← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

بها إلا لمن عرف معناها وإلا كانت من الكنايات الخفية، فلا نجد أحداً اليوم يطلق امرأته بخلية ولا برية. والحاصل أنه لا يحل للمفتي أن يفتي فيها بالطلاق حتى يعلم العرف في ذلك البلد اهـ. ومثله في الصاوي. ونقل عن القوافي أيضاً مثله. ونصه: لا يحل للمفتي أن يفتي في الطلاق بالحرام بما هو مسطور في الكتب عن مالك حتى يعلم أنه من أهل بلد ذلك العرف الذي يترتب عليه الفتيا، فإن كان بلداً آخر أفتاه باعتبار حال بلده، وقد غفل عن هذا كثير من الفقهاء فأفتوا بما للمتقدمين وقد زالت تلك العوائد فكانوا مخطئين خارقين للإجماع، فإن المفتي بالحكم المبني على مدرك بعد زوال مدركه خلاف الإجماع اهـ نقله المواق في شرحه للمختصر. وقد حرر ذلك العلامة الجزيري في الفقه بقوله: هذا ويشترط في وقوع الطلاق بهذه الألفاظ كلها أن يكون العرف جارياً على أن يطلق الناس بها. أما إذا كانوا لا يطلقون بهذه العبارات فإنها لا تكون كناية ظاهرة، بل تكون من الكنايات الخفية التي لا يقع بها إلا بالنية. ومثل هذه الألفاظ: حبلك على غاربك التي يقع بها الثلاث في المدخول بها وغيرها، فإنه إذا لم يكن عرف الناس جارياً على التطليق بها كما في زمننا فلا يقع بها طلاق إلا بالنية، فإذا نوى واحدة لزمته، وهكذا كما تقدم. وقد قال المحققون من المالكية: لا يحل للمفتي أن يفتي في الطلاق وغيره من الأحكام المبنية على العوائد والعرف كالمنافع في الإجارة والوصايا والنذور والأيمان إلا بعد أن يعلم عرف أهل البلد أو القبيلة في ذلك الأمر. وبهذا تعلم أن معظم الكنايات الظاهرة التي قال المالكية إنه يقع بها الثلاث في المدخول بها بدون نظر إلى نية هي من الكنايات الخفية في زمننا، لأنه لا يطلق بها أحد اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ومحتملة كاذهبي، واعزبي، وآخرجي، وانصرفي، واعتدي، وألحقي بأهلك، فيقبل ما أراده " إن هذه الجملة معطوفة على قوله ثم صريحة

стр. 667

وكنايته، يعني كما تقدم أن هذه من الكناية الخفية التي تقبل نيته فيما أراد بتلك الألفاظ. والحاصل أن حكم الكناية الخفية يتبع النية، فإن لم تكن له نية أصلاً أو نوى عدم الطلاق فإنه لا يلزمه بها شيء، وإن نوى الطلاق لزمه، فإن نوى واحدة لزمته واحدة، وإن نوى أكثر لزمه الأكثر كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: " ولو سألته الطلاق فأجابها بلفظ أو إشارة مفهمة لزمه ككتبه وإنفاذه " يعني لو سألته الطلاق فقال لها لك ما طلبت لزمه ما نوى، أو قال أنت طالق لزمه، أو أشار لها بإصبع أو أصابع أو بغيرها مما يفهم أنه أراد الطلاق لزمه ما أشار، أو كتب كتاباً وأرسل إليها فوصل لزمه ما كتب. قال الدردير في أقرب المسالك: ولزم بالإشارة المفهمة وبمجرد إرساله وكتابته عازماً، وإلا فبإخراجه عازماً، أو وصوله لا بكلام نفسي أو فعل إلا أن يكون عادتهم اهـ. ومثله في المختصر، قال الشارح من المدونة، قال مالك: من قال لرجل أخبر زوجتي بطلاقها أو أرسل إليها بذلك رسولاً وقع الطلاق حين قوله للرسول، بلغها الرسول أو لم يبلغها ذلك وكتمها. وإن كان ليشاور نفسه ثم بدا له فذلك له، ولا يلزمه طلاق. قال ابن القاسم: ولو أخرج الكتاب من يده عازماً وقد كتبه غبر عازم لزمه حين أخرجه من يده، وإن كان أخرجه غبر عازم فله رده ما لم يبلغها، فإن بلغها لزمه اهـ المواق. وعبارة صاحب العزية أنه قال: وأما ما يقوم مقام اللفظ فأنواع: منها الإشارة المفهمة وهي معتبرة من الأخرس في الطلاق قلت: روى الباجي: إشارة السليم بالطلاق برأسه أو بيده كلفظه لقوله تعالى: ﴿ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ ﴿آل عمران: ٤١﴾ كما في المواق. ثم قال: ومنها كتابة الطلاق من القادر على النطق، فإن كتب الكتاب بالطلاق وهو عازم على الطلاق وقع عليه ما كتبه، وإن كتبه غير عازم فله رده ما لم يبلغ المرأة فيلزمه، ولو عقد الطلاق بقلبه جازماً من غير تردد ففي وقوع الطلاق عليه بمجرد ذلك روايتان اهـ.

стр. 668

قال رحمه الله تعالى: " ويسري بإضافته إلى أبعاضها ويكمل مبعضه " يعني إذا طلق الزوج بعض زوجته كيدها أو شيء من جسدها متصل بها كشعر فإن الطلاق يسري إلى جميعها، أو أوقع بعض الطلاق كنصفه أو ثلثه فإنه يكمل عليه طلقة كاملة. قال الدردير في أقرب المسالك: ولزم واحدة في ربع طلقة أو ثلثي طلقة أو نصفي طلقة أو ثلث وربع طلقة أو ربع ونصف طلقة واثنتان (أي ولزم) اثنتان في ثلث طلقة وربع طلقة أو ربع طلقة ونصف طلقة، والطلاق كله إلا نصفه، وواحدة في اثنتين إن قصد الحساب وإلا فثلاث إلخ، فقد وضح الجزيري في ذلك بقوله: وإذا جزأ عدد الطلاق كما إذا قال لها أنت طالق نصف طلقة أو جزء طلقة لزمه طلاق كامل، ولو قال لها أنت طالق نصف طلقتين لزمته طلقة واحدة لأن نصف الطلقتين طلقة كاملة ومثله ذلك ما إذا قال لها أنت طالق نصفي طلقة فإنه يقع به واحدة لأن النصفين طلقة كاملة فإذا زادت الأجزاء عن طلقة لزمه طلقتنا أو أكثر بحسب زيادة الأجزاء فإذا قال لها أنت طالق نصف وثلثا طلقة لزمه طلقتنا لأن النصف والثلثين أكثر من الواحدة، ومثل ذلك ما إذا قال لها أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة لأن ثلاثة أنصاف طلقة تشتمل على طلقة ونصف فيقع بها اثنتان لأن الجزء يقع به واحدة كاملة، وكذا إذا قال لها أنت طالق أربعه أثلاث طلقة لأن أربعة أثلاث تشتمل على واحدة وثلث وهكذا اهـ. انظر باقي الأمثلة في الفقه على المذاهب. وقد تقدم لنا بعض هذه المسألة في الطلاق البدعي وهي من المحظورة لأنها يؤدب فاعلها. قال خليل: وأدب المجزئ كمطلق جزء وإن كيد اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والشك في عدده يلزم أكثره على المشهور " يعني كما في القوانين لابن جزي: وإن تيقن الطلاق وشك في العدد لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لأنها تحتمل ثلاثاً خلافاً لهما اهـ. قال خليل: وإن شك أطلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً لم تحل إلا بعد زوج، وصدق إن ذكر في العدة، ثم إن تزوجها وطلقها فكذلك إلا أن

стр. 669

يبت اهـ. قال المواق: نص المدونة: من لم يدر كم طلق أواحدة أم أثنتين أم ثلاثاً فهي ثلاث، فإن ذكر في العدة أنها أقل فله الرجعة، وإن ذكر ذلك بعد كان خاطباً من الخطاب ويصدق في ذلك، وإن بقي على شكه حتى تزوجها بعد زوج ثم طلقها واحدة أو أثنتين لم تحل له إلا بعد زوج، وكذلك بعد ثان وثالث مائة زوج، إلا أن يبت طلاقها وهي تحته في أي نكاح كان فتكون إن رجعت إليه على ملك مبتدأ اهـ. قال الصاوي: تنبيه إن شك أطلق زوجته طلقة طلقة واحدة أو أثنتين أو ثلاثاً لم تحل له إلا بعد زوج لاحتمال كونه ثلاثاً، ثم إن تزوجها بعد زوج وطلقها طلقة أو اثنتين فلا تحل له إلا بعد زوج لاحتمال أن يكون المشكوك فيه اثنتين وهذه ثالثة، ثم إن تزوجها بعد زوج وطلقها لا تحل له إلا بعد زوج لاحتمال أن يكون المشكوك فيه واحدة وهاتان اثنتان محققتان، ثم إن تزوجها بعد زوج وطلقها ثالثة لم تحل له إلا بعد زوج لاحتمال أن يكون المشكوك فيه ثلاثاً وقد تحقق بعدها ثلاث وهكذا لغير نهاية إلا أن يبت طلاقها كأن يقول أنت طالق ثلاثاً، أو إن لم يكن طلاقي عليك ثلاثاً فقد أوقعت عليك تكملة الثلاث فينقطع الدور وتحل له بعد زوج، وتسمى هذه المسألة الدولابية لدوران الشك فيها كما في خليل وشراحه اهـ. وإلى هذه المسألة أشار رحمه الله تعالى بقوله: " وكلما عادت إليه بعد زوج وطلقها واحدة لم تحل له إلا بمحلل إلا أن يرسل الثلاث دفعة " فتحصل أنها إذا كانت في عصمته وأبت طلاقها ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج فتحل له بعصمة جديدة كاملة، فتبين أنه كلما بت طلاقها، ولم يكن معه شك في وقوع الثلاث فإنها تحل له بعد زوج بعصمة جديدة، وثبت أن شروط الدور في هذه المسألة عدم زوال شكه وعدم بت طلاقها، فإذا زال شكه وأبت طلاقها لم يكن في المسألة إشكال ولا دوران. قال في جواهر الإكليل: إلا أن يبت الزوج الشاك طلاقها حقيقة بأن يطلقها ثلاثاً أو حكماً بأن يقول لها: إن لم تكوني مطلقة ثلاثاً طلقتك ما يكملها وهي في عصمته فينقطع الدوران وتحل له بعد زوج بعصمة كاملة اهـ. ومثله في حاشية الخرشي.

стр. 670

قال رحمه الله تعالى: " وقيل تحل بعد ثلاثة أنكحة " هذا مقابل المشهور فتأمل. ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يهدم الثاني ما دون الثلاث " يعني أن الزوج الثاني لا يهدم طلاق الزوج الأول ما لم يكن ثلاثاً. والمعنى لا يهدم طلقة ولا طلقتين. قال ابن جزي في القوانين: من طلق طلقة واحدة أو اثنتين فنكحها زوج غيره ودخل بها ثم نكحها الأول بني على ما كان من عدد الطلقات، فلو طلقها ثلاثاً ثم نكحها بعد زوج غيره استأنف عدد الطلقات كنكاح جديد، لأن الزوج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث، ويهدم الثلاث. وقال أبو حنيفة: يهدم مطلقاً اهـ. وحاصل فقه المسألة ـ كما هو مشهور المذهب - أن الزوج الثاني لا يهدم ما دون الغاية من الطلاق، فإذا طلق رجل زوجته المدخول بها طلقة واحدة فله مراجعتها بدون عقد وبدون رضاها ما دامت في العدة كما تقدم في الرجعية، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها فقد بانت عنه وله تزوجها بعقد جديد، وإن لم يتزوجها فتزوجت بغيره ثم طلقها الغير أو مات عنها فتزوجها الأول ثم طلقها ثانياً حسب عليه طلاقه الأول ولو كان بين طلقتين مدة طويلة وله مراجعتها إن شاء كذلك ما دامت في العدة، فإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها فقد بانت عنه فله تزوجها أيضاً بعقد جديد، فإن تزوجت بغيره وطلقها الغير أو مات عنها وتزوجها الأول، ثم إن طلقها طلاقاً ثالثاً قد تمت العصمة وليس له مراجعة فتحرم عليه إلا بعد زوج. وذلك هو معنى قولهم. لا يهدم الثاني ما دون الثلاث. وأما لو طلقها ثلاثاً في أول مرة لكانت بائنة بينونة كبرى فليس له فيها مراجعة حتى تنكح زوجاً غيره بشروطه كما في الآية. ثم إن تزوجها بعد زوج فترجع إليه بعصمة كاملة جديدة وهكذا. ثم قال رحمه الله تعالى: " فمن طلق زوجته مبهمة لزمه في الجميع " يعني فمن طلق زوجة من زوجاته مبهمة ولم يعينها لزمه طلاق الجميع. قال الدردير: ولو شك هل طلق واحدة أي من نسائه أو أكثر فالجميع، أي يطلقن عليه كأن قال: إحداكن طالق ولم ينو

стр. 671

معينة أو عينها ونسيها، فالجميع على المشهور. قال الصاوي: مسألة لو كان لرجل أربع زوجات رأى إحداهن مشرفة من طاقة فقال لها: إن لم أطلقك فصواحباتك طوالق فردت رأسها ولم يعرفها بعينها وأنكرت كل واحدة منهن أن تكون هي المشرفة فيلزمه طلاق الأربع، كما أفتى به ابن عرفة. والصواب ما أفتى به تلميذه الأبي، أن له أن يمسك واحدة ويلزمه طلاق ما عداها، لأنه إن كانت التي أمسكها هي المشرفة فقد طلق صواحباتها وإن كانت المشرفة إحدى الثلاث اللاتي طلقهن فلا حنث في التي تحته كذا في الحطاب. وأما لو قال: المشرفة طالق وجهلت طلق الأربع قطعاً، كما في البدر القرافي اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فلو كانت أجنبية فادعى إرادة الأجنبية لزمه " يعني إذا علق الطلاق على أجنبية بأن طلقها فادعى إرادة إن تزوجها فهي طالق لزمه الطلاق بوقوع العقد على المذهب، وعليه نصف المهر، فإن دخل بها جهلاً لزمه جميعه. قال في أقرب المسالك مشبهاً بلزوم التعليق: كقوله لأجنبية: إن فعلت فأنت طالق ونوى بعد نكاحها، أو قال عند خطبتها هي طال تطلق عقبه وعليه النصف، وتكرر إن قال كلما تزوجتك إلا بعد ثلاث مرات، فإن تزوجها ثلاث مرات لزمه النصف في كل مرة، فإن عقد عليها بعد ذلك قبل زوج لم يلزمه شيء، لأن عقده لم يصادف محلاً اهـ. انظر شراح خليل. قال رحمه الله تعالى: " فلو نادى معينة فأجابته غيرها فقال أنت طالق يظنها المناداة لزمه فيهما " يعني إذا نادى زوجته المعينة فأجابته زوجته الأخرى فطلقها يظن أنها المناداة لزمه طلاقهما مطلقاً على ما مشى عليه المصنف، وهو كذلك، لكنه على التفصيل قال خليل عاطفاً على عدم اللزوم: أو قال لمن اسمها طالق يا طالق، وقبل منه في طارق التفات لسانه، أو قال يا حفصة فأجابته عمرة فطلقها، فالمدعوة وطلقتا مع البينة. قال الخرشي قوله يا حفصة إلخ يعني أن من له زوجتان إحداهما اسمها حفصة والأخرى اسمها عمرة فقال:

стр. 672

يا حفصة فأجابته عمرة فأوقع الطلاق عليها وقال لها: أنت طالق يظنها حفصة، فإنه لا يخلو حاله من أنه يكون على لفظ بينة أو لا، فإن لم تكن عليه بينة بل جاء مستفتياً فإن حفصة تطلق فقط وهي المدعوة، وإن كان على لفظه بينة فإنهما يطلقان معاً حفصة بقصده وعمرة بلفظه اهـ. قال الصاوي: تنبيه: لا يلزمه شيء لا في الفتوى ولا في القضاء لو قال لمن اسمها طالق: يا طالق، وقبل منه في طارق التفات لسانه في الفتوى دون القضاء، أو قال يا حفصة فأجابته عمرة فقال لها: أنت طالق يظنها حفصة فتطلق حفصة في الفتوى والقضاء، وأما المجيبة فتطلق في القضاء دون الفتيا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا لغو في يمين الطلاق، ولو حلف على فعل شيء وطلق قبله ثم عادت إليه عاد اليمين ما بقى طلقة من النكاح الأول " يعني لا يدخل لغو في يمين طلاق، كما لا يدخل في العتق، لو علق طلاق زوجته على فعل شيء كدخول البيت وطلقها رجعياً قبل الفعل ثم راجعها ولو بعد زوج عاد اليمين ما بقي من هذه العصمة شيء لأن نكاح الأجنبي لا يهدد العصمة السابقة ما بقي منها شيء كما تقدم. أما لو أبانها بالثلاثثم تزوجها بعد زوج ففعلت المحلوف عليه لم يحنث لأن العصمة المعلق فيها قد زالت بالكلية ولو كانت يمينه بأداة تكرار، قاله الدردير. وقال أيضاً في أقرب المسالك: واعتبر في ولايته عليه حال النفوذ فلو فعلت المحلوف عليه حال بينونتها لم يلزم، فلو نكحها ففعلته حنث إن بقي له من العصمة المعلق فيها شيء اهـ. ومثله في المختصر. وقوله: على فعل شيء سواء كان فعلها أو فعل غيرها. قال الدردير: وكذا من حلف على فعل غيرها كدخول زيد أو دخوله هو فدخل حال بينونتها لم يلزم الطلاق لأنهم اعتبروا في نفوذ الطلاق أن تكون هي في ولايته، وإلا فلا يلزمه شيء. قال ابن القاسم: من حلف لغريمه بالطلاق الثلاث ليقضينه حقه وقت كذا فقبل مجيء الوقت طلقها طلاق الخلع لخوفه من مجيء الوقت وهو معدم أو قصد عدم القضاء في الوقت لا يلزمه الثلاث، ثم بعد ذلك يعقد عليها برضاها بربع دينار اهـ. انظر شراح خليل.

стр. 673

قال رحمه الله تعالى: " ثم المطلق المسلم المكلف المتعقل المختار " يعني أن للمطلق شروطاً أربعة. قال ابن جزي: فأما المطلق فله أربعة شروط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والطوع. يعني أنه لا يصح طلاق الكافر كما لا يصح نكاحه، وكذا لا يصح طلاق المجنون ولا طلاق الصبي غير البالغ، وللوصي أن يطلق زوجة الصبي لمصلحة، وكذلك لا يلزم طلاق المكره بشيء مؤلم كالضرب الشديد. وقد ذكرنا في بدر الزوجين ما حاصله واعلم أن الصبي لا يوقع الطلاق بنفسه، وإن وقع منه لم يصح، وكذلك المجنون المطبق، والسكران بالحلال، ولا يصح طلاقهما، وكذا المكره لا يصح طلاقه مطلقاً. وسئل مالك عن طلاق المجنون هل يجوز؟ قال إذا طلق في حال يختنق فيه فطلاقه غير جائز، وإذا طلق إذا انكشف عنه فطلاقه جائز. وسئل عنه أيضاً عن طلاق المعتوه، قال: لا يجوز طلاقه على حال لأن المعتوه إنما هو مطبق عليه ذهاب العقل، والمعتوه والمجنون والمطبق شيء واحد. وسئل ابن القاسم أيجوز طلاق الصبي في قول مالك: قال: قال لي مالك: لا يجوز طلاق الصبي حتى يحتلم اهـ المدونة. وأما السفيه الضعيف العقل فطلاقه جائز نافذ، وكذلك من سكر بحرام اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وإشارة الأخرس به كالنطق " يعني أن الإشارة من الأخرس كنطقه، وتقدم من قول المصنف وإشارة مفهمة لزمه. وقال بعض شراح المدونة: وأما الأخرس فطلاقه جائز اتفاقاً لأنه قادر على الإشارة والكتابة، فإن أشار بما يفهم أو كتب كتاب الطلاق فإنه يلزمه ما نواه وتحمل على ذلك اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولو ثبت بشهادة عدلين وأختلفا في عدده فقال أحدهما ثلاثاً والآخر اثنتين أو واحدة لزم ما اتفقا عليه " هذه المسألة لها احتمالان: الأول: يحتمل أن يكون الاختلاف من الزوجين فيكون الحكم كما قال خليل في الخلع: والقول قوله إن اختلفا في العدد، أي في عدد الطلاق كما في شراحه. والثاني: يحتمل أن يكون الاختلاف

стр. 674

من الشاهدين العدلين فيكون المعنى حينئذ إذا طلق رجل زوجته وشهد عليه بذلك عدلان، ثم إنهما اختلفا بينهما في عدد الطلاق قال أحدهما: ثلاثاً وقال الآخر: طلقها اثنتين أو واحدة فيلزم الزوج ما اتفقا عليه وهو الاثنتان على هذا المثال أو واحدة على آخر والأحوط الأخذ بالثلاث. وفي تبصرة القاضي ابن فرحون المدني نحو هذا المعنى، وهي لو شهد هؤلاء الأربعة عليه بلفظة واحدة في مجلس واحد فشهد اثنان أنه قال امرأته طالق ثلاثاً، وقال الأخران بل إنما قال امرأته طالق واحدة أخذ بقول الذين شهدوا على الثلاث، ولا يلتفت إلى خلافهم إذا كانا عدلين اهـ. انظر نظائرها في الباب الحادي والثلاثين من التبصرة. قال رحمه الله تعالى: " ولو أبانها مريضاً لزمه وورثته وإن مات بعد العدة أو تزوجت " يعني كما في الرسالة، ونصها ولو طلق المريض امرأته لزمه ذلك، وكان لها الميراث منه إن مات في مرضه ذلك أي الذي طلق فيه معاملة له بنقيض قصده، وسواء كانت مدخولاً بها أم لا. قال خليل: ونفذ خلع المريض وورثته دونه، إلى أن قال: ولو تزوجت غيره وورثت أزواجاً وإن في عصمة. وأما لو صح من مرضه صحة بينة ثم مات فلا ميراث لها، كما أن المرأة لو ماتت في زمن مرضه لم يرثها اهـ مع طرف من النفراوي. ولما أنهى الكلام على الطلاق غير المعلق ولا مقيد بشيء انتقل يتكلم على بيان أحكام التعليق فيه والتنجيز وعدمه وغير ذلك مما يأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى، فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ أي فيما يتعلق ببيان التعليق في الطلاق. قال ابن جزي: والطلاق على نوعين: معجل ومعلق، فالمعجل ينفذ في الحين، وأما المعلق فهو الذي يعلق إلى زمن مستقبل أو وقوع صفة أو شرط، وهو على سبعى أقسام. ثم قال: الأول وعدها سبعة، وذكرها وأمثلتها انظره إن شئت.

стр. 675

قال رحمه الله تعالى: " ينجز بتعليقه على متحتم كطلوع الفجر والشمس ورأس الشهر وهو المشهور في غالب الوقوع كطهر الحائض وعكسه " يعني ينجز الطلاق إن علقه على شيء محقق الوقوع كطلوع الفجر، أو بزوغ الشمس، أو مجيء رأس الشهر أو السنة أو طهر الحائض وعكسه، هذا لغير آيسة فيقع حالاً حين التعليق لتحقق المعلق عليه غالباً. قال في أقرب المسالك: ونجز في الحال إن علق بمستقبل محقق عقلاً كإن تحيز الجرم، أو إن لم أجمع بين الضدين أو عادة يبلغه عمرهما عادة كبعد سنة، أو يوم موتي، أو قبله بساعة أو إن أمطرت السماء، أو إن لم أمس السماء، أو إن قمت في كل ما لا صبر عنه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولو علقه على موته أو موتها فروايتان باللزوم منجزاً أو نفيه " والمشهور من الروايتين اللزوم منجزاً. قال في الجواهر: أو قال: أنت طالق يوم موتي أو موتك فينجز عليه حين قوله: وكذا قبل موتي أو موتك بيوم أو شهر فينجز عليه وقت تعليقه لأنه أشبه نكاح المتعة في جعل حلها إلى وقت يبلغه عمرهما ظاهراً اهـ. قال رحمه الله تعالى: " كتعليقه على مشيئة من لا مشيئة له " يعني هذا التشبيه مفرع من قوله: فروايتان باللزوم منجزاً أو نفيه، وتقدم أن المشهور تنجيزه. قال ابن جزي في القوانين: فإن علقه بمشيئة من لا مشيئة له كالبهائم والجمادات فيقع الطلاق في الحين لأنه يعد هازلاً اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويتنجز بمشيئة الله تعالى " يعني أن من علق طلاق زوجته بمشيئة الله تعالى ينجز عليه الطلاق. قال ابن جزي: الخامس أن يعلقه بمشيئة الله تعالى فيقول: أنت طالق إن شاء الله تعالى فيقع الطلاق ولا ينفع هذا الاستثناء خلاقاً لهما اهـ. قوله لا ينفع إلخ ومثله في الصاوي. ونصه: ولأن مشيئة الله تعالى لا تنفع في غير اليمين بالله كما مر في باب

стр. 676

اليمين. ثم قال: وقد تبع المصنف خليلاً، إلى أن قال: فمحصل الجواب أنه لا يمكن الاطلاع على ذات الله في الدنيا، ولا على تعلق إرادته لأن قدر الله لا اطلاع لأحد عليه ما دامت الدنيا اهـ. فراجعه إن شئت. ثم قال رحمه الله تعالى: " ويصح استثناء أكثره وأقله لا المستغرق " يعني يصح استثناء أكثر الطلاق كما يصح استثناء أقله. أما الأكثر نحو قوله: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين فيلزمه واحدة، أو قال أنت طالق اثنتين إلا واحدة فكذلك، ومثله أنت طالق إلا نصف أو إلا ربع أو إلا ثلث فيلزمه طلقة واحدة كما تقدم. وأما المستغرق فلا يصح منه الاستثناء. قال المصنف رحمه الله تعالى " وقوله أنت طالق أربعاً إلا ثلاثاً مستغرقاً " فيلزمه الثلاث على الأرجح باعتبار اللفظ على ما زاد على الثلاث. قال في أقرب المسالك: واعتبر ما زاد على الثلاث. وقال خليل: وفي إلغاء ما زاد على الثلاث واعتباره قولان: قال الخرشي: يعني أن ما زاد على الثلاث هل يلغى فلا يستثنى منه لأنه معدوم شرعاً، أو هو معتبر فيصح الاستثناء منه، وإن كان معدوماً شرعاً لأنه موجود لفظاً، فإذا قال لها أنت طالق خمساً إلا اثنتين فإن اعتبر ما زاد على الثلاث فيلزمه الطلاق الثلاث لأنه أخرج من الخمس اثنتين وإن لم يعتبر ما زاد على الثلاث فيلزمه طلقة واحدة، فكأنه قال انت طالق ثلاثاً إلا اثنتين، والقولان لسحنون، ورجع للقول باعتبار، واستظهره ابن رشد وابن عبد السلام وتبعه المؤلف يعني خليلاً ومنه يعلم أرجحيته اهـ. ومثله في الإكليل. وقال الدردير: فمن قال أنت طالق أربعاً إلا اثنتين لزمه اثنتان باعتبار لفظه الزائد على الثلاث، أو قال أنت طالق أربعاً إلا ثلاثاً لزمه واحدة كذلك أي باعتبار لفظه الزائد على الثلاث، ومن قال أنت طالق خمساً إلا ثلاثاً لزمه اثنتان باعتبار لفظه الزائد على الثلاث، ومثله من قال أنت طالق ستاً إلا أربعاً لزمه اثنتان كذلك، هذا في جميع الأمثلة الأربعة باعتبار الزائد على

стр. 677

الثلاث. وقيل لا يعتبر الزائد على الثلاث لأنه معدوم شرعاً فهو كالمعدوم حساً، فيلزمه في المثال الأول واحدة أي طلقة واحدة، وفي المثال الثاني ثلاثة، أي وفي المثال فيلزمه طلاق ثلاث لأنه كان استثنى ثلاثاً من ثلاث فيلغى الاستثناء للاستغراق، وكذا في المثال الثالث والرابع أي فيلزمه ثلاثة اهـ. مع زيادة إيضاح. وأما شروط الاستثناء فقد تقدم في باب الأيمان. قال الدردير هنا: وصح الاستثناء بإلا وأخواتها ولو سراً إن اتصل وقصد ولم يستغرق اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولو علقة في امرأة على نكاحها للزم بالعقد وله نكاحها إلا أن يقول كلما ولو عم لم يلزمه " يعني إن قال كلما تزوجتك فأنت طالق فيقع الطلاق بمجرد عقده إلا بعد ثلاث مرات قبل زوج فلا ينعقد كما تقدم لنا الكلام في هذه المسألة عند قوله: فلو كانت أجنبية فادعى إرادة الأجنبية لزمه إلخ فراجعه إن شئت. أما قوله ولو عم لم يلزمه قال خليل: لا إن عم النساء أو أبقى قليلاً ككل امرأة أتزوجها إلا تفويضاً أو من قرية صغيرة أو حتى أنظرها فعمي أي لم يلزمه الطلاق في جميع ذلك وعبارة الدردير أنه قال: إلا إذا عم النساء في تعليقه كأن قال كل امرأة أتزوجها أو إن دخلت الدار فكل امرأة أتزوجها فهي طالق ثم دخل فلا يلزمه شيء للحرج والمشقة بالتضييق والأمر إذا ضاق اتسع أو أبقى قليلاً من النساء ككل امرأم أتزوجها فهي طالق أو إن فعلت كذا فكل امرأة أتزوجها طالق إلا من قرية كذا وهي أي القرية صغيرة قال أبو الحسن والصغيرة هي التي لا يجد فيها ما يتزوج بها أي ما شأنها ذلك لصغرها بخلاف الكبيرة كالقاهرة أو إلا تفويضاً لأن نكاح التفويض قليل جداً بالنسبة لنكاح التسمية إلى آخر ما قال في أمثلته فراجعه إن شئت وأشار رحمه الله تعالى في ذلك بقوله: " بخلاف تعليقه بقبيلة أو بلد أو نوع بعينه " أي فيلزمه الطلاق إن تزوج من تلك القبيلة أو ما عطف عليها لجواز تزوجه من غيرها ولما أنهى الكلام على التعليق في الطلاق انتقل يتكلم على أحكام الخلع،

стр. 678

وهو طلاق بعوض غالباً. ويسمى خلعاً وفداء وبراءة. قال بعض المحققين: الخلع لغة الإزالة والإبانة، من خلع الرجل ثوبه أزاله وأبانه عنه. والزوجان كل منهما لباس لصاحبه. قال تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ ﴿البقرة: ١٨٧﴾ فإذا فارقها كأنه نزعها عنه. ولما كان في نظير عوض ناسبه أن يسمى بهذا الاسمأكثر من غيره. اهـ والخلع يتنازل به عن الحقوق اللازمة بين الزوجين، وحكمه الجواز كما يأتي في بعض الشراح. قال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ أي في بيان ما يتعلق بأحكام الخلع، وشروطه كشروط دافع العوض وغيره. قال الله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت﴾ ﴿البقرة: ٢٢٩﴾ وثبت من حديث حبيبة بنت سهل الأنصاري أنها اختلعت من زوجها ثابت بكل ما أصدقها، وأقرها رسول الله ﷺ كما في الموطأ والصحيحين. قال رحمه الله تعالى: " الخلع طلاق بعوضتبذله هي أو غيرها فيلزم " يعني أن الخلع طلاق يلزم بدفع العوض سواء كان الدافع زوجة أو غيرها كالولي، بشرط أن يكون الدافع حراً رشيداً مكلفاً غير محجور عليه، وبشرط ويشتد أن تكون الزوجة غير مظلومة وإلا رجعت به وبانت عنه. قال في الرسالة: والخلع طلقة لا رجعة فيها وإن لم يسم طلاقاً إذا أعطته شيئاً فخلعها به من نفسه. وفيها أيضاً وللمرأة أن تفتدى من زوجها بجميع صداقها أو أقل أو أكثر إذا لم يكن عن ضرر بها، فإن كان عن ضرر بها رجعت بما أعطته ولزمه الخلع اهـ. وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " ويجب دفع العوض إلا أن تبذله لتتخلص من شره فيحرم قبضه ويلزم رده ط يعني يجب دفع ما اتفقا عليه من المال إن لم يكن عن ضرر بها كما في الرسالة. وقال في أقرب المسالك: وشرط باذله الرشد وإلا رد

стр. 679

المال وبانت ما لم يعلق بكإن تم لي أو صحت براءتك فطالق اهـ. قال النفراوي: ومثل دفع العوض لو وقع من المرأة إبراء ولو جهلت ما أبرأت منه، ولا يتوقف على حكم حاكم، وكذا لا يتوقف على كون العوض من الزوجة بل ولو من وليها أو أجنبي، لكن لا يستقر ملك الزوج عليه إلا إذا كان دافعه رشيداً، لا إن كان دافعه سفيهاً أو صغيراً أو رقيقاً فلا يستقر ملكه عليه وإن وقع الطلاق بائناً اهـ. ومثله في الشرنوبي على العزبة. قال رحمه الله تعالى: " ويصح على الصداق وأكثر وأقل " يعني يصح الخلع بقدر ما أعطاها من الصداق أو أكثر أو أقا منه كما تقدم. قال مالك: لا بأس بأن تفتدي المرأة من زوجها بأكثر مما أعطاها اهـ. وقال أيضاً: من قال لرجل طلق امرأتك ولك ألف درهم ففعل لزم الألف ذلك الرجل اهـ المدونة. قال رحمه الله تعالى: " وعلى المجهول والغرر، فإن سلم فهو له وإلا لزم الطلاق دونه كالمحرم " يعني أنه يجوز الخلع على الشيء المجهول وعلى الغرر، كما إذا خالعته على ما في هذه الصورة فإذا هي فارغة أو فيها غير متمول، أو على ما في بطن هذه الأمة فيصح الخلع بذلك، فإن سلم الذي وقع به الخلع فهو له وإلا لزم الطلاق البائن دون العوض. وكذا يقع الخلع دون العوض إن وقع بما لا يجوز تملكه لمسلم كالخمر والخنزير. قال ابن جزي: ولا يجوز الخلع إلا بثلاثة شروط: الأول: أن يكون المبذول للرجل مما يصح تملكه وبيعه، تحرزاً من الخمر والخنزير وشبه ذلك، ويجوز بالمجهول والغرر خلافاً لهما إلخ. قال الدردير عاطفاً على الجائزات: وبالغرر كجنين وآبق وغير موصوف، وله الوسط منه. قال الخرشي: يعني أنه يجوز للمرأة أن تخالع زوجها بما في بطن أمتها، ومثله الآبق والشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها، وبحيوان وعوض غير موصوف، أو بأجل مجهول، وللزوج عليها الوسط من جنس ما وقعت المخالعة به لا من وسط ما يخالع به الناس، ولا يراعى في ذلك حال المرأة. وإذا انفش الحمل الذي وقع الخلع عليه فلا شيء للزوج لأنه

стр. 680

مجوز لذلك والطلاق بائن. وكذلك يصح الخلع على نفقة حمل إن كان، يعني يجوز للمرأة أن تخالع زوجها على أن تنفق هي على نفسها مدة حملها إن كان بها حمل، فإن أعسرت أنفق هو عليها ويرجع إن أيسرت، ويجوز الخلع بالإنفاق على ولدها منه أو ما تلده مدة الرضاع أو أكثر، ولا تسقط به نفقة الحمل على الأصح لأنهما حقان كالعكس، وكذلك يجوز الخلع على أن تنفق على الزوج أو غيره وإن مع الإرضاع مدة معينة. وكذا يجوز اجتماع الخلع مع البيع وغيره، بخلاف اجتماعه مع النكاح فإنه لا يجوز كما تقدم اهـ مع إيضاح. قال رحمه الله تعالى: " ومن المريضة إلى قدر ميراثه وقيل قدر ثلثها " يعني يصح الخلع من المريضة إلى قدر ما يرثه منها. وقيل قدر ثلث مالها يوم موتها لا يوم الخلع، فيوقف جميع ما خالعت به إلى موتها لينظر هل هو قدر إرثه أو أقل فيأخذه وما زاد فيرده. قال في أقرب المسالك: ولا يجوز خلع المريضة إن زاد على إرثه منها ورد الزائد، واعتبر يوم موتها ولا توارث اهـ. انظر بقية الأمثلة التي يجوز أن تخلعه بها في المطولات هناك زيادة على ما أتينا به والله أعلم. ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالخلع انتقل يتكلم على أحكام التفويض بالطلاق وهو التمليك والتخيير والتوكيل فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ أي في بيان تفويض الطلاق للمرأة تمليكاً وتخييراً أو توكيلاً نيابة عن الزوج وفي كل من هذه الأنواع الثلاثة أحكام وشروط وتفصيل كما يأتي. قال العلامة الشيخ عبد الرحمن الجزيري في الفقه: والفرق بين التوكيل وبين التخيير والتمليك أن الوكيل يعمل على سبيل النيابة عن موكله والمملك والمخير يفعلان عن نفسهما لأنهما قد ملكا

стр. 681

ما كان الزوج يملكه. والفرق بين التخيير والتمليك أن التخيير يجعل للمخيرة الحق في إنشاء الطلاق الثلاث وإن لم ينو الزوج بها الثلاث سواء جعله بيد الزوجة أو غيرها، أما التمليك فإنه يجعل للغير الحق في ثلاث راجحاً، ولكن يخص ما دون الثلاث بالنية، فإذا ملك الزوج امرأته الطلاق فطلقت نفسها اثنتين أو ثلاثاً وقال: نويت تمليكها واحدة فإنه يسمع منه بالشرائط الآتية. وأما إذا خيرها وكانت مدخولاً بها فطلقت نفسها ثلاثاً وقال إنني نويت واحدة أو ثنتين فلا يسمع قوله اهـ بتصرف. وبدأ بالتمليك فقال رحمه الله تعالى: " يفوض إلى المرأم طلاقها تمليكاً " يعني كما قال الدردير في أقرب المسالك، ونصه: وللزوج تفويض الطلاق لها أو لغيرها توكيلاً وتمليكاً وتخييراً، فإن وكل نحو وكلتك أو جعلته أو فوضته لك توكيلاً فله العزل إلا لتعلق حقها، وإذا تعلق لها حق فليس له حينئذ عزلها. ثم قال: والتفويض كالجنس تحته ثلاثة أنواع: التوكيل، والتخيير، والتمليك. فالتوكيل جعل إنشاء الطلاق لغيره باقياً منع الزوج منه كما قال ابن عرفة، أي لأن الموكل له عزل وكيله متى شاء، أي قبل إيقاع الفعل لأن الوكيل يفعل ما وكل فيه نيابة عن موكله. والتخيير جعل إنشاء الطلاق ثلاثاً صريحاً أو حكما حقاً لغيره، مثال الحكمي اختارني أو اختاري نفسك، والتمليك جعل إنشائه حقاً لغيره راجحاً في الثلاث، ومن صيغه جعلت أمرك وطلاقك بيدك. انظر ما نقلهبعضهم عن القرافي من تغيير الأحكام بتغيير العرف فهو وجيه كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: " فإن أجابت بقبول أو رد عمل عليه " يعني أن المملكة والمخيرة إذا أجابت بجواب صريح في الطلاق فإنه يعمل به. قال في المتيطية: فإذا لفظ بالتمليك فلا تخلو المملكة من أن تجيب الطلاق في واحدة، أو في البتات، أو بلفظ يدل عليه، أو بجواب يحتمل أن تريد به بعض الطلاق أو كله أو شيئاً غيره أو تسكت عنهفأما إجابتها بصريح الطلاق الثلاث أو بلفظ يدل عليه مثل أن تقول قبلت نفسي،

стр. 682

أو اخترتها، أو أبنتها، أو حرمتها فينفذ عليه إن سكت أو أنكره ولم يدع نية، ولا تحل له أبداً إلا بعد زوج، ولا يلتفت إلى قولها إنها أرادت به واحدة، وأما إجابتها بلفظ يشكل فلا يدرى أرادت به الطلاق كله أو بعضه أو لم ترد به شيئاً فإنها تسأل، وكذلك إن قالت ـ وهي غير مدخول بها _: خليت سبيلك فإنها تسأل كم أرادت اهـ قاله الحطاب نقلاً عن المتيطية. وأما الرد كذلك يعتبر فيه بقولها أو فعلها فيعمل به سواء كانت المملكة أو المخيرة، كقولها رددت إليه ما جعلته لي أو لا أقبله. ٢ قال في أقرب المسالك: وعمل بجوابها الصريح في اختيار الطلاق ورده، كأن تقول طلقت نفسي، أو تقول في رد الطلاق: اخترتك زوجاً ورددت لك ما ملكتني، وقبل تفسيرها برد أو طلاق أو إبقاء لما هي عليه من تمليك أو تخيير فيحال بينهما وتوقف حتى تجيب بصريح وإلا أسقطه الحاكم. قال رحمه الله تعالى: " وإظهارها بالسرور اختيار وتمكينها رد " يعني أن إظهار السرور يدل على اختيارها الطلاق، كما أن تمكينها نفسها له يدل على ردها والحال أنها عالمة بالتخيير أو التمليك وإن لم يطأ بالفعل، لا إن كانت غير عالمة بما جعله لها، وأما جهل الحكم بإن لم تعلم أن التمكين مسقط لحقها فلا ينفعها، ومثلها الأجنبي فلو ملك أو خير أجنبياً فقال شأنك بها أو خلي بينه وبينها طائعاً فرد. فظهر أن تمكينها له اختياراً رد، كما أن إظهارها السرور اختيار اهـ دردير بتصرف. قال رحمه الله تعالى: " فإن أوقعت واحدة فلا مقال له، وإن طلقت ثلاثاً فله إنكارها على الفور بشرط إرادة الطلاق وما دون الثلاث وإلا لزم ما أوقعت " يعني كما قال خليل: وناكر مخيرة لم تدخل، ومملكة مطلقاً إن زادتا على الواحدة إن نواها وبادر وحلف إن دخل وإلا فعند الارتجاع اهـ. قال الخرشي: يعني أن الزوج إذا

стр. 683

فوض الطلاق لزوجته على سبيل التخيير قبل الدخول بها فأوقعت أكثر من طلقة فإن له أن يناكرها فيما زاد عليها، بأن يول لها ما أردت إلا طلقة واحدة، وأما بعد البناء فليس له مناكرتها كما يشير إليه بقوله الآتي ولا نكرة له إن دخل في تخيير مطلق. وأما المملكة فله أن يناكرها قبل الدخول وبعده إذا زادت على طلقة اهـ. وقوله في تخيير مطلق أما لو جعل لها عدداً مقيداً كاثنتين في المدخول بها، أو الواحدة في غيرها فلا تحكم إلا بما جعله لها. وعبارة شارح الرسالة أنه قال: فالمملكة لا تخلو حالها من أمرين لأنها إما أن تطلق واحدة أو زيادة عليها، ففي الواحدة لا مناكرة له، وفيما زاد عليها له المناكرة بشروط خمسة، وهي أن ينكر حين سماعه من غير سكت ولا إهمال، وأن يقر بأنه أراد بتمليكه الطلاق، وأن تكون مناكرته في عدده، وأن يدعي أنه نوى واحدة أو اثنتين في حال تمليكه، وأن يكون تمليكه طوعاً، وإن لم يتم هذه الشروط أو بعضها لزمه ما أوقعته المرأة كما ذكر المصتف اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن تفرقا قبل إجابتها أو أبهمت الجواب فله مرافعتها لتجبر على الطلاق أو الإسقاط، فإن أبت أسقطه الحاكم " قال في الرسالة: والمملكة والمخيرة لهما أن يقضيا ما دامتا في المجلس. قال النفراوي أي في المجلس الذي وقع فيه التخيير أو التمليك ما لم توقف أو توطأ فإن تفرقا بأبدانهما من غير قضاء بعد التمكن من الاختيار أو أوقفها قاض أو وطئت أو طال المجلس بحيث خرجا عما كانا فيه سقط ما بيدهما إلا أن يهرب الزوج مريداً قطع ما بيدهما قبل مضي زمان تختار في مثله ولم تختر فإنه لا يسقط خيارها. وما ذكره هو قول مالك الأول الذي رجع عنه وأخذ به ابن القاسم. قال المتيطي: وما أخذ به ابن القاسم به القضاء، وعليه جمهور أصحاب الإمام، والمرجوع إليه أنهما باقيان على ما جعل لهما ما لم يوقفا عند قاض، أو يحصل من الزوج تمكين ولو حصل مفارقة وخروج من المجلس، ومشى عليه العلامة خليل حيث

стр. 684

قال: ورجع مالك إلى بقائهما بيدها في المطلق ما لم توقف أو توطأ. وأخذ ابن القاسم بالسقوط. والحاصل أنهما قولان للإمام والمعتمد منهما المرجوع عنه، وجرى عليه صاحب الرسالة لأن الإمام رجع إليه آخر أمره واستمر عليه إلى أن مات، وإن كان كلام العلامة خليل موهماً عدم الرجوع إليه اهـ. النفراوي، ونحوه في الفقه للعلامة الجزيري، ونصه: هل يسقط حقها إذا قامت من المجلس أو لا؟ خلاف، فبعضهم يقول إذا خيرها تخييراً مطلقاً غير مقيد بالزمان، أو ملكها تمليكاً مطلقاً لا يبقى خيارها أو تمليكها إلا في المجلس الذي خيرها فيه. بحيث لو تفرقا بطل، على أنه إذا لم يتفرقا في المجلس ولكن مضى زمن يمكنها أن تختار فيه ولم تفعل سقط خيارها، وكذا إذا بقيا في المجلس ولكن فعلت ما يدل على الإعراض بطل خيارها، وهو الراجح. وبعضهم يقول لا يبطل تخييرها ولا تمليكها وإن طال الزمن أو تفرقا من المجلس اهـ. قال رحمه الله تعالى: " أو تخييراً فاختيارها نفسها مدخولاً بها ثلاث ولا مناكرة له فإن أوقعت دونها لم يلزم، وغير المدخول بها اختيارها واحدة، فإن زادت فله مناكرتها ولو نص على عدد لغا الزائد " يعني أن المخيرة لا تخلو إما أن تخير في العدد أو في النفس، فإن خيرت في العدد فليس لها أن تختار زيادة على ما جعل لها، وإن خيرت في النفس فإن قالت واحدة أو اثنتين لم يكن لها ذلك وبطل خيارها، وإن قالت اخترت نفسي كان ثلاثاً ولا يقبل منها إن فسرته بما دون ذلك. وفي المقدمات: وأما إن قالت أنا طالق فلا تسأل في تخيير ولا تمليك، وتكون واحدة تلزم في التمليك للزوج أن يناكرها اهـ. هذا معنى قول صاحب الرسالة: وليس لها في التخيير أن تقضي إلا بالثلاث ثم لا نكرة له فيها اهـ. وقد تقدم الكلام في غير المدخول بها عند قول خليل: وناكر مخيرة لم تدخل ومملكة مطلقاً إن زادتا على الواحدة. وأما قوله رحمه الله تعالى:

стр. 685

ولو نص على عدد إلخ يعني كما في الخرشي أن الزوج إذا قال لها: اختاري تطليقتين أو قال لها: اختاري في تطليقتين فاختارت طلقة واحدة فإنه يبطل ما قضت به ويستمر ما جعله لها بيدها كما في الشرح الصغير، وهو مطابق للنقل وما في تت من أنه يبطل ما بيدها ففيه نظر اهـ. وقال الحطاب: مفهوم قوله إن قضت بواحدة أنها لو قضت بأكثر مما عين لها لا يبطل ما لها من التخيير، وهو كذلك إلا أنه لا يلزمه ما عينه ويلغى ما زادته. وقال التتائي في شرحه لهذا المحل: كما إذا قال اختاري تطليقتين أو في تطليقتين فطلقت ثلاثاً ألغي الزائد، ولو قضت بواحدة بطل خيارها اهـ. وقال سيدي الشيخ أحمد زروق في شرحه لهذا المحل أيضاً: كما لو قال اختاري طلقة أو طلقتين فطلقت ثلاثاً ألغي الزائد والله أعلم اهـ. قال الدسوقي: والحاصل أنه إذا قال لها اختاري طلقة فطلقت نفسها أكثر فلا يمين عليه ويلزمه طلقة ويبطل الزائد. وإذا قال لها اختاري تطليقتين فقضت بواحدة بطل ما قضت به مع بقائها على ما جعله لها من التخيير. وأما إذا قال لها ملكتك طلقتين وثلاثاً فقضت بواحدة فلا يبطل ما قضت به. قوله: وبطل ما قضت به أي لا ما جعله لها من الاختيار فإنه مستمر بيدها لأنها لم تخرج هنا عن اختيار ما جعله لها بالكلية بخلاف ما سبق في قوله: وإن قالت واحدة إلخ. وما ذكره الدردير من بطلان ما قضت به فقط تبع فيه عبق. والذي في طفي أن الصواب بطلان ما بيدها إذا قضت بواحدة في اختياري تطليقتين أو في تطليقتين، كالتخيير المطلق إذا قضت فيه بدون الثلاث بعد البناء كما يأتي: قال بن ولم أر ما قاله عبق وهو تابع لشيخه عج اهـ. قوله: لزمه الواحدة أي وبطل الزائد. قوله: وبطل في المطلق إلخ يعني أنه إذا خيرها تخييراً مطلقاً أي عارياً عن التقيد بعدد فأوقعت واحدة أو أثنتين فإن خيارها يبطل ويصير الزوج منها كما كان قبل القول لها على المشهور بشروط ثلاثة: أن يكون تخييرها بعد الدخول بها، وأن لا يرضى الزوج بما قضت به، وأن

стр. 686

لا يتقدم لها ما يتم الثلاث، فإن كان التخيير قبل الدخول وقضت بواحدة لزمت، أو كان بعد الدخول ورضي بما قضت به، أو تقدم لها ما يكمل الثلاث لزم ما قضت به اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " أو توكيلاً وله عزلها ما لم تطلق " هذا معطوف على التمليك المتقدم في أول الفصل، يعني يفوض الزوج إلى المرأة طلاقها تمليكاً أو تخييراً أو توكيلاً، وله عزلها إن فوضها على الطلاق توكيلاً لأن للموكل عزل وكيله متى شاء من زوجة وغيرها قبل إيقاع ما أمر به، إلا لتعلق حق فليس له حينئذ عزلها، كما لو شرط لها أنه إن تزوج عليها فقد فوض لها أمرها أو أمر الداخلة عليها توكيلاً، لأن الحق وهو رفع الضرر عنها قد تعلق لها فليس له عزلها عنه، كما ليس له العزل عن كل وكيل غير الزوجة إذا تعلق له حق في التوكيل اهـ. قاله الدردير وغيره. ولما أنهى الكلام على التفويض في الطلاق انتقل يتكلم على الإيلاء وأحكامه من ضرب الأجل وشروط الفيئة وغير ذلك مما يتعلق بالمولي وأحكامه، فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ أي في بيان ما يتعلق بأحكام الإيلاء، وهو الامتناع من فعل الشيئ أو تركه باليمين. وقيل مطلق الامتناع، ثم استعمل فيما كان الامتناع منه بيمين. وفي بعض التقاييد الإيلاء بالمد الحلف، وهو مصدر، يقال: إلى بالمد يولي إيلاء، وألى وائتلى أي حلف. والألية بكسر اللام وتشديد الياء، والألوة بفتح الهمزة وضمها وكسرها واللام ساكنة فيهن: اليمين اهـ. قال الله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءو فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ ﴿البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧﴾ قال مالك في الموطأ: ومن حلف أن لا يطأ امرأته يوماً أو شهراً ثم مكث حتى ينقضي أكثر من الأربعة أشهر فلا

стр. 687

يكون ذلك إيلاء، وإنما يوقف في الإيلاء من حلف على أكثر من الأربعة أشهر، فأما من حلف أن لا يطأ امرأته أربعة أشهر أو أدنى من ذلك فلا أرى عليه إيلاء لأنه إذا دخل الأجل الذي يوقف عنده خرج من يمينه ولم يكن عليه وقف اهـ. قال رحمه الله تعالى: " الإيلاء الشرعي الحلف بيمين يلزم بالحنث حكم على ترك وطء زوجته زيادة على أربعة أشهر " يعني الإيلاء الشرعي الذي يعتبر شرعاً هو الحلف بترك وطء الزوجة أكثر من مدة أربعة أشهر للحر، وأكثر من مدة شهرين للعبد، فإذا حلف بترك الوطء في تلك المدة لزمه الحكم بالحنث وطولب بالفيئة عما حلف عليه، فإن فاء فذلك، وإلا فلها رفعه للحاكم الشرعي ليضرب له أجل الإيلاء أربعة أشهر من يوم الحلف، فإن تم الأجل طولب بالفيئة أو الطلاق كما في الحديث. قال ابن رشد في المقدملت: الإيلاء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يكون مولياً من يوم حلف، وقسم لا يكون فيه مولياً إلا من يوم ترفعه امرأته إلى السلطان أو من يقوم مقامه من صلحاء البلد عند فقده وتوقفه، وقسم اختلف فيه فقيل أنه مول من يوم ترفعه إلى السلطان، فأما الذي يكون فيه مولياً من يوم حلف فهو الذي يحلف على ترك الوطء، فأما الذي لا يكون فيه مولياً إلا من يوم ترفعه فهو الذي يحلف بطلاق امرأنه أن يفعل فعلاً كدخول الدار مثلاً. وأما المختلف فيه فهو الإيلاء الذي يدخل الظهار، انظر تفصيل ذلك في المقدمات كما نقلناه في بدر الزوجين فراجعه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: " فلها مرافعته ليؤجل تمام أربعة أشهر منذ الحلف، فإن فاء وإلا لم يلزمه طلاق بل يوقفه ليأمره بالفيئة أو الطلاق إن اختارته، فإن أبى طلق عليه طلقة رجعية، فإن فاء بعد ارتجاعها، وإلا بانت بانقضاء العدة ". وفي نسخة فلها مراجعته بالجيم، والصواب بالفاء من المرافعة لا من المراجعة، يعني فللزوجة

стр. 688

رفع أمرها إلى الحاكم ليأمره بالفيئة، وتحصل بمغيب الحفشة في قبل الثيب، وافتضاض البكر على وجه مباح وإن لم يفئ أجله تمام أربعة أشهر من يوم الحلف وهو أجل الإيلاء، فإذا تم الأجل أمره أيضاً بالفيئة أو الطلاق، وإن أبى طلق عليه طلقة رجعية إن شاءت المرأة، ثم إن فاء بعد الطلاق وقبل انقضاء العدة له ارتجاعها وتبين عنه بانقضاء العدة. قال في الرسالة: وكل حالف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر فهو مول، ولا يقع عليه الطلاق إلا بعد أجل الإيلاء وهو أربعة أشهر للحر وشهران للعبد حتى يوقفه السلطان اهـ. قال الشارح: قوله حتى يوقفه السلطان أو القاضي ويأمره بالفيئة وهي الرجوع إلى الوطء الذي حلف على تركه فإن وطئ فلا إشكال، وإن وعد به أمهل، واختبر المرة بعد المرة باجتهاد الحاكم، فإن لم يطأ طلق عليه، كما لو لم يعد بالوطء بأن قال بلفظه لا أطأ ولا يتلوم له، فإن ادعى الوطء صدق بيمينه، فإن نكل حلفت المرأة أنه لم يطأ ويطلق عليه الحاكم إن شاءت المرأة بأن يأمرها بطلاقها، فإن لم يطلقها فهل يطلق الحاكم أو يأمرها به ثم يحكم قولان. وتقع عليه رجعية ولو حكم به الحاكم لما اشتهر في المذهب من أن الطلاق على المولي والمعسر بالنفقة رجعي. وفهم مما قررنا أن الطلاق لا يقع على المولي بمجرد انقضاء الأجل المضروب، وأن الحق للمرأة في البقاء والفراق ولو صغيرة أو سفيهة فلها إسقاط حقها في الوطء إلا أن تكون الزوجة أمة يتوقع حملها فلا بد من رضى سيدها عند إرادتها البقاء لأن له حقاً في الولد اهـ. النفراوي. وما ذكره النفراوي من قوله: إن الطلاق لا يقع على المولي بمجرد انقضاء الأجل المضروب وهو كذلك، كما نص المنصف من قوله فإن فاء وإلا لم يلزمه طلاق إلخ. هذا خلاف ما في شرح التسولي على العاصمية، ونصه: ويقع الطلاق إذا انقضى الأجل فيقال له: إما أن تفيء وإلا طلقت، فإن قال: لا أفيء طلق عليه الحاكم بلا تلوم، وفي عبد الباقي: بعد تلوم، فظهر أنه لا يقع بمجرد انقضاء الأجل إلا بعد التلوم والأمر بالفيئة وإن لم يمتثل فحينئذ يطلق عليه إن شاءت المرأة طلقة رجعية فتأمل.

стр. 689

قال العدوي في حاشية الخرشي نقلاً عن عب: ومن طولب بالفيئة بعد الأجل وأمر بها طلق إن قال: لا أطأ بعد تلوم، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم أو صالحو البلد إن لم يكن حاكم قاله في الشامل اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وفي تارك الوطء ضراراً روايتان بتأجيله منذ المرافعة وأمره بالفرقة " يعني أن كل من ترك الوطء من غير عذر فإنه ملحق بالمولي هو ما في ابن الحاجب، وهو قول لمالك. والمشهور خلافه، وأنه يطلق عليه بالاجتهاد. قال خليل: واجتهد وطلق في لأعزلن، أو لا أبيتن، أو ترك الوطء ضرراً وإن غائباً أو سرمد العبادة بلا أجل على الأصح اهـ. أي إنه يطلق عليه بلا ضرب أجل الإيلاء، وسواء كان التارك للوطء ضرراً حاضراً أو غائباً. قال التسولي: فإن ترك الوطء مع القدرة عليه تتضرر به الزوجة قصد به ضررها أم لا، وهي مصدقة في تضررها بترط وطئه، كما تصدق أنها خشيت الزنا بترك وطئه إذ كل ذلك لا يعلم إلا منها. وقد علمت أن هذا الحكم جارٍ في الحاضر والغائب وتقدم لنا شيء من هذا في المفقود فراجعه إن شئت اهـ. بحذف. ولما أنهى الكلام على الإيلاء انتقل يتكلم على ما يتعلق بالظهار وأحكامه فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في الظهار، أي فيما يتعلق ببيان أحكام الظهار من الأركان والشروط، وما يلزم المظاهرة من الكفارة وغيرها مما يتعلق بذلك. والظهار هو تشبيه الرجل المكلف من تحل له من النساء بمن تحرم عليه تحريماً مؤبداً بنسب أو رضاع أو مصاهرة أو لعان وغير ذلك. وحكمه الحرمة لأنه من الكبائر، لأن الله تعالى سماه منكراً من القول وزوراً وهما حرام إجماعاً. قال رحمه الله تعالى:

стр. 690

" الظهار تشبيه مباحة بمؤبدة التحريم تشبيه الجملة بالجملة أو البعض بالبعض أو البعض بالجملة ذكر الظهر أو غيره " يعني أن حقيقة الظهار هو تشبيه من يباح وطؤها بمن تحرم عليه تحريماً مؤبداً كالأم والبنت والأخت، سواء كان التشبيه في جملتها أو بعضها كأنت علي كظهر أمي، أو يدك علي كيد بنتي أو أختي أو غيرهن ممن يحرمن عليه. قال ابن جزي في القوانين: وأركانه أربعة: المظاهر، والمظاهر منها، واللفظ، والمشبه به. فأما المظاهر فكل زوج مسلم عاقل بالغ، وأما المظاهر منها فامرأة المظاهر حرة كانت أو أمة، مسلمة أو كتابية، وعلى المذهب يلزمها الظهار في السرية، وأما اللفظ فقسمان: صريح وكناية، فاصريح ما تضمن ذكر الظهر كقوله: أنت علي كظهر أمي. والكناية ما لم تتضمن ذكر الظهر كقوله: أنت علي كأمي أو كفخذها أو بعض أعضائها والحكم فيها سواء. وأما المشبه به فهي الأم ويلحق بها كل محرمة على التأبيد بنسب أو رضاع أو صهر اهـ. بتصرف. قال رحمه الله تعالى: " والتشبيه بالأجنبية ظهار عند مالك طلاق عند غيره " يعني أن الرجل يلزمه الظهار بتشبيه زوجته بالأجنبية. فمن قال لزوجته أنت علي كظهر فلانة الأجنبية فإن نوى الظهار لزمه، وإن نوى الطلاق لزمه الثلاث في المدخول بها، وكذا غير المدخول بها ما لم ينو الأقل، فإن قال أنه نوى بقوله: أنت كفلانة الأجنبية الظهار صدق ديانة ويلزمه الظهار فقط في الفتوى، أما في القضاء فإنه يلزمه الظهار والطلاق الثلاث في المدخول بها وفي غيرها، إلا أنه يعامل بنيته في غير المدخول بها إن ادعى أنه نوى أقل من الثلاث، فإذا قضى القاضي بطلاقها ثلاثاً ثم بعد انقضاء العدة تزوجت غيره وعادت له بعقد جديد فإنه لا يحل له وطؤها حتى يخرج كفارة الظهار اهـ. جزيري، قال خليل: وكنايته كأمي أو أنت أمي إلا لقصد الكرامة أو كظهر أجنبية ونوى فيها في الطلاق فالبتات، كأنت كفلانة الأجنبية إلا أن ينويه مستفتٍ اهـ. والفرق بين الصريح من

стр. 691

الظهار وكناياته فيما يوجبه الحكم أن كنايات الظهار إن ادعى أنه أراد به الطلاق صدق إن أتى مستفتياً أو كان قد حضرته البينة، وأن صريح الظهار لا يصدق إن ادعى أنه أراد به الطلاق إذا حضرت البينة، ويؤخذ من الطلاق مما أقر به ومن الظهار بما لفظ به فلا يكون له إليها سبيل وإن تزوجها بعد زوج حتى يكفر كفارة الظهار. وقيل: إنه يكون ظهاراً على كل حال ولا يكون طلاقاً اهـ. ابن رشد، ومثله في الخرشي. قال رحمه الله تعالى: " وقوله ظهرك كظهر ابني أو غلامي ظهار، فيحرم به الاستمتاع حتى يُكفر " يعني إذا قال الزوج لزوجته أو السيد لأمته ظهرك كظهر ابني أو غلامي وقصد الظهار فإنه يلزمه، فيحرم عليه الاستمتاع بالمظاهر منها بوطء أو مقدماته حتى يكفر. قال الدردير في أقرب المسالك مشبهاً بلزوم البتات: كأنت كفلانة الأجنبية، أو أنت كابني أو غلامي أو غلام زيد، أو ككل شيء حرمه الكتاب، نحو أنت كالخمر، أو كالميتة، أو كالدم، أو لحم الخنزير فيلزمه في ذلك كله البتات، إلا أن ينوي في غير مدخول بها الأقل، والموضوع أنه لم يذكر لفظ ظهر ولا مؤبدة تحريم، وإلا كان ظهاراً إذا لم ينو به الطلاق كما تقدم، فتكون هذه من كناية الطلاق لا الظهار. قال ابن رشد في المقدمات: صريحه عند ابن القاسم وأشهب وروايته عن مالك أن يذكر الظهر في ذات محرم، وكنايته عند ابن القاسم أن لا يذكر الظهر في ذات محرم، وأن يذكر الظهر في غير ذات محرم قاله الحطاب. وقال في المدونة: وإن قال لها أنت كفلانة الأجنبية ولم يذكر الظهر فهو البتات، أي لم ينو به الظهار فإنه يصدق في الفتيا لا في القضاء كما يدل عليه كلام ابن يونس، فإن لم يكن له نية فبتات. وقال ابن رشد: ولو قال كأبي أو غلامي ولم يسم الظهر لم يكن ظهاراً عند ابن القاسم، حكاه ابن حبيب من رواية أصبغ عنه، وتقدم في الطلاق أنه إن دل البساط على عدم إرادة الطلاق لم يلزمه شيء. وقال الصاوي في الحاشية: تنبيه: لو قال الرجل لامرأته إن وطئتك وطئت أمي، أو لا أعود

стр. 692

لمسك حتى أمس أمي، أو لا أراجعك حتى أراجع أمي، فلا شيء عليه ما لم ينو شيئاً فيؤاخذ بما نواه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهي " أي كفارة الظهار " مشروطة بالعود وهو العزم على الوطء، وقيل مع الإمساك " يعني كما في أقرب المسالك: وتجب الكفارة بالعود وهو العزم على وطئها، ولا تجزئ قبله، وتتقرر بالوطء فتسقط إن لم يطأ بطلاقها وموتها ولو أخرج بعضها قبل الطلاق بطل وإن أتمها بعده، فإن تزوجها لم يقربها حتى يكفر اهـ. قال ابن رشد في المقدمات: وقد اختلف في العودة الموجبة على المظاهر الكفارة على ستة أقوال: أحدها: إرادة الوطء والإجماع عليه وهو قول مالك في موطئه أنه إذا أراد الوطء وأجمع عليه فقد وجبت عليه الكفارة وإن مات أو طلقها، والثاني: أنها إرادة الوطء والإجماع عليه مع استدامة العصمة، فمتى انفرد أحدهما دون الآخر لم تجب الكفارة فإن أجمع على الوطء ثم قطع العصمة بطلاق فلم يستدمها، أو انقطعت بموت سقطت الكفارة، وإن كان قد عمل بعضها سقط عنه سائرها، وكذلك إن استدام العصمة ولم يرد الوطء ولا أجمع عليه لم تجب الكفارة، بل لا تجزئه إن فعلها وهو غير عازم على الوطء ولا مجمع عليه. هذا قول مالك في المدونة وعليه جماعة أصحابه، وهو أصح الأقاويل، ولذا اقتصرنا عليه. انظر المقدمات إن شئت. ثم ذكر رحمه الله تعالى كيفية الكفارة بأنواعها الثلاثة فقال: " وهي " أي الكفارة المذكورة مرتبة كما قال رحمه الله تعالى: " مرتبة فيعتق رقبة صفتها ما تقدم " أي في كفارة الصيام، فيعتق رقبة مؤمنة كاملة الرق غير معيبة أي سليمة من العيوب ولا مستحقة العتق بوجه. أو يصوم شهرين متتابعين، فإن قطع لعذر بنى وإلا استأنف. أو يطعم ستين مسكيناً مداً مداً والعدد شرط. انتهى ما ذكره المصنف هناك. وتقدم لنا الكلام في مقدار المد في كتاب الزكاة فراجعه إن شئت.

стр. 693

قال رحمه الله تعالى: " فإن لم يجد صيام شهرين متتابعين، فإن قطع ولو بالاستمتاع بها ليلاً استأنف إلا أن يجد الرقبة فتلزمه، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً على ما قدمناه " أي في كفارة الصيام، إلا أن كفارة الصيام هي على التخييرو أما هنا في الظهار فعلى الترتيب كما هي مقررة. قال أبو محمد في الرسالة: ومن تظاهر من امرأته فلا يطؤها حتى يكفر بعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب ليس فيها شرك ولا طرف من حرية، فإن لم يجد صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً مدين لكل مسكين ولا يطؤها في ليل أو نهار حتى تنقضي الكفارة، فإن فعل ذلك فليتب إلى الله فإن كان وطؤه بعد أن فعل بعض الكفارة بإطعام أو صوم فليبتدئها ولا بأس بعتق الأعور في الظهار وولد الزنا، ويجزَى الصغير، ومن صلى وصام أحب إلينا اهـ. انظر النفراوي. وقول صاحب الرسالة مدين لكل مسكين خلاف المشهور، والمشهور كما قال ابن الحاجب وخليل وهو مذهب المدونة أن الواجب لكل مسكين مد بمد هشام وهو قدر مد وثلثين من أمداده ﷺ . ويمكن الجواب عن صاحب الرسالة فيقال: إنه بنى كلامه على القول بأن مد هشام قدر مدين من أمداده ﷺ ، لأن بعض الشيوخ قال: شاهدت بالمدينة مد هشام وحققته فوجدته قدر مدين من أمداده ﷺ . نقل ذلك خليل في التوضيح اهـ. النفراوي. قال رحمه الله تعالى: " ولا يجزئ التلفيق ولا يكفر العبد بالعتق " يعني أنه تقدم الكلام لنا في التلفيق وكفارة العبد. وقال النفراوي في الفواكه: علم من كلام المصنف كغيره أن كفارة الظهار كغيرها لا تصح ملفقة كصوم شهر وإطعام ثلاثين مسكيناً. وعلم من كلامه أيضاً ومن نص القرآن أنها من ثلاثة أنواع، لكن في حق الحر. وأما العبد فلا يكفر إلا بالصوم. قال خليل: وتعين لذي الرق ولمن طولب بالفيئة وقد التزم عتق من يملكه لعشر سنين. ومعلوم أنه إنما يصوم إذا قدر على ذلك ولم يكن صومه

стр. 694

يضر بسيده من جهة خدمته إن كان عبد خدمة، أو من جهة خراجه إن كان عبد خراج، وإلا أخر الصوم حتى يقوى عليه ويأذن له، وإن أذن له السيد في الإطعام جاز له التكفير به اهـ. وتقدم في الأيمان قول المصنف ويكفر العبد بالصيام فراجعه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: " ويصح تعليقه على النكاح فإذا عقد لم يجز له الاستمتاع بها حتى يكفر " يعني أن الأجنبية يلحقها الظهار كما يلحقها الطلاق عند مالك إذا علق ذلك على تزويجها، فإذا قال للأجنبية أنت علي كظهر أمي وقصد به إن تزوج بها أو نوى بذلك فإنه لزمه الظهار بمجرد العقد وتحرم عليه حتى يكفر كفارة الظهار. وفي الموطأ عن مالك بإسناده عن سعيد بن عمرو بن سليم الزرقي أنه سأل القاسم بن محمد عن رجل طلق امرأة إن هو تزوجها، فقال القاسم بن محمد: إن رجلاً جعل امرأة عليه كظهر أمه إن هو تزوجها فأمره عمر بن الخطاب إن هو تزوجها أن لا يقربها حتى يكفر كفارة المظاهر اهـ. وقال في المدونة في الرجل يقول في المرأة إن تزوجها فهي طالق، وهي علي كظهر أمي: إنه إن تزوجها وقع عليه الطلاق والظهار جميعاً، فإن تزوجها بعد ذلك لم يقربها حتى يكفر كفارة الظهار، لإن الطلاق والظهار وقعا جميعاً معاً اهـ. ولما أنهى الكلام على الظهار وأحكامه انتقل يتكلم على اللعان وما يتعلق به من الأحكام فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ أي في بيان ما يتعلق بأحكام اللعان، وكيفية الشهادات فيه. واللعان هو لغة: الإبعاد والطرد، وشرعاً: هو حلف الزوج على زنا زوجته أو نفي حملها اللازم له. والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. وأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ

стр. 695

يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩] وأما السنة فَلِمَا ثبت في الحديث في شأن عويمر بن أشقر، وقيل: ابن أبيض العجلاني مع زوجته خولة بنت قيس الأنصاري، ولما ثبت من حديث أنس بن مالك قال: إن أول لعان كان في الإسلام أن هلال بن أمية قذف شريك ابن السحماء بامرأته، فأتى النبي ﷺ فأخبره بذلك، فقال ﷺ : «أربعة شهداء وإلا حد في ظهرك» يردد ذلك عليه مراراً. . . الحديث. رواه النسائي ومسلم وأبو داود اهـ. وأما الإجماع، فقد أجمعت الأمة على أن الرجل إذا رأى زوجته تزني، أو نفى عنه حملها ولم تكن عنده بينة واشتكى أحدهما إلى القاضي فإنهما يتلاعنان. قال رحمه الله تعالى: " اللعان يثبت بين كل زوجين مسلمين بالقذف برؤية الزنا أو بنفي النسب " يعني كما في الرسالة: واللعان بين كل زوجين في نفي حمل يدعى قبله الاستبراء أو رؤية الزنا كالمرود في المكحلة. واختُلف في القذف. وإذا افترقا باللعان لم يتناكحا أبداً. ويبدأ الزوج فيلتعن أربع شهادات بالله، ثم يخمس باللعنة. ثم تلتعن هي أربعاً أيضاً وتخمس بالغضب كما ذكر الله . وإن نكلت هي رجمت إن كانت حرة محصنة بوطء تقدم من هذا الزوج أو زوج غيره، وإلا جلدت مائة جلدة، وإن نكل الزوج جلد حد القذف ثمانين، ولحق به الولد اهـ. ولكيفية الشهادات أشار رحمه الله تعالى قال: " فيبدأ الرجل فيقول أربعاً أشهد بالله لقد رأيتها تزني وإني لمن الصادقين وهل يلزمه الوصف كالشهود قولان. ويخمس بأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فينتفي عنه الحد والولد " يعني البادي من الزوجين باللعان الزوج في رؤية الزنا ونفي الحمل. وهل يلزمه في الرؤية أن يصف كيفيتها، كما

стр. 696

يلزم ذلك على الشهود قولان. قال الدردير: ولا بد من الرؤية. وقال الصاوي: أي وإن لم يصفها كالبينة. هذا هو المشهور. وقيل: لا يلاعن إلا إذا وصف الرؤية بأن يقول كالمرود في المكحلة. وقد ذكر ابن عرفة الطريقتين وصدر بعدم الاشتراط، وعبر عنه الآبي بالمشهور. ثم اعلم أنه بتمام لعان الزوج يجب ثلاثة أحكام: أحدهما سقوط نسب الولد. والثاني درء الحد عن الزوج. والثالث رجوعه على المرأة إلا أن تلاعن. وقال رحمه الله تعالى: " ثم تشهد هي أربع شهادات بالله ما زنيت وإنه لمن الكاذبين، وتخمس بأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين " يعني وبتمام لعانها أيضاً ترتب ثالثة أحكام: الأول درء الحد عنها. والثاني فسخ النكاح. والثالث تأبيد حرمتها عليه. وإليه أشار ﵀ بقوله: " فينتفي الحد ويثبت الفرقة وتحرم أبداً " فحاصل ذلك أن أحكام اللعان، أي ثمرته المترتبة ستة، ثلاثة مترتبة على لعان الزوج كما تقدم: الأول رفع عنه إن كانت الزوجة حرة مسلمة، أو رفع الأدب عنه في الأمة والذمية. والثاني إيجاب الحد أو الأدب على المرأة إن نكلت بعد لعانه. والثالث قطع نسبه من حمل ظاهر أو سيظهر. وثلاثة مترتبة على لعانها: الأول تأبيد تحريمها عليه. والثاني ثبوت فسخ النكاح. والثالث رفع الحد عنها كما تقدم. نقله الصاوي وغيره اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا يبدل اللعن بالغضب " يعني أنه لا يجوز تبديل لفظ اللعن والغضب في اللعان، بل لا يجزئ للرجل إن بدل لفظ اللعن في الخامسة بالغضب، وكذا المرأة لا يجزئها إن بدلت لفظ الغضب في الخامسة باللعنة. ومثلهما لفظ أشهد. قال خليل: ووجب أشهد واللعن والغضب. هذه الألفاظ الثلاثة شرط في صحة اللعان. قال: إنما تعين اللعن في خامسة الرجل، والغضب في خامسة المرأة لأن الرجل مبعد لأهله وهي

стр. 697

الزوجة، ولولده الذي نفاه باللعان، فناسب ذلك، لأن اللعن معناه البعد. والمرأة مغضبة لزوجها ولأهلها ولربها فناسب ذلك التعبير بالغضب اهـ. ومثله في الصاوي: وعبارة الخرشي أنه قال يعني أنه يجب على كل واحد من المتلاعنين أن يقول في كل يمين أشهد بالله، فلو أبدله بأحلف أو أقسم ونحوه لم يجزه، وكذلك يتعين لفظ اللعن في خامسة الرجل لأنه مبعد لأهله ولولده فناسب ذلك، لأن اللعن معناه البعد. ويتعين لفظ الغضب في خامسة المرأة لأنها مغضبة لزوجها ولأهلها ولربها فناسبها ذلك. ولا يجزئ لو أبدل الرجل اللعنة بالغضب أو المرأة الغضب باللعنة اهـ. وعبارة النفراوي أنه قال: لم يذكر حكم أشهد، حكمه الوجوب في حق الناطق، فلا يكفي أحلف ولا أقسم كما يجب لفظ اللعن في خامسة الرجل والغضب في خامسة المرأة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وليكن بمشهد من المؤمنين بموضع يُعظم " وفي الحطاب: قال القرطبي في سورة النور: اللعان يفتقر إلى أربعة أشياء: عدد الألفاظ وهي أربع شهادات، والمكان وهو أن يقصد به أشرف البقاع بالبلد، إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وببيت المقدس فعند الصخرة، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدون تعظيمه، إن كانا يهوديين فالكنيسة، أو مجوسيين فبيت النار، وإن كان لا دين لهما مثل الوثنيين ففي مجلس حُكمه. والوقت وذلك بعد صلاة العصر. والجمع وذلك بأن يكون هناك أربعة أنفس فصاعداً. فاللفظ وجمع الناس مشروطان. والزمان والمكان مستحبان اهـ. وفي شرح الرسالة: ويجب أن يكون اللعان بحضرة جماعة من الناس أقلهم أربعة، وأن يكون في أشرف أمكنة البلد وهو المسجد إن كانت الزوجة مسلمة، وإن كانت ذمية فتلاعن في كنيستها، وذكر الخرشي عن تقرير أن كونه بأشرف البلد حق لله تعالى، فلو امتنع من ذلك يعد نكولاً. ويستحب تخويفهما قبل الشروع في اللعان بأن يقال

стр. 698

لكل منهما تُبْ إلى الله واعلم أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فإن أحدكما كاذب بلا شك اهـ بتصرف. قال رحمه الله تعالى: " وأيهما نكل حُد وأقر لكن حد الزوج يقف على كونها يحد قاذفها " يعني أي واحد من المتلاعنين نكل عن اللعان يحد فإن التعن الزوج ونكلت رجمت بشروط آتية، وإن كان الناكل الزوج والتعنت الزوجة فإنه يحد حد القذف بشروط آتية وأقر نكاحهما. وتقدم كلام صاحب الرسالة من قوله: وإن نكلت هي رجمت إن كانت حرة محصنة بوطء تقدم من هذا الزوج أو زوج غيره. ويشترط أيضاً أن تكون كبيرة بالغة عاقلة، وأن تكون ممن يمكن حملها. فلا تحد الصغيرة بل لا يلاعنها إذ لو أقرت بالزنا لم يلزمها شيء. قال النفراوي: وشرطه إطاقة الزوجة ولو كتابية وغير مدخول بها، لكن البالغة تلاعن كالزوج والمطيقة إنما يلاعن زوجها دونها، وغير المطيقة لا لعان على واحد منهما ولا حد على الزوج لعدم لحوق المعرة اهـ. ويشترط في الكبيرة الناكلة ألا ترجع إلى الحلف، فإن رجعت فلها ذلك كالتي تقر على نفسها بالزنا ثم ترجع عنه فيسقط الحد عنها، بخلاف الزوج إذا نكل ثم أراد أن يرجع فلا يمكن من ذلك على المشهور. ويشترط في حق الزوج ألا يكون صبياً ولو كانت الزوجة بالغة بل لا يلزمه لعان، وإنما يؤدب وإن ظهر بها حمل ينتفي عنه بغير لعان، وعليها الحد. ويشترط في حق الزوج الناكل ألا تكون الزوجة أمة أو ذمية، فإن كانت كذلك فلا حد على الحر المسلم في نكوله، لقول مالك في المدونة: أما الكافرة والأمة فإنه لا يجلد قاذفهما اهـ. وتقدم أنه يلاعن الزوج الحر المسلم ليدفع عن نفسه الأدب إذا رمى زوجته الأمة أو الذمية بالزنا ونفى الحمل بشروط متقدمة. قال مالك في الموطأ: والعبد بمنزلة الحر في قذفه ولعانه يجري محرى الحر في ملاعنته، غير أنه ليس على من قذف

стр. 699

مملوكة حد. والأمة المسلمة والحرة النصرانية واليهودية تلاعن الحر المسلم إذا تزوج إحداهن فأصابها، وذلك أن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦] فهن من الأزواج وعلى هذا الأمر عندنا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويشترط للنفي الاستبراء وعدم الوطء بعده، ويلتعن هو دونها " يعني يشترط في لعان نفي الحمل أن يدعي استبراء الزوجة قبل ظهور الحمل وعدم الوطء بعده. قال النفراوي: يصح اللعان لنفي حمل بشرط أن يدعَى قبله استبراء ولو بحيضة، ومثل الاستبراء دعواه عدم وطئها بعد وضعها الحمل الأول الذي قبل هذا المنفي، والحال أن بين الوضعين ما يقطع الثاني عن الأول وهو ستة أشهر فأكثر. ويدعى قبله الاستبراء إلى أنه لا يجوز لأحد نفي حمل زوجته لأن الولد للفراش إلا إذا اعتمد على أمر قوي، وأما مجرد شكه في أنه ليس منه مع استمراره على وطئها فلا يحل له نفيه مع إمكان كونه منه، ولا يصح لعانه، ولا يجوز له أن يعتمد في نفيه على عزله ولا عدم مشابهته له، ولا سواده مع كونه أبيض، ولا على كونه كان يطؤها بين فخذيها حيث كان ينزل ولا على وطء بغير إنزال حيث وطئ قبله ولم يبل حتى وطئها لاحتمال بقاء المني في قصبة الذكر اهـ. ثم إنه إذا ادعى الاستبراء وعدم الوطء بعده والتعن فلا يلحق به ما أتت به من ولد إذا كان بين استبرائه ووضعها ستة أشهر، وأما إن كان في أقل من ذلك فإنه يلحق بالفراش ويحمل على وجود الولد في بطنها حال استبرائها لأن الحامل تحيض عند مالك. والشرطان المتقدمان في نفي الحمل بالرؤية، وأما إذا كان في نفي حمل ظاهر بشهادة امرأتين فيشترط تعجيل اللعان من غير تأخير لوضع الحمل. قال خليل: بلعان معجل كالزنا. وقال بعد ذلك: وإن وطئ أو أخر بعد علمه بوضع أو حمل بلا عذر امتنع اهـ. وأما قول المصنف ويشترط للنفي الاستبراء وعدم الوطء أي إذا استبرأها ولم يطأها وأتت بولد كامل لستة أشهر من يوم الاستبراء فيعتمد في نفيه على استبرائها

стр. 700

كما تقدم، ويلاعن وإن لم يدَّع الرؤية. قال عياض: وهو المشهور، ولا ينتفي الولد بغير لعان. ولا بد من لعان الزوج، وإن نكل حد لقذفه، وإن مات الولد الذي رماها به أو الحمل الذي رماها به. وفائدة اللعان حينئذ سقوط الحد عنه اهـ الخرشي وغيره. وتقدم قوله: فإن ادعت ولادته وادعى التقاطه فالقول قولها، فراجعه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: " فإن وطئ بعده حد للقذف ولحقه كاعترافه به في ادعاء الرؤية للزنا " يعني فإن وطئ بعد الاستبراء ثم نفى الولد باللعان فإنه يحد للقذف ويلحق به الولد، كما لو اعترف في قذفها بالزنا فإنه يحد كذلك. قال خليل: وحد بعدها، أي بعد العدة كاستلحاق الولد أي الملاعن فيه. قال الآبي في الجواهر: فيحد لاعترافه بالقذف. ولا يتعدد حده بتعدد الأولاد المستلحقين بعد لعانه فيهم سواء استلحقهم دفعة أو واحداً بعد واحد، ولو بعد حده للأول لأنه قذف واحد، إلا أن تزني الملاعنة قبل الاستلحاق فحينئذ لا يحد لاستلحاقه لزوال عفتها اهـ بحذف. قال رحمه الله تعالى: " ولو أكذب نفسه أو استلحقه لحق به وحد ولم تحل " يعني أن الزوج إذا أكذب نفسه بعد اللعان أو قبله، أو استلحق الولد فإنه يلحق به وحد للقذف، فإن كان ذلك قبل أن يلتعن أحدهما فلا لعان ولا فراق، وإن كان بعد تمام لعانهما ثبت الحد والفرقة ولم تحل له أبداً. قال مالك في الموطأ: السنة عندنا أن المتلاعنين لا يتناكحان أبداً، وإن أكذب نفسه جلد الحد وألحق به الولد ولم ترجع إليه أبداً، وعلى هذا السنة عندنا التي لا شك فيها ولا اختلاف. وقال أيضاً في الرجل يلاعن امرأته فينزع ويكذب نفسه بعد يمين أو يمينين ما لم يلتعن في الخامسة أنه إذا نزع قبل أن يلتعن جلد الحد ولم يفرق بينهما اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويلاعن زوجته الأمة والكتابية لنفي النسب " يعني للزوج أن يلاعن زوجته الأمة أي المملوكة لغيره، وكذلك له أن يلاعن زوجته الحرة

стр. 701

الكتابية لنفي النسب. وتقدم قول مالك أنه قال: والأمة المسلمة والحرة النصرانية واليهودية تلاعن الحر المسلم اهـ. وقال في الحرة التي قذفها زوجها: إنه يلتعن لأن هذا القاذف لهذه الحرة فلا بد من اللعان، وهو في الأمة والمشركة لا يكون قاذفاً ولا يلتعن إذا قذفها إلا أن يدعي رؤية أو ينفي حملاً باسبراء يدعيه فيقول: أنا ألتعن خوفاً من أن أموت فيلحقني الولد، فهذا الذي يلتعن إذا كانت امرأته أمة أو من أهل الكتاب أو ينفي من حملها إن له أن يلتعن إن أراد أن يلتعن ويحقق قولهعليها لم أمنعه من ذلك، لأن الله ﵎ قال: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور: ٦] وإن لم يرد ذلك ذلك لم يكن عليه شيء لأنه لا حد عليه في قذفه إياها اهـ المدونة. قال رحمه الله تعالى: " وفي القذف بالزنا قولان " يعني أنه اختلف أهل المذهب في اللعان وعدمه في القذف بمجرد دعوى الرؤية بالزنا لا تيقن كأن يقول: إنها زن، أو أنت زنيت، أو زانية. قال في الرسالة: واختلف في اللعان في القذف. وقال خليل: وفي حده بمجرد القذف أو لعانه خلاف. قال الخرشي: يعني أنه إذا قال لزوجته أنت زنيت فقط، أو قال لها: يا زانية فقط ولم يقيد ذلك برؤية زنا ولا بنفي حمل هل يحد ولا يمكن من اللعان، أو يلاعن ولا حد عليه للقذف لعموم آية اللعان، وهي قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ [النور: ٦] فلم يذكر فيها رؤية زنا ولا نفي حمل ولا ولد قاله ابن نافع وبعض كبار المتأخرين، والقولان في المدونة اهـ. قال ابن القاسم: يلاعن، والأكثر يحد فقط. قال المصنف: والمشهور الالتعان بمجرد القذف كما يأتي عن قريب اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويصح من الأعمى لنفي النسب ومن الأخرس إذا فهم منه " يعني أن الأعمى له أن يلاعن زوجته في نفي النسب إذا تيقن وتحقق بأي طريق من طرق العلم بذلك. قال العدوي: فالأعمى يلاعن حتى لرؤية الزنا حيث تيقنه بحس أو

стр. 702

جس، ولا يشترط في وصفه أن يقول كالشهود: رأيت فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة كما تقدم اهـ. وأما الأخرس إذا كان يعقل الإشارة ويفهم الخطاب أو الكتابة ويعلم ما يقوله فإنه يصح لعانه وقذفه عند الأئمة الثلاثة خلافاً لأبي حنيفة. ذكره في كتاب الرحمة. قال خليل: وأشار الأخرس أو كتب سواء كان ذكراً أو أنثى فإنه يشير بما يدل عليه إن كان يحسن الكتابة، وإلا يشير بما يدل على الشهادة باللعان. ويكرر الإشارة أو الكتابة أربعاً كاللفظ على الظاهر اهـ بتصرف. قال رحمه الله تعالى: " والمشهور الالتعان لمجرد القذف. والله أعلم " يعني أن المشهور من أقوال أهل المذهب الالتعان بمجرد القذف لعموم الآية كما هو قول ابن القاسم في المدونة والله أعلم. ولما أنهى الكلام على ما يتعلق باللعان وأحكامه انتقل يتكلم على أحكام العدة والاستبراء وما يتعلق بهما من وضع الحمل وبيان الأقراء فقال:

стр. 703

كتاب العدة والاستبراء أي في بيان ما يتعلق بأحكام العدة والاستبراء، وحكم عدة الحامل والمتوفى عنها زوجها، وحكم عدة الطلاق واللواتي يعتددن بالأقراء أو بالشهور أو السنة. وهو باب مهم عظيم الشأن، مسائله بها يكون صلاح الإنسان في دينه ودنياه، نسأل الله التوفيق إنه ولي ذلك. والعدة تربص المرأة زماناً معلوماً قدره الشارع علامة على براءة الرحم غالباً، لفسخ النكاح أو موت الزوج أو طلاقه أو فقده. وحكمها الوجوب لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ [البقرة: ٢٣٥] والإجماع على ذلك. وأنواعها ثلاثة: أقراء، وشهور، ووضع حمل. وابتدأ رحمه الله تعالى بحكم الحامل فقال: " الحامل يبرئها وضع الحمل ما كان، وضعته مخلقاً أو غير مخلق " يعني أن عدة الحامل وضع حملها سواء في الوفاة أو الطلاق، لقوله تعالى: ﴿وأولات الحمل أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] قال في الرسالة: وعدة الحامل في وفاة أو طلاق وضع حملها، كانت حرة أو أمة أو كتابية. ويشترط في انقضاء العدة أن ينفصل الولد كله بعد الطلاق أو الموت ولو بلحظة، فلو نزل بعضه وبقي بعض ولو الثلث فلا تنقضي عدتها إلا بانفصاله عنها. قال خليل: وعدة الحامل وضع حملها كله. ويشترط أن يكون الحمل من اعتدت منه، أو يحتمل أن يكون منه كالمتلاعن فيه. وأما المنفي قطعاً كولد الزنا، وما تضعه المعتدة من وفاة الصبي الذي لا يولد له فإن العدة لا تنقضي بوضعه، بل لا بد من ثلاثة قروء، وتعد في الطلاق نفاسها حيضة، وعليها في الوفاة أقصى الأجلين، وهو المتأخر من الوضع أو تمام الأربعة أشهر وعشر في الحرة، أو الشهرين والخمس ليلا في الزوجة الأمة اهـ النفراوي بحذف.

стр. 704

قال رحمه الله تعالى: " وتعتد الحرة الحائل للوفاة أربعة أشهر وعشراً ولو بكراً أو صغيرة أو يائسة " يعني أن عدة الحرة الحائل وهي غير الحامل إذا مات زوجها أربعة أشهر وعشر ولو كانت بكراً أو صغيرة أو يائسة، سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها، مسلمة أو كتابية، لعموم قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية. قال في الرسالة: وعدة الحرة من الوفاة أربعة أشهر وعشر، كانت صغيرة أو كبيرة، دخل بها أو لم يدخل، مسلمة كانت أو كتابية اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن غير المدخول بها ومثلها المأمونة الحمل إما لصغرها أو يأسها أو كون الزوج لا يولد له تحل بمجرد فراغ الأربعة أشهر وعشر، وكذا غير مأمونة الحمل، ولكن تتم الأربعة أشهر وعشراً قبل مجيء زمن حيضتها، أو لا تتم قبل زمن حيضتها ولكن أتاها الحيض فيها أو تأخر لرضاع. وأما إن تأخر لمرض أو لغير علة، أو استحيضت ولم تتميز فلا بد من الحيضة أو تمام تسعة أشهر تحل، إلا أن تظهر ريبة بعد التسعة فمكث أقصى الأجلين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وعلى المدخول بها حيضة إلا أن تكون عادة طهرها أكثر من الشهور فتقتصر عليها " يعني لازم على المدخول بها وهي حائل إذا توفي زوجها تربص حيضة في أثناء أربعة أشهر وعشر إلا أن تكون عادتها لا تأتيها إلا بعد أربعة أشهر فتقتصر على أربعة أشهر وعشرة أيام إن لم ترتب وقالت النساء ليس بها حمل فتحل للأزواج. قال ابن جزي: فرع يشترط في المذهب في التي دخل بها وهي في سن الحيض أن تحيض في العدة من الوفاة ولو حيضة واحدة، فإن لم تحض فهي مرتابة فينظر إن كان ارتفاع حيضتها لعذر أو عادة حلت بانقضاء العدة اتفاقاً، وإن كان لغير عذر لم تحل حتى تحيض أو تكمل تسعة أشهر. وقال أشهب وسحنون: تحل بانقضاء العدة وإن لم تحض وفاقاً لهما، وإن كانت تحس شيئاً في بطنها قعدت أكثر من مدة الحمل اهـ. وعبارة

стр. 705

الجزيري في الفقه أنه قال: يشترط لانقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وهي غير حامل بانقضاء أربعة أشهر وعشرٍ شروط أي خمسة، إلى أن قال: والحاصل أن المدخول بها إن توفي عنها زوجها فإنه ينظر أولاً لعادتها في الحيض فإن كانت لا تأتيها الحيضة في مدة أربعة أشهر وعشرة أيام بأن كانت تحيض كل خمسة أشهر مرة وتوفي زوجها وهي في أول طهر انقضت عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام بشرط ألا ترتاب في براءة رحمها، بأن تشعر بحمل أو ترتاب النساء التي تراها، فإن ارتابت فإن عدتها لا تنقضي، فيجب عايها أن تنتظر تسعة أشهر أو حيضة واحدة فتحل للأزواج بأقربهما، فإن لم يزل الارتياب مكثت أقصى مدة الحمل وهي خمس سنين على الراجح: وقيل أربع سنين. وقيل غير ذلك. وأما إن كانت تأتيها الحيضة في أثناء أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن حاضت فيها ولو مرة فإن عدتها تنقضي بانقضاء مدة أربعة أشهر وعشر، وإن لم تحض لسبب مجهول أو لمرض على الراجح فإن عدتها لا تنقضي حتى تحيض، وإلا انتظرت تسعة أشهر، فإن لم تحض وارتابت في الحمل أو ارتاب النساء انتظرت حتى تزول الريبة أو تمضي خمس سنين، وهي أقصى مدة الحمل اهـ بحذف واقتصار. قال رحمه الله تعالى: " والأمة بشهرين وخمسٍ " أي من الليالي بأيامها. يعني تعتد الأمة من وفاة زوجها بشهرين وخمس ليال ما لم ترتب الكبيرة ذات الحيض بتأخيره عن وقته فتقعد حتى تذهب الريبة اهـ. هذا وتستوي الحرة والأمة في الريبة فتمكث حتى تذهب الريبة إما بحيضة أو بتمام مضي التسعة أشهر. هذا حكم المرتابة بتأخير الحيض في مدخول بها إذا تأخرت حيضتها عن عادتها وكان زوجها ممن يولد له، وأما لو كانت ريبتها بجس بطن فإنها تمكث أقصى أمد الحمل كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: " والكتابية تحت المسلم كالمسلمة " يعني أن الكتابية
следующие страницы →