فوه، فيقولون: فوهيّ. وإنما ذهب سيبويه في فمويّ إلى قول الشاعر.
هما نفثا في فيّ من فمويهما ... على النّابح العاوى أشدّ رجام (١)
فلما رد الواو في التثنية وجب ردها النسبة.
فإن قال قائل: ولم رد الشاعر الواو في التثنية، والميم بدل منها، وإنما يرد ما ذهب والواو كأنها موجودة في الكلمة لوجود بدلها.
قيل له لا ينكر في الضرورة مثل ذلك؛ لأنه ربما زيد على الكلمة حرف من لفظ ما هو موجود فيه كقولهم: قطنّ، وخينّ فكيف من لفظ ما قد غيّر.
ويجوز أن يكون لمّا كان الساقط من بنات الحرفين إذا كان أخيرا فالأغلب أن يكون واوا ردّ واوا؛ لأنه رأى فما على حرفين.
وقال بعضهم إن الميم بدل من الهاء وإن الساقط من فم هو الواو فلذلك ردها.
وإذا نسبت إلى رجل اسمه ذو مال قلت: ذوويّ.
ترد الذاهب، لأن " ذو " اسم على حرفين، الثاني من حروف المد واللين، ولا يقوم بنفسه مفردا، فرددنا الذاهب، وعين الفعل منه واو مفتوحة، فتقول: ذوو، ووزنه فعل والدليل على ذلك قوله: " ذواتا أفنان ".
وكذلك إذا نسبت إلى ذات مال، لأنك تحذف تاء التأنيث فيستوي الذكر والأنثى، وإذا أضفت إلى رجل اسمه " فوزيد، فكأنك إنما تضيف إلى فم فتكون نسبته، كالنسبة إلى " فم " وقد مضى نحو ذلك.
قال: (وأما الإضافة إلى شاء فشاويّ، كذلك يتكلمون به.
قال الشاعر:
فلست بشاويّ عليه دمامة ... إذا ما غدا يغدو بقوس وأسهم (٢)
وإن سميت به رجلا أجريته " على القياس "
يعني: إذا قلنا: شاو يريد به صاحب شاء، فليس إلا الواو؛ لأن العرب هكذا نسبت في ذا المعنى، كما نسبت إلى الجمّة: جمّانيّ، إذا كان صاحب جمّة.
стр. 1612
فإن كان رجل اسمه شاء، ثم نسبت إليه، كان الأجود، " شائي " ويجوز شاويّ. على قياس ما مر. كما أن رجلا لو كان اسمه جمّة ثم نسبنا إليه لقلنا جمّيّ.
وإذا أضفت إلى شاة قلت: شاهيّ؛ لأن الذاهب منه هاء، ألا ترى أنك تقول:
شويهة في التصغير وشياه في الجمع.
قال: (وأما الإضافة إلى لات من اللات، والعزّى فإنك تمدها، كما تمد لا ...).
يعني تقول: لائي، وذلك لأنك تحذف التاء؛ لأن من الناس من يقف عليه، فيقول:
لاه، ويصلها بالتاء فصار كهاء التأنيث، ويحذف في النسبة فيبقى لا، ولا يبدي ما الذاهب منه على قوله، فزيد حرف آخر من جنس الحرف الثاني منه، وهو الألف كما يقال في " لو " و " كي " و " لا ": " لوّ "، و " كيّ "، و " لاء ".
ومن الناس من يقول: إن الذاهب منه هاء، وإن أصله لاهة؛ لأن القوم الذين سموه بذلك هم الذين اتخذوها إلهة، وعبدوها، ولا أحب الخوض في هذا، والنسبة إليه.
وأم الإضافة إلى ماء، فمائي. ومن قال: عطاويّ. قال: ماويّ.
قال: " وأما الإضافة إلى " امرئ "، فعلى القياس، تقول: امرئيّ وتقديرها " أمرعيّ "، لأنه ليس من بنات الحرفين، وليس الألف هاهنا بعوض فهو كالانطلاق اسم رجل، ولم يخير سيبويه فيه كما خير في اسم، وابن فأجاز فيه بنويّ وابنيّ، وكذلك ما يشبه الابن مما بعد ألف وصله حرفان، وجعل القياس في امرئ: امرئيّ وفرق بينهما؛ لأن ابنا واسما، واستا، قد حذفت أواخرها فصارت كذوات الحرفين نحو دم ويد وامرؤ لم يذهب من حروف أصله شيء، فكانت ألف الوصل فيه، كألف الوصل في انطلاق.
وأنت إذا نسبت إلى الانطلاق، لم تحذف منه شيئا وكسرت الراء في " امرئ " على كل حال؛ لأن الهمزة مكسورة، لأجل ياء النسب، فتبعتها الراء.
قال: وقد قالوا: مرئيّ في النسبة إلى امرئ القيس.
وهذا عنده من الشاذ الخارج عن القياس فهذا قول سيبويه ولا يعرف " امرئيّ " ولكنه أتي به على القياس. والمعروف في كلام العرب مرئيّ.
стр. 1613
قال ذو الرمة:
ويذهب بينها المرئيّ لغوا ... كما ألغيت في الدّبة الحوارا (١)
وقال محمد بن حبيب: كل من اسمه امرؤ القيس من العرب، فالنسبة إليه مرئي إلا امرأ القيس في كنده، فإنه يقال:
مرئيّ ".
هذا باب الإضافة إلى ما ذهبت واوه من بنات الحرفين
قال أبو سعيد: هذا الباب يشتمل على شيئين: أحدهما: ما ذهب فاء الفعل منه، ولامه حرف صحيح نحو قولنا: عدة وزنة، وما أشبه ذلك.
والآخر أن تكون لام الفعل منه ياء كقولهم: دبة، وشية. فأما ما كان لام الفعل منه صحيحا فإنه لا يرد إليه الذاهب كقولنا في النسبة إلى عدة: عدي والى زنة: زنيّ، ولم نرد الذاهب لبعده من ياءي النسبة؛ ولأنه لو ظهر ما كان يتغير بدخول ياء النسبة، كما يتغير لام " الفعل " وينكسر من أجل الياء.
ولا يجوز أن تزيد حرفا، في موضع لام الفعل، لم يكن في أصل الكلمة.
ألا ترى أنا لو صغرنا، فاحتجنا إلى حرف آخر، لم نرد إلا الذاهب، فقلنا: وعيدة، ووزينة، ويقوي ذلك أن العرب لم ترد في شيء فاء الفعل، مما ذهبت منه في الجمع بالتاء، وفي التثنية كما ردت فيما ذهبت لامه، فقالوا في عضة، وسنة: عضوات، وسنوات، وفي أخ وأب: أخوان وأبوان.
فهذا يقوي أن الفاء لا ترد، ولا نعلم في ذلك خلافا.
فإن كان لام الفعل ياء، فإن الضرورة توجب رد الذاهب، في النسبة إلى شية، ودية وما أشبه ذلك.
تقول فيه على مذهب سيبويه: وشويّ، وودويّ، وأصله وشية، وودية فألقيت كسرة الواو على ما بعدها، وحذفت؛ لأن الفعل قد اعتل، فحذفت منه الواو، في يعد، ويزن فردوا العلة في المصدر من جهة كسرة الواو، ولو كانت الواو مفتوحة لم تعتل، ألا تراهم قالوا: الوثية، والوجبة، والوحدة، فلما نسبنا إلى شية وقد تحركت الشين، فوجب حذف الهاء للنسبة بقيت الشين والياء، وهما حرفان الثاني من حروف المد واللين،
стр. 1614
فوجبت زيادة حرف، فكان أولى ذلك أن يرد ما ذهب منه، وهو الواو مكسورة، فصار:
وشييّ، ففتحنا الشين كما قلنا في عم، وشج: عمويّ، وشجويّ.
وقال أبو الحسن الأخفش: رد الكلمة إلى أصلها، وهي فعلة. فتكون وشية، ثم تنسب إليه، فيصير وشييّ كما لو نسبنا إلى ظبية، وحمية، قلنا: ظبييّ، وحمييّ، وقول سيبويه أولى؛ لأن الشين متحركة، ولم نحتج إلى تغيير البناء،
كما لم نحتج في عدة.
وإنما احتجنا إلى حرف آخر فرددنا الحرف؛ لأن الضرورة لم توجب أكثر من رد الحرف الذاهب وتركنا الباقي على حاله.
ويقوي أن أصله فعلة قولهم: وجهة وجهة في معنى واحد، وكان أبو العباس يذهب إلى مثل قول الأخفش وأن الشيء إذا رد ما ذهب منه وجب أن ينسب إليه على بنائه.
وحكي عن الأخفش غدوي بتسكين الدال لأن الأصل عنده غدو.
وقد اختلفوا في دم فمذهب سيبويه أنه " فعل " بتسكين العين وكذلك مذهب الأخفش.
وكان أبو العباس يذهب إلى أنه " فعل "، ويستدل على ذلك بقولهم: دمي يدمي دما، كما تقول: فرق يفرق فرقا، وحذر يحذر حذرا، وفاعله دم كما يقال: فرق وحذر والذي احتج به أبو العباس لا يلزم؛ لأن الكلام في الدّم المسفوح لا في مصدره، وقد يكون الشيء على وزن، فإذا صرف منه الفعل، كان مصدر ذلك الفعل على غير لفظه، من ذلك قولهم: جنب الرجل يجنب جنبا إذا اشتكى جنبه، فالفعل مأخوذ من الجنب، ومصدره فعل، والجنب فعل، وكذلك بطن يبطن بطنا إذا كان كثير الأكل، والفعل مصرّف من البطن، ومصدره متحرك العين.
هذا باب الإضافة إلى كل اسم ولي آخره ياءين مدغمة إحداهما في الأخرى
قال سيبويه: " وذلك نحو أسيّد، وحميّر، ولبيّد، وسيّد، وميّت وهيّن وما جري مجرى ذلك "
فالباب في هذا إذا نسبت إليه أن تحذف الياء المتحركة من الياءين، ثم تنسب إليه فتقول: أسيديّ، وحميري، ولبيديّ، وكذلك تنسب العرب إلى هذه الأسماء وتقول في النسبة إلى ميّت وما أشبه: ميتيّ وسيديّ وهينيّ، وإنما كان حذف الياء المتحركة أولى من حذف الياء الساكنة؛ لأن الذي أوجب الحذف توالي الكسرات واجتماع الياءات، فإذا
стр. 1615
حذفنا المتحركة، فقد نقصت كسرة وياء، وقد رأيناهم خففوا على هذا المنهاج في غير النسبة فقالوا: سيد، وميت، وهين، ولين، ولو حذفوا الساكن لبقيت كسرة الياء فكان ذلك يثقل لتوالي الكسرات مع قلة مثل ذلك في كلامهم من قبل النسبة، بل لا يكاد يوجد ذلك.
وقالت العرب في طيئ: طائيّ، وكان حقه طيئيّ تقديرها طيعيّ، ولكنهم جعلوا الألف مكان الياء كما قالوا في يوجل: ياجل، وقد تقدم الكلام فيه أنه شاذ كزباني في زبينة ...
قال: " وإذا أضفنا إلى مهيّيم قلنا: مهيميّ، " فلا نحذف شيئا؛ لأنّا إن حذفنا الهاء التي قبل الميم صار مهيّم، والنسبة
إلى مهيّم توجب حذف الياء، فيقال: مهيميّ، كما قلنا في حميّر: حميريّ، فيصير ذلك إخلالا به ".
كما أنه إذا حقروا (عبضموز) لم يحذفوا الواو؛ لأنهم إن حذفوا الواو احتاجوا إلى حذف الياء، وإذا حذفوا الياء لم يحتاجوا إلى حذف الواو، فاختاروا ما لا يوجب حذف شيئين إبقاء على توقير حروف الكلمة، وأن لا يحذف منها إلا عند الضرورة، وستقف في باب التصغير على ذلك إن شاء الله تعالى.
يقال: هيّم الرجل الحبّ (يهيّمه)، والحبّ مهيّم، فإذا نسبنا إليه وجب التخفيف، فتقول: مهيميّ.
وتقول: هوّم الرجل، إذا نام، فهو مهوّم، فإذا صغرناه وجب أن نحذف أحد الواوين. ثم ندخل ياء التصغير فيصير " مهيوم "، ونقلب الواو ياء لاجتماعها فيصير مهيّم، وتعوض من المحذوف للتصغير فيصير مهيّم كما نقول سفيريج وهو معنى مهيّم الذي ذكر.
هذا باب ما لحقته الزيادتان للجمع والتثنية
قال سيبويه: وذلك قولك مسلمون ورجلان، ونحوهما، فإذا نسبت إلى شيء من ذلك حذفت علامة الجمع والتثنية.
فقلت: مسلميّ ورجليّ، وذلك لأنك لو بقّيت العلامة فقلت مسلمونيّ ورجلاني جاز أن نثني المنسوب ونجمعه فنقول: مسلمونيّون، ورجلانيّان وذلك باطل؛ لأن في رجلان إعرابا في التقدير بلفظ الألف، وكذلك في مسلمون، فإذا قدرنا ذلك فيه من هذا اللفظ الظاهر، ثم أدخلنا عليه إعرابا آخر اجتمع فيه في التقدير إعرابان، وما جري مجرى
стр. 1616
الجمع من أسماء المواضع فجعل فيه واو في الرفع وياء في الجر والنصب فهو بهذه المنزلة.
ومن قال من العرب: هذه قنّسرون، ورأيت قنّسرين وهذه يبرون ورأيت يبربن قال: يبريّ وقنّسريّ، ومن قال هذه يبرين قال: يبرينيّ كما يقول: غسليني وسريحيني، ومثله نصيون وسيلحون إذا جعلته كالجمع ونصيين وسيلحين إذا جعلته كالواحد.
هذا باب الإضافة إلى كل اسم لحقته التاء للجمع
قال سيبويه: وذلك مسلمات، وثمرات، إذا سميت بشيء من هذا النحو، ثم أضفت إليه قلت: مسلميّ، وثمرى، وتحذف الألف والتاء، كما حذفت الهاء ومثل ذلك قول العرب في أذرعات: أذرعي وفي عانات: عانيّ.
جعل الألف والتاء كالهاء في باب الحذف وذلك أنا لو ثبتناها، فقلنا: عاناتي جاز أن ننسب إليها مؤنثا، فيلزمنا
عاناتيه، فتجمع بين الألف والتاء وبين الهاء، ولو جاز ذلك لجاز أن تقول: تمرتات ومسلمتات، وذلك باطل لا يقال، لأنهما كالشيء الواحد والألف والتاء إنما تختص بالتأنيث فلا يجمع بين العلامتين.
وفي آخر هذا الباب قال: والإضافة إلى محيّ محيّيّ وإن شئت قلت: محويّ، وقال أبو عمر: وهذا أجود الوجهين كما قلت: أمويّ، وأميّيّ، نظير الأول.
قال أبو سعيد: وهذا حقه أن يكون في الباب الذي فيه مهيّيهم؛ لأنه أتى بمحيّيّ؛ لأن قبل آخره ياء مشددة مكسورة، كأسيّد، وحميّر، فهو من ذلك الباب. وكان أبو العباس المبرد يقول في هذا: إن محيّيّ أجود من محويّ؛ لأنّا نحذف الياء الأخيرة، لاجتماع الساكنين ووقوعها خامسة، كنحو ما يحذف من مرامي وما أشبهه فيبقى محيّ، فالذي يقول: محويّ بحذف إحدى ياءي محيّ فيختل، فكما أوجب سيبويه في مهيّيم أن لا يحذف الأخيرة، لئلا يلزم حذف آخر، فكذلك لا نختار ما يلزم فيه حرفان، وهو محويّ.
هذا باب الإضافة إلى الاسمين اللذين ضم أحدهما إلى الآخر
فجعلا اسما واحدا، نحو " معديكرب وخمسة عشر وبعلبك " وما أشبه ذلك.
قال سيبويه: " كان الخليل يقول: تنسب إلى الأول منهما؛ لأنه يجعل الثاني كالهاء، فكان يقول في حضر موت: حضريّ، وفي خمسة عشر خمسيّ، وفي
стр. 1617
معديكرب: معديّ "
ولم يكن اجتماع الاسمين موجبا أنهما قد صيّرا اسما واحدا في التحقيق كما صير عنتريس، وعيضموز، وما أشبه ذلك مع الزيادة اسما واحدا فيه زيادة، بل صارا بمنزلة المضاف والمضاف إليه في إلقاء أحدهما حيث كانا من شيئين ضم أحدهما إلى الآخر وليس بزيادة في الأول. كما لم يكن المضاف إليه زيادة في المضاف، كما يزاد في الاسم بعض الحروف، ألا ترى أنه قد قيل: أيادي سبأ، وليس في الأسماء اسم على ثمانية أحرف؟
وقالوا: شفر بفر، وليس في الأسماء اسم توالت فيه ست حركات، وكذلك المضاف نحو صاحب جعفر وقدم عمرو.
وربما ركّبوا من حروف الاسمين اسما ينسبون إليه قالوا: حضرمي كما ركبوا في المضاف فقالوا في عبد الدار وعبد القيس عبدري وعبقسيّ ومرقسيّ في امرئ القيس. وقد جاءت النسبة إليها جميعا منفردين، قال الشاعر:
تزوّجنها راميّة رمزيّة ... بفضل الذي أعطى الأمير من الرّزق (١)
نسبها إلى رام هرمز.
وكان الجرمي يجيز النسبة إلى أيهما شئت يقول في " بعل بك ": بعلي وإن شئت " بكّيّ " وفي " حضر موت " إن شئت (حضريّ) وإن شئت (موتيّ).
قال: " وسألته يعني الخليل، عن الإضافة إلى رجل اسمه " اثنا عشر " فقال: " ثنوي " في قول من قال (بنويّ) وإن شئت قلت: " اثنيّ " في (اثنين) كما قلت: " ابني " فتشبه عشر بالنون كما شبهت عشر في خمسة عشر بالهاء ".
يريد أن قولنا: (اثنا عشر) قد وقعت عشر موقع النون من اثنين واثنان إذا نسبت إليها وجب حذف الألف والنون كما تحذف في النسب إلى (رجلان) فلذلك قلت:
(اثني) و (ثنوي)، وقد ذكرنا فيما تقدم النسبة إلى الاثنين وأما اثنا عشر التي للعدد فلا تضاف ولا يضاف إليها.
فأما إضافتها فلأنك لو أضفتها وجب أن تحذف " عشر " لأن محل " عشر " محل نون الاثنين وإذا أضفنا " الاثنين " إلى شيء حذفنا النون كقولك غلاماك وثوباك، فلو أضفنا
стр. 1618
وجب أن نقول: (اثناك) كما تقول: " ثوباك " فلو فعلنا ذلك لم يعرف أنك أضفت اثنين أو اثني عشر.
وأما الإضافة إليها، وهو يعني النسبة فإنك لو نسبت إليها لوجب أن تقول: اثني، أو ثنوي فكان لا يعرف هل نسبت إلى اثنين أو إلى اثني عشر.
فإن قال قائل: فقد أجزتم النسبة إلى رجل اسمه اثنا عشر، فقلتم: ثنوي أو اثنيّ، ويجوز أن يلتبس بالنسبة إلى رجل اسمه اثنان.
فالفرق بينهما أن أسماء الأعلام ليست تقع لمعان، فيكون التباسهما يوقع فصلا بين معنيين، وإنما ينسب إليه وقد يقع في المنسوب إليه لبس لا يحفل به لعلم المخاطب بما ينسب إليه كقولنا في ربيعة: ربعيّ وفي حنيفة حنفي، وإن كنا لا نجيز في الأسماء " حنف " و " ربع ". لعلم المخاطب بما تنسب إليه، ولأن اللبس يبعد في ذلك.
واثنا عشر واثنان كثيران في العدد، فالنسبة إلى أحدهما بلفظ الآخر يوقع اللّبس.
وقد أجاز أبو حاتم السجستاني في مثل هذا النسبة إليهما منفردين لئلا يقع لبس فقال: ثوب إحدى عشري وإحدوي عشري إذا نسبت إلى ثوب طوله إحدى عشرة ذراعا، وعلى لغة من يقول: إحدى عشرة يقول إحديّ عشريّ كما يقول في ثمرة ثمريّ.
وقال في النسبة إلى اثني عشر كذلك: اثنيّ عشريّ أو ثنويّ عشريّ وكذلك القياس إلى سائر ذلك إن شاء الله.
هذا باب الإضافة إلى المضاف من الأسماء
اعلم أن القياس في هذا الباب أن يضاف إلى الاسم الأول منهما. لأن الاسم الثاني بمنزلة تمام الأول وواقع موقع التنوين منه، ولا تجوز النسبة إليهما جميعا فتلحق علامة النسبة الاسم الثاني والأول مضاف إليه؛ لأنه إذا فعل ذلك بقينا الإضافة على حالها وأعربنا الاسم الأول بما يستحقه من الإعراب، وخفضنا الثاني على كل حال بإضافة الأول إليه، فكان يلزمنا إذا نسبنا إلى رجل يقال: له غلام زيد: هذا غلام زيدي ورأيت غلام زيدي، ومررت بغلام زيدى.
فيصير كأنا نسبنا إلى زيد وحده ثم أضفنا غلاما إليه كما يضيف غلاما إلى بصرى فيقول: هذا غلام بصري ورأيت غلام بصري، وليس ذلك القصد في النسبة إلى المضاف، لأن هذا نسبة إلى المضاف إليه، وإنما قصدنا النسبة إلى المضاف والمضاف إليه بعضه،
стр. 1619
وأيضا فلو نسبنا إلى الثاني وأدخلنا الإعراب عليه لوجد في الاسم إعرابان إذا قلنا: هذا غلام زيدي؛ لأن الغلام في حال الإضافة عامل فيما بعده ويعمل فيه ما قبله فيستحيل أيضا ذلك؛ لأن إضافته إلى ما بعده توجب إعرابه بالعوامل التي تدخل عليه وتوجب خفض ما بعده بإضافته إليه وكان الذي يستحق الخفض منهما بالإضافة يعرب بالرفع، والنصب ولو نسبنا إلى الأول، ثم أضفناه لتغير المعنى؛ لأنّا لو قلنا غلامي زيد ونحن نريد الإضافة إلى غلام زيد فقلنا: غلام فقد نسبنا إلى الغلام وأضفنا المنسوب إلى زيد، والمنسوب إلى الغلام، غير الغلام، فأضفنا غير الغلام إلى زيد وليس ذلك معنى الكلام، فوجب إضافته إلى الأول على كل حال فيما أوجه القياس، إلا أن الغرض ليس يوجب الإضافة إلى الثاني لطلب البيان.
فمما أضيف إلى الأول، قولهم في عبد القيس: عبدي وفي امرئ القيس مريّ.
ومما أضيف إلى الثاني من أجل اللبس ما كان يعرف من الأسماء بأبي فلان، وابن فلان.
فأما ابن فلان فقولك في النسب إلى ابن كراع: كراعي، وإلى ابن الزبير: زبيريّ وإلى أبي مسلم: مسلميّ. وقالوا في النسب إلى أبي بكر بن كلاب: بكرىّ.
وقالوا في ابن دعلج: دعلجيّ.
وإنما صار كذلك في ابن فلان وأبي فلان؛ لأن الكنى كلها متشابهة في الاسم المضاف ومختلفة في المضاف إليه وباختلاف المضاف إليه يتميز بعض من بعض كقولنا:
أبو زيد وأبو جعفر وأبو مسلم، وما جري مجراه.
فلو أضفنا إلى الأول لصارت النسبة فيه كله أبوي، ولم يعرف بعض من بعض وكذلك في الابن، ولو نسبنا إلى الأول فقلنا: ابني وقع اللبس فعدلوا إلى الثاني من أجل ذلك.
وكان أبو العباس المبرد يقول: إن ما كان من المضاف يعرف أول الاسمين منه بالثاني وكان الثاني معروفا فالقياس إضافته إلى الثاني نحو ابن الزبير وابن كراع.
وما كان الثاني منه غير معروف فالقياس الإضافة إلى الأول، مثل عبد القيس وامرئ القيس؛ لأن القيس ليس بشيء معروف معين، يضاف عبد وامرؤ إليه.
قال أبو سعيد: ويلزم المبرد في الكنى أن يضيف إلى الأول؛ لأن الثاني غير معروف
стр. 1620
معين كأبي مسلم وأبي بكر وأبي جعفر، وليست الأسماء المضاف إليها أبو بأسماء معروفة مقصود إليها ولا كنى الناس موضوعة على ذلك؛ لأن الإنسان قد يكنّى ولا ولد له، ولو أضافوا إلى الأول لوقع اللبس على ما ذكرت لك، فالأصل أن يضاف إلى الأول فيه كله.
وما أضيف إلى الثاني منه فليس الواقع.
وربما ركبوا من حروف المضاف والمضاف إليه ما ينسبون إليه كقولهم عبشميّ وهذا ليس بقياس.
واحتج سيبويه للإضافة إلى الثاني بعد أن قدم أن القياس الإضافة إلى الأول.
فقال: وأما ما يحذف منه الأول فنحو ابن كراع وابن الزبير.
تقول: زبيريّ وكراعيّ تجعل ياءي الإضافة في الاسم الذي صار به الأول معرفة فهو أبين وأشهر ولا يخرج الأول من أن يكون المضافون أضيفوا إليه.
وأما قولهم في النسب إلى عبد مناف: (منافيّ) فهو على مذهب ابن فلان وأبي فلان لما كثر (عبد) مضافا إلى ما بعده كعبد القيس وعبد مناف وعبد الدار وغير ذلك. أضافوا إلى الثاني؛ لأنه أبعد من اللبس.
هذا باب الإضافة إلى الحكاية
قال سيبويه: وذلك قولك في تأبط شرّا: تأبطي، وسمعنا من العرب من يقول:
كونيّ حيث أضاف إلى كنت.
وقال أبو عمر الجرميّ: يقول قوم: كنتيّ في الإضافة إلى (كنت).
قال أبو سعيد: فإن قال قائل: لم أضافوا إلى الجملة والجملة لا تدخلها تثنية، ولا جمع ولا إعراب، ولا مضاف إلى المتكلم، ولا إلى غيره، ولا تصغر، ولا تجمع، فكيف خصّت النسبة بذلك؟ قيل له: إنما خصت النسبة بذلك لأن المنسوب غير المنسوب إليه.
ألا نرى أن البصري غير البصرة، والكوفي غير الكوفة؟
والتشبيه والجمع والإضافة إلى الاسم المجرور، والتصغير ليس يخرج الاسم عن حاله، فلما كان كذلك وكان المنسوب قد ينسب إلى بعض حروف المنسوب إليه نسبوا إلى بعض حروف الجملة.
وأما قولهم في كنت كونيّ فلأنه حذف التاء الفاعلة ونسب ... إلى " كن "، وكانت الواو قد سقطت لاجتماع الساكنين النون والواو، فلما احتاج إلى كسر النون لدخول ياء
стр. 1621
النسبة رد الواو. والذي قال: كنتيّ شبه باسم واحد، لما اختلط الفاعل بالفعل. وربما قالوا: كنتنيّ، كأنّه أراد النون ليسلم لفظ كنت، أنشدني الرحّابي عن ثعلب.
وما أنا كنتيّ وما أنا عاجن ... وشرّ الرجال الكنتنيّ وعاجن (١)
هذا باب الإضافة إلى الجمع
قال سيبويه: واعلم أنك إذا أضفت إلى جميع أبدا فإنك توقع الإضافة على واحده الذي كسر عليه، ليفرق بين ما كان اسما لشيء واحد وبينه إذا لم ترد به إلا الجمع، وذلك قولك في رجل من القبائل: قبليّ، وللمرأة قبليّة؛ لأنك رددتها إلى واحد القبائل وهو قبيلة، وكذلك إذا نسبت إلى الفرائض تقول: فرضيّ تردها إلى الفريضة، والمساجد: مسجدي. وإلى الجمع جمعيّ.
وقالوا في أبناء فارس: بنويّ وفي الرّباب: ربّيّ؛ لأن الرّباب جماع واحدته ربّة والربة " الفرقة من الناس " وليس باسم لواحد حتى نضيف إليه، وإنما الرّباب اسم لقبائل، وكل قبيلة منهم ربّة. وربما أضيف إلى الرّباب تجعل هذه القبائل باجتماعهم كشيء واحد، وقالوا في الإضافة إلى عرفاء: عريفيّ لأن الواحد عريف.
وإنما اختاروا النسب إلى الواحد؛ لأن المنسوب ملابس لكل واحد من الجماعة.
ولفظ الواحد أخف فنسبوه إلى الواحد، وزعم الخليل أن نحو ذلك قولهم في المسامعة: مسمعيّ، والمهالبة مهلّبيّ، لأن المسامعة، والمهالبة جمع فيرد إلى الواحد، والواحد مسمعيّ: مهلّبيّ.
فإذا نسبت إلى الواحد حذفت ياء النسبة، ثم أحدثت ياء للنسبة.
وإن شئت قلت واحد المهالبة والمسامعة: مهلّب، ومسمع فأضفت إليه.
وقال أبو عبيدة: قد قالوا في الإضافة إلى العبلات وهم حيّ من قريش عبليّ.
قال أبو سعيد: (العبلات) من بني عبد شمس، وهم أمية الأصغر وعبد أمية، ونوفل، وأمهم عبلة بنت عبيد من بني تميم من البراجم فنسب إلى الواحد وهو أمهم: عبلة، وإنما قيل لهم عبلات؛ لأن كل واحد منهم سمي باسم أمه، ثم جمعوا. فإذا كان الجمع الذي
стр. 1622
ينسب إليه لا واحد له من لفظه مستعمل نسب إلى الجمع، تقول في النسبة إلى نضر:
نضريّ وإلى رهط: رهطي؛ لأنه اسم للجمع، ولا واحد له من لفظه، ولو قال قائل:
أنسب إلى رجل؛ لأن واحد الرهط والنفر رجل قيل لو جاز أن تقول: رجليّ؛ لأنه واحد النفر، وإن لم يكن من لفظه لجاز أن تقول في النسبة إلى الجمع واحدي وليس يقول ذلك لك أحد، وتقول في الإضافة إلى أناس " أناسيّ ".
ومنهم من يقول: إنساني. أما من يقول: إنساني، فإنه يجعل أناس جمع إنسان كما قالوا في شؤم: شؤام، وفي ظئر: ظؤار وفي فرير: فرار، وقد ذكرت هذا في موضعه من الجمع. وأما من قال: أناس: فإنه يجعله اسما للجمع ولم يجعله مكسرا له إنسان، فصار بمنزلة نفي وهذا هو الأجود عندهم.
وقال أبو زيد: النسب إلى " محاسن ": محاسني، وعلى قياس قوله النسبة إلى " مشابه ":
مشابهي، وإلى " ملامح ": ملامحي، وإلى مذاكير مذاكيري، وكذلك كل جمع لم يستعمل واحده على اللفظ الذي يقتضيه الجمع؛ لأن هذه الجموع في أولها ميمات، وليس في واحدها المستعمل ميم، ولا يقال محسن ولا مشبه، ولا ملمحة ولا مذكار وتقول في الإضافة إلى نساء: نسوي؛ لأن نساء جمع مكسر لنسوة، ونسوة جمع غير مكسر لامرأة، وإنما هي اسم للجمع. وكذلك لو أضفت إلى أنفار لقلت: نفري؛ لأن أنفار جمع لنفر مكسر. كما قلت في الأنباط نبطيّ.
وإن أضفت إلى عباديد قلت: عباديديّ؛ لأنه ليس له واحد يلفظ به، وواحده في القياس يكون على فعلول أو فعليل أو فعلال أو نحو ذلك، فإذا لم يكن له واحد يلفظ به لم نجاوز لفظه حتى نعلم ذلك الواحد بعينه فننسب إليه.
قال سيبويه: " وتكون النسبة إليه على لفظه أقوى من أن أحدث شيئا لم تتكلم به العرب ".
قال: " وتقول في الأعراب: أعرابي؛ لأنه ليس له واحد على هذا المعنى، ألا ترى أنك تقول: العرب ولا يكون على
ذلك المعنى؟ فهذا يقويه ".
يعني أن (العرب) من كان من هذا القبيل من سكان الحاضرة، والبادية ...
و (الأعراب) إنما هم الذين يسكنون البدو من قبائل العرب، فلم يكن معنى الأعراب معنى العرب، فيكون جمعا للعرب فلذلك نسب إلى الجمع.
стр. 1623
وإذا جاء لفظ الجمع المكسر اسما لواحد نسبنا إلى لفظه ولم نغير.
قالوا في أنمار: أنماري؛ لأنه اسم رجل، وقالوا في كلاب: كلابيّ؛ لأنه رجل بعينه.
قال: " ولو سميت رجلا ضربات لقلت ضربيّ لا تغير المتحرك؛ لأنك لا تريد أن توقع الإضافة على الواحد ".
يريد أن الرجل الذي اسمه (ضربات) لا يرد إلى الواحد؛ لأنه جمع سمي به واحد فلا يراعى واحد ذلك الجمع، بل يضاف إلى لفظه، وإذا أضفنا إلى لفظه حذفنا الألف والتاء، والراء مفتوحة فنسبنا إليه.
وأما قولنا في العبلات: عبلي، فهم جماعة واحدهم عبلة على ما ذكرته ومثل ذلك:
قولهم: مدائني؛ لأنه اسم بعينه. وفي معافر معافريّ وهم فيما يزعمون: معافر بن مر أخو تميم بن مر.
وقالوا في الأنصار: أنصاريّ؛ لأن هذا اللفظ وقع لجماعتهم، ولا يستعمل منه واحد يكون هذا تكسيره.
وقالوا في قبائل من بني سعد بن زيد مناة بن تميم: أبناء، والنسبة إليهم أبناوي، كأنهم جعلوا اسم الحي، والحي كالبلد، وهو واحد يقع على الجميع.
والأبناء من بني سعد على ما أخبرنا أبو محمد السكري عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد: أن الأبناءهم: ولد سعد إلا كعبا، وعمرا.
وقال علي بن عبد العزيز، عن أبي إسحاق العباسي، وكان أمير مكة عالما بأنساب العرب: إن الأبناءهم: خمسة من بني سعد: عبد شمس، ومالك، وعوف، وعوافة، وجشم.
وسائر ولد سعد لا يقال لهم الأبناء، وولد سعد نحو العشرة.
هذا باب ما يصير إذا كان علما في الإضافة على غير طريقته
وإن كان في الإضافة قبل أن يكون علما على غير طريقة ما هو على بنائه.
قال سيبويه: " فمن ذلك قولهم في الطويل الجمّة جمّانيّ، وفي الطويل اللحية:
لحيانيّ، وفي الغليظ الرقبة: رقبانيّ ...
فإن سميت برقبة أو جمّة أو لحية قلت: رقبيّ وجمّيّ ولحييّ ولحويّ.
فترده إلى القياس؛ لأن اللّحياني والجمّانيّ والرّقبانيّ، إنما أرادوا به الطويل اللحية
стр. 1624
والغليظ الرقبة فزادوا فيه الألف والنون دلالة على هذا المعنى، وهو خارج عن القياس.
والذي قال: لحييّ على قياس قول الخليل. ولحويّ على قياس قول يونس. ومثل ذلك قولهم في الرجل المسن دهريّ، وهو منسوب إلى الدّهر، ولو سميت رجلا بدهر ثم نسبت إليه لم يجز غير دهريّ.
على أن بعض النحويين ذكر أنه إنما ضم الدال من دهريّ لأنه أتى عليه دهر بعد دهر، وكأنه نسب إلى جمع، كما يقال في سقف: سقف، وفي رهن: رهن. وفي ورد:
ورد.
هذا باب من الإضافة لا تلحق فيه ياءي الإضافة
قال سيبويه: " وذلك إذا جعلته صاحب شيء يزاوله أو ذا شيء.
أما ما يكون صاحب شيء يعالجه فإنه مما يكون فعّالا، وذلك قولك لصاحب الثياب: ثوّاب، ولصاحب العاج: عوّاج، ولصاحب الجمال الذي ينقل عليها: جمّال، ولصاحب الحمر الذي يعمل عليها: حمّار، وللذي يعالج الصرف: صرّاف وهذا أكثر من أن يحصى "
قال أبو سعيد: الباب عندي فيما كان صنعة ومعالجة أن يجيء على فعّال؛ لأن فعّالا لتكثير الفعل، وصاحب الصنعة مداوم لصنعته، فجعل له البناء الدال على التكثير، كالبزّاز، والعطّار، وغير ذلك ما لا يحصى كثرة.
والباب فيما كان ذا شيء وليس بصنعة يعالجها أن يجيء على فاعل؛ لأنه ليس فيه تكثير كقولنا لذي الدرع: دارع ولذي النّبل: نابل.
ولذي النشّاب: ناشب ولذي التمر واللبن: تامر، ولابن، وقالوا لذي السلاح سالح ولذي الفرس فارس وقالوا لصاحب الفعل: فاعل ولصاحب الحذاء: حاذ ولصاحب اللحم: لاحم ولصاحب الشحم: شاحم.
وقال الحطيئة:
فغررتني وزعمت أنّك لابن بالصّيف تامر (١)
ويقال لمن كان شيء من هذه الأشياء صنعته " لبّان، وتمّار "، ونبّال وقد يستعمل في
стр. 1625
الشيء الواحد اللفظان جميعا.
قالوا: رجل سائف وسيّاف، وقد يستعمل أحدهما في موضع الآخر، قالوا: رجل تّراس أي معه ترس.
ذهبوا به إلى أنه ملازم له فأجروه مجرى الصّنعة والعلاج، وقد قالوا: نبّال في الذي معه النّبل على هذا المعنى كأنه يلازمه؛ ولأن عمله به وتعاطيه له صنعة.
قال امرؤ القيس:
وليس بذي رمح فيطعنني بهذا ... وليس بذي سيف وليس بنبّال (١)
وقال الخليل: إنما قالوا: عيشة راضية أي ذات رضى. وقالوا رجل طاعم كاس على ذا أي ذو كسوة، وطعام، وهو مما يذمّ به أي ليس له فضل غير أن يأكل ويكتسي. وعلى ذا قال الحطيئة:
عن المكارم لا ننهض لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي (٢)
وقالوا: همّ ناصب، أي ذو نصب، وليس لشيء من ذلك فعل يصرف وإنما جاز على ما ذكرته لك.
قال سيبويه: وليس في كل شيء من هذا قيل هذا؛ ألا ترى أنك لا تقول لصاحب البر بّرّار ولا لصاحب الفاكهة فكّاه ولا لصاحب الشعير شعار، ولا لصاحب الدقيق دقاق؟
وإنما يقال لصاحب الدقيق: دقيقي. وتقول مكان آهل أي ذو أهل. قال ذو الرمة:
إلى عطن رحب المباءة آهل (٣)
ولا يصرّف له فعل. ومما استدل به سيبويه على أن فعّالا بمنزلة ما نسب بياء النسبة أنهم قالوا: البتّي وهو الذي يبيع المبتوت واحدها بتّ وهي الأكسية، وقالوا أيضا البتّات، وإليه نسب عثمان البتّي من كبار الفقهاء.
стр. 1626
هذا باب ما يكون مذكرا، يوصف به المؤنث
قال سيبويه: وذلك قولك: هذه امرأة حائض، وطامث، وناقة ضامر يوصف به المؤنث، والمذكر.
وذهب الخليل، وسيبويه في ذلك وما كان نحوه أن الهاء إنما سقطت منه؛ لأنه لم يجر على الفعل وإنما يلزم الفرق
بين المذكر والمؤنث فيما كان جاريا على الفعل؛ لأن الفعل لا بد من تأنيثه، إذا كان فيه ضمير المؤنث كقولك: هند ذهبت، وموعظة جاءتك، ولزوم التأنيث في المستقبل ألزم وأوجب كقولك: هند تذهب، وموعظة تجيئك، وإنما صار في المستقبل ألزم؛ لأن ترك التأنيث لا يوجب تخفيفا في اللفظ؛ لأنه عدول عن ياء إلى تاء والتاء أخف.
وفي الماضي إذا تركت علامة التأنيث فقيل: موعظة جاءك فإنما يسقط حرف وتخف لفظة الفعل، فإذا كان الاسم محمولا على " الفعل " لزم الفرق بين المذكر والمؤنث لما ذكرته لك، فإذا حمل على غير الفعل صار بمنزلة قولهم: رجل دارع، ورامح.
ولا يقال: درع ولا رمح، فحائض عندهم بمنزلة: ذات حيض، وكذلك مرضع، بمنزلة: ذات إرضاع.
وقوم يقولون: إن سقوط علامة التأنيث من مثل هذا، لأنها أشباه، يختص بها المؤنث، وإنما يحتاج إلى الهاء للفرق بين المؤنث، والمذكر، فلما كانت هذه الأشياء مخصوصا بها المؤنث استغني عن علامة التأنيث. وقول أصحابنا ما قد ذكرت لك، والدليل على صحته أنّا رأينا أشياء يشترك فيها المؤنث والمذكر يسقطون الهاء فيها كقولهم ناقة ضامر، وجمل ضامر، وناقة بازل، وجمل بازل، وذلك كثير في كلامهم.
وقد رأينا أشياء يشترك فيها المؤنث والمذكر بالهاء فيهما كقولنا: رجل فروقة، وامرأة فروقة وملولة للذكر والأنثى.
ومما يدل على قوة قولهم أيضا أنّا نقول: امرأة حائضة غدا ومرضعة غدا فلا ينزعون الهاء؛ لأنه شيء لم يثبت.
وإنما الإخبار عنه على لفظ الفعل، وهو قولنا: تحيض غدا وترضع غدا، وقد يجوز أن تأتي في مثل هذا الهاء على معنى الفعل كقوله تعالى: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا
стр. 1627
أَرْضَعَتْ (١).
وقال الشاعر:
رأيت ختون العام والعام قبله ... كحائضة يزنى بها غير طاهر (٢)
وهذه الأشياء إذا نزعت عنها الهاء على التأويل الذي ذكرناه فهي مذكرة، لو سمينا رجلا بحائض أو مرضع صرفنا؛ لأنه مذكر، والدليل على تذكيره أن الهاء قد تدخله.
ووصفنا المؤنث بالمذكر كوصفنا المذكر بالمؤنث كقولنا: رجل نكحة، وفحل خجأة، ورجل لعبة، وهزأة وضحكة، وكذلك المرأة بالهاء.
وذكر الخليل أن فعولا، ومفعالا، نحو قولك: قؤول، ومقوال، إنما يكون في تكثير الشيء وتشديده والمبالغة فيه.
وإنما وقع كلامهم على أنه مذكر.
قال أبو العباس: يريد أن هذه الأبنية للمبالغة ويستوي فيها المذكر والأنثى تقول:
رجل قؤول وامرأة قؤول، ورجل غفور وامرأة غفور، ورجل مقوال، وامرأة مقوال، وكذلك منحار، ومضراب للذكر والأنثى.
ولم تدخل الهاء إلا في أحرف منه للذكر والأنثى جميعا كقولهم: رجل مطرابة ومعزابة، ومجذامة، وهو الماضي في الأمور، قال المتنخل.
مجذامة لهواه قلقل وقل (٣)
وقال الخليل: هذه الأشياء- يعني ما ذكرنا من أسماء المبالغة- تجري مجرى النسب، كقولنا: قوليّ، وقد ذكرت فيما تقدم أن المبالغة، تكون في النسب، وفي الصنائع؛ لأنه لزوم لشيء، واللازم المداوم بمنزلة من قد كثر منه ذلك الشيء، وأدخل في المبالغة رجل عمل وطعم ولبس. قال: فمعنى ذا كمعنى قؤول، ومقوال في المبالغة، غير أن الهاء تدخل في المنسوب وفي " فعل " المؤنث، ولا تدخل الهاء في مفعال، وفعول.
وإنما ذكرت هذا كقولك وامرأة طعمة، وعملة ولبسة، والطّعم الكثير الطّعم
стр. 1628
واللّبس الكثير اللباس، والعمل الدائم العمل.
وتقول في المرأة: قولية، وضربيّة، وقالوا: رجل نهر، يريدون، نهاريّ، أي صاحب عمل بالنهار دون الليل، قال الشاعر:
لست بليّليّ ولكنّي نهر ... لا أدلج اللّيل ولكن أبتكر (١)
قوله: نهر، يريد نهاريّ، كما أن قوله عمل، كقولك: عمليّ وقالوا: رجل حرح، ورجل سته، كأنه قال حريّ واسنيّ نسبه إلى ذلك، لضرب من الملازمة له.
وقال أبو عمر الجرمي: يقال رجل طعن: كثير الطعن.
قال سيبويه: وسألته- يعني الخليل- عن قولهم: موّت مائت، وشغل شاغل، وشعر شاعر فقال: إنما يريدون
المبالغة، والإجادة، وهو بمنزلة قولهم: همّ ناصب، وعيشة راضية، في كل هذا وقد اختلفت النسخ في الإجازة، ففي بعضها الإجازة بالزاي وفي بعضها الإجادة، فأما الذي يقول الإجازة، فمعناها النفوذ، كأنه قال في المبالغة، والنفوذ فيما أريد به والذي يقول الإجادة، يريد الجودة.
ورأيت بعض من يحقق يقول في قولهم: شعر شاعر، كأنه جيد يستغنى بنفسه عن نسبه إلى شاعر فكأنه هو الشاعر.
وعندي على هذا يجوز أن يكون " شغل شاغل " كأنه يشغل عن معرفة سببه، وموت مائت يذهل عن معرفة سببه لشدته.
قال أبو سعيد: ونظرت فيما ذكر أصحابنا، فيما قدمته وفي قولهم: عيشة راضية، فرأيت عيشة راضية تقدح فيما عللوا به، إسقاط الهاء؛ لأنهم ذكروا أن حائضا، وما جري مجراه، سقطت الهاء منه لأنه لم يجر على " فعل " وقد ذكروا هم: أن عيشة راضية، غير جارية على فعل؛ لأن العيشة هي مرضية، وإنما فعلها رضيت، فحملوها على أنها ذات رضى من أهلها بها ثم قد أنّثت ويجوز أن تحمل عيشة راضية على أحد وجهين:
أحدهما: أن تكون عيشة رضيت أهلها، فهي راضية، كقولك ملازمة لهم.
والآخر: أن تكون الهاء دخلت للمبالغة، كما يقال رجل راوية وعلامة.
ويجوز أيضا فيه وجه ثالث: وهو أنهم ألزموه الهاء؛ لأن الياء تسقط لو لم تكن هاء،
стр. 1629
فرأوا ذلك إخلالا، كما قالوا ناقة متليةّ، وظبية ممتلية، فألزموا الهاء بسبب الياء، وهم يقولون فيما ليس فيه الياء ظبية مظفل، ومغزل، ومشدن.
ومفعل كمفعال في المبالغة، وأن لا تدخل الهاء عليه في المؤنث كقولهم: مطعن، ومدعي ومقول للذكر والأنثى، وقد أدخلوا الهاء على بعضه فقالوا: مصكّة، فاعرف ذلك.
هذا باب التثنية
قال أبو سعيد: أنا أسوق حكم التثنية على ما يوجبه قول سيبويه، وأصحابنا البصريين، وأعتل لما يجب الاعتلال له، وقد خالف الكوفيون في بعض ذلك، وأنا أبيّن خلافهم، والحجة لأصحابنا إن شاء الله.
اعلم أن التثنية فيما لم يكن آخره ألف مقصورة، أو ممدوة، إنما تلزم لفظ الواحد، بغير تغيير منه، ويزاد عليه ألف ونون في الرفع، وياء ونون في النصب والجر. وذلك مطرد غير منكسر، فيما قلت حروفه أو كثرت، كقولك: رجلان، وتمرتان، ودلوان، عدلان وعودان، وبنتان، وأختان، وسيفان وعربانان، وعطشانان، وفرقدان، وعنكبوتان، ونحو ذلك.
وتقول في النصب والجر رأيت الرجلين ومررت بعنكبوتين، ويلزم الفتح قبل الياء وقد ذكرنا علة ذلك في أول الشرح.
ويلزم ما كان من المنقوص وهو المقصور التغيير إذا ثنينا، فمن ذلك ما كان على ثلاثة أحرف الثالث منها ألف، فإذا ثنينا فلابد من تحريك الألف، فيرد إلى ما يمكن تحريكه من ياء، أو واو.
وإنما وجب تحريكه؛ لأنّا إذا أدخلنا ألف التثنية، اجتمع ساكنان، الألف التي في الاسم وألف التثنية، فلو حذفنا إحدى الألفين لاجتماع الساكنين لوجب أن نقول في تثنية عصا ورحى عصان ورحان، وكان يلزم إذا أضفنا أن نسقط النون، في الإضافة.
فيقال: أعجبتني عصاك، ورحاك، وإنما نريد ثنتين فبطل إسقاط أحد الألفين، ووجب التحريك.
ولا يمكن تحريك الألف، فجعلت الألف ياء أو واوا وقد علمنا أن ما كان على ثلاثة أحرف، والثالث منها ألف، أن الألف منقلبة من ياء، أو واو، فترد في التثنية الألف، إلى ما هي منقلبة منه فتقول في قفا: قفوان؛ لأنه من قفوت الرجل إذا تبعته من خلفه، وفي
стр. 1630
عصا: عصوان، لأنك تقول عصوته إذا ضربته بالعصا ونقول في رجا: رجوان وهي ناحية البئر وغيرها.
قال الشاعر:
فلا يرمى بي الرجوان أنّي ... أقلّ القوّم من يغني مكاني (١)
وتقول في رضا: رضوان؛ لأن الرضا من الواو، ويدلك على ذلك مرضوّ، ورضوان، وربما قلبوا هذا في بعض تصاريفه لاستخفاف أو عارض، ولا يزيل حكم التثنية عن منهاجها قالوا: مرضيّ حملوه على رضي وأرض مسنيّة، وأصلها جميعا الواو؛ لأنّا تقول سنوت الأرض، أي سقيتها، وحملت " مسنية " على سني أو استثقلت فيها الواو فأبدلت ياء.
وقالوا في الكبا: كبوان، والكبا: الكناسة مقصور، حكى أبو الخطاب عن أهل الحجاز أنهم يقولون في تثنيته: كبوان، والكباء ممدود: العود الذي يتبخر به.
تقول في عشا العين: عشوان؛ لأن الألف منقلبة من واو وتقول امرأة عشواء، وقالوا رجل عشيّ، وقوم عشّو.
ولو سميت رجلا ب " خطا "، ثم ثنيت، لقلت خطوان؛ لأنها من خطوت.
ولو جعلت " علي " اسما ثم ثنيت لقلب " علوان "؛ لأنها من علوت، وتقول في تثنية ربا: ربوان.
وقالوا: سنا، وسنوان، وهو الدواء المعروف بالسّنا ويثنى بالواو.
والجمع بالألف والتاء بمنزلة التثنية فيما كان مقصورا على ثلاثة أحرف.
تقول في قطاة، وأداة: قطوات، وأدوات، وقنوات ودل جمعهم ذلك بالواو، على أن الألف في قناة، وأداة، وقطاة، منقلبة من واو.
وقالوا في رحى: رحيان، وفي فتى: فتيان، وفي ندى: نديان، فردوها إلى ما الألف منقلبة منه، وهو الياء وقولهم: العموة، والنّدوّة، إنما قلبت فيه الياء واوا للضمة قبلها، وليس ذلك بقياس مطرد، والدليل على أن الألف منقلبة من ياء، أنهم قالوا: فتيان، وفتيان، وفتية للجمع وتقول: عمي، وعميان، لأنك تقول: عميان، وعمي في جمع أعمى وتقول:
стр. 1631
هدى، وهديان؛ لأنك تقول: هديت وتقول في جمع حصاة حصيات.
قال سيبويه: وما جاء من ذلك ليس له فعل يدل على أنه من ياء أو واو، وألزمت ألفه الانتصاب يعني أنه لا يمال، فهو من بنات الواو، وتمنع فيه الإمالة.
وذلك نحو لدى، وإلى وعلى. إذا سميت بشيء منهن ثنيت بالواو، ولا غير، فقلت:
لدوان، وإلوان.
ولو سميت بمتى، أو بلى، ثم ثنيت، جعلته بالهاء؛ لأنهما ممالان، فقلت: متيان ويليان. ولم يفرق أصحابنا في الثلاثي، بين ما كان أوله مفتوحا، وبين ما كان مكسورا، أو مضموما. واعتبروا انقلاب الألف في أصل الكلمة. وأما الكوفيون فجعلوا ما كان مفتوحا على العبرة التي ذكرنا، وما كان مضموما، أو مكسورا، جعلوه من الياء، وإن كان أصله الواو، وكتبوه بالياء نحو الضّحى، والرّثمى، وما أشبه ذلك.
ومن حجة أصحابنا ما حكاه أبو الخطاب من تثنية الكبا كبوان.
وقد حكوا هم أيضا عن الكسائي أنه سمع العرب تقول في حمى: حيوان وفي رضا رضوان فهذا القياس، وإذا كان
المنقوص على أربعة أحرف فصاعدا ثني بالياء من الواو، كان أصله، أو من الياء أو كانت ألفا لا أصل لها في ياء، ولا واو.
فأما ما كان من الواو، فمغزى، وملهى، ومغتزى وأعشى، وأصله من الغزو، واللهو، ومن العشو تقول في تثنيته: أعشيان، وملهيان.
وما كان من الياء، فنحو: مرمى، ومجرى، تقول: مرميان ومجريان، وأصله من رميت وجريت.
وما كان ألفا في الأصل، فنحو: حبلى، وذكرى، وما أشبه ذلك وإذا ثنيت قلت:
حبليان وذكريان.
وكذلك لو سميت رجلا ب " حتّى " ثم ثنيت لقلت: حتّيان وإنما وجبت الياء، فيما زاد على ثلاثة أحرف؛ لأنّا لو صرفنا منه فعلا، انقلبت الواو ياء، ضرورة في بعض تصاريفه. تقول في الثلاثي: غزا يغزو، وغزوت فإذا لحقته زائدة قلت: أغزى، يغزي، وغازى، يغازي؛ لأنك إذا قلت: أغزى فهو (أفعل) وإذا قلت: " غازى " فهو فاعل، ولا بد من أن يلزم كسر ما قبل آخره.
فإذا جعلناه واوا قلنا: يغزو في المستقبل و " يغازو " فإذا وقفت عليه وقفت على
стр. 1632
" واو " ساكنة قبلها كسرة فوجب قلبها ياء.
وجعل ما لم يكن له أصل، ملحقا بالياء؛ لأنّا لو صرفنا منه فعلا، وهو على أكثر من ثلاثة أحرف لم يكن بد من أن ينكسر ما قبل آخره، فيصير آخره ياء.
ألا ترى أنّا نقول: سلقى، يسلقي، وجعبى يجعبي. ولو صرفنا من " حبلى " أو " حتى " فعلا لكان يجيء على فعلى يفعلى مثل: حبلى يحبلي، وحتّى يحتّي فتنقلب الألف ياء ضرورة، وقد جاء حرف نادر في هذا الباب قالوا: مذروان لطرفي الإليتين، ورأيت المذروين، وكان القياس مذريان ومذريين؛ لأن تقدير الواحد مذرى، غير أنهم لم يستعملوا الواحد مفردا فيجب قلب آخره ياء. وجعلوا حرف التثنية فيه، كالتأنيث الذي يلحق آخر الاسم، فيغير حكمه، تقول: شقاء، وعظاء، وصلاء لا يجوز غير الهمزة في شيء من ذلك، وأصله شقاو وعظاي، وصلاي، فوقعت الواو والياء طرفين، وقبلهما ألف، ثم قالوا: شقاوة، وعظاية وصلاية، فجعلوه واوا أو ياء؛ لأنه لما اتصل به حرف التأنيث ولم يقع الإعراب على الياء والواو وصارتا كأنهما في وسط الكلمة وكذلك مذروان: لما لم تفارقهما علامة التثنية.
قال الشاعر:
أحولى تنقض أستك مذرويها ... لتقتلني فها أنذا عمارا (١)
ومثل مذروين قولهم: عقله بثنايين، لما لزمته التثنية، جعل بمنزلة عظاية، ولم تقلب الياء التي بعد الألف همزة، فاعرف ذلك.
وقال الكوفيون: إن العرب تسقط الألف المقصورة فيما كثرت حروفه إذا ثنّوا، فيقولون في خوزلى وقهقرى، وما كان نحوهما: خوزلان، وقهقران، ولم يفرق أصحابنا بين ما قلت حروفه أو كثرت، ورأيت في شعر العرب " جماديين " فرأيتهم قد أثبتوا الياء فيها، ولم أر أحدا حذف الياء. قال لبيد:
آويته حتّى تكفّت حامدا ... وأهل بعد جماديين حرام (٢)
стр. 1633
وقال أبو وجزة السعدي:
تحسر الماء عنه واستجن ... إلفان جنا من الكتان والقطب
جماديين حسوما لا يعاينه ... راء من النّاس في أهل ولا عزب (١)
وأنشد أبو بكر بن دريد:
أصبح زين خفش العينيّنه ... فسوته لا تنقضي شهرينه (٢)
شهري ربيع وجمادينه ولم أر الكوفيين استشهدوا على ذلك بشيء.
هذا باب تثنية الممدود
اعلم أن الممدود على أربعة أضرب، فضرب همزته أصلية، وهي كقولك: رجل قرّاء ووضّاء، وهو من قرأت، ووضّؤت، والوضّاء، الجميل، ووضوء وجه الرجل إذا حسن وأشرق.
والضرب الثاني ما كانت همزته منقلبة من حرف أصلي كقولهم: كساء، ورداء، وأصله كساوي ورداي، وإذا وقعت الواو والياء طرفا وقبلها ألف زائدة انقلبت همزة.
والواو والياء في كساء، ورداء وما جرى مجراهما أصليتان في موضع اللام من الفعل.
والضرب الثالث: ما كانت الهمزة فيه منقلبة من حرف غير أصلي ياء زائدة كقولهم: علباء وحرباء، وحرشاء، وما أشبه ذلك.
وكان الأصل علباي، والياء زائدة، لأنك تقول: سيف معلوب ومعلّب، إذا كان مشدود المقبض بالعلباء. قال الشاعر:
فلو كنت بالمعلوب سيف ابن ظالم ... ضربت فعادت قبر عوّف قرائه
وقال ساعدة بن جؤيّة:
من كل أظمى عاتر لا شأنه ... قصر ولا راض الكعوب معلّب
والضرب الرابع: ما كانت همزته منقلبة عن ألف التأنيث، كقولك: حمراء، وخنفساء وعشراء وما أشبه ذلك.
стр. 1634
فأما الوجوه الثلاثة الأول فالباب في تثنيتها الهمزة كقولك: قرّاءان، ووضّاءان، ورداءان وكساءان وعلباءان، وحرباءان.
وتجوز فيها الواو، وإنما كان الهمز الوجه؛ لأنه الظاهر في الكلام وهي أكثر في كلام العرب في نحو: قراءان، وكساءان.
وأما من جعلها بالواو فلاستثقالهم الهمزة بين ألفين؛ لأن الهمزة من مخرج الألف، فتصير كأنها ثلاث ألفات وبعض هذه الثلاثة أولى في القلب من بعض، فأضعفها في قلب الهمزة واوا ما كانت الهمزة فيه أصلية، كقراء، ورضاء، وبعده ما كانت الهمزة فيه منقلبة من حرف أصلى كرداء، وكساء لمشاركته الأول في أن الهمزة غير زائدة، ولا منقلبة، من زائدة، وأما علباء فإن قلب الهمزة فيه إلى الواو أكثر وأحسن؛ لأن الهمزة فيه منقلبة من حرف زائد فأشبهت ألف التأنيث في حمراء وعشراء.
والذي عند أصحابنا في تثنية الممدود المؤنث قلبها واوا. وما حكوا غير ذلك، كقولهم: حمراوان وعثراوان. وذكر أبو العباس المبرد أنه إنما قلبوها واوا؛ لأن الهمزة لما ثقل وقوعها بين ألفين في كلمة ثقيلة بالتأنيث، وأرادوا قلبها كان الواو أولى بها من الياء؛ لأن الهمزة في الواحد منقلبة من ألف تأنيث، وليست الهمزة من علامات التأنيث، وهي بمنزلة الألف في غضبى وسكرى، والألف في غضبى ليس قبلها ساكن، فلم يحتج إلى تغييرها، فإذا قالوا: حمراء أتوا فيها بألف للمد لا للتأنيث وجعلوا بعدها ألف التأنيث ولا يمكن اللفظ بألفين، ولا يجوز إسقاط إحداهما، فقلبوا الألف الثانية إلى الهمزة؛ لأنها من جنسها فصارت الهمزة في الواحدة وهي ليست من علامات التأنيث، حرفا ليس
من علامة التأنيث وهو الواو، ولو جعلوها ياء لكانت الياء من علامات التأنيث لأنهم يقولون:
أنت تذهبين، وتقومين، والياء علم التأنيث فتركوا الياء للواو في التثنية حتى تشاكل الواحد في الحرف الذي ليس من علم التأنيث.
وقال بعضهم: إنما جعلوه واوا، دون الياء؛ لأنه لما كره وقوع الهمزة بين ألفين، وكانت الياء أقرب إلى الألف، كرهوا أيضا الياء لشبهها بالألف، فاختاروا الواو البعيدة منها.
وقال بعضهم: اختاروا الواو؛ لأنها أبين في الصوت من الياء، فهذا مذهب أصحابنا.
وقد حكى الكسائي أن من العرب من يقول: ردايان، وكسايان فيجتمع فيه على قوله
стр. 1635
ثلاث لغات، ويجيز التثنية بالهمزة في حمراءان وبابه، وأجاز أيضا حمل باب حمراء على جميع ما يجوز في باب رداء، فيقول: حمرايان والمعروف ما ذكرته لك عن أصحابنا. وقد حكى الكوفيون أشياء لم يذكرها أصحابنا، فقالوا: يجوز فيما طال من هذا الممدود حذف الحرفين الأخيرين فاختاروا في قاصعاء، وخنفساء، وحاثياء، ونحو ذلك أن يقال:
قاصعان وحاثبان، وخنفسان وقاصعاوان، وحاثياوان واستحسنوا في الممدود إذا كان قبل الألف واوا أن يثنوا بالهمزة، وبالواو، فقالوا في لأواء، وجأواء: لأواءان، ولأواوان.
وأجازوا في سوءاء وهي المرأة القبيحة سوءاوان، والله أعلم بالصواب.
هذا باب لا تجوز فيه التثنية والجمع بالواو والنون، والياء والنون
قال أبو سعيد: جملة هذا الباب أن ما كان فيه علامة تثنية، أو جمع سالم بالواو والنون، والياء والنون، لم تجز تثنيته، ولا جمعه السالم لئلا يجتمع فيه علامتان، لأنّا لو سمينا رجلا بعشرين، أو مسلمون أو مسلمين أو مائتين أو اثنين لم يجز أن نقول إذا ثنينا:
عشرونان، ولا مائتانان ولا اثنانان؛ لأن هذا لو فعل لاجتمع في الاسم الواحد رفعان ونصبان وقد مضى نحو هذا.
قال سيبويه: وإنما أوقعت العرب الاثنين، في الكلام، يعني في اسم اليوم على حد قولك: اليوم يومان، واليوم خمسة عشر من الشهر، والذين جاءوا بها فقالوا: أثناء إنما جاءوا بها على حد الاثن، كأنهم كسروه على أفعال، كما قالوا: ابن، وأبناء.
قال: وقد بلغني أن بعض العرب يقول: اليوم الثّنيّ.
قال أبو سعيد: نسختي التي قرأت منها على ابن السراج وهو فعول، مثل قولنا الثدي، وما أشبه ذلك، وفي كتاب أبي بكر مبرمان: الثّنيّ، على لفظ التصغير وهو على ما في نسخته، كأنه قال: أيام الاثنين.
ويحتمل أن يكون على لفظ التصغير كأنه قال: يوم الاثنين.
وإذا كان الجمع بالألف، والتاء، جازت التثنية، كرجل اسمه: أذرعات، أو تمرات، نقول أذرعاتان، وتمراتان؛ لأنه لا يجتمع فيه إعرابان، فإن جمعت قلت: تمرات، وأذرعات؛ لأنك تحذف التاء كما تفعل ذلك بالهاء، إذا قلت: تمرة، وتمرات، فإذا حذفتها، حذفت معها الألف، ثم تزيد علامة الجمع ألفا، وتاء.
стр. 1636
هذا باب تثنية «الأسماء» المبهمة التي أواخرها معتلة
قال سيبويه: وتلك الأسماء " ذا " و " تا " و " التي " و " الذي " فإذا ثنيت ذلك حذفت الحرف الأخير، ولم تحرك كما حركت الياء في قاض، إذا قلت القاضيان؛ لأن هذه الياء تتحرك في النصب، إذا قلت: رأيت قاضيا، والقاضي.
والياء في " التي والذي " لا تتحرك، إذا قلت: رأيت التي والذي؛ لأنها مبنية، لا تدخلها الحركة بوجه.
وقالوا في المؤنث في موضع ذا خمس لغات، فإذا ثني لم يستعمل إلا بعضها، قالوا للمرأة ذي وذه يا هذا و " تي " و " ته " وتا، فإذا ثنوا قالوا " تان " فلا يثنوا " ذه " ولا " ذي " لأنهم لو ثنوا على الذال لأشبه المذكر.
وكان يجوز أن يكون على لغة من يقول تا فيحذف الألف لاجتماع الساكنين، ويثبت ألف التثنية، ويجوز أن يكون على لغة من يقول ته فيحذف الهاء؛ لأن الهاء عوض من الياء في " تي " وقد ذكرناه في غير هذا الموضع محكما.
وقال الكوفيون: إن الياء في الذي والألف في ذا وما جري مجراهما من المبهمات، دخلت تكثيرا للاسم وأنهم حذفوها في التثنية، لقيام حرف التثنية مقامها في التكثير، وهذا غلط؛ لأنهم قد صغروها؛ لأنهم قالوا: ذيّا والّذيّا، ولا يجوز أن يصغر على أنه اسم إلا برد الذاهب منه إليه.
فإن قال قائل: فأنتم إذا سميتم رجلا بقد أو هل أو بحرف من الحروف ثم صغرتموه رددتم إليه في التصغير ما لم يكن له.
قيل له: إذا سمينا بقد فقد نقلنا " قد " من الحرف إلى الاسم، فإذا صغرنا، فإنما نصغره، على أنه اسم، فحلينا له حرفا توجبه الاسمية إذا صغرناه، ونحن وإنما نصغر " ذا " و " الّذي " وهما على معناهما الذي وضعا له، فهذا فرق واضح بينهما. فافهم إن شاء الله تعالى.
هذا باب جمع الاسم الذي آخره هاء التأنيث
قال أبو سعيد: لا خلاف بين أصحابنا، أن الرجل إذا سمي باسم آخره هاء التأنيث، ثم أردت جمعه، جمعته بالتاء،
واستدلوا على ذلك، بقول العرب: رجل ربعة،
стр. 1637
ورجال ربعات، وبقولهم: طلحة الطّلحات. قال الشاعر:
رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطّلحات (١)
وتقول العرب: ما أكثر الهبيرات، يريدون جمع هبيرة، ولم يسمع رجال ربعون ولا طلحة الطلحين- ولم يسمع ما أكثر الهبيرين، ولا جمع شيء من ذلك بالواو والنون.
وأجاز الكسائي والفراء جمع ذلك بالواو والنون.
فإذا جمع بالواو والنون، سكنوا اللام من (طلحة) لأنهم يقدرون جمع طلح، فلا يحركون اللام.
وكان أبو الحسن بن كيسان يذهب إلى جواز ذلك ويحرك اللام.
فيقول الطلحون فيفتحها كما فتحوا " أرضون " حملا على أرضات لو جمع بالألف والتاء؛ لأنه بمنزلة ثمرات، والقول الصحيح ما قاله أصحابنا؛ لأنه قول العرب الذي لم يسمع منهم غيره؛ ولأنه القياس؛ لأن " طلحة " فيه هاء التأنيث. والواو والنون (علامة) التذكير، ولا يجتمع في اسم واحد علامتان متضادتان.
ومما احتج به ابن كيسان أن التاء تسقط في الطلحات، فمن أجل سقوطها وبقاء الاسم بغير تائه جاز جمعها بالواو والنون. وهذا لا يلزم؛ لأن التاء مقدرة، وإنما دخلت علامة الجمع على التاء التي كانت في الواحد؛ لأن تاء الجمع عوض منها، لئلا يجتمع تاءان فصار بمنزلة ما يسقط لاجتماع الساكنين وهو مقدر.
وإذا جمعت بالألف والتاء ما كان في آخره ألف تأنيث مقصورة، فإنك تقلب ألف التأنيث ياء فتقول في حبلى حبليات وفي حبارى حباريات، وفي جمزى جمزيات.
فإن قال قائل: فأنتم تقولون: إنما حذفنا التاء في طلحات وتمرات، لئلا يجمع بين علامتي تأنيث لو جمعناه " تمرتات " فقد جمعتم بين الألف التي في حبلى والتاء التي في الجمع.
قيل له: ليس سبيل الألف سبيل التاء؛ لأن الألف لا تثبت على لفظ التأنيث، وإنما تنقلب ياء، وليست الياء للتأنيث، فإذا قلنا: حبليات لم نجمع بين لفظي تأنيث، والتاء في " تمرتان " لو قلناها هي علامة للتأنيث فلم يجز الجمع بينهما.
стр. 1638
وهو الدليل على أن التاء هي علامة التأنيث، وأن الهاء بدل منها في الوقوف للفرق بين الاسم والفعل، والواحد
والجمع، إذ إن علامة التأنيث في الفعل تاء لا غير في الوقف والوصل، وكذلك في جمع مسلمات وما أشبه ذلك، وأيضا فإن التاء دخولها على بناء صحيح للمذكر، ودخول ألف التأنيث على بناء لو نزعت عنه لم يكن له معنى، ألا ترى أنّا لو قلنا في حبلى: حبل لم يكن له معنى.
وإذا قلنا في مسلمة: مسلم كان للمذكر فصار ألف التأنيث بمنزلة حرف من نفس الاسم مخالف للعلامة الداخلة على الاسم بكماله.
وإذا جمعت المقصور بالواو والنون حذفت الألف لاجتماع الساكنين وبقّيت ما قبله على الفتح فقلت في موسى وعيسى، وحبلى: موسون وعيسون، وحبلون لا يجوز غير ذلك عند أصحابنا وهو القياس وكلام العرب. فأما كلام العرب فقولهم:
(المصطفون) و (الأعلون)، ورأيت المصطفين الأعلين.
وأما القياس، فلأن الحرف الثابت في الواحد ليس لنا حذفه من الكلمة إلا لضرورة عند اجتماع ساكنين وهو مقدر كقولنا: " قاضون " و " رامون ". فلو قلنا: (عيسون) و (موسون) لكنا نقدر حذف الألف فيهما من قبل دخول علامة الجمع، ولو جاز هذا لجاز أن نقول في حبلى (حبلات) وفي سكرى (سكرات)، وليس أحد يقول هذا فوجب أن علامة الجمع إنما تدخل على (عيسى) و (موسى) والألف فيهما، ثم تسقط الألف، لاجتماع الساكنين، ويبقى ما قبلها مفتوحا.
فإن قال قائل: إنما تحذف هذه الألف تشبيها بحذف هاء التأنيث، قيل له: لو جاز ذلك لجاز أن تقول: حبلات، وقد ذكرنا السبب في حذف هاء التأنيث.
وأما الممدود فإنك تقلب الهمزة واوا فيه إذا كانت (المدّة) للتأنيث، كما قلبت في التثنية، فتقول في حمراء: حمراوات، وفي (ورقاء): ورقاوات كما قالوا: خضراوات.
وإن كان ذلك اسم رجل جمعته بالواو والنون وقلبت الهمزة واوا أيضا، فقلت:
ورقاوون وحمراوون ورأيت ورقاوين وحمراوين.
وذكر أن المازني كان يجيز في ورقاوون الهمزة، لانضمام الواو وهذا سهو؛ لأن انضامها لواو الجمع بعدها، فهو بمنزلة ضمة الواو للإعراب، أو لالتقاء الساكنين كقولك: (هذه دلوك)، و (هؤلاء مصطفو البلد) ولا يجوز فيه الهمز. وتقول في زكرياء:
стр. 1639
زكرياوون بمنزلة ورقاوون، وفيمن قصر زكريّون بمنزلة عيسون وموسون وفيه لغات ليس هذا موضع ذكرها.
هذا باب جمع الرجال والنساء
اعلم أن هذا الباب يشتمل على جميع الأسماء المعارف الأعلام، والباب فيها أن كل اسم سميت به مذكرا يعقل ولم يكن في آخره هاء جاز جمعه بالواو والنون على السلامة، وجاز تكسيره، وسواء كان الاسم قبل ذلك مما يجمع بالواو والنون أو لا يجمع، وكذلك إن سميت به مؤنثا جاز جمعه بالألف والتاء على السلامة، وجاز تكسيره، ويذهب سيبويه:
إذا كسّر شيء من ذلك وكانت العرب قد كسّرته اسما قبل التسمية على وجه من الوجوه وإن لم يكن ذلك بالقياس المطرد، فإنه يكسره على ذلك الوجه، ولا يعدل عنه، وإن كان لا يعرف تكسيره في الأسماء قبل التسمية به حملوه على نظائره. وقد ذكرنا جمع ما كان من ذلك في آخره الهاء بما أغنى عن إعادته.
فمن ذلك إذا سميت رجلا بزيد أو عمرو أو بكر ثم جمعته على السلامة قلت:
الزيدون والعمرون والبكرون، وإن كسرت قلت: (أزياد) في أدنى العدد و (زيود) في الكثير، وقلت في عمرو وبكر في أدنى العدد (الأعمر) و (الأبكر) وفي الكثير العمور والبكور.
وأدنى العدد أن تقول: ثلاثة أعمر وعشرة أعمر وإن سميته ب (بشر) أو (برد) أو (حجر) قلت في أدنى العدد ثلاثة أبراد، وعشرة أبشار، وتسعة أحجار، وينبغي أن يقال في الكثير بشور، وبرود، وحجارة.
وقال الشاعر وهو زيد الخير:
ألا أبلغ الأقياس قيس بن نوفل ... وقيس بن أهبان وقيس بن جابر (١)
وقال:
رأيت سعودا من سعود كثيرة ... فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك (٢)
стр. 1640
وقال الفرزدق:
وشيّد لي زرارة باذخات ... وعمرو الخير إذ ذكر العمور (١)
وقال آخر:
رأيت الصدع من كعب فكانوا ... من الشّنآن قد صاروا كعابا (٢)
يعني أنهم قبيلة، أبوهم كعب، فهم كعب واحد إذا كانوا متآلفين، فإذا تفرقوا، وعادى بعضهم بعضا صار كل فرقة منهم تنسب إلى كعب، وهي تخالف الأخرى فكأنهم كعاب جماعة.
وقالوا في قوم من العرب اسم كل واحد منهم جندب: أبو الجنادب.
وإذا سميت امرأة ب (دعد) فجمعت قلت: دعدات، لأنك لما أدخلت الألف والتاء صار بمنزلة " تمرات " و " جفنات " في جمع (تمرة) و (جفنة).
وإن لم يكن في الواحد الهاء؛ لأن الجمع يسقط الهاء، وذلك كقولهم: " أرضات " وإن لم يكن في أرض هاء؛ لأن الجمع لما كان بالألف والتاء صار كجمع (فعلة)، وإن جمعت (جملا) بالألف والتاء جاز أن تقول: (جملات) و (جملات)، و (جملات) بمنزلة جمع (ظلمة). وتقول في هند: (هندات) و (هندات) و (هندات) بمنزلة جمع كسرة إذا جمعت على هذه الوجوه، وإن كسّرت كما كسّرت " بردا " و " بشرا " قلت:
(أهناد) و (أجمال) في الجمع القليل وتقول في الكثير: (هنود)، كما تقول: (الجذوع).
قال جرير:
أخالد قد علقتك بعد هند ... فشيّبني الخوالد والهنود (٣)
وإن سميت امرأة ب " قدم " فجمعت بالألف والتاء، قلت: قدمات، ولا يجوز تسكين الدال فيها، وإن كسرت فالذي يوجبه مذهب سيبويه أن تقول أقدام في القليل والكثير؛ لأن العرب قد جمعت " قدما " قبل التسمية على أقدام في القليل والكثير. وإن سميت رجلا ب (أحمر) ثم جمعته، فإن شئت قلت: (أحمرون) على السلامة، وإن شئت
стр. 1641
قلت: (أحامر) على التكسير، وكلا هذين الجمعين لم يكن جائزا في أحمر قبل التسمية لأن (أحمر) وبابه لا يجوز فيه أحمرون، ولا أحامر إذا كانت صفة وإنما يجمع على " حمر " ونظيره (بيض) و (شهب) وما أشبه ذلك، فإذا سميت به فحكم الاسم الذي على (أفعل) يخالف حكم الصفة التي على (أفعل) والاسم جمعه (أفاعل) مثل الأرانب والأباطح والأرامل والأباهر.
وإن سميت امرأة ب (أحمر) قلت في السلامة (أحمرات) وفي التكسير (أحامر) وقد قالت العرب: (الأجارب) و " الأشاعر "، كأنهم جعلوا كل واحد منهم " أجرب "، على أنه اسم أبيه، ثم جمعوه، كما قالوا: (أرنب)، و (أرانب).
وإن سميت رجلا ب (ورقاء) أو ما جرى مجراه فجمعته بالواو والنون قلت:
ورقاوون وإن سميت بها امرأة، وجمعتها جمع السلامة، قلت: (ورقاوات) وإن جمعتها جمع التكسير في الرجل والمرأة قلت: (وراق) كما قلت في " صلفاء ": (صلاف) وفي خبراء (خبار).
وإن سميت رجلا أو امرأة ب (مسلم) أو ب (خالد) ولم تجمعهما جمع السلامة قلت فيهما: (خوالد) و (مسالم) كما تقول في قادم الرحل أو الضرع وآخره: (القوادم) و (الأواخر).
وجمع التكسير يستوي فيه المذكر والمؤنث، وما يعقل وما لا يعقل، ألا تراهم قالوا: غلام، وغلمان، كما قالوا: غراب وغربان، وقالوا: صبيّ وصبيان كما قالوا: قضيب وقضبان.
ومما يقوي (خوالد) جمع رجل اسم (خالد) أنهم يقولون في الصفة: فارس وفوارس، وإذا كان هذا في الصفة فهو في الاسم أجدر.
والقياس أن يقال في فاعل فواعل؛ لأنه على أربعة أحرف، وعلامة الجمع تنتظم فيه على طريق واحد انتظام علامة التصغير؛ لأنك تقول: (خويلد) وخويتم فتدخل ياء التصغير ثالثة، ويكسر ما بعدها وكذلك تدخل ألف الجمع ثالثة ويكسر ما بعدها.
وإن سميت رجلا ب (شفة) أو (أمة) قلت: (آم) في الثلاثة إلى العشرة، وفي الكثير: (إماء). ويجوز (إموان) قال الشاعر:
стр. 1642
أمّا الإماء فلا يدعونني ولدا ... إذا ترامى بنو الإموان بالعار (١)
وتقول في شفة: شفاه لا يجوز غير ذلك، وإنما جاز في أمة إذا سميت بها رجلا أو امرأة الوجوه التي ذكرت؛ لأن العرب تجمعها على هذه الوجوه، وهو اسم قبل التسمية بها شيء بعينه، فاستعملناه بعد التسمية ما استعملته العرب قبلها إذا لم تتغير الاسمية فيها.
ولم يقل في (شفة) إلا شفاه في الجمع القليل والكثير؛ لأن العرب لم تستعمل غير الشفاه قبل التسمية، ولا يقال فيها (شفات) ولا (إمات)؛ لأن العرب تجتنب ذلك فيها قبل التسمية. ولو سميت رجلا ب " تمرة " أو " قصعة " قلت: تمرات، وقصعات وإن كسرته قلت: تمار وقصاع.
وإن سميت رجلا أو امرأة ب (عبلة)، قلت في التكثير: العبلات وفتحت الباء، وقد كان قبل التسمية يقال: امرأة عبلة،
ونساء عبلات؛ لأنها كانت صفة، فلما سميت بها صارت بمنزلة تمرة وتمرات.
ولا يجوز أن تقول في جمع رجل اسمه تمرة: " تمر " لأن " تمرا " اسم للجنس وليس بجمع مكسر.
ولو سميت رجلا أو امرأة ب (سنة) لكنت بالخيار إن شئت قلت: سنوات، وإن شئت قلت: سنون لا تعدو جمعهم إياها قبل ذلك، وهم يجمعون " السنة "، قبل التسمية على هذين الوجهين.
ولو سميته (ثبة) لقلت ثبات وثبون.
وإن شئت كسرت الثاء، وكذلك نظائر ثبة وإن سميته ب (شية) أو (ظبة) لم تجاوز شيات وظبات؛ لأن العرب لم تجمعه قبل التسمية إلا هكذا، وإن سميته ب (ابن) فجمعت بالواو والنون قلت: (بنون) وإن كسرت قلت: (أبناء).
وإن سميت امرأة ب (أم) ثم جمعت جاز: أمهات وأمّات؛ لأن العرب قد جمعتها على هذين الوجهين.
ولو سميت رجلا ب (امرئ) لقلت: امرؤون في السلامة، وإن سميت به امرأة قلت:
(امرأت).
стр. 1643
وإن كسرت قلت: (أمراء) كما قلت: (أبناء) و (أسماء) و (أستاه).
ولو سميت ب (شاة) لم تجمع بالتاء، ولم تقل إلا (شياه)؛ لأن هذا الاسم قد جمعته العرب مكسر على (شاه)، ولم يجمعوه بجمع السلامة بل لا يحتمل ذلك؛ لأن إذا حذفت الهاء بقي الاسم على حرفين الثاني منهما من حروف المد، واللين، ولا يجوز مثل ذلك إلا أن يكون بعدها هاء، فإن قال قائل: فقد قالوا " شاه " أو " شويّ "؛ لأن الشاه والشّويّ جمعان للشاه، قيل له: هما اسمان للجميع يجريان مجرى الواحد، فإذا سمينا به احتجنا أن نكسره على ما يوجهه اللفظ، ويرد الحرف الذاهب، وأصله " شوهه " يجمع على شياه.
وإن سميت رجلا ب (ضرب) قلت: (ضربون) و (ضروب) بمنزلة (عمرو) وعمور، وقد جمعت العرب المصادر من قبل التسمية بها فقالوا: " أمراض " و " أشغال " و " عقول " و " ألباب "، فإذا صار اسما فهو أجدر أن يجمع بتكسير.
قال الشاعر:
كانت نجائب منذر ومحرّق ... أمّاتهنّ وطرقهنّ فحيلا (١)
ولو سميت به رجلا لقلت: (أمّون)، وإن كسرته فالقياس أن تقول: " إمام ".
وإن سميته ب (أب) قلت: (أبوان) في التثنية لا تجاوز ذلك يعني لا تقل: (أبان).
وإن سميت رجلا ب (اسم) فجمعت جمع السلامة لم تحذف ألف الوصل وقلت:
(أسمون). وإن كسرت قلت أسماء.
وكان القياس في (ابن) أن يقال: (إبنون)، غير أنهم جمعوه قبل التسمية على " بنين "، وحذفوا الألف لكثرة استعمالهم إياه، وتركوا الباء كمنين وهنين.
ولو سميت رجلا ب (ربة) في لغة من خفف فقال: ربة رجل، قلت: " ربات "، و (ربون) وربون أيضا، وإنما جاز في ربة هذه الوجوه؛ لأنها لم تجمع قبل التسمية، فلما سمي بها وجمع حمل على نظائره الكثيرة، ومما كثر في هذا الباب من النواقص أن يجيء بالألف والتاء والواو والنون نحو ثبات وثبون وكرات وكرون وعزات وعزون.
وإن سميته ب (برة) وكسّرت قلت: برى؛ لأن العرب قد كسرته على ذلك، وإن جاء مثل برة مما لم تكسره العرب لم تجمعه إلا بالألف والتاء والواو والنون؛ لأن هذا
стр. 1644
هو الكثير.
وإذا سميت بصفة مما يختلف جمع الاسم والصفة فيه جمعته جمع نظائره من الأسماء ولم تجره على ما جمعوه حين كان صفة، إلا أن يكون جمعوه جمع الأسماء، فتجريه على ذلك كرجل سميته ب (سعيد) أو (شريف) تقول في أدنى العدد: ثلاثة أشرفة، وأسعدة، وتقول في الكثير: سعدان وشرفان وسعد وشرف؛ لأن هذا هو الكثير في الأسماء في جمع هذا البناء. تقول: رغيف وأرغفة، وجريب وأجربة، وقالوا: رغفان وجربان، وقالوا:
قضب الرّيحان في جمع قضيب، وقالوا: الرغف في جمع رغيف، قال الشاعر:
إن الشواء والنشيل والرغف ... والقينة الحسناء والكأس الأنف
للضاربين الهام والخيل قطف (١)
وقالوا: سبيل، وسبل، وأميل، وأمل، فهذا هو الكثير فيه.
وربما قالوا: الأفعلاء، في الأسماء نحو الأنصباء، والأخمساء، وليس بالكثير، فلو سميت رجلا ب (نصيب) أو (خمين) لقلت (أنصباء) و (أخمساء)؛ لأن العرب قد جمعته وهو صفة على ذلك، وهو من جمع بعض الأسماء كنصيب وأنصباء فلم يغير.
وأما والد وصاحب، فإنهما لا يجمعان ونحوهما كما يجمع قادم الناقة، يعني الخلف المقدم من ضرعها؛ لأن هذا
وإن تكلم به كما يتكلم بالأسماء، فإن أصله الصفة، وله مؤنث.
قال أبو سعيد: ذكر سيبويه " والدا " و " صاحبا " قبل التسمية بهما، فأرى أن " صاحبا " إذا جمعناه لم نقل فيه: (صواحب) وكذلك (والد) لا نقول فيه " أوالد "؛ لأن هذين صفتان من حيث يقال: والد ووالدة وصاحب وصاحبة.
وإذا كانت الصفة على " فاعل " للمذكر لم يجمع على فواعل وإنما يقال فيه: فاعلون وهذان الاسمان قد كثرا فجريا مجرى الأسماء، فلم يجب لهما بذلك أن يقال: (صواحب)، و (أوالد) إذ كان يقال في مؤنثهم: صاحبة ووالدة.
стр. 1645
ولو سمينا رجلا ب (صاحب) لقلنا في الكثير: " صواحب ". وأما (والد) فقال الجرمي: إذا سمينا به لم نقل إلا (والدون)، فإن سمينا به مؤنثا لم نقل إلا والدات.
وإن سمينا ب (والدة) قلنا والدات؛ لأن العرب تنكبت (١) في جمع ذلك التكسير في التسمية، فقالوا: والد، ووالدون، ووالدة ووالدات، ولم يقولوا أوالد في الوالدة، وإن كانوا يقولون: قاتلة وقواتل وجالسة وجوالس؛ لأن الأصل (ووالد) ويلزم قلب إحدى الواوين فاقتصروا فيه على السلامة.
ولو سميت رجلا ب (فعال) نحو جلال لقلت: " أجلة " على حد قوله: أجربة، فإذا جاوزت قلت: جلان كقولك: جربان وغلمان. واعلم أن العرب تجمع " شجاعا " على خمسة أوجه منها ثلاثة من جمع الأسماء وهي: شجعان مثل قولنا: " زقاق " و " زقان ".
وشجعان، مثل غراب وغربان. وشجعة مثل غلام وغلمة. فإذا سميت رجلا ب (شجاع) جاز أن تجمعه على هذه الوجوه الثلاثة، وقد يجمع شجاع على شجاع، وشجعاء نحو كريم وكرام، وكرماء، وظريف وظراف وظرفاء.
فإذا سميت ب (شجاع) لم يجز جمعه على هذين الوجهين، ربما جمعت العرب الاسم الذي أصله صفة على لفظ الصفة، كأنهم يذهبون به إلى أنه صفة غلبت كما سموا بما فيه الألف واللام بعد التسمية، كالحسن والعباس والحارث، كأنهم قدروا فيه الصفة وغلبت. وقد ذكر هذا في موضعه.
قالوا في بني الأشقر: " الأشاقر " على ما توجبه الاسمية وقالوا: (الشّقر) و (الشّقران) على الوصف.
ولو جمع إنسان (الحارث) على ما توجبه الصفة فقال: (الحرّاث) لجاز؛ لأنه صفة غلبت.
ومن قال: (الحوارث) فعلى ما ذكرنا من جمع الأسماء.
ولو سميت رجلا ب (فعلية) ثم كسّرته قلت: " فعائل " لا غير، وقد جمعت العرب (فعلية) على (فعل) في الأسماء وليس بقياس مطرد، قالوا: (سفينة) و (سفن)، و (صحيفة) و (صحف) وليس بالكثير، فإن سميت رجلا ب (سفينة) أو (صحيفة) جاز جمعه على
стр. 1646
" سفن " و " صحف ".
وإذ سميت رجلا ب (عجوز)، وكسّرت قلت فيه: (العجز)، ولم تقل: " العجائز "، وكذلك لو سميته ب (قلوص) قلت فيه: (القلص) ولم تقل: (القلائص)، وإنما جمعت العرب " قلوصا " و " عجوزا " على قلائص و (عجائز)؛ لأنهما مؤنثان. وإذا سميت بهما رجلا زال التأنيث وصار بمنزلة (عمود) و (عمّد) و (زبور وزبر).
وسألته عن " أب " فقال: إن ألحقت به النون والزيادة التي قبلها قلت: (أبون)، وكذلك (أخ) تقول: (أخون)، ولا يغير البناء إلا أن تحدث العرب شيئا، كما تقول:
" دمون "، ولا يغير بناء الأب عن حال الحرفين إلا أن تحدث العرب شيئا كما بنوه على غير بناء الحرفين. وقال الشاعر:
فلمّا تبيّنّ أصواتنا ... بكين وفدّيننا بالأبينا (١)
أنشدناه من نثق به وزعم أنه جاهلي، وإن شئت قلت: آباء وآخاء. قال: وأما عثمان ونحوه فإنك تعتبره بالتصغير، فما كان مما في آخره ألف ونون زائدتان، وكانت العرب تصغره بقلب الألف كسرت وقلبت الألف ياء، وإن شئت جمعت جمع السلامة.
وما كان من ذلك تصغر العرب الصدر منه وتبقى الألف والنون لم يجز في جمعه التكسير، وجمعته جمع السلامة بالواو والنون، فأما ما صغرته العرب وقلبت الألف فيه ياء فنحو (سرحان) و (ضبعان) و (سلطان). إذا سميت بشيء من ذلك رجلا جاز أن تجمعه جمع السلامة، فتقول: (سلطانون) و (ضبعانون)، و (سرحانون)، وجاز أن تكسره فتقول:
(ضباعين) و (سلاطين) و (سراحين)، فإن سميته ب (عثمان)، أو (غضبان)، أو نحو ذلك قلت في جمعه: (عثمانون)، و (غضبانون)؛ لأنه يقال في تصغيره (عثيمان) و (غضيبان)، وكذلك تقول في جمع (عربان) و (سعدان) و (مروان) عربانون وسعدانون ومروانون.
وإذا ورد شيء من ذلك، ولا يعرف هل تقلب الألف العرب ياء في التصغير أم لا، حملته على باب (غضبان) و (عثمان)؛ لأنه الأكثر.
وإن كان فعلان جمعا لم يكن سبيله سبيل الواحد؛ لأن (فعلانا) في الجمع ربّما كسّر فقيل: فعالين كقولهم: مصران ومصارين، ويقال في التصغير (مصيران)؛ لأن الألف
стр. 1647
للجمع، وإذا كانت ألف حادثة للجمع لم تغير في التصغير، كقولهم: أجمال وأجيمال.
وعلى هذا لو سميت رجلا ب (مصران) أو ب (أنعام) أو ب (أقوال)، ثم صغرته لقلت:
(مصيران) و (أنيعام) و (أقيّال)، ولم تلتفت إلى قولهم في الجمع (مصارين) و (أناعيم) و (أقاويل).
واعلم أن بعض ما ذكرنا خولف فيه سيبويه، وأنا أسوق الخلاف فيه، فمن ذلك قوله في رجل سمي ب (عدة): أنه يجوز فيه عدات وعدون، وقد خالف الجرمي والمبرد.
لأن (عدة) قد جمعت على (عدات)، ولم تجمع على " عدون " من قبل التسمية، ومن مذهبه أن لا يتجاوز بعد التسمية الجمع الذي كانت تجمعه العرب.
ووجه آخر أن الساقط من (عدة) فاء الفعل، وإنما يكثر جمع هذه النواقص بالواو والنون في ما سقط لامه لا في ما سقط فاؤه.
ولم يجئ هذا الجمع في ما سقط فاؤه إلا في حرف واحد شاذ وهو قولهم: (لدون)، وذكر سيبويه في رجل اسمه (ظبة) أنه لا يجوز فيه غير (ظبات)، ولم يجز فيه " ظبين " و " ظبون ".
وقد خولف في هذا، وأنشد النحويون فيه قول الشاعر:
تعاور أيمانهم بينهم ... كؤوس المنايا بحدّ الظّبينا (١)
وفي رجل وامرأة اسمه " سنة " إن شئت قلت: " سنوات "، وإن شئت قلت: (سنون)، وقد أجاز ابن كيسان " سنات " و " سنون " بالفتح فجعل " سنات " قياسا على " بنات "، وسنون قياسا على (بنون) وهذا باطل؛ لأن جمعهما بناء على بنين وابنة على بنات من الشاذ ولا يقاس على شاذ.
ولا قوله قياس مطّرد فيستعمله من يرى القياس على ما جمعته العرب، وإن لم تجمعه ولا هو مسموع فيتّبع.
وكان يجيز في " شفة " أيضا " شفات "، وأجاز ابن كيسان في رجل اسمه (ابن) أن يجمع على (ابنون)، فقال
أصحابنا: العرب تجمع (ابنا) في جمع السلامة على بنين وفي جمع التكسير على (أبناء) فلا نتجاوز هذين، ولا نقول في من اسمه (اسم) و (است):
стр. 1648
(اسمون) و (استون)؛ لأن العرب لم تجمع هذين جمع السلامة فنتبع مذهبهم في جمع السلامة.
وقال سيبويه: إذا سميت ب (أب) قلت في التثنية: (أبوان)، وقلت في الجمع السالم: (أبون)، وفي المكسر: (آباء)، وكذلك في (أخ) ".
وأما أبو عمر الجرمي فكان لا يرى فيه الجمع السالم إلا في ضرورة، والبيت الذي أنشده سيبويه:
وفدّيننا بالأبينا
عنده ضرورة
ومذهب سيبويه: أن القياس هو " الأبون "، وأن نقصان الحرف الذاهب من الأب ليس يوجب أن يختلف في الجمع السالم ذلك الحرف؛ لأنّا نقول: في رجل اسمه " يد " و " دم ": " يدون " و " دمون " بل عنده أن قولهم: (أبوان) و (أخوان)، إنما نقوله اتباعا للعرب لا على القياس، وهو معنى قوله: إلا أن تحدث العرب شيئا كما بنوه على غير بناء الحرفين فاعرفه إن شاء الله تعالى.
هذا باب يجمع الاسم فيه إن كان لمذكر أو لمؤنث بالتاء
قال سيبويه: وذلك إذا سميت رجلا ب " بنت " أو (هنت)، تقول في " بنت ":
(بنات) وفي " أخت ": (أخوات) وفي " هنت ": (هنات).
وذلك أن هذه التاء التي في (بنت) و (أخت) و (هنت)، إنما هي في الأصل للتأنيث ثم جعلت للإلحاق، فإذا جمعت أو صغرت جعلوا حكمها كحكم هاء التأنيث فأسقطوها، ثم جمعوا بالألف والتاء.
ولم يذكر سيبويه غير هذا الجمع، وهو قول النحويين إلا بعض المتأخرين وهو (ابن كيسان)، أجاز فيه التكسير فيقول في (بنت): (أبناء) وفي (أخت): (آخاء) وهو قول تفرد به.
وإن سميت رجلا ب (ذيت) وفيه ثلاث لغات (ذيت) و (ذيت) و (ذيت) وأصلها:
(ذيّة)، فمن شدد جمع بالألف والتاء مع التشديد فقال: (ذيّات)، ومن خفف فالذي ذكره الجرمي: (ذيات) مخففا
ومثله فقال مثل: (شيات) و (ديات).
стр. 1649
وزعم ابن كيسان أنه يقال: (ذيّات) بالتشديد مثل (كي) إذا سمينا به شددنا الياء، فإذا جمعناه قلنا: (كيات) وهو وجه من القياس.
وذكر أبو عمر الجرميّ: أنا لو سمّينا رجلا أو امرأة ب (هنة) لقلنا: (هنتات)، وكذلك إن كان اسمه (منة). والعرب تقول: (هنات) و (منات) قبل التسمية، فذكر أن هذا شيء لا يعول عليه لأنه خارج من القياس.
ولقائل أن يقول: إن سيبويه ومن بعده من أصحابه لزموا الشذوذ في جمع ما يسمى به، ولم يخرجوا عنه إلى غيره، وليست (هنت) كذلك لأنها لم تتمكن كتمكن (بنت) و (أخت)؛ لأن (بنتا) و (أختا) يقال فيهما: (بنت) و (أخت) في الوصل والوقف وليس كذلك (هنت)، لأن الوقف عليها (هنه) والوصل (هنات) فإذا سمّوا به أجروه على ما يوجبه القياس (والذي يوجبه القياس) هنتات.
هذا باب ما يكسر مما كسر للجمع وما لا يكسر
قال أبو سعيد: هذا الباب يذكر فيه من سمي بجمع من الرجال أو غيرهم من الأعلام كيف يجمع ذلك الجمع. والباب في ذلك أن ما كان منه ثالثة ألف، وبعد الألف حرفان أو ثلاثة أحرف مشددة فلا يجوز تكسيره نحو (مساجد) ومفاتيح ودوابّ وما أشبه ذلك، فإذا سمينا رجلا بشيء من ذلك، ثم جمعناه ألحقنا واوا ونونا، وإن سميت امرأة وما جري مجراها ألحقنا ألفا وتاء، فقلنا في رجل اسمه (مساجد) أو (مفاتيح):
(مساجدون)، و (مفاتيحون)، وفي المرأة (مساجدات) و (مفاتيحات)، وقد جمعت العرب (شراحيل): (شراحيلون)، وقالوا في (حضاجر): (حضاجرات)، وفي سراويل ومجراها مجرى الجمع سراويلات. وتقول العرب: ناقة مفاتيح وأينق مفاتيحات. وقال أبو عمر الجرمي: سألت أبا عبيد عن معنى (ناقة مفاتيح) فقال: إذا كانت مخصبة في كثرة الشحم واللبن.
وإنما لم يكسر هذا؛ لأنّا لو كسرناه لردنا التكسير إلى مثل لفظه.
ألا ترى أنّا إذا كسرنا (عذافر) قلنا: عذافر؛ لأنا نحذف الألف فيبقى (عذفر) فتدخله ألف الجمع ثالثة ويفتح أوله، وكذلك (جوالق) لو جمعنا حذفنا الألف فبقي (جولق) فجمعناه على (جوالق) وعوضنا من المحذوف الياء فصار (جواليق)، وإذا سمينا ب (أعدال) و (أنمار)، قلنا: (أعاديل) و (أنامير)، كما قالوا: (أقاويل) و (أبابيت) و (أناعيم)
стр. 1650
في (أقوال) و (أبيات) و (أنعام).
وإن سمينا ب (أجربة) قلنا: (أجارب) كما قالوا في (الأسقية) (أساق)، وإذا سميناه ب (أعبد) قلنا: (أعابد)، كما قالوا: (أوطب) و (أواطب) و (أيد) و (أياد).
وإذا سميناه ب (ظلم) أو (ثقب) وجب أن نقول (ظلمان) و (ثقبان) لأن الباب في فعل إذا كان واحدا هذا لقولنا: (نغر) و (نغران) و (خزز) و (خزّان). ونحن إذا سمينا بالجمع فقد صاروا حدا، ألا ترى أنا نصغره تصغير الواحد فنقول: فيمن اسمه " ظلم " أو " قرب ":
(ظليم) و (قريب).
وإذا سمينا ب (قرب) أو ما جري مجراه، فجمعناه جمع التكسير قلنا: (أقراب)، كما نقول في عنب: (أعناب) وفي (معى): (أمعاء).
قال: " وإذا سميت رجلا ب (فعول) جاز أن تكسره فتقول: (فعائل) لأن (فعولا) قد يكون الواحد على مثاله ك (الأتي) و (السّدوس)، ولو لم يكن واحدا لم يكن بأبعد من (فعول) من (أفعال) من (إفعال) ".
قال أبو سعيد: ذهب سيبويه إلى أن " فعولا " قد يكون في الواحد، ثم أتى ب (الأتيّ) و (السّدوس) و (الأتيّ) هو السيل، والأصل (أتوى) وقلبنا الواو ياء، ثم قال:
" ولو لم يكن له نظير في الواحد لكان أيضا يجمع على أقرب الأبنية إليه ".
وهو " فعول " كما أن (أفعالا) قد جمعوه هو جمع حين قالوا: (أنعام)، و (أناعيم) و (أبيات) و (أبابيت)، كما يجمع الواحد الذي على (إفعال) كقولهم: (إنكال) و (أناكيل) و (إحلاب) و (أحاليب) فمحل (فعول) الذي هو (جمع) من (فعول) الذي هو واحد ك (محل) (أفعال) الذي هو جمع من (إفعال) الذي هو واحد، وهذا معنى قوله: لم يكن بأبعد من (فعول) يعني لم يكن (فعول) بأبعد من (فعول) كما لم يكن (أفعال) بأبعد من (إفعال)، ثم جمعه على فعائل، وكذلك رأيت قوما من النحويين سلكوا هذا الطريق.
والصحيح عندي أن " فعولا " إذا سمينا به رجلا ثم جمعناه للتكسير أن تقول: (فعل)؛ لأنه يصير مذكرا، وفعول إذا كان مذكرا، فالباب فيه (فعل) ك (عمود) و (عمد)، و (صبور) و (صبر). وسياق كلام سيبويه عقب ذكره (فعول) إذا سمي به.
قال: ويكون مصدرا والمصدر واحد ك (القعود) و (الرّكوب)، ولو كسرته اسم رجل لكان تكسيره كتكسير الواحد الذي في بنائه نحو (فعول) إذا قلت (فعائل)،