← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17726

شرح كتاب سيبويه للسيرافي

السيرافي، أبو سعيد

Полный текст (2 488 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

في ظنك. على أنه ثابت الآن كما كان في العلم. ولولا ذاك لم يحسن " أنك " هاهنا ولا " أنه " فجرى الظن هاهنا مجرى اليقين لأنه نفيه. وإن شئت نصبت فجعلتهن بمنزلة " خشيت " و " خفت " فتقول ظننت أن لا تفعل. ونظير ذلك: تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (١)، إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ (٢)، " فلا " إذا دخلت هاهنا لم تغير الكلام عن حاله وأنما منع " خشيت " أن تكون بمنزلة: " ظننت " و " خلت " و " علمت " إذا أردت الرفع. أنك لا تريد أن تخبر أنك تخشى شيئا قد ثبت عندك ولكنه كقولك: " أرجو " و " أطمع " و " عسى " فأنت لا توجب إذا ذكرت شيئا من هذه الحروف. ولذلك ضعف " أرجو أنك تفعل " و " أطمع أنك فاعل ". ولو قال رجل: " أخشى أن لا تفعل يريد أن يخبر أنه يخشى أمرا قد استقر عنده أنه كائن. جاز وليس وجه الكلام. واعلم أنه ضعيف في الكلام أن تقول: قد علمت أن تفعل ذاك، ولا قد علمت أن فعل ذاك حتى تقول: " ستفعل " " أو قد فعل " أو تنفي فتدخل " لا ". وذلك لأنهم جعلوا ذلك عوضا مما حذفوا من " أنه " فكرهوا أن يدعوا " السين " أو (قد). إذ قدروا على أن تكون عوضا ولا تنقض مما يريدون لو لم يدخلوا " قد " و " السين ". وأما قولهم: أما أن جزاك الله خيرا فإنما أجازوه؛ لأنه دعاء. ولا يصلون إلى " قد " هاهنا ولا إلى " السين ". وكذلك لو قلت: (أما أن يغفر الله) جاز لأنه دعاء ولا تصل هنا إلى السين. ومع هذا أنه قد كثر في كلامهم حتى حذفوا فيه " أنه " و " أنه " لا يحذف في غير هذا الموضع سمعناهم يقولون: (أما إن جزاك الله خيرا) شبهوه (بأن). فلما جازت " إن " كانت هذه أجوز وتقول: " ما علمت إلا أن تقوم ولا أعلم إلا أن تقوم. وما أعلم إلا أن تأتيه إذا لم ترد أن تخبر أنك قد علمت شيئا البتة ولكن تكلمت على وجه الإشارة. كما تقول أرى من الرأي أن تقوم، فأنت لا تخبر بأن قياما قد ثبت كائنا أو يكون فيما تستقبل البتة فلو أراد غير هذا المعنى لقال: " ما علمت إلا

стр. 1402

أن سيقومون " وأنما جاز: " قد علمت أن عمرو ذاهب " لأنك قد جئت بعده باسم وخبر كما يكون بعده لو ثقلته وأعملته فلما جئت بالفعل بعد " أن " جئت بشيء كان سيمتنع بعده لو ثقلته فكرهوا أن يجمعوا عليه الحذف وجواز ما لم يكن يجوز بعده مثقلا فجعلوا هذه الحروف عوضا. قال أبو سعيد: أفعال العلم واليقين والمعرفة وما جرى مجراها من أفعال التحقيق تختص به " أنّ " المشددة الناصبة للأسماء دون " أن " المخففة الناصبة للأفعال. وأنما خصت هذه الأفعال بالمشددة لأن المشددة المفتوحة بمنزلة " إنّ " المكسورة في باب التوكيد والإيجاب، وما اختص بالإيجاب لا يدخل عليه ما ينقض دلالته على الإيجاب، فلم يدخل على " أن " المشددة " رجوت " واشتهيت وبابه. لأن هذه الأفعال يجوز أن يوجد ما بعدها ويجوز ألا يوجد فوقعت على " أنّ " المخففة التي لا توكيد فيها ولا مضارعة لما يوجب التوكيد. ولا ينكر أن تكون هذه الأفعال المحققة تختص ب ألا يدخل عليه باب " رجوت " و " اشتهيت " كما أن لام " التوكيد " و " السين " و " سوف " لا يجامعها جحد. ألا ترى أنك تقول: والله لزيد قائم ولا تقول: والله لما زيد قائم. تريد: " ما " الجحد وكذلك لا يجوز: ما سيقوم وليس سيقوم وكذلك أفعال التحقيق منعت من دخولها على المخففة. وخصت المخففة بالأفعال غير المخففة وهي الأفعال التي يجوز أن يكون مفعولها. ويجوز أن لا يكون كقولك: اشتهيت أن لا يخرج زيد لأن زيدا يجوز أن يخرج ويجوز أن لا يخرج، وقولك: رجوت أن يقدم زيد يجوز أن يقدم، ويجوز أن لا يقدم. واعلم أن من الأفعال ما يكون فيه تأويلان أحدهما: الإيجاب والآخر: غيره فيجيز أن تكون " أنّ " بعدها بالتشديد والتخفيف بتأويل التشديد ورفع الفعل بعده ويجوز أن يكون بعدها (أن) ناصبة للفعل. وذلك " حسبت " و " ظننت " و " خلت " و " رأيت " من رؤية القلب وفيها تأويلان: أحدهما: تأويل العلم واليقين والمعرفة لأن الظان قد أثبت في ظنه ما ظنه واعتقده عنده أنه حق كما يعتقد العالم فيما علمه أنه حق فيجري لفظ ما بعد هذه الأفعال بالتشديد في هذا التأويل. كما يجري في العلم فيقال: حسبت أن زيدا منطلق " وظننت أنك أخونا " وأن خففت وأنت تنوي الشديدة قلت: " قد حسبت أن لا تقول ذلك "

стр. 1403

بالرفع وأرى أن سيفعل لأنك تريد: " أنك لا تقول ذاك وأرى أنه سيفعل ولا تكون السين في الفعل حتى تكون بمنزلة: " أنه " لأن " أن " المخففة لا يليها إلّا الفعل الذي تنصبه والماضي. " والسين وسوف " لا تدخل عليهما عوامل الفعل لأن السين وسوف أنما دخلتا على فعل مستقبل يكن فيه الحال والاستقبال فأخلصتاه للاستقبال وعوامل الأفعال لا تكون للحال إنما تكون للاستقبال فلا مدخل لها على " السين " و " سوف " ومثله: قوله : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ (١). والتأويل الثاني في هذه الأفعال: أنها أفعال وقعت في القلب واعتقدها صاحبها بغير دليل ولا برهان وإذا وقف على صورتها وعلم أن ذلك الاعتقاد لما كان بغير دليل جوز أن يكون معتقده، يصح وجوز أن لا يصح. وجوز أن يكون وأن لا يكون فصار بمنزلة " خشيت " و " خفت " وخبر عنها الذي يقف على صورتها باللفظ الذي يستعمله في " خفت " و " خشيت " و " رجوت ". وذلك قولك: ظننت أن لا تفعل ونظير ذلك تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢)، إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ (٣) ودخول " لا " بعد " أن " لا يغير النصب في قولك: ظننت أن لا تفعل ذلك وفي القرآن لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (٤)، وأَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ (٥). وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ (٦). في قراءة من نصب وهو أكثر من أن يحصى. وقد ذكرنا فيما مضى أن لا يفصل بين العامل والمعمول فيه. وجعل سيبويه لباب " ظننت " و " خلت " مزية على باب " خشيت " و " خفت " فأجاز تشديد " أن " في باب " ظننت " و " خلت " جوازا مستمرا مستحسنا. ولم يجز في " خشيت " و " خفت " التشديد إلا على ضعف وعلى أنه ليس وجه الكلام. وقال في الفصل بينهما أنك في باب " خشيت " لا تريد أن تخبر أنك تخشى شيئا قد ثبت عندك ولكنه كقولك:

стр. 1404

(أرجو) و " أطمع " و (عسى " وأنت لا توجب إذا ذكرت شيئا من هذه الحروف والذي يجوزه أنه قد يستقر في علمه كون شيء يعلم أنه يضره ونفسه كارهة له ونافرة منه. فذلك النفور والكراهية هو الخوف والخشية. وضعيف في الكلام أن تقول: " قد علمت أن تفعل " لأن الأصل: علمت أنك ذاك " ولو قلت علمت أن تفعل ذاك " لم يجز. لأن الفعل لا يلي " أنّ " و " إنّ " المشددتين. فكرهوا أن يجمعوا عليه حذف الاسم والتخفيف وأن يليه ما لم يكن يليه من الفعل. فإذا عوضوا سهل ذلك إذ قد وجد بعض ما يحذف. إذا كان في الكلام عوض منه جاز وإن لم يكن لم يجز نحو قولهم: وبلد عامية أعماؤه (١) بمعنى: ورب بلد. ولا يجوز أن تقول: بلد. بمعنى: رب بلد. وأما قولهم: أما أن جزاك الله خيرا وتقديره: أما أنه جزاك الله خيرا ومعناه: حقا أنه جزاك الله خيرا كما تقول: أما أنك راحل بمعنى: حقا أنك راحل وقد حذف اسم " أن " المشددة ووليها الفعل فأنما: إن ذلك لأن هذا الكلام دعاء. والأشياء التي تكون عوضا من التخفيف وحذف الاسم لا يصح وقوعها فيه لأن " قد " لا تقع في الدّعاء. لا تقول: قد غفر الله لك وأنت تريد الدعاء فلا يجوز: أما أن قد جزاك الله خيرا وكذلك " السين " و " سوف " لا يصح دخولهما على فعل الدعاء لأنهما يضمران الكلام يقينا واجبا. ولا يجوز دخول " لا " لأنها تقلب معنى الدعاء له إلى الدعاء عليه. فاحتمل لذلك ترك العوض، وأجازوا كسر " أن " في هذا الموضع فقالوا: أما إنّ جزاك الله خيرا. وتقديره: أما إنّه جزاك الله خيرا. ومعنى " إن " إذ كسرت معنى: " ألا " التي يستفتح بها الكلام. " وجزاك الله خيرا " خبر لاسم أن والدعاء والأمر يكونان خبرين للمبتدأ كقولك: زيد جزاه الله خيرا- وزيد أضربه. وإن لم تقدر " إنه وأنه " بطل معنى الكلام وأنما حسن الحذف فيه من غير عوض

стр. 1405

للضرورة التي ذكرتها. وأنما استعملوا حذف الاسم في " أن " المكسورة في هذا الموضع خاصة وليس ذلك الحذف في سائر الكلام ولم يعوضوا كأنّ ذلك تقوية لحذف العوض الذي يكون في المفتوحة وأنما جاز في قولهم: ما علمت إلا أن تقوم " أنّ " الناصبة لأنها استعمل العلم فيها على معنى المشورة والرأي الذي لاح فيه فيما أشار عليه فصار بمنزلة الرأي والظن. ولو أراد العلم الحقيقي لقال: " ما علمت إلا أن سيقومون " على معنى " أنهم سيقومون كما ذكرنا فيما تقدم. وباقي الباب مفهوم هذا باب «أم» و «أو» أما " أم " فلا يكون الكلام بها إلا استفهاما. ويقع الكلام بها في الاستفهام على وجهين: ١ - على معنى: أيهما وأيهم. ٢ - وعلى أن يكون الاستفهام الآخر متقطعا من الأول. وأما " أو " فإنما يثبت بها بعض الأشياء وتكون في الخبر. والاستفهام يدخل عليها على ذلك الحد. وسأبين لك وجوهه إن شاء الله تعالى. وقال أبو سعيد: هذا الباب جملة تفصل في الأبواب بعده وفيها يقع الشرح إن شاء الله تعالى. هذا باب «أم» إذا كان الكلام بها بمنزلة: أيهما وأيهم وذلك قولك: أزيد عندك أم عمرو؟ وأزيدا لقيت أم بشرا؟ فأنت الآن مدع أن عنده أحدهما. لأنك إذا قلت، أيهما عندك؟ وأيهما لقيت؟ فأنت مدع أن المسئول قد لقي أحدهما أو أن عنده أحدهما إلا أن علمك قد استوى فيهما لا تدري أيهما هو؟ والدليل على أن قولك: أزيد عندك أم عمرو؟ بمنزلة قولك: أيّهما عندك؟ أنك لو قلت: أزيد عندك أم بشر؟ فقال المسئول: لا. كان محيلا كما أنه إذا قال: أيهما عندك؟ فقال: لا. فقد أحال.

стр. 1406

واعلم أنك إذا أردت هذا المعنى فتقديم الاسم أحسن لأنك لا تسأل عن اللقاء إنما تسأل عن أحد الاسمين لا تدري أيهما هو، فبدأت بالاسم لأنك تقصد أن يبين لك أي الاسمين في هذه الحال، وجعلت الاسم الآخر بديلا للأول وصار الذي لا تسأل عنه بينهما. ولو قلت: " ألقيت زيدا أم عمرا " كان جائزا حسنا. ولو قلت: أعندك زيد أم عمرو؟ كان كذلك وإنما تقديم الاسم هاهنا أحسن. ولم يحسن للآخر إلا أن يكون مؤخرا لأنه قصد الاثنين. فبدأ بأحدهما. لأن حاجته أحدهما. فبدأ به مع القصة التي لا يسأل عنها. لأنه إنما يسأل عن أحدهما من أجلها، وإنما يفرغ مما يقصد بقصته ثم يعد له بالثاني. ومن هذا الباب قوله: ما أبالي أزيدا لقيت أم عمرا؟ وسواء على أزيدا كلمت أم عمرا؟ كما تقول: ما أبالي أيهما لقيت؟ وإنما جاز حرف الاستفهام هنا. لأنك سويت الأمرين كما استويا حين قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء قولهم: " اللهم اغفر لنا أيتها العصاية " وإنما لزمت " أم " هاهنا. لأنك تريد معنى " أيهما " ألا ترى أنك تقول: " ما أبالي أيّ ذاك كان ". " وسواء على أيّ ذاك كان ". فالمعنى واحد و " أي " هاهنا تحسن. وتجوز كما جازت في المسألة. ومثل ذلك: ما أدري أزيد ثم أم عمرو؟ و " ليت شعري أزيد ثم أم عمرو؟ فأوقعت " أم " هاهنا كما أوقعته في الذي قبله؛ لأن هذا يجري على حرف الاستفهام حيث استوى علمك فيهما كما جرى الأول. ألا ترى أنك تقول: ليت شعري أيهما ثم فيجوز " أي " ويحسن كما جاز في قولهم: أيّهما ثمّ؟ وتقول: أضربت زيدا أم قتلته؟ فالبدء هاهنا بالفعل أحسن. لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان. ولم تسأل عن موضع أحدهما فالبدء بالفعل هاهنا أحسن كما كان البدء بالاسم فيما ذكرنا أحسن كأنك قلت: أي ذاك كان بزيد؟ وتقول: ما أدري أقام أم قعد؟ إذا أردت: ما أدري أيّهما كان؟

стр. 1407

وتقول: ما أدري أقام أو قعد؟ إذا أردت أنه لم يكن بينهما شيء، كأنه قال: لا أدعي أنه كان في تلك الحال قيام ولا قعود أي لم أعدد قيامه قياما يستبين لي قعوده بعد قيامه. وهو كقول القائل: تكلم ولم يتكلم. قال أبو سعيد: اعلم أن " أم " فيها معنى حرف الاستفهام وحرف العطف وهو يشبه من حروف العطف " أو ". فأما موقعها في الاستفهام فعلى وجهين: أحدهما: أنها تعادل ثانية ألف الاستفهام أولا. ويكونان بمعنى " أيهما ". وذلك قولك: أزيد في الدار أم عمرو؟ وأزيدا لقيت أم بشرا؟ ومعناه: أيّهما عندك؟ وأيهما لقيت؟ وإنما يعادل السائل بها الألف ويجعل الكلام بمنزلة " أيّهما " و " أيهم " إذا كان قد عرف وقوع شيء من شيئين أو من أشياء فكلا يعرفه بعينه فيسأل من يقدّر أن علم ذلك عنده ليعرفه إياه معينا. كان القائل إذا قال: أزيد عندك أم عمرو قد علم أن عند المخاطب أحد هذين ولا يدري من هو منهما فيستدعى إعلام المخاطب إياه عينا فيلتمس علم ذلك منهما، وكذلك كل ما استفهم عنه بالألف. و" أم " بمعنى " أي " والمستفهم قد عرف وقوع أحد الأمرين منهما وهو يلتمس تعيينه كقولك: أقام زيد أم قعد؟ وقد يعبّر عن هذا السؤال. بأن فيه تسوية ومعادلة. فأما التسوية: فهي أن الاسمين المسئول عن تعيين أحدهما يستويان في علم السائل ما عنده في أحدهما مثل ما عنده في الآخر. وأما المعادلة: فهي بين الاسمين جعلت الاسم الثاني بديلا للأول بوقوع " الألف " على الأول و " أم " على الثاني ومذهب السائل فيهما. فإذا سأل السائل عن هذا، فالجواب أن يسمى واحد من الاثنين أو الجماعة ويعين. وإنما نسأل السائل عن هذا والمسئول عنه يعرف الذي يسأل عنه. وقد اتسعت العرب في ذلك. فاستعملوه في غير الاستفهام في مواضع مختلفة. من ذلك قول القائل: " قد علمت أزيد في الدار أم عمرو. وليس هذا باستفهام

стр. 1408

والمتكلم فيه بمنزلة المسئول والمخاطب يصير بمنزلة السائل لأن الذي يقول: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو قد عرفه بعينه والمخاطب إذا قال له القائل: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو يعتقد في قول المتكلم أن أحدهما في الدار لا يعرفه بعينه. فهو بمنزلة السائل في الأول. ومنه: ما أدري أزيد في الدار أم عمرو؟ وهذه حال السائل. فإذا سأل وهذه حاله قال: أزيد في الدار أم عمرو؟ ومنه قول القائل: ليت شعري أزيّد في الدار أم عمرو؟ تمنى أن يعلم ما يسأل عنه السائل إذا قال: أزيد في الدار أم عمرو؟ ومنه: ما أبالي أزيد جاءك أم عمرو سويت بين الأمرين جميعا في منزلتهما عندك وهوانهما عليك. ومنه: سواء عليّ أقمت أم قعدت ومعناه. قيامك وقعودك على مستويين. وإنما جاز الاستفهام " بأم " في هذه الأشياء وأن تكون استفهاما لما فيها من التسوية والمعادلة فشبهت من الاستفهام بما فيها من التسوية والمعادلة. لاجتماعهما في التسوية والمعادلة لا في الاستفهام. كما جرى على حرف النداء قولك: " اللهم اغفر لنا أيتها العصابة " ولست تناديه وإنما تختصه فتجريه على حرف النداء لأن النداء فيه اختصاص فيشبه به للاختصاص لأنه منادى. وقد مضى الكلام فيه قبل. والاختيار في هذا الباب أن يكون الشيء الذي يسأل عنه هو الذي يلي " الألف " و " أم " وما " لا " يسأل عنه متوسط كقولك: أزيد عندك أم عمرو؟ والسؤال عن زيد وعمرو؛ لأن السائل يلتمس واحدا منهما له. ولا سؤال عن " عندك " لأنه قد عرّفه أنّ أحدهما عنده. فأحسن الألفاظ ما يتعادل به الاسمان اللذان هما مستويان في السؤال، فيجعل أحدهما " بالألف " والآخر يلي " أم " وإذا لم يجعل كذلك وقيل: أعندك زيد أم عمرو؟ صار الذي يلي الألف عنده ليس بعديل " عمرو " الذي ولي " أم ". وكذلك الاختيار: أزيدا لقيت أم بشرا؟ ولو قلت: ألقيت زيدا أم بشرا؟ صار الفعل

стр. 1409

يلي الألف والاسم يلي " أم "، وهو وإن كان جائزا حسنا لاستواء معنى ألقيت زيد؟ و" أزيدا لقيت "؟ فليس كحسن: أزيدا لقيت أم بشرا؟ لأنه مع صحة المعنى أعدل لفظا. ومما يختاره العرب. وإذا كانت المعادلة بين فعلين فالاختيار أن يلي أحد الفعلين الألف والآخر " أم ". لأن المسألة عن الفعلين. ويكون الذي ليست المسألة عنه بينهما وذلك قولك: أضربت زيدا أم قتلته؟ لأن سؤالك عن فعلين مبهمين ليبين لك أحدهما ولم تسأل عن " زيد " الذي هو موضع الفعل لأن المسائل قد علم أن أحدهما واقع بزيد ولم يفرق بينهما فالبدء بالفعل هنا أحسن. كأنك قلت: أي ذاك كان بزيد؟ وقد يعادل بالفعل والفاعل. والمبتدأ والخبر لاستواء المعنى في ذلك. كقوله سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١) والمعنى: سواء عليكم أدعوتموهم أم صمتم. وإن شئت: سواء عليكم أنتم داعون لهم أم أنتم صامتون عنهم. وسواء عليكم أنهم مدعوون أم متروكون. ومعناه: سواء عليكم دعاؤكم لهم وصمتكم عنهم. قول سيبويه: " قام أو قعد " إذا أردت أنه لم يكن بينهما شيء، كأنه يقول: لا أدعي أنه كان منه في تلك الحال قيام ولا قعود: أي: لم أعدد قيامه قياما ولم يستبن قعوده قعودا صار بمنزلة: ما لا قيام يعرف له ولا قعود، فكأنه قال: ما أدري أكان أحد هذين؟ وإذا أيقن بكون أحد الأمرين منه وشكّ فيه عينا. قال: ما أدري أقام أم قعد؟ وهذا قد علم أن أحد الأمرين كأن منه ولا يعرفه بعينه. وما تركته من شرح الباب فلا غناء ما شرحته عنه. وبقيت من شرح " أم " بعد ذكري جملة وجوهها ما أشرحه في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى. هذا باب «أم» منقطعة وذلك قولك: أعمرو عندك أم زيد. فهذا ليس بمنزلة: أيهما عندك؟

стр. 1410

ألا ترى أنك لو قلت: أيهما عندك؟ لم يستقم إلا على التكرير (والتوكيد) وبذلك على أن الآخر منقطع من الأول: قول الرجل: إنها لإبل ثم يقول: (أم شاه يا قوم) فكما جاءت " أم " هاهنا بعد الخبر منقطعة فكذلك تجيء بعد الاستفهام. وذلك أنه حين قال: أعمرو عندك؟ فقد ظن أنه عنده أدركه مثل ذلك الظن في " زيد " بعد أن استغنى كلامه. ومثل ذلك: " أنها لإبل أم شاه " إنما أدركه الشك حين مضى كلامه على اليقين وبمنزلة " أم " هاهنا قوله : الم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ (١). فجاء هذا على كلام العرب (ليعرفوا ضلالتهم). ومثل ذلك: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ... (٢). كأن فرعون قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء. فقوله: " أم أنا خير " بمنزلة قوله: أم أنتم بصراء لأنهم لو قالوا: أنت خير منه كان بمنزلة قولهم: " نحن بصراء عنده ". ومثل ذلك قوله : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (٣). فقد علم النبي ﷺ والمسلمون أن الله لم يتخذ ولدا. ولكنه جاء على حرف الاستفهام ليبصروا ضلالتهم. ألا ترى أن الرجل يقول للرجل: " السعادة أحب إليك أم الشقاء " وقد علم أن السعادة أحب إليه وأن المسئول سيقول: السعادة. ولكنه أراد أن يبصر صاحبه ومن ذلك: أعندك زيد أم لا؟ كأنه حين قال: أعندك زيد؟ كان يظن أنه عنده ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا؟

стр. 1411

وزعم (الخليل) أن قول الأخطل: كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا (١) كقوله: إنها لإبل أم شاه. ومثل ذلك قول الشاعر وهو كثير عزة: أليس أبي بالنضر أم ليس والدي ... لكل نجيب من خزاعة أزهرا (٢) ويجوز في الشعر أن يريد بكذبتك الاستفهام ويحذف الألف قال الأسود بن يعفر: لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر (٣) وقال عمر بن أبي ربيعة: لعمرك ما أدّري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان (٤) قال أبو سعيد: والوجه الثاني من وجهي الاستفهام بأم: أن تكون " أن " منقطعة مما قبلها. ومنزلتها منزلة الألف إذا اتصلت بكلام قبلها. إلا أن " الألف " تكون ابتداء و " أم " لا تكون ابتداء لأنها للعطف. في الوجه الأول: تعطف اسما على اسم أو فعلا على فعل وهما من جملة واحدة. والوجه الثاني: تعطف جملة على جملة. لأن الثاني ينقطع من الأول فلا يكون ما بعدها إلا كلاما تاما أو مقدرا جاء لتمامهما فقولهم:

стр. 1412

أنها لإبل أم شاه. تقريرها: أم هي شاه لأن قوله: " أنها لإبل " إخبار وهو كلام تام، وقوله: " أم شاه " استفهام عند شك عرض له بعد الإخبار ولا بد من إضمار " هي ". ولو ذكرت في موضع " أم " المنقطعة " ألف " الاستفهام لجاز ولم يتغير المعنى. كقولك: أنها لإبل أشاه؟ وكذلك: " أيقولون افتراه " مكان: " أم يقولون افتراه ". فإذا كانت " بأم " فهي معطوفة. وإذا كانت " بالألف " فهي مستأنفة غير معطوفة. واختاروه " بأم " لأن فيها رجوعا عن الأول وإبطالا له كما يكون في " بل ". وإذا كانت باستفهام مستأنف لم يكن بينهما وبين الأول علقة. وقد شبه النحويون " أم " في هذا الوجه ب " بل " ولم يريدوا أن ما بعد " أم " محقق كما يكون ما بعد " بل " محققا. وإنما أرادوا أن " أم " استفهام بعد كلام يتقدمها كما أن " بل " تحقيق مستأنف بعد كلام يتقدمها. والدليل على أنها ليست بمنزلة " بل " مجردة قوله : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١) لا يجوز أن يكون بمعنى: بل اتخذ مما يخلق بنات. تعالى الله عن ذلك. وتقديره في اللفظ: " أأتخّذ " بالألف للاستفهام والمعنى: الإنكار والرد لما ادعوه. لأن ألف الاستفهام قد تدخل للتقرير والرد والإنكار والتوبيخ والتوعد فتدخل على النفي فتصيره إيجابا في التقرير كقوله : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (٢) وقوله : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ (٣). والرد نحو قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ (٤)؟ رد على من ادعى ذلك ونبه إليه. والإنكار: نحو قوله أمقيما ونحن راحلون؟ و " أقياما وقعد قعد الناس؟ " ونحو

стр. 1413

ذلك: " أم يقولون افتراه "؟ بمعنى: أيقولون افتراه على وجه الإنكار عليهم. ولو قيل: بل يقولون صار ذلك من قولهم على وجهة الإخبار منهم بحسب وإذا كان على جهة: أيقولون افتراه؟ فهو على جهة التثبيت عليهم بالتقرير لهم بذلك ولا يجعله موجها عليهم بالإخبار عنهم فهذا الفصل بين " أم " وبين " بل ". والتوعد نحو قولك لمن يشتمك أو يجترئ عليك: أتشتمني؟ وأتجترئ علي؟ وقوله: أعمرو عندك أم عندك زيد؟ والوجه الظاهر فيه أن يكون بمعنى " أم " المنقطعة كأنه استفهم عن الأول بقوله: أعمرو عندك؟ وفي نيته الاقتصار عليه ثم أدركه في " زيد " من الشك ما أدركه من " عمرو " فسأل عنه. لأن " أم " المنقطعة تأتي بعد الخبر وبعد الاستفهام. ولو جعلت بمعنى: " أيهما " لنابت " أيهما " عن عمرو و " زيد " ومن " ألف " الاستفهام وعن " أم ". وصار التقدير: أيهما عندك عندكم لأن: " عندك " مكررة في ذكر " عمرو " و " زيد ". فوجه الكلام على كلامين كل واحد منهما قائم بنفسه وألا يكون على وجه التكرير. قال أبو سعيد: وإذا كان بعد " أم " حرف الجحد الذي هو نقيض ما قبله فمعناها ومعنى (أو) سواء وذلك قولك: أعندك زيد أم لا؟ " أم " منقطعة كأنه حيث قال: أعندك زيد؟ كان يظن أنه عنده فسأل عنه وحده ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا؟ والدليل على أنها منقطعة: أن السائل لو اقتصر على قوله: أعندك زيد. لاقتضى استفهامه عن ذلك أن يقال: نعم أو لا. فقوله: أم لا مستغنى عنها في تتميم الاستفهام الأول وإنما يذكره الذاكر ليبين أنه عوض له الظن في نفي أنه عنده كما كان عرض له الظن في أنه عنده و " أو " تقتضي هذا المعنى وذلك أنه إذا قال: " أعندك زيد " فالسائل شاك مستفهم يلتمس أن يقال له " نعم " أو " لا " وهو يعلم أنه أما عنده وإما ليس عنده. وإذا قال: أعندك زيد أو لا؟ فقد أتى ب (أو) وهو مستغن عنها بما اقتضاه سؤاله وبما علم من حاله أنه يعتقد أحد الأمرين. ولذلك استوى " أم " و " أو " فيه. ويدخل في هذا المعنى ما حكاه الله تعالى عن

стр. 1414

فرعون: أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ (١)؛ لأن قوله: أم أنا خير من هذا الذي هو مهين بمنزلة قوله: أم تبصرون على ما بينه سيبويه. وبالإيجاب بأحد الأمرين في المسألة الأولى وذكر " أم " بعدها كالتوكيد المستغنى عنه. ألا ترى أن قوله: " تبصرون " يستدعي به السائل أن يقال له: لا نبصر أو نبصر. كأن فرعون ظن أولا أنهم لا يبصرون ثم أدركه ظن أنهم يبصرون على نحو ما ذكرناه فيما قبله. وقال أبو زيد: (٢) " أم " زائدة في هذا الموضع كأنه قال: " أفلا تبصرون أنا خير من هذا الذي هو مهين ". ولم يقله غيره من النحويين. وما علمت أحدا تابعه عليه إلا رجلا من المقرئين. وكان إذا قرأ استوقف القارئ على " أم " ثم ابتدأ: " أنا خير من هذا الذي هو مهين ". فأنشد أبو زيد قول الراجز: يا دهن أم ما كان مشيتي رقصا ... بل قد تكون مشيتي توقّصا (٣) وقد يجوز أن يكون ما أنشده أبو زيد من كلام مقدم بعضه وإن كان في أوله حرف النداء لأن حرف النداء قد يقع حشوا. كقولك: قمت يا زيد أو لم تقم. فيمكن أن يكون قال: أكان مشيتي في شبابي رقصا. وقد يجوز أن تكون " ما " زائدة وتكون " أم " على كلام متقدم. وأما قوله: كذبتك عينك أم رأيت بواسط فإنه: يكون: على أنه خبّر بكذب عينه ثم أدركه ظن وبأن ذلك كان في القوم فقال:

стр. 1415

كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا وقد يخبر الشاعر بالشيء ثم يرجع عنه أما بتكذيب نفسه أو بالتشكيك فيه كقول زهير: قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديّم فقوله: " بلى " تكذيب منه لما نفاه. ويجوز أن يكون على حذف الألف من كذبتك " كأنه قال: أكذبتك أم رأيت ... على تقدير: أيهما كان. كأنه قال: أتمثلت لك في اليقظة لفكرك فيها على غير حقيقة أم رايتها في النوم؟ ومثله: شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر لابد فيه من تقدير الألف لأنه يهجو هذه القبيلة فيقول: لم تستقر على أب. لأن بعضها يعزوها إلى: منقر وبعضها يعزوها إلى سهم: وقول كثير: أليس أبي بالنّضر أم ليس والدي ... لكل نجيب ... يقرر بشئ بعد شئ فهو تقرير بعد تقرير فالكلام على جملتين " فأم " منقطعة. وباقي الباب مفهوم هذا باب «أو» تقول: إنهم تضرب أو تقتل (تعمل أحدهما) ومن يأتيك أو يحدثك لا يكون هنا إلا " أو " من قبل أنك أنما تستفهم عن المفعول. وإنما حاجتك إلى صاحبك أن يقول: فلان. وعلى هذا الحد يجري: " متى " و " من " و " كم " و " كيف " و " أين ". وتقول: هل عندك شعير أو بر أو تمر؟ وهل تأتينا أو تحدثنا؟ لا يكون إلا كذلك وذلك أن " هل " ليست بمنزلة " ألف " الاستفهام لأنك إذا قلت: هل تضرب زيدا؟ فلا يكون أن تدعي أن الضرب واقع. وقد تقول: أتضرب زيدا. وأنت تدعي أن الضرب واقع.

стр. 1416

ومما يدلك على أن ألف الاستفهام ليست بمنزلة " هل " أنك تقول للرجل: " اطربا! " وأنت تعلم أنه قد طرب لتوبخه أو تقرره. ولا تقول هذا بعد " هل ". وإن شئت قلت: هل تأتيني أم تحدثني؟ وهل عندك بر أم شعير؟ على كلامين. وكذلك سائر حروف الاستفهام التي ذكرنا وعلى هذا قالوا: هل تأتينا أم هل تحدثنا؟ قال الججاف بن حكيم: أبا مالك هل لمتني مذ حضضتني ... على القتل أو هل لامني لك لائم (١) وكذلك سمعناه من العرب. فأما الذين قالوا: أم هل لامني لك لائم: فإنما قالوا على أنه أدركه الظن بعد ما مضى صدر حديثه. وأما الذين قالوا: " أو " هل فإنهم جعلوه كلاما واحدا. وتقول: ما أدري هل تأتينا أو تحدثنا؟ وليت شعري هل تأتينا أو تحدثنا؟ فهل ههنا بمنزلتها في الاستفهام إذا قلت هل تأتينا؟ وإنما دخلت " هل " هاهنا لأنك إنما تقول: أعلمني كما أردت ذلك حين قلت: هل تأتينا أو تحدثنا؟ فجرى هذا مجرى قوله : إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟ (٢). وقال زهير: ألا ليت شعري هل يرى النّاس ما أرى ... من الأمر أو يبدوا لهم ما بدا ليا (٣)

стр. 1417

وقال مالك بن الريب: ألا ليت شعري هل تغيّرت الرّحى ... رحى الحزن أو أضحت بفلج كما هيا (١) وكذلك سمعناه ممن ينشده من العرب. وقال ناس: أم أضحت؟ على كلامين كما قال علقمة بن عبدة: هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم (٢) قال أبو سعيد: قولهم: " أيّهم تضرب أو تقتل " قد ادعى السائل أن سوءا من قتل أو ضرب يقع على أحد منهم لا يعرفه بعينه. فإذا سأل عن ذلك أجيب عن الاسم فقيل له: زيد فيعلم بذلك أن " زيدا " الواقع به السوء. ولا يدري ذلك السوء ما هو؟ فإذا أراد معرفته قال: أتضرب زيدا أم تقتل؟ فأجيب عن الفعل فقيل له: ضرب أو قيل له قتل. وإذا قيل: من يأتيك أو يحدثك؟ فقد سأله عن اسم يقع منه أحد هذين الفعلين. فالجواب أن يقول: زيد. فيعرفه بعينه. ثم يسأله عن أحد فعليه كما تقدم في الذي قبله. وأما قوله: هل عندك شعير أو بر أو تمر؟ فإن " هل " لا تقع بعدها " أم " على مذهب: أيهما؟ كما تقع بعد الألف بمعنى: أيهما؟ وفصل سيبويه بين " الألف " وبين " هل ": بأن ما بعد " هل " لا يكون تقريرا ولا توبيخا لو قلت: هل تضرب زيدا؟ لم يجز أن تدعي وقوع الضرب وتوبيخه عليه وتقريره به كما يقول القائل: أتضرب زيدا وهل أبوك توبيخا له بذلك فأرى أن مذهب " الألف " أوسع من مذهب " هل " فجاز في الألف من معادلة " أم " ما لم يجز في " هل ". ويقع بعد " أم " التقرير والتوبيخ كما يقع بعد الألف كقوله : أَمْ يَقُولُونَ

стр. 1418

افْتَراهُ (١) على جهة التوبيخ ولا تكون " هل " إلا لاستئناف الاستفهام وهو حرف يجري مجرى أسماء الاستفهام. وقد يجوز أن تقول: هل عندك شعير أم بر على " أم " المنقطعة وهو استفهام بعد استفهام ومعناه غير خارج من معنى " أو " في هذا الموضع لأنك إذا قلت: " أعندك شعير أو بر "؟ فأنت في التحصيل سائل عن كل واحد منهما شاك فيه طالب لمعرفته بسؤال واحد. وإذا قلت: أعندك شعير أم بر؟ فأنت سائل عن كل واحد منهما بسؤالين لكل واحد منهما سؤال مفرد وكأنك قلت: أعندك شعير؟ أعندك بر؟ والدليل على ذلك: أنك إذا قلت: أعندك شعير أو بر؟ فالجواب أن يقال: " نعم " أو " لا " فيكون جوابا واحدا عن السؤال بعينه بأسره. كما يجاب عن قولك: أعندك شعير أم بر؟ أو بر؟ أو قيل: أعندك شعير؟ أعندك بر؟ فلكل سؤال منهما جواب غير جواب الآخر. ولهذا كان " أو " و " أم " متقاربا معناهما في قوله: " أو هل وأم هل لامنى ... ". والذي بينهما من الفرق: أن " أو " من كلام واحد و " أم " من كلامين. وقوله: " هل تأتينا أو تحدثنا؟ بمنزلة: " هل تأتينا؟ " لأنه سؤال واحد. فإذا قلت: ما أدري هل تأتينا أو تحدثنا؟ أو: ليت شعري هل تأتينا أو تحدثنا؟ فكأنك قلت: هل تأتينا؟ وسكت لأنها كلام واحد. وفي دخول هل في: ليت شعري هل تأتينا؟ أو في: ما أدري هل تأتينا؟ حدوث معنى " أخبرني " أو " أعلمني " كما أن قولك: هل تأتينا بمعنى أخبرني و " أعلمني ". والأبيات التي أنشدنا على هذا النحو ومن أنشد شيئا منها " بأم " فهو على كلامين على نحو ما ذكرناه في غير الأبيات. هذا باب آخر من أبواب «أو» تقول: ألقيت زيدا أو عمرا أو خالدا؟ وأعندك زيد أو عمرو أو خالد؟ كأنك قلت: أعندك أحد من هؤلاء؟ وذلك أنك لم تدع أن واحدا منهم ثم.

стр. 1419

ألا ترى أنه إذا أجابك قال: " لا " كما يجيبك إذا قلت: أعندك أحد من هؤلاء؟ واعلم أنك إذا أردت هذا المعنى فتأخير الاسم أحسن. لأنك إنما تسأل عن اللقاء على من وقع؟ ولو قلت: " أزيدا لقيت أو عمرا؟ و " أزيد عندك أو عمرو؟ كان هذا في الجواز والحسن بمنزلة تأخير الاسم إذا أردت معنى " أيهما "؟ فإذا قلت: أزيد أفضل أم عمرو؟ لم يجز ههنا إلا " أم " لأنك إنما تسأل عن أفضلهما ولست بسائل عن الفعل. ألا ترى أنك لو قلت: أزيد أفضل؟ لم يجز كما لا يجوز: أضربت زيدا؟ أم عمرو؟ وليت شعري أزيد أفضل أم عمرو؟ فهذا كله على معنى. أيّهما أفضل؟ وتقول: ليت شعري ألقيت زيدا أو عمرا؟ و " ما أدري أعندك زيد أو عمرو؟ فهذا يجري مجرى: ألقيت زيدا أو عمرا؟ وإن شئت قلت: ما أدري أزيد عندك أو عمرو؟ فكان جائزا حسنا. كما جاز: أزيد عندك أم عمرو؟ وتقديم الاسمين جميعا مثله وهو مؤخر وإن كانت أضعف. فأما إذا قلت: ما أبالي أضربت زيدا أم عمرا؟ فلا يجوز ههنا إلا " أم " لأنه لا يجوز السكوت على الاسم الأول فلا يجيء هذا إلا على معنى: " أيهما "؟ وتقديم الاسم هاهنا أحسن. وتقول: أتجلس أو تذهب أو تحدثنا؟ وذلك إذا أردت أن تقول: هل يكون شيء من هذه الأفعال؟ فأما إذا دعيت واحدا منها أنه قد كان قلت: أتجلس أم تأكل؟ كأنك قلت: أي هذه الأفعال يكون منك؟ وتقول: أتضرب زيدا أو تشتم عمرا؟ إذا أردت أن يكون شئ من هذه الأفعال. وإن شئت قلت: أضربت زيدا أم تشتم عمرا؟ على معنى: أيهما؟ قال حسان بن ثابت: ما أبالي أنت بالحزن تبيس ... أم لحانى بظهر غيب لئيم؟ (١)

стр. 1420

كأنه قال (ما أبالي) أي الفعلين كان؟ وتقول: أزيدا أو عمرا لقيت أم بشرا؟ وذلك أنك لم ترد أن تجعل " عمرا " عديلا لزيد. حتى يصير بمنزلة: أيهما؟ وإنما أردت أن ذلك حشوا. كأنك قلت: أأحد هذين لقيت أم بشرا؟ ومثل ذلك قول صفية بنت عبد المطلب كيف رأيت زبرا؟ (١) ... أأقطا أو تمرا؟ أم قرشيا صارما هزبرا؟ وذلك أيّها لم ترد أن تجعل التمر عديلا للأقط لأن المسئول لم يكن عندها ممن قال: هو أما تمر وأما أقط وأمّا قرشي ولكنه ممن قال: أهو طعام أم قرشي؟ فكأنها قالت: أشيئا من هذين الشيئين رأيته أم قرشيا؟ وتقول: أعندك زيد أو عندك عمرو أو عندك بشر؟ كأنك قلت: هل من هذه الكينونات شئ؟ فصار هذا كقولك: أتضرب زيدا أو تضرب عمرا أو تضرب خالدا؟ ومثل ذلك: أتضرب زيدا أو بشرا أو خالدا؟ وتقول: أعاقل زيد أم عالم؟ وتقول: أتضرب عمرا أم تشتمه؟ تجعل الفعلين والاسم بينهما بمنزلة الاسمين والفعل بينهما لأنك قد أثبت العلم والعقل. وأدعيت أحدهما كما أدعيت ثم أحد الاسمين. وإن قلت: " أو " فهو عربي حسن. فأما إذا قلت: أتضرب أو تحبس زيدا؟ فهو بمنزلة أزيدا أو عمرا تضرب؟ قال جرير: أثعلبة الفوارس أو رباحا ... عدلت بهم طهيّة والخشابا (٢) وإن قلت: أزيدا يضرب أو يقتل؟ كان كقولك: أيقتل زيدا أو عمرا؟ و " أم " في

стр. 1421

كل هذا جيد. وإذا قال: أتجلس أم تذهب؟ " فأم " و " أو " فيه سواء لأنك لا تستطيع أن تفصل علامة المضمر. فتجعل ل " أو " حالا سوى حال " أم " وكذلك: أتضرب أو تقتل خالدا؟ لأنك لا تثبت أحد الفعلين إلا يثبت واحد وإن أردت معنى أيهما في هذه المسألة قلت: أتضرب زيدا أم تقتل خالدا؟ لأنك لم تثبت أحد الفعلين لاسم واحد. قال أبو سعيد: اعلم أن " أو " حقيقتها أن يتفرد شيئا من شئ. ووجوه الأفراد أنك تختلف وتتقارب في حال وتتباعد في أخرى حتى توهم أنها قد تضادت وهي في ذلك ترجع إلى الأصل الذي وضعت له. وأنا مفسر ذلك إن شاء الله. فمن ذلك قولك: جاءني زيد أو عمرو. فالأصل فيه أن أحدهما جاءك. والأكثر في استعمال ذلك أن يكون المتكلم شاكا لا يدري أيهما الجائي. فالظاهر من الكلام أن يحمله السامع على شك المتكلم. وقد يجوز أن يكون المتكلم غير شاك. إلا أنه أبهمه على حال قصدها في ذلك كما يقول القائل: كلمت أحد الرجلين " و " اخترت أحد الأمرين وقد عرفه بعينه ولم يخبر به. وقد يحسن " أو " بين أشياء تتناولها كلها في أوقات مختلفة فيراد بذكر " أو " أفراد كل واحد منهما في وقته كقولك- إذا قيل لك: ما كنت تأكل من الفاكهة ببغداد؟ قلت: كنت آكل التين أو العنب. أو نحو ذلك. وكذلك لو قيل: ما كنت تأكل من الطعام؟ فتقول: زبدا أو أرزا أو لحما أو سمكا. أي: أفرد مرة هذا ومرة هذا. قد خلت " أو " للإفراد. ولو قلت: كنت آكل تينا. أو عنبا. أو قلت: أرزا أو لحما لاحتمل أن يكون جمعت بينهما في وقت. واحتمل أن يكون أفرد كل واحد منهما. أراد بيان الإفراد فجاء ب " أو " فهذا شأن " أو " في الإخبار. والمخاطب يعلم أنه إذا قال: كنت آكل تينا أو عنبا. أو قال: كنت آكل برا أو أرزا في مثل الحال التي ذكرناها إنه لم يرد الشك ولا الإبهام على المخاطب. وإذا وقعت في الأمر فهي على وجهين كلاهما للإفراد، أحد الوجهين: أن يكون

стр. 1422

أحد الأمرين إذا اختاره لا يتخطاه ولا يتجاوزه ويكون الآخر عليه محظورا. والوجه الآخر: أن يكون له اختيار كل واحد من الأمرين عند حظر الآخر عليه. (أ) فأما الأول فقولك: " خذ ثوبا أو دينارا " إذا خيرته أحدهما وكان الآخر غير مباح له وهذا الذي يسمى " التخيير ". ومخرج هذا ونحوه أن تعلم أنه ما كان للمخاطب أن يتناول شيئا من الاثنين قبل أن يخبره الآمر وإنما كانا محظورين عليه ثم زال الحظر في أحدهما وبقي الآخر على حظره. فإذا قال: " خذ دينارا أو ثوبا " فالدينار والثوب كانا محظورين عليه ولم يكن له أن يأخذ واحدا منهما فلما قال: " خذ دينارا أو ثوبا " جاز له أخذ أحدهما وبقى الآخر على حظره. ومثله في القرآن قوله : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (١). فأوجب أحد هذه الثلاثة ولا يمكن فعل اثنين منها لأنه إذا فعل واحدا منها فقد كفّر وسقطت عنه الكفّارة. (ب) والوجه الثاني من الوجهين: ألا يكون الأمران في الأصل محظورين فيما يراه المخاطب ويسمى هذا الوجه " الإباحة ". وذلك قولك: ألبس خزّا أو قوهيا أو ديباجا أو وشيا فكأنه أراد أن كل صنف من هذا لك لبسه. كأنه شيء من شيئين إن لبس أحدهما لم يمتنع عليه الآخر من أن يلبسه بعده. وإنما أراد إعلامه أن كل واحد منهما له لبسه. لئلا يرى أنه يلبسهما معا. ولا أنه إذا أفرد كان مخالفا. فلما كان كل واحد منهما مأمورا به جاز لبسها كلها. ومثله في القرآن قوله : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ (٢). كل ذلك مباح الأكل منه.

стр. 1423

وكذلك: إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ (١). ومثله قوله : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ (٢). والحكم يقع على كل واحد مما سمي مفردا أو مجموعا. وحدثني بعض أصحابنا أن المزني (٣) صاحب الشافعي سئل عن رجل حلف فقال: والله لا كلمت أحدا إلا كوفيّا أو بصريّا فكلم كوفيّا وبصريّا فقال: ما أراه إلا حانثا. فأنهى ذلك إلى بعض أصحاب أبي حنيفة المقيمين بمصر أيام المزني فقال: أخطأ المزني وخالف الكتاب والسنة. فأما قوله : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ (٤). وكل ذلك كان مباحا خارجا بالاستثناء من التحريم. وأما السنة: فيقول النبي ﷺ " لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قريشي أو ثقفي " (٥) والمفهوم من ذلك أن القريشي والثقفي كانا استسنين. فذكر أن المزني رجع إلى قوله: والتخيير الذي يكون لأحد الأمرين دون الآخر كقولك: جاء في زيد أو عمرو. والإباحة بمنزلة الخبر الذي يتناول جميع ما ذكر على إفراد كل واحد منه كقولك: كنت آكل أرزا أو برا أو لحما أو سمكا. ومن الإبهام في الخبر قوله: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ

стр. 1424

أَقْرَبُ (١). وقوله : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٢)، وقوله : فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (٣). وقوله : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٤). فإن قال قائل: كيف يقع هذا الإبهام الذي ذكرته من الله على خلقه إذ كان إنما قصد بمخاطبتهم البيان والإفهام للإقامة الحجة عليهم بما أنزل ولم يجعل في ذلك لبسا؟ قيل له: أنما خوطبوا على قدر ما يجري في كلامهم من إفهام بعضهم بعضا. لعلها أبهمت عليهم في الإخبار لعجزهم عن بلوغ حقائق الأشياء وأنهم يصلون منها إلى مقاربة وقد يبهم المتكلم لقلة الفائدة في التفصيل وإن كان عالما بصاحب الفعل قال لبيد: تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر (٥) وقد علم لبيد أنه من مضر وليس من ربيعة. وإنما أراد: من أحد القبيلتين، وسبيلي أن أفنى كما فنوا. وليس فيما قصد من تعزية ابنتيه وتسليتهما بالتأسي بمن فنى من هذين القبيلين فائدة في تعيين نسبه. بل لو زاد في الإبهام كان أبلغ فيما يريده لأنه إذا كثر من يتأسى به كان أبلغ في التعزية. فلو قال: وهل ألا من العرب؟ أو: هل أنا إلا من الناس؟ كان أبلغ في التعزية وقد تدخل " أو " للتبعيض والتفصيل وهو أن تذكر عن جماعة قولين مختلفين على أن بعضهم قال أحد القولين وبعضا قال القول الآخر. كقولك: " اجتمع القوم فقالوا: حاربوا أو صالحوا ". بمعنى: قال بعضهم: حاربوا وقال بعضهم: صالحوا.

стр. 1425

قال : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا (١) وقد أحاط العلم أنه ليس في الفرق فرقة بين اليهودية والنصرانية، وأنما الإخبار عن جملة اليهود والنصارى أنهم قالوا، ثم فصل ما قاله كل فريق منهم. وقد احتج بعض أصحاب مالك في تخيير الإمام في عقوبة قطاع الطريق الساعين في الأرض فسادا بقوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ (٢). وكان ينكر مخرج الآية على وجه التخيير لذكره " أو " فذكرت ما كان عندي وهو: أن " أو " في هذه الآية على التبعيض وترتيب أصناف هذه العقوبات على أصناف جنايات المحاربين. واحتججت بقوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى على أن بعضا وهم اليهود قالوا: كُونُوا هُوداً وبعضا وهم النصارى قالوا: (كونوا نصارى). وكذلك نحمل آية المحاربين على أن بعضا وهم الذين قتلوا يقتلون، وبعضا وهم الذين أخذوا المال: تقطع أيديهم وأرجلهم وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه. والشافعي وأتباعه. وأما قوله : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ (٣) فإن أكثر تشبيهات العرب وغيرهم من سائر الأمم يجري على غير المماثلة في حقيقة الطول والقصر والسعة والضيق والثقل والخفة ونحو ذلك. وأكثر تشبيهاتهم أن أشياء قد عرفت بصفات خير أو شر أو رفعة أوضعة أو غير ذلك وتقرر ذلك في نفوسهم، فإذا أرادوا المبالغة في وصف شئ شبهوه بمثله من تلك الأشياء أو فضلوه عليه إذا أرادوا الانتهاء في المبالغة. والغرض فيه أن ما شبهوه فيه ما يفضل به من تلك الحال فكيف ما شبهوه وجاز

стр. 1426

إذا أرادوا هذا المعنى. مثال هذا: أنهم إذا شبهوا السريع الذي رضوا بسرعته فقالوا: هو كالريح وهو كالبرق وكالسهم وكالحجر وكالطائر. ويبالغون به فيقول: هو أسرع من الريح وأسرع من يد إلى فم. وبأي شيء شبهناه من هذه الأشياء فهو كتشبيهنا أياه بالآخر. لأن غرضنا الدلالة على أن فيه سرعة شديدة محمودة. وهذا أكثر من أن يحصى. فصار قولنا: هو كالبرق وهو أسرع من البرق، وهو كالريح وهو أسرع من الريح في باب الدلالة على سرعته كشئ واحد. وكذلك: كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ بمنزلة شيء واحد فجمع اللفظين اللذين يتناهون ويبالغون فيه إذا شبهوا. ومثله قوله تعالى: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ (١). والكلام فيه وفيما قبله طريق واحد وهو: أن كل ما فنى يشبّه بما لم يكن حتى يقال: " كأنك بالدنيا لم تكن ... ". لأنه إذا فنى فقد بطل حكم وجوده وكونه والذي لم يزل موجودا. لأنه إذا أتى فقد بطل حكم عدمه. فقوله : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ؛ لأن ما قبل الساعة مما يفنى فيصير كأنه لم يوجد فزمانه قصير في التشبيه، والذي يأتي قريب؛ لأن ما قبله فان، والتشبيه بلمح البصر ". و " باليوم " و " الساعة " واللحظة واحد؛ لأن الغرض فيه كله تقصير المدة على غير حقيقة مماثلة طول الزمان. وإنما دخول " أو " على ذلك. لأن المشبه بكل واحد من ذلك مفردا غير مخطئ في التشبيه فتأمله وأعرفه إن شاء الله تعالى. وأما قوله : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٢) ففيه وجهان:

стр. 1427

أحدهما: أن يكون " أو " فيه مثلها في " أو " التي للإباحة وتقديره: وأرسلناه إلى بشر كثير يحذرهم ممن يراهم- حازر: مائة ألف. والوجه الآخر: أن يكون " أو " لأحد الأمرين وأبهمه الله تعالى على المخاطبين لأنه أراد تعريفهم كثرتهم. ولم تكن فائدة في تعريف حقيقة عددهم. ويروى عن ابن عباس أنهم كانوا مائة ألف وبضعة وأربعين ألفا. وأما قوله : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (١) القسوة في الحجارة الصلابة. وصلابة كيفية على حقيقة الكيفيتين. وإنما قسوة القلب أنه لا يرق ولا يلين لموعظة ولا لطاعة الأمر، فيشبه امتناعه بالصلابة التي هي ضد اللين. ويشبه بصلابة الحجر أو بما هو أصلب منه على ما ذكرنا من مذهبهم. والذي يشبهه بصلابة الحجر مصيب والذي يشبهه بما هو أصلب مصيب؛ لأن الغرض الإخبار عن قلوبهم بصلابة يبالغ فيها. فتشبيههم إياها بالحجارة. لأنها من الموصوفات بالصلابة صحيح، وتشبيههم إياها بما هو أصلب منه صحيح. وأما قوله : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٢) فمعناه في تقدير الناظر منكم إليه. وقد قال قوم أن " أو " تكون بمعنى " بل ". واحتجوا بقوله : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. أراد: بل يزيدون. ويقول الشاعر. بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العير أملح (٣) قالوا معناه: بل أنت. واحتجوا بالرواية عن ابن عباس في قوله : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. قال: كانوا مائة ألف وبضعة وأربعين ألفا. وحصلوا على " أو " " أم " فقالوا: أضربت عبد الله أم أنت رجل متعنت؟ بمعنى بل أنت. قال الشاعر: فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت ... أم النّوم أم كل إليّ حبيب (٤)

стр. 1428

معناه: بل كل إلى حبيب. وقال قوم " أو " تكون بمعنى الواو. كقوله تعالى: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ (١). نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر (٢) ممعناه: وكانت له قدرا. وقال توبة بن الحمير: (٣) وقد زعمت ليلى بأنّي فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها معناه: وعليها. وقال جرير: أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا (٤) أراد: ورياحا. وقال الآخر: ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكم قد غيبتني غيابيا (٥) أراد: ونصف ثالث. وقال الآخر:

стр. 1429

فلو كان البكاء يرد شيئا ... بكيت على بجير أو عفاق (١) قال أبو سعيد: شواهد " أو " في هذين الوجهين. قد تتخرج على غير ما قالوه. أما قوله : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فقد ذكرنا أن " أو " فيها على وجهين على الإباحة وعلى الإبهام، كأنه قال: إلى جمع كثير يجرزه بعض الحزار بمائة ألف وبعض بأكثر. وكذلك: " بدت مثل قرن الشمس ... أو أنت في العين أملح ". أي أن شبهتا بالشمس أصبت وإن فضلتها عليها أصبت. وقد مضى نحو هذا. وقوله: أضربت عبد الله أم أنت رجل متعنت؟ فقد يقولونه " بأو ". وكقولك: خذ حقك وأعطنا حقنا أو أنت رجل متعنت ويذهب به قوم إلى أن معناه: " بل أنت " وليس كذلك. وإنما معناه: هذه الحالة هي الواجهة من الحق وإعطائه (أو) تصير الحالة الأخرى مكانها وهي أن تنسب إلى التعنت. وأما (أم) في قوله: " اضرب عبد الله أم أنت رجل متعنت " فإنما هي " أم " المنقطعة التي منزلتها منزلة ألف الاستفهام وهي هاهنا بمنزلة التقرير والتوبيخ كنحو ما ذكرنا في قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ (٢). ومثله: أسلمى تغوّلت ... أم النّوم أم كلّ إلىّ حبيب (٣) وأما قوله: لنفسي تقاها أو عليها فجورها (٤) فإنما دخلت " أو " لأن الإنسان أما أن يكون تقيا فله تقاه وأما أن يكون فاجرا فعليه فجوره. " فأو " دخلت لأحد الأمرين. وأما: أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا (٥) فمعناه: أحد هاتين القبيلتين عدلت بهم طهية على جهة الإنكار. كما تقول:

стр. 1430

أعدلت بالقوم القرد. وأما: فالبثا شهرين أو بعض ثالث فإن المعنى: فالبثا شهرين أو شهرين وبعض ثالث. كأنه قال: شهرين أو أكثر من شهرين. على جهة التخيير. كأنه قال: البثا أيّ الوقتين شئتما من شهرين أو أكثر. ودل بقوله: " أو بعض ثالث " على أكثر من شهرين لأنه لا يمكنهما لبث بعض ثالث إلا بلبث شهرين قبله. وقوله: بكيت على بجير أو عفاق معناه: بكيت على بجير في حال. وعلى " عفاق " في حال وهو كقولك: كل الخبز أو الأرز أو اللحم. على معنى إفراد واحد في حال. وقد تقدم ذكر نحو هذا. واعلم أن في الكلام ما يقتضي- إذا دخل ألف الاستفهام في أوله- أن يؤتى بعدها " بأم " ولا يقتصر على الألف وحدها. وفيه ما لا يحتاج إلى ذلك. فأما الذي يحتاج إلى " أم " مع الألف فباب أفعل الذي فيه التفصيل كقولك: " أزيد أفضل أم عمرو " و " أزيد أحسن أم عمرو ". و " البر خير أم الشعير " و " الأعراب شر أم الأكراد ". ولا يجوز أن تقول: " أزيد أفضل " وتسكت و " الأعراب شر " وتقتصر عليه. ومن ذلك أن تقول: ما أبال أضربت زيدا أم عمرا؟ ولا يجوز السكوت على الأول لا تقول: أضربت زيدا؟ لأنه لا يجيء إذا أدخلت ألف الاستفهام إلا على معنى: " أيهما ". ولو تدخل ألف الاستفهام جاز أن تقول:- ما أبالي زيدا ... " كما قال: فلست أبالي بعد آل مطرف ... حتوف المنايا أكثرت أو أقلّت (١) و" سواء " إذا أدخلت بعدها ألف الاستفهام لزمت " أم " بعدها. كقولك: " سواء على أقمت أم قعدت " والأصل في " سواء ": أن يكون بعده اسمان فصاعدا. كقولك: سواء عندي الزيدان.

стр. 1431

" وسواء على الزيدون ". وإذا كان أحد الاسمين معطوفا على الآخر عطف " بالواو " لا غير كقولك: سواء علي قمت وقعدت. وإذا كان بعد " سواء " فعلان بغير استفهام كأن عطف أحدهما على الآخر " بأو " كقولك: سواء علي قمت أو قعدت. وإذا كان بعده مصدران كأن لك العطف " بالواو " و " بأو " فالواو كقولك: سواء على قيامك وقعودك. و " بأو ". سواء على قيامك أو قعودك. وأما " أي " فأنها تقع بعد سواء. مرفوعة ومنصوبة ومخفوضة كقولك: سواء على أيّهم قام " ترفع أيام بالابتداء وتجعل خبرها قام. و " سواء على أيّهم ضربت " بنصب " أيا " بضربت. و " سواء على بأيّهم مررت ". وموضع " أي " وما بعدها نصبت أو رفعت. وإذا قلت: " سواء الزيدان " أو: " سواء زيد وعمرو " فسواء: مبتدأ وما بعده خبره. وهو رفع لأنه خبر الابتداء. وعطفت أحدهما على الآخر بالواو دون غيره لأنه بمنزلة: استوى زيد وعمرو واختصم زيد وعمرو. ولا يجوز: اختصم زيد ثم عمرو. ولا: اختصم زيد أو عمرو ولا: اختصم زيد فعمرو. وإذا كان بعد " سواء " استفهام فالاستفهام وما يتصل به جملة في موضع خبر " سواء " كقول الله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١). " الذين كفروا " نصب بأن. " وسواء " مبتدأ والجملة بعده خبره. و " سواء " وما بعده خبر الذين كفروا والعائد إليهم: " هم " في " أأنذرتهم ". وإنما دخلت ألف الاستفهام و " أم " لمعنى التسوية وإن لم يكن استفهاما. لما ذكرناه فيهما من معنى التسوية والمعادلة. ودخلت " الواو " خاصة على: " استوى زيد وعمرو " و " سواء عندي زيد وعمرو " لأن الواو للتسوية والتعديل التام دون الفاء.

стр. 1432

لأنك إذا قلت: " قام زيد وعمرو فزيد وعمرو " متساويان في وقوع القيام منهما ومتساويان في إبهام زمان قيامهما. ليس أحدهما أولى من الآخر بزمان القيام. وإذا قلت: " قام زيد فعمرو " أو " ثم عمرو " فكل واحد من الاسمين قد حصل على قيامه في زمان غير زمان قيام الآخر. وناب الاستفهام بعد سواء عن الاسمين اللذين يقتضيهما " سواء " لأن في الاستفهام معادلة وتسوية بين شيئين. وأما " أو " قد خلت في الفعلين لما فيها من معنى المجازاة. فإذا قلت: سواء على قمت أو قعدت فتقديره: إن قمت أو قعدت فهما على سواء. ويصير معنى " أو " إلى معنى الجزاء في قولك: " اضربه مات أو عاش " كأنه قال: اضربه إن مات من ضربك أو عاش (وناب ذلك عن الاسمين بعد سواء). وجاء في المصدرين " الواو " و " أو " أما " الواو " فلأن المصدرين اسمان فإذا قلت سواء على قيامك وقعودك فهو كقولك: سواء على عبدك وأمتك. وأما " أو " فلأن المصدرين مأخوذان من فعلين. وقد كان يعطف أحدهما على الآخر " بأو " وذلك قولك: سواء على قيامك أو قعودك. لأنه مصدر قولك سواء على قمت أو قعدت. واعلم أن الاسمين إذا كانت بينهما " أو " فلا معادلة بينهما ولا تسوية وأنهما كاسم واحد يجوز أن تعادل بينه مبهما وبين آخر. كقولك: أزيدا أو عمرا رأيت أم بشرا؟ فزيد وعمرو جميعا لدخول " أو " بينهما بمنزلة اسم واحد عودل بينه وبين بشر. فكأنه قال: أأحد هذين الرجلين رأيت أم بشرا؟ ومثله قول صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ : كيف رأيت زبرا؟ ... أأقطا أو تمرا؟ أم قرشيّا صارما هزبرا؟ زبرا: مكبر الزبر. والزبير تصغير: زبر والزبير بن العوام ﵁ ابنها وقد رأته صارع آخر فصرعه الزبير فقالت للمصروع كيف رأيت زبرا أي الزبير. أأقطا وتمرا أي: رأيته طعاما تأكله ويلين لضربتك أم خشنا على قرنه كالسيف والأسد. وقوله: " أأقطا أو تمرا " لدخول " أو " بينهما بمنزلة: أطعاما ووقعت المعادلة بينه وبين قرشيا.

стр. 1433

وقوله: أعندك زيد أو عندك عمرو أو عندك بشر؟ هذه جمل كل جملة منها مبتدأ وخبر دخلت " أو " بينهما كما تدخل بين الجمل التي هي أفعال وفاعلون ومفعولون كقولك: أتضرب زيدا أو تضرب عمرا أو تضرب خالدا؟ ودخول " أو " بينهما كدخولها بين الأسماء الأفراد. كقولك أتضرب زيدا أو بشرا أو خالدا؟ لأن المسألة (عن) واحد منها. فإن كانت " أو " بين جمل فالمسألة عن أحدهما مبهمة. وسمي سيبويه الجمل: الكينونات وإن كانت " أو " بين أسماء أفراد فالمسألة عن أحدهما. واعلم أن " ألف الاستفهام " الباب والوجه فيه أن يليها الفعل. إلا أن يكون السؤال عن أحد الاسمين بمعنى " أيهما " فيكون الاختيار أن يليها الاسم. كقولك: أزيدا ضربت أم عمرا وأزيد قام أم عمرو ولو جعلت " أو " لكان الباب والوجه أن يلي ألف الاستفهام الفعل كقولك: أضربت زيدا أو عمرا؟ و " أقام زيد أو عمرو؟ لأن المسألة مع " أم " تقع على الاسم ومع " أو " تقع على الفعل ثم بعد ذلك يجوز تأخير ما الوجه تقديمه. وتقديم ما الوجه تأخيره على ما ذكر في الباب فالباب في " أم " تقديم الاسم ويجوز تأخيره والباب في " أو " تأخير الاسم ويجوز تقديمه. وقول سيبويه: فإذا قال: أتجلس أو تذهب؟ " فأم " و " أو " فيه سواء لأنك لم تثبت فعلا لأحد الاسمين ثم سألت عن تعيينه كما تقول: أضربت زيدا أم عمرا؟ وقد علمت أنه ضرب أحدهما والتمست تعيينه ولم يمكنك أن تفصل الاسمين المضمرين وتعلقهما على فعل واحد كما فعلت بقولك: أزيد قام أم عمرو؟ وكذلك: أتضرب زيدا أو تقتل خالدا؟ تجعل الفعل في " أو " و " أم " جميعا يلي حرف الاستفهام لأن المسألة ليست عن أحد الاسمين تلتمس تعيينه وإنما هو عن إحدى جملتين لكل واحد منهما فعل وفاعل ومفعول به فصار " كأم " المنقطعة التي: ما بعدها لا يدخل فيما قبلها ولا يتعلق به. وكان أبو العباس المبرد يقول: " أن معنى قول سيبويه: فأم و " أو " فيه سواء في جواز وقوعهما في هذا الموضع وإن كانا مختلفا معناهما في أصل الباب. واستواؤهما أن " أو " لم تدخل لتثبيت النقل في أحد

стр. 1434

الاسمين كما تكون في: أزيد قام أم عمرو. ونحوه فيما ذكرناه ما يأتي على ما تركناه إن شاء الله تعالى. هذا باب «أو» في غير الاستفهام تقول: جالس زيدا أو عمرا أو خالدا. كأنك قلت: جالس أحد هؤلاء. فإذا قلت: أضرب أحد هؤلاء ففي هذا دليل أنك لم ترد إنسانا بعينه. وأن كل هؤلاء أهل لأن تضرب كأنك قلت: أضرب هذا الضرب من الناس. وتقول: كل خبزا أو لحما أو تمرا. كأنك قلت: كل أحد هذه الأشياء فهذا بمنزلة الذي قبله. فإن نفيت هذا قلت: لا تأكل خبزا أو لحما أو تمرا. كأنك قلت: لا تأكل شيئا من هذه الأشياء. ونظير ذلك قوله : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (١). أي: لا تطع أحدا من هؤلاء. وتقول: لا تأكل خبزا أو لحما أي لا تجمعهما ومثل ذلك أن تقول: ادخل على زيد أو عمرو أو خالد أي لا تدخل على أكثر من واحد من هؤلاء. وإن شئت جئت به على معنى: ادخل على هذا الضرب. وتقول: خذه بما عز أو هان. كأنك قلت: خذه بهذا أي لا يفوتنك على حال. ومن العرب من يقول: " خذه بماعز وهان " أي: خذه بالعزيز والهين. وكل واحدة منهما تجزئ عن أختها. وتقول: لأضربنه ذهب أو مكث. كأنه قال: لأضربنه ذاهبا أو ماكثا. ولأضربنه (إن) ذهب أو مكث. وقال زيادة بن زيد العذري: إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملي أو تناهى فأقصرا (٢)

стр. 1435

وقال: فلست أبالي بعد آل مطرف ... حتوف المنايا أكثرت أو أقلت (١) فزعم الخليل أنه يجوز: لأضربنه أذهب أم مكث. قال: والدليل على ذلك أنك تقول: لأضربنه أيّ ذلك كان. وأنما فارق هذا " سواء " و " ما أبالي " لأنك إذا قلت سواء على أذهبت أم مكث فهذا الكلام في موضع: سواء على هذين. وإذا قلت: ما أبالي أذهبت أم مكثت فهو في موضع: ما بالي واحدا من هذين. وأنت لا تريد أن تقول في الأول: لأضربن هذين. ولا تريد أن تقول: تناهيت هذين. ولكنك أنما تريد أن تقول: أن الأمر يقع على إحدى الحالين. وإن قلت: لأضربنه أذهب أو مكث. لم يجز لأنك لو أردت معنى: " أيهما " قلت " أم مكث ". ولا يجوز: لأضربنه أمكث فلهذا لا يجوز: لأضربنه أذهب أو مكث كما يجوز: ما أدري أقام زيد أو قعد؟ ألا ترى أنك تقول: ما أدري أقام؟ كما تقول: ما أدري أذهب؟ وكما يقول: أعلم أقام زيد. ولا يجوز: لأضربنه أذهب. وتقول: كل حق لها سميناه أو لم نسمه كأنه قال: وكل حق له علمناه أو جهلناه. وكذلك: " كل حق هو لها وداخل فيها أو خارج منها ". كأنه قال: إن كان ذلك داخلا فيها أو خارجا. وإن شاء أدخل " الواو " كما قال: " بماعز وهان " وقد تدخل " أو " في أعلمناه أو جهلناه كما دخلت في: أذهب أم مكث؟ وتدخل " أو " على وجهين: على أنه صفة للحق. وعلى أن يكون حالا. كما قال: لأضربنه ذهب أو مكث. أي: لأضربنه كائنا ما كان. فبعدت " أم " هاهنا حيث كان خبرا يقع في موقع ما ينصب حالا وفي موقع الصفة.

стр. 1436

قال أبو سعيد: اعلم أن " الواو " و " أم " و " الواو " و " بل " أصول وضعن مختلفة ثم يقع فيهن من المجاز والاتساع ما يتداخلن فيه. فيستعمل الحرفين منهن في معنى واحد. فمن ذلك: اجتماع " الواو " و " أو " في قوله: " خذه بما عز أو هان " و " خذ بما عز وهان " ولا فرق بينهما في المعنى. وكل واحدة منهما تجزئ عن أختها فيما يراد ويقصد. فأما من قال " بأو " فمعناه: خذه بأحد هذين أما العزيز وأما الهين، ولا يفوتنك بحال. وأما من قال: " بما عز وهان " بالواو فمعناه: بالعزيز والهين. وليس قصده وغرضه أن نأخذ بهما في حال ولا حالين. وإنما معناه: خذه بما بذله لك من العزيز والهين كما تقول: خذه بالشدة والرخاء واستصلحه بالرفق والعنف والتوسعة والضيق. ومعناه: خذه بما صلح به من هذين الشيئين. ومثله: " كل حق له سميناه له أو لم نسمه ". و " كل حق له علمناه أو جهلناه ". على معنى: وكل حق له بإحدى هاتين الصفتين أما مسمى وأما غير مسمى. وتكون على وجهين: على أنه صفة للحق وعلى أنه حال . فأما الصفة فتقديره: " كل حق له مذكور وغير مذكور " وأما الحال فعلى معنى: " وكل حق له إن كان مسمى وإن كان غير مسمى ". كأنه قال: كل حق له كائنا ما كان. كما تقول: لأضربنه ذهب أو مكث. كأنه قال: لأضربنه ذاهبا أو ماكثا. ولأضربنه إن ذهب أو مكث. فأما من قال " بالواو " فمعناه: كل حق له من المسمى وغير المسمى. ومما يقع فيه " الواو " و " أو " بمعنى واحد: ما كان من التخيير بمعنى الإباحة كرجل أنكر على ولده مجالسة ذوي الزيغ والريب وأراد أن يعدل به إلى مجالسة غيرهم فقال له: " دع مجالسة أهل الريب وجالس الفقهاء والقراء وأصحاب الحديث ". أو قال له: " جالس الفقهاء والقراء أو أصحاب الحديث " فذلك كله بمعنى واحد. لأن مفهوم الكلام أنه لا يمكنه مجالسة جميع من ذكره. وإن كانت " بالواو " فأن المراد: أن

стр. 1437

لا تجالس أهل الريب والقصد: جالس من شئت من الفقهاء والقراء وأصحاب الحديث. و" أو " تؤدي هذا المعنى لأنها في التخيير كأنه قال: جالس إن شئت هؤلاء، وإن شئت فأكثر منهم وإن شئت فأجمع بينهم. ومما تكون فيه " أم " و " أو " بمعنى واحد وإن كان أصلهما مختلفا قولهم: " اضرب زيد أولا ". و " أضربت زيدا أم لا " وذلك أنك لو اقتصرت على: " أضربت زيدا؟ " لاقتضى السؤال " نعم " أو " لا ". فإن زاد فيه " أو " أو زاد فيه " أم " لم يتغير معناه. وقد ذكرت قبل هذا من اختلاف " بل " و " أم " في أصلهما واتفاقهما فيما يراد من المعنى في: " أم يقولون افتراه ... ؟ " قول الشاعر: " ... ... أم كلّ إليّ حبيب؟ " فيما فيه مقنع، وكذلك اجتماع " بل " و " أو " في قوله: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح في معنى: " بل ". وقول سيبويه وجمع البصريين أن نفي المباح " بأو " يستوعب جميع ما وقعت عليه ولا يخالف معناه معنى " الواو " كقولك: " لا تأكل خبزا أو لحما أو تمرا ". إذا أردت نفي أحد هذه الأشياء كأنك قلت: لا تأكل شيئا من هذه الأشياء. ونظيره: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (١) أي لا تطع أحدا من هذين. لأن كل واحد منهما كان في الأمر مباحا. فإذا دخل النهي الذي هو ضد الأمر صار كل واحد منهما محظورا. وإذا كان التخيير على وجه الإباحة فدخل النهي. فإن أبا الحسن بن كيسان: يجوز أن يكون النهي عن واحد. وجوز أن يكون عن جميع المذكور كقولك: لا تأخذ دينارا أو ثوبا. يجوز أن يكون نهاه عن أخذ أحدهما. ويجوز أن يكون النهي عن أحدهما على مقابلة الأمر لأن الأمر كأن يأخذ أحدهما والنهي نقيضه وضده فيكون نهيا عن أخذ أحدهما. وجاز أن يكون يعني مجيئهما.

стр. 1438

قال أبو سعيد: والذي عندي أنه إذا دخل نهي أو نفي على ما فيه " أو " فإن النهي والنفي عن الجميع فيما كان مباحا أو تخييرا. وذلك أنك إذا أمرت وأنت تخيره فقلت: خذ دينارا أو ثوبا. فأنت تأمره بأخذ أحدهما والآخر محظور. فإذا نهيته فقد حظرت عليه الذي كنت تأمره بأخذه. فصار الجميع محظورا من حيث كان تقدير الآخر: خذ أحدهما. يصير تقدير النهي: " لا تأخذ أحدهما ". فأيهما أخذ فقد عصى لأنه قد أخذ أحدهما وليس يكون هذا على ما قال أبو الحسن بن كيسان إلا على وجه اللغز. كأنه يقصد بأحدهما في اللفظ واحدا بعينه ويبهمه على السامع كقول القائل " جاءني زيد أو عمرو " وهو يعرف الذي جاء بعينه ولم يعرض للآخر بشئ. واعلم أن " أو " تدخل بين فعلين بعد استغناء الفعل قبلها ويكون الفعلان بمعنى الحال وفيها معنى المجازاة ولا يكفي الكلام بأحد الفعلين ولا يكون إلا فعلا ماضيا. وذلك قولك: لأضربنه ذهب أو مكث ومعناه: لأضربنه إن ذهب وإن مكث. وموضعه من الإعراب نصب. كأنه قال: لأضربنه ذاهبا أو ماكثا. ولا يجوز: " لأضربنه ذهب " على معنى: لأضربنه ذاهبا. لأن " ذهب " فعل ماض ولا يكون حالا لمستقبل. وإنما جاز: " لأضربنه ذهب أو مكث ". لأنه بالتكرير صار فيه معنى: إن ذهب وإن مكث كأنه قال: لأضربنه كائنا ما كان. و " لأضربنه على كل حال ". ولا يجوز الفعل المستقبل في هذا. لأن الفعل المستقبل يقع موقع الحال ولا يحتاج إلى تكرير، ولا يدل على أنك تريد به المجازاة. ألا ترى أنك تقول: لأضربن زيدا يضحك. بمعنى: ضاحكا. ولو قلت: لأضربنه يذهب أو يمكث لم يكن فيه دلالة على المجازاة كما دل الماضي بلفظ المضي الذي يقتضيه على المجازاة. ولو جعلت في أول الفعل ألف الاستفهام جعلت مكان " أو " و " أم "، ولم يخرج عن معنى المجازاة ولزوم الفعل الماضي كقولك: لأضربنه أذهب أم مكث؟ واستدل الخليل على جواز ذلك بقولهم: " لأضربنه أي ذلك كان ".

стр. 1439

وهي بدخول ألف الاستفهام في أولها بمنزلة " أو " في المعنى. لأن الكلام في " أو " يقدر كائنا ما كان. وفي " أم " يقدر: أي ذلك كان. ومعناهما واحد. واحتاجوا في " أم " إلى ألف الاستفهام للتعديل والتسوية. وقوله: " لأضربنه كائنا ما كان " " كائنا ": نصب على الحال من الهاء في لأضربنه. وما كان: في موضع رفع " بكائن " وهو فاعله. و " ما " بمعنى: الذي و " كان " صلتها وفيها معنى المجازاة ولذلك كان ماضيا. وضمير الفاعل في " كان " يعود إلى " ما " وبعد " كان " هاء محذوفة تعود إلى الهاء في: لأضربنه وقول الشاعر: أطال فأملي أو تناهى فأقصرا (١) إذا كان " بأو " فهو من: أطال يطيل بغير استفهام كقولك: لأضربنه قام أو قعد. ويجوز: أطال فأملى أم تناهى ... ؟ ويكون ألف أطال استفهاما دخل على طال يطول والأجود " أو " بغير استفهام. وهو الكثير في الكلام. ولذلك قال سيبويه: " لأضربنه ذهب أو مكث أي لأضربنه كائنا ما كان. فبعدت " أم " هاهنا حيث كان خبرا يقع موقع ما انتصب حالا أو في موقع الصفة. قال: وأنما فارق هذا سواء و " ما أبالي " لأنك إذا قلت: سواء على أذهبت أم مكثت فهذا الكلام في موضع سواء على هذين. وإذا قلت: ما أبالي أذهبت أم مكثت فهو في موضع ما أبالي واحدا من هذين. وأنت لا تريد أن تقول في الأول: لأضربن هذين ولا تريد أن تقول: تناهيت هذين. ولكنك أنما تريد أن تقول: إن الأمر يقع على إحدى الحالين. قال أبو سعيد: يريد أن الذي بعد " سواء " بمنزلة خبر المبتدأ. والذي بعد " وما أبالي " في موضع المفعول لأبالي. والذي بعد " لأضربنه ... " إنما أتى بعد تمام الكلام على وجه الشرط للكلام

стр. 1440

فاختير فيه وكذلك قد: تم ب " تناهيت عنده " وجاء: أطال فأملي، وليس ما بعد " لأضربنه " و " تناهيت عنده " في موضع المفعول كما كان ذلك في: " ما أبالي هذا ... " وهو على وجه الاختيار. ولا يجوز أن تقول: لأضربنه أذهب أو مكث. لأنك إذا استفهمت في أوله. احتجت إلى المعادلة والمعادلة " بأم ". وإذا لم تدخل ألف الاستفهام في أوله فهي في موضع الحال وتحتاج إلى " أو " وقد ذكرنا أنه لا بد من ذكر الفعلين مع " أو " و " أم " في قولنا: لأضربنه ذهب أو مكث و " ذهب أو مكث " ولا يجوز: لأضربنه أذهب أو مكث؟ لأنك أبطلت المعادلة بإدخال " أو " وإذا لم تكن معادلة لم تحتج إلى الألف. وليس هذا بمنزلة قولك: ما أدري أقام زيد أو قعد لأنه يجوز أن تقول: ما أدري أقام زيد؟ ويجوز: اعلم أقام زيد " ويكتفي بفعل واحد ولا يحتاج إلى معادلة. قال أبو ذؤيب: عصاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها (١) وأدري من أخوات " اعلم " وقد يجوز أن تقول: قد علمت أزيد في الدار وقد أتى هذا التفسير على جميع الباب بحمد منّه هذا باب «الواو» التي تدخل عليها ألف الاستفهام وذلك قولك: هل وجدت فلانا عند فلان؟ فتقول: أو هو ممن يكون عنده ثم؟ أدخلت ألف الاستفهام، وهذه " الواو " لا تدخل على ألف الاستفهام وتدخل عليها الألف. وإنما هذا الاستفهام مستقبل بالألف ولا تدخل الواو على الألف. كما أن " هل " لا تدخل على " الواو ". فإنما أراد ألا يجروا الألف مجرى " هل " إذ لم تكن مثلها. والواو تدخل على " هل ".
следующие страницы →