← Адаб

Адаб · id 17712

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية

محمد حسن شراب

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شَرْح الشَّواهِد الشّعْرية في أُمَّات الكتب النّحويَّة «لأربعَةِ آلافِ شاهِدٍ شِعري» خرجَ الشّواهد وَصنّفَها وَشرحَهَا محمَّد محمَّد حَسن شُرّاب [الجزء الأول] مؤسسة الرسالة

стр. 2

[مقدمة الشارح] بسم الله الرّحمن الرّحيم أما بعد: فهذا معجم رتبت فيه جلّ الشواهد الشعرية المتداولة في كتب النحو وشروحاتها، بدءا بكتاب سيبويه، إمام أهل النحو المتوفى سنة ١٨٠ هـ - ٧٩٦ م، وربّما عرّجت على مصدر يعدّ من أوثق ما كتب في العصر الحديث، وهو كتاب «جامع الدروس العربية» للشيخ مصطفى الغلاييني المتوفى سنة ١٣٦٤ هـ - ١٩٤٤ م. وقد سبقني إلى هذا الجمع والترتيب، مؤلّفان، مع الاختلاف في المضمون. أما الأول: فهو الأستاذ شيخ المحققين، عبد السّلام محمد هارون، حيث صنع «معجم شواهد العربية» جمع فيه بين شواهد النحو وشواهد العروض، وعلوم البلاغة، وخصائص العربية وأسرارها. ولكنه لم يذكر من الشواهد إلا قوافيها، وأثبت أمام كل شاهد مصادره. وأما الثاني: فهو الدكتور حنّا جميل حداد، (من دائرة اللغة العربية وآدابها) في جامعة اليرموك بالأردن. حيث صنع (معجم شواهد النحو الشعرية) وأثبت الشواهد كاملة، وذكر لكل شاهد مصادره. وطبعته الأولى (١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م) كثيرة الأخطاء والتحريفات، ولكن هذه الأخطاء لم تأت من قبل المؤلف، لأنه عالم بما صنع، وإنما جاءت الأخطاء من مأمن المؤلف، «ومن مأمنه يؤخذ الحذر» حيث أوكل أمر «تصحيح النّسخة الأولى» إلى الآنسة ابتسام نجيب حداد، ويظهر أنها لم تكن من أهل اللغة، فلم تستطع تقويم الأخطاء المطبعيّة ... وكلا العملين يستحق الشكر

стр. 3

والتقدير، وكلاهما يستوجب عليّ أن أقول له؛ كما قال ابن مالك في ألفية ابن معطي: وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائي الجميلا ولكنني وجدت عملهما مقصورا نفعه على العلماء والباحثين الذين يمتلكون المصادر النحوية التي حوت الشواهد، أما طلبة العلم وصغار الباحثين، والمعلمون وهواة قراءة الشعر، والمتأدّبون ... فإنهم لا يستفيدون من المعجمين السابقين، وقد لا يبلّ هذان المصدران عطشهم، لأنّ امتلاك المصادر النحويّة كلها أمر عسير ولأن بيئات المثقفين متباينة: بعضهم يسكن المدينة الكبيرة التي تتوفر فيها المكتبات العامة والخاصة، وبعضهم يسكن القرية أو المدينة الصغيرة التي لا يوجد فيها إلا القليل من المكتبات، وإذا وجدت المكتبة، فلا تضم إلا نماذج قليلة من الكتب. وعنيت من بين من ذكرتهم المعلمين الذين يعملون في مدارس نائية عن العاصمة والمدن الكبرى، وليس في مكتبات مدارسهم إلا القليل من الكتب، فمثل هؤلاء إذا أراد أحدهم أن يعرف مدلول شاهد نحوي، وكان عنده أحد المعجمين السابقين، فإنه لن يجد ضالته فيهما، وقد يدلانه على مصدر ليس موجودا في مكتبته أو مكتبة مدرسته، وبهذا لا يفيد نفسه ولا يفيد تلاميذه. ولذلك فكّرت في صناعة معجم للشواهد النحوية، خفيف حمله، كثير نفعه، قد يغني عن حمل بعير من كتب النحو، وضمنته ما يلي: ١ - الشواهد التي جاءت في جميع كتب النحو التي ألفت قبل العصر الحديث وضممت إليها شواهد كتاب واحد من كتب المحدثين، هو «جامع الدروس العربية» للشيخ مصطفى الغلاييني، ذلك أنني ورثت حبّ هذا الكتاب عن شيخي سعيد الأفغاني لكثرة ثنائه عليه، ولأن هذا الكتاب جامع حقا لموضوعات العربية، بأسلوب يجمع بين الأصالة والمعاصرة، مع فهم عميق لمدلول النصّ والشاهد.

стр. 4

٢ - أثبتّ الشاهد تاما مع ضبط حروفه. ٣ - عزوت الشاهد إلى الشاعر، إن كان معلوما، وكثيرا ما ضممت إليه ما قبله وما بعده ليفهم من السياق، إن كان لا يفهم إلا بما سبق أو لحق، وربما ذكرت مطلع القصيدة التي كان الشاهد منها. ٤ - ذكرت المصدر النحوي الذي استشهد بالبيت، وإذا تعددت المصادر ذكرتها جميعها أو ذكرت أكثرها. ٥ - شرحت ما ظهر لي أنه غامض من معنى البيت. ٦ - دللت على موضع الشاهد الذي استشهد النحاة بالبيت من أجله وقد يكون في البيت شاهدان، فأدلّ عليهما أو أكتفي بواحد منهما. وقد أعرب ما ظهر لي أنه يحتاج إلى الإعراب من البيت غير موطن الشاهد. ٧ - إذا كان الشاهد محل خلاف بين النحويين، فربما أدليت بدلوي في الدلاء، فانفردت برأي، أو رجحت أحد الأقوال. ٨ - مزجت بين الرأي النحوي، والذوق الأدبي، وربما رجحت الذوق الأدبي على الصنعة النحوية؛ لأن الذوق الأدبي هو الدافع إلى التعبير أو هو الموجه للتعبير. ٩ - قوّمت قصة ومناسبة البيت، أو القصيدة التي انتخب منها البيت، واعتمدت في التقويم على النقد التاريخي، أو اللغوي أو الأدبي. ١٠ - قد أنفعل بمضمون البيت، فأستنبط منه عبرة تاريخية، وأربط بين الماضي والحاضر من حوادث الأمّة، وربّما ظنّ القارئ أن بعض الانفعالات كانت ذاتيّة، ولكن هذا ظنّ قصير النظر؛ لأن ما يهمّ فردا أو أفرادا من إقليم أو مجموعة من الناس، لا بدّ أن ينفعل به أهل الأقاليم الأخرى، بعيدة، أو قريبة، وإن تغير المفهوم القومي في العصر الحديث، أو في أيامنا المعاصرة، وأدّى إلى تقوقع الانفعالات وخصوصيتها، حتى وصلت إلى حدّ الإقليميّة الضيقة.

стр. 5

أرجو الله أن يكتبه في سجل أعمالي التي لا تنقطع، وآمل من القرّاء أن يدعوا لي بالخير إن وجدوا خيرا، وأن يلتمسوا العذر لهفواتي، وما أكثرها. فالعصمة لا تكون إلا لنبي. والحمد لله رب العالمين. محمد محمد حسن شرّاب داريا الشام في الحادي والعشرين من ربيع المولد النبوي ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م

стр. 6

المصادر النحويّة مرتبة هجائيا ١ - الأشموني (علي بن محمد) المتوفى سنة ٩٠٠ هـ، وهو مؤلف كتاب «منهج السالك إلى ألفية ابن مالك» وهو شرح ألفية ابن مالك، ويذكر في المصادر «الأشموني» ويراد به كتابه «منهج السالك ...». ٢ - «الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين» للشيخ كمال الدين أبي البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد «الأنباري» المتوفى سنة ٥٧٧ هـ. والطبعة المعتمدة بشرح محمد محيي الدين عبد الحميد. ٣ - «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك». لابن هشام الأنصاري، وقد يعرف بكتاب «التوضيح». ٤ - «تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب»، وهو في شرح شواهد كتاب سيبويه، ومطبوع مع كتاب سيبويه في طبعة بولاق سنة ١٣١٦ هـ. والكتاب منسوب للأعلم الشّنتمري يوسف بن سليمان الأندلسي، المتوفى سنة ٤٧٦ هـ ويعرف بالأعلم لأنه كان مشقوق الشفة العليا، والشنتمري: نسبة إلى بلدة شنتمرية. ٥ - «تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد» لابن مالك ط سنة ١٩٦٨ بالقاهرة وقد يعرف بكتاب «التسهيل». ٦ - «التصريح على التوضيح» للشيخ خالد بن عبد الله الأزهري المتوفى سنة ٩٠٥ هـ. وهو شرح لكتاب «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك» المعروف

стр. 7

«بالتوضيح» ويرمز إليه في المصادر ب «التصريح» أو «شرح التصريح» وهو العنوان المثبت على الكتاب. ٧ - «الجنى الداني في حروف المعاني» للمرادي: بدر الدين حسن بن قاسم أو «ابن أم قاسم» المتوفى سنة ٧٤٩ هـ. ٨ - «حاشية الأمير على مغني اللبيب» والأمير هو محمد بن محمد بن أحمد السنباوي الأزهري المتوفى سنة ١٢٣٢ هـ - ١٨١٧ م وعرف بالأمير؛ لأن جده أحمد كانت له إمرة في الصعيد. ٩ - «حاشية الصبّان» محمد بن علي المصري، المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ على شرح الأشموني للألفية (منهج السالك ...) وهو مطبوع في أسفل الكتاب السابق. ١٠ - «حاشية ياسين على كتاب التصريح»، وهو ياسين بن زين الدين العليمي الحمصي المتوفى سنة ١٠٦١ هـ وهو شرح لكتاب التصريح المارّ ذكره، ومطبوع على جوانب كتاب التصريح. ١١ - «خزانة الأدب، ولبّ لباب لسان العرب»: المعروف اختصارا ب «خزانة الأدب» تأليف عبد القادر بن عمر البغدادي المتوفى سنة ١٠٩٣ هـ والخزانة شرح لشواهد الرضيّ على الكافية (محمد بن الحسن) المتوفى سنة ٦٨٦ هـ. [انظر شرح الكافية]. وقد اعتمدت الطبعة المحققة التي نشرها عبد السّلام محمد هارون. ١٢ - «الخصائص» لابن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ بتحقيق الشيخ محمد علي النجار في ثلاثة أجزاء ط/ ١٩٥٢ م. ١٣ - «الدرر اللوامع» على «همع الهوامع شرح جمع الجوامع» تأليف أحمد بن أمين الشنقيطي، المتوفى سنة ١٣٣١ هـ - ١٩١٣ م. ويرمز إليه في المصادر بلفظ «الدرر». واعتمدت على الطبعة القديمة، بمطبعة كردستان العلمية سنة ١٣٢٨ هـ.

стр. 8

وطبع الكتاب حديثا طبعة محققة بقلم الدكتور عبد العال سالم مكرم، بالكويت سنة ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م في سبعة أجزاء صغيرة. ١٤ - سيبويه إمام أهل النحو المتوفى سنة ١٨٠ هـ. ويذكر في المصادر اسم سيبويه، ويراد به كتابه، ويحيل الباحثون دائما إلى طبعة بولاق سنة ١٣١٦ هـ. وقد نشره الأستاذ عبد السّلام هارون سنة ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٦ م، وذيله بحواشي مفيدة توضح بعض الغموض الذي يلفّ عبارات سيبويه، لاختلاف المصطلح النحوي الذي استعمله سيبويه عن المصطلح النحوي المتداول في كتب المتأخرين. ولا يكاد يفهم عبارة سيبويه إلا المتخصصون في علم النحو. ١٥ - «شذور الذهب في معرفة كلام العرب»، لابن هشام عبد الله بن يوسف بن هشام المتوفى سنة ٧٦١ هـ. وأشهر طبعاته طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد. وهو في الحقيقة «شرح شذور الذهب» لأن الشذور متن وضعه ابن هشام، ثم شرحه، ويقال: شذور الذهب، اختصارا. ١٦ - «شرح أبيات مغني اللبيب» صنفه عبد القادر بن عمر البغدادي والطبعة المعتمدة نشرة دار المأمون في دمشق بتحقيق أحمد الدقاق، وعبد العزيز رباح. وللسيوطي «شرح شواهد المغني» طبع آخر مرّة سنة ١٩٦٦ م وهو دون شرح البغدادي في المنزلة. ١٧ - «شرح الألفية»، للأشموني. (انظر - الأشموني). ١٨ - «شرح التصريح» (انظر - التصريح على التوضيح). ١٩ - «شرح الشنتمري» (انظر - تحصيل عين الذهب). ٢٠ - «شرح شواهد الشافية»، لعبد القادر بن عمر البغدادي، طبع سنة ١٣٥٦ هـ. والشافية، كتاب في الصرف ألفه ابن الحاجب عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، المتوفى سنة ٦٤٦ هـ كان أبوه حاجبا فقيل: ابن الحاجب. وقد شرح الرضيّ (محمد بن الحسن) المتوفى سنة ٦٨٦ هـ، الشافية في علم الصرف. ٢١ - «شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك». وابن عقيل هو عبد الله بن

стр. 9

عبد الرحمن توفي سنة ٧٦٩ هـ. والطبعة المعتمدة بعناية الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد. ٢٢ - «شرح الكافية»: من تأليف محمد بن الحسن، المشهور ب «الرضيّ» الأستراباذي، من أهل أستراباذ من أعمال طبرستان (في إيران) تسمى اليوم «مازندران» فتحها العرب على يد سعيد بن العاص، وأطلقوا عليها اسم «طبرستان» و «الكافية» كتاب في النحو ألفه ابن الحاجب، مؤلف كتاب «الشافية» في الصرف، وقد شرح الرضيّ كلا الكتابين، وشرح البغدادي شواهد الكتابين، وسمّى شرح شواهد الكافية ب «خزانة الأدب» وهو موسوعة نحوية شعرية أدبية نقديّة، لا يوجد لها مثيل في المؤلفات العربية، فمن حواها قيل له «كل الصيد في جوف الفرا». ٢٣ - «شرح المفصّل» لابن يعيش، المتوفّى سنة ٦٤٣ هـ وهو يعيش بن علي بن يعيش، ويعرف بابن يعيش، وبابن الصانع، والمفصّل الذي شرحه ابن يعيش من تأليف الزمخشري، محمود بن عمر، المتوفى سنة ٥٣٨ هـ. والطبعة المعتمدة هي الطبعة المصرية سنة ١٩٢٨ م. في عشرة أجزاء. ٢٤ - الشنتمري: انظر «تحصيل عين الذهب». ٢٥ - الصبّان. انظر «حاشية الصبّان». ٢٦ - العيني: يرمز به لكتاب «المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية». والعيني مؤلفه، وهو بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى الحلبي العيني، نسبة إلى بلدة «عينتاب» في جنوب تركية بالقرب من الحدود السورية. ولعلها تسمى اليوم «غازي عينتاب» أو «غازيناتاب» أو «غازنتاب»، وتوفي بالقاهرة سنة ٨٥٥ هـ. وكتاب «المقاصد» جمع فيه شواهد أربعة من شروح الألفية، وهي شرح ابن الناظم، وابن أم قاسم، وابن هشام، وابن عقيل. ورمز بالحرف «ظ» لابن الناظم و «هـ» لابن هشام و «ق» لابن أم قاسم و «ع» لابن عقيل. وقد طبع هذا الكتاب على جوانب كتاب خزانة الأدب المطبوع في مطبعة بولاق سنة ١٢٩٩ هـ.

стр. 10

ويعرف الكتاب أيضا باسم «الشواهد الكبرى» واختصره العيني في كتاب آخر سماه «فرائد القلائد في مختصر شرح الشواهد» وهو المعروف «بالشواهد الصغرى». وقد رأيت للعيني في شروحه أوهاما وعثرات، تدل على أنه ليس حجة في باب الأدب والنحو. ٢٧ - (شرح) «قطر الندى وبل الصدى» لابن هشام. والطبعة المعتمدة بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. ٢٨ - «الكتاب» (كتاب سيبويه) انظر «سيبويه». ٢٩ - «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» لابن هشام عبد الله بن يوسف بن هشام المتوفى سنة ٧٦١ هـ. واعتمدت في ذكر المصادر على شرح البغدادي لأبياته، فما كان في الشرح، فهو موجود في الأصل. ٣٠ - «المقاصد النحوية». (انظر العيني). ٣١ - «منهج السالك إلى ألفية ابن مالك». (انظر الأشموني). ٣٢ - «همع الهوامع شرح جمع الجوامع»: لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ. ٣٣ - ياسين. انظر «حاشية ياسين».

стр. 11

الحصيلة النّقدية، لقراءة الشواهد النحويّة [تمهيد وارائة الحصيلة] في هذا المعجم ما يقرب من أربعة آلاف بيت شعر، لنحو تسع مئة شاعر وشاعرة، وراجز وراجزة. وإذا كتب لهذا المعجم أن ينشر، واحتواه الناس في مكتباتهم، فإنهم لن يقرؤوه دفعة واحدة، وإنما يرجعون إليه، كلما عنّ لهم بيت، وأرادوا أن يعرفوا شيئا عنه. وربما قرأه باحث أراد أن يقدم دراسة إحصائية استقرائية لجانب من الجوانب التي تدل عليها الشواهد، وتبقى جوانب أخرى لم يأبه لها هذا الباحث. أمّا مصنّف هذا المعجم، فلعله القارئ الوحيد الذي أمعن النظر والتدقيق في كل بيت، ولفت انتباهه جوانب متعددة مما تدل عليها الأبيات. وقد تجمعت عندي ملاحظات نقدية، أحبّ أن أنقلها إلى القارئ، وقد يوافقني عليها بعض القراء، ويدفعها آخرون .. وهذا ليس غريبا في باب الأدب، والنقد، لأنه نقد قد يعتمد على الذوق الذاتي، وقد يعتمد على المحاكمة العقلية المحكومة بالدليل. فما كان معتمدا على الذوق الذاتي تختلف فيه الآراء، لاختلاف الأذواق، ولكن الاختلاف في الأذواق لا يعني فساد ذوق فئة، وصحة ذوق فئة أخرى، وإنما هو اختلاف طبعي، أو اختلاف تربوي، والطبيعة والتربية تؤثران في ذوق الإنسان، ولكنهما لا تفسدانه، وينطبق على حال اختلاف الأذواق، القول: «وللناس فيما يشتهون مذاهب». أما الاختلاف المعتمد على المحاكمة العقلية المحكومة بالدليل، فإنه لا يخوض فيه إلا من امتلك دليلا يزعم أنه الأقوى، أو امتلك فهما في نصّ الدليل غاب عن الطرف الآخر. وإليك الحصيلة النقدية التي سجلتها:

стр. 12

١ - البيت ليس وحدة القصيدة العربية القديمة: زعم نقّاد الشعر العربي القديم، أن القصيدة العربية مفككة الأوصال، ولا يربطها رابط، وأن البيت وحدة القصيدة وليس بين أبيات القصيدة وأجزائها وحدة عضوية. وقد شاعت هذه المقولة منذ بداية العصر الحديث، وأصبحت من المسلّمات التي يتناقلها النقاد خلفا عن سلف، وما زالت سائدة في الكتب الجامعية والمدرسية. وفي المعجم الذي بين يديك أيها القارئ نحو أربعة آلاف شاهد شعري وإذا تتبعت الشواهد التي استلّت من مقطوعة أو قصيدة، فإنك ستجد مئات أو آلافا من الشواهد التي تبطل مقولة النّقاد. إننا نجد البيت المفرد في كتاب النحو؛ لأن المؤلف لا يهمه إلا كلمة واحدة من هذا البيت، ولذلك يرويه مفردا، ولكن مفهوم البيت لا يتم إلا بقراءة سابقة ولاحقة. وقد أصدر النقّاد حكمهم بناء على قراءة ناقصة لنماذج قليلة من الشعر الجاهلي مع عدم استشعار الروح الفنية التي تسود في القصيدة الواحدة، ويمكننا أن نقول: إن الذين أصدروا هذه الأحكام كانوا غرباء عن الحياة العربية، ولم يتقمصوا شخصية الشاعر وهم يقرؤون قصيدته. ونحن نقول: إنّ قراءة نماذج قليلة من قصائد الشعر الجاهلي، لا تؤدي إلى إصدار حكم عام .. لأن كثيرا من النماذج الجاهلية، جاءها التفكك المزعوم من الرواية، فربما قدم الرواة ما حقه التأخير، وربما أنقص بعضهم أبياتا، وزاد بعضهم أبياتا أخرى. وكيف يقولون إن البيت وحدة القصيدة - يعني أنه يفهم وحده - ونحن نجد آلاف النماذج من الأبيات التي لا تفهم إلا في سياق ما بعدها، وما قبلها. واقرأ قول عنترة بن شداد: ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستسلم فهذا البيت لا يفهم إلا إذا قرأت ما بعده، وهو: جادت يداي له بعاجل طعنة ... بمثقّف صدق الكعوب مقوّم

стр. 13

واقرأ قوله: ولقد حفظت وصاة عمي بالضّحا ... إذ تقلص الشّفتان عن وضح الفم في حومة الحرب ... لما رأيت القوم ... يدعون عنتر والرماح كأنّها ... أشطان بئر في لبان الأدهم ما زلت أرميهم .. فازورّ من وقع القنا .. لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... فكل هذه الأبيات متعانقة تأخذ برقاب بعضها البعض؛ لأنها تؤدي معاني متسلسلة، وكل بيت يمثل حلقة. واقرأ مطولات «المفضليات» واقرأ ما كتبه المحققان أحمد محمد شاكر وعبد السّلام محمد هارون، تحت عنوان «جوّ القصيدة» فإن هذا الجوّ يشعرك بالرابط النفسي، والرابط المعنوي بين أبيات القصيدة وأجزائها مهما كانت طويلة. وقد وضع المرزوقي في مقدمة شرحه «الحماسة»، معيار الشعر الجيد، مستنبطا من نصوص الشعر العربي فقال: «فالواجب أن يتبيّن ما هو عمود الشعر المعروف عند العرب؛ ليتميز تليد الصنعة من الطريف، وقديم نظام القريض من الحديث، ولتعرف مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه، ومراسم إقدام المزيّفين على ما زيّفوه، ويعلم أيضا فرق ما بين المصنوع والمطبوع ... فنقول، وبالله التوفيق: إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة، كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكله اللفظ للمعنى، وشدة اقتضائها للقافية حتى لا منافرة بينهما. فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار».

стр. 14

ويعنينا هنا أن نذكر ما قاله في المعيار الدال على وحدة القصيدة والتئام أجزائها، أو ما يسمونه اليوم: «الوحدة العضويّة»، وهو التحام أجزاء النظم - حيث يقول: «وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن: الطبع واللسان. فما لم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله بل استمرا فيه واستسهلاه، بلا ملال ولا كلال، فذاك يوشك أن تكون القصيدة منه كالبيت والبيت كالكلمة تسالما لأجزائه وتقارنا وألّا يكون كما قيل فيه: وشعر كبعر الكبش فرّق بينه ... لسان دعيّ في القريض دخيل وكما قال خلف: وبعض قريض الشعر أولاد علّة ... يكدّ لسان الناطق المتحفّظ (١) وكما قال رؤبة لابنه عقبة وقد عرض عليه شيئا مما قاله فقال: قد قلت لو كان له قران. [المرزوقي ١٠/ ١١]. ونقتبس بعض ما كتبه ابن قتيبة في مقدمة كتابه «الشعر والشعراء» مما له دلالة على التحام أجزاء النظم في القصيدة العربية، حيث يقول: «وتتبيّن التكلّف في الشعر بأن ترى البيت فيه مقرونا بغير جاره، ومضموما إلى غير لفقه، ولذلك قال عمر بن لجأ - شاعر أموي - لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: وبم ذلك؟ فقال: لأني أقول البيت وأخاه، ولأنك تقول البيت وابن عمه. وقال عبد الله بن سالم لرؤبة بن العجاج: مت يا أبا الجحاف إذا شئت! قال رؤبة: وكيف ذلك؟ قال: رأيت ابنك عقبة ينشد شعرا له أعجبني - يريد أنه وجد من يرثك ويخلّد ذكرك - قال رؤبة: نعم، ولكن ليس لشعره قران» يريد أنه لا يقارن البيت بشبهه». * ونفهم من مجموع الأقوال السابقة: أن من أركان القصيدة العربية: أن تكون مترابطة الأجزاء، ويأتي هذا الترابط: من وحدة القصيدة الموسيقية، باختيار لذيذ

стр. 15

الوزن. وتأتي الوحدة أيضا: من أنّ كلّ بيت، يسلمك إلى ما بعده، لارتباطه به معنى ونظما. وقد تؤدي بعض الأبيات معنى مستقلا، ولكن هذا لا يجعله منفكا عما قبله وعمّا بعده، بل يكون البيت في القصيدة بمنزلة الكلمة في البيت، والكلمة في البيت تؤدي معنى لغويا وهي منفردة، ولكنها لبنة في بناء البيت، لا يتمّ إلا بها. وتكون القصيدة كلها كالبيت منظومة في سلك واحد، كما تنتظم الكلمات في البيت. فالتفكك إذن عيب في الشعر، فكيف يجعلونه من خصائص قصيدهم. وانظر عشرات المقطعات التي أوردها أبو تمام في الحماسة مع شرحها، فإنك تجد مصداق ما قال المرزوقي في مقدمته. فالبحث يطول ويحتاج إلى كتاب منفرد، لعرض النماذج التي تبين بطلان زعم الزاعمين بتفكّك القصيدة العربية وأن البيت وحدتها .. وحتى أبيات الحكمة التي تؤدي معاني منفردة فإنها مربوطة بخيط دقيق، يتصل بالتجربة التي عاناها الشاعر. فلا تلتفتنّ إلى ما قال النقاد، فهم مقلدون لأول من قال، وأول من قال جاهل بالشعر العربي. ٢ - ينحصر زمن شعراء الشواهد بين العصر الجاهلي، ونهاية العصر الأموي وإذا وجدنا بيتا لشاعر عباسي، قالوا: إنه للتمثيل وليس للاستشهاد. وأنا أرى أنهم حجروا فضيّقوا، وكان أمامهم سعة للاختيار من العصر العباسي، مع صحّة ربّما تضاهي أو تفوق صحة بعض ما استشهدوا به من العصر الذي حددوه، وفي هذا المقام أذكر الملاحظات التالية: أ - قسموا الشعراء إلى أربع طبقات: ثلاثة منها يستشهد بشعرهم وهم: الجاهليون، والمخضرمون، وشعراء العصر الأموي. والطبقة الرابعة وهم المولّدون أو المحدثون، ولا يستشهد بشعرهم. وفي مجال الشعر الجاهلي يأخذون كلّ شعر منسوب إلى شاعر جاهلي. وليس عندهم سند متصل موثوق بأن كلّ الشعر الجاهلي منسوب إلى أصحابه. ونذكر على سبيل المثال: شعر امرئ القيس: فقد وصل إلينا من شعره الذي نسب إليه زهاء ألف بيت منسجمة في مئة قطعة، بين طويلة وقصيرة، نجدها في ديوانه ولكن ابن رشيق يقول: «لا يصحّ له إلا نيّف وعشرون شعرا بين طويل وقطعة». [العمدة ١/ ٦٧]. وبعض شعره، الذي نسب

стр. 16

إليه، قاله في طريق رحلته إلى ملك الروم المزعومة، وكان معه في الرحلة عمرو بن قميئة، وقد فطس امرؤ القيس في طريق العودة ومات أيضا عمرو بن قميئة في طريق هذه الرحلة. فمن الذي أوصل إلى الرواة شعره الذي قال فيه: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا ومن الذي نقل إلينا عند موته «وإني مقيم ما أقام عسيب»؟! وينقلون شعرا يزعمون أنه قاله في ابنة القيصر، وأن حوارا دار بينه وبينها. وقصيدة الأعشى في مدح النبي ﷺ ، مع أنها قريبة العهد من العصر الإسلامي بل زعموا أنه قالها بعد صلح الحديبية. ولكنني لم أجد لها سندا صحيحا متصلا، بل روايات قصتها متعددة ومتضاربة، وفيها من المعاني الإسلامية ما لا يقوله إلا من قرأ القرآن وفهمه، وجالس النبي ﷺ . وليس للأعشى نصيب من هذا ... وقد جاء في كتب النحو عشرات من أبياتها. وقصيدة أبي طالب في مدح النبي ﷺ ، لم يصحّ عندنا منها إلا البيت الذي يقول فيه «وأبيض يستسقى الغمام بوجهه» ولكنها قد تصل في بعض المراجع إلى مئة بيت. وفي كتب النحو شواهد كثيرة منها. ب - نحن لا نرى أن كلّ ما ذكرنا من النماذج موضوع ومنحول، قد يكون لهذا الشعر أصل قليل، ثم زيد عليه، ولكن من الذي زاد وطوّل في هذا القصيد؟. الجواب: إنّ أكثر من نسب إليهم وضع الشعر ونحله، ينتمون إلى ما بعد العصر الذي يستشهدون بشعر أهله ... فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نستشهد بشعر الوضّاعين من أهل العصر العباسي، ولا نستشهد بشعر بعض الشعراء الذين شهروا بفصاحة القول وجزالة اللفظ، وقوة التركيب، من أهل العصر العباسي، أمثال: بشار بن برد، وأبي نواس، والعباس بن الأحنف، والشريف الرضي، وأبي تمام، والمتنبي. ج - وقد اختار الزمخشري، والرضيّ، الاستشهاد بشعر بعض من سموهم المولدين ممن يوثق بكلامهم. فقد استشهد الزمخشري في تفسيره ببيت من شعر

стр. 17

أبي تمام وقال: «وهو وإن كان محدثا، لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فأجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: (الدليل عليه ببيت الحماسة) فيقنعون بذلك، لوثوقهم بروايته وإتقانه» [انظر الخزانة ١/ ٧]. قال أبو أحمد: أليس الاستشهاد بشعر أبي تمام أولى من الاستشهاد بشعر منسوب إلى الزبّاء؟ وأخبرني من الذي سمع ونقل أن الزبّاء قالت: ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا وهل كانت الزبّاء تتكلم العربية القرشيّة؟ وهناك شعر منسوب إلى رجال من قوم عاد، وهناك شعر منسوب إلى تبابعة اليمن مع أنّ علماء اللغة والتاريخ يقولون إن لغة أهل اليمن القديمة هي اللغة الحميرية وليست اللغة القرشية. ٣ - لا يؤخذ التاريخ من القصص الأدبي . فكل بيت من الشعر له، أو لقصيدته، مناسبة قيل فيها. والمناسبة ذات صلة بالتاريخ والمجتمع. ويجتهد رواة الشعر أن يوجدوا مناسبة لكل بيت أو قصيدة، لتكون عونا على فهم النص، ولكن القصة التي يرويها رواة الشعر بعيدة العهد عنهم، وليس في روايات الأدب أسانيد متصلة إلى زمن قول الشعر، فرواة الشعر، وجدوا نصوصا يرويها الناس، وليس معها قصة، فحرصوا على أن يكون لكل بيت قصة، فوقعوا في شرك الوضع والكذب والاختلاق والظنّ، فرووا ما قيل لهم، أو تخيلوا قصة، إذا قرأها القارئ ظنّها من الواقع التاريخي، فنقلها على أنها من التاريخ، وهي بعيدة عن الواقع التاريخيّ. وقد نبهت في هذا المعجم إلى كثير من المناسبات التاريخيّة المصنوعة، وبينت كذبها. فقصص مغامرات امرئ القيس مع بنات العرب ومع ابنة القيصر، كاذبة ولا تمثل واقعا، ولا يصحّ وقوعها، وإنما هي من خيالاته. وقصص عمر بن أبي ربيعة في العصر الإسلامي كاذبة وهي من خيال الشاعر. والشعر الذي يروونه في فتنة الجمل وصفين أكثره موضوع ولا تصح مناسبته.

стр. 18

والقصص الذي روي مرافقا لشعر قيل في زمن عمر بن الخطاب، قصص موضوع لا يصحّ. ومن ذلك زعمهم أن عمر سمع امرأة تنشد: ألا سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج فهذه القصة موضوعة، انظر تحقيقها في كتابنا «المدينة في فجر الإسلام والعصر الراشدي». وفي قصة «سحيم عبد بني الحسحاس» أقوال كثيرة لا تصح، حيث زعموا أن عمر بن الخطاب سمع قصيدة سحيم التي مطلعها: عميرة ودّع إن تجهزت غازيا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا فقال عمر: لو قدّمت الإسلام على الشيب لأجزتك. فهذا لا يصح؛ لأن عمر لم يكن يجيز على الشعر، وإنما يعطي كلّ إنسان حقّه من العطاء السنوي. ثم إن القصيدة عامرة بالفسق والفجور ووصف المغامرات. ويزعمون أنّ قومه قتلوه وأحرقوه - في زمن عثمان - وهذا لا يصحّ؛ لأنه لو ثبت عليه حدّ الزنا، فليس عليه إلا الجلد والتغريب، أو الرجم، فكيف يقتل ويحرق في العهد الراشدي. ويزعمون أن سبب تعلّق عميرة به أن أنقذها من يهودي خطفها وحبسها في حصنه ... ولم يكن - زمن عمر، وزمن عثمان - يهود في المدينة. وألغى ابن قتيبة عقله فقال: «ويقال سمعه عمر بن الخطاب ينشد: ولقد تحدّر من كريمة بعضهم ... عرق على جنب الفراش وطيب فقال له عمر: إنك مقتول. فسقوه الخمر ثم عرضوا عليه نسوة فلما مرت به التي كان يتهم بها أهوى إليها فقتلوه!» «الشعر والشعراء» ص ٣٢١. وهذا كذب ما كان له أن يرويه. فلو أنّ عمر سمعه يقول كذا؛ لنفاه عن المدينة، كما روي أنه نفى بعض الفجّار، وكيف يسقونه الخمر لاكتشاف من يتّهم بها من النساء والرجل

стр. 19

إذا سقي الخمر لا يفرق بين محارمه وغير محارمه؛ لأنه يضيع وعيه، وكيف يعرضون عليه النساء، وفيه اتهام وقذف للنساء المعروضات؟ ومن الذي سقاه الخمر، هل سقاه عمر الخمر، حيث ذكر «فسقوه» في سياق سماع عمر له ... كل هذا قصص أدبي من اختراع أهل القصة ولا يصحّ أن يروى في التاريخ والله أعلم. فإن كتب الأدب ليست مكانا لرواية التاريخ أو أخذ التاريخ منها، وإنما هي من مواطن السمر واللهو، والسمر يملحه الكذب الأدبي. ٤ - الشواهد الشعرية لا تشمل القواعد النحويّة كلها: فأكثر ما يأتون بالشاهد في المسائل الخلافية، أو فيما شذّ عن القاعدة التي تعارفوا عليها: فإذا قالوا: إن «ال» من علامات الاسم، جاؤوا بالشواهد التي دخلت فيها «ال» على الفعل المضارع، شذوذا أو ضرورة. كقول الفرزدق: «ما أنت بالحكم الترضى حكومته». وإذا قالوا: إنّ الفعل لا يلحقه ضمير المثنى والجمع إذا كان الفعل مثنى أو مجموعا. استشهدوا بما رأوه شاذا أو أنه لغة من لغات العرب كقول ابن قيس الرقيات في مصعب: تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعد وحميم وارجع إلى الشواهد فإنك واجد أكثرها في المسائل الخلافية والشاذ من القواعد، أو في الضرائر الشعرية. ٥ - قسّم علماء العربية الأوائل، قواعد النحو، إلى قياسيّة، يصح القياس عليها والنسج على منوالها لكثرة شواهدها عندهم. وإلى سماعيّة، أو قليلة، أو شاذة، أو ضرورة، ولا يصحّ القياس عليها لندرة شواهدها عندهم. وتتابع المؤلفون على هذا التقسيم إلى العصر الحديث .

стр. 20

قلت: وهذا التقسيم صحيح، عند العلماء الأوائل الأقدمين؛ لأن حكمهم قام على استقراء النصوص التي وصلت إليهم. ولكن ظهر فيما بعد أن استقراء هؤلاء كان ناقصا، وأن هناك شواهد لم يطلعوا عليها، فلماذا لم يخرج الشاذ إلى دائرة الكثير الذي يباح الأخذ به وإن كان لا يصل إلى منزلة القياسيّ؟. فدخول «ال» على الفعل عدوه من الشذوذ، والضرورة؛ لأنهم لم يكونوا يملكون عليها إلا الشاهد أو الشاهدين. ولكن البغدادي في خزانة الأدب (ج ١/ ٣٢ - هارون) أحصى لدخول «ال» على المضارع ثمانية شواهد شعرية. أما تكفي ثمانية شواهد - ولعلّ هناك شواهد أخرى لم تبلغنا - لإخراج الأسلوب من حدّ الشذوذ إلى حدّ الكثرة، وإلى إباحته في الشعر والنثر معا؟!. واللغة التي تجمع بين الفاعل الظاهر والضمير، التي نبزوها بلغة (أكلوني البراغيث) ما زلنا ننبذها، ونخطئ من يستخدمها، مع تعاضد الشواهد القرآنية، والحديثية، والشعريّة على صحتها وجوازها، وقد أحسن ابن مالك النحوي عند ما سماها لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة» إشارة إلى ورودها في الحديث النبويّ الذي رواه الإمام مالك في الموطأ بل رواه أيضا بهذا اللفظ الإمام البخاري في صحيحه، وهي لغة موافقة لتخريج الآية «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» [الأنبياء: ٣]. وهي - كما أرى - لغة صحيحة، ولا يعدّ مخطئا من يستخدمها وإن كانت ليست الفصحى، ولكنها لغة فصيحة، ولك بعد ذلك أن تخرجها وتؤولها كما يحلو لك، [انظر كتابينا «الشوارد النحوية» و «الإمام الزهري» في الدفاع عن لغة الحديث النبوي]. ٦ - الموازنة بين رواية الشعر، ورواية الحديث النبويّ: اعتمد النحويون الأوائل في إثبات قواعدهم على الشواهد الشعرية، ولا تكاد تجد الأحاديث النبوية من شواهدهم إلا قليلا نادرا، وتبعهم على هذا المسلك النحويون المتأخرون - إلى أن جاء ابن خروف النحوي (علي بن محمد بن علي -

стр. 21

٦٠٩ هـ). فأخذ يستشهد بالحديث النبويّ كثيرا، ثم جاء ابن مالك صاحب الألفية (- ٦٧٢ هـ) فأكثر من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب. فجاء أبو الحسن بن الضائع (علي بن محمد بن علي الإشبيلي - ٦٨٠ هـ) فعاب ابن خروف على صنيعه وقال «وابن خروف يستشهد بالحديث كثيرا، فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمروي فحسن وإن كان يرى أنّ من قبله أغفل شيئا وجب عليه استدراكه فليس كما رأى». [الخزانة ١/ ١٠]. ثم جاء أبو حيّان النحوي (محمد بن يوسف بن علي الجيّاني - ٧٤٥ هـ) فشنّع على ابن مالك لإكثاره من الاستشهاد بالحديث، وعلّل تشنيعه هذا بمزاعم تدلّ على جهله بالحديث النبويّ وبتاريخ الرواية والتدوين وأخطأ أخطاء فاضحة تحمّل وزرها إلى يوم القيامة؛ لأنه كان بمزاعمه عونا للطاعنين في الحديث النبوي فيما بعد، حيث اتخذوا كلامه حجة للطعن في الحديث، فقالوا إنه ليس حجة في التشريع. ذلك أن أبا حيّان، زعم أن الأحاديث لم تنقل إلينا بلفظ النبي ﷺ ، وإنما نقلت بالمعنى، وأنه وقع اللحن فيها؛ لأن كثيرا من الرواة كانوا من العجم، وأن أئمة النحو المتقدمين من المصرين - الكوفة والبصرة - لم يحتجوا بشيء منه. قال أبو أحمد: إنّ ابن الضائع في عيبه ابن خروف على كثرة استشهاده بالحديث، إنما هو مضيّع علما كثيرا، ولذلك ضلّ ضلالا مبينا. وإنّ أبا حيّان الجيّاني: مدّع جاهل، يدخل أنفه فيما لا يفهمه ويكفيه ضلالا أنه شغل نفسه بتأليف الكتب في لغات كانت أيامه ميتة، فصنع كتابا بعنوان «زهو الملك في نحو الترك». و «الإدراك للسان الأتراك» و «منطق الخرس في لسان الفرس» و «نور الغبش في لسان الحبش». وإذا كان شغل نفسه بلغات الأرض، كيف يحكم على لغة الحديث النبوي، وهو لم يشغل نفسه بها. وإليك تفصيل الجواب عن مزاعم ابن الضائع، وأبي حيّان: أ - كون الأقدمين لم يحتجوا بالحديث، هذا حجة عليهم لا لهم. فهم وإن لم يحتجوا بالحديث فإنهم لم يصرحوا بالسبب الذي جعلهم يحجمون عن الاحتجاج

стр. 22

به، فمن أين لأبي حيّان ما ذكر من التأويل الفاسد. ب - إن الحديث النبوي رواية ودراية، والرواية من أهم شروطها: معرفة رجال الإسناد، ومعرفة الصفات القادحة في رجال السند. والدراية تتطلب فهما في فقه الحديث والسنة النبوية، ومعاني القرآن، وآيات التشريع، والحلال والحرام، والمباح والمكروه. وهذه أمورد يفقدها علماء العربية؛ لأنهم لم يتفرغوا لها، ولذلك لم يحتجوا بألفاظ الحديث، لعدم قدرتهم على التمييز، فخشوا أن ينقلوا حديثا، يقدح أهل العلم بالحديث فيه. ج - أما قولهم؛ بوقوع اللحن فيما روي من الحديث، لروايته بالمعنى من قبل من لم يكونوا عربا بالطبع .. فهذا كذب على الحديث، وإنما يقع اللحن - إن وقع - في الحديث الموضوع، وربما وقع بسبب تصحيف النساخ في بعض الأحاديث الصحيحة، فإذا قوبل على الأصول الأخرى ظهر التصحيف. بل ربما ظنّه بعضهم لحنا؛ لأنه لم يطلع على اللغة التي جاء بها الحديث. روى الزبيدي في طبقات النحويين (ص ٦٦) قال: لزم سيبويه حلقة حماد بن سلمة بن دينار (.. - ١٦٧ هـ) فبينا هو يستملي على حمّاد قول النبي ﷺ : «ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء». فقال سيبويه: «ليس أبو الدرداء» بالرفع. وظنه اسم ليس، فقال حماد: لحنت يا سيبويه ليس هذا حيث ذهبت، وإنما «ليس» هاهنا استثناء. فقال: سأطلب علما لا تلحنّي فيه. فلزم الخليل فبرع. هذا، ولم يذكروا شاهدا للاستثناء ب «ليس» إلا الحديث السابق، والحديث «ما أنهر الدّم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا، ليس السنّ والظّفر». د - أما قولهم إن الحديث روي بالمعنى: فهذا ليس صحيحا؛ لأنه ثبت أن كتابة الحديث بدأت في العهد النبويّ، وإن لم تكن عامّة، ولكن الكتابة كانت موجودة، وانظر «كتاب العلم» في صحيح البخاري تجد أدلة لا تنقض على كتابة الحديث في العهد النبوي. هـ - وعلى فرض رواية الحديث بالمعنى، فإن الذين رووه بالمعنى هم الصحابة

стр. 23

- ﵃، وكانوا أهل فصاحة وهم ممن يحتج بكلامهم، ولكن هذا لا يعني أن الصحابة غيّروا كلّ ألفاظ رسول الله ﷺ ، وإنما التغيير كان يشمل الكلمة أو الكلمتين. وقد وصلنا كلام الصحابي مدونا مكتوبا؛ لأن التدوين الكثير بدأ من عهد التابعين، ولم يكن تدوين التأليف والتصنيف، وإنما كان تدوينا مفرقا على أدوات الكتابة التي كانت متاحة، وبدأ تدوينه في مصنفات مجموعة في عهد تابعي التابعين، ووصلنا من مصنفات تابعي التابعين موطأ الإمام مالك. فقد ثبت أنه كان يكتب عن الزهري، وكان يحقق ما كتبه عن الزهري بقراءته عليه للتحقق من صحة ما كتب. ورواية الإمام مالك عن الزهري السلسلة الذهبية في الفصاحة: فالإمام مالك عربي، والزهري عربيّ فصيح، بل كان من أفصح أهل زمانه [انظر الإمام الزهري من تصنيفي]، والزهري ما كان يأخذ إلا عن رواة من العرب، من كبار التابعين. وخذ مثلا: الإمام مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: فمن أين يأتي اللحن إلى هذه السلسلة. و- قال الدّماميني (محمد بن أبي بكر - ٨٢٧ هـ) في «شرح التسهيل»: إن من يقول - من المحدثين - بجواز النقل بالمعنى، فإنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي الذي لا ينافي وقوع نقيضه - فلذلك تراهم يتحرون في الضبط ويتشددون مع قولهم بجواز النقل بالمعنى، فيغلب على الظن من هذا كله أنها لم تبدل، ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحا. [الخزانة ١/ ١٤]. ز - وعلى فرض أن بعض الأحاديث رويت بالمعنى، فإن آلافا من الأحاديث رويت باللفظ. ولماذا يقبل النقل بالمعنى في الشعر، ولا يقبل في الحديث مع أنّ التابعين الذين بدّلوا اللفظ في الحديث - على فرض حصوله - كانوا من الصحابة أو التابعين ممن يحتج بكلامهم، أما رواية بيت الشعر بالمعنى فلا يعلم من الذي بدّله، أهو عربي فصيح أم هو من رواة العجم. ح - قال الميمني: «النقل بالمعنى شيء ليس بمقصور على الأحاديث فحسب، بل إنّ تعدد الروايات في بيت واحد من هذا القبيل، والقول بأنّ منشأه تعدد القبائل

стр. 24

ليس مما يتمشى في كلّ موضوع، على أنّ إثبات ذلك في كل بيت دونه خرط القتاد، زد إلى ذلك ما طرأ على الشعر من التصحيف والوضع والاختلاق من مثل ابن دأب، وابن الأحمر، والكلبي وأضرابهم، ورواة الشعر أيضا فيهم من الأعاجم والشعوبية أمم. على أن المسلمين في القرون الأولى كانوا أحرص على إتقان الحديث من حفظ الشعر والتثبت في روايته، وقد قيض الله لأحاديث رسوله من الجهابذة النقاد من نفى عنه ما كان فيه من شبهة الوضع والانتحال، وهذا حرم الشعر منه». ط - على فرض أن الحديث بقي يروى شفاها قبل تدوينه، فإن ذلك لا يتجاوز رأس المئة الأولى؛ لأن الثابت أن عمر بن عبد العزيز أمر بتدوين السّنّة أيام خلافته، وبعث بدعوته إلى الأقاليم كلها .. ومعنى هذا أن السّنّة أخذت من أفواه التابعين، وما بين هذا الزمن، ونهاية عصر الصحابة الذين نقلوا الحديث عن رسول الله، لا يتجاوز العقود القليلة. بل إنّ بعض الصحابة عاش إلى العقد الأخير من القرن الأول، مثل أنس بن مالك الذي توفي سنة ٨٣ هـ، وعبد الله بن عمر توفي سنة ٧٣ هـ، وأبو هريرة توفي سنة ٥٩ هـ، والسيدة عائشة توفيت سنة ٥٨ هـ، وأم سلمة توفيت سنة ٦٢ هـ. وهؤلاء الذين ذكرتهم من أكثر من رووا حديث رسول الله ﷺ ، وهذا يعني أن النصف الثاني من القرن الأول شهد عددا كبيرا من الصحابة الذين روي عنهم أكثر الحديث النبوي. والزمن الفاصل بين وفاتهم، وتدوين الحديث كان زمنا قصيرا جدا زد على هذا أن الحديث الواحد له عن الصحابي طرق متعددة، وأخذه عن الصحابي عدد من التابعين، وهذا يعطي النصّ توثيقا أكثر. فأعطني شاهدا نحويا له هذا القرب من التدوين، وهذه الطرق المتعددة من الرواية، مع الوثوق بالراوي، وأخص بذلك الشعر الجاهلي، الذي يفصله عن زمن التدوين قرون متطاولة، وهناك مئات من الشواهد لا يعرف قائلها. ي - وتأمّل جيدا الفرق التالي في الرواية: لو أنّ تابعيا ثقة قال: قال رسول الله ﷺ ، وهو ينسب الحديث إلى معيّن، وهو رسول الله، لم يقبل منه هذا الحديث، ولم يكادوا يقبلون إلا مراسيل سعيد بن

стр. 25

المسيب، وردّوا مراسيل الزهري، وهو الحافظ الثقة. أما في رواية الشواهد النحوية الشعرية: فقال البغدادي: «إن الشاهد المجهول قائله وتتمته (نصف بيت) إن صدر من ثقة يعتمد عليه قبل، وإلا فلا. ولهذا كانت أبيات سيبويه أصح الشواهد، اعتمد عليها خلف بعد سلف، مع أنّ فيها أبياتا عديدة جهل قائلوها، وما عيب بها ناقلوها ...» [الخزانة ١/ ١٦]. أرأيت دقّة الرواية في الحديث النبوي: أهل الحديث يرفضون رواية التابعي الثقة الحافظ إذا أرسل إلى رسول الله، ولم يسقط من السند إلا الصحابي. وأهل اللغة يقبلون رواية ثقتهم، بلا إسناد، وعن مجهول، وتعدّ روايته أصح الشواهد. وبعد: فقد أخطأ أبو حيّان الجياني، وابن الضائع، ومن لفّ لفهما وأيدهما في حكمهما على لغة الحديث، وأخطأ سيبويه ومن عاصره من البصريين والكوفيين - إن كانوا لم يحتجوا بالحديث لما قاله أبو حيّان. وأصابا ابن خروف وابن مالك (على لغة: يتعاقبون فيكم) فيما صنعا، وسنّا سنة حسنة، لهما أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ٧ - بين البصريين والكوفيين: لم يصلنا شيء من مؤلفات الكوفيين في النحو، وما وصلنا جاء عن طريق خصومهم البصريين مطعونا فيه. وقد تعصب النحويون على الكوفيين وبالغوا في الردّ عليهم إلى حدّ الغلوّ، ووصل أثر العصبية إلى العصر الحديث، فلا يكاد يعرف المتعلمون في المدارس والجامعات إلا المذهب البصريّ في النحو. وقد صنع الأنباري كتابا جمع فيه مسائل الخلاف بين أهل المصرين وسماه «الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين» .. والأنباري بصري الميل، ولذلك لم يكن منصفا فيما زعم أنه الإنصاف بل تعصب على الكوفيين في أكثر المسائل، وحرّم على الكوفيين ما أباحه للبصريين. وأذكر لك مسألة واحدة لتعرف التعصب: قال الأنباري: «مسألة: هل يجوز إظهار «أن» المصدرية، بعد «لكي»؟ ذهب

стр. 26

الكوفيّون إلى أنه يجوز إظهار أن بعد كي، واحتجوا بأن قالوا: الدليل على ذلك. النقل والقياس: أما النقل، فقد قال الشاعر [مجهول]: أردت لكيما أن تطير بقربتي ... فتتركها شنّا ببيداء بلقع [انظر البيت داخل المعجم]. فجاء جواب الأنباري عن هذا الشاهد، على لسان البصريين: [الجواب أن هذا البيت لا يعرف قائله، ولو عرف لجاز أن يكون من ضرورة الشعر]. فالبيت مرفوض، سواء عرف صاحبه أم لم يعرف، وهذا الجواب يشبه قول المعاند «عنز ولو طارت». وأعجبني جواب الشيخ محيي الدين عبد الحميد في حاشية [الإنصاف/ ٥٨٣] يوجه الخطاب للأنباري «لا نرى لك أن تقرّ هذا، لا في هذا الموضع ولا في غيره، ولا على لسان الكوفيين ولا البصريين، فكم من الشواهد التي يستدلّ بها هؤلاء وهي غير منسوبة، ولا لها سوابق ولا لواحق، وفي كتاب سيبويه وحده خمسون بيتا لم يعثر لها العلماء بعد الجهد والعناء الشديدين على نسبة لقائل معيّن». قلت: لقد آن الأوان لمراجعة مقررات القواعد، للأخذ بالمذهبين البصري والكوفي، فإن في هذا توسعة وتسهيلا لقواعد العربية التي أخذت تتفلّت من أقلام المثقفين وألسنتهم، للتضييق عليهم في حدود قواعد، لا يعدّ مخالفها من اللحن. عمود الشعر العربي: اصطلاح أدبيّ متداول في كتب النّقد الأدبي القديمة. ويراد به: مجموع القوانين الشعرية التي التزمها الشعراء العرب الأقدمون. وقد استنبطها أهل العلم بالشعر من استقراء شعر الجاهلية وصدر الإسلام، والعصر الأموي. وقام استقراء العلماء على قراءة الشعر الموثوق في نسبته إلى قائله، وإلى عصره، وساعدهم على صحة الاستنباط والحكم، قرب عهدهم بالرواية والرواة وإصرارهم على التلقي بالمشافهة عن الموثوقين من أهل الرواية والدراية مع وجود النّسخ المخطوطة بين أيديهم. وكثيرا ما يوثّق أحدهم كلامه بأنه اعتمد على نسخة خطية مقروءة على المؤلف أو بخط المؤلف، أو أنه قرأ القصيدة الفلانية على راو

стр. 27

موثوق. فلم يكونوا يقنعون بقراءة الكتب مجردة من التوثيق الشفوي أو الكتابي لخوفهم من تحريفات النّسّاخ أولا، ولتوثيق المكتوب ثانيا، ولفهم المكتوب - بقراءته قراءة صحيحة - ثالثا. * وفي القديم، لم يكن يتصدّر للتدريس والتأليف، والإملاء، والإقراء، والرواية إلا من اكتملت له الأدوات التي تجعله متبحّرا في فنّه. ولو تصدر للتعليم من قصّر عن درجة العلماء، ما أقبل أحد عليه، وما استمع أحد إليه، ولكان افتضح بين الأقران. فالتعليم كان حرّا، وطلبة العلم كانوا يملكون حريتهم في الجلوس إلى ذلك الشيخ، أو الانصراف عنه، ولم يكن - كما في أيامنا - تعليم إلزامي، ومدارس إلزاميّة، يجبر الطالب على الحضور أمام أساتذتها أحبّ أم كره. ولذلك كان لنا من رصيد الماضي كوكبة من العلماء الأعلام ما زالوا المثل الأعلى، نحثّ الخطى نحوهم، فلا ندرك شأوهم. وتركوا لنا كنزا من المؤلفات فقد منه الكثير، ووصلنا القليل، ومع ذلك ما زلنا عاجزين عن الغوص في أعماق هذا القليل، ونغرق في ضحضاحه. ومما فاتنا استشراف آفاقه ومعرفة أسراره وأعماقه: التراث الأدبي: شعره ونثره. * لأن نقّاد الشعر ودارسيه في العصر الحديث، لم يهتدوا إلى «عمود الشعر العربي» فيما وصلنا من الشعر، وما قعّده السابقون من قواعد الأدب، فهم يحومون حول هذا التراث، ولا يقتربون منه، ويصفونه من بعيد ولا يخوضون غماره ليتذوقوا لبابه، ولهذا كانت الدراسات الأدبية الحديثة سطحية، لم تغص في الأعماق، ولم تضع يدها على الأصداف. وصدق (محمد حافظ إبراهيم) القائل - على لسان لغة العرب: أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن ... فهل ساءلوا الغوّاص عن صدفاتي لقد ظهرت دراسات نقدية في بداية التأليف في العصر الحديث، ومضى عليها اليوم خمسون سنة أو يزيد، ومع ذلك بقي الأخلاف من بعد يعتمدون عليها، ولا يتعدونها، ويجعلون أحكامها الأدبية مسلّمات لا تحتمل النقاش، مع وجود التطور الهائل في الطباعة والتحقيق وفي كميّة الكتب التراثية التي أصدرتها المطابع. وقد

стр. 28

قالوا في الأمثال: «وكم ترك الأوّل للآخر». ومما تابع فيه اللاحقون السابقين في باب النقد الأدبي: استنباط عمود جديد للقصيدة العربية، معتمدين على نماذج قليلة من الشعر العربي، ومغفلين، أو متغافلين عمّا استنبطه الأقدمون بعد استقراء شامل للنصوص الشعرية. هذا، وقد وصلتنا مجموعات شعرية قديمة، ونظرات نقدية سجلها الأقدمون في كتبهم، ولا يمكن أن نصدر حكما على الشعر العربي، دون قراءة واعية لما وصلنا من النصوص، والاطلاع على آراء الأقدمين. أما أشهر المجموعات الشعرية، فهي: «المفضليات»، من اختيار المفضل الضبيّ، و «الأصمعيات» من اختيار الأصمعي، و «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي، و «مختارات شعراء العرب» لابن الشجري. وعشرات الدواوين التي جمعها ورواها أعلام الأدب. وهناك مختارات مبوبة على المعاني، أشهرها «الحماسة» لأبي تمام. وأما النظرات النقدية: فهي كثيرة، وقد عرّجنا بالقارئ على شرح المرزوقي لحماسة أبي تمام التي ضمت (٨٨٢) مقطوعة شعرية، وقد قدّم المرزوقي لشرحه بمقدمة نقدية تعدّ وثيقة نفيسة في تاريخ النقد الأدبي؛ لأنه ضمنها معايير عمود الشعر العربي الذي يوزن به الشعر. وكذلك نقلنا كلام ابن قتيبة على التحام أجزاء النظم في القصيدة العربية. (انظر ص ١٥ - ١٧ من هذا الكتاب). * ومع هذا ما زال مؤرخو الأدب ونقاده في العصر الحديث، يردّدون مقولة ظهرت في بداية العصر الحديث، ينكر أصحابها وحدة القصيدة، ويزعمون أن القصيدة العربية القديمة مفككة، لا يجمعها خيط معنوي واحد، وزعموا أن البيت وحدة مستقلة في القصيدة أو في جزئها، يمكن تقديمه وتأخيره، وحذفه دون أن يؤثر في نسق القصيدة. وبهذا يكونون قد وضعوا عمودا للقصيدة العربية، مخالفا لما استنبطه القدماء. فهل اطلعوا على ما كتبه القدماء ورأوه خاطئا، لا يوافق النصوص الشعرية التي قرأوها؟ الجواب: إنهم قرأوا شيئا قليلا عن عمود الشعر العربي، ولم يستغرقوا كل ما قاله النّقّاد القدماء، وقرأوا شيئا من الشعر، ولم يقرأوا الشعر كلّه، ولذلك جاءت أحكامهم، مضلّلة، أضلّت طبقات متوالية من

стр. 29

النقّاد الكسالى، الذين يحتطبون ولا يميزون. * ولعلّ الوهم جاءهم من جهات: الأولى: المقدمة الطّلليّة أو الغزلية أو الخمرية التي تتصدر قصيدة المدح، أو الفخر، أو الهجاء وتبدو للنظرة العجلى أنها مبتوتة الصلة بالموضوع. الثانية: كثرة الأبيات السائرة التي يتمثّل بها. الثالثة: الأبيات الشعرية التي استشهد بها النحويون، وهي في الغالب، أبيات مفردة. الرابعة: اعتمادهم على قصائد أخلّت الروايات بعدد أبياتها، وترتيبها، وبالزيادة فيها أو النقص منها. الخامسة: اشتمال القصيدة على وصف لموضوعات متعددة، كوصف الأطلال، والغزل ووصف الراحلة، والحيوانات الوحشية ... * أما المقدمة الطّلليّه أو الغزلية أو الخمرية، فإنها ليست تقليدا ملتزما في القصائد جميعها. فكيف نعمم حكم فنّ على الفنون كلّها؟ ولو شئت لعددت عشرات القصائد لا تبدأ بمقدمة مما ذكرت، وقد يبدؤون قصائدهم بالتعبير عن مشاعرهم في الموضوع الذي أرادوه. فهذا متمم بن نويرة يبدأ رثاء أخيه مالك بقوله: لعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع مما أصاب فأوجعا وهذا أبو ذؤيب الهذلي يبدأ رثاء أولاده بقوله: أمن المنون وريبه تتوجّع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع والأمثلة لقصائد الرثاء التي باشرت موضوعها كثيرة. وعند ما رثى دريد بن الصمّة أخاه عبد الله، بدأ الرثاء ببيتين من النسيب يلائمان الرثاء، حيث يقول في المطلع:

стр. 30

أرثّ جديد الحبل من أم معبد ... بعاقبة وأخلفت كلّ موعد وبانت ولم أحمد إليك جوارها ... ولم ترج فينا ردّة اليوم أو غد قال أبو الفرج: «إنّ أم معبد التي ذكرها دريد في شعره، كانت امرأته فطلقها لأنها رأته شديد الجزع على أخيه، فعاتبته على ذلك، وصغّرت شأن أخيه وسبّته، فطلقها». هذا، وجلّ قصائد الرثاء، لا تخرج عن ذكر مآثر الميت، وما يتصل بذكر الموت، وذكر شيء مما يسلّي عن ألم المصاب. وأما قصائد الفخر التي تهجم على موضوع الفخر بلا مقدمة، فهي كثيرة أيضا. ففي «الأصمعيات» قصيدة لعقبة بن سابق، يفخر في أولها بقطعه البيد على ناقة شديدة، ويصفها، وأنه يغدو أحيانا بفرس، ويصفها، وتبدأ بقوله: وجرف سبسب يجري ... عليه موره جدب تعسّفت على وجنا ... ء حرف حرج رهب [والجوف: ما جرفته السيول وأكلته من الأرض. والسبسب: المتسع من الأرض. والمور: الغبار. وتعسّفت: قطعت المفازة بغير قصد ولا هداية. يريد أنه يغامر ولا يخشى الفيافي. وقوله: وجناء وحرف ... الخ: من صفات الناقة]. وبعد ستة أبيات يذكر الفرس قائلا: وقد أغدو بطرف هي ... كل ذي خصل سكب [والطرف: الفرس كريم الأبوين، والهيكل: الطويل الضخم. والخصل: خصل الشعر، والسكب: الجواد الكثير العدو]: ويصف الفرس في أحد عشر بيتا. ثم يصف ما يحقق للبيت من صيد في أربعة أبيات، فعدة القصيدة واحد وعشرون بيتا. وربّما عدّ بعض النقاد هذا من باب الوصف، ولكن الشاعر يصف ما يمتلك، ليفخر به، فالقصيدة كلها في الفخر. وقصيدة عروة بن الورد التي مطلعها: أقلّي عليّ اللوم يا ابنة منذر ... ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري

стр. 31

وهذا خطاب لامرأته، ولكنه ليس غزلا أو حنينا، وإنما هو مطلع ممهد للفخر، بل هو من لوازم الفخر، فهو يوجه الخطاب إلى امرأته (ابنة منذر) وكانت تلومه على الخطار بنفسه وإدمانه الغزوات والغارات في أحياء العرب، فرد عليها قولها بأنه إنما يبغي بذلك المجد. ويرسم في القصيدة سياسة للصعاليك، فهو لا يرضيه الصعلوك الخامل، وإنما يريده على أن يكون غازيا جريئا، ويعلن أنه سيواصل الغارات متزعما أصحابه لكي يشبع رغبة الجود والبذل الذي أخذ نفسه به، وهذه كلها من مفاخره الذاتية. وقصيدة مالك بن حريم في «الأصمعيات» بدأها بإظهار جزعه من الشيب بعد الشباب وهي قصيدة في الفخر. وقصيدة كعب بن سعد الغنوي من الأصمعيات، وهي قصيدة فخرية، بدأها بخطاب المرأة التي لامته لأنه يجابه الأخطار، وهو ليس مطلعا غزليا، وإنما هو مدخل فنيّ إلى الفخر. وقصيدة الأسعر الجعفي، عدة أبياتها ثلاثون بيتا في الفخر، وتبدأ بقوله: أبلغ أبا حمران أن عشيرتي ... ناجوا وللقوم المناجين التّوى هذا، والقصائد الفخرية التي بدأت بالفخر، أو بما يدعو إلى الفخر كثيرة لا حصر لها. وقل مثل ذلك في قصائد النصائح والحكمة، ومنها قصيدة عبد قيس بن خفاف في «المفضليات»، ومطلعها: أجبيل إنّ أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل * ولعلّ أول من أوهم النّقاد بأن المقدمة الطّلليّة تقليد لازم، هو ابن قتيبة عند ما قال في مقدمة «الشعر والشعراء»: «وسمعت بعض أهل العلم بالشعر يذكر أنّ مقصّد القصيد، إنما ابتدأ بذكر الديار والآثار ... الخ» فعمم القول على القصيد كلّه، ولكن آخر كلامه يدل على أن المقدمة الطللية تقليد في قصيدة المدح فقط، لقوله: «فإذا علم - الشاعر - أنه قد أوجب على صاحبه - الممدوح - حقّ الرجاء، وقرر

стр. 32

عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكافأة ...». وفيما نقله ابن قتيبة، وصف لمنهج القصيدة العربية وخطواتها، وتفسير لهذا المنهج: أ - جعل مطلع القصيدة ذكر الديار ليكون سببا لذكر أهلها. ب - ثم وصل ذلك بالنسيب ليميل نحوه القلوب، لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء. ج - ثم رحل في شعره وشكا النصب وحرّ الهجير وإنضاء الراحلة والبعير ليوجب على الممدوح حقّ الرجاء. د - المدح. * وعلى ما نقله ابن قتيبة ملاحظات: الأولى: جعل مطلع القصيدة العربية الملتزم، هو ذكر الديار ... وقد ذكرنا قبل قليل أمثلة لقصائد لا تبدأ بالأطلال. ومن يبدأ من الشعراء بتمهيد لموضوع القصيدة، فقد يبدأ بذكر الديار، وقد يبدأ بوصف الخمر، كما في معلقة عمرو بن كلثوم، وقد يبدأ بالغزل دون ذكر الأطلال كما في قصيدة الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وبدأ كعب بن زهير قصيدته المشهورة بقوله: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول الثانية: جعل ذكر الديار سببا لذكر أهلها ... وهذا يوحي بأن الشعراء اصطنعوا ذلك ولم يكن تعبيرا عن خلجات النفس المتصلة بالذكريات الجميلة. والحق أن الديار ومن فيها، أو من كان فيها شيء واحد لا يتجزأ، فالديار تذكر بالعيش فيها والأحباب يذكّرون بالديار. فالشاعر الجاهلي، أو الشاعر البدوي الكثير الارتحال إنما يعبر عن لواعج حقيقيّة، ولم يكن يصطنع أطلالا في خياله، كما فعل الشعراء الحضريون المقلدون ساكنو الحواضر في العصر العباسي، ولذلك فإننا نجد الشعراء

стр. 33

المجددين (أو الشعوبيين) يعيبون معاصريهم بالوقوف على الأطلال؛ لأن وقوفهم على الأطلال كان تقليدا - ولم ينقل عن هؤلاء المجددين أنهم عابوا الجاهليين لوقوفهم على الأطلال؛ لأن وقوفهم على الأطلال كان جزءا من حياتهم وبيئتهم. فقال أبو نواس: مالي بدار خلت من أهلها شغل ... ولا شجاني لها أهل ولا طلل يريد أنه لم يتعلق قلبه بأطلال ليذكرها في شعره، ومعنى هذا أن الجاهليين إنما ذكروا الأطلال لصلتها بذكرى الأحبّة. وقال بشار بن برد - وفيها دليل على إيمانه بالبعث -: كيف يبكي لمحبس في طلول ... من سيبكي لحبس يوم طويل إنّ في البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برشم دار محيل ... وهو بهذا يعيب الشعراء المسلمين الذين يقفون على الأطلال. * ومما يدلّ على أن ذكر الجاهليين الأطلال كان حقيقيا يتصل بذكريات واقعة، أنّ أسماء النساء المذكورات في الشعر إنما هي لنساء لهنّ وجود حقيقيّ: فعنترة يقول: يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي وعبلة حقيقة واقعة في حياة عنترة. و «خولة» صاحبة طرفة بن العبد التي ذكرها بقوله: «لخولة أطلال ببرقة ثهمد ...» قال الشّرّاح: خولة امرأة من بني كلب. وقالوا: إن «أم أوفى» في شعر زهير هي زوجه، و «هريرة» صاحبة الأعشى قينة كانت لرجل من آل عمرو. * والبكاء على الأطلال أقدم من الشعر الذي وصلنا، وليس امرؤ القيس أول من وقف واستوقف، وبكى واستبكى على الأطلال كما يزعمون؛ لأن امرء القيس يقول: عوجا على الطلل المحيل لعلّنا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام

стр. 34

قال الآمدي في «المؤتلف»: «ابن خذام الذي ذكره امرؤ القيس في شعره، هو أحد من بكى الديار قبل امرئ القيس، ودرس شعره». ويغلب على الظنّ أن بكاء ابن خذام لم يكن مقدمة لقصيدة مدح؛ لأنّ الأصل في الشعر أن يكون تعبيرا عن الذات، ومن هنا وصف الشعر العربي بأنه شعر غنائي؛ لأنه يغني المشاعر الذاتية في الحبّ والوفاء والذكريات، ولهذا فإن أقدم بكاء الجاهليين على الأطلال كان بكاء حقيقيا، ولم يكن مقدمة مصطنعة كما فعل الشعراء فيما بعد. فحياة الجاهليين من أهل البوادي، كانت رحلة دائمة، ومع هذا الرحيل فإنهم لا ينسون ذكرياتهم في المكان المرتحل عنه، وإذا جمعتهم الأيام بالمكان في طريق سفرهم شدّهم إلى الوقوف فيه وتذكّر ما كان في الأيام الخالية: من ذكريات الشباب واللهو والأهل. وليس هذا الصنيع مقصورا على الشعراء. لأنّ تذكّر الماضي والبكاء عليه، والحنين إليه فطرة في قلب كلّ إنسان، مع تفاوت الناس في التعبير. وما زال الناس حتى يومنا يقفون عند المكان الذي حلّوا فيه مدة طالت أو قصرت ويتذكرون ما كان ويتحسرون على ما فات. وإذا لم يستطع أحدنا أن يقف على مرابع الماضي، استدعاها في خياله ووقف عليها وناجاها. وقد تحوّل الوقوف على الأطلال في العصر الإسلامي، إلى وقوف على أطلال الآباء والأجداد، فالشاعر الإسلامي الحضري الذي يقف على الأطلال، يدفعه إلى ذلك حنين إلى مرابع أجداده. وكان كثير من الأندلسيين يذكرون الأطلال والصحراء ومعالم الجزيرة العربية في شعرهم، وهم يسكنون جنة الدنيا، ولم يكن ذلك إلا حنينا إلى مرابع الجذور، وفي الإسلام طرأ نوع جديد من الوقوف على الأطلال، وهو الوقوف على أطلال المسلمين في أيام مجدهم، أو الوقوف على آثار أهل القدوة من المسلمين. فقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب يتتبع الآثار النبوية في سفره بين مكة والمدينة فيصلي في كلّ مكان صلّى فيه النبي ﷺ ، حتى أنّ النبي ﷺ نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة فيصبّ في أصلها الماء لكيلا تيبس، وعن نافع - مولى ابن عمر - أن عبد الله بن عمر كان في طريق مكة يقول برأس راحلته يثنيها ويقول: لعلّ خفّا يقع على خفّ - يعني خفّ راحلة النبي ﷺ . وينقل نافع وصفا لحال ابن عمر وهو يتبع آثار النبي ﷺ فيقول: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتّبع أثر النبي لقلت: هذا مجنون.

стр. 35

وكثر فيما بعد شعر الحنين إلى الحجاز من الشعراء الذين فارقوا الحجاز وهم من أهله أو من الشعراء الذين يحنون إلى آثار المسلمين الأولين، فقال أحدهم: كفى حزنا أني ببغداد نازل ... وقلبي بأكناف الحجاز رهين إذا عنّ ذكر للحجاز استفزّني ... إلى من بأكناف الحجاز حنين فو الله ما فارقتهم قاليا لهم ... ولكنّ ما يقضى فسوف يكون ووقف شعراء العرب في العصر الحديث على آثار العرب في الأندلس، فوصفوها، وبكوا على ما كان من المجد .. وهذا كله نوع من الوقوف على الأطلال، وفيه دليل على تعلّق العربي بآثار من يحبّ، أو بآثار الأقدمين، للبكاء عليها، والحنين إليها حينا، ولأخذ العبرة منها حينا آخر. ويروى أن أحد المتقدمين وقف على معاهد فقال: أين من شقّ أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك؟ ثم قال: إن لم تتكلم حوارا تكلمت اعتبارا. وقد أطلت في هذه التعليقة، لأقول: إن ابن قتيبة، أو من نقل عنه ابن قتيبة قد فسّر المقدمة الطللية تفسيرا عقليا بعيدا عن العواطف الإنسانية. وإن النقّاد - من أهل العصر الحديث - الذين نظروا إلى المقدمة الطللية على أنها مبتوتة عن موضوع القصيدة، قدّموا تفسيرا للشعر وهم قابعون في بيوتهم، ولم يذوقوا طعم الترحال الذي ذاقه الأقدمون، ولم يغتربوا عن أوطانهم، ولم يفارقوا أهلهم وأحبابهم. ولو عاشوا حياة الأقدمين تجربة وبيئة، أو خيالا، لتغيرت مفهوماتهم، ولقالوا قولا غير الذي قالوه. الملاحظة الثانية: حول تفسير ابن قتيبة لمنهج القصيدة: إنّ تعليل ذكر النسيب في القصيدة لإمالة القلوب نحوه، لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل ... يمكن ردّه أيضا؛ لأنه جعل نسيب الشاعر مصطنعا لهدف نفعي، وردّ هذا التعليل مبني على ردّنا تفسير المقدمة الطللية، فهو يجعل وظيفة الشعر تهييج مشاعر السامعين وتلبية رغباتهم في المرأة، وكأنه قصة إثارة مصطنعة. والحقّ أن الشاعر يعبر عن عواطفه الخاصة وذكرياته في ميدان الحبّ والاتصال بالمرأة، ودليلنا على ذلك أن النساء اللواتي ذكرن في النسيب، هنّ زوجات، أو فتيات تيّمن

стр. 36

الشعراء، وليس من المعهود في أخلاق العرب أن يعرضوا مفاتن الحليلات على الناس. الملاحظة الثالثة: جعل شكوى الشاعر من حرّ الهجير، ووصف الراحلة، ووصف ما عانت من تعب الارتحال وسيلة ليوجب على الممدوح حقّ الرجاء والطلب. ولنا هنا تعليقتان: الأولى: كون وصف الراحلة والطريق من خصائص قصيدة المدح فقط لا يصح؛ لأن الوقوف على الأطلال، والنسيب، ووصف الراحلة يوجد في قصائد الفخر أيضا. فقصيدة لبيد في الفخر، تبدأ بالأطلال، وقصيدة الحارث بن حلّزة تبدأ بالأطلال، وهي في الفخر، وقصيدة طرفة بن العبد، يعدّد فيها مفاخره وبدأت بالأطلال ... والأمثلة لذلك لا تحصى. وليست كلّ قصيدة مدح تتبع الخطوات التي ذكرها. فقصيدة زهير المعلقة في مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف: بدأت بالأطلال، ووصف الظعائن، ولم يصف الطريق والراحلة. وقصيدة حسان بن ثابت اللاميّة في مدح الغساسنة، بدأت بالأطلال، وثنّت بالمدح. وقصيدة علقمة بن عبدة في مدح الحارث بن جبلة الغساني مطلعها: طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب وهو مطلع في النسيب، ولم يذكر الأطلال. التعليقة الثانية: حول تفسير سلوك الشاعر هذا المنهج في قصيدة المدح: فإن خطوات قصيدة المدح هي التي أوهمت بتفكك القصيدة العربية. فالقارئ العجل يقول: وما علاقة الأطلال والغزل ووصف الناقة بموضوع المدح؟ إنّ الشاعر أدخل في القصيدة ما ليس منها. وما نقله ابن قتيبة في تفسير هذا المزج بين المدح وغيره ألقى بعض الضوء على سرّ ذلك، ولكنه لا يقنع بوحدة القصيدة. والتفسير عندي: أ - إن كلّ ما قاله الشاعر قبل الوصول إلى موضوع المدح، يفرضه مقتضى حال قصيدة المدح، وتفرضه السّنّة المتبعة في حال خطاب الطلب. فإنه يغلب على أحوال المادحين، أن يطلبوا من الممدوح عطاء، أو يلمحوا إلى حاجتهم من قصد مجلسه. وليس من حسن الخطاب أن يطلب الإنسان حاجته دون تمهيد. قال

стр. 37

عمر بن الخطاب: «من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدّمه الرجل أمام حاجته، فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم». وإذا كانت أبيات المديح هي الطلب المباشر، أو تضمنت الطلب، فإن ما يسبق المديح تمهيد للطلب. وقد اصطلح الناس وتعارفوا على أن هذا الأسلوب في التمهيد هو الأسلوب المرغوب فيه، فاتبعوه. ب - إن وصف الراحلة والطريق ليس مصطنعا ولا متخيلا؛ لأنه يغلب على الشعراء المادحين أن يأتوا إلى الممدوحين من مكان بعيد. ووصف طريق الرحلة والراحلة يحقق الشاعر منه هدفا فنيّا نفعيّا: أما الهدف الفني، فهو تهييج القريحة الشعرية لتصل إلى ذروة عطائها في أبيات المدح، فيكون بمنزلة «التسخين» الذي يقوم به الرياضي قبل المباراة. ومن الهدف الفني إمتاع الممدوح بعرض صور فنيّة مما يوجد في الصحراء العربية، قد يكون متشوقا لرؤيتها، حيث يتضمن الوصف صورا للحيوانات الصحراوية، وطبائعها، وأحوالها مع الصائدين. وربما كان هناك سؤال يجب على الشاعر أن يجيب عنه وهو: كيف وصلت إلينا وكيف كانت الطريق، وماذا رأيت في طريق الرحلة؟ وأما الهدف النفعي: فهو استدرار عطاء الممدوح، لما لقيه في الطريق من أهوال قطعها إليه، وكلما اشتدّ عناء الشاعر، زاد الأمل في العطاء؛ لأن قطع المسافات الطويلة إلى الممدوح يرفع مقامه، ويجعله متفرّدا في صفات الكرم، وكأنه يقول للممدوح: ذكرك في الكرم والجود وصل إلى الأماكن القاصية، وليس في الربوع من يجود غيرك. ج - رأينا فيما سبق الصلة الوثيقة بين وصف الطريق والراحلة، وبين موضوع المدح ... وليس من الصعب أن تربط بين المقدمة الطللية الغزلية وبين باقي القصيدة. ربما نقول: إنّ المقدمة الطللية نوع من الإثارة الشاعرية، وليس هناك أقدر على الإثارة من التعبير عن المشاعر الذاتية. وربما تقول: إن الشاعر عند ما تحدث عن ذكرياته الذاتيّة اللصيقة بموطنه، ومرابع القبيلة، أراد أن يقول للممدوح: إنني خلّفت موطن الذكريات العزيزة إلى

стр. 38

قلبي وقصدتك طالبا جودك، وربما أراد أن يقول: ليس في حياتي ما أقدّمه على ملاقاتك، ولو كانت ألصق الذكريات بي، وأحبّها إليّ. وللدلالة على صلة الأطلال والنسيب بموضوع المدح، يربط الشعراء بين هذه المقدمة وما بعدها برباط فنيّ، يسمونه «حسن التخلّص»، وانظر مثال الربط القوي وحسن التخلص بين الأقسام، المفضلية رقم «٢٥» للحارث بن حلزة اليشكري في مدح الملك قيس بن شراحيل. والمفضلية رقم «١١٩» لعلقمة بن عبدة، في مدح الحارث بن جبلة. والخلاصة: أن كلام ابن قتيبة في المقدمة، كان يصح لو قال: «إن مقصّد قصيد «المدح» إذا بدأ بوصف الديار ... الخ». وقلت: قصيد المدح؛ لأننا وجدنا أن المنهج الذي وصفه لا يعمّ القصيد كلّه. وقلت: «إذا» لأن قصائد المدح لا تتبع كلّها الخطوات التي وصفها: فقصيدة المدح قد تبدأ بالوقوف على الديار، وقد تبدأ بالغزل بدون الوقوف على الأطلال. وقد يصف الشاعر الراحلة والطريق، وقد يكون المدح بعد الوقوف على الأطلال .. فالذي قاله ابن قتيبة خاص بقصائد. ورأينا خيوطا فنيّة ومعنوية تربط بين أجزاء قصيدة المدح، بل قل: بين خطوات قصيدة المدح. فهي قصة المادح منذ كان في دياره، إلى أن يرتحل ويصل إلى الممدوح، فيقول له ما قاله، وينال عطاءه. ولم يقل أحد إن القصة ذات لون واحد، فهي تصف الزمان والمكان والحدث، ومع ذلك نعدّها وحدة متكاملة. وإذا وجدت قصيدة لا تربطها الروابط، فليس ذلك من عيب فيها، وإنما جاء العيب من الرواية، فإذا أردت أن تحكم على الشعر، فعليك بالقصائد الصحيحة الرواية التي لم تخلّ الروايات بشيء من عدد أبياتها، أو ترتيبها كما سيأتي بيانه، فقد كان العرب أهل ذوق فنيّ، ولم يكونوا يخلطون بين الألوان المتنافرة. هذا، وإذا عاندت ولم تقنع بما قدمت من تفسير خطوات قصيدة المدح، فإنني أقول: إنّ قصائد المدح في الشعر الجاهلي لا تساوي ١/ ٣٠ من بقية الشعر، فما كثر المدح إلا في زمن خلفاء بني أمية ومن بعدهم، وسوف نرى تعاضدا أشد لا ينكر بين أجزاء القصيدة في الفنون الأخرى، فيما يأتي من الكلام إن شاء الله. * وأما جهة الوهم الثانية: فهي كثرة الأبيات السائرة التي تدلّ على معنى منفرد:

стр. 39

أقول: إن كلّ بيت من الأبيات السائرة يؤدي معنى منفردا، ولكنك إذا حذفته، أو غيرت ترتيبه اختل التسلسل المعنوي، واقرأ قول الحطيئة في سياق هجاء الزبرقان، ورفع مقام «بغيض»: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس وقول أبي ذؤيب في سياق رثاء أولاده: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع وقول لبيد في سياق رثاء أخيه أربد: وما المال والأهلون إلّا ودائع ... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع فمع أن هذه الأبيات من سوائر الأمثال، إلا أن سياق القصيدة لا يستغني عنها. بل إن البيت يكتسب معنى زائدا، إذا قرئ في سياقه، وهذا يدل على أن البيت مربوط بالقصيدة، ودلالته على معنى منفرد، مع ارتباطه ميزة فنية تحسب في محاسن القصيدة. * وأما أبيات الشواهد النحوية: فإنها تنشد في كتب النحو لتكون حجة للقواعد النحوية، فإذا أنشدتها في باب الأدب نقص معناها، أو اختلّ. ولعلّ سائلا يقول: وهل ينفصم الأدب عن النحو، أو ينفصل النحو عن الأدب؟ الجواب: إن الشعراء يعدّون النحو موجّها لأساليبهم؛ لأنهم يقولون للإفهام والتأثير. والقارئون والسامعون موجّهون بما عهدوا من قواعد النحو، ولكن مع ذلك، ليست القواعد النحوية هي المتفرّدة بإحداث التأثير الأدبي، بل هناك عوامل أخرى تدخل في باب البلاغة وعلم المعاني. وأما النحويون: فإنهم لا يعيرون الناحية الأدبية كثيرا من الرعاية عند ما يستشهدون بأبيات الشعر، وذلك راجع إلى طبيعة صنعتهم، وما يرغبون فيه لبناء القواعد عليه. وقد سجّلت على حاشية الشواهد النحوية الملاحظات التالية:

стр. 40

١ - إن مؤلفي كتب النحو يركزون عنايتهم على الكلمة المفردة، أو الجملة، أو الحرف من البيت، ولم يكن يعنيهم أن يقرؤوا البيت في سياق القصيدة - في الغالب - إلا إذا كانت الكلمة محل الشاهد في قافية البيت، أو كان محلّ الشاهد في بيتين: مثال الأول: الاستشهاد لنصب المضارع بعد «أو» ببيت امرئ القيس: فقلت له: لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا - فقالوا: إنّ «نموت» منصوب؛ لأن «فنعذرا» معطوف عليه بالنصب، والقوافي في القصيدة منصوبة. ومثال الثاني: قول عمر بن أبي ربيعة، أو العرجيّ: ليت هذا الليل شهر ... لا نرى فيه عريبا ليس إيّاي وإيّا ... ك ولا نخشى رقيبا [عريبا - بالعين المهملة، بمعنى «أحد»]. فجاؤوا بالبيت الأول مع البيت الثاني لأن اسم «ليس» ضمير مستتر يعود على «عريبا» أو لأنّ ليس بمعنى «إلا». ٢ - قال أوس بن حجر: فأمهله حتى إذا أن كأنّه ... معاطي يد في لجّة الماء غامر استشهد بهذا البيت ابن هشام في «المغني» والشيخ خالد في شرح التصريح لزيادة «أن» بعد «إذا»، فنظروا إلى قوله: «إذا أن كأنّه» ولم يتدبروا بقية البيت، ولم يقرؤوا البيت في القصيدة، ولذلك وقعوا في الأوهام التالية: أ - جاء البيت بقافية الراء «غامر» والحق أن القافية فائية وهي كلمة «غارف» لأن البيت من قصيدة فائية مطلعها: تنكّر بعدي من أميمة صائف ... فبرك فأعلى تولب فالمخالف
следующие страницы →