل ما يجريه عليه، راض ابتداء بكل ما يناله من السرّاء والضرّاء .. وليست هي صفقة في السوق بين بائع ومشترٍ .. إنما إسلام الخلوق للخالق صاحب الأمر فيه، ومصدر وجوده من الأساس! والذي ينقلب على وجهه عند مسّ الفتنة يخسر الخسارة التي لا شبهة فيها ولا ريب: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾! يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى، إلى جوار خسارة المال أو الولد، أو الصحة، أو أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده، ويبتلي بها ثقتهم فيه، وصبرهم على بلائه، وإخلاصهم أنفسهم له، واستعدادهم لقبول قضائه وقدره .. ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقُربى ورضوان، فياله من خسران! وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد الله على حرف؟ إلى أين يتّجه بعيداً عن الله؟ إنه ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾! يدعو صنماً أو وثناً على طريقة الجاهليّة الأولى، ويدعو شخصاً أو جهة أو مصلحة على طريقة

стр. 1093

الجاهليّات المتناثرة في كل زمان ومكان وجيل وقبيل، وعصر ومصر، كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى الله وحده، والسير على صراطه ومنهجه .. فما هذا كله؟ إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾! المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء .. ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾! من وثن أو شيطان، أو سند من بني الإنسان .. وهذا كله لا يملك ضرًا ولا نفعاً، وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضرّ، وضرره أقرب من نفعه .. ضرره في عالم الضمير بتوزيع القلب، وإثقاله بالوهم، وإثقاله بالذل، وضرره في عالم الواقع .. وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾! ذلك الضعيف لا سلطان له في ضرّ أو نفع ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾! من بني الإنسان، ممن يتّخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان! والله يدّخر للمؤمنين به ما هو خير من عرض الحياة الدنيا كله، حتى لو خسروا ذلك العرض كله في الفتنة والابتلاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾ (الحج)! فمن مسّه الضرّ في فتنة من الفتن وفي ابتلاء من الابتلاءات فليثبت ولا يتزعزع، وليستبق ثقته برحمة الله وعونه، وقدرته على كشف الضرّاء، وعلى العوض والجزاء! فأما من يفقد ثقته في نصر الله، ويقنط من عون الله له في المحنة حين تشتد المحنة فليفعل بنفسه ما يشاء، وليذهب بنفسه كل مذهب، فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء:

стр. 1094

﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾ (الحج)! وهو مشهد متحرّك لغيظ النفس، وللحركات المصاحبة لذلك الغيظ يجسّم هذه الحالة التي يبلغ فيها الضيق بالنفس أقصاه .. عندما ينزل بها الضرّ وهي على غير اتصال بالله! والذي ييأس في الضرّ من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة، وكل نسمة رخيّة، وكل رجاء في الفرج .. ويستبدّ به الضّيق، ويثقل على صدره الكرب، فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء! فمن كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى السماء يتعلّق به أو يختنق، ثم ليقطع الحبل فيسقط أو ليقطع النفس فيختنق .. ثم لينظر هل ينقذه تدبيره ذلك مما يغيظه! ألا إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله، ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجّه إلى الله، ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضرّ، والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله .. وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب، ومضاعفة الشعور به، والعجز عن دفعه بغير عون الله .. فليستبق المكروب تلك النافذة المضيئة التي تنسم عليه من روح الله! حقيقة الابتلاء: ويطالعنا قول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى

стр. 1095

بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ (الأنعام)! وهنا نبصر حقيقة قدر الله أن يكون لكل نبيّ عدوّهم شياطين الإنس والجن، وأن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول، ليخدعوهم به، ويغروهم بحرب الرسل وحرب الهُدى، وأن تصغى إلى هذا الزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويرضوه، ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للرسل وللحق، ومن الضلال والفساد في الأرض (١) .. كل ذلك إنما جرى بقدر الله، وفق مشيئته، ولو شاء ربك ما فعلوه، ولمضت مشيئته بغير هذا كله، ولجرى قدره بغير هذا الذي كان، فليس شيء من هذا بالمصادفة، وليس شيء من هذا بسلطان من البشر كذلك أو قدرة! فإذا تقرّر أن هذا الذي في الأرض من المعركة الناشبة التي لا تهدأ بين الرسل والحق الذي معهم، وشياطين الإنس والجنّ وباطلهم وزخرفهم وغرورهم .. إذا تقرّر أن هذا الذي يجري في الأرض إنما يجري بمشيئة الله، ويتحقق بقدر الله، فإن المسلم ينبغي أن يتّجه إذن إلى تدبّر حكمة الله من وراء ما يجري في الأرض، بعد أن يدرك طبيعة هذا الذي يجري والقدرة التي وراءه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾! بإرادتنا وتقديرنا، جعلنا لكل نبي عدوًّا .. هذا العدوّ هو شياطين الإنس والجن .. والشيطنة وهي التمرّد والغواية والتمحّض للشرّ صفة

стр. 1096

تلحق الإنس كما تلحق الجنّ .. وكما أن الذي يتمرّد من الجنّ ويتمحّضُ للشرِّ والغواية يسمّى شيطاناً، فكذلك الذي يتمرّد من الإنس ويتمحّض للشر والغواية .. وقد يوسف بهذه الصفة الحيوان إذا شرس واستشرى أذاه، وقد روى مسلم وغيره مرفوعاً من حديث طويل عن أبي ذر: "الكلب الأسود شيطان". (١) هؤلاء الشياطن -من الإنس والجن- الذين قدّر الله أن يكونوا أعداء لكل نبيّ، يخدع بعضهم بعضاً بالقول المزخرف، الذي يوحيه بعضهم إلى بعض -ومن معاني الوحي التأثير الداخلي الذي ينتقل به الأثر من كائن إلى كائن آخر- ويغر بعضهم بعضاً، ويحرّض بعضهم بعضاً على التمرّد والغواية والشرّ والمعصية .. وشياطين الإنس أمرهم معروف ومشهود لنا في هذه الأرض، ونماذجهم ونماذج عدائهم لكل نبيّ، وللحق الذي معه، وللمؤمنين به معروفة يمكن أن يراها الناس في كل زمان! فأمّا الجن فهم غيب من غيب الله، لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به مَن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .. ومن ناحية مبدأ وجود خلائق أخرى في هذا الكون غير الإنسان وغير الأنواع والأجناس المعروفة في الأرض من الأحياء .. نقول من ناحية المبدأ نحن نؤمن بقول الله عنها، ونصدق بخبره في الحدود التي

стр. 1097

قرَّرها .. فأمّا أولئك الذين يتترسون بـ (العلم) لينكروا ما يقرّره الله في هذا الشأن، فلا ندري علامَ يرتكنون؟ إن عليهم البشريّ لا يزعم أنه أحاط بكل أجناس الأحياء في هذا الكوكب الأرضي! كما أن علمهم هذا لا (يعلم) ماذا في الأجرام الأخرى! وكل ما يمكن أن (يفترضه) أن نوع الحياة الموجود في الأرض يمكن أو لا يمكن أن يوجد في بعض الكواكب والنجوم .. وهذا لا يمكن أن ينفي -حتى لو تأكّدت الفروض- أن أنواعاً أخرى من الحياة وأجناساً أخرى من الأحياء يمكن أن تعمر جوانب أخرى في الكون، لا يعلم هذا (العلم) عنها شيئاً! فمن التحكّم والتبجّح أن ينفي أحد باسم (العلم) وجود هذه العوالم الحيّة الأخرى! وأمّا من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمّى بـ (الجن)، والذي يتشيطن بعضه ويتمخّض للشرّ والغواية -كإبليس وذرّيّته-كما يتشيطن بعض الإنس .. من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمَّى بـ (الجن)، فنحن لا نعلم عنه إلا ما جاءنا الخبر الصادق به عن الله سبحانه، وعن رسول الله ﷺ ! ونحن نعرف أن هذا الخلق مخلوق من مارج من نار، وأنه مزوّد بالقدرة على الحياة في الأرض وغيرها، وأنه يملك الحركة في هذه المجالات بأسرع مما يملك البشر، وأن منه ما هو مؤمن، وما هو متمرّد، وأنه يرى بني آدم، وبنو آدم لا يرونه -في هيئته الأصليّة- وكم من خلائق ترى الإنسان ولا يراها الإنسان! وأن الشياطين منه مسلّطون علي بني الإنسان يغرونهم ويضلّونهم، وهم قادرون على الوسوسة لهم، والإيحاء بطريقة لا نعلمها، وأن هؤلاء الشياطين لا سلطان لهم على المؤمنين الذاكرين، وأن الشيطان مع المؤمن إذا ذكر الله خنس وتوارى، وإذا غفل برز فوسوس له! وأن المؤمن أقوى بالذكر

стр. 1098

من كيد الشيطان الضعيف، وأن عالم الجنّ يحشر مع عالم الإنس، ويحاسب، ويجازى بالجنّة وبالنار كالجنس الإنساني، وأن الجن حين يقاسون إلى الملائكة يبدون خلقاً ضعيفاً لا حول له ولا قوة! ونبصر في هذه الآية أن الله ﵎ قد جعل لكل نبيٍّ عدوًّا شياطين الإنس والجن .. والله تعالى قادر -لو شاء- على ألا يفعلوا شيئاً من هذا .. وألا يتمرّدوا، وألا يتمحّضوا للشر، وألا يعادوا الأنبياء، وألا يؤذوا المؤمنين، وألا يضلّوا الناس عن سبيل الله .. إن الله قادر أن يقهرهم قهراً على الهُدى، أو أن يهديهم لو توجّهوا للهدى، أو أن يعجزهم عن التصدّي للأنبياء والحق والمؤمنين به .. ولكنه سبحانه ترك لهم هذا القدر من الاختيار وأذن لهم أن تمتد أيديهم بالأذى لأولياء الله -بالقدر الذي تقضي به مشيئته ويجري به قدره- وقدّر أن يبتلي أولياءه بأذى أعدائه، كما يبتلي أعداءه بهذا القدر من الاختيار والقدرة الذي أعطاهم إيّاه، فما يملك هؤلاء أن يوقعوا بأولياء الله من الأذى إلا ما قدّره الله ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾! ترى، ما الذي يخلص لنا من هذه التقريرات؟ يخلص لنا ابتداءً: أن الذين يقفون بالعداوة لكل نبيّ، ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء هم (شياطن)! شياطين من الإنس ومن الجنّ .. وأنهم يؤدّون جميعاً -شياطين الإنس والجنّ- وظيفة واحدة! وأن بعضهم يخدع بعضاً ويضلّه كذلك، مع قيامهم جميع أبو ظيفة التمرّد والغواية وعداء أولياء الله! ويخلص لنا ثانياً: أن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئاً من هذا كله، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء، وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتيّة فيهم، إنما هم في قبضة الله وهو يبتلي بهم أولياءه لأمر يريده من تمحيص هؤلاء الأولياء،

стр. 1099

وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء، فإذا اختاروا الامتحان بقوّة كفّ الله عنهم الابتلاء، وكفّ عنهم هؤلاء الأعداء، وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدّوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدّر الله، وآب أعداء الله بالضعف والخذلان، وبأوزارهم كاملة، يحملونها على ظهورهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾! ويخلص لنا ثالثاً: أن من حكمة الله الخالصة أن يترك لشياطن الإنس والجن أن يتشيطنوا -فهو إنما يبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة- وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترةً من الزمان فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا: أيصبرون؟ أيثبتون على ما معهم من الحق، بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل؟ أيخلصون من حظ أنفسهم في أنفسهم، ويبيعونها بيعة واحدة لله، على السراء وعلى الضرّاء سواء، وفي المنشط والمكره؟ وإلا فقد كان الله قادراً على ألا يكون شيء من هذا الذي كان! ويخلص لنا رابعاً: هَوَان الشياطن من الإنس والجنّ، وهَوَانُ كيدهم وأذاهم، فما يستطيعون بقوّة ذاتيّة لهم، وما يملكون أن يتجاوزوا ما أذن الله به على أيديهم ... والمؤمن الذي يعلم أن ربّه هو الذي يقدر، وهو الذي يأذن، خليق أن يستهين بأعدائه من الشياطين، مهما تبلغ قوّتهمِ الظاهرة، وسلطانهم المدَّعى .. ومن هنا هذا التوجيه العلوي: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾! دعهم وافتراءهم، فأنا من ورائهم قادر على أخذهم، مدّخر لهم جزاءهم! وهناك حكمة أخرى غير ابتلاء الشياطين، وابتلاء المؤمنين .. لقد قدّر الله أن يكون هذا العداء، وأن يكون هذا الإيحاء وأن يكون هذا الغرور بالقول

стр. 1100

والخداع .. لحكمة أخرى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾! أي لتستمع إلى ذلك الخداع والإيحاء قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة .. فهؤلاء يحصرون همّهم كله في الدنيا، وهم يرون الشياطين في هذه الدنيا يقفون لكل نبيّ، وينالون بالأذى أتباع كل نبيّ، ويزين بعضهم لبعض القول والفعل، فيخضعون للشياطين، معجبين بزخرفهم الباطل، معجبين بسلطانهم الخادع، ثم يكسبون ما يكسبون من الإثم والشرّ والمعصية والفساد، في ظلّ ذلك الإيحاء، وبسبب هذا الإصغاء! وهذا أمر أراده الله كذلك، وجرى به قدرة، لما وراءه من التمحيص والتجربة؛ ولما فيه من إعطاء كل أحد فرصته، ليعمل لما هو ميسّر له، ويستحق جزاءه بالعدل والقسطاس! ثم لتصلح الحياة بالدفع، ويتميّز الحق بالمفاصلة، ويتمحّض الخير بالصبر، ويحمل الشياطين أوزارهم كاملة يوم القيامة .. وليجري الأمر كله وفق مشيئة الله .. أمر أعدائه وأمر أوليائه على السواء .. إنها مشيئة الله، والله يفعل ما يشاء! والمشهد الذي يرسمه القرآن الكريم للمعركة بين شياطين الإنس والجنّ من ناحية، وكل نبيّ وأتباعه من ناحية أخرى، ومشيئة الله المهيمنة وقدره النافذ من ناحية ثالثة .. هذا المشهد بكل جوانبه جدير بأن نقف أمامه وقفة قصيرة! إنها معركة تتجمع فيها قوى الشر في هذا الكون .. شياطين الإنس والجن .. تتجمّع في تعاون وتناسق لإمضاء خطة مقرّرة، هي عداء الحق الممثّل

стр. 1101

في رسالات الأنبياء وحربه .. خطة مقرّرة فيها وسائلها: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾! يمدّ بعضهم بعضاً بوسائل الخداع والغواية، وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضاً! وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمّع للشرّ في حرب الحق وأهله .. إن الشياطين يتعاونون فيما بينهم، ويعين بعضهم بعضاً على الضلال أيضاً! إنهم لا يهدون بعضهم بعضاً إلى الحق أبداً، ولكن يزيّن بعضهم لبعض عداء الحق وحربه، والمضيّ في المعركة معه طويلاً! ولكن هذا الكيد كله ليس طليقاً؛ إنه محاط به بمشيئة الله وقدره؛ لا يقدر الشياطين على نبيّ إلا بالقدر الذي يشاؤه الله وينفذه بقدره .. ومن هنا يبدو هذا الكيد -على ضخامته وتجمّع قوى الشرّ العالميّة كلها عليه- مقيّداً مغلولاً! إنه لا ينطلق كما يشاء بلا قيد ولا ضابط، ولا يصيب من يشاء بلا معقّب ولا مراجع، كما يحبّ الطغاة البغاة العتاة أن يلقوا في روع من يعبدونهم من البشر، ليعلّقوا قلوبهم بمشيئتهم وإرادتهم! كلا! إن إرادتهم مقيّدة بمشيئة الله، وقدرتهم محدودة بقدر الله .. وما يضرون أولياء الله بشيء إلا بما أراده الله -في حدود الابتلاء- ومرد الأمر كله إلى الله! ومشهد التجمّع على خطّة مقرّرة من الشياطين جدير بأن يسترعي وعي أصحاب الحق، ليعرفوا طبيعة الخطة ووسائلها .. ومشهد إحاطة مشيئة الله وقدره بخطّة الشياطين وتدبيرهم، وجدير كذلك بأن يملأ قلوب أصحاب الحق بالثقة والطمأنينة واليقين، وأن يعلّق قلوبهم وأبصارهم بالقدرة القاهرة والقدر النافذ، وبالسلطان الحق الأصيل في هذا الوجود، وأن يطلق وجدانهم من

стр. 1102

التعلّق بما يريده أو لا يريده الشياطين! وأن يمضوا في طريقهم يبنون الحق في واقع الخلق، بعد بنائه في قلوبهم هم وفي حياتهم .. أمّا عداوة الشياطين، وكيد الشياطين، فليدعوهما للمشيئة المحيطة، والقدر النافذ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾! ويطالعنا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ (الأنعام)! إنها سنة جارية (١)، أن ينتدب في كل قرية (وهي المدينة الكبيرة والعاصمة) نفر من أكابر المجرمين فيها، يقفون موقف العداء من دين الله، ذلك أن دين الله يبدأ من نقطة تجريد هؤلاء الأكابر من السلطان الذي يستطيلون به على الناس، ومن الربوبيّة التي يتعبّدون بها الناس، ومن الحاكميّة التي يستذلّون بها الرقاب، ويردّ هذا كله إلى الله وحده .. ربّ الناس .. ملك الناس .. إله الناس! إنها سنة من أصل الفطرة .. أن يرسل الله رسله بالحق .. بهذا الحق الذي يجرّد مدّعي الألوهية من الألوهيّة، والربوبيّة، والحاكميّة، فيجهر هؤلاء بالعداوة لدين الله ورسل الله، ثم يمكرون مكرهم في القرى، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ويتعاونون مع شياطين الجنّ في المعركة مع الحق والهدى، وفي نشر الباطل والضلال، واستخفاف الناس بهذا الكيد الظاهر والخافي! إنها سنّة جارية، ومعركة محتومة؛ لأنها تقوم على أساس التناقض الكامل

стр. 1103

بين القاعدة الأولى في دين الله -وهي ردّ الحاكميّة كلها لله- وأطماع المجرمين في القرى، بل بين وجودهم أصلاً! معركة لا مفرّ للرسول ﷺ أن يخوضها، فهو لا يملك أن يتّقيها، ولا مفرّ للمؤمنين بالنبيّ أن يخوضوها، وأن يمضوا إلى النهاية فيها .. والله سبحانه يطمئن أولياءه .. إن كيد أكابر المجرمين -مهما ضخم واستطال- لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف .. إن المؤمنين لا يخوضون المعركة وحدهم فالله وليّهم فيها، وهو حسبهم، وهو يردّ على الكائدين كيدهم: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ فليطمئن المؤمنون! ويطالعنا قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ (الفرقان)! ولله الحكمة البالغة (١) فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوّي عودها، ويطبعها بطابع الجدّ الذي يناسب طبيعتها .. وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدّون لها -مهما كلّفهم من مشقة، ومن تعويق- هو الذي يميّز الدعوات الحقّة من الدعوات الزائفة .. وهو الذي يمحص القائمين عليها، ويطرد الزائفين منهم، فلا يبقى بجوارها إلا العناصر المؤمنة القويّة المتجرّدة، التي لا تبتغي مغانم قريبة، ولا تريد إلا الدعوة خالصة، تبتغي بها وجه الله تعالى!

стр. 1104

ولو كانت الدعوات سهلة ميسورة، تسلك طريقاً ممهّدة مفروشة بالأزهار، ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون، ولا يتعرّض لها المكذّبون والمعاندون لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة، ولاختلطت الدعوات .. ووقعت البلبلة والفتنة، ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات، هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتماً مقضيًّا، ويجعل الآلام والتضحيات لها وقوداً، فلا يكافح ويناضل، ويحتمل الآلام والتضحيات إلا أصحاب دعوة الحق الجادون المؤمنون، الذين يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع، وأعراض الحياة الدنيا؛ بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها، ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عوداً، وأشدّهم إيماناً، وأكثرهم تطلعاً إلى ما عند الله، واستهانةً بما عند الناس .. عندئذ تتميّز دعوة الحق من دعاوى الباطل، وعندئذ تُمَحّص الصفوف، فيتميّز الأقوياء من الضعفاء، وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها، واجتازوا امتحانها وبلاءها .. أولئك هم الأمناء عليها، الذين يحتملون تكاليف النصر وتبعاته، وقد نالوا هذا النصر بثمنه الغالي، وأدوا ضريبته صادقين مؤثرين .. وقد علَّمتهم التجارب والابتلاءات كيف يسيرون بدعوتهم بين الأشواك والصخور .. وقد حفزت الشدائد والمخاوف كل طاقاتهم ومقدراتهم، فنما رصيدهم من القوّة، ونمت ذخيرتهم من المعرفة، فيكون هذا رصيداً للدعوة التي يحملون رايتها على السرّاء والضرّاء! والذي يقع غالباً أن كثرة الناس تقف مشاهدة للصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات، حتى إذا تضخم رصيد التضحيات والآلام في صفّ أصحاب الدعوات، وهم ثابتون على دعوتهم، ماضون في طريقهم، أدركت

стр. 1105

الكثرة المشاهدة تمسك أصحاب الدعوة بدعوتهم، فعلى الرغم من التضحيات والآلام، إلا أن في هذه الدعوة ما هو أغلى مما يضحّون به وأثمن .. وعندئذ تتقدّم الكثرة المشاهدة لترى هذا العنصر الغالي الثمين الذي يرجح كل أعراض الحياة، ويرجح الحياة ذاتها عند أصحاب الدعوة، وعندئذ يدخل المشاهدون أفواجاً في هذه العقيدة بعد طول مشاهدة لأحداث الصراع! ومن أجل هذا كله جعل الله لكل نبيّ عدوًّا من المجرمين، وجعل المجرمين يقفون في وجه دعوة الحق، وحملة الدعوة يكافحون المجرمين، فيصيبهم ما يصيبهم وهم ماضون في الطريق، والنهاية مقدّرة من قبل، ومعروفة لا يخطئها الواثقون بالله .. إنها الهداية إلى الحق؛ لأنه الانتهاء إلى النصر: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾! وبروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر معتاد؛ فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد واقع في الجماعة أو في البشريّة .. فساد في القلوب؛ وفساد في النظم؛ وفساد في الأوضاع .. ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون، الذين ينشئون الفساد من ناحية، ويستغلّونه من ناحية، والذين تتفق مشاربهم مع هذا الفساد، وتتنفّس شهواتهم في جوّه الوبيء، والذين يجدون فيه سنداً للرغبات الزائفة التي يستندون هم في وجودهم إليها .. فطبيعي إذن أن يبرزوا للأنبياء وللدعوات دفاعاً عن وجودهم واستبقاءً للجوّ الذي يستطيعون أن يتنفّسوا فيه، وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة، ولا يستطيع الحياة إلا في المستنقع الآسن، وكذلك المجرمون .. فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء لدعوة الحق، ويستميتون في كفاحها .. وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية؛ لأنها تسير في خط الحياة، وتتّجه إلى الأفق الكريم الوضيء الذي تتّصل فيه

стр. 1106

بالله، والذي تبلغ عنده الكمال المقدّر لها، كما أراده الله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾! ابتلاء شديد: ويطالعنا قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ (الأنبياء)! وهنا نبصر الابتلاء بالخير -كما أسلفنا- نبصره أشدّ وطأة، وإن خيّل للناس أنه دون الابتلاء بالشرّ .. إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشرّ، ولكن القلّة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير! (١) كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة، ويكبحون جماح القوّة الهائجة في كيانهم، الجامحة في أوصالهم! كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الثراء والجدة، وما يغريان به من متاع، وما يثيرانه من شهوات وأطماع! كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والناصب والمتاع والثراء! كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، ولكن القليلين هم الذين يصبرون

стр. 1107

على الدعة والسعة، ثم لا يصابون بالحرص الذي يذلّ أعناق الرجال. وبالاسترخاء الذي يقعد الهمم ويكبت الأرواح! إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء، ويستحث المقاومة، ويجنّد الأعصاب، فتكون القوى كلها معبّأة لاستقبال الشدّة والصمود لها، أما الرّخاء فيوخي الأعصاب ويُنيمُها ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة! لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدّة بنجاح، حتى إذا جاءهم الرخاء سقطوا في الابتلاء! وذلك شأن البشر، إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم وغيره عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : "عجباً لأمر المؤمن، إِن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إِلا للمؤمن إِن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإِن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيراً له". (١) واليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشرّ .. والصلة بالله في الحالية هي وحدها الضمان! يروي الشيخان وغيرهما عن عروة بن الزبير، أن المسور بن مخرمة أخبره أن عمرو بن عوف -هو حليف لبني عامر بن لؤي، كان قد شهد بدراً مع رسول الله ﷺ : أخبره أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إِلى البحرين، يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضْرميّ، فقدم أبو عبيدة بمال من البَحْرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافقت صلاة الصبح مع رسول الله ﷺ ، فلمّا

стр. 1108

انصرف تعرّضوا له، فتبسّم رسول الله ﷺ حين رآهم، وقال: "أظنّكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة، وأنه جاء بشيء" قالوا: أجل يا رسول الله! قال: "فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فوالله! ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا، كما بُسطَتْ على مَن كان قبلكم، فتنافَسُوها كما تنافَسُوهَا، وتُلْهِيكَم كما أَلْهَتْهُمْ". (١) ويطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض" قيل: وما بركات الأرض؟ قال: "زهرةُ الدنيا" فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فَصَمَتَ النبي ﷺ ، حتى ظننت أنه يُنزَلُ عليه ثم جعل يمسح عن جبينه، فقال: "أين السائل"؟ قال: أنا، قال أبو سعيد: لقد حَمِدنَاهُ حِينَ طَلَع لذلك. قال: "لا يأتي الخير إِلا بالخير، إِن هذا المال خَضرَةٌ حُلْوَةٌ، وإِن كل ما أنبت الرَّبِيع يَقتُل حَبَطاً أو يلِمّ، إِلا آكلة الْخَضرَةِ، أَكَلَتْ حتى إِذا امتَدَّت خاصِرتَاهَا استقبلت الشّمس فاجْتَرَّت وثَلَطَتْ وبَالَتْ، ثم عادتْ فأَكَلَتْ، وإِن هذا المال حُلْوَةٌ: مَنْ أَخَذَهُ بحقِّه، ووضَعه في حقّه، فَنِعمَ المعُونَة هو، وإِن أخذه بغير حقّه كان كالذي يأكل ولا يشبع" (٢)

стр. 1109

قال ابن حجر (١): الرزق ولو كثر هو من جملة الخير، وإنما يعرض له الشرّ بعارض البخل به عين يستحقه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيراً فلا يكون شرًّا، وبالعكس، ولكن يخشى على مَن رُزق الخير أن يعرض له في تصرّفه فيه ما يجلب له الشرّ. ووقع في مرسل سعيد المقبري عند سعيد بن منصور: "أو خير هو؟ ثلاث مرات"، وهو استفهام إنكار، أي أن هذا المال ليس خيراً حقيقيًّا، وإن سمّي خيراً؛ لأن الخير الحقيقيّ هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق، كما أن الشرّ الحقيقيّ فيه ما يعرض له من الإمساك عن الحق، والإخراج في الباطل، وما ذكر في الحديث بعد ذلك من قوله: "إِن هذا المال خَضِرة حلوة" كضرب المثل بهذه الجملة. وفي رواية الدارقطني: "ولكن هذا المال .. . إِلخ" ومعناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة، والعرب تسمّي كل شيء مشرق ناضر أخضر! وقال ابن الأنباري: قوله: "المال خضرة حلوة" ليس هو صفة المال، وإنما هو للتشبيه، كأنه قال: المال كالبقلة الخضراء الحلوة، والتاء، في قوله: "خضرة وحلوة" باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا، أو على معنى فائدة المال، أي أن الحياة به أو العيشة، أو أن المراد بالمال هنا الدنيا؛ لأنه من زينتها، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٦). ووقع في حديث أبي سعيد -أيضاً- المخرج في السن: "الدّنيا خضرة حلوة"، فيتوافق الحديثان.

стр. 1110

ويحتمل أن تكون التاء فيهما للمبالغة .. ثم قال: "أما حبطاً" فبفتح المهملة والموحدة، والطاء المهملة أيضاً، والحبط: انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال: حبطت الدّابّة تحبط حبطاً، إذا أصابت مرعى طيّباً فأمعنت في الأكل، حتى تنتفخ فتموت، وروي بالخاء المعجمة من التخبط وهو الاضطراب، والأوّل المعتمد! وقوله: "يُلِم" بضم أوّله، أي يقرب من الهلاك! ثم قال: قوله: "اجترت" بالجيم، أي استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف فأعادت مضغه، "وثَلَطَت" بمثلثة ولام مفتوحتين ثم طاء مهملة، وضُبطت بكسر اللام، أي ألقت ما في بطنها رقيقاً، زاد الدارقطني: "ثم عادت فأكلت" والمعنى أنها إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت تحيّلت في دفعه بأن تجترّ فيزداد نعومة، ثم تستقبل الشمس فتحمي بها فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت، وهذا بخلاف من لم تتمكّن من ذلك، فإن الانتفاخ يقتلها سريعاً! قال الأزهري: هذا الحديث إذا فُرّق لم يكد يظهر معناه، وفيه مثلان: أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها، وهو ما تقدّم، أي الذي يقتل حَبَطاً. والثاني: المقتصد في جمعها، وفي الانتفاع بها، وهو آكلة الخضر، فإن الخضر ليس من أحرار البقول التي ينبتها الربيع، ولكنها الحبّة، والحبّة ما فوق البقل ودون الشجر التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا منعها من مستحقّها،

стр. 1111

فهو ينجو من وبالها، كما تحبّ آكلة الخضر، وأكثر ما تحبط الماشية إذا انحبس رجيعها في بطنها! وقال الزين بن المنير: آكلة الخضر هي بهيية الأنعام التي ألف المخاطبون أحوالها في سومها ورعيها، وما يعرض لها من البشم وغيره، والخضر: النبات الأخضر، وقيل: حرار العشب التي تستلذ الماشية أكله، فتستكثر منه، وقيل: هو ما ينبت بعد إدراك العشب وهياجه، فإن الماشية تقتطف منه مثلاً شيئاً فشيئاً، ولا يصيبها منه ألم، وهذا الأخير فيه نظر، فإن سياق الحديث يقتضي وجود الحبط للجميع، إلا لمن وقعت منه المداومة، حتى اندفع عنه ما يضرّه، وليس المراد أن آكلة الخضر لا يحصل لها من آكله ضرر البتّة، والمستثنى آكلة الخضر بالوصف المذكور، لا كل من اتّصف بأنه آكلة الخضر، ولعل قائله وقعت له رواية فيها: "يقتل أو يلم إِلا آكلة الخضر"، ولم يذكر ما بعده، فشرحه على ظاهر هذا الاختصار! ثم قال: قوله: "كالذي يأكل ولا يشبع" زاد هلال: "ويكون شهيداً عليه يوم القيامة" يحتمل أن يشهد عليه حقيقة بأن ينطقه الله تعالى، ويجوز أن يكون مجازاً، والمراد شهادة الملك الموكّل به! ويؤخذ من الحديث التمثيل لثلاثة أصناف: لأن الماشية إذا رعت الخضر للتغذية إمّا أن تقتصر منه على الكفاية، وإمّا أن تستكثر، الأول: الزهاد، والثاني: إمّا أن يحتال على إخراج ما لو بقي لضرّ، فإذا أخرجه زال الضرّ واستمرّ النفع، وإمّا أن يهمل ذلك! الأوّل: العاملون في جميع الدّنيا بما يحب من إمساك وبذل!

стр. 1112

والثاني: العاملون في ذلك، بخلاف ذلك! وقال الطّيبي: يؤخذ منه أربعة أصناف: فمن أكل منه أكل مستلذّ مفرط منهمك، حتى تنتفخ أضلاعه، ولا يقلع فيسرع إليه الهلاك. ومن أكل كذلك، لكنه أخذ في الاختيال لدفع الداء، بعد أن استحكم فغلبه فأهلكه! ومن أكل كذلك؛ لكنه بادر إلى إزالة ما يضّره، وتحيّل في دفعه حتّى انهضم فيسلم! ومن أكل غير مفرط ولا منهمك؛ وإنما اقتصر على ما يسدّ جوعته ويمسك رمقه! فالأول مثال الكفار! والثاني مثال العاصي الغافل عن الإقلاع والتوبة، إلا عند فوتها! والثالث مثال للمخلط المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة! والرابع مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة. وبعضها لم يصرّح به في الحديث، وأخذه عنه محتمل! ثم قال: وقال الزين بن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة: أوّلها: تشبيه المال ونموّه بالنبات وظهوره! ثانيها: تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب!

стр. 1113

وثالثها: تشبيه الاستكثار منه، والإدخال له، بالشره في الأكل والامتلاء منه! ورابعها: تشبيه الخارج من المال، مع عظمته في النفوس، حتى أدى إلى البالغة في البخل به، بما تطرحه البهيمة من السلح، ففيه إشارة بديعة إلى استقزاره شرعاً! وخامسها: تشبيه المتقاعد عن جمعه وضمه؛ بالشاة إذا استراحت؛ وحطَّت جانبها، مستقبلة عين الشمس؛ فإنها من أحسن حالاتها سكوناً ومسكينة، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها! وسادسها: تشبيه موت الجائع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها! وسابعها: تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوًّا، فإن المال من شأنه أن يحرز، ويشدّ وثاقه، حبًّا له، وذلك يقتضي منعه من مستحقّه، فيكون سبباً لعقاب مقتنيه! وثامنها: تشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع! وقال الغزالي: مثل المال مثل الحيّة التي فيها ترياق نافع، وسمٌّ ناقعٌ، فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرّها، ويعرف استخراج ترياقها، كان نعمة، وإن أصابها الغبيّ فقد لقي المهلك! قال ابن حجر: وفيه التحذير من المنافسة في الدّنيا، وفيه استفهام عما يشكل، وطلب الدليل لدفع المعارضة، وفيه تسمية المال خيراً، ويؤيده قوِله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ (العاديات)! وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ...﴾ (البقرة: ١٨٠)!

стр. 1114

وفيه ضرب المثل بالحكمة، وإن وقع في اللفظ ذكر ما يستهجن، كالبول، فإن ذلك يغتفر لما يترتب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام! وفيه أنه ﷺ كان ينتظر الوحي، عند إرادة الجواب، عما يُسأل عنه، وهذا على ما ظنّه الصحابة! ويجوز أن يكون سكوته، ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة. وقد عدّ ابن دريد هذا الحديث، وهو قوله: "إِن مما ينبت الرّبيع يقتل حبطاً أو يلم" من الكلام المفرد الوجيز، الذي لم يُسبق ﷺ إلى معناه، وكل من وقع شيء منه في كلامه، فإنما أخذه منه! ويستفاد منه: ترك العجلة في الجواب، إذا كان يحتاج إلى التأمل! وفيه لوم من ظن به تعنّت في السؤال، وحمد من أجاد فيه! وفيه تفضيل الغنيّ على الفقير، ولا حجّة فيه؛ لأنه يمكن التمسّك به، لمن لم يرجّح أحدهما على الآخر! والعجيب أن النووي قال: وفيه حجّة لمن يرجّح الغنيّ على الفقير. (١) قال ابن حجر: ولا حجّة فيه؛ لأنه يمكن التمسّك به لمن لم يرجّح الغنيّ على الفقير .. ثم قال: والتحقيق أنه لا حجّة فيه لأحد القولين! وفيه أن المكتسب المال من غير حله لا يبارك له فيه، لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع! وفيه ذمّ الإسراف، وكثرة الأكل والنهم فيه، وأن اكتسابه من غير حلّه،

стр. 1115

وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه، فيصير غير مبارك كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (البقرة: ٢٧٦)! تلك معالم هذا الحديث، رأيت ضرورة ذكرها لأهميتها! ومعلوم أن القرآن الكريم يخاطب الكينونة البشريّة (١)، بما يعلم خالقها من تركيبها الخفيّ، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن، وعلى المنحنيات والدروب والمسالك! وهو سبحانه يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة، ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها، ومن هنا ينبّهنا إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد .. لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها، فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء، ليرى الله فيها صنيع العبد وتصرّقه .. أيشكر عليها ويؤدّي حق النعمة فيها؟ أم يشغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: ٣٥)! فالفتنة -كما أسلفنا- لا تكون بالشدّة والحرمان وحدهما .. إنها كذلك تكون بالرّخاء وبالعطاء أيضاً! ومن الرّخاء والعطاء هذه الأموال والأولاد .. هذا هو التنبيه الأول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ (الأنفال)! فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار كان ذلك عوناً له على الحذر واليقظة والاحتياط، أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة .. ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض .. فقد يضعف عن الأداء -بعد الانتباه-

стр. 1116

لثقل التضحية وضخامة التكليف، وبخاصة في مواطن الضعف في الأموال والأولاد إنما يلوّح له بما هو خير وأبقى، ليستعين به على الفتنة ويتقوّى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾! إنه سبحانه هو الذي وهب الأموال والأولاد .. وعنده وراءهما أمر عظيم لمن يستعلي على هذه الفتنة والأولاد، فلا يقعد أحد إذن عن تكليف الأمانة وتضحيات الجهاد .. وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف، الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (النساء)! إنه منهج متكامل في الاعتقاد والتصوّر، والتربية والتوجيه، والفرض والتكليف .. منهج الله الذي يعلم؛ لأنه هو الذي خلق: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (الملك)! ويطالعنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ (الأنفال)! ونبصر الهتاف بالتقوى، فما تنهض القلوب بهذه الأعباء الثقال، إلا وهي على بيّنة من أمرها، ونور يكشف لها الشبهات، ويزيل الوساوس، ويثبّت الأقدام على الطريق الشائك الطويل، وما يكون لها هذا الفرقان إلا بحساسية التقوى وإلا بنور الله! هذا هو الزاد، وهذه هي عدة الطريق .. زاد التقوى التي تحيي القلوب وتوقظها، وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقي، وعدّة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مدّ البصر، فلا تغبشه الشبهات التي

стр. 1117

تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة .. ثم هو زاد المغفرة للخطايا .. الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار .. وزاد الأمل في فضل الله العظيم يوم تنفد الأزواد، وتقصر الأعمال! إنها حقيقة: أن تقوى الله تجعل في القلب فرقاناً يكشف له منعرجات الطريق، ولكن هذه الحقيقة -ككل حقائق العقيدة- لا يعرفها إلا من ذاقها فعلاً! إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذوقوها! إن الأمور تظلّ متشابكة في الحسّ والعقل، والطرق تظلّ متشابكة في النّظر والفكر، والباطل يظلّ متلبّساً بالحق عند مفارق الطريق! وتظلّ الحجّة تُفحم ولكن لا تُقنع، وتُسكت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل، ويظلّ الجدل عبثاً، والمناقشة جهداً ضائعاً .. وذلك ما لم تكن التقوى!! فإذا كانت استنار العقل، ووضح الحق، وتكشّف الطريق، واطمأنّ القلب، واستراح الضمير، واستقرّت القدم وثبتت على الطريق! إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة .. إن هناك اصطلاحاً من الفطرة على الحق الذي فطرت عليه، والذي خلقت به السماوات والأرض .. ولكنه الهوى الذي يحول بين الحق والفطرة .. الهوى هو الذي ينشر الغبش، ويحجب الرؤية، ويُعمي المسالك، ويُخفي الدروب .. والهوى لا تدفعه الحجّة إنما تدفعه التقوى .. تدفعه مخافة الله، ومراقبته في السرّ والعلن .. ومن ثمَّ هذا الفرقان الذي يُنير البصيرة، ويرفع اللبس، ويكشف الطريق! وهو أمر لا يقدّر بثمن .. ولكنه فضل الله العظيم، يضيف إليه تكفير الخطايا ومغفرة الذنوب!

стр. 1118

ألا إنه العطاء العميم الذي لا يعطيه إلا الله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ ويطالعنا قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ (آل عمران)! وهنا نبصر التفاتة واقعيّة إلى الفتنة المستكنّة في المتاع المتاح في هذه الأرض للكفّار والعصاة المعادين لمنهج الله (١) .. التفاتة لإعطاء هذا المنهج وزنه الصحيح، وقيمته الصحيحة، كي لا تكون فتنة لأصحابه، ثم لا تكون فتنة للمؤمنين، الذين يعانون ما يعانون، من أذى وإخراج من الديار، وقتل وقتال! وقبل ذلك نبصر تكاليف العقيدة في النفس والمال، كما نبصر طبيعة الأرض التي يقوم عليها، وطبيعة الطريق وما فيه من عوائق وأشواك، وضرورة مغالبة العوائق، وتكسير الأشواك، وتمهيد التربة للنبتة الطيّبة، والتمكين لها في الأرض، أيًّا كانت التضحيات، وأيًّا كانت العقبات: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ (آل عمران)! وقد كانت هذه صورة الداعين المخاطبين بهذا القرآن أوّل مرَّة .. الذين هاجروا من مكّة، وأخرجوا من ديارهم، في سبيل العقيدة، وأوذوا في سبيل الله، لا في أيّ غاية سواء، وقاتلوا وقُتلوا .. ولكنها صورة أصحاب هذه

стр. 1119

العقيدة في صميمها في كل أرض، وفي كل زمان .. صورتها وهي تنشأ في الجاهليَّة -أيّة جاهليّة- في الأرض المعادية لها -أيّة أرض- وبين القوم المعادين -أىّ قوم- فتضيق بها الصدور، وتتأذّى بها الأطماع والشهوات، وتتعرّض للأذى والمطاردة، وأصحابها -في أوّل الأمر- قلّة مستضعفة، ثم تنمو النبتة الطيّبة -كما لا بد أن تنمو- على الرغم من الأذى، وعلى الرغم من المطاردة، ثم تملك الصمود والمقاومة والدفاع عن نفسها، فيكون القتال، ويكون القتل .. وعلى هذا الجهد الشاق المرير يكون تكفير السيّئات، ويكون الجزاء ويكون الثواب! هذا هو الطريق .. طريق هذا المنهج الربّانيّ، الذي قدّر الله أن يكون تحقّقه في واقع الحياة بالجهد البشري .. وعن طريق هذا الجهد، وبالقدر الذي يبذله المؤمنون المجاهدون في سبيل الله، ابتغاء وجه الله! وهذه هي طبيعة هذا المنهج ومقوّماته ، وتكاليفه، ثم هذه هي طريقة المنهج في التربية، وطريقته في التوجيه، للانتقال من مرحلة التأثّر الوجدانيّ بالتفكّر والتدبّر في خلق الله، إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التأثّر تحقيقاً للمنهج الذي أراده الله! (١) ونبصر في تقلّب الذين كفروا في البلاد مظهراً من مظاهر النعمة والوجدان، ومن مظاهر المكانة والسلطان، وهو مظهر يحيك في القلوب منه شيء لا محالة .. يحيك منه شيء في قلوب المؤمنين، وهم يعانون الشظف والحرمان، ويعانون الأذى والجهد، ويعانون المطاردة أو الجهاد .. وكلها مشقات وأهوال، بينما أصحاب الباطل ينعمون ويستمتعون! .. ويحيك منه شيء في قلوب الجماهير الغافلة، وهي ترى الحق وأهله يعانون هذا العناء،

стр. 1120

والباطل وأهله في منجاة، بل في مسلاة! .. ويحيك منه شيء في قلوب الضالّين المبطلين أنفسهم، فيزيدهم ضلالاً وبطرًا ولجاجاً في الشر والفساد! هنا تأتي هذه اللمسة: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾! متاع قليل .. ينتهي ويذهب .. أما المأوى الدائم الخالد، فهو جهنم .. وبئس المهاد! وفي مقابل المتاع القليل الذاهب جنّات وخلود وتكريم من الله: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ (آل عمران)! وما يشك أحدٌ في أن ما عند الله خير للأبرار، وما تبقى في القلب شبهة في أن كفّة الذين اتقوا أرجح من كفّة الذين كفروا في هذا الميزان، وما يتردّد ذو عقل في اختيار النصيب الذي يختاره لأنفسهم أولو الألباب! وفي موضع التربية، ومجال إقرار القيم الأساسية، في التصوّر الإِسلامي لا يعد المؤمنين هنا بالنصر، ولا يعدهم بقهر الأعداء، ولا يعدهم بالتمكن في الأرض، ولا يعدهم شيئاً من الأشياء في هذه الحياة ممَّا يعدهم به في مواضع أخرى، وممّا يكتب على نفسه لأوليائه في صراعهم مع أعدائهم! إنه يعدهم شيئاً واحداً، هو ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾! فهذا هو الأصل في هذه الدعوة، وهذه هي نقطة الانطلاق في هذه العقيدة: التجرّد المطلق من كل هدف، ومن كل غاية، ومن كل مطمع -حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته،

стр. 1121

وانتصار كلمة الله، وقهر أعداء الله- حتى هذه الرغبة يريد الله من المؤمنين أن يتجرّدوا منها، ويكلوا أمرها إليه، وتتخلّص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها، ولو كانت لا تخصّها! هذه العقيدة: عطاء ووفاء وأداء .. فقط، وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض، وبلا مقابل كذلك من نصر وغلبة وتمكين واستعلاء .. ثم انتظار كل شيء هناك! ثم يقع النصر، ويقع التمكين، ويقع الاستعلاء .. ولكن هذا ليس داخلاً في البيعة .. ليس جزءاً من الصفقة .. ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا، وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء .. والابتلاء! على هذا كانت البيعة، والدعوة مطاردة في مكّة .. وعلى هذا كان البيع والشراء .. ولم يمنح الله المسلمين النصر والتمكين والاستعلاء .. ولم يسلمهم مقاليد الأرض وقيادة البشريّة، إلا حين تحرّدوا هذا التجرّد ووفّوا هذا الوفاء! وهنا نذكر ما رواه أحمد وغيره بسند صحيح من حديث طويل عن جابر .. وفيه: "فقمنا إِليه وبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة"! (١) هكذا "الجنة" .. والجنة فقط! لم يقل: النصر، والعزّ، والوحدة، والقوّة، والتمكين، والقيادة، والمال، والرخاء -مما منحه الله وأجراه على أيديهم- فذلك كله خارج عن الصفقة!

стр. 1122

لقد أخذوها صفقة بين متبايعين، أنهي أمرها، وأمضي عقدها، ولم تعد هناك مساومة حولها! وهكذا ربّى الله الجماعة التي قدّر أن يضع في يدها مقاليد الأرض، وزمام القيادة، وسلّمها الأمانة الكبرى بعد أن تجرّدت من كل أطماعها، وكل رغباتها، وكل شهواتها، حتى ما يختص بالدعوة التي تحملها، والمنهج الذي تحققه، والعقيدة التي تموت من أجلها، فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب لنفسه في نفسه، أو بقيت فيه بقيّة لم تدخل في السلم كافة! (١) ويطالعنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ (آل عمران)! إنه النداء العلوي للذين آمنوا (٢) نداؤهم بالصفة التي تربطهم بمصدر النداء، والتي تلقي عليهم هذه الأعباء، والتي تؤهّلهم للنداء، وتؤهّلهم للأعباء، وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾! النداء لهم، للصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى. والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة .. إنه طريق طويل شاقّ، حافل بالعقبات والأشواك. مفروش بالدماء والأشلاء، وبالإيذاء والابتلاء .. الصبر على أشياء كثيرة: الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب!

стр. 1123

والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصوّرهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشرّ، وغلبة الشهوة، وتصغير الغرور والخيلاء! والصبر على قلّة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضّيق! والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة، من الألم، والغيظ، والحنق، والضيق، وضعف الثقة أحياناً في الخير. وقلّة الرَّجاء أحياناً في الفطرة البشريّة، والملل والسأم واليأس أحياناً والقنوط! والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة. واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في السرّاء والضرّاء على صلة بالله، واستسلام لقدره، وردّ الأمر إليه كله في طمأنينة وخشوع! الصبر على هذا كله -وعلى مثله- مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل لا تصوّره حقيقة الكلمات، فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة، إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقّة الطريق، وتذوّقها انفعالات وتجارب ومرارات! والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي، فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء! كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه!

стр. 1124

والمصابرة (وهي مفاعلة من الصبر) مصابرة هذه المشاعر كلها، ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلّوا من صبر المؤمنين .. مصابرتها ومصابرتهم، فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة، بل يظلّون أصبر على أعدائهم وأقوى: أعدائهم من كوامن الصدور، وأعدائهم من شرار الناس سواء .. فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم، يدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر، والدفع بالدفع. والجهد بالجهد، والإصرار بالإصرار، ثم تكون لهم عاقبة الشوط أن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء .. وإذا كان الباطل يصرّ ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشدّ إصراراً وأعظم صبراً على المضيّ في الطريق! والمرابطة .. الإقامة في مواقع الجهاد، وفي الثغور المعرّضة لهجوم الأعداء .. وقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبداً، ولا تستسلم للرّقاد! فما هادنها أعداؤها قطّ، منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة، والتعرّض بها للناس، وما يهادنها أعداؤها قطّ في أيّ زمان أو في أيّ مكان، وما تستغني عن المرابطة للجهاد، حيثما كانت إلى آخر الزمان! إن هذه الدعوة تواجه الناس بمنهج حياة واقعي .. منهج يتحكّم في ضمائرهم، كما يتحكّم في أموالهم، كما يتحكّم في نظام حياتهم ومعايشهم .. منهج خير عادل مستقيم .. ولكن الشرّ لا يستريح للمنهج الخيّر العادل المستقيم، والباطل لا يحبّ الخير والعدل والاستقامة .. والطغيان لا يسلم للعدل والمساواة والكرامة .. ومن ثم ينهد لهذه الدعوة من أصحاب الشرّ والباطل والطغيان .. ينهد لحربها المستنفعون المستغلون الذين لا يريدون أن يتخلّوا عن الاستنفاع والاستغلال .. وينهد لحربها الطغاة البغاة العتاة

стр. 1125

المستكبرون الذين لا يريدون أن يتخلّوا عن الطغيان والاستكبار .. وينهد لحربها المستهترون المخلّون؛ لأنهم لا يريدون أن يتخلّوا عن الانحلال والشهوات .. ولابدّ من مجاهدتهم جميعاً، ولابدّ من الصبر والمصابرة، ولابدّ من المرابطة والحراسة، كي لا تؤخذ الأمّة المسلمة على غرّة من أعدائها الطبيعيّين، الدائمين في كل أرض وفي كل جيل عبر التاربخ! هذه طبيعة الدعوة، وهذا طريقها .. إنها لا تريد أن تعتدي، ولكن تريد أن تقيم في الأرض منهجها القويم ونظامها السليم .. وهي واجدة أبداً من يكره ذلك المنهج وهذا النظام، ومن يقف في طريقها بالقوّة والكيد، ومن يتربّص بها الدوائر، ومن يحاربها باليد والقلب واللسان .. ولابدّ لها أن تقبل المعركة بكل تكاليفها .. ولابدّ لها أن ترابط وتحرس ولا تغفل لحظةً ولا تنام! والتقوى .. التقوى تصاحب هذا كله؛ فهي الحارس اليقظ في الضمير يحرسه أن يغفل، ويحرسه أن يضعف، ويحرسه أن يعتدي، ويحرسه أن يحيد عن الطريق من هنا ومن هناك! ولا يدرك الحاجة إلى هذا الحارس اليقظ، إلا من يعاني مشاق هذا الطريق، ويعالج الانفعالات المتناقضة المتكاثرة المتواكبة في شتّى الحالات وشتّى اللحظات! إنه الإيقاع الأخير .. وهو جماعها كلها، وجماع التكاليف التي تفرضها هذه الدعوة في عمومها؛ ومن ثم يعلق الله بها عاقبة الشوط الطويل، وينوط بها الفلاح في هذا المضمار: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾!
следующие страницы →