متباينة. والعدد الأول ما لا يفنيه إلا الواحد كالاثنين والثلاثة والخمسة والسبعة والأحد عشر والثلاثة عشر ونحوها. والأربعة تسمى أوائل منطفه وما عداها أوائل أصم فلو ألبست النسبة بين العددين فأسقط الأصغر من الأكبر مرة بعد أخرى فإن فني الأكبر فمتداخلان، وإن بقي من الأكبر واحد فمتباينان: كثلاثة وسبعة أو عشرة، وإن بقي أكثر من واحد فأسقطه من الأصغر مرة فأكثر، فإن فني به الأصغر فمتوافقان كعشرة وخمسة عشر وكعشرين وأربعة وثمانين وإلا فإن بقي منه واحد فمتباينان كخمسة وتسعة وكثلاثين وسبعة وإن بقي أكثر فاطرحه من بقية الأكبر، فإن فنيت به فمتوافقان كعشرين وخمسة وسبعين أو بقي منهما واحد فمتباينان أو أكثر فاطرحه من بقية الأصغر وهكذا تسلط بقية كل عدد على العدد الذي طرحته به فإن بقي واحد فمتباينان أو لا يبقى شيء فمتوافقان بما للعدد الأخير المفني لكل منهما من الأجزاء.
واعلم أن كل متماثلين متوافقان بما لأحدهما من الأجزاء وكذا كل متداخلين متوافقان بما لأصغرهما ولكن لا يطلق عليهما متوافقان اصطلاحًا؛ لأن المتوافقين هما مشتركان ليسا متماثلين ولا متداخلين، والمعتبر من أجزاء الموافقة إذا تعددت أقلها طلبًا للاختصار اهـ. كلام الدردير:
ثم ذكر رحمه الله تعالى بقية من يستحق الميراث ممن يظن عدم إرثهم فقال: (والمنفي باللعان يتوارث وإخوته كإخوة لأم كأولاد الزانية وتوأمه كإخوة لأبوين بخلافهما ولا توارث بالشك كالمسبيين الذين لا تعرف أنسابهم) يعني أن ولد
المنفي باللعان يتوارث بينه وبين أمه وإخوته لأم، ولا توارث بينه وبين أبيه الذي نفاه عن نفسه باللعان ما لم يرجع عن نفيه، لما في الموطأ عن مالك: أنه بلغه أن عروة بن الزبير كان يقول في ولد الملاعنة وولد الزنا: إذا مات ورثته أمه حقها في كتاب الله تعالى وإخوته لأمه حقوقهم ويرث البقية موالي أمه إن كانت مولاة، وإن كانت
стр. 1227
عربية ورثت حقها وورث إخوته لأم حقوقهم وكان ما بقي للمسلمين. قال مالك: وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك، وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا اهـ. قال ابن جزي في القوانين: الرابع من موانع الميراث اللعان، فلا يرث المنفي به النافي ولا يرثه هو، وإذا مات ولد الملاعنة ورثته أمه وإخوته للأم وما بقي لبيت المال وتوأما الملاعنة شقيقان وتوأما البغي للأم، وفي توأمي المغتصبة قولان. قال: المانع الخامس الزنا، فلا يرث ولد الزنا والده ولا يرثه هو؛ لأنه غير لاحق به، وإن أقر به الوالد حد ولم يلحق به اهـ. قال الناظم رحمه الله تعالى:
وقل أشقا توأما اللعان ... وفي الزنا للأم ينسبان
قال شارحه: أي ثبت للتوأمين المنفي حملهما بلعان الزوج لزوجته حكم الأخوين الشقيقين، والتوأمان هما الولدان اللذان جمعهما حمل واحد وبينهما في النزول أقل من ستة أشهر وهي التي أقل مدة للحمل فيتوارثان توارث الشقيقين. اهـ. قاله في مصباح السالك شرح أسهل المسالك، وإلى جميع ما تقدم أشار خليل بقوله: ولا يرث ملاعن وملاعنة وتوأماها شقيقان. قال الخرشي: والمعنى أن توأمي الملاعنة يتوارثان على أنهما شقيقان وكذلك توأما المسبية والمستأمنة يتوارثان على أنهم أشقاء على المشهور، وأما توأما الزانية والمغتصبة فالمشهور أنهما يتوارثان على أنهما إخوة لأم، وهو مذهب ابن القاسم لأن الحكم للأنثى قياسًا على المكاتبة والمدبرة ونحوهما اهـ. قوله: ولا توارث بالشك سواء كان الشك في السباب كعدم صحة النسب بين الوارث والموروث أو عدم صحة العقد مثلاً أو في الجهل بالسابق في الموت كما تقدم، وعلى كل حال فإن الشك من موانع الميراث وإن كمفقود. قال خليل: ومال المفقود للحكم بموته إلى أن قال: ووقف المشكوك فيه فإن مضت مدة التعمير فكالمجهول اهـ. كما تقدم في أحكام المفقود.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بالفرائض ومسائله انتقل يتكلم على المناسخة ومسائلها وما يتعلق بها فقال رحمه الله تعالى:
стр. 1228
فَصْلٌ
في المناسخة
أي في بيان ما يتعلق بالمناسخة، والمناسخة: من النسخ وهو لغة: الإزالة، وفي اصطلاح الفرضيين: أن يموت إنسان ولم تقسم تركته حتى يموت من ورثته وارث. قال العلامة الباجوري في حاشيته على الشنشوري: وهذا الباب من مستصعبات هذا الفن ولا يتقنه إلا ماهر في الفرائض والحساب كما في اللؤلؤة اهـ.
واعلم أن المناسخة قسمان: قسم لا يفتقر لعمل وقسم يحتاج للعمل: أما الذي لا يفتقر للعمل ككون ورثة الثاني هم ورثة الأول، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: (إذا مات ثان قبل القسمة فإن كانت ورثته يرثونه كالأول فلا عمل كالإخوة بقي منهم واحد)، يعني كما إذا كان ثلاثة نفر في درجة كالشقيقين مات أحدهم وترك اثنين ثم مات الثاني قبل قسمة التركة وبقي واحد فإنه يرث المال كأن الميت الأول لم يترك إلا نفرًا واحدًا من إخوته. وقال بعضهم في الأمثلة: إذا مات ميت عن ورثة فمات أحدهم قبل القسمة فإن لم يرث الميت الثاني غير الباقين وكان إرثهم منه كإرثهم من الأول جعل الميت الثاني كأن لم يكن. مثاله: كأن يترك أربعة بنين وثلاث بنات مات أحد الأبناء قبل القسمة فبقي ثلاثة بنين وثلاث بنات فكأن الميت خلف من بقي فقط، فأصل المسألة عدد رؤوسهم تصح من تسعة: للذكر مثل حظ الأنثيين. وفي أقرب المسالك: إن مات وارث قبل القسمة وورثه الباقون كثلاثة بنين وزوج ليس أباهم فكالعدم اهـ.
ثم ذكر القسم الثاني من قسمي المناسخة أي القسم الذي يفتقر للعمل فقال رحمه الله تعالى: (وإن لم يرثوا الأول أو يرثونه بغير المعنى الأول أفردت سهام الثاني من الأول فإن انقسمت عليهم فقد صحت من الأولى وإلا نظرت فإن وافقت تركته مسألته ضربت وفق الثانية في الأولى وإلا ضربت الثانية في الأولى فمن
стр. 1229
له شيء من الأولى أخذه مضروبًا في الثانية أو وفقها ومن الثانية في تركة الثاني أو وفقها. وعلى هذا إذا تعدد الموتى)، يعني كما في عبارة ابن جزي في القوانين: أي وإن اختلف الورثة أو حظوظهم فالعمل في ذلك أن تصحح فريضة الميت الأول ثم فريضة الثاني ويقسم حظ الثاني من الفريضة الأولى على فريضته فإن انقسم صحت الفريضتان من عدد الأولى، وذلك في التماثل والتداخل، وأعطيت كل واحد حظه من الفريضتين إن ورث فيهما أو من الواحدة إن ورث فيها خاصة، وإن لم ينقسم وذلك إذا كان سهمه موافقًا للفريضة أو مباينًا فإن كان مباينًا فاضرب فريضته في الأولى وتصحان من المجموع، وإن كان موافقًا فاضرب وفق فريضته في الأولى وتصحان من المجموع ثم اضرب ما بيد كل وارث من الأولى في عدد
الثانية أو وفقها وما بيد كل وارث من الثانية في نصيب الميت الثاني من الفريضة الأولى أو في وفقه، واجمع لمن يرث في الفريضتين حظه منهما.
مثال ذلك: زوجة وشقيقة وأخ لأم وعم ثم ماتت الشقيقة عن أخيها للأم وعن العم فالفريضة الأولى من اثني عشر وحظ المتوفاة الثانية منها ستة وفريضتها ستة فانقسمت بالتماثل وصحت الفريضتان من اثني عشر للزوجة ثلاثة من الأولى وللأخ اثنان من الأولى وواحد من الثانية وللعم واحد من الأولى وخمسة من الثانية. فلو تركت الثانية ثلاثة بنين انقسمت بالتداخل، فلو تركت خمسة بنين لم تنقسم للتباين فتضرب الخمسة في الاثني عشر بستين ومنها تصح الفريضتان ثم تضرب ما بيد كل وارث من الأولى في خمسة وما بيد كل وارث من الثانية في ستة وهي نصيبها من الأولى. فلو تركت زوجًا وثلاثة بنين لم تنقسم للتوافق فتضرب وفق الأربعة وهو اثنان في الاثني عشر بأربعة وعشرين ثم تضرب ما بيد كل وارث من الأولى في اثنين وما بيد كل وارث من الثانية في ثلاثة وهي وفق نصيبها اهـ. كلام ابن جزي فتأمل. وفي عبارة لبعض الأفاضل أنه قال: وإن اختلف قدر الاستحقاق منهما فصح مسألة للميت الأول وصحح مسألة للثاني باعتباره
стр. 1230
ميتًا آخر ثم انظر فإن انقسمت سهام الثاني من مسألة الأول على مسألته فالعدد الذي صحت منه مسألة الأول هو الجامعة للمسألتين فأعط كل وارث من ورثة الثاني حصته من نصيب الثاني من الأول، مثاله: زوج وأب وأم مات الزوج قبل القسمة عن ابن وبنت صححنا مسألة للأول فكان مصححها ستة وصححنا مسألة الثاني فكان مصححها ثلاثة عدد رؤوس الابن والبنت، ونصيب الميت الثاني الذي هو الزوج ثلاثة ومسألته ثلاثة فلا حساب للابن اثنان وللبنت واحد والجامعة ستة وهي نفس مسألة الأول ثم قال: وإن لم تنقسم سهامه على مسألته فانظر بين سهامه ومسألته بالتوافق والتباين فقط، فإن توافقا فاضرب وفق مسألته في جميع مسألة الأول تحصل الجامعة، وإن تباينا فاضرب مسألته في مسألة الأول تحصل الجامعة، ثم جزء السهم لمسألة ما ضرب فيها وهو نفس مسألة الثاني في المباينة ووفقها في الموافقة. وجزء سهم مسألة الثاني نصيبه من مسألة الأول في المباينة ووفقه في الموافقة وكل من له سهام في المسألتين يأخذها مضروبة في جزء سهمها، مثال ذلك: أن تترك زوجًا وأبوين مات الزوج عن ستة بنين، فأصل الأولى ستة وسهام الميت الثاني منها ثلاثة، وأصل الثانية ستة وبين الثلاثة والستة توافق بالثلث فاضرب وفق مسألة الثاني اثنان في ستة مصحح الأولى يحصل اثنا عشر هو الجامعة فجزء سهم الأولى وفق مسألة الثاني اثنان وجزء سهم الثانية وفق نصيب الميت
الثاني وهو واحد. اهـ. خلاصة الكلام وبه انتهى خلاصة الكلام عن المناسخة ولم يبق إلا مشكلة الخنثى وسيزال عنها الإشكال عن قريب إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الخنثى
أي في بيان ما يتعلق بأحكام الخنثى بأنواعه وفيما يتعلق بصفتيه من الأنوثة والذكورة،
стр. 1231
والخنثى مأخوذ من الانخناث وهو التثني والتكسر أو من قولهم: خنث الطعام: إذا اشتبه أمره فلم يخلص طعمه، وهو آدمي له آلتا الرجل والمرأة أو له ثقبة لا تشبه واحدة منهما، والمشكل مأخوذ من شكل الأمر شكولاً وأشكل: التبس، والخنثى ما دام مشكلاً لا يكون أبًا ولا أمًا ولا جدًا ولا جدة ولا زوجًا ولا زوجة، وهو منحصر في أربع جهات: البنوة والأخوة والعمومة والولاء. والكلام فيه في المقامين: أحدهما فيما يتضح به وما لا يتضح ومحله كتب الفقه اهـ. شنشوري.
قال رحمه الله تعالى: (يعتبر الخنثى بمباله فمن أيهما كان ثبت حكمه فإن بال منهما فالأكثر فإن استويا فالأسبق فإن استويا فالبلوغ من حيض أو احتلام ونبات اللحية أو الثدي فإن تساوت أحواله فمشكل)، يعني كما قال الدردير: ولو قامت به علامات الإناث أو الرجال اتضحت الحال وزال الإشكال، كما لو بال من فرجه دون ذكره أو كان بوله من الفرج أكثر خروجًا من الذكر وليس المراد أكثر كيلاً أو وزنًا، فإذا بال مرتين من الفرج ومرة من الذكر دل على أنه أنثى، ولو كان الذي نزل من الذكر أكثر كيلاً أو وزنًا أو كان بوله من الفرج أسبق حيث كان يبول منهما فإنه يدل على أنه أنثى، فإن اندفع منهما معًا اعتبر الأكثر، أو نبت له ثدي كثدي النساء لا كثدي رجل بدين فإن نبتا معًا أو لم ينبتا فباق على إشكاله، أو حصل حيض ولو مرة أو مني من الفرج إلى آخر ما تقدم اهـ. قال الخرشي: وحقيقة الخنثى سواء كان مشكلاً أم لا: من له آلة المرأة وآلة الرجل، وقيل: يوجد منه نوع ليس له واحدة منهما، وله مكان يبول منه ولا يتصور أن يكون أبًا ولا أمًا ولا جدًا ولا جدة ولا زوجًا ولا زوجة؛ لأنه لا يجوز مناكحته ما دام مشكلاً، وهو منحصر في سبعة أصناف: الأولاد وأولادهم والإخوة وأولادهم والأعمام وأولادهم والموالي اهـ. انظر الحطاب.
ثم لما عرف حقيقة الخنثى أراد أن يبين مقدار ميراثه فقال: (له نصف
стр. 1232
نصيبي ذكر وأنثى)، قال الخرشي: يعني أنه يأخذ نصف نصيبه حال فرضه ذكرًا وحال فرضه أنثى لا أنه يعطى نصف نصيب الذكر المحقق الذكورية المقابل له ونصف
نصيب الأنثى المحققة الأنوثة المقابلة له، فإذا كان له على تقدير كونه ذكرًا سهمان وعلى كونه أنثى سهم فإنه يعطى نصف نصيب الذكر وهو سهم ونصيب الأنثى وهو نصف سهم فمجموع ذلك سهم ونصف سهم، وهذا إذا كان إرثه بالجهتين مختلفًا؛ لأن له أربع أحوال: حال يرث على أنه ذكر ويرث على أنه أنثى إلا أن ميراثه بالذكورة أكثر وحال يرث على أنه ذكر فقط وحال عكسه وحال مساواة إرثه ذكورة وأنوثة. فالأول: كما إذا كان ابنًا وابن ابن. والثاني: كما إذا كان عمًا أو ابن عم. والثالث: إذا كان في مسائل العول كالأكدرية فإنه لا يعال فيها إذا كان ذكرًا ولا يرث كما مر. والرابع: كما إذا كان أخًا لأم، والحكم في الثاني والثالث إعطاؤه نصف نصيب الوجه الذي يرث به ذكرًا كان أو أنثى، وأما الرابع فيعطى فرضه كاملاً لاستواء الحالتين. اهـ. وفي ذلك قال خليل: تصحح المسألة على التقديرات ثم تضرب الوفق أو الكل ثم في حالتي الخنثى تأخذ من كل نصيب من الاثنين النصف وأربعة الربع فما اجتمع فنصيب كل كذكر وخنثى فالتذكير من اثنين والتأنيث من ثلاثة تضرب الاثنين فيها ثم في حالتي الخنثى له في الذكورة ستة وفي الأنوثة أربعة فنصفها خمسة وكذلك غيره. قال شارحه: أي ممن معه من الورثة، فللذكر في الذكورة ستة وفي الأنوثة ثمانية ومجموعهما أربعة عشر فله نصفها سبعة ومجموعها مع الخمسة اثنا عشر اهـ. أفاده صاحب الإكليل.
قال رحمه الله تعالى: (كخنثى وعاصب مسألة أنوثته من اثنين وذكوريته واحد داخل فاضرب اثنين في حالتيه تكن أربعة ففريضة تذكيره أي فاضرب فريضة تذكيره في تأنيثه باثنين وعكسها بواحد وذلك ثلاثة فهي له وللعاصب واحد)، يعني كما الميارة على العاصمية، قال: فإذا ترك الميت ابنًا وخنثى مشكلاً
стр. 1233
فتعمل الفريضة على أنه ذكر فتكون من اثنين وعلى أنه أنثى من ثلاثة ثم تضرب الاثنين في الثلاثة بستة ثم تضرب الستة في حالتي الخنثى وهما حالتا الذكورة والأنوثة باثني عشر هي الجامعة اقسمها على الفريضة الأولى يخرج جزء سهمها ستة وعلى الثانية يخرج أربعة ثم تضرب للأولى واحدًا في ستة بها وواحدًا في أربعة بها المجموع عشرة اقسمها على حالتي الخنثى يخرج له خمسة، هذا إذا كان يرث على أنه ذكر وعلى أنه أنثى، وإرثه على أنه أنثى على نصف إرثه إن كان ذكرًا كما إذا كان ابنًا، وأما إن كان إنما يرث على أنه ذكر فقط كابن الأخ فإنما له نصف نصيب الذكر، أو على أنه أنثى فقط كالأخت في الأكدرية فإنما له نصف أنثى، أو على أنه يرث على الذكورة والأنوثة سواء كالأخ للأم فله نصيب كاملاً والله أعلم اهـ. وأما لو كانا خنثيين وعاصبًا فتتضاعف الأحوال في المسألة. قال خليل: وكخنثيين وعاصب فأربع
أحوال تنهي لأربعة وعشرين لكل أحد عشر وللعاصب اثنان. قال الخرشي: يعني لو ترك الميت خنثيين وعاصبًا فإن العمل في ذلك لا بد فيه من أربع أحوال: تعمل فريضة التذكير من اثنين ولا شيء للعاصب، وفريضة التأنيث من ثلاثة: للعاصب سهم ولهما سهمان ثم تذكير أحدهما فقط من ثلاثة أيضًا ثم تذكير الأنثى وتأنيث الذكر من ثلاثة أيضًا فثلاث فرائض متماثلة تكتفي بواحدة منها وتضربها في حالتي التذكير وهي اثنان بستة ثم تضربها في الأحوال الأربع بأربعة وعشرين، فعلى تقدير تذكيرهما لكل واحد منهما اثنا عشر، وعلى تقدير تأنيثهما يكون لكل واحد منهما ثمانية وللعاصب ثمانية، وعلى تذكير واحد فقط يكون للذكر ستة عشر وللأنثى ثمانية وكذلك العكس ثم تجمع ما بيد كل واحد وتعطيه ربعه؛ لأن نسبة واحد هو إلى الأربع أحوال ربع، وقد علمت أن مجموع ما بيد كل خنثى أربعة وأربعون؛ لأنه في التذكير اثنا عشر وفي التأنيث ثمانية أيضًا في كونه أنثى والآخر ذكرًا وفي العكس ستة عشر وبيد العاصب ثمانية فيعطى لكل خنثى أحد عشر وللعاصب اثنين. اهـ.
стр. 1234
قال رحمه الله تعالى: (وتتضاعف الأحوال بتعدده فللاثنتين أربعة وللثلاثة ستة وللأربعة ثمانية وعلى هذا)، يعني أن للخنثى إحدى حالتين: حال الذكورة وحال الأنوثة، وإذا كان في المسألة خنثيان تكون حالهما أربعًا كما مر آنفًا، وإذا كانوا ثلاثة خناثى تكون الأحوال ستًا، وإذا كانوا أربعة تكون الأحوال ثماني، ومهما زاد عدد الخناثى تضاعفت الأحوال كما للمصنف. وفي الخرشي: فإن كان في فريضة خنثى واحد فله حالتان، وإن كان اثنان فلهما أربع أحوال؛ لأنهما يقدران في حالة ذكرين وفي أخرى أنثيين وفي أخرى يقدر أحدهما ذكرًا والآخر أنثى وبالعكس. وهكذا فمهما زاد عدد الخناثى فإنك تضعف عدد الأحوال اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: (والمذهب أن ما أبقت الفروض فالأولى به عصبة فإن لم يكن فالموالي فإن لم يكن فبيت المال فإن عدم فللفقراء والمساكين)، يعني كما في الحطاب نقلاً عن المصنف في العمدة ونصها: المذهب أن ما أبقت الفروض يكون عند عدم العصبة لبيت المال وأنه وارث من لا وارث له. قال الدردير: وإن لم يكن عدلاً فيأخذ جميع المال أو ما أبقت الفروض. فإن لم يكن فللمسلمين، ولا يرد على ذوي السهام، ولا يرثه ذوو الأرحام هذا هو المشهور. وقيل: بل يرث بالرد والرحم واعتمده المتأخرون، فإن لم يكن فعلى ذوي الأرحام. اهـ. الدردير بتوضيح. وذكر الشيخ سليمان البحيري في شرح الإرشاد لهذا الكتاب نقلاً عن عيون المسائل أنه حكى اتفاق شيوخ المذهب بعد المائتين على توريث ذوي الأرحام والرد على ذوي السهام لعدم انتظام بيت المال. وقيل:
إن بيت المال إذا كان غير منتظم يتصدق بالمال عن المسلمين لا عن الميت، والقياس صرفه في مصارف بيت المال إن أمكن، فإن كان ذوو رحم الميت من جملة مصاريف بيت المال فهم أولى اهـ. فراجع الفرع بعد قول المصنف: وذو جهتي فرض إلخ، هناك شيء من هذا المعنى فافهم ذلك.
стр. 1235
تنبيه: سئل ابن رشد عمن مات في بلد وخلف فيه مالاً وفي بلد آخر مالاً وليس له وارث إلا جماعة المسلمين وليس أحد البلدين له وطنًا وأراد صاحب البلد الذي مات فيه أخذ المال الذي خلفه في البلد الثاني ومنعه صاحبه هل له ذلك أم لا؟ وكيف إن كان البلد الذي مات فيه وطنًا أو الذي لم يمت فيه؟ فأجاب بقوله: عامل البلد الذي فيه استيطان المتوفى أحق بقبض ميراثه، مات فيه أو في غيره كان ماله فيه أو فيما سواه من البلاد، ذكره في مسائل المواريث. اهـ. نقله الحطاب.
ثم قال رحمه الله تعالى: (لا بالرد والرحم وورث المتأخرون بهما)، أي بالرد وإعطاء ذوي الأرحام وهو مذهب الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وكذا عبد الله بن مسعود، وعليه أبو حنيفة وابن حنبل قالوا: يرد ما بقي عن الفروض على ذوي السهام، فإن لم يكونوا فلذوي الأرحام، وعليه ذهب بعض المتأخرين من المالكية حتى حكى بعضهم الاتفاق عليه كما تقدم. وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: (فيزاد بالرد مثل ما نقص القول بحسب السهام إلا الزوجين فلا يرد عليهما)، يعني كما قال الدردير في أقرب المسالك: وعلى الرد فيرد على كل ذي سهم بقدر ما ورث إلا الزوج والزوجة فلا رد عليهما إجماعًا. قال العلامة الصاوي على الدردير: قوله: فيرد على كل ذي سهم أي فإن كان من يرد عليه شخصًا واحدًا كأم أو ولد أم فله المال فرضًا وردًا، وإن كان صنفًا واحدًا كأولاد أم أو جدات فأصل المسألة من عددهم كالعصبة، وإن كان صنفين جمعت فروضهم من أصل المسألة لتلك الفروض، فالمجتمع أصل المسألة الرد فاقطع النظر عن الباقي من أصل مسألة تلك الفروض فإنه لم يكن اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (وذوو الأرحام من عدا من ذكرناه من الورثة) يعني المراد بذوي الرحام: من لا يرث من الأقارب لا بالفرض ولا بالتعصيب، وعدهم في الجلاب خمسة عشر: الجد أبو الأم، والجدة أم أبي الأب، وولد الإخوة، والأخوات للأم،
стр. 1236
والخال وأولاده، والخالة وأولادها، والعم للأم وأولاده، والعمة وأولادها، وولد البنات وولد الأخوات من جميع الجهات كلها، وبنات العمومة. اهـ. أفاده الشبراخيتي. وقال بعض الأفاضل: ذوو الأرحام هم أصناف كثيرة ترجع بالاختصار إلى أربعة أصناف: الأول: من ينتمي إلى الميت وهم أولاد البنات
وأولاد بنات الابن وإن نزلوا. الثاني: من ينتمي إليهم الميت وهم الأجداد والجدات الساقطون وإن علوا. الثالث: من ينتمي إلى أبوي الميت وهم أولاد الأخوات وإن سفلوا ذكورًا كانوا أو إناثًا وبنات الإخوة ومن يدلي بهم وإن نزلوا. الرابع: من ينتمي إلى أجداد الميت وجداته وهم الأعمام من الأم والعمات مطلقًا والأخوال والخالات وإن تباعدوا وأولادهم وإن نزلوا. اهـ. قاله الشيخ محمد بن سالم التريمي في فقه المواريث.
قال رحمه الله تعالى: (وينزل كل منزلة من يدلي به فإن كان أحدهما يدلي بوارث فالمال له كابن بنت وابن بنت بنت وإن أدليا بغير وارث والجهة واحدة فهو للأقرب كابن خال وبنت ابن خال وإن اختلفت كابن عمه وابن خالة فالجمهور أنه كذلك وقيل بل ينزل كل حتى يلحق بالميت)، يعني كما في الصاوي على الدردير: واعلم أن في كيفية توريث ذوي الأرحام مذاهب أصحها مذهب أهل التنزيل، وحاصله أننا ننزلهم منزلة من أدلوا به للميت درجة فيقدم السابق للميت، فإن استووا فاجعل المسألة لمن أدلوا به. وهو أول وارث بالفرض أو التعصيب مما يلي ذوي الأرحام، وحينئذ يعطى نصيب كل وارث بفرض أو تعصيب لمن أدلى به، فإن أدلى بعاصب أخذه عصوبة، وإن أدلى بذي فرض أخذه فرضًا وردًا، وكيفية إرثهم أنه ينزل كل واحد منهم منزلة من أدلى به إلا الأخوال والخالات فينزلون منزلة الأم وإلا الأعمام للأم والعمات مطلقًا ينزلون منزلة الأب المدلى به؛ لأنه هو أول وارث بالفرض أو بالتعصيب مما يلي ذوي الأرحام، وحينئذ فمن كان أقرب إلى وارث من البقية قدم بإرث
стр. 1237
المال كله دون الباقين، وإن استووا في القرب إلى وارث قدر كأن الميت خلف من أدلوا به فيحب بعضهم بعضًا كالمدلى بهم ويستحق كل منهم قدر استحقاق من أدلى به، وقدر أيضًا كأن المدلى بهم ماتوا عن هؤلاء الأرحام فمن ورث منهم في المدلى به ورث هنا ومن لا فلا، وقدر استحقاقهم فهنا قدر استحقاقهم في المدلى بهم اهـ. قال العلامة الشيخ محمد سالم: ثم إن لنا بعد هذا التنزيل ثلاثة أنظار: الأول: أن ننظر في ذوي الأرحام هل سبق بعضهم إلى الوارث أو لا؟ فمن سبق منهم إلى وارث قدم مطلقًا سواء اتحد صنفه هو والباقون أو جهتهم أم لا. وسواء قربت جهته للميت أم بعدت. وذلك كما في بنت بنت بنت مع بنت بنت ابن ابن فالمال كله للثانية لسبقها إلى الوارث، فإن أمها وارثة بخلاف الأولى، فإن أمها غير وارثة، وإن كانت هي أقرب إلى الميت من الثانية. وكما في بنت أخ مع ابن ابن بنت فالمال كله لبنت الأخ لسبقها إلى الوارث ولا شيء معها لابن ابن البنت وهكذا. الثاني: أن ننظر حيث لا سبق
إلى الوارث بين الورثة المدلى بهم بمراتب الحجب، وقدر الاستحقاق بتقدير حياتهم. فمن أدلى من ذوي الأرحام بوارث ورث ومن أدلى بمحجوب حجب. وذلك كما لو مات عن عمة وابن أخ لأم فالمال كله للعمة؛ لأنها تنزل منزلة الأب. ولا شيء لابن الأخ لأم؛ لأنه ينزل منزلة الأخ لأم، إذ لا شيء للأخ للأم مع وجود الأب. وكما لو مات عن ابن بنت وابن أخت لأم فالمال كله لابن البنت، ولا شيء لابن الأخت لأم لأنه أدلى بمحجوب. وذلك لأن كلا من ابن البنت وابن الأخت لأم ينزل منزلة أمه. والبنت لكونها فرعًا وارثًا تحجب الإخوة لأم. الثالث: أنه إذا لم يحجب أحد الورثة الآخر ننظر بين ذوي الأرحام بمراتب الحجب وقدر الاستحقاق عصوبة وفرضًا، وذلك أنه قد ينزل من ذوي الأرحام منزلة الأب أو غيره من الورثة اثنان فأكثر، فتجعل حصة من نزلوا منزلته لهم بتقدير أن من نزلوا منزلته مات وترك حصته إرثًا لهم، فيقسم بينهم على حسب ما يأخذونه من
стр. 1238
تركة الوارث الذي نزلوا منزلته لو كان هو الميت عصوبة وفرضًا وحجبًا.
مثال ذلك: مات عن عمة شقيقة وعمة لأب وعمة لأم وخال شقيق وخال لأب. فالعمات ينزلن منزلة الأب والأخوال ينزلون منزلة الأم. فكأن الميت مات عن أب وأم. حصة الأم الثلث وحصة الأب الباقي وهو الثلثان ثم إن حصة الأب يقدر فيها كأن الأب مات عن أخت شقيقة وأخت لأب وأخت لأم فتقسم أخماسًا: لأن مسألة الرد في حقهم من خمسة: للشقيقة ثلاثة وللأخت لأب واحد وللأخت لأم واحد. وحصة الأم يقدر فيها كأن الأم ماتت عن أخ شقيق وأخ لأب فتعطى جميعها للأخ الشقيق ولا شيء للأخ لأب؛ لأنه محجوب بالشقيق. فأصل المسألة ثلاثة اثنان منها للعمات غير منقسمة على مسألة ردهن وهي الخمسة فنضرب مسألتهن وهي الخمسة في أصل المسألة يكون الخارج خمسة عشر ومنه تصح المسألة، للخال الشقيق من ذلك خمسة حصة الأم وللعمات عشرة حصة الأب منها للعمة الشقيقة ستة. وللعمة للأب اثنان وللعمة للأم اثنان اهـ. وأما قول المصنف: وإن اختلف إلخ فلا حاجة تدعو إلى تكرار بيان زائد عما قدمناه لك فتأمل. انظر بقية الأمثلة لمسألة الرد وذوي الأرحام في فقه المواريث للشيخ المذكور جزاه الله في الدارين خير جزاء.
ولنختم مسائل الرد بما نقله الصاوي عن الشنشوري على الرحبية أنه قال: واعلم أن مسائل الرد التي ليس فيها أحد الزوجين كلها مقتطعة من ستة، وأنها قد تحتاج لتصحيح، فإن كان هناك أحد الزوجين فخذ له فرضه من مخرج فرض الزوجية فقط وهو واحد من اثنين أو أربعة أو ثمانية واقسم الباقي على مسألة من
يرد عليه، فإن كان من يرد عليه شخصًا واحدًا وصنفًا فأصل مسألة الرد مخرج فرض الزوجية، وإن كان من يرد عليه أكثر من صنف فأعرض على مسألة الرد الباقي من مخرج فرض الزوجية، فإن انقسم فمخرج فرض الزوجية أصل المسألة الرد كزوجة وأم وولديها. وإن لم ينقسم ضربت مسألة من يرد عليه في مخرج فرض الزوجية؛ لأنه لا يكون إلا مباينًا فما بلغ فهو أصل مسألة
стр. 1239
الرد وقد تحتاج مسألة الرد التي فيها أحد الزوجين لتصحيح أيضًا، إذا تقرر ذلك فأصول مسائل الرد كان فيها أحد الزوجين أم لا ثمانية أصول: اثنان كجدة وأخ لأم. وكزوج وأم. وثلاثة كأن وولديها. واربعة كأم وبنت وكزوجة وأم وولديها. وأربعة كأم وبنت وكزوجة وأم وولديها. وخمسة كأم وشقيقة. وثمانية كزوجة وبنت. وستة عشر كزوجة وشقيقة وأخت لأب. واثنان وثلاثون كزوجة وبنت وبنت ابن. وأربعون كزوجة وبنت وبنت ابن وجدة اهـ.
تنبيه: إذا وجد زوج أو زوجة مع ذي الرحم أخذ فرضه تامًا، فلا يحجب الزوج من النصف إلى الربع ولا الزوجة من الربع إلى الثمن بأحد من الفروع الوارثين بالرحم، ولا يدخل على أحد منهم ضرر العول بازدحام الفروض. وما بقي بعد فرض أحد الزوجين فلذوي الأرحام يقسم عليهم كما يقسم الجميع لو انفردوا كأن لم يكن أحد الزوجين اهـ. قاله العلامة الشيخ أبو بكر بن شهاب الدين في فتوحات الباعث شرح تقرير المباحث.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بمسائل الخنثى وأحكام الرد وذوي الأرحام وغير ذلك انتقل يتكلم على ما إذا اجتمع إقرار وإنكار في الميراث وما يتعلق بتصحيح المسائل في جميع ذلك فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الميراث
أي في بيان ما يتعلق بمسائل الإقرار والإنكار في الميراث، وتقدم بعض مسائل الإقرار من هذا الكتاب، والآن نتكلم عن اجتماع الإقرار والإنكار في الميراث وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: (إذا اجتمع مسألتا ميراث: وإقرار وإنكار صححتهما)، يعني إذا اجتمع إقرار وإنكار في الميراث فإنه ينظر في فريضة الإنكار والإقرار معًا. قال الدردير: إن أقر أحد الورثة فقط بوارث فللمقر له ما نقصه الإقرار، تعمل فريضة الإنكار ثم فريضة الإقرار ثم انظر ما بينهما من تداخل وتباين وتوافق وتماثل وإليه
стр. 1240
أشار رحمه الله تعالى بقوله: (فإن توافقتا ضربت الوفق في الآخر كالبنتين وابن أقر بآخر)، يعني أي إذا توافقتا فإنك تضرب الوفق في الآخر، وذلك كما إذا مات شخص وترك ابنًا وبنتين أقر الابن بابن آخر وكذبته الابنتان ففريضة الإنكار من أربعة وفريضة الإقرار من ستة وبينهما توافق بالأنصاف
فتضرب اثنين في ستة أو ثلاثة في أربعة يحصل اثنا عشر فاقسمها على مسألة الإنكار يحصل للابن ستة ولكل بنت ثلاثة، وعلى مسألة الإقرار يخص المقر أربعة ولكل بنت سهمان فقد نقص المقر من حصته اثنان يدفعهما للمقر به، هذا حكم التوافق في المسألة.
قال رحمه الله تعالى: (وإن تباينتا فإحداهما في الأخرى كشقيقتين وعاصب أقرت واحدة بأخ)، يعني أنه إذا تباينت مسألتا الإنكار والإقرار فاضرب إحداهما في الأخرى، وذلك كشقيقتين وعاصب أقرت واحدة من الأختين بأخ شقيق وأكذبها الباقون من الورثة، فمسألة الإنكار من ثلاثة ومسألة الإقرار من أربعة وبينهما تباين فتضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر ثم تقسمها على الإنكار لكل أخت أربعة وللعاصب أربعة، وعلى الإقرار لكل أخت ثلاثة وللأخ ستة فقد نقص من حصة المقرة سهم تدفعه للمقر به، هذا حكم التباين.
قال رحمه الله تعالى: (وإن تداخلتا فمن أكثرهما كشقيقتين وعاصب أقرت واحدة بثالثة)، يعني أنه إذا تداخلت مسألتا الإنكار والإقرار فإنك تكتفي بأكثرهما وذلك كشقيقتين وعاصب أقرت واحدة من الأختين بأخت شقيقة وكذبها الباقون من الورثة ففريضة الإنكار من ثلاثة وفريضة الإقرار تصح من تسعة لإنكار السهمين على الأخوات الثلاث فتضرب عدد الرؤوس المنكسر عليها سهامها في أصل المسألة وهو ثلاثة يخرج تسعة، فالثلاثة داخلة في التسعة فتقسم التسعة على الورثة باعتبار فريضة الإنكار لكل أخت ثلاثة وللعاصب ثلاثة ثم تقسمها على الورثة باعتبار فريضة الإقرار فلكل
стр. 1241
أخت سهمان وللعاصب ثلاثة فقد نقصت المقرة سهمًا فتدفعه للمقر لها، هذا حكم التداخل في المسألة.
قال رحمه الله تعالى: (وفي تماثلهما من أحدهما كأم وأخت لأب وعاصب أقرت بشقيقة)، يعني أن مسألتي الإنكار والإقرار إذا تماثلتا فهي من أحدهما كما قال ﵀ ومثل ذلك بقوله: كأم وأخت لأب وعاصب أقرت بشقيقة، فالمعنى إذا أقرت أخت بأخت أخرى شقيقة للميت وأنكرتها الأم ففريضة الإنكار من ستة: للأم اثنان وللأخت ثلاثة وللعاصب الباقي وهو واحد، وكذلك فريضة الإقرار من ستة أيضًا. للشقيقة النصف وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين وللأم السدس واحد وللعاصب ما بقي وهو واحد فقد نقصت حصة الأخت للأب سهمين تدفعهما للشقيقة المقر بها. قال العلامة الصاوي: أي فقد صار للأم سهمان وللعاصب سهم وللأخت المقرة سهم وللمقر بها سهمان. فلو أقرت بالشقيقة الأم فقط دفعت لها سهمًا وبقي لها سهم، ولا يلتفت للعاصب في الإقرار ولا في الإنكار لاستواء
نصيبه فيهما. وإلى جميع ما تقدم أشار رحمه الله تعالى بقوله: (فمن له شيء من الإقرار يأخذه مضروبًا في مسألة الإنكار أو وفقها وبالعكس)، يعني إذا ضربت كل مسألة من هذه المسائل المتقدمة وحصل ما حصل من المضروبات فإن كل وارث يأخذ ما حصل له من النصيب مضروبًا في مسألة الإنكار أو الإقرار أو في وفق مسألة من أحدهما وهو معنى قوله: وبالعكس فتأمل اهـ. أفاد جميع ذلك الدردير بتوضيح من الصاوي وغيره. وأما عبارة ابن جزي لهذه المسائل على ما ذكره في الفصل الثاني في مسائل الإقرار والإنكار قال: إذا أقر وارث بوارث حيث لا يثبت النسب فإنما يأخذ المقر به ما يوجب الإقرار من نقص للمقر، فإن لم يوجب له نقصًا لم يأخذ شيئًا كزوجة أقرت بأم، وإن أقر بمن يحجبه أعطاه جميع نصيبه كابن ابن أقر بابن، وإن أقر بمن ينقصه أعطاه فضل ما يحصل له في الإنكار على ما يحصل له في الإقرار. والعمل في ذلك
стр. 1242
أن تصحح فريضة الإنكار ثم فريضة الإقرار وتنظر بين عدديهما حتى يصحا معًا من عدد واحد فإن كانتا متماثلتين كفت إحداهما وأعطيت المقر به فضل ما بيد المقر في الإنكار وإن كانتا متداخلتين كفت الكبرى فقسمتها على الصغرى ثم ضربت ما بيد كل وارث من الصغرى في الخارج من القسمة. وإن كانتا متباينتين ضربت إحداهما في الأخرى ثم ضربت ما بيد كل وارث من هذه في عدد هذه وما بيد كل وارث من هذه في عدد هذه. وإن كانتا متوافقتين ضربت وفق أحدهما في جميع الأخرى ثم ضربت ما بيد كل وارث من هذه في وفق هذه وما بيد كل وارث من هذه في وفق هذه. مثال ذلك: زوج وابن أقر الابن ببنت ففريضة الإنكار من أربعة وكذلك الإقرار وبيد المقر في الإنكار ثلاثة وفي الإقرار اثنان فأعط المقر به واحدًا وهو فضل ما بيد المقر، فإن أقر الابن بابن كانتا متداخلتين، فمسألة الإنكار من أربعة والإقرار من ثمانية وبيد المقر في الإنكار ستة وفي الإقرار ثلاثة فأعط المقر به ثلاثة، فإن كان ثلاثة إخوة أقر أحدهم بأخ رابع كانتا متباينتين لأن الإنكار من ثلاثة والإقرار من أربعة فتضرب إحداهما في الأخرى باثني عشر يكون للمقر على الإنكار أربعة وعلى الإقرار ثلاثة فيأخذ المقر به واحدًا، ويتصور في هذا الباب أربع صور: الأولى: أن يتحد المقر والمقر به فالعمل على ما تقدم. الثانية: أن يتحد المقر به ويتعدد المقر فيأخذ المقر به من يد كل مقر ما نقصه الإقرار ويجمع له ذلك. الثالثة: أن يتحد المقر ويتعدد المقر به فيقسمون فضل ما بيد المقر على حسب محاصتهم. الرابعة: أن يتعدد المقر والمقر به فيأخذ كل مقر به ما بيد كل من أقر به اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: (فإن اجتمع ميراث ووصية صححت مسألة الوصية
وأخذت جزءها فإن انقسم الباقي تم العمل وإلا صححت الفريضة أيضًا فإن وافقت الباقي بعد الوصية ضربت الوفق في الأخرى وإلا إحداهما في الأخرى)، يعني أنه إذا اجتمع ميراث ووصية فلا بد من تصحيح مسألة الوصية، وكيفية ذلك كما في القوانين
стр. 1243
لابن جزي أنه قال: إذا أوصى بجزء معلوم كالثلث أو الربع أو العشر أو جزء من أحد عشر أو غير ذلك ففي العمل وجهان: أحدهما: أن تصحح الفريضة ثم تزيد عليها من العدد ما قبل الجزء الموصى به فإن أوصى بثلث زدت نصف الفريضة، وإن أوصى بربع زدت ثلثها، وإن أوصى بعشر زدت تسعها. الوجه الثاني: أن تنظر مقام الجزء الموصى به فتعطي للموصى له وصيته منه وتقسم الباقي على فريضة الورثة فإن انقسم صحت الفريضة والوصية من المقام وذلك في المماثلة والمداخلة، وإن لم تنقسم ضربت في المباينة عدد الفريضة في مقام الوصية وصحتا من المجموع وضربت في الموافقة راجع أحدهما في كل الآخر وصحتا في المجموع، مثال ذلك: ماتت امرأة وتركت زوجًا وثلاثة بنين وأوصت بالخمس فالفريضة من أربعة، فعلى الوجه الأول: تزيد عليها واحدًا وهو ربعها فتصحان من خمسة، وعلى الوجه الثاني: تأخذ مقام الخمس وهو خمسة فتعطي الموصى له واحدًا وتقسم الأربعة على الفريضة فتبقى كما كانت للتماثل، فلو أوصت بالثلث فعلى الوجه الأول يزيد عليها نصف الفريضة وهو اثنان فتصحان من ستة، وعلى الثاني تنظر مقام الثلث وهو ثلاثة فتعطي الموصى له واحدًا ويبقى اثنان لا تنقسم على الفريضة وتوافقها بالنصف فتضرب اثنين وهو راجع الفريضة في مقام الثلث وهو ثلاثة بستة ومنها تصحان ولولا الموافقة لضربت الفريضة كلها في مقام الثلث باثني عشر اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بمسائل الجمع بين الإنكار والإقرار في الميراث انتقل يتكلم على ما هو أهم وهو الكلام على قسمة التركة فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في التركة
أي في بيان ما يتعلق بقسمة التركة وكيفية العمل فيها ليأخذ كل وارث نصيبه بعد تخليص جميع الحقوق عنها. قال بعض الأفاضل: قسمة التركات هي الثمرة المقصودة من
стр. 1244
هذا الفن وما تقدم من تأصيل المسائل وتصحيحها إنما هو وسيلة لها.
قال رحمه الله تعالى: (وإذا أردت قسمة تركة معلومة القدر جعلتها أصل المسألة وصححت الفريضة)، يعني أنك إذا أردت أن تقسم التركة بعد علم قدرها فاجعلها أصل المسألة وصحح فريضتها بعد معرفة ما يلزم معرفته كالقيراط وغيره مما هو لازم في القسمة. قال بعضهم: اعلم أن كل شيء يقسم أربعة وعشرين
قسمًا فيسمى أحدها قيراطًا وكل قيراط يقسم أربعة وعشرين قسمًا فيسمى أحدها دانقًا وكل دانق يقسم أربعة وعشرين قسمًا فيسمى أحدها (١) حبة ولقسمة التركة بهذه القاعدة أن تعرف قيراط المسألة بأن تقسم مصحح المسألة على مخرج القيراط أربعة وعشرين فما خرج بالقسمة من صحيح أو صحيح وكسر فهو قيراط المسألة ثم حول كل نصيب من مصحح المسألة إلى القيراط أي طريقة شئت. ومنها أن تقسم نصيب الوارث من المصحح على قيراط المسألة يخرج نصيبه من مخرج القيراط قراريط، فإن بقي بعد القسمة باق فاضربه اهـ. وإلى ذلك أشار رحمه الله تعالى بقوله: (فإن تباينا ضربت سهام كل في التركة ثم قسمت على الفريضة كزوج وأم وأخوين لأم والتركة خمسة وعشرون تقسمها على ستة يخرج النصيب أربعة دنانير وثلاثة قراريط وحبة فهو نصيب الأم ولكل من الأخوين مثله وللزوج ثلاثة أمثاله)، يعني إذا كان في المسألة تباين ضربت سهام كل وارث في التركة يخرج نصيب كل وارث ثم قسمها على الفريضة كزوج أي ماتت امرأة وتركت زوجها وأمها وأخويها لأم والتركة خمسة وعشرون دينارًا مثلاً وإذا قسمتها على الستة وهي أصل المسألة يخرج للزوج النصف وهو اثنا عشر دينارًا وتسعة قراريط وثلاث حبات ويخرج للأخوين للأم لكل واحد منهما أربعة دنانير وثلاثة قراريط وواحد حبة وهو الثلث ويخرج للأم أربعة دنانير وثلاثة قراريط وواحد حبة وهو السدس، هذا معنى عبارة المصنف فتأمل.
стр. 1245
قال رحمه الله تعالى: (وإن توافقا والمسألة بحالها والتركة أربعة وعشرون ضربت سهم كل في وفق التركة وقسمت على وفق الفريضة)، يعني وإن توافقا والمسألة بحالها أي كما صورها المصنف بقوله: كزوج وأم وأخوين للأم وأصلها ستة كما تقدم فإنك تضرب سهم كل وارث في وفق التركة وتقسم على وفق الفريضة يخرج نصيبه من ذلك الوفق كما تقدم لكن التركة هنا أربعة وعشرون للموافقة، وبإسقاط واحد الدينار أسقطنا القراريط وما بعدها فتأمل.
قال رحمه الله تعالى: (فإن كانت عينًا وعرضًا كعشرة دنانير وثوب فأخذت الأم الثوب بحقها فاجعل العين مالاً ذهب سدسه فأضف عليه مثل خمسه فهو قيمته. وإن أردت معرفة ما له من الدينار فانظر نسبة سهامه من التركة وأعطه مثل تلك النسبة من الدينار والله أعلم)، يعني إن كان في التركة عين وعرض كالدنانير أو الدراهم أو الثياب وغيرها أو كانت العروض من العقارات أو الحيوانات فأخذ بعض الورثة شيئًا من ذلك في نصيبه وأردت أن تعرف ثمن تلك العروض بالنسبة لذلك في سهام الآخذ
فافعل كما أمرك المصنف بأن تجعل العين مالاً ذهب سدسه فأضف عليه مثل خمسه فهو قيمته اهـ باختصار. وإليه أشار خليل بقوله: وإن أخذ أحدهم عرضًا فأخذ بسهمه وأردت معرفة قيمته فاجعل المسألة سهام غير الآخذ ثم اجعل لسهامه من تلك النسبة. فإن زاد خمسة ليأخذ فزدها على العشرين ثم اقسم اهـ. قال الخرشي: قوله: وإن أخذ أحدهم، الضمير يرجع للزوج وللأم وللأخت المذكورين في المختصر، فإن أخذ أحدهم عرضًا من التركة في المسألة السابقة فأخذه عن جملة نصيبه من غير تعين لقيمته وأخذ باقيهم العين وأردت معرفة قيمة ذلك العرض والمراد بالقيمة ما يتراضى عليه الورثة لا ما يساويه للعرض في السوق فوجه العمل في ذلك أن تصحح الفريضة وتسقط منها سهام آخذ العرض وتجعل القسمة على الباقي، فإذا أخذ الزوج العرض فاقسم العشرين على سهام الأم
стр. 1246
والأخت وذلك خمسة يكن الخارج لكل سهم أربعة فاضرب للزوج أربعة في ثلاثة سهامه باثني عشر وذلك ثمن العرض فتكون جملة التركة اثنين وثلاثين وكذلك لو أخذته الأخت وإن أخذته الأم كان الباقي بعد إسقاط سهمهما ستة فاقسم العشرين عليها يخرج ثلاثة وثلث هي جزء السهم اضربها في سهمهما يخرج ستة وثلثان هي قيمة العرض فالتركة ستة وعشرون وثلثان اهـ باختصار. وفي القوانين: إذا ضم أحد الورثة في نصيبه عرضًا أو عقارًا وأخذ سائرهم العين، فإن كانت قيمته قدر حظه فلا إشكال، وإن كانت أزيد دفع لسائر الورثة ما زاد، وإن كانت أقل دفع له سائر الورثة ما نقص ثم يقسم سائر الورثة ما كان في التركة من عين ويضيفون إلى ذلك ما زادهم أو ينقصون منه ما زادوه.
وحاصل ما ذكره في قسمة التركة: أنه إن كان المال مما يعد أو يكال أو يوزن فاقسم عدده على العدد الذي صحت منه الفريضة، وإن كان عروضًا أو عقارًا فيقوم وتقسم قيمته أو يباع ويقسم ثمنه على عدد الفريضة فما خرج ضربت فيه ما بيد كل وارث فذلك ما يحصل له من المال، وإن شئت سميت ما بيد كل وارث من أصل الفريضة فذلك الاسم نصيبه من المال. مثاله: زوج وأم وابن فالفريضة من اثني عشر والمال ستون، فإذا قسمته على أصل الفريضة خرج خمسة فتضربها فيما بيد كل وارث فيكون للأم عشرة وللزوج خمسة عشر وللابن خمسة وثلاثون. وإن سميت يكن للأم سدس المال وهو عشرة وللزوج ربعه وهو الخمسة عشر وللابن ثلاثة أسداس ونصف سدس وهو الخمسة والثلاثون اهـ. وأما عبارة الشنشوري على شرح الرحبية في قسمة التركات أنه قال: وهي مبنية على الأربعة أعداد المتناسبة التي هي أصل كبير في استخراج المجهولات وهي مذكورة في كتب الحساب، وذلك أن نسبة ما لكل وارث من تصحيح المسألة إلى تصحيح المسألة كنسبة ماله من التركة إلى التركة، إذا تقرر ذلك فتارة تكون التركة مما لا تمكن قسمته
стр. 1247
كالعقارات والحيوانات، فبقدر تلك النسبة
تكون حصته من ذلك الموروث ثم تارة يعبر المفتي عنها بالقراريط وتارة يعبر عنها بالكسور المشهورة فهو مخير، والأولى مراعاة عرف ذلك البلد، ولو جمع بينهما كأن يقول مثلاً: للأم السدس أربعة قراريط لكان أولى، وتارة تكون التركة مما تمكن قسمته كالنقد أو ما يقدر بالوزن أو الكيل أو العدد أو ثمن أو قيمة ما لا تمكن قسمته أو أريد قسمة ما تمكن قسمته أو ما لا تمكن بالقراريط فيقدر مخرج القراريط وهو أربعة وعشرون كتركة مقدارها أربعة وعشرون دينارًا مثلاً ففي هذه الصور كلها إن كانت التركة مماثلة للتصحيح فالأمر واضح لا يحتاج لعمل كزوجة وبنت وأبوين والتركة عبد مثلاً أو أربعة وعشرون دينارًا فتصح المسألة من أصلها أربعة وعشرين: للزوجة ثلاثة وللبنت اثنا عشر وللأم أربعة وللأب خمسة، ومخرج القيراط أو التركة مساو كل منهما للتصحيح، فللزوجة ثلاثة قراريط من العبد أو ثلاثة دنانير وللبنت اثنا عشر قيراطًا من العبد أو اثنا عشر دينارًا وللأم أربعة قراريط من العبد أو أربعة دنانير وللأب خمسة قراريط من العبد أو خمسة دنانير. وإن كانت التركة غير مساوية لمصحح المسألة ففي قسمة التركة خمسة أوجه بل أكثر. الأول: وهو المشهور أن تضرب نصيب كل وارث من التصحيح في التركة أو مخرج القيراط وتقسم الحاصل على التصحيح يخرج ما لذلك الوارث، ففي المباهلة وهي زوج وأم وأخت شقيقة أو لأب لو كانت التركة عقارًا أو أربعة وعشرين دينارًا، فأصل المسألة ستة وتعول لثمانية ومنها تصح كما تقدم فاضرب للزوج ثلاثة في أربعة وعشرين مخرج القيراط أو عدد الدنانير يحصل اثنان وسبعون فاقسمها على الثمانية يخرج تسعة فللزوج تسعة قراريط في العقار أو تسعة دنانير وللأخت كذلك واضرب للأم اثنين في الأربعة والعشرين واقسم الحاصل وهو ثمانية وأربعون على الثمانية يخرج لها ستة قراريط في العقار أو ستة دنانير. ومنها وهو أصل الأوجه وهو أعمها نفعًا أن تنسب كل حصة من المصحح إليه
стр. 1248
وتأخذ من التركة أو من مخرج القيراط بتلك النسبة ففي المثال المذكور انسب للزوج حصته وهي ثلاثة إلى الثمانية مصحح المسألة تكن ربعًا وثمنًا فله ربع الأربعة والعشرين وثمنها وذلك تسعة قراريط أو دنانير وإن شئت قلت: له ربع التركة وثمنها وللأخت كذلك. وانسب للأم اثنين إلى الثمانية تكن ربعًا فلها ربع الأربعة والعشرين ستة دنانير أو قراريط، وإن شئت قلت: لها ربع التركة اهـ. ومن أراد معرفة بقية الأوجه مع زيادة فعليه بشرح الترتيب للعلامة الشنشوري فقد أتى فيه بعجب العجائب من هذا الفن، والله أعلم.
ولما أنهى الكلام على ما تعلق بقسمة التركة ومسائلها انتقل يتكلم على المسائل الجامعة على ما يأتي ولما مر من الأمور والأحكام مما يجب أن يعتني به الإنسان من أمر دينه ودنياه وذلك في أمور شتى.
قال رحمه الله تعالى:
стр. 1249
كتاب جامع
أي هذا كتاب تجتمع فيه أشياء كثيرة وأمور شتى متنوعة ولا شك أن هذا الكتاب قد احتوى من العلوم النافعة ما لا ينحصر، وفي ما ينبغي أن يتمسك به من أمور الدين مما لا يوجد مجموعًا في غيره، فيجب على الإنسان امتثال الأوامر واجتناب النواهي؛ لأنه هو يعلم النافع على الحقيقة، بل هو عين التقوى والمقصود بتلك الترجمة، إنه يشتمل على علم وعمل ثم إن العلم المقصود منه العمل ثم إن العمل منه ما يتعلق بالألسنة وهي الأقوال وما يتعلق بالأبدان وبالقلوب وبالأموال وفي كل قسم مأمورات ومنهيات ومنها ما هو في خاصة الإنسان وفيما بينه وبين الناس وسيأتي جميع ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: (جماع الخير كله في تقوى الله واعتزال أشرار الناس)، وفي رواية: رأس الحكمة مخافة الله، فالمعنى أنه أخبر أن التقوى واعتزال أهل الشر نجاة وهو جماع الخير كله، وذلك معنى قول القائل:
خير الصنائع تقوى الله فاتقه ... يكفيك في الحشر ما تخشى من الندم
فالنار تحرق من يدنو بجانبها ... وإن (١) تباعد عنها فاز بالسلم
ولا شك أن هاتين الخصلتين كل واحدة منهما من المنجيات التي أمر الله تعالى بها في الآيات الكثيرة الصريحة مما لا تعد ولا تحصى والأحاديث الصحيحة. أشار أبو محمد ببعضها في الرسالة بقوله: وجماع آداب الخير وأزمته تتفرع عن أربعة أحاديث: قول النبي ﵊: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت))، وقوله ﵊: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وقوله ﵊ للذي اختصر له في الوصية: ((لا تغضب))، وقوله ﵊: ((المؤمن يحب
стр. 1250
لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه))، وهذه الأحاديث الأربعة جمعت جميع الأخلاق المحمودة كما ذكروا ذلك فتأمل.
قال رحمه الله تعالى: (ومن التقوى النظر في المكاسب وآداب النفس في تحصيل القوت من الحلال فمن كان ماله حرامًا لم تجز معاملته وأكل طعامه وقبول هديته وإن كان مشتبهًا كره والأولى التنزه)، يعني من تقوى الله تعالى أن ينظر المكلف في أمر المعيشة في المكاسب لطعامه وشرابه هو وعياله حتى يكون من الحلال؛ لأن الله أمر بأكل الطيب وهو الحلال لقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقوله: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، قال بعض المفسرين: نبه سبحانه بتقديم أكل الطيب على العمل الصالح، على أن العمل لا ينتفع به صاحبه إلا بعد إصلاح الرزق باكتسابه من باب الحلال، لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين))، وذكر الآيتين المتقدمتين، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له. وفي الترمذي: قال ﵊: ((لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به))، والسحت: الحرام. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ((لا يقبل الله صلاة من في بطنه حرام))، وعنه أيضًا: ((من أكل لقمة من حرام لم يقبل منه عمله أربعين صباحًا))، وفي أخرى: ((طلب الحلال واجب على كل مسلم))، ففي جميع ذلك حث على الاجتهاد في القوت وتحصيله من جهة تسكن إليها نفسه بحيث لا يعلم أن للغير فيه حقًا اهـ. قاله النفراوي عند قول صاحب الرسالة: وأمر بأكل الطيب وهو الحلال فلا يحل لك أن تأكل إلا طيبًا. فراجعه إن شئت. وأما قول المصنف: فمن كان ماله حرامًا لم تجز معاملته إلخ. وبيان ذلك كما قال في القوانين:
стр. 1251
مسألة في معاملة أصحاب الحرام، وينقسم حالهم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون الحرام قائمًا بعينه عند الغاصب أو السارق أو شبه ذلك، فلا يحل شراؤه منه ولا البيع به إن كان عينًا ولا أكله إن كان طعامًا ولا لبسه إن كان ثوبًا ولا قبول شيء من ذلك هبة ولا أخذه في دين، ومن فعل شيئًا من ذلك فهو كالغاصب. والقسم الثاني: أن يكون الحرام قد فات من يده ولزم ذمته فله ثلاث أحوال:
الأولى: أن يكون الغالب على ماله الحلال، فأجاز ابن القاسم معاملته وحرمها أصبغ.
الثانية: أن يكون الغالب على ماله الحرام فتمنع معاملته على وجه الكراهة عند ابن القاسم، والتحريم عند أصبغ.
والثالثة: أن يكون ماله كله حرامًا، فإن لم يكن له قط مال حلال حرمت معاملته، وإن كان له مال حلال إلا أنه اكتسب من الحرام ما أربى على ماله
واستغرق ذمته فاختلف في جواز معاملته بالجواز، والمنع والتفرقة بين معاملته بعوض فيجوز كالبيع وبين هبته ونحوها فلا يجوز. اهـ. قاله ابن جزي. وفي سراج الإخوان للعارف بالله عثمان بن فودى: فاعلموا يا إخواني أن الحلال هو ما جهل أصله، والحرام ما حقق أنه ملك للغير، والشبهة ما لم يتعين حله ولا حرمته. قال أحمد زروق في مفتاح السداد شرح إرشاد السالك: يعني هذا الكتاب الحلال ما انحلت منه التبعات من حقوق الله وحقوق عباده وهو ما جهل أصله على الصحيح، والشبهة ما لم يتعين حله ولا حرمته اهـ. وينبغي للمكلف أن يسلك سبيل السلف في الورع وهو على ثلاث درجات: ورع عن الحرام وهو واجب، وورع عن الشبهات وهو متأكد وإن لم يجب، وورع عن الحلال مخافة الوقوع في الحرام وهو فضيلة وهو ترك ما لا بأس به حذرًا مما به البأس، والأصل في ذلك قوله ﷺ : ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ
стр. 1252
لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه))، إلى آخر الحديث، ولذا قال المصنف: والأولى التنزه. اهـ. ابن جزي بتوضيح.
قال رحمه الله تعالى: (ويحرم استعمال أواني النقدين وعلى الرجال لباس الحرير والتحلي بالذهب ومن الفضة بغير الخاتم)، يعني أنه يحرم على المكلف استعمال أواني الذهب وأواني الفضة مطلقًا ما عدا خاتم الفضة قدر الدرهمين فأقل فيجوز مطلقًا سواء للرجال والنساء أو الصبيان إلا في الإحرام فيحرم للرجال فقط كما تقدم في باب الحج، وكذلك يحرم عليه لبس الحرير لما في الصحيحين عن حذيفة عنه ﵊ قال: ((لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) اهـ. فراجع كتاب الطهارة في الجزء الأول عند قول المصنف: ويحرم من النقدين، وقد جلبنا هناك نصوص المذهب في هذه المسألة بما فيه غنى مما لا حاجة لنا إلى إعادة البيان هنا.
قال رحمه الله تعالى: (ووليمة العرس مندوبة وإجابتها مستحبة ما لم يكن هناك منكر ويكره لأهل الفضل التسارع إلى الولائم)، يعني أنه يندب لمن تزوج أن يصنع الوليمة لقوله ﵊ لعبد الرحمن بن عوف: ((أولم ولو بشاة))، والوليمة مندوبة وإجابتها واجبة لمن عين ومستحبة لغير معين ولو لصائم ما لم يكن هناك منكر، وإذا كان فيها منكر أو أمر ممنوع شرعًا كإذاية الحاضر فلا يأتها لا وجوبًا ولا استحبابًا، ويكره لأهل الفضل التسارع إلى الولائم أي كثرة إتيانهم إليها. وفي القوانين:
المسألة الثالثة في الوليمة وهي مأمور بها ومحلها بعد البناء وتجب الإجابة على من دعي إليها، وقيل: تستحب وذلك إذا لم يكن فيها منكر ولا أذى كالزحام وشبهه وهو في الأكل بالخيار ويحضر الصائم فيدعو. قال خليل: وإن صائمًا، وفي الخرشي: يعني
стр. 1253
أن الإجابة إلى الوليمة واجبة على من عينه صاحب الوليمة بنفسه أو مندوبة سواء كان المدعو صائمًا أو غير صائم وسواء أكل المفطر أو لم يأكل، وشرط في وجوب الإجابة على من عين بألا يحضر من يتأذى بحضوره، وألا يكون هناك منكر كفرش حرير يجلس عليه أو يستند به، ومما يسقط الإجابة أن يكون قوم يأكلون وعلى رؤوسهم قوم ينظرون إليهم، ومن ذلك أن يخص بها الأغنياء. وفي الحديث: ((شر الطعام طعام وليمة يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله)). رواه الموطأ عن أبي هريرة ورواه البخاري ومسلم عنه مرفوعًا. ومما يسقط الإجابة إحضار التماثيل أي الصور التي لها ظلال قائمة فهي حرام شرعًا ولو كانت على الجدران، بخلاف الرقوم في الثوب فيكون خلاف الأولى أو المكروه، وبخلاف تصوير الأشجار فيجوز ومما يسقط الإجابة أن يكون هناك كلب لا يحل اقتناؤه بل يتأذى به الداخل فيجوز بذلك التخلف عن الإجابة. وأما اللعب الخفيف فلا بأس به، فلا يجوز التخلف عنها لأجله ولو لذي هيئة على الصحيح. أما غير الخفيف ففيه خلاف بين المنع والجواز والكراهة كآلة الملاهي. قال في القوانين: ويستحب الغناء فيها بما يجوز وضرب الدف وهو المدور من وجه واحد كالغربال. وفي المزهر: الجواز والمنع والكراهة وهو المدور من وجهين. وأجاز ابن كنانة البوقات والزمارات التي لا تلهي للشهرة، ويكره نثر السكر واللوز وغيرهما ليتخطفه من حضر الوليمة؛ لأنه من النهب المنهي عنه وأجازه أبو حنيفة اهـ. أما الدخيل وهو غير المدعو فلا يدخل إلا بإذن أو تبعًا لغيره.
ثم قال رحمه الله تعالى: (ومن آداب المطعم والمشرب أن يسمي الله في ابتدائه ويحمده في انتهائه ويأكل ويشرب بيمينه ومما يليه إلا أن يكون طعامًا مختلفًا أو في أهله ولا يقرن ولا ينفخ في طعامه وشرابه وليرق القذى ويزل الإناء للتنفس ويناول الأيمن فالأيمن)، يعني أنه قد اختلفت العبارات في هذا الباب لكن المعاني
стр. 1254
متقاربة والمقصود شيء واحد وإن تنوعت العبارة. قلت: والآداب جمع أدب وهو ما ينبغي أن يفعله الشخص في كل مشروع. والآن نحن نشرع في بيان آداب الأكل والشرب. قال أبو محمد في عبارته لهذا الباب: وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول: باسم الله وتتناول بيمينك فإذا فرغت فلتقل: الحمد لله، وحسن
أن تعلق يدك قبل مسحها. ومن آداب الأكل أن تجعل بطنك ثلثًا للطعام وثلثًا للشراب ولثلثًا للنفس، وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ الأخرى ولا تتنفس في الإناء عند شربك ولتبعد القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت، ولا تعب الماء عبًا ولتمصه مصًا وتلوك طعامك وتنعمه مضغًا قبل بلعه وتنظف فاك بعد طعامك، وإن غسلت يدك من الغمر واللبن فحسن، وتخلل ما تعلق بأسنانك من الطعام، ونهى الرسول عليه والصلاة والسلام عن الأكل والشرب بالشمال، وتناول إذا شربت من على يمينك، وينهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب وعن الشرب في آنية الذهب والفضة، ولا بأس بالشرب قائمًا، ولا ينبغي لمن أكل الكراث والثوم أو البصل نيئًا أن يدخل المسجد، ويكره أن يأكل متكئًا، ويكره الأكل من رأس الثريد، ونهى عن القران في التمر، وقيل: إن ذلك مع الأصحاب الشركاء فيه ولا بأس بذلك مع أهلك أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم، ولا بأس في التمر وشبهه أن تجول يدك في الإناء لتأكل ما تريد منه، وليس غسل اليد قبل الطعام من السنة إلا أن يكون بها أذى، وليغسل يده وفاه بعد الطعام من الغمر، وليمضمض فاه من اللبن، وكره غسل اليد بالطعام أو بشيء من القطاني وكذلك بالنخالة وقد اختلف في ذلك اهـ. وعبارة ابن جزي في هذا الباب أنه قال: وآدابهما عشرة.
الأول: تسمية الله عند الابتداء وحمده عند الفراغ.
الثاني: التقليل من الأكل فيجعل ثلثًا للطعام وثلثًا للشراب وثلثًا للنفس.
стр. 1255
الثالث: الأكل والشرب باليمين.
الرابع: الأكل مما يليه إلا أن يكون الطعام ألوانًا مختلفة، ورخص ابن رشد أن يأكل من غير ما يليه مع أهله وولده.
الخامس: ألا يأكل متكئًا.
السادس: ألا ينفخ في الطعام ولا في الشراب ولا يتنفس في الإناء.
السابع: أن يوافق من يأكل معه في تصغير اللقم وإطالة المضغ والتمهل في الأكل.
الثامن: أن يغسل يده وفمه من الدسم، وكره مالك تعمد غسل اليد للأكل.
التاسع: ألا يشرب من فم السقاء.
العاشر: ألا يقرن التمر، ويجوز الشرب قائمًا خلافًا لقوم، وإذا كان جماعة فأدير عليهم ماء يشربون فيأخذ بعد الأول الأيمن فالأيمن اهـ. وفي هذه العبارة زيادة البيان كما في عبارة الدردير في أقرب المسالك وهي قوله: سن لآكل وشارب
تسمية، وندب تناول باليمنى كحمد بعد الفراغ ولعق الأصابع مما تعلق بها وغسلها بكأشنان وتخليل ما بالأسنان مما تعلق وتنظيف الفم وتخفيف المعدة والأكل مما يليك إلا نحو فاكهة، وألا يأخذ لقمة إلا بعد بلع ما في فيه وبما عدا الخنصر، ونية حسنة كإقامة البنية، وتنعيم المضغ ومص الماء وإبانة القدح ثم عود مسميًا حامدًا ثلاثًا ومناولة من على اليمين إن كان وكره عبه والنفخ في الطعام والشراب كالكتاب والتنفس في الإناء والتناول باليسرى والاتكاء والافتراش ومن رأس الثريد وغسل اليد بالطعام كالنخالة والقران في كتمر والشره في كل شيء وقد يحرم اهـ. وهذه العبارات كلها متقاربة كما قدمنا ولنقتصر عليها عن جلب الشروح؛ لأن فيها كفاية في هذا الباب.
ثم قال رحمه الله تعالى: (والابتداء بالسلام سنة ورده آكد منه ولا بأس به على القواعد ويجزئ الواحد من الجماعة كالدر)، يعني أن الابتداء بالسلام سنة من سنن
стр. 1256
الإسلام والرد منه واجب أوكد من السنة، هذا في الرجال. وأما النساء فلا يسن السلام عليهن خشية الفتنة بالمكالمة بهن، وإن ابتدأن عليك بالسلام فهل يكره الرد أو يندب. الظاهر الندب إن لم يخف منهن الافتتان وإلا حرم عليك الرد، وإليه أشار بعضهم بقوله: أما النساء فيكره على الرجل أن يسلم عليهن. وفي الموطأ: سئل مالك: هل يسلم على المرأة؟ فقال: أما المتجالة فلا أكره، وأما الشابة فلا أحب ذلك. هذا معنى قول المصنف: ولا بأس به أي بالسلام على القواعد أي اللاتي قعدن عن الولادة والحيض والزوج لكبرهن.
قال الباجي في شرح الموطأ: ومعنى ذلك والله أعلم أن المتجالة: الهرمة لا فتنة في كلامها ولا يتسبب به إلى محظور، بخلاف الشابة فإن في مكالمتها فتنة ويتسبب به على المحظور، والسلام عليها يقتضي ردها وذلك من باب المكالمة، وأصل هذا أن السلام شعار الإسلام شرع إفشاؤه عند لقاء كل مسلم ممن عرفت وممن لم تعرف إلا أن يمنع منه ما يخاف من الفتنة والتعريض للفسوق كما منع من الرؤية بمثل ذلك وأمر بالحجاب اهـ. وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم وكذلك إذا رد واحد منهم. ويسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد، ولا يسلم على أهل الأهواء كالمعتزلة ولا على أهل اللهو حال تلبسهم به، ولا تبدأ أهل الذمة بالسلام وإذا بدؤوكم فرد عليهم بغير واو. وفي الموطأ عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السام، فقل: عليك))، وفي الحديث أيضًا: ((لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالكف))، ويكره تقبيل اليد في السلام إلا لمن ترجى بركته. وصفة السلام المشروع أن يقول: السلام عليكم
بالألف واللام، أو يقول: سلام عليكم بالتنكير، ويقول الراد: وعليكم السلام بالواو والمعرفة أو كما قيل له، ولا بد من الإتيان بميم الجمع ولو كان المسلم عليه واحدًا؛ لأن معه جمعًا من الملائكة. اهـ أبو الحسن بتوضيح. وفي القوانين: والابتداء به سنة على الكفاية ورده واجب على
стр. 1257
الكفاية، فلذلك يجزئ الواحد عن الجماعة في الابتداء والرد، ولا يزاد فيه على البركة، ويسلم الراكب على الماشي والصغير على الكبير والقليل على الكثير. فأما الداخل على شخص أو المار عليه فيسلم عليه مطلقًا. ولا يبتدئ اليهود ولا النصارى بالسلام، ومن سلم عليهم لم يحتج أن يستقبلهم خلافًا لابن عمر، وإذا بدؤوا رد عليهم: عليكم بغير واو، وقيل: وعليكم بإثباتها، ولا يسلم على المرأة الشابة بخلاف المتجالة، ولا يسلم على أهل البدع كالخوارج والقدرية وغيرهم، ولا على أهل اللهو حال تلبسهم به، ولا يسن السلام على المصلي، ويكره على من يقضي حاجته، ومن دخل منزله فليسلم على أهله، وإن دخل منزلاً ليس فيه أحد فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين اهـ. ومثله في الرسالة وانظرها إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: (وتشميت العاطس وليعلن بالحمد لله ويخمر وجهه)، يعني أن تشميت العاطس سنة واجبة على الخلاف كما يأتي عن قريب. والتشميت بالشين المعجمة وبالسين المهملة وهو مستحب وكذلك جوابه. وقيل: واجب على الكفاية فيجزئ واحد عن الجماعة، وقيل: على العين، فلا يجزئ أحد عن غيره، وينبغي للعاطس أن يقول: الحمد لله ولمن سمعه أن يشمته وهو أن يقول له: يرحمك الله فيجيبه العاطس بقوله: يغفر الله لنا ولكم أو يهديكم الله ويصلح بالكم، ولا يشمت من لم يحمد الله، وليرفع صوته بالحمد ليسمع فيشمت، ومن توالى عطاسه شمت إلى الثلاثة ولم يشمت فيها بعدها اهـ. قاله ابن جزي بتصريف.
قال رحمه الله تعالى: (ولا يهجر مسلم مسلمًا فوق ثلاث إلا لبدعة وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، يعني كما في القوانين وغيره: أنه لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، والسلام يخرجه عن الهجران، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، ويهجر أهل البدع والفسوق؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان اهـ. وفي الموطأ عن مالك
стр. 1258
بإسناده عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) اهـ. وردت الأحاديث بجواز هجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة، وأنه يجوز هجرانهم دائمًا، والنهي عن الهجران فوق ثلاث إنما هو لمن هجر أخاه لحظ نفسه ومعاش الدنيا، وأما أهل البدع
ونحوهم فهجرانهم دائم. وما زالت الصحابة والتابعون فمن بعدهم يهجرون من خالف السنة أو من أدخل عليهم من كلامه مفسدة اهـ. نقله الزرقاني في شرح الموطأ عن النووي.
ثم قال رحمه الله تعالى: (والاستئذان ثلاث فإن أذن له وإلا انصرف وليسم نفسه)، يعني كما في الحديث: ((الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع))، رواه مالك في الموطأ عن أبي موسى الأشعري. واعلم أنه لا يجوز لأحد أن يدخل على أحد بيته حتى يستأذن عليه. وصفة الاستئذان أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ يستأذن ثلاثًا ولا يزيد على ذلك إلا أن يغلب على ظنه عدم السماع، وإذا استأذن فقيل له: من هذا فليسم نفسه باسمه أو بما يعرف به من الكنية ولا يقول: أنا. وعبارة ابن جزي في القوانين: صفته أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ ثلاثًا، فإن أذن له وإلا انصرف. والاستئذان واجب، فلا يجوز لأحد أن يدخل على أحد بيته حتى يستأذن عليه أجنبيًا كان أو قريبًا، ويستأذن على أمه وعلى أخيه وعلى كل من لا يحل له النظر إلى عورتها، وإذا استأذن فقيل له: من أنت فليسم نفسه أو بما يعرف به ولا يقول: أنا اهـ. قد اتفق المعبرون على أن لفظ أنا مبهم لا يفاد منه شيء وذلك أن رسول الله ﷺ كرره ممن أجابه بأنا حين خرج وهو يقول: أنا أنا كأنه منكر له فافهم هذا. كثير من العوام يقولون: أنا بعد الاستئذان وهو غير مفيد في محل طلب الإفادة فتأمل. بتوضيح.
стр. 1259
ثم قال رحمه الله تعالى: (ولا ينظر في منزل قوم وهم لا يشعرون ولا يستمع حديثهم)، يعني أنه لا يجوز لشخص أن ينظر أي أن يطالع منزل قوم وهم في غفلة عنه ولا يشعرون به ولا يحل له أن يستمع كلامهم ولو لم ينقله إلى غيره، والأصل في هذه المسألة ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: ((لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)) اهـ. قال الشارح: قوله: ((لو أعلم أنك تنظر)) الخطاب فيه لرجل اطلع من حجر في دار النبي ﷺ قيل: هو الحكم بن أبي العاص بن أمية والد مروان. فسبب ذلك كما في الصحيحين: اطلع رجل في حجرة من حجر دار النبي ﷺ ومعه ﷺ مدرى وفي رواية بمشقص وفي أخرى: ومع النبي ﷺ مدرى يحك بها رأسه، والمدرى: حديدة يسرح بها الشعر وهي بكسر الميم بالقصر تؤنث وتذكر، ولذلك ورد في بعض روايات هذا الحديث: يحك به رأسه، على التذكير وفي بعضها: يحك بها، على التأنيث، قال: ((لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر))، قوله: ((إنما جعل ...)) إلخ، بضم الجيم وكسر العين أي إنما شرع الاستئذان
في الدخول من أجل البصر؛ لئلا يقع على عورة أهل البيت ويطلع على أحوالهم، واستنبط من قوله ﵊: ((لطعنت بها في عينك))، أن من خالف ونظر في دار المسلم بدون استئذان لو رماه ذلك المسلم بنحو حصاة فأصاب عينه فعمي أو سرت على نفسه فتلف فهدر. اهـ. بحذف واختصار نقله العلامة حبيب الله الشنقيطي في زاد المسلم. وقال ابن القيم في زاد المعاد: فصل في قضائه ﷺ فيمن اطلع في بيت رجل بغير إذنه فحذفه بحصاة أو عود ففقأ عينه فلا شيء عليه. ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح))، وفي لفظ فيهما: ((من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فلا دية له ولا
стр. 1260
قصاص))، وفيهما أن رجلاً اطلع في حجرة من حجر النبي ﷺ فقام إليه بمشقص وجعل يختله ليطعنه. فذهب إلى القول بهذه الحكومة وإلى التي قبلها فقهاء الحديث، منهم الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله، ولم يقل بها أبو حنيفة ومالك اهـ بحروفه.
والحاصل أنه لا يحل لشخص أن يطلع على أحد إلا بعد إذن وإنذار، ولا يجوز له أن يتعمد استماع كلام أحد لينقله إلى غيره، بل ولو لم ينقله إلى أحد؛ لأن ذلك بدون إذنه ربما يكون ذلك من باب النفاق أو النميمة أو السمعة وكلها من الكبائر.
ثم قال رحمه الله تعالى: (ولا يدخل الحمام إلا مستورًا ويكره للنساء إلا لضرورة)، يعني كما في الرسالة، ونصها: ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر، ولا تدخله المرأة إلا من علة. قال شارحها: والحمام معروف وهو مذكر باتفاق، ولا يجوز أن تدخله المرأة ولو بمئزر إلا من علة لقوله ﵊: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخلن حليلته الحمام))، وقال أيضًا ﵊: ((ستفتح عليكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتًا يقال لها: الحمامات، فلا يدخلها الرجال إلا بإزار وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء))، والظاهر من كلام المصنف صاحب الرسالة: جواز دخوله للرجل بالمئزر ولو لغير علة ولو مع وجود غيره، وأما بغير مئزر مع رؤية من يحرم عليه نظره فلا يجوز وجواز الدخول بالمئزر لا ينافي قول ابن القاسم: ترك دخوله أحسن لاحتمال الانكشاف، ولذا قال شيخه الإمام مالك، ﵁: والله ما دخوله بصواب، وما ورد من منع دخوله فمحمول على الدخول بغير مئزر مع وجود من لا يحل نظره إليه، ويجوز للمرأة دخوله عند العلة المحوجة إلى دخوله كحيض أو نفاس أو جناة أو مرض مع زوجها، وأما مع امرأة فعورتها معها كعورة الرجل مع الرجل حيث كانت مسلمة اتفاقًا، وأما مع الكافرة فقيل: إن المسلمة معها كالأجنبية
مع
стр. 1261
الرجل اتفاقًا. وقال القرطبي وابن عطية في تفسيرهما: إنه لا يحل للمسلمة كشف شيء من بدنها بين يدي الكافرة إلا أن تكون أمتها، ويتفرع على هذا جواز دخولها مع المرأة بشرط ستر ما لا يحل نظر تلك المرأة إليه. قال العلامة الأجهوري: واعلم أن دخوله له شروط جواز كغض البصر وستر العورة واستيفاء الحقوق بإعطاء الواجب وأخذ المعتاد وتغيير ما يقدر عليه من المنكر وألا يمكن الدلاك ولو مملوكه من ذلك عورته وهي ما فوق الركبة إلى جوفه، ولو من فوق حائل؛ لأن الجس أخص من النظر إلا أن تكون زوجته أو أمته. وله آداب: أن يدخله بالتدريج ويخرج منه كذلك، وصب الماء البارد على القدمين عند الخروج منه؛ لأنه أمان من النقرس (١)، وأن يتذكر عذاب جهنم وحالة الموت، ومن الآداب: الدخول مع الاعتدال من حيث الجوع والشبع، فإن دخوله من غير اعتدال فيه ضرر على الداخل لخروجه منه قبل عرقه فيه والإقامة فيه زيادة على الحاجة. اهـ. قاله النفراوي ومثله في القوانين؛ لأنه أتى بشروط عشرة على التفصيل فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: (ويحرم حضور مجالس اللهو وأهل المنكر ولينه عنه ويأمر بالمعروف)، يعني أنه لا يحل للمكلف أن يحضر مجالس اللهو وأهل المنكر والمعاصي، لما فيه من الاغتفال عن الله تعالى والميل إلى الهوى وهما ممنوعان شرعًا، وعليه منع المنكر إذا رآه وكان قادًا على ذلك، وأن يأمر بالمعروف إذا كان أهلاً لذلك بقدر الحال والإمكان، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه وهو أضعف الإيمان كما في الحديث. وقد عقد ابن جزي فصلاً في قوانينه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعرفه بقوله: وهو الاحتساب، وأركانه أربعة: المحتسب. والمحتسب فيه. والمحتسب عليه. والاحتساب. فأما المحتسب فله شروط: وهي أن يكون عاقلاً بالغًا مسلمًا قادرًا على
стр. 1262
الاحتساب عالمًا بما يحتسب فيه، وأن يأمن أن يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكبر منه مثل أن ينهى عن شرب خمر فيؤول نهيه إلى قتل نفس، وأن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعروف نافع، وفقد هذا الشرط الأخير يسقط الوجوب فيبقى الجواز والندب، وفقد ما قبله يسقط الجواز. واختلف هل يجوز للفاسق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم لا؟ وأما المحتسب عليه فكل إنسان سواء كان مكلفًا أو غير مكلف. وأما المحتسب فيه فله شروط: وهي أن يكون منكرًا لا شك فيه، فلا يحتسب فيما هو في محل الاجتهاد والخلاف، وأن يكون موجودًا في الحال، فلا يحتسب فيما مضى لكن يقيم فيه
الحدود أهل الأمر، ولا فيما يستقبل إلا بالوعظ، وأن يكون معلومًا بغير تجسس، فكل من ستر على نفسه وأغلق بابه لا يجوز أن يتجسس عليه. وأما الاحتساب فله مراتب: أعلاها التغيير باليد، فإن لم يقدر على ذلك انتقل إلى اللسان، فإن لم يقدر على ذلك أو خاف عاقبته انتقل إلى الثالثة وهي التغيير بالقلب، ولتغيير اللسان مراتب: وهي النهي والوعظ برفق وذلك أولى ثم التعنيف ثم التشديد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (ويلزم نفسه ترك الغيبة والنميمة)، يعني وجب على الشخص المكلف إلزام نفسه عن ترك الغيبة والنميمة؛ لأنهما خصلتان محرمتان إجماعًا، وحقيقة الغيبة هي ذكرك أخاك في غيبته بما يكره، إن كان فيه ما ذكرت فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما ذكرته فقد بهته كما في الحديث. قال العلامة عبد اللطيف المرداس في عمدة البيان: وقوله: أي مما يحرم على المكلف الغيبة وهي أن يذكر في الإنسان ما يكره أن لو سمعه إن كان ما يكره موجودًا فيه فإن لم يكن موجودًا فهو البهتان إلى أن قال: والدليل على ذلك قوله ﷺ : ((هل تدرون ما الغيبة؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذكرك أخاك بما يكره، فإن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه
стр. 1263
ما تقول فقد بهته)). وقوله: والنميمة أي مما يحرم عليه أيضًا النميمة وهي أن يقول: قال فلان فيك كذا وكذا فتحصل بذلك العداوة والفتنة بين المنقول عنه والمنقول إليه. وبالجملة فالغيبة والنميمة خصلتان ذميمتان يقع بهما البغض والفتنة وهما من الكبائر، ويصدق ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ [الحجرات: ١٢] الآية، فشبه المغتاب بآكل لحم أخيه وهو مما تكرهه النفوس أشد الكراهة. قال ﷺ : ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله))، وقوله ﷺ : ((لا يدخل الجنة قاطع))، فقيل: ما القاطع؟ فقال: ((هو القاطع بين الناس بالنميمة))، ويجب على من نقلت إليه النميمة أن يكذب الناقل وينهاه عن ذلك المنكر المنهي عنه شرعًا، وألا يظن بأخيه الغائب سوءًا؛ لقوله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢] الآية اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: (ويستحب عند النوم إغلاق الباب وإطفاء المصباح (١) وإيكاء الإناء)، يعني أنه يستحب لمن أراد النوم إغلاق الأبواب وإطفاء المصابيح وإيكاء الإناء من السقاء وتغطية المواعين؛ لئلا يحصل شيء مما يكره وهو نائم، وكل ذلك من آداب النوم التي ينبغي أن يتحفظها قبل اضطجاعه للنوم،
كما يستحب له أن يتوضأ عند إرادة النوم؛ لقوله ﵊: ((إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة))، ومنها ما أشار إليه رحمه الله تعالى بقوله: (فإذا أخذ مضطجعه اضطجع على شقه الأيمن ويقول: اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت)، وفي رواية: فاغفر لي ما دمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت ربي قني عذابك يوم تبعث عبادك، زاده في الرسالة.
стр. 1264
قال رحمه الله تعالى: (ثم يسبح الله عشرًا ويحمده عشرًا ويكبره عشرًا)، وحاصل ما في قرة العيون أنه قال: ومنها أي من آداب النوم أن ينام على شقه الأيمن كما مر، ويضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن وكفه اليسرى على فخذه الأيسر كما كان النبي ﷺ يفعل. ومنها أن يذكر الله تعالى عند النوم حين يأخذ مضجعه، فقد كان النبي ﷺ يقول عند النوم: (اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين))، وورد أن من ذكر الله تعالى عند نومه لم يجد الشيطان إليه سبيلاً، ومن لم يذكر الله بات الشيطان يلعب به كيف شاء. وعن علي كرم الله وجهه: من قرأ كل ليلة عند النوم: ﴿وإلهاكم إله واحد﴾ إلى قوله: ﴿يعقلون﴾ [البقرة: ١٦٣] لم يتفلت القرآن من صدره. ومنها أن من صلى على رسول الله ﷺ عند النوم عشر مرات بات في حفظ الله وحرزه. ومنها أن يتوب إلى الله؛ لأن الإنسان إذا تهيأ للنوم فكأنما تهيأ للموت. وفي التوراة: يا ابن آدم كما تنام تموت وكما تستيقظ تبعث. وفي الصحيحين عن حذيفة كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام قال: ((باسمك اللهم أموت وأحيا))، وإذا استيقظ من منامه قال: ((الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)). وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: (فإذا استيقظ قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور). وزاد في رواية: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، يا قوي من للضعيف سواك، يا قدير من للعاجز سواك، يا عزيز من للذليل سواك، يا غني من للفقير سواك، اللهم أغننا بك عمن سواك اهـ. ومما يقوله ﵊ كلما أصبح وأمسى: ((اللهم بك نمسي وبك نحيا وبك نموت))، ويقول في
стр. 1265
الصباح: ((وإليك النشور))، وفي المساء: ((وإليك المصير))، وهذا الحديث خرجه أصحاب السنن بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: ((اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت))، وإذا أمسى
قال: ((اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير))، كما في النفراوي، وروى مع ذلك: اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظًا ونصيبًا في كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو ذنب تغفره أو شدة تدفعها أو فتنة تصرفها أو معافاة تمن بها برحمتك إنك على كل شيء قدير. اهـ. وقال العلامة الأقفهسي: إذن هذا المروي حديث، واعلم أن كل ما كان يفعله ﷺ ولم يثبت اختصاصه به ولم يكن فعله لمجرد بيان الجواز فيطلب منا فعله؛ لأنا مأمورون بالاقتداء به ﵊ بخلاف ما ثبت اختصاصه به كنكاحه أكثر من أربع فيحرم علينا الاقتداء فيه وبخلاف ما فعله لمجرد الجواز كالاقتصار في الوصوء على غسله في المغسولات مرة واحدة فيكره ذلك لغير العالم كما تقدم اهـ. نقله النفراوي بتوضيح.
ثم انتقل يتكلم على مسائل الرؤيا في المنام فقال رحمه الله تعالى: (فإن رأى في منامه ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ويتفل عن يساره ثلاثًا ويتحول على الشق الآخر)، يعني كما في حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: ((الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، ومن رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره ثلاثًا وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني في ديني ودنياي)) اهـ. هذا لفظ الموطأ كما في الرسالة. وفي زاد المعاد للعلامة محمد بن القيم الحنبلي قال: صح عنه ﷺ الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا يكره منها شيئًا فلينفث عن