فصل: في أحكام الميم الساكنة
وهي ثلاثة: حالة إدغام، وحالة إخفاء، وحالة إظهار (١).
فالأولى: أن يقع بعدها ميم (٢)، فيجب أن تُدغم فيها بغنَّة كاملة، نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ وشِبْهَه.
والثانية: أن يقع بعدها باء موحدة (٣)، فيجب أن تُخفى عندها على المختار بغنَّة (٤)، نحو: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ﴾، ﴿مَا لَهُمْ
стр. 37
بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ ونحو ذلك.
والثالثة: أن يقع بعدها غير الحرفين المذكورين فيجب إظهارها عنده. ويكون في كلمة، نحو: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿تُمْسُونَ﴾. وفي كلمتين، نحو: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ﴾، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ وشبهها.
وتكون أشد إظهارًا إذا وقع بعدها واو وفاء (١) ﴿عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
стр. 38
فصل: في إدغام المتماثلين والمتجانسين
أما المتماثلان: فهما ما اتفقا صفةً ومخرجًا، كالباءين والذالين واللامين، ونحو ذلك.
وأما المتجانسان: فهما ما اتفقا مخرجًا لا صفةً، كاللام والراء إن تقدَّمت اللام على الراء، وإن تأخَّرت عنها وجب الإِظهار عند الأكثر، وكالتاء المثناة فوق والدال المهملة والذال المعجمة والظاء المشالة ونحو ذلك.
وحاصله أنه متى التقى حرفان متماثلان أو متجانسان وسكن الأول منهما ولو سكونًا عارضًا وجب إدغام الساكن في المتحرك، ولا فرق بين أن يكونا في كلمة أو كلمتين.
أمثلة المتماثلين: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾، ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ونحو ذلك.
والمتجانسين، نحو ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ﴾، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، و ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ ﴿قُلْ رَبِّ﴾، ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (١) وشبهها.
стр. 39
تنبيه: محل ذلك إذا لم يكن أول المتماثلين حرف مد، فإن كان فلا يجوز الإِدغام وتعين الإِظهار، نحو: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا﴾، و ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ وأمثالهما. وعلَّة ذلك المحافظة على المد الأصلي لئلا يذهب بالإِدغام (١).
وأما ما اختُلف فيه من إدغام قال (قد) وذال (إذ) ولام (هل) و (بل) وتاء التأنيث الساكنة ونحوها في حروف مخصوصة فليس مما نحن فيه، بل ذلك كله من إدغام المتقاربين المختلف فيه كما هو مفصل في محله ولا يليق تفصيله هنا، والله أعلم.
стр. 40
فصل
وعلى القارئ أن يبيِّن إطباق الطاء من قوله تعالى: ﴿أَحَطْتُ﴾، ومن ﴿بَسَطْتَ﴾ ونحوهما، لئلا تشتبه بالتاء؛ لكون الطاء سابقة للتاء المجانسة لها بسبب اتحاد المخرج. وطريق ذلك أن تُدغم الطاء في التاء ذاتًا لا صفة؛ لأنَّ الإِدغام قسمان: كامل وناقص.
فالكامل: إدراج الحرف الأول في الثاني ذاتًا وصفةً، كالإِدغام بلا غنَّة.
والناقص: إدراج الأول في الثاني ذاتًا لا صفةً، كإدغام الطاء في التاء، من نحو: ﴿أَحَطْتُ﴾، و ﴿بَسَطْتَ﴾، وكالإدغام بغنَّة.
واختلف أهل الأداء في إبقاء صفة استعلاء القاف وإذهابها مع اتفاقهم على الإدغام في ﴿نَخْلُقْكُمْ﴾ (١)، من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ في المرسلات.
стр. 41
فصل
الضاد المعجمة والظاء المشالة إذا التقيا يلزم القارئ بيان مخرج كل منهما، نحو: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾، و ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾.
وكذلك عليه بيان الضاد المعجمة من الطاء المهملة من نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾، وبيان الظاء المشالة من التاء من نحو قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ﴾، وبيان الضاد المعجمة من التاء من نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، وبيان اللام الساكنة عند النون من نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾، و ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾، وبيان الحاء الساكنة عند الهاء من نحو قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْهُ﴾، وبيان الغين عند القاف من نحو قوله تعالى: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾، وبيان اللام عند التاء من نحو قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾، وبيانها أيضًا من نحو: ﴿جَعَلْنَا﴾، و ﴿ضَلَلْنَا﴾.
وعلى القارئ أيضًا تمييز الضاد المعجمة من الظاء المشالة مطلقًا (١) نحو ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾، والله أعلم.
стр. 42
باب: الترقيق والتفخيم
فصل: في أحكام الراء
اعلم أنَّ الراء لا يخلو إما أن تكون متحركة أو ساكنة، فإن كانت متحركة فلا يخلو إما أن تكون حركتها ضمة أو فتحة أو كسرة، فإن كانت ضمة أو فتحة فليس إلَّا التفخيم.
وإن كانت كسرة فليس إلَّا الترقيق، أصلية كانت الكسرة أو عارضة، تامة أو ناقصة بسبب روم أو اختلاس أو إمالة، سواء سكن ما قبلها أو تحرك، وسواء وقع بعدها حرف مُستَعِل أو مُستَفِل (١)، وسواء كانت في اسم أو فعل.
وأمثلة ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾، ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ﴾، ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾، ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، ﴿وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ﴾ في قراءة النقل (٢)، و ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ في قراءة
стр. 43
الاختلاس (١)، و ﴿الذِّكْرَى﴾ في قراءة الإِمالة.
هذا حكمها وصلًا، وأما حكمها وقفًا فلا يخلو إما أن تقف بالروم أو السكون، فإن وقفتَ بالروم فكالوصل، وإن وقفتَ بالسكون فلا يخلو إما أن يكون قبلها حرف ممال أو لا، فإن كان الأول فمرققة، نحو: ﴿الْغَارِ﴾، و ﴿الْقَرَارُ﴾، وكذا إن كان قبلها كسرة، نحو: ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾، و ﴿قُدِرَ﴾، و ﴿أَشِرٌ﴾، أو ياء ساكنة، نحو: ﴿ضَيْرَ﴾، و ﴿خَيْرٌ﴾، و ﴿غَيْرِ﴾، و ﴿بَصِيرٌ﴾ و ﴿خَبِيرٌ﴾، وكذا إذا حجز بين الكسرة والراء حاجز ليس بحصين، وهو الحرف الساكن ترقق، نحو: ﴿الذِّكْرَ﴾، و ﴿السِّحْرُ﴾ وشبههما.
أما إذا كانت ساكنة سكونًا لازمًا أو عارضًا متوسطة كانت أو متطرفة في الوصل أو الوقف فإنها ترفق بشرط أن يكون قبلها كسرة لازمة، أو تكون الكسرة والراء في كلمة واحدة وأن لا يكون بعدها حرف استعلاء، وذلك نحو: ﴿مِرْيَةٍ﴾، و ﴿الْإِرْبَةِ﴾، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾، و ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ وما أشبه ذلك.
فقولنا كسرة لازمة احترازًا عن الكسرة العارضة التي في نحو: ﴿ارْكَعُوا﴾، و ﴿ارْجِعُوا﴾، عند الابتداء.
وقولنا: أن تكون الكسرة والراء في كلمة واحدة، احترازًا عن نحو: ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾، و ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ وصلًا.
وقولنا: أن لا يكون بعدها حرف استعلاء، احترازًا عن نحو:
стр. 44
﴿مِرْصَادًا﴾، و ﴿فِرْقَةٍ﴾، و ﴿قِرْطَاسٍ﴾، ولم يقع في القرآن العظيم بعدها من حروف استعلاء إلَّا الصاد والطاء والقاف. فأما الراء في قوله تعالى: ﴿كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾، فمن القرَّاء من فخَّمها لكون (١) بعدها حرف استعلاء، ومنهم من رقَّقها لوقوعها بين كسرتين. وإنما أطلنا الكلام عليها لكثرة أحكامها وقصدًا لإِتقانها.
فائدة: ترقيق الحرف: إنحافه. وتفخيمه: تسمينه. والأصل في الراء التفخيم.
تنبيه: مما يجب على القارئ إخفاء تكرير الراء لأنه حرف قابل له، ويتأكد ذلك إذا كانت مشددة؛ لأنَّ القارئ إذا لم يتحرَّز (٢) من ذلك جعل من الحرف المشدد حروفًا، ومن المخفف حرفين، وكل ذلك غير جائز. وطريق السلامة من هذا المحذور أن يُلصق اللافظ ظهر لسانه على حنكه لصوقًا محكمًا مرة واحدة بحيث لا يرتعد؛ لأنه متى ارتعد حدث من كل رِعدة (٣) حرف.
стр. 45
فصل: في أحكام اللام من اسم الله تعالى
اعلم أنَّ الاسم الجليل لا يخلو إما أن يكون قبله فتحة أو ضمة أو كسرة.
فإن كان قبله ضمة أو فتحة وجب التفخيم سواء زيدت عليه ميم أو لا، وسواء كانت الضمة والفتحة متصلتين به أو لا، نحو: (قَالَ الله)، و ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾، و ﴿قَالُوا اللَّهُمَّ﴾.
وإن كان قبله كسرة وجب الترقيق سواء كانت متصلة أو منفصلة، أصلية أو عارضة، نحو: ﴿بِاللَّهِ﴾، و ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾، و ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ ونحو ذلك (١).
стр. 46
فصل
ومما يفخَّم أيضًا حروف الاستعلاء، وهي سبعة، يجمعها أحرف: "خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ"، لكن أحرف الإِطباق تكون أقواها تفخيمًا، نحو: ﴿قَالَ اللَّهُ﴾، ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾، و ﴿الْحُطَمَةِ﴾، و ﴿تَضْلِيلٍ﴾، و ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ ونحوها.
وأما الحروف المستفلة -وهي ما عدا المستعلية- فتكون إذًا اثنين وعشرين حرفًا، فحكمها الترقيق إلَّا الراء ولام الجلالة ففيهما تفصيل، وتقدَّم الكلام عليهما، والألف سيأتي حكمها.
واحذر تفخيم اللامين من قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾، والحاءين من ﴿حَصْحَصَ﴾، والحاء من ﴿الْحَقَّ﴾، والباء من نحو ﴿وَبَاطِلٌ﴾، و ﴿بَرِقَ﴾، واللامين من نحو: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وخو ذلك.
تنبيه: الألف إذا وقعت بعد حرف مُرقَّق رُقِّقت، نحو: ﴿الْعَالَمِينَ﴾، و ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾، و ﴿الْحَاكِمِينَ﴾، و ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ وشبهها، وإذا وقعت بعد حرف مفخَّم فُخِّمت، نحو: ﴿الصَّابِرِينَ﴾، و ﴿الصَّادِقِينَ﴾، و ﴿الْقَانِتِينَ﴾، و ﴿الرَّاحِمِينَ﴾، و ﴿الضَّالِّينَ﴾، و ﴿الظَّالِمِينَ﴾ وما أشبهها.
стр. 47
وأما الهمزة فهي مرققة مطلقًا، أي سواء جاء بعدها أو قبلها حرف مرقَّق أو مفخَّم، وسواء كانت متطرفة أو متوسطة، نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ﴿وَاهْدِنَا﴾، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، و ﴿أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، و ﴿طَائِعِينَ﴾، و ﴿خَائِفِينَ﴾ ونحو ذلك.
стр. 48
فصل: في حروف القلقلة
ويقال: لَقْلَقَة أيضًا، وهي خمسة، يجمعها أحرف: "قطب جد". وحقيقة القلقلة: إظهار نَبْرة (١) لطيفة حالة النطق بالحرف المقلقل.
وهذه الأحرف لا يخلو إما أن تكون متحركة أو ساكنة، فإن كانت متحركة فليست حروف قلقلة، وإن كانت ساكنة فهي حروف قلقلة. وحاصله أنه متى سكن حرف من هذه الحروف الخمسة وجب أن يقُلقل، ويقلقل في الوقف أكثر (٢)، أمثلة ذلك: ﴿الْحَرِيقِ﴾، ﴿يَقْطَعُونَ﴾، ﴿مُحِيطٌ﴾، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾، ﴿قَرِيبٌ﴾، ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾، ﴿مَرِيجٍ﴾، ﴿يَجْعَلُونَ﴾، ﴿بِالْعِبَادِ﴾، ﴿الْوَدْقَ﴾، وما أشبه ذلك.
стр. 49
فصل: في أحرف الصفير
وهي ثلاثة: الصاد والسين المهملتان، والزاي المعجمة، سُمِّيت بذلك لصوت يخرج معها بصفير (١) يشبه صفير الطائر (٢). وأقواها في ذلك الصاد للإِطباق، وتليها الزاي للجهر، ثم السين أضعفها صفيرًا (٣).
стр. 50
باب: الوقف والابتداء
الوقف لغةً: الكفُّ، واصطلاحًا: قطع الكلمة عما بعدها بسكتة طويلة.
واعلم أنَّ التجويد لا يحصل للقارئ إلَّا بمعرفة مواضع القطع على الكلم والابتداء بما بعده، وما يُجْتَنَب من ذلك لبشاعته وقبحه. والأصل في الوقف السكون، والابتداء لا يكون إلَّا بالحركة.
والوقف ثلاثة أقسام:
اختباري (١): بالباء الموحدة ومتعلقه الرسم لبيان المقطوع من الموصول، والثابت من المحذوف، والمجرور (٢) من المربوط (٣).
стр. 51
واضطراري: ومتعلقه ضِيْق النفس والعيّ (١).
واختياري: بالياء المثناة تحت، وهو المقصود هنا، وهذا إما قبيح أوغيره؛ لأنَّ اللفظ الموقوف عليه إما أن يستقلَّ بمعنًى أو لا، الثاني القبيحِ، ويأتي.
الأوَّل: ثلاثة أقسام: تام، وكاف، وحسن.
فأما التام (٢): فهو الذي يَحسُن الوقوف عليه والابتداء بما بعده، وهذا إنما يكون على لفظ لم يتعلق بشيء مما بعده ولا ما بعده به، بأن يكون منقطعًا عما بعده لفظًا ومعنًى. وأكثر ما يوجد في الفواصل ورؤوس الآي وانقطاع الكلم وانتهاء القصص، نحو: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ونحو ذلك.
وقد يوجد قبل انقضاء الفاصلة، نحو: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾، فـ ﴿أَذِلَّةً﴾ هو آخر كلام بِلْقيس، و ﴿يَفْعَلُونَ﴾ هو رأس الآية (٣).
وقد يوجد بعد انقضائها، نحو: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾، فـ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ هو رأس الآية، و ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ هو تتمة الكلام.
стр. 52
وكذلك: ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا﴾، فرأس الآية ﴿يَتَّكِئُونَ﴾، وتمام الكلام ﴿وَزُخْرُفًا﴾؛ لأنه معطوف على ﴿سُقُفًا﴾. ويقاس على هذا ما يشبهه.
والوقف التام من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ابتداء كلام آخر.
وأما الكافي: فهو الذي يُكتفى بالوقف عليه والابتداء بما بعده، وذلك بأن يكون اللفظ الموقوف عليه متعلقًا بما بجده من حيث المعنى لا من حيث اللفظ (١)، نحو قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، ونحو: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢)، ونحو: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ (٣)، وأمثالها.
وأما الحَسَن: فهو الذي يَحسُن الوقوف عليه ولا يَحسُن الابتداء بما بعده، بأن يكون اللفظ الموقوف عليه متعلقًا بما بعده لفظًا ومعنًى (٤)، نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، فالوقف عليه حَسَن؛ لأنَّ المعنى مفهوم، ولا يحسن الابتداء بما بعده (٥) لكونه تابعًا لما قبله لفظًا ومعنًى.
стр. 53
ومَحَلُّ النهي عن ذلك إذا لم يكن رأس آية، فإن كان فيجوز الوقف عليها والابتداء بما بعدها ولو كان التعلُّق المذكور موجودًا فيها لورود السنَّة بالوقف (١) على نحو: ﴿الْعَالَمِينَ (٢)﴾، والابتداء ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، ولأنَّ رؤوس الآي فواصل بمنزلة فواصل السجع والقوافي، فلا بأس بالوقف عليها مع ذلك إن أُمِن اللَّبْسُ.
تنبيه: المراد بالتعلُّق المعنوي أن يتعلَّق المتأخِّر بالمتقدِّم من حيث المعنى لا الإِعراب، كالإِخبار عن حال المؤمنين والكافرين، أو تمام قصة ونحو ذلك. وباللفظي أن يتعلَّق به من حيث معنى الإِعراب لا المعنى؛ لكونه صفة له أو معطوفًا عليه، ونحو ذلك.
وأما القبيح: فهو الوقف على اللفظ الذي لم يستقل بمعنى، كالوقف على المضاف دون المضاف إليه، وعلى الرافع دون مرفوعه، وعلى الناصب دون منصوبه، وعلى أداة الشرط دون شرطها، وعلى الشرط دون جزائه، وعلى الموصوف دون صفته إذا لم يَتِمَّ معناه
стр. 54
بدونها، وكذا المعطوف عليه دون المعطوف. لكن إذا اضطُرَّ القارئ لعيٍّ أو غيره إلى الوقف على شيء من ذلك فيجوز له، ولكن ينبغي له أن يبدأ بما قبله.
وأقبح من الوقف على ما ذُكِر الوقف على بعض حروف الكلمة، وأقبح منه الوقف على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾، وعلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى﴾، فإن وقف عليهما مضطرٌ فلا بأس، لكن لا يبتدئ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، ولا بقوله: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، بل يبتدئ بما قبله فإن لم يفعل فقد أخطأ خطأ فاحشًا.
تنبيه: جميع ما ذُكِرَ في الوقف والابتداء إنما هو على سبيل السُنَّة لا على سبيل الوجوب، فليس شيء منه واجبًا يحنث القارئ بتركه ولا حرامًا يأثم بفعله، بل المقصود منه تحسين القراءة وترتيلها وإعرابها؛ لأن الوقف والابتداء لا يدلاَّن على معنى حتى يأثم القارئ بذهابهما، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون لذلك سبب يستدعي تحريمه، كأن يقصد الوقف على ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾، و ﴿إِنِّي كَفَرْتُ﴾، ونحوهما من غير ضرورة، إذ لا يفعل هذا مسلم. فإن لم يقصد ذلك لم يَحرُم، لكن الأحسن اجتناب مثل هذا المحذور للإِيهام الحاصل به.
стр. 55
فصل: في كيفية الوقف
اعلم أنَّ الكلمة الموقوف عليها لا يخلو إما أن تكون متحركة أو ساكنة. فإن كانت ساكنة فليس الوقف عليها إلَّا بالسكون كالوصل، نحو: ﴿وَاصْبِرْ﴾، ﴿وَاسْجُدْ﴾، ﴿وَاقْتَرِبْ﴾، ﴿وَانْحَرْ﴾ وشبهها.
وإن كانت متحركة فلا يخلو إما أن تكون منوَّنة أو لا.
فإن كانت منوَّنة فلا يخلو إما أن تكون حركتها حركة رفع أو نصب أو خفض.
فإن كانت حركتها حركة رفع أو خفض وقف عليها بالسكون أيضًا، نحو: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾، ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وشبهها.
وإن كانت حركة نصب وقف عليها بالألف، نحو: ﴿وَكِيلًا﴾، ﴿شَهِيدًا﴾، ﴿رَحِيمًا﴾ وما أشبهها.
وإن كانت متحركة غير منوَّنة وقف عليها بالسكون، سواء كانت حركتها ضمة أو فتحة أو كسرة، نحو: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، ﴿رُسُلُ اللَّهِ﴾، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وشبهها.
стр. 56
فائدة: الاسم اللاحقة له تاء التأنيث المتحركة إما أن يكون منوَّنًا أو لا.
فإن كان منونًا وقف عليها بالهاء، سواء كان مرفوعًا أو منصوبًا أو مخفوضًا. وكذلك إن لم يكن منونًا وكانت التاء مربوطة، مثالها: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾، و ﴿الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾.
أما نحو: ﴿وَأَمْوَاتًا﴾، و ﴿مُقِيتًا﴾، فيوقف عليه بالألف كما تقدَّم؛ لأنَّ التاء فيه ليست للتأنيث، بل هي من نفس الكلمة.
وإن كانت غير منونة وهي مرسومة مجرورةً (١) فقد جاء عن بعض القرَّاء الوقف عليها بالتاء رعاية للرسم، وعن بعضهم بالهاء على الأصل، وذلك نحو: ﴿شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾، و ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾، و ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾، ونحوها مما رسم بالتاء المجرورة في مصحف الإِمام.
فائدة: ويجوز الوقف بالروم على غير المنصوب والمفتوح، وهو الإِتيان ببعض الحركة، لكن المحذوف منها أكثر؛ وبالإشمام على المرفوع والمضموم فقط، وهو ضم الشفتين بعد الإِسكان إشارة إلى
стр. 57
الضم وترك بعض انفراج بينهما ليخرج منه النَّفَس (١).
والإِشمام لا يدركه الأعمى بخلاف الروم فإنه يدركه القريب المصغي مطلقًا.
ولا روم ولا إشمام في حركة عارضة، ولا في حركة ميم الجمع في مذهب من ضمها (٢)، ولا في هاء التأنيث التي ترسم تاء مجرورة.
стр. 58
فصل: في همزة الوصل
وهي التي تَثْبُت في الابتداء وتُحذف في الوصل، وسُمِّيت بذلك لأنه يُتوصَّل بها إلى النطق بالساكن. واعلم أنَّ للقارئ حالتين: حالة ابتداء وحالة وقف، فكما أنَّ الأصل في الوقف السكون، فالابتداء لا بدَّ أن يكون بالحركة.
وهمزة الوصل تكون في الاسم والفعل.
وأما الفعل: فلا يخلو إما أن يكون أوَّله متحركًا أو ساكنًا، فإن كان متحركًا فلا يحتاج إلى همزة وصل، وإن كان ساكنًا احتاج إليها. ومن شأنها أنها لا تكون في مضارع مطلقًا، ولا في حرف غير لام التعريف، ولا في ماضٍ على ثلاثة أحرف، كـ ﴿أَكَلَ﴾ و ﴿أَذِنَ﴾، و ﴿أَمِنَ﴾ ولا في ماض على أربعة، كـ (أكرم) و ﴿أَحْسَنَ﴾ و ﴿أَحْكَمُ﴾ ونحوها، ولا في أمر رباعي: كـ ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ونحوهما.
فالهمزة في هذه المواضع كلها همزة قطع مفتوحة مطلقًا إلَّا في مضارع رباعي فمضمومة مطلقًا.
وتكون همزة الوصل في الماضي الخماسي كـ (انطلق)، والسداسي كـ (اسْتَخْرَج)، وفي أمرهما كـ (انطَلِق) و (اسْتَخْرِج) وأمر
стр. 59
الثلاثي كـ ﴿اضْرِبْ﴾ و (اعلم) وحكمهما في الماضي الكسر.
وأما الأمر ففيه تفصيل، وهو أنه إذا كان ثالثه مضمومًا ضمًّا لازمًا، نحو: ﴿انْظُرْ﴾ و ﴿اخْرُجْ﴾، ابتُدئ بها مضمومة. وإن كان ثالثه مكسورًا كسرًا لازمًا أو مفتوحًا ابتدئ بها مكسورة فيهما، نحو: ﴿اضْرِبْ﴾، و ﴿اذْهَبْ﴾ و (اعلم) وشبهها. فإن كان الضم عارضًا كسرت أيضًا، نحو: ﴿امْشُوا﴾. وإن كان الكسر عارضًا، نحو: (اغزي يا هند)، ففي الابتداء بهمزة الوصل وجهان: الضم الخالص وإشمامه بالكسر.
وأما الاسم: فهمزة الوصل فيه نوعان: قياسي، وسماعي. فأما القياسي: ففي مصدر الخماسي والسداسي كـ (الانطِلاَق) و (الاستِخْرَاج) (١).
وأما السماعي: فهي عشرة ألفاظ محفوظة، وهي: اسم وابنت وابن وابنم وابنة وامرأة وامرؤ واثنان واثنتان وايمن الله المخصوص بالقسم؛ وحكم هذه الهمزة عند الابتداء الكسر إلَّا مع لام التعريف فإنَّ حكمها الفتح، والله أعلم بالصواب.
وليكن هذا آخر ما تيسَّر جمعُه في هذه الرسالة، ومن أراد أكثر من ذلك فعليه بالمطوَّلات.
والله المسؤول أن ينفع بها كما نفع بأصلها إنه قريب سميع مجيب
стр. 60
الدعوات، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمَّد سيِّد السادات، وعلى آله وجميع أصحابه أولو (١) الفضل والعنايات، ونسأل الله أن يغفر ذنوبنا ويستر عيوبنا ولا يفضحنا، إنه غافر الزلاَّت وساتر العورات وراحم العَبَرات وكاشف العَثَرات، والحمد لله رب العالمين (٢).
[وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين .. آمين. وقد نقلت هذه المقدمة من خط شيخنا مصطفى الغزالي، وقد نقلها شيخنا من خط مؤلفها من سادس (٣) في عصره وأوانه المحقق الشيخ محمد البلباني الحنبلي ﵀ الملك الصمداني .. آمين، (٤)] (٥).