بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصل إلينا كتابك الذى كثر تفصيله، وقلّ تحصيله، ونحن سائرون على إثره، والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل» (١).
وسار الحسن بن أحمد القرمطى بعد ذلك إلى مصر، فنزل بعسكره بلبيس، وبعث إلى الصعيد بعبد الله بن عبيد الله أخى الشريف مسلم، وانبثت سراياه فى أرض مصر، فتأهب المعزّ وعرض عساكره فى ثالث رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وأمر بتفرقة السلاح على الرجال، ووسّع عليهم فى الأرزاق، وسيّر معهم الأشراف والعرب.
وسيّر معهم المعزّ ابنه الأمير عبد الله، فسار بمظلته وبين يديه الرجال والسلاح والكراع والبنود وصناديق الأموال والخلع، وسيّر معه أولاده وجميع أهله وجمعا من جند المصريين خلا الشريف مسلم، فإنه أعفاه من ذلك.
وانبسطت سرية القرمطى فى نواحى أسفل الأرض (٢)، فأنفذ المعز عبده ريّان الصقلبى فى أربعة آلاف، فأزال القرامطة عن المحلة ونواحيها وقتل وأسر.
ولثمان خلون منه قدمت سرية القرامطة إلى الخندق، فبرز إليهم المغاربة فهزموهم، ثم كرّوا على المغاربة فقتلوا منهم جماعة وأسروا؛ وفر إليهم علىّ بن محمد الخازن فالتحق بالقرامطة.
وورد الخبر بأن عبد الله بن عبيد الله أخا مسلم أوغل فى الصعيد، وقتل، واستخرج الأموال، وأسرف فى قتل المغاربة وأسرهم، ثم كر راجعا إلى خميم.
ولست عشرة خلت منه جمع المعزّ أولاد الإخشيدية وغيرهم من الجند واعتقلهم.
وفى سلخه طيف بتسعة من القرامطة على الإبل بالبرانس ومعهم ثلاث رءوس؟
стр. 247
وفيه سار عسكر المعز مع ابنه عبد الله فنزل جبّ عميرة، ونزلت عسكر القرمطى نصفين:
نصف مع النعمان أخى الحسن بن أحمد الأعصم مواجهة لعبد الله بن المعز، ونصف مع الحسن بسطح الجب.
فبعث عبد الله العساكر، فأحاطت بالحسن بن أحمد، وعسكر وزحف إلى النعمان فقاتله فانهزم، وقتل من أصحابه، وواقع الآخرون الحسن حتى كاد أن يؤخذ، فإنهم أحاطوا به، وصار فى وسطهم؛ فاغتنم فرجة مضى منها على وجهه؛ ونهب سواده وأخذت قبته (١)، وأسر رجاله، وأخذ من عسكره وعسكر أخيه خلق كثير، وأخذ جماعة ممن كان مع المصريين.
ووصل الكتاب مع الطائر إلى عبد الله بن عبيد الله أخى مسلم بهزيمة القرامطة - وهو بالصعيد -، فعدّى إلى الجانب الشرقى لينقلب إلى الشام، فبلغه مسير عساكر المعز فعاد إلى الجانب الغربى.
стр. 248
وورد كتاب الطائر إلى المعز من الأمير عبد الله ابنه بأنّ عبد الله أخا مسلم قد أخذ، فأرسل المعز إلى أخيه أبى جعفر مسلم يخبره، فخلع على البشير.
وكانت فى البرية سرية للمعز قد أخذوا الطريق على عبد الله أخى مسلم، فوقع فى أيديهم فى الليل رجل بدوى، فقال: «أنا عبد الله أخو مسلم» فجاء إلى الأمير عبد الله، فكتب إلى الطائر يأخذ عبد الله، فلما جئ بالبدوى من الغد إلى الأمير عبد الله وهو فى معسكره - وكان فى مجلسه عبد الله بن الشويخ - فقال للأمير عبد الله:
«ما هذا عمى عبد الله».
فبطل القول.
وكان خبر هذا البدوى أنه كان معه عبد الله أخى مسلم بالصعيد، وعبر معه يريد الشام، فأراد أن يسقى دوابه، فقال له البدوى:
«ما نأمن أن يكون على الماء طلب، فدعنى أتقدمك، فإن لم أجد أحدا جئتك، وإن أبطأت عليك فاعلم أنى أخذت».
فلما وافى البدوى البئر أخذ فقال لهم: «أنا عبد الله أخو مسلم» ليشغلهم عن طلبه، فلما أبطأ البدوى على عبد الله علم أن الطلب قد أخذوه، فكرّ راجعا وعاد إلى الجانب الغربى، وركب البحر إلى عينونا، ومضى إلى الحجاز.
وكان هاروق على عسكر للمعز، فرأى أصحابه عبد الله، فأفلت منهم على فرس دهماء عربية بعد ما حط قبته وقطعها بسيفه، فظفر هاروق بنوقه، ووصل عبد الله إلى المدينة النبوية، وجلس يتحدث فى المسجد، فقبل له:
«إن الكتب قد سبقتك، وبذلك فيك مال عظيم».
فنهض لوقته، وتوجه إلى الأحساء، فاستنهض القرامطة، فلم يكن فيهم نهضة، فوبخهم لما رأى من عجزهم، وقال:
«أرونى ما عندكم من القوة التى تقاومون بها صاحب مصر».
فأوقفوه على ما عندهم من المال والسلاح والكراع، فاستقلّه وقال:
стр. 249
«بهذا تقاومون صاحب مصر والشامات والمغرب؟».
وانصرف عنهم إلى العراق، فأتبعوه برجل يقال إنه من بنى سنبر، فسمّه فى لبن بموضع يقال له النصيرية - على ميلين من البصرة - فقام مائتى مجلس فى ليلة ومات بموضعه، فغسّل وكفن وأدخل البصرة، فصلى عليه ودفن بها إلى أن جاء حسن بن طاهر بن أحمد فحمله إلى المدينة.
وورد الخبر بذلك إلى المعز، فأخبر الناس بموته وموت المطيع، فإنّ ابنه سمّه أيضا، كما سمت القرامطة عبد الله أخا مسلم.
وأما أخبار القرامطة ففى كتب المؤرخين من المشارقة المتعصبين على الدولة الفاطمية أن سبب انهزام الحسن بن أحمد القرمطى من عساكر المعز أن العرب لما أنكت بمسير سراياها بأرض مصر رأى المعز أن يفل عساكر القرامطة وجموعهم بمخادعة حسّان (١) بن الجراح الطائى - أمير العرب ببلاد الشام -، وكان قدم مع القرمطى فى جمع عظيم قوى به عسكر القرمطى؛ فبعث المعز إلى ابن الجراح وبذل له مائة ألف دينار على أن يفل عسكر القرمطى، فأجاب إلى ذلك، وأن المعز استكثر المال، فعمل دنانير من نحاس وطلاها بالذهب، وجعلها فى أكياس، ووضع على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب ليغطى ما تحتها، وشدت الأكياس وحملت إلى ثقة من ثقات ابن الجراح بعد ما كانوا استوثقوا منه وعاهدوه أنه لا يغدر بهم، فلما وصل إليه المال تقدّم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا تواقف العسكران وقامت الحرب، فلما اشتد القتال ولى ابن الحراج؟؟؟ منهزما واتبعه أصحابه - وكان فى جمع كبير -
فلما رآه القرمطى - وقد انهزم تحيّر، فكان جهده أن قاتل بمن معه حتى تخلص،
стр. 250
وكانوا قد أحاطوا به من كل جانب، فخشى على نفسه وانهزم، واتبعوه ودخلوا عسكره، فظفروا منه بنحو من (ص ٣٥ ا) ألف وخمسمائة رجل، فأخذوهم أسرى، وانتهبوا العسكر.
ولما كان لخمس بقين من شعبان أنفذ المعز أبا محمود إبراهيم بن جعفر إلى الشام خلف القرمطى فى عسكر يقال مبلغه عشرون ألفا، فظفر فى طريقه بجماعة من أصحاب القرمطى، فبعث بهم إلى مصر.
وسار الحسن بن أحمد القرمطى فنزل أذرعات، وأنفذ أبا الهيجا فى طائفة إلى دمشق.
وبعث المعز إلى ظالم بن موهوب العقيلى (١) لما بلغه ما وقع بينه وبين القرمطى، فاستماله ليكون عونا على القرمطى، فسار يريد بعلبك، فوافاه الخبر بهزيمة القرمطى ونزول أبى الهيجا دمشق، فسار القرمطى ودخل البرية يريد بلده وفى نيته العود.
وكان للحسن بن أحمد القرمطى هذا شعر، فمنه فى أصحاب المعز لدين الله:
زعمت رجال الغرب أنّى هبتها … فدمى إذا ما بينهم مطلول
يا مصر إن لم أسق أرضك من دم … يروى ثراك، فلا سقاك النيل
ولما كان فى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحاق وجعفر الهجريان من القرامطة فملكا الكوفة، وخطبا لشرف الدولة، فانزعج الناس لذلك لما فى النفوس من هيبتهم وبأسهم، وكان من الهيبة ما أنّ عضد الدولة بن بويه وبختيار أقطعاهم الكثير، وكان لهم ببغداد نائب يعرف بأبى بكر بن ساهويه يتحكّم تحكم الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة بن عضد الدولة، فلما ورد القرامطة الكوفة كتب إليهما صمصام الدولة يتلطفهما ويسألهما عن سبب حركتهما،
стр. 251
فذكرا أنّ قبض نائبهم هو السبب فى قصدهم البلاد، وبثّا أصحابهما فجبوا المال، فأرسل صمصام الدولة العساكر ومعهم العرب، فعبروا الفرات إليه وقاتلوه وأسروا، فانجلت الوقائع بينهم وبين العساكر عن هزيمة القرامطة، وقتل مقدمتهم فى جماعة، وأسر عدة، ونهب سوادهم، فرحل من بقى منهم من الكوفة، وتبعهم العساكر إلى القادسية فلم يدركوهم، وزال من حينئذ بأسهم.
وفى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة جمع شخص يعرف بالأصفر من بنى المتفق جمعا كثيرا [وكان] بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة قتل فيها مقدم القرامطة، وانهزم أصحابه وقد قتل منهم وأسر كثير، فسار الأصفر إلى الأحساء وقد تحصّن منه القرامطة بها، فعدّى إلى القطيف وأخذ ما كان فيها من مال وعبيد ومواشى، وسار بها إلى البصرة (١).
стр. 252
ولنرجع إلى بقية أخبار المعز لدين الله أبى تميم معد الفاطمى بانى القاهرة فنقول:
لما انهزم الحسن بن أحمد القرمطى خرج فى شعبان من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة الأشراف والقاضى أبو طاهر، والفقهاء، والشهود، ووجوه التجار، وكثير من الرعيّة إلى المعسكر لتهنئة الأمير عبد الله بن المعز بالفتح، وكان معسكره بظاهر مشتول، فأكرمهم وأضافهم، وانصرفوا من الغد.
وللنصف من شعبان صرف المعزّ الحسن بن عبد الله عن الأحباس بمحمد بن أبى طاهر القاضى، ومحمد بن إقريطش ضمانا بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم فى كل سنة، تدفع إلى المستحقين حقوقهم، ويحمل الباقى إلى بيت المال.
وطيف بأربعين رأسا جئ بها من الصعيد من أصحاب أخى مسلم.
وفى أول شهر رمضان دخل الأمير عبد الله بعساكره إلى القاهرة - بعد فراغه من قتال القرامطة - بالأسارى والرءوس - وهو بمظلته - فجلس له أبوه المعزّ فى القبة على باب قصره لينظره، فلما عاين الأمير عبد الله مجلس أبيه المعز ترجل وقبّل الأرض، ونزل أهل العسكر كلهم بنزوله، ومشى إلى القصر والناس معه مشاة.
وورد الخبر بدخول أبى محمود إلى الرملة بغير قتال، وأنه استأمن إليه جماعة من عسكر القرامطة.
وفيه قبض المعز على جماعة من السعاة والعيّارين الذين يؤذون الناس وسجنهم.
ووافى رسول ملك الروم برسالة، فاجتمع الناس للنظر إليه، وجلس له المعز على السرير الذهب، فدخل إليه، وقبل الأرض مرارا، وأذن له بالجلوس على وسادة، وكان علىّ بن الحسين - قاضى أذنة - حاضرا فقال:
«يا أمير المؤمنين صلى الله عليك، هذا - وأشار إلى الرسول - آفة على الإسلام، والمؤذى للمسلمين والأسارى».
стр. 253
فنظر إليه المعز منكرا عليه وأخرج؛ وتكلم الرسول فى الهدنة، وأخذ المعز كتابه، وأنزل فى دار.
وفيه أطلق المعز طنجمية (؟)، وهم عشرة لكل واحد ثمانمائة رباعى ذهبا، وزنها مائتى مثقال.
ووردت الأخبار بأن القرمطى فرّ على وجهه، وتمزقت عساكره، فلم يفلحوا إلى اليوم.
وطيف بأسارى من القرامطة على الإبل بالبرانس، وعدتهم ألف وثلاثمائة، مقدمهم مفلح المنجمى ببرنس كبير على جمل بثوب مشهر مكتوب على ظهره اسمه وما عمل، وخلفه جماعة من وجوه القرامطة، وبين أيديهم الرءوس على الحراب وعدتها آلاف، وكان يوما عظيما واجتماعا كثيرا؛ فلما فرغوا من التطواف اعتقلوا بالقاهرة.
وفيه خرج المعز على فرس، وقد اجتمع الناس من الأشراف والقواد والعمال والكتاب والمغاربة، فوقفوا بين يديه، فقال لهم:
«قد أنعم الله وتفضّل وخوّل، ومكّن، ونريد الحجّ وزيارة قبر جدى رسول الله ﷺ والجهاد، فايش يقصر عن هذا؟ إن قلت ليس عندى مال، إنى لكاذب؛ وإن قلت ليس عندى كراع وسلاح، إنى لكاذب؛ وإن قلت ليس عندى رجال، إنى لكاذب؛ اللهم أعنى بنية أقوى من نيتى».
وفيه خرج الأمر بقتل الأسارى الذين فى الاعتقال، فقتلوا عن آخرهم، وحفرت لهم أخاديد ودفنوا، فلما بلغ المعز ذلك قال:
«والله ما أمرت بقتلهم، ولقد أمرت بإطلاقهم، ويدفع لكل منهم ثلاثة دنانير».
واغتمّ لذلك وتصدّق وأعتق.
وورد الخبر بقتل على بن أحمد العقيقى من الأشراف، وابنه ذا من يح (كذا) الحسينى وأن البادية قتلهم بالصعيد، وكانوا من أصحاب أخى مسلم.
وفيه قبض أبو إسماعيل الرّسّى على ابنه على بن إبراهيم، وأخبر المعز، فقال له المعز:
«يكون عندك محتفظا به»، وكان أيضا من أصحاب أخى مسلم الذين ظاهروا مع القرمطى.
стр. 254
وبعث أبو محمود بعمال الشام، فجاسوا فى بستان الإخشيد بالقاهرة.
وفى يوم عيد الفطر ركب المعز وصلى بالناس على رسمه وخطب.
وفيه ورد الخبر بدخول أبى محمود إبراهيم بن جعفر إلى دمشق، وتمكّن سلطانه بها وقوته، وأنه قبض على جماعة أبى الهيجاء القرمطى وابنه، واستأمن إليه جماعة من الإخشيدية والكافورية، وأخذ محمد بن أحمد بن سهل النابلسى، وسيّره مع الجماعة إلى المعز.
وكان من خبر أبى محمود إبراهيم بن جعفر أنه سار من الرملة، ونزل على أذرعات، وقد سار ظالم بن موهوب العقيلى نحو دمشق بمراسلة أبى محمود ليتفقا على أبى الهيجاء القرمطى، وكان أبو الهيجاء بن منجا القرمطى بدمشق فى نحو الألفى رجل، وقد طلب منه الجند مالا، فقال: «ما معى مال»، ووافى ظالم بن موهوب العقيلى عقبة دمر، فخرج إليه أبو الهيجاء وابنه بمن معه، ففرّ عدة من الجند، ولحقوا بظالم مستأمنين إليه، فقوى بهم، وسار بهم فأحاط بأبى الهيجاء، فلم يقدر على الفرار، فأخذه وابنه، بعد أن وقعت فيه ضربة، وانقلب العسكر كله مع ظالم، فملك دمشق لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين، فحبس أبا الهيجاء وابنه، وقبض على جماعة من أصحابه، وأخذ أموالهم.
ثم إنه طلب شيخا من أهل الرملة يقال له أبو بكر محمد بن أحمد النابلسى - كان يرى قتال المغاربة وبغضهم ويرى أن ذلك واجب - ويقول: «لو أن معى عشرة أسهم لرميت تسعة فى المغاربة وواحدا فى الروم».
وكان الحسن بن أحمد القرمطى لما انهزم عن مصر، سار أبو بكر النابلسى إلى دمشق، فأخذه ظالم بن موهوب وحبسه، ونزل أبو محمود على دمشق لثمان بقين من رمضان، فتلقاه ظالم، فأنس به أبو محمود، فأخرج إليه أبا الهيجاء بن منجا القرمطى وابنه وأبا بكر بن النابلسى، فعمل لكل واحد منهم قفصا من خشب، وحملهم إلى مصر، فدخلوا إلى القاهرة فى شوال، فطيف بهم على الإبل بالبرانس والقيود، وابن النابلسى ببرنس على جمل وهو مقيد، والناس يسبونه ويشتمونه ويجرون برجله من فوق الجمل.
стр. 255
وكان معهم بضع وعشرون رجلا من القرامطة على الإبل، فلما فرغوا من التطواف، ردوا إلى القصر، فعدل بأبى الهيجا وابنه وبقية القرامطة إلى الاعتقال، وسيق ابن النابلسى إلى المنظر ليسلخ، فلما علم بذلك رمى بنفسه على حجارة ليموت، فردّ على الجمل، فعاد ورمى نفسه ثانيا، فردّ وشدّ وأسرع به إلى المنظر، فسلخ وحشى جلده تبنا، ونصبت جثته وجلده على الخشب عند المنظر.
وأقام أبو محمود بدمشق وهى مضطربة قد كثر فيها الغوغاء وحمّال السلاح، وعظم النهب فى القرى، وأخذت القوافل، فلم يقدر أبو محمود على ضبط أصحابه لقلة ماله، فلم يكونوا يفكرون فيه ولا يرجعون عن شيء ينهاهم عنه، وأخذوا فى النهب، وظالم بن موهوب يأخذ أموال السلطان من البلد ولا يدفع إلى أبى محمود شيئا منها، ويحتج أنه أخذ البلد من أبى الهيجاء وسار إليه بمكاتبة المعزّ له.
هذا وكلّ من الفريقين يخاف الآخر، وقد علم ظالم أن أهل دمشق تكره المغاربة، فكان يدارى الأمر، وكثر قطع المغاربة للطريق، فامتنع الناس من الذهاب والمجئ، وهرب أهل القرى إلى المدينة، وأوحش ظاهر البلد، فوقع بين المغاربة وبين أهل البلد الحرب [أياما] كثيرة، قام فيها ظالم مع أهل البلد وقاتل المغاربة، فانهزم وسار إلى بعلبك، ووقع الحريق فى البلد، واشتدّ القتال، فخرج وجوه أهل البلد إلى أبى محمود ولطفوا به، فقال لهم:
«ما نزلت لقتالكم، وإنما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب عنكم» - يعنى أصحابه -.
ففرح الناس واستبشروا وجاءوا إلى خيمته، واختلطت الرعية بأصحابه، وزال عنهم الخوف، ودخل المغاربة فيما يحتاجون إليه، فولى أبو محمود الشرطة لرجلين: أحدهما مغربى، والآخر من الإخشيدية، فدخلا فى جمع عظيم إلى المدينة بالزمر، فجلسوا فى الشرطة، وكان يطوف لهم طوف فى الليل، ومع ذلك فلم ينكسر حمّال السلاح ممن يطلب الفتنة، فرهب أبو محمود على مشايخ البلد وتهددهم، فثار أهل الشر من الدماشقة، ورأس الشطّار فيهم ابن الماورد بسبب منازعة أهل البلد مع مغربى بسبب صبى، فأراد المغربى أخذه، فرفع البلدى السيف وقتل المغربى فى السوق، فعادت الفتنة، وشهروا السلاح، فاضطرب البلد، وغلقت
стр. 256
الأسواق، وثار العسكر من جهة المقتول، وصاح الناس فى البلد بالنفير، وكبّروا على الأسطحة، وخرج ابن الماورد فى جماعة، فاشتدّ القتال بين الفريقين، وألقى المغاربة النار فى الدور، فخرج وجوه البلد ومشايخهم إلى أبى محمود، وما زالوا به حتى بعث إلى العسكر - وقد كادوا يغلبون أهل البلد - فكفّهم عن القتال؛ وكان ذلك فى آخر ذى الحجة، فسكن الأمر، وخرج الناس إلى أبى محمود، ودخل صاحب الشرطة المغربى، إلا أن أهل الغوطة كانوا قد أووا إلى البلد خوفا من النهب، وكان فيهم ذعّار، وفى المدينة قوم من أهل الشر، فاجتمعوا يأخذون المستضعفين، ويجبون مستغلات الأسواق، ويكبسون المواضع وينتهبونها، فحسنت أحوالهم، وكانوا يكرهون تمكن السلطان، فهلك لذلك كثير من الناس.
ومرّ صاحب الشرطة فى الليل - وهو يطوف البلد - برجل معه سيف، فأخذه وقتله، فأصبح أهل الشر وقد خشوا من تنديد (؟) السلطان لهم، فثاروا بالسلاح إلى صاحب الشّرطة، ففرّ منهم هو وأصحابه إلى معسكرهم، وصعد العامة إلى المآذن، فصيحوا:
«النفير إلى الجامع».
فثار الناس بالسلاح، وركب عسكر أبى محمود وطرحوا النار فيما بقى، واشتد القتال، وكثر القتل والحريق، وعظم الخوف على البلد، وعلا الضجيج، وذلك لثلاث خلون من المحرم سنة أربع وستين.
فبات الناس على ذلك، وأصبحوا وقد اشتدت الحرب وقويت الدماشقة ونشأ فيهم من أهل الشر غلام يقال له ابن شرارة وقد ترأّس، وآخر يقال له ابن بوشرات وابن المغنية، وقسّم لكل واحد منهم حزب بأعلام وأبواق، فأظهرت المغاربة قوتها وبذلوا سيوفهم فى كل من قدروا عليه من الرعية ممن وجدوه بظاهر البلد.
واستمر القتال أكثر المحرم، فخرج قوم المستورين إلى أبى محمود وما زالوا به حتى أجابهم إلى الصلح، وصرف صاحبى شرطته، وولى أبا الثريا - من بانياس - أميرا كان على الأكراد، فعبر البلد أول صفر وقد أكمن له عدّة من أهل الشر، فثاروا به، ووضعوا السلاح فى أصحابه، فقتل من أصحابه، وانهزم إلى أبى محمود، فركب العسكر وأخذوا كثيرا من
стр. 257
الناس، ووقع النفير فى البلد، واستمر القتال بين الفريقين صفر وربيع الأول، ثم وقع الصلح فى أثناء ربيع الآخر.
وولى محمود جيش بن الصمصامة البلد، فأقام أياما؛ ثم إن الناس ثاروا وقتلوا عدة من المغاربة، وساروا يريدون جيشا، ففرّ منهم، ونهبوا ما كان له، فعادت الحرب وطرح النار فى المواضع.
وأمر أبو محمود بأن تقصد أهل الشر دون غيرهم من الناس، غير أن الرعية كانت تقاتل معهم، فاشتد القتال إلى أول جمادى الأولى، ونصبوا الحرب يوما بعد يوم من بكرة النهار إلى آخره، والبلد ممتنع فى جميع هذه الحروب، والقتال من ظاهره، ومعظمه على باب كيسان إلى باب شرقى، وباب الصغير إلى باب الجابية.
وكان عسكر أبى محمود من المغاربة عشرة آلاف سوى من تبعهم من غيرهم ومن حضروا من الساحل، فكانت الحرب مستمرة، تارة تظهر المغاربة على الدماشقة، وتارة تهزم الدماشقة المغاربة، وكانت المغاربة لا تظفر بأحد إلا قطعوا رأسه، فقتلوا خلقا كثيرا.
وخلت الغوطة بحيث لم يبق فيها أحد، وانحصر البلد فلم يقو واحد يدخل إليه بشئ البتة، فغلت الأسعار، وبطل البيع والشراء، وقطع الماء عن البلد، فعدم الناس القنى والحمامات، فكانت الأسواق مغلقة، والنساء جلوس على الطرق، والرجال تصيح: «النفير»، فساءت حال كثير من الناس فى هذه الفتنة، وماتوا على الطرق من القرّ والبرد، وهم مع ذلك مجتهدون فى القتال، ونصبوا العرّادات على أبواب البلد، فلم تبطل الحرب يوما من الأيام، وفى الليل تضرب الأبواق فيثور الناس من فرشهم، ويسيرون بالمشاعل فيقيمون إلى الصباح.
فلما تفاقم الأمر، واشتد البلاء، وقوى أهل الشر من أهل البلد، وأكلوا أموال الناس، كتب مشايخ البلد إلى محمود فى الصلح، وأحضروا ابن الماورد وابن شرارة وزجروهم، وانصرفوا على أن أحدا لا يعارض السلطان فى البلد، وقد فتح المسلمون المصاحف، والنصارى الإنجيل، واليهود التوراة، واجتمعوا بالجامع، وضجوا بالدعاء، وداروا المدينة - وهى منشورة على رءوسهم -.
стр. 258
وبلغ المعزّ ما وقع بدمشق من الحروب، وما صارت إليه من الخراب، فكتب إلى ريّان الخادم - وهو بطرابلس - أن يسير إلى دمشق، وينظر فى أمر الرعية، ويصرف أبا محمود عن البلد؛ فقدم ريّان إلى دمشق، وأمر أبا محمود بالرحيل، فسار فى عدد قليل من عسكره، وتأخّر أكثرهم مع ريّان، ونزل أبو محمود فى الرملة، وورد عليه كتاب المعز يوبخه؛ وكان صرف أبى محمود عن دمشق فى شعبان سنة أربع وستين.
هذا ما كان من خبر دمشق.
وأما القاهرة فإنّه طيف [فيها] فى ذى القعدة سنة ثلاث وستين بنيف وأربعين رأسا جئ بها من الصعيد.
وفى ذى الحجة نودى أن لا تلبس امرأة سراويل كبارا (١)، ووجد سراويل فيه خمس شقاق، وآخر قطع من ثمانى شقاق دبيقى (٢).
وفيه هلك رسول ملك الروم، فسيّره المعز فى تابوت إلى بلد الروم.
وركب المعز لكسر الخليج.
وفيها منع المعز من وقود النيران ليلة النيروز فى السكك [و] من صبّ الماء يوم النوروز (٣).
وكثر الإرجاف بمسير الروم إلى أنطاكية.
وفى يوم عرفة نصبت الشمسة فى القصر.
стр. 259
وصلّى المعز صلاة العيد، وخطب على الرسم الذى تقدم ذكره، وانصرف إلى القصر، فأطعم على الناس.
وانتهت زيادة ماء النيل إلى سبع عشرة ذراعا، وجرى الرسم فى الجائزة والخلع والحملان لابن أبى الردّاد (١) على العادة.
وفيها حدث وباء بمصر فمات خلق كثير.
ومات القاضى أبو حنيفة النعمان (٢) بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون.
стр. 260
ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة
والخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله معد.
والخراج ووجوه الأموال إلى يعقوب بن كلّس وعسلوج.
والقاضى أبو طاهر محمد بن أحمد.
والشرطة السفلى إلى جبر بن القاسم.
والشرطة العليا إلى جبر المسالمى.
وصاحب المظلّة شفيع الخادم الصقلبى.
والطبيب موسى بن العازار.
وإمام الجمعة عبد السميع بن عمر العباسى.
وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب.
وإمام الخمس الحسن بن موسى الخيّاط.
والمحتسب عبد الله بن ذلال.
وفى المحرم قدم أفلح الناشب من برقة، فخرج إليه بالجيزة وجوه الدولة والقاضى والرعية وأنزل بمكان.
وورد الخبر بخلع نفسه وبيعة ابنه الطائع.
وأطلق أبو الهيجاء بن منجا القرمطى وابنه، وخلع عليه وحمل، وأطلق معه بضعة عشر من القرامطة.
ولست بقين من ربيع الآخر توفيت أم المعز.
وفى جمادى الأولى أطلق المعزّ الجائزة لوفد الحجاز من الأشراف وغيرهم، ومبلغها أربعمائة ألف درهم.
стр. 261
وقلّد أبا الحسن محمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن الحسينى الكوفى قضاء الشامات، ودار الضرب، والحسبة، وحمل على بغلة وبرذون ومعه ثلاثة عشر تخت، وستة آلاف درهم، وكتب له سجل.
وضمّن أبو عبد الله الحسن بن إبراهيم الرسّى، وأبو طاهر سهل بن قمامة خراج الأشمونين وحربها، وخلع عليهما، وسارا بالبنود والطبول.
وضمّن أبو الحسن على بن عمر العدّاس كورة بوصير وأعمالها، وخلع عليه وحمل، وسار بالبنود والطبول.
واعتلّ الأمير عبد الله بن المعز، ومات لسبع بقين منه - بعد جدته بتسعة عشر يوما - فجلس المعز للعزاء، ودخل الناس بغير عمائم، وفيهم من شوّه نفسه وأظهر الجزع الشديد، فكان المعز يسكنهم ويقول:
«اتقوا الله، وارجعوا إلى الله».
وغلّقت الأسواق، ثم جلس الناس بزيهم، ومنهم قيام، فأمر القاضى محمد بن النعمان بغسله، والمعز يتحدث، ويسأل عن آى من القرآن، وعن معانيها، لأن القراء كانوا يقرءون، ووصف ابنه عبد الله بالفضل والبر، فقال له أبو جعفر مسلم:
«أعوذ بالله من فقد الولد البار»
فقال له المعز:
«فما تقول فى الولد العاق والأخ العاق؟» - يعرّض له بابنه جعفر وبأخيه عبد الله، وكونهما مع القرامطة -.
فقال له أبو جعفر مسلم:
«إذا بليت بالولد العاق والأخ العاق كان فى الله وفى بقاء مولانا منهما عوض.
فقال له المعز: «لا صان الله من لا يصونك، ولا أكرم من لا يكرمك، ولا أعزّ من لا يعزك، ولا أجلّ من لا يجلك».
стр. 262
فقام أبو جعفر وقبّل الأرض هو وجماعة من فى المجلس، وشكروه على قوله.
ثم خرج تابوت عبد الله، وحوله أهل الدولة بالصراخ والبكاء، فصلى عليه المعز، ودخل معه حتى واراه فى القصر.
وفى جمادى الآخرة ورد الخبر بموت عبد الله أخى مسلم بظاهر البصرة - كما تقدّم -، وبموت المطيع ببغداد، وأن موته كان فى المحرم، وأن ابنه الطائع سمّه، وأن فتنة وقعت ببغداد بين الترك والديلم، وبين الرعية والشيعة، وغلا السعر، ونهبت الأسواق والدور، وأن أبا تغلب بن حمدان رحل إلى بغداد متوسطا بين الطائع وبختيار.
وفيه سار نصير الخادم الصقلبى - عبد المعز - إلى الشام فى عسكر كثير، ودخل بيروت.
وفى أول رجب أصلح جسر القسطاط، ومنع الناس من ركوبه، وقد كان أقام سنين (١) معطلا.
وركب المعز إلى المقس، وسار على شط النيل، ومعه أبو طاهر القاضى يحدثه، حتى عبر الجسر إلى الجزيرة، فمضى إلى المختار.
وفيه وردت رءوس من المغرب عدتها ثلاثة آلاف، فطيف بها، وذلك أن خلف بن جبر صعد فى بنى هواس إلى قلعه منيعة، فاجتمع عليه كثير من البربر، فزحف إليه يوسف ابن زيرى، فكانت بينه وبينهم حروب عظيمة قتل فيها خلائق كثيرة حتى أخذ القلعة فى عاشر شعبان، ففرّ خلف، وقتل بها آلافا كثيرة، بعث منها سبعة آلاف رأس إلى القيروان، فطيف بها، ثم حمل منها إلى مصر ما ذكر.
وفيه وقع الجدرى فى كثير من الناس، وأقام شهورا.
وكانت وقعة مع الروم بطرابلس.
وفى شعبان وصل أفتكين بعسكر من الأتراك إلى دمشق، وورد كتابه على المعز وهو يستأذن فى المسير، فشاور المعز أبا جعفر مسلم، فقال:
стр. 263
«هم قوم غدر، فإن تأذن لهم غلبوا على دمشق».
فشرع المعز فى تعبئة العساكر وإنفاذها لقتاله.
وكان من خبر أفتكين أن الديلم والأتراك اختلفوا ببغداد، فأراد عز الدولة أبو منصور بختيار بن معز الدولة أبى الحسين أحمد بن بويه الديلمى سلطان العراق أن يقبض على سبكتكين التركى، وكانت الأتراك تتعصّب معه وهم فى أربعة آلاف هو أميرهم، فغلبوا بختيار وخرج عن بغداد، وغلب سبكتكين التركى عليها، وكان فى قوة من المال والسلاح والرجال، فلم تطل مدته بعد غلبته على بغداد وهلك، فاستخلف من بعده على الأتراك أفتكين الشرابى مولى معز الدولة بن بويه، وكان شجاعا ثابتا فى الحرب، فسار بالأتراك من بغداد لحرب الديلم، فجرى بينهم قتال عظيم.
وقاتل أفتكين حتى تفرّق من حوله إلا يسيرا، وانهزم صاحب رايته، فلحقه وضربه باللّتّ (١) وأخذها من يده، وحمل على الديلم فقتل منهم كثيرا باللتوت، ثم حمل عليهم الديلم فانهزموا وأفتكين فى نحوا الأربعمائة من الأتراك، فأخذ على الفرات حتى نزل الرحبة، ثم أخذ فى البر وقد أظهر من المهابة ما لم يتجاسر العرب على نهبه، فنزل جوشية من قرى الشام، فجمع له ظالم بن موهوب العقيلى - وهو حينئذ على بعلبك - من قدر عليه من العرب، وأنفذ إلى أبى محمود قبل أن يسير عن دمشق يطلب منه عسكرا، فأنفذ إليه جماعة، وخرج يريد أفتكين - وهو فى ألفين - فسار يريد جوشية.
وبعث أبو المعالى ابن حمدان بشارة الخادم من حمص فى ثلاثمائة رجل إلى جوشية مددا لأفتكين على ظالم، فبعث بشارة إلى ظالم فصرفه عن محاربة أفتكين وعاد إلى بعلبك، وسار بشارة بأفتكين، فنزل بأفتكين بظاهر حمص، ووعده عن مولاه أبى المعالى بكل جميل، وحمل إليه أبو المعالى وأكرمه، فسار إلى أبى المعالى، فأجلسه على كرسى.
وسأله أفتكين أن يوليه كفر طاب ويكون تبعا له، فما هو إلا أن ورد عليه رسول بن الماورد الشاطر من دمشق بأن يسير إلى دمشق، وأنه يخرج إليه بأهل البلد، ويقاتلوا عسكر المغاربة، ويملكوه عليهم، فوقع ذلك منه بموقع، فبعث إلى أبى حمدان يقول:
стр. 264
«إنى نظرت فى الذى وليتنى فإذا هو لا يقوم بمن معى من الغلمان، وإنى أريد أن أرجع إلى بغداد».
فقال:
«افعل ما تراه».
فسار كأنه يريد أن يأخذ طريق البرية إلى بغداد، وأخذ نحو دمشق، وقد نزل ريّان عليها، وجاءته أخبار طرابلس: بأن العدو قد خرج، ونحن نخاف علي البلد أن يؤخذ، فانزعج وخاف على طرابلس، وإذا بالخبر ورد عليه بأن أفتكين قد توجّه نحوه بموافقة أهل البلد، فعرض عساكره، وبرز يريد عقبة دمر.
وأصبح أفتكين على ثنية العقاب، ولم يعلم بأن ريّان الخادم قد ارتحل عن البلد بجميع أصحابه حتى لم يبق منهم أحد، فوصل إلى البلد وقد أجهده وأصحابه التعب لأيام بقيت من شعبان.
ونزل بظاهر البلد، فخرج الناس إليه، واستبشروا به، وسألوه أن يملكهم ويزيل المصريين ويكفّ عن الأحداث (١)، فأجابهم، واستحلفهم على الطاعة والمساعدة، وحلف لهم على الحماية وكف الأذى عنهم منه ومن غيره.
وقطع خطبة المعز وخطب للطائع، وقمع أهل العبث، فهابته الكافة، وصلح به كثير من أمر البلد، وأقام أياما، وشاع خبر العدو أنه قد أقبل فى جيش عظيم، فاستعدوا لقتاله، ونزل العدو على حمص، (ص ٣٨ ا) فلم يعرض لأحد بأرض حمص، لهدنة كانت بينه وبين أبى المالى ابن حمدان.
وسار أفتكين إلى بعلبك فى طلب ظالم، ففر منه، فنزل أفتكين بعلبك، وكانت العرب قد استولت على ما خرج عن سور دمشق، فأوقع بهم أفتكين، وقتل كثيرا منهم، وظهر منه حسن تدبير وقوة نفس وشجاعة، فأذعن الناس له، وأقطع البلاد، فكثر جمعه، وتوفرت أمواله، وثبت قدمه، وملك بعلبك من ظالم بن موهوب، فقصده الروم وعليهم الدمستق، فقاتلهم أشدّ قتال، ثم كثروا عليه فانهزم.
стр. 265
ودخل الروم بعلبك، فأخذوا منها ومما حولها سلبا كثيرا، وأحرقوا؛ وذلك فى شهر رمضان، وانتشرت خيلهم وسراياهم فى أعمال بعلبك والبقاع تحرق وتسبى، وامتدوا إلى الزبدانى، فأخذ الناس عليم المضايق، ومنعوهم من الدخول إلى الوادى.
وخرج من دمشق قوم فخاطبوا كبير الروم فى الهدنة، فطلب منهم مالا لينصرف عن البلد، فخرج إليه أفتكين ليخاطبه عن البلد، وأهدى إليه من كل ما كان معه من بغداد، فأكرمه وقرّبه، فخاطبه أفتكين فى أمر البلد، وأعلمه بأنه خراب ليس فيه غير حمّال السلاح ولا مال فيه، فقال له:
«ما جئنا لنأخذ مالا، وإنما جئنا لنأخذ الديار بأسيافنا، وقد جئتنا بهدية، وقد أجبناك إلى ما طلبت، وغرضنا فيما نأخذه من المال أن يقال بلد ملكناه فأخذنا هديته».
فقال أفتكين:
«هذا بلد ليس لى فيه إلا أيام يسيرة، ولم آمر فيه ولم أنه، وقد خرج معى إليك رجل له يد فى البلد، يمنعنى من كل ما أفعله».
وقد كان خرج معه علاء بن الماورد، فقال:
«ومن يدفعك عما تريد»؟
قال:
«هذا وأصحابه».
فأمر بالقبض على بن الماورد، فقبض وقيد، وجرت الموافقة مع أفتكين على أنه يجبى المال ويكون على سبيل الهدنة، ويكف عن دمشق وأعمالها، فعاهده ملك الروم على ذلك،
وعاد أفتكين إلى دمشق، فثار أصحاب ابن الماورد بالسلاح يريدون أفتكين، فمنعهم الناس.
وكان أبو محمود إبراهيم بن جعفر حينئذ بطبرية، فبلغه خروج أفتكين إلى الروم، فسيّر جيش بن الصمصامة فى نحو الألفين ليأخذ دمشق، فسرى من طبرية، وكان شبل بن معروف العقيلى على شينيه وليس لجيش به علم، فركب إليه شبل فى جمع من العرب فواقعوه فانهزم، وأتى الخبر إلى أفتكين وقد خرج من عند ملك الروم، فخرج الأتراك وأدركوهم فقتلوا منهم
стр. 266
كثيرا، وأخذ جيش أسيرا، فبعث به أفتكين إلى الروم وهو مقيم على عين الجر ينتظر الملل.
وجبى له أفتكين من دمشق ثلاثين ألف دينار بالعنف، ورحل فنزل على بيروت - وبها نصير الخادم من قبل المعز -، فلم يزل الرومى يراسل أهل بيروت:
«إنى لا أريد خراب بلدكم، وإنما أريد أن تسلموا إلىّ هذا الخادم ومن معه، وأجعل عندكم من قبلى من يدفع عن بلدكم».
حتى خرج إليه نصير الخادم ومن معه، فأخذهم، وولّى على بيروت من قبله شخصا فى مائتى رجل.
وسار فنزل على طرابلس - وفيها ريّان الخادم الذى كان على دمشق فى خلق من المغاربة -، فقاتلوه أشد قتال.
ونزل بالرومى مرض فرحل إلى بلده، وهلك فى الطريق.
وتمكّن أفتكين من دمشق، فأنفذ شبل بن معروف العقيلى إلى طبرية، ففرّ عنها أبو محمود بمن معه إلى الرملة.
وقدمت جيوش المعز، وفيها كثر مخافتهم العرب، واقتتلوا بجوار بيت المقدس مع العرب، فظهر العرب عليهم وهزموهم، وقتلوا كثيرا منهم وسيّروا عدة منهم إلى دمشق، فطيف بهم فى الأسواق على الجمال، وملئوا بهم الحبوس، فأقاموا فى ضرّ، ثم ضربوا أعناقهم؛ وكان - مع ذلك - أفتكين - طوال مقامه بدمشق - يكاتب القرامطة ويكاتبونه.
وركب المعز يوم عيد الفطر، فصلى وخطب على رسمه المعتاد، وورد عليه الخبر بوقعة ريّان بالرومى وهزيمة الروم - وقد أسر ريّان منهم وقتل وغنم - فسرّ المعز بذلك وتصدّق، ودخل الناس عليه فهنئوه، وقال الشعراء فى ذلك، وفى خلع المطيع شعرا كثيرا.
وبعث إلى الحجاز بالأموال والنفقة وكسوة الكعبة.
ووردت رءوس من المغرب فطيف بها.
وقدم إليه من المغرب ماء للشرب من العين التى أجراها.
وأنفذ رسولا إلى القرامطة برسالة إلى الأحساء.
стр. 267
وفيه ثارت فتنة بين المصريين والمغاربة، فقبض على جماعة وضربوا.
وفى ذى العقدة نودى لخمس خلون منه فى الجامع العتيق: «الحجّ فى البر».
وكان قد انقطع منذ سنين.
وفيه مات عبد الله بن أبى ثوبان، وكان قد نصّبه المعز للنظر فى مظالم المغاربة، فتبسط فى الأحكام بين المصريين، وقال فى كتبه: «قاضى مصر والاسكندرية»، وشهدت عنده شهود مصر من المعدلين.
وفيه خاطب المعز علىّ بن النعمان بالقضاء، وأذن له فى النظر فى الأحكام، فجلس فى داره ومسجده ونظر فى الأحكام.
وطيف برءوس من الأعراب والروم وردت من الشام ومن الصعيد.
وقدم للنصف منه جواب القرامطة من الأحساء، فخلع على الرسول وعلى جماعة معه، وحملوا.
وفيه طلع نجم الذنب عند الفجر وله شعاع كبير، فأقام أياما، واضطرب الناس، ولما رآه المعز استعاذ منه.
وطلبت العبيد الصقالبة من جميع الناس، وأخذوا بالثمن.
وانفرد عسلوج بن الحسن بالديوان والنظر فى أبواب المال كلها.
وفى مستهل ذى الحجة طيف برءوس على رماح يقال عدتها اثنا عشر ألف رأس، وردت من المغرب، فيها رأس خلف بن جبر، وقد ثار بالمغرب واجتمع عليه البربر، فظفر به يوسف ابن زيرى، وقتل لخمس خلون من رمضان هو وجماعة من أهله.
واعتقل جماعة من الإخشيدية والكافورية وطولبوا ببيع عقارهم وردّ ما باعوا منه.
ووردت هدية أبى محمود من الشام، وهى مائة فارس، وأحمال مال.
وبرز ركب المعز يوم عيد النحر على رسمه، فصلى وخطب، وأطعم الناس بالقصر.
وكسر الخليج، ولم يركب إليه المعز.
стр. 268
وفى يوم النوروز (١) زاد اللعب بالماء ووقود النيران، وطاف أهل الأسواق وعملوا فيلة (٢)، وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم، فأقاموا على ذلك ثلاثة أيام، وأظهروا السماجات فى اللعب بالأسواق، (٣) فأمر بالنداء أن يكفّ عن اللعب، وأخذ قوم فطيف بهم وحبسوا (٣).
وأمر أن يكون فى الشرطة السفلى فقيهان يجلسان، ثم صرفا.
وورد الخبر بوقعة كانت لأبى محمود مع ابن الجراح الطائى بناحية طبريّة.
وأمر المعز بتغيير المكاييل والموازين، وجعلت الأرطال من رصاص.
وأمر المعز القاضى أبا طاهر وشهوده أن يرفعوا إليه أخبار البلد ولا يكتموه شيئا، ونصبوا لذلك رجلا فامتنع.
وبلغ النيل بزيادة الجديد سبع عشرة ذراعا وتسعة عشر إصبعا، فأمر لابن أبى الرداد بالجائزة والخلع والحملان على عادته.
ومات فى هذه السنة:
أبو جعفر أحمد بن القاضى النعمان بن محمد بمصر يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول.
وحسن بن سعيد الأفرنجى بالقاهرة، فصلى عليه المعز ودفن بها.
وإسماعيل بن لبون الدنهاجى، وصلى عليه المعز.
وعلى بن الحرسى صاحب الخراج.
ومات حسن بن رستق الدنهاجى.
ومات أيضا أبو الفرج محمد بن إبراهيم بن سكرة فى ربيع الآخر
стр. 269
ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة والأمر على حاله.
إلا أن القضاء بيد أبى طاهر محمد بن أحمد، واشترك معه القاضى على بن النعمان، فكان كل منهما ينظر فى داره.
وتثاقل يعقوب بن كلّس عن حضور الديوان، وانفرد بالنظر فى أمور المعز فى قصره.
وفى المحرم عمّرت كنيسة بقصر الشمع.
وورد سابق الحاج فأخبر بإقامة الدعوة بمكة ومسجد إبراهيم يوم عرفة ومدينة الرسول، وسائر أعمال مكة، وبتمام الحج.
وكان هذا أول موسم دعا فيه للمعز بمكة ومدينة رسول الله (١) ﷺ فسرّ المعز بذلك، وتصدّق شكرا لله.
وورد كتاب أمير مكة جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، وكتاب أخيه الحسن بن محمد الحسنى - وهو أخو صفية امرأة عبد الله بن عبيد الله أخى مسلم - يسأل الإحسان إلى أخته صفية - وكانت مستترة - فأمر برد ضياعها وريعها وتسليم ذلك إليها، فأحضر يعقوب بن كلّس القاضى أبا طاهر وشهوده، وأشهدهم فى كتاب عن المعز أنه أمره برد ضياعها ورياعها (٢) إليها، فظهرت وأمنت.
وكتب جعفر بن محمد الحسنى أمير مكة يسأله فى بنى جمح أن يردّ حبسهم إليهم الذى بمصر، وفى ولد عمر وبنى العاص أن يردّ حبسهم بمصر إليهم، فأطلق المعز ذلك لبنى جمح.
وورد رسول ملك الروم، فغلّقت الحوانيت، وخرج الناس تنظر إليه.
стр. 270
قال ابن الأثير
«وكان سبب موت المعز أن ملك الروم بالقسطنطينية أرسل إليه رسولا كان يتردد إليه بإفريقية، فخلا به المعز بعض الأيام، وقال له:
«أتذكر إذ أتيتنى رسولا وأنا بالمهدية، فقلت لك: «لتدخلن علىّ وأنا بمصر مالكا لها؟»
قال:
«نعم»
قال:
«وأنا أقول لك لتدخلنّ علىّ ببغداد وأنا خليفة».
فقال له الرسول:
«إن أمّنتنى ولم تغضب، قلت لك ما عندى».
فقال له المعز:
«قل وأنت آمن».
فقال:
«بعثنى إليك الملك ذلك العام، فرأيت من عظمتك فى عينى وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نورا غطّى بصرى، ثم دخلت عليك فرأيتك على سريرك فظننتك خالقا، فلو قلت لى إنك تعرج إلى السماء لتحققت ذلك، ثم جئت إليك الآن فما رأيت من ذلك شيئا، أشرفت على مدينتك فرأيتها فى عينى سوداء مظلمة، ثم دخلت عليك فما وجدت من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت إن ذلك كان أمرا مقبلا، وإنه الآن بضد ما كان عليه».
فأطرق المعز، وخرج الرسول من عنده، وأخذت المعز الحمّى لشدّة ما وجد، واتصل مرضه حتى مات.
стр. 271
وقال ابن سعيد فى كتاب المغرب:
إن المعز أنفذ إلى ابن السوادكى فقال: «من لك بالحجاز من التجار تكاتبه، اكتب إلى من تراه منهم بأن يكتب إلى عدن بحمل ما يقدر عليه من خشب الأبنوس الحسن التلميع التام الطول، الغليظ مما لا غاية وراءه».
فكتب إلى تاجر بمكة، وأكّد عليه، فما كان إلا نحو شهرين حتى عاد جوابه أنه وجد منه ما ليس له فى الدنيا نظير، وحمله فى مركب، فسرّ بذلك، وبكّر إلى المعز فأخبره الخبر، وأنه فى القلزم، فأطرق وتغيّر لونه، فقال له:
«يا مولانا هذا يوم فرح وسرور بأن تطلب أمرا يكون بعد مدة فيسهله الله فى أقرب وقت».
فقال:
«يا محمد ليس يدرى إلى حيث خرجت».
ثم سار خارجا إلى ظاهر القاهرة وهو يقرأ سورة الفتح إلى آخرها، ويرددها كلما فرغ منها، ورجع فاعتلّ بعد جمعة، وتردّدت به العلّة، فمات فى الشهر الخامس، وما طلبه منى، ولا أذكرته به، وكان قد تأوّل أن أجله نعى إليه حين رأى الأشياء منقادة له.
قال ابن زولاق:
ولأربع خلون من صفر ورد حاج البرّ، وقد كان البر أقام سنين (١) لم يسلك.
وفيه حضر على بن النعمان القاضى جامع القاهرة (٢)، وأملى مختصر أبيه فى الفقه عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر «بالاقتصار»، وكان جمعا عظيما.
وفى ربيع الآخر وردت رسالة القرامطة بأنهم فى الطاعة.
وفيه أذن المعز لجماعة المصريين فدخلوا عليه وخاطبهم - وهو على سرير الملك -، فصاح به رجل منهم:
стр. 272
«يا أمير المؤمنين»، قال الله : «وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» (١). يا أمير المؤمنين لننظر كيف تعملون.
وقال: «صدق الله، كذا قال ، ونسأل الله التوفيق».
واعتلّ المعزّ لثمان خلون من ربيع الأول، فأقام ثمانيا وثلاثين يوما، ووصف له البطيخ البرلسى يؤخذ ماؤه، فطلب بمصر فلم يوجد سوى واحدة اشتريت بخمسة دنانير، ثم وجد منها ثمانى عشرة بطيخة اشتريت بثمانية عشر دينارا، وكان الناس يغدون إلى القصر ويروحون، والذى يمرضه طبيبه موسى بن العازار وعبده جوهر.
فلما كان لأربع عشرة بقيت من ربيع الآخر اشتدت العلّة. وعرّف باجتماع الناس وكثرة الرقاع فى الظلامات والحوائج، وسئل فيمن ينظر فى ذلك، فأمر أن ينظر فيه ولىّ عهده نزار فاستخلفه، وخرج السلام إلى الناس فانصرفوا.
وخرج القائد جوهر وموسى بن العازار الطبيب بالعزيز فأجلسوه، وخرج إليه إخوته وعمومته وسائر أهله (ص ٣٩ ب) فبايعوه، ثم أدخل إليه أكثر الأولياء فبايعوه وسلموا عليه بالإمرة وولاية العهد، فابتهج الناس بذلك.
ودخل عليه من الغد القاضى أبو طاهر وجماعة الشهود والفقهاء فسلموا عليه بولاية العهد، وقبّلوا له الأرض، فردّ عليهم أحسنّ رد، وأخبرهم بأن المعز بخير، قال:
«مولانا - صلوات الله عليه - فى كل عافية وسلامة فى أحواله، وفى رأيه لكم» وانصرفوا.
وكان يوم جمعة، فدعا له عبد العزيز بن عمر العباسى على منبر الجامع العتيق (٢) بعد أن دعا للمعز، فقال:
«اللهم صلّ على عبدك ووليّك، ثمرة النبوة، ومعدن الفضل والإمامة، عبد الله معدّ أبى تميم الإمام المعز لدين الله، كما صليت على آبائه الطاهرين، وأسلافه المنتخبين من قبله.
стр. 273
اللهم أعنه على ما وليته، وأنجز له ما وعدته، وملّكه مشارق الأرض ومغاربها.
واشدد - اللهم - أزره، وأعزّ نصره بالأمير نزار أبى المنصور ولىّ عهد المسلمين، ابن أمير المؤمنين، الذى جعلته القائم بدعوته، والقائم بحجته.
اللهم أصلح به العباد، ومهد لديه البلاد، وأنجز له به ما وعدته، إنك لا تخلف الميعاد».
وتوفى المعز لدين الله عشيّة هذا اليوم ليلة السبت السادس عشر من شهر ربيع الآخر، وقيل يوم الجمعة حادى عشر، وقيل ثالث عشر، ولم يظهر ذلك ولا نطق به أحد مدة ثمانية أشهر.
وقيل إن السيدة - لما اشتدت علّة المعز - أحضرت القائد جوهر وهو ملتف فى برد من … (١)
وحضر يعقوب بن يوسف بن كلّس وعسلوج القائد وأفلح الناشب (٢)، وطارق الصقلبى، فقالوا للمعز:
«نريد أن تبصرنا رشدنا وتعلمنا لمن الأمر».
فلم يجبهم، فقال له جوهر:
«قد كنت سمعت منك قولا فى هذا استغنيت به عن إعادة السؤال، غير أنهم أكرهونى على الدخول».
وقال لهم:
«قابلتمونى بما لا يجب» وبكى.
فخرجوا، فلما كان اليوم الثالث مات، فصار العزيز إذا رفعت إليه الأمور يدخل كأنه يشاوره ويخرج بالأمر.
قال ابن زولاق:
وكان - يعنى المعز - فى غاية الفضل والاستحقاق للإمامة، وحسن السياسة.
стр. 274
وكان مولده سنة تسع عشرة وثلاثمائة، أدرك من أيام المهدى جدّ أبيه أربع سنين، وتوفى القائم وللمعز ست عشرة سنة.
واجتمع للمعز بمصر ما لا يجتمع لآبائه، وذلك أنه حصل له بالمغرب أربعة وعشرون بيتا من المال: منها أربعة عشر خلّفها المهدى، ولم يخلّف القائم عليها شيئا، وخلّف المنصور بيتا واحدا وكسوة، وأضاف إليها المعز تسعة، فصارت أربعة وعشرين بيتا، أنفق أكثرها على مصر إلى أن فتحت ودخلها، وحصل له من مال مصر أربعة بيوت سوى ما أنفقه وسوى ما قدم به معه.
واجتمع له أن خلفاءه بمصر استخرجوا له ما لم يستخرج لأحد بمصر، فاستخرج له فى يوم واحد مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار.
وهزمت القرامطة فى أيامه أربع مرار: مرتين فى البر على باب مصر، ومرتين فى البحر، وما تم عليهم هذا قط منذ ظهر أمرهم.
وأقيمت له الدعوة يوم عرفة فى مسجد إبراهيم ﵇ وبمكة والمدينة وسائر أعمال الحرمين، ولم تودّ له راية.
وسار ابن السميسق ملك الروم إلى ريّان عبد المعز - وهو بطرابلس - فانهزم وأخذت غنائمه وأسر رجاله.
وكتب اسمه على الطّرز بتنيس ودمياط والقيس والبهنسى قبل أن يملك مصر (١).
وتتابعت له الفتوح.
ودعا لفاطمة ولعلى ﵉ فى أيامه على المنابر فى سائر أعماله وفى كثير من أعمال العراق.
ونصبت الستائر على الكعبة وعليها اسمه.
ونصبت له المحاريب الذهب والفضة داخل الكعبة وعليها اسمه.
стр. 275
وكاتبه أهل العراق وأهل اليمن وأهل خراسان وأهل الحرمين والترك بالخلافة.
وكان على التجهز للمسير للحج ثم إلى قسطنطينية للجهاد.
وكان مقامه بمصر سنتين وسبعة أشهر وعشرة أيام.
قال ابن الأثير:
وأمه أم ولد.
وولد بالمهدية من إفريقية حادى عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة.
ومات وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا.
وكانت ولايته الأمر ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أيام.
وهو أول الخلفاء العلويين، ملك مصر وخرج إليها.
وكان مغرى بالنجوم، ويعمل بأقوال المنجمين، قال له منجم إن عليه قطعا فى وقت كذا، وأشار عليه بعمل سرداب يختفى فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت، ففعل ما أمره، وأحضر قواده وقال لهم: «إن بينى وبين الله عهدا أنا ماض إليه، وقد استخلفت عليكم ابنى نزار، فاسمعوا له وأطيعوا».
ونزل السرداب، فكان أحد المغاربة إذا رأى سحابا، نزل وأومى إليه بالسلام ظنا منه أن المعز فيه، فغاب سنة ثم ظهر، وبقى مدة ومرض وتوفى، فستر ابنه نزار العزيز موته إلى عيد النحر من السنة، فصلى بالناس وخطبهم، ودعا لنفسه، وعزّى بأبيه.
وذكر القاضى عبد الجبار بن عبد الجبار البصرى فى كتاب «تثبيت نبوة نبينا ﷺ » المعز لدين الله، وقال:
«واحتجب عن الناس مدة، ثم ظهر وجلس فى حرير فائق أخضر مذهب، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت، وأوهم أنه كان غائبا، وأن الله رفعه إليه، وكان يتحدث بما يأتيه أهل الأخبار فى حال غيبته، وتوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب».
وتعرض بالجمل دون التفصل.
стр. 276
قال مصنفه - رحمة الله عليه -:
«ليس الأمر كما قال ابن الأثير، فقد حكى الفقيه الفاضل المؤرخ أبو الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصرى فى كتاب سيرة المعز - وقد وقفت عليها بخطه ﵀
أخبار المعز منذ دخل مصر إلى أن مات يوما يوما، وأن المعز إنما عهد لابنه يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر قبل موته بيومين؛ وذكر أن سبب العهد إليه. اجتماع الناس بباب القصر وكثرة الرقاع، وأنه سئل فيمن ينظر فى ذلك، فأمر ابنه نزار العزيز أن ينظر فيه فاستخلفه؛ وقد ذكرت ملخص هذه السيرة فيما مرّ من أخبار المعز؛ وأن ابن زولاق أعرف بأحوال مصر من ابن الأثير خصوصا المعز، فإنه كان حاضرا ذلك ومشاهدا له، وممن يدخل إليه ويسلم مع الفقهاء عليه، ويروى فى هذه السيرة أشياء بالمشاهدة، وأشياء مدّته بها ثقات الدولة وأكابرها، كما هو مذكور فيها؛ إلا أن ابن الأثير تبع مؤرخى العراق والشام فيما نقلوه، وغير خاف على من تبحر فى علم الأخبار كثرة تحاملهم على الخلفاء الفاطميين وشنيع قولهم فيهم، ومع ذلك فمعرفتهم بأحوال مصر قاصرة عن الرتبة العليّة، فكثيرا ما رأيتهم يحكون فى تواريخهم من أخبار مصر ما لا يرتضيه جهابذة العلماء، ويردّه الحذاق العالمون بأخبار مصر؛ وأهل كل قطر أعرف بأخباره، ومؤرخو مصر أدرى بماجرياته (١)، وفوق كل ذى علم عليم.
قال ابن الأثير:
«وكان المعز عالما فاضلا جوادا جاريا على منهاج أبيه، حسن السيرة وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة، ثم أظهره، وأمر الدعاة بإظهاره، إلا أنه لم يخرج فيه إلى حدّ يذمّ به».
وقال ابن سعيد فى كتاب المغرب:
«إن جوهر القائد لما كان على عسقلان، وهجم عليه العدو، وأحرقوا خيمته وما قدروا عليه، وقاتل الناس إلى أن كشفوا العدو وعادوا إلى مكانهم، ترجّل جوهر وقبّل الأرض وقال:
стр. 277
«حذرنى مولانا المعز بالمغرب، وقال لى: احذر النار فى عسكرك ببرقة» فلما جزت بها تحفظت من النار، فلما صرت فى مصر: قلت الحق ما يقول مولانا، وما هو إلا أن أعود إلى المغرب، فيكون ذلك فيها، فلما نزلت هذا المنزل عرفت أنه يقال له برقة، وكنت - والله - خائفا من قول مولانا حتى رأيته عيانا.
قال:
«ولما بلغ المعز أن يوسف بن زيرى خليفته على المغرب قبض على صاحب خراجه بالمغرب غضب واستدعى إسماعيل بن اسباط، ودفع إليه كتابا مختوما، وقال له:
«أنت عندى موثوق به، غير مستراب بك، قل له يا يوسف، تغير ما أمرتك به، وتنسب ما فعلته لى؟ والله لئن هممت بالعود إليك لآتينك، ولئن أتيتك لا تركت من آل مناد أحدا، بل من بلكانة، لا بل من صنهاجة؛ أخرج ابن الأديم فاردده إلى النظر فى الخراج على رسمه، وامتثل جميع ما أمرتك به، ولا تخالف شيئا منه».
قال: «فسرت بأحسن حال حتى دخلت القيروان فلم أجده، فسرت إليه، فلما رآنى نزل وقبّل الأرض لما ترجلت له، وقبّل بين عينىّ، وقال:
«هذه العين الذى رأت مولانا».
وأوصلت إليه السجل، فقرأه سرا مع كاتبه وترجمانه، وأديت إليه الرسالة بينى وبينه، فعهدى به يرتعد وينتفخ ويسودّ، ويقول: نفعل والله، وكتب بردّ زيادة الله بن الأديم إلى نظره، وأقمنا مدة.
قال ابن أسباط: «فأنا راكب معه ذات يوم إذ ورد إليه نجّاب بكتاب لطيف، فقرأه عليه راكبا الترجمان، فرأيته ضرب الفرس وحرّكه فأقامه وأقعده، وهزّ رمحه فى وجوه رجاله يمينا وشمالا، وجعل يقول: «أبلكين، أمليح اسم أمه؟ أزيرى، أمليح اسم أبيه؟ أمناد، أمليح اسم جده؟».
قال: «فقلت فى نفسى: خبر ورد إليه سرّه، وأدرت فكرى فوقف فى أن مولانا المعز مات».
стр. 278
فنظر إلى وجهى متغيرا، فأخذنى ونزل إلى دار إمارته، فأدار إلىّ وجهه، وقال:
«مالك تغيّر وجهك؟».
فقلت له:
«مات مولانا المعز، فأحسن الله عزاك عنه».
فقال:
«من أخبرك؟».
قلت:
«أنت أخبرتنى».
قال:
«وكيف!».
قلت:
«رأيتك قد عملت بعد قراءة الكتاب عليك ما لا أعرفه منك».
فقال:
«قد صدقت، قد مات مولانا المعز».
قلت له:
«فيقدر أن أحدا لا يقوى من بعده فى مجلسه».
فقال:
«لا بد من ذلك».
فقلت له:
«ينبغى أن تنتظر كتاب ولده الذى أتى من بعده، فسيأتيك ما تحب».
قال:
«صدقت، واكتم ما جرى، ولكن يا ابن اسباط بعدت مصر من المغرب، وقد صار المغرب والله فى أيدينا إلى دهر طويل».
стр. 279
وأقمت، فورد كتاب العزيز إليه يعزيه ويوليه، فسرّ وخلع علىّ، وسيّرنى».
قال ابن سعيد عن كتاب «سيرة الأئمة» لابن العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن مهذب.
وأورد ليوسف بن زيرى خطبة كتب بها إلى العزيز بن المعز جوابا عن كتابه يقول فيها:
«وأعوذ بالله أن أقول ما شنّعه أهل الزور والجحود، بل أنا عبد من عبيده، أيّدنى بنور هدايته، وألبسنى قميص حكمته، وتوّجنى بعزّ سلطانه، وحمّلنى أثقال علم ربوبيته، واختصنى بنفس كلايته، وذكر أنه ولى عهده بعد ابنه الشاعر تميما ثم عزله، وولى ابنه عبد الله إفريقية، ثم ولى ابنه بمصر العزيز الذى صحّت له الخلافة بعده».
قال ابن سعيد:
«وهذا أعجب ما سمعته فى تولية العهد، لا أعلم لهذه الكائنة نظيرا».
وقال ابن الطوير:
«لما دخل المعز قرأ أحد القراء عند دخوله - وكان منجما -:
«وحمله وفصاله ثلاثون شهرا».
فقال المعز: «العاقبة».
فقال «حميدة».
قال المعز: «الحمد لله».
ومن أحسن ما مدح به المعز قول الحسن بن هانى فيه:
إذا أنت لم تعلم حقيقة فضله … فسائل عليه الوحى المنزّل تعلم
فأقسم لو لم يأخذ الناس فضله … عن الله، لم يعلم ولم يتوهّم
وأىّ قوافى الشعر فيك أجولها … وهل ترك القرآن من يترنّم
وكان نقش خاتمه: «بنصر العزيز العلم ينتصر الإمام أبو تميم».
وكان يشبّه فى بنى العباس بالمأمون فى سفره من القيروان.
стр. 280
العزيز بالله أبو المنصور ابن المعز لدين الله أبى تميم معد ابن المنصور بنصر الله أبى الطاهر إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبى القاسم محمد ابن المهدى عبيد الله
أمه أم ولد، واسمها درزان (١).
ولد بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
وولى العهد بمصر وبويع لسبع بقين من ربيع الآخر (٢) سنة خمس وستين وثلاثمائة.
ومن كتاب ابن مهذب:
سمعت مولانا العزيز يقول:
«خرج مولانا المعز يوما بمصر يمشى فى قصره، وأنا، وأخى تميم، وعبد الله، وعقيل، نمشى خلفه، فخطر ببالى أن قلت:
«ترى يصير هذا الأمر إلىّ، أو إلى أخى عبد الله، أو إلى أخى تميم؛ وإن صار (٣) إلىّ، ترى أمشى هكذا وهؤلاء حولى؟».
قال:
«وانتهى مولانا المعز إلى حيث أراد، ووقفنا بين يديه، وانصرفت الجماعة، وأراد
стр. 281
لانصراف، فقال: «لا تبرح يا نزار»، فوقفت حتى إذا لم يبق أحد بين يديه غيرى استدنانى وقال:
«بحياتى يا نزار إذا سألتك عن شيء تصدقنى؟».
قلت: «نعم يا مولانا».
قال: «التفتّ إليك [فرأيتك] (١) وقد أعجبتك نفسك، وأنت تنظر إلىّ وإلى نفسك وإلى إخوتك، وأنا أسارقك النظر - وأنت لا تعلم -، فقلت فى نفسك: ترى هذا الأمر يصير إلىّ وإخوتى حولى؟».
قال: «فاحمرّ وجهى، ودنوت منه فقبّلت بين يديه (٢)، وقلت - وقد غلبنى البكاء:
«يجعل الله جميعنا فداك».
فقال: «دع عنك هذا؛ كان كذا؟».
قلت: «نعم يا مولانا، فكيف عرفته؟».
قال: «حزرته عليك، ثم لم أجد نفسى تسامحنى فى إعجابك بنفسك على شيء سوى هذا الأمر، فهو صائر إليك، فأحسن إلى إخوتك وأهلك، خار الله لك ووفّقك».
وقد تقدّم أن المعزّ لما مات كتم موته إلى يوم النحر فأظهرت وفاته، فركب العزيز بالمظلّة، وخطب بنفسه، وعزّى نفسه، والناس تسلّم عليه بالخلافة، وركب إلى قصره فسلّم عليه عمّاه: حيدرة وهاشم، وعمّ أبيه: أبو الفرات، وعمّ جدّه: «أحمد بن عبيد الله».
وقال ابن الأثير:
«لما استقرّ العزيز فى الملك أطاعه العسكر واجتمعوا عليه، وكان هو يدبّر الأمر منذ مات والده إلى أن أظهره؛ ثم سيّر إلى المغرب دنانير عليها اسمه فرّقت فى الناس؛ وأقرّ يوسف ابن بلكّين على ولاية إفريقيّة، وأضاف إليه ما كان أبوه استعمل عليه غير يوسف، وهى
стр. 282
طرابلس وغيرها (١)، فاستعمل عليها يوسف عمّاله، وعظم أمره، وأمن ناحية العزيز، واستبدّ بالملك، وكان يظهر الطاعة مجاملة لا طائل تحتها».
وخطب للعزيز بمكة بعد أن أرسل إليها جيشا فحصرها، وضيقوا على أهلها ومنعوهم الميرة، فغلت الأسعار بها، ولقى أهلها شدة شديدة.
وأما أخبار الشام: فإن أفتكين (٢) لم يزل طول مقامه بدمشق يكاتب القرامطة ويكاتبونه بأنهم سائرون إلى الشام، إلى أن وافوا دمشق بعد موت المعز فى هذه السنة، وكان الذى وافى منهم: إسحاق، وكسرى (٣)، وجعفر، فنزلوا على ظاهر دمشق، ومعهم كثير من العجم أصحاب أفتكين الذين تشتتوا فى البلاد وقت وقعته مع الدّيلم، لقوهم بالكوفة فى الموقعات، فأركبوهم الإبل، وساروا بهم إلى دمشق، فكساهم أفتكين وأركبهم الجبل؛ فقوى عسكره بهم وتلقى (٤) أفتكين القرامطة وحمل إليهم وأكرمهم وفرح بهم، وأمن من الخوف؛ فأقاموا على دمشق أياما ثم ساروا إلى الرملة - وبها أبو محمود إبراهيم بن جعفر - فالتجأ إلى يافا، ونزل القرامطة الرّملة، ونصبوا القتال على يافا حتى ملّ كلّ من الفريقين القتال، وصار يحدّث بعضهم بعضا.
وجبى القرامطة المال فأمن أفتكين من مصر، وظنّ أن القرامطة قد كفوه ذلك الوجه، وعمل على أخذ الساحل، فسار بمن اجتمع إليه، ونزل على صيدا، وبها ابن الشيخ، ورؤساء المغاربة (٥)، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلى، فقاتلوه قتالا شديدا، فانهزم عنهم أميالا،
стр. 283
فخرجوا إليه، فواقعهم وهزمهم وقتل منهم، وصار ظالم إلى صور؛ فيقال إنه قتل يومئذ أربعة آلاف من [عساكر] (١) المغاربة، قطعت أيمانهم وحملت إلى دمشق، فطيف بها.
ونزل أفتكين على عكّا، وبها جمع من المغاربة، فقاتلوه، فسيّر العزيز القائد جوهر بخزائن السلاح والأموال إلى بلاد الشام فى عسكر عظيم لم يخرج قبله مثله إلى الشام من كثرة الكراع (٢) والسلاح والمال والرجال، بلغت عدّتهم عشرين ألفا بين فارس وراجل، فبلغ ذلك أفتكين وهو على عكّا، والقرامطة بالرّملة، فسار أفتكين من عكا ونزل طبرية، وخرج القرامطة من الرّملة، ونزلها جوهر.
وسار إسحاق وكسرى من القرامطة بمن معهم إلى الأحساء، لقلة من معهم من الرجال الذين يلقون بها جوهر، وتأخر جعفر من القرامطة فلحق بأفتكين وهو بطبرية، وقد بعث فجمع فى حوران والبثنية؛ وسار جوهر من الرملة يريد طبرية، فرحل أفتكين، واستحثّ الناس فى حمل الغلّة من حوران والبثنية إلى دمشق، وصار أفتكين إلى دمشق، ومعه جعفر القرمطى، فنزل جوهر على دمشق لثمان بقين من ذى القعدة فيما بين داريا والشّماسية، فجمع أفتكين أحداث (٣) البلد، وأمّن من كان قد فزع منه، فاجتمع حمّال السلاح والذعّار إليه، ورئيسهم قسّام.
стр. 284
وأخذ جوهر فى حفر خندق عظيم على عسكره، وجعل له أبوابا، وكان ظالم بن موهوب معه، فأنزله بعسكره خارج الخندق، وصار أفتكين فيمن جمع من الدعّار، وأجرى لكبيرهم قسّام رزقا.
ووقع النفير على قبة الجامع والمنابر، وساروا فجرى بينهم وبين جوهر وقائع وحروب شديدة وقتال عظيم، وقتل بينهم خلق كثير من يوم عرفة، فجرى بينهم اثنتا عشرة وقيعة إلى سلخ ذى الحجة.
ولم يزل إلى الحادى عشر من ربيع الأول سنة ست وستين فكانت بين الفريقين وقعة عظيمة، انهزم فيها أفتكين بمن معه، وهمّ بالهرب إلى أنطاكية، ثم إنه استظهر.
ورأى جوهر أن الأموال قد تلفت، والرجال قد قتلت والشتاء قد هجم، فأرسل فى الصلح، فلم يجب أفتكين، وذلك أن الحسين بن أحمد الأعصم القرمطى بعث إلى ابن عمه جعفر المقيم عند أفتكين بدمشق: «إنى سائر إلى الشام»، وبلغ ذلك جوهر، فترددت الرسل بينه وبين أفتكين حتى تقرّر الأمر أن جوهر يرحل، ولا يتبع عسكره أحد، فسرّ أفتكين بذلك، وبعث إلى جوهر بجمال ليحمل عليها ثقله لقلة الظهر عنده؛ وبقى من السلاح والخزائن ما لم يقدر جوهر على حمله فأحرقه، ورحل عن دمشق فى ثالث جمادى الأولى.
وقدم البشير من الحسن بن أحمد القرمطى إلى عمه جعفر بمجيئه، وبلغ ذلك جوهر، فجدّ فى السير، وكان قد هلك من عسكره ناس كثير من الثلج، فأسرع بالمسير من طبرية،
стр. 285
ووافى (١) الحسن بن أحمد من البرية إلى طبرية، فوجد جوهر قد سار عنها، فبعث خلفه سرية أدركته، فقابلهم جوهر، وقتل منهم جماعة، وسار فنزل ظاهر الرملة، وتبعه القرمطى، وقد لحقه أفتكين، فسارا إلى الرملة؛ ودخل جوهر زيتون الرملة، فتحصّن به، فلما نزل الحسن بن أحمد القرمطى الرملة هلك فيها، وقام من بعده بأمر القرامطة ابن عمه أبو جعفر، فكانت بينه وبين جوهر حروب كثيرة.
ثم إن أفتكين فسد ما بينه وبين أبى جعفر القرمطى، فرجع عنه إلى الأحساء، وكان حسّان ابن على بن مفرّج بن دغفل بن الجرّاح الطائى أيضا مع أفتكين على محاربة جوهر، فلم ير منه ما يحب، وراسله العزيز فانصرف عن أفتكين، وقدم القاهرة على العزيز، واشتدّ الأمر على جوهر، وخاف على رجاله، فسار يريد عسقلان، فتبعه أفتكين.
واستولى قسّام على دمشق وخطب للعزيز، فسار أبو تغلب بن حمدان إلى دمشق، فقاتله قسّام ومنعه، فسار إلى طبرية.
وأدرك أفتكين جوهر، فكانت بينهما وقعة امتدت ثلاثة أيام انهزم فى آخرها جوهر، وأخذ أصحابه السيف، فجلوا عما معهم، والتحقوا بعسقلان، فظفر أفتكين من عسكر جوهر بما يعظم قدره، واستغنى به ناس كثيرون.
ونزل أفتكين على عسقلان، فجدّ جوهر حتى بلغ من الضر والجهد مبلغا عظيما، وغلت عنده الأسعار، فبلغ قفيز القمح أربعين دينارا، وأخذت كتامة تسبّ جوهر وتنتقصه، وكانوا قد كايدوه فى قتالهم، فراسل أفتكين يسأله: ماذا يريد بهذا الحصار، فبعث إليه:
«لا يزول هذا الحصار إلا بمال تؤدّيه إلىّ عن أنفسكم».
فأجابه إلى ذلك؛ وكان المال قد بقى منه شيء يسير، فجمع من كان معه من كتامة، وجمع منهم مالا؛ وبعث إليه أفتكين يقول:
«إذا أمّنتكم لا بد أن تخرجوا من هذا الحصن من تحت السيف»
وأمّنهم، وعلّق السيف على باب عسقلان، فخرجوا من تحته.