هذا باب النون الثقيلة والخفيفة من فعل الاثنين وفعل جميع النساء
قال أبو سعيد: أما الثقيلة فإنها تدخل في فعل الاثنين وفعل جميع النساء، فالاثنان كقولك: (اضربان زيدا)، وكقوله: وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١) و (هل تفعلانّ ذلك) وتذهب نون الرفع هاهنا كما ذهبت في فعل الجميع.
وإنما تثبت الألف في (تذهبانّ) ولا تسقط لاجتماع الساكنين لأنها لو سقطت لأشبه فعل الاثنين فعل الواحد؛ ولأن الذي بعد الألف حرف مشدد فجاز ذلك فيه، كما جاز في (دابّة) و (الضّالّين) وجعل الحرف المشدد كالحرف الواحد المتحرك، وجعل المد في الألف كالعوض من الحركة ولم يسقطوا الألف لاجتماع الساكنين كما أسقطوا الواو في (أضربنّ زيدا) و (اضربنّ زيد يا امرأة). ولو قال: (" اضربون زيدا) و (اضربين يا امرأة) لما كان خارجا عن القياس لأنهم يقولون: " تمود الثّوب " و " أصيمّ " و " مديقّ " في تصغير " أصم " و " مدق " غير أن الحذف أولى وأخف فيما لم يشكل وإذا أشكل كان الإثبات أولى فقالوا:
" لا تتبعان " فأثبتوا الألف، لأنهم لو حذفوها لاجتماع الساكنين صار: " لا تتبعنّ " (ووقع لبس) وفي (اضربنّ) و (اضربنّ) لا يقع لبس.
وحذفوا نون الرفع مع نون التوكيد؛ لأن الواحد في " تضربن " مبني على الفتح ونظير الفتح الذي هو النصب في المعرب حذف النون كقولك: (زيد لن يقوم يا هذا) و (الزيدان لن يقوما)، و " (الزيدون لن يقوموا) فصار حذف النون بمنزلة النصب وكذلك يصير حذف النون في المثنى بمنزلة الفتح.
ومما احتج به سيبويه أنه بمنزلة (راد ويراد) جعل النون المشددة بمنزلة الدال المشددة في (يراد) ولم تسقط الألف.
وقال: " ولم يكن لحاق الآخر بعد استقرار الأول ".
يعني أنه لو كان إحدى النونين أو إحدى الدالين من (راد) وقعت ساكنة بعد الألف وجب حذف الألف كما وجب في (" لم يخف) و (لا تخف) ولو تحركت الفاء بعد ذلك الساكن كقولك: (لم يخف الرجل) لم ترد الألف الذاهبة بعد الفاء.
فإن قال قائل: فلم تثبت الواو في (تمودّ) و (تحوّد) فيما لم يسم فاعله من قوله:
مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (٢) ولم تثبت الواو والياء في (اضربنّ) و (أضربنّ)؟
قيل له: لأن الواو في (تمودّ) وما جرى مجراه منقلبة من ألف " ماددت " فكأنها ألف
стр. 1752
وياء التصغير إذا حذفت لم يكن قبلها شيء يدل عليها لأن ما قبلها مفتوح فلم يحذفا لذلك والضمة والكسرة في (أضربنّ) و (أضربنّ) دليل على الواو والياء المحذوفتين.
وقد اختلف النحويون في إدخال النون الخفيفة على التثنية وجمع المؤنث.
فكان الخليل وسيبويه لا يريان ذلك.
وكان يونس وناس من النحويين سواه يرون ذلك وهو قول الكوفيين.
والذي احتج به سيبويه أنّا لو أدخلنا النون الخفيفة على الاثنين لوجب أن تقول:
(اضربان زيدا) و (لا تضربان عمرا) فيجتمع حرفان ساكنان في وصل الكلام، الأول من حروف المد واللين والثاني غير مدغم في مثله ولم نر ساكنين اجتمعا في الوسط إلا على أن الأول منهما للمد واللين والثاني مدغم في مثله كقولك: (ضالة) و (دابة) و (تمودّ) و (أصيمّ) فلم يجز إدخال النون الخفيفة، ولسنا بمضطرين إليها على صورة تخرج بها عن كلام العرب.
فإن قال قائل فقد يلحقه ما يوجب إدغامه فيه فأجيزوا دخوله كقولك: (اضربا نّعمان) و (اضربانّي) النون الأولى من المشددة: النون الخفيفة، والأخرى: نون نعمان والنون التي في قولنا (ني) للمتكلم.
فإن قال قائل: أجيزوا هذا على هذا الوجه لأنها تقع وبعدها نون مشدد، كما قال:
" لا تتبعان " وأنتم تجيزون الحرف المشدد إذا كان بعد ألف، فلا يجوز (اضربا نّعمان) و (اضربانيّ) على مذهب سيبويه وأصحابه؛ لأنا لو أجزنا هذا في (اضربا نّعمان) لوجب إجازته في غيره من الأسماء التي لا نون في أولها ويكون الحكم فيها واحدا. ألا ترى أنك تقول: (هذان عبدا الله) فتسقط ألف التثنية في اللفظ دون الخط من " عبدا " للساكن الذي بعدها.
ولو قال لنا قائل قولوا: (عبدا الله) فأثبتوا الألف، لأن بعدها لاما مشددة لقلنا له قد يجوز أن نقول: (عبد الواحد) و (عبد الكريم) ولا يقع بعدها لام مشددة فلا تثبت الألف وتحذف لاجتماع الساكنين، فحمل الباب على طريق واحد.
وكذلك جعل (اضربا نعمان) بإسقاط النون الخفيفة كقولك: (اضربا سعدان) و (اضربا داود) وما أشبه ذلك.
ولو جاز إدخال النون في التثنية لكنا نحتاج أن نحذف ألف التثنية لاجتماع الساكنين فيصير الاثنان كالواحد.
قال سيبويه: ولو أدخلنا النون على الاثنين فاتصل بها نون أخرى لكانت تعتل: تدغم
стр. 1753
أو تحذف " في قولك: " اضرباني " لأنهم قد خففوا من مثل: " تبشّروني " و " فليني " على ما تقدم القول فيه، وليسوا بمضطرين إليه كما اضطروا إلى علامة الرفع وضمير المؤنث في قوله: " أتحاجّوني " وفي قولك: (هل تضربيني) و (فليني) وما أشبه ذلك.
وما قاله سيبويه أنه لو جاز أن تقول: (اضربا نعمان) من أجل الإدغام لجاز أن تقول: (اضربا نباكما) " وأنت تريد (أضربان أباكما).
وإذا ألقيت حركة الهمزة من " الأب " على النون؛ لأن النون تتحرك ويقع المتحرك بعد الألف وسيبويه يبطل هذا أيضا، لأن ذا التحريك ليس بلازم كما أن الإدغام ليس بلازم.
فلا يجوز إدخال النون الخفيفة على الاثنين بوجه ولا سبب.
ويذهب سيبويه إلى أن النون الخفيفة، ليست بمخففة عن الثقيلة، وكل واحدة منهما أصل في نفسها، لأنها لو كانت مخففة من الثقيلة لكانت بمنزلة نون لكن وأن المخففتين من (لكنّ) و (أنّ) وليست كذلك، لأن حكمها في الوقف يخالف حكم النون تقول:
(اضربن زيدا) وإذا وقفت قلت: (اضربا) ونون (أن ولكن) لا تتغير في الوقف وأيضا فإن النون الخفيفة في الفعل إذا لقيها ألف وصل سقطت، ونون (لكن وأن) لا تسقط فعلم إنها غير مخففة من الثقيلة.
قال الخليل: إذا أردت النون الخفيفة في فعل الاثنين كان بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة فقال قائل: وكيف يجوز أن تريد الخفيفة وأنت لا تجيز دخولها بوجه على فعل الاثنين؟
فإن الجواب في ذلك على ما ذكره بعض أصحابنا أن رجلا لا يكون من عادته إدخال النون في فعل الواحد والجماعة بضرب مما ينويه من التوكيد إذا أمر، فإذا عرف له فعل الاثنين فأراد ذلك التوكيد لم يتجاوز لفظ الاثنين بلا توكيد، وإن أراد التوكيد الذي جرت عادته به، وما قد عرف منه يغني عن إظهار ذلك في هذا الفعل، إن كان لا يجوز إدخاله فيه.
ثم اجتمع سيبويه في إبطال ذلك وإبطال (اضربا نّعمان) بأنه لو جاز (اضربا نعّمان) لما وقع التشديد بعد الألف فيما لم يكن يجوز في غير نعمان لجاز أن تقول: (جيئوني) و (جيئون نعمان) إذا أردت النون الخفيفة، وذلك أنا ندخل النون الخفيفة على (جيئوا) فتقول: " جيئون يا قوم " فتحذف الواو التي كانت في (جيئوا) لاجتماع الساكنين الواو والنون فإذا وصلنا به نون المتكلم ونون نعمان اندغمت فيه النون الخفيفة ولا ترد الواو وإن كان بعدها
نون مشددة، لأنها قد سقطت لاجتماع الساكنين والتشديد غير لازم.
стр. 1754
قال: وإذا أردت النون الخفيفة في فعل الاثنين المرتفع قلت: (هل تضربان زيدا) وهذه النون نون الرفع ولا يجوز إدخال النون الخفيفة فيه، لأن إدخالها يوجب بطلان نون الرفع، وقد قلنا إنها لا تدخل ونون الرفع ثابتة.
" وإذا أدخلت النون الثقيلة في جمع النساء قلت: (اضربنان زيدا)، و " هل تضربنان يا نسوة " والأصل (اضربن) و (هل تضربن) ودخلت النون المشددة، فصارت: (اضربننّ) و (هل تضربننّ) فاستثقلوا اجتماع ثلاث نونات فأدخلوا ألفا بينها، ولاستثقال هذه النونات (استثقالا) ما أجازوا حذف واحدة منها في " إنّني " و (كأنّني) و (لكنّني) حتى قالوا (إني)، و (كأني)، و (لكني).
وأما النون الخفيفة فلا يجوز إدخالها على فعل جماعة النساء في قول الخليل وسيبويه ومن ذهب مذهبهما، لأنا لو أدخلنا النون الخفيفة لوجب أن نجعلها في موضع النون المشددة، ولو فعلنا ذلك أدخلنا ألفا بين نونين فقلنا (اضربنان زيدا) ولو فعلنا ذلك لوقعت النون الأخيرة ساكنة بعد ألف فتصير بمنزلتها في فعل الاثنين وقد بينا فساد ذلك.
قال: وأما يونس ومن ذهب مذهبه من النحويين فيقولون في التثنية وجمع المؤنث:
(اضربان واضربنان) وهذا لم يقله العرب، وليس له نظير في كلامها. لا يقع بعد الألف ساكن إلا أن يدغم ويقولون في الوقف: (اضربا واضربنا) فيمدون وهو قياس قولهم، لأنها تصير ألفا فإذا اجتمعت ألفان مد الحرف.
وكان المازني والمبرد يفسران مذهب يونس كما فسره سيبويه، ويقولان: أنه يكون في الوقف ألفان.
قال المازني: قياس قولهم أن يبدلوا منها في الوقف ألفا فيقول (اضربا) و (اضربنا) وكان الزجاج منكر هذا، ويقول: لو مدت الألف الواحدة وطال مدها ما زادت على الألف؛ لأن الألف حرف لا تكرر، ولا يؤتي بعدها بمثلها.
والذي قاله سيبويه على قياس قول القوم: إنه يجتمع ألفان، وليس هذا بمنكر وهو أن يقدر أن ذلك المد الذي زاد بعد النطق بالألف الأولى يرام به ألف أخرى وإن لم تنكشف في اللفظ كل الانكشاف، وقد رأيناهم بنوا من الممدود شعرا من السريع، وضربه مفعولات، وحروف الروي منه همزة ساكنة وقبل الروي ردف (ألف) كنحو قولهم:
стр. 1755
ردي ردن ورد قطاة صمّا (١) ... كدريّة أعجبها برد الما
الأبيات على أسماء ممدودة وقال الراجز:
يمتسكون من حذار الإلقا ... بتلعات الجذوع الشّيصا (٢)
فهذه حروف، الروي منها همزة وهي تخفف وتخفيفها في الوقف يعسر وإذا خففوها لم تكن إلا ألفا.
قال سيبويه: على قياس قول القوم وما يعملونه- إذا لقي هذه النون- بعد ألف التثنية وفعل جماعة المؤنث- ألف ولام، أو ألف موصولة: " جعلوها همزة مخففة وفتحوها.
ثم رد عليهم فقال:
إنما القياس أن يقولوا: (أضربا الرجل)، كما يقولون في النون الخفيفة بفعل الواحد إذا كان بعدها ألف وصل أو ألف ولام، ذهبت، فينبغي أن يذهبوها لذا، ثم تذهب الألف (كما تذهب) الألف، وأنت تريد النون في الواحد.
إذا وقفت فقلت: " أضربا " ثم قلت: " أضرب الرجل "، لأنهم إذا قالوا:
(اضربان زيدا) فقد جعلوه بمنزلة " أضربن " زيدا فينبغي لهم أن يحذفوها إذا لقيها ألف وصل كما يحذفون النون التي في " أضربن " إذا لقيها ألف وصل فإذا حذفوها حذفوا الألف التي قبلها أيضا لاجتماع الساكنين فيبقى كلفظ الاثنين إذا لم يكن فيها نون كقولك: (اضربا الرجل) فاعرفه إن شاء الله تعالى.
هذا باب إثبات الخفيفة والثقيلة في بنات الواو والياء التي الواوات والياءات لاماتهن
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان لام الفعل منه واوا أو ياء أو ألفا زائدا كان أو أصليّا فإن ذلك كله يثبت إذا دخلت النون على فعل الواحد المذكر؛ لأنه ينفتح ما قبلها
стр. 1756
والمفتوحات من حروف العلة في هذا الباب لا تسقط، ولا تعتل وصارت النون كألف التثنية في انتفاء الواو والياء قبلها، وفي قلب الألف واوا أو ياء قبلها إذا قلت: (عصوان)، و (رحيان) وفي الفعل (رنوا) و (رميا) وأريد أن تغزوا وترميا وتخشيا فعلى ذلك تقول في النون (أرمينّ) و (أخشينّ) و (أغزونّ).
قال الشاعر:
استقدر الله خيرا وأرضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير (١)
والزائد من هذا (سلقينّ) و (جعبينّ) و (تجعبينّ)، و (هل تتجعبينّ) وقد مر جملة هذا الباب فيما ذكرناه قبله.
هذا باب ما لا تجوز فيه نون خفيفة ولا ثقيلة
وذلك ما كان موضوعا موضع الفعل وليس بفعل أو كان فعلا في الأصل ودخل عليه ما بني معه فألزمه لفظا واحدا ومنعه من التثنية والجمع فأما ما كان موضوعا موضع الفعل وليس بفعل: (ايه) و " (مه) و (صه ") وأما ما كان فعلا في الأصل ودخل عليه ما منعه التثنية والجمع فقولهم: (هلم) في لغة أهل الحجاز يقولون للواحد: (هلم) وللاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد (هلم يا زيدان) و (هلم يا زيدون) و (هلم يا امرأة) و (هلم يا نسوة) قال الله : وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا (٢) ولم يجمع فلا يدخل على هذا النون، لأنه خرج عن تصرف الفعل وصار بمنزلة الموضوع موضعه، وأما بنو تميم فإنهم يثنون ويؤنثون ويقولون: (هلمّا يا زيدان)، و (هلمّوا يا رجال) و (هلمّي يا امرأة) و (هلممن يا نسوة) فهؤلاء يدخلون النون فيقولون: (هلمّنّ يا زيد) ويجرون النون الداخلة عليه مجراها في (ردّنّ) وأصل هذا عند سيبويه- وقد ذكره في هذا الباب- " ها " ضم إليها " لم " كما تقول: " ردّ " على لغة بني تميم وحذفوا الألف تخفيفا.
ثم اجتمع عليه أهل الحجاز وبنو تميم في اللفظ، ولم يصرفه أهل الحجاز لأنهم جعلوها معها كشيء واحد، وصرفه بنو تميم وغير سيبويه من النحويين يقول: إن أصله " هل " زاد عليه " ام " التي في معنى أقصد وحذفوا الهمزة لما جعلوهما كشيء واحد، وضموا
стр. 1757
اللام وألقوا عليها حركة الهمزة إذا ابتدئ بها وهذا قول قريب، وقد رأينا " هل " قد دخلت عليها (لا) فجعل في معنى التخصيص كقولهم: (هلا) فعلت ذاك، و (هلم) أمر مثل التخصيص.
هذا باب مضاعف الفعل واختلاف العرب فيه
قال أبو سعيد: اعلم أن المضاعف الذي أراده في هذا الباب وفي الباب الذي بعده هو حرفان في موضع واحد أحدهما عين الفعل والآخر لامه والكلام فيه على إدغام الأول منهما في الثاني أو ترك الإدغام.
فإذا كان الثاني متحركا بحركة إعراب أو غير إعراب لا يوجبها ساكن يلقي الحرف من كلمة أخرى فلا خلاف بين
العرب في إدغام الأول في الثاني إذا كان ذلك في فعل ماض، أو مستقبل، أو أمر قلت حروفه أو كثرت.
أما الماضي فنحو (ردّ يردّ)، و (صدّ يصدّ) و (فرّ يفرّ) و (اجترّ يجترّ) و (استعد يستعدّ) و (ضارّ يضارّ) و (احمارّ يحمارّ) ويجري مستقبله مجرى ماضيه، وكان الأصل تحريك الحرف الأول على ما يلزمه في نظائره من الصحيح الذي لا تضعيف فيه كقولنا: (ضرب يضرب) و (قعد يقعد) و (استمع يستمع) و (استعبد يستعبد) و (قاتل يقاتل) ولكنهم استثقلوا تكرير حرف من جنس الذي قبله فيثقل؛ لأن اللسان عند التصويت يحتاج إلى انبساط في حركاته في نطقه، وإذا اقتصر على النطق من موضع واحد انحصر وثقل ولذلك قل أن يوجد في كلام العرب ثلاثة أحرف متوالية من جنس واحد، وقل أيضا أن يوجد حرفان من جنس واحد بينهما حرف ساكن نحو (الفلق) و (السلس) وما جرى مجراه.
وإذا كان الحرف الذي بينهما من حروف المد واللين كان أخف وأكثر كقولنا:
(سوس) و (داد الطعام) و (أداد) و (قاق) و (قوق) و (طاط) و (طوط) وما أشبه ذلك؛ لأن حرف المد الذي بينهما بامتداد الصوت فيه يبعد بين الحرف الأول والثاني قليلا وإذا أدغم كان أخف، لأن إخراجهما بالإدغام كالنطق بهما دفعة واحدة.
ومما يجب فيه الإدغام أن تلحقه علامة التثنية أو الجمع بالواو أو التأنيث بالياء كقولنا: (ردّا) (يردّان) و (ردّا) و (ردّوا) (يردّون) و (ردّوا)، و (ردّي يا امرأة) و (ضارّي زيدا) و (استعدّي) وهذا لا خلاف بين العرب في شيء منه. فإذا لحق الواحد جزم وسكن الحرف الأخير منه للجزم فأهل الحجاز يظهرون وبنو تميم وكثير من العرب سواهم يدغمون.
стр. 1758
وذلك قول أهل (الحجاز): أردد وإن تضارر أضارر وإن تستعدد استعدد. وإن تحرك الثاني لساكن يلقاه من كلمة أخرى لم يتغير إظهار الحرفين ولا يدغمون؛ لأن التحريك ليس بلازم كقولك: (اردد الرجل) و (أن تستعدد اليوم استعدد) يدعونه على حاله ولا يحفلون بالتحريك، لأنه لا يلزمه أبدا أن يلقاه ساكن وبنو تميم ومن تبعهم يقولون (رد وفر وعض وإن تردّ أردّ) وقد جاء القرآن باللغتين جميعا، قال الله :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ (١) وقال تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ (٢) فإذا أدغم الحرف الأول في الثاني وكان قبل الحرف الأول منهما ساكن ألقوا حركة الأول على الساكن الذي قبله كقولك: (ردّ يردّ وعضّ يعضّ وفرّ يفرّ) وكان الأصل (يردد ويعضض ويفرر).
وكذلك إذا قلت (استعد يستعد) فأصله (استعدد يستعدد) فإذا ألقيت حركة الأول منهما على الساكن الذي قبله وكان
قبل ذلك الساكن ألف وصل سقطت لتحرك ما بعدها والاستغناء عنها وذلك قولك: (ردّا) و (ردّوا) و (عضّا) و (عضّوا) و (فرّا) و (فرّوا) و (ردّي) و (عضيّ) و (فريّ) والأصل: (ارددا) و (اعضضا) و (ارددوا) و (اعضضوا) و (اعضضي)، فلما ألقيت حركة الدال الأولى على الراء من (ارددا) فتحركت الراء سقطت ألف الوصل للاستغناء عنها.
فإن كان بين الحرف الذي ألقيت عليه الحركة وبين ألف الوصل حرف آخر لم يسقط لأن الساكن الذي بعد ألف الوصل بحاله وذلك قولك: (اطمأنّ) و (اقشعرّ) و (اطمئنّوا) و (" استعدّوا) " لأنك إذا قلت: (اقشعر) و (اطمأن) فأصله (اقشعرر) و (اطمأنن) فألقيت حركة الراء الأولى من (اقشعرر) على العين والنون الأولى من (اطمأنن) على الهمزة وبين العين من (اقشعرّ) وألف الوصل حرفان فلم تغير ألف الوصل، لأن الساكن الذي بعدها بحال ومن ذلك (اجترّ) و (احمرّ) و " (انقدّ) أصله (اجترر) و (احمرر) و (انقدد) ولما أدغمت لم تغير الألف ولم تزد على الإدغام شيئا ولم تلق حركة المدغم على ما قبله، لأنه متحرك فتركته على حاله كما قلت: (رد) و (ردوا) وأصله (ردد) و (رددوا) ولما أدغمت لم تغير.
وإذا كان الساكن الذي قبل الحرف المدغم ألفا لم تحذفها إذا أدغمت وذلك في
стр. 1759
ثلاثة أبنية في (فاعل) و (تفاعل) و (افعالل) فأما (فاعل) فنحو (ضارّ يضارّ) و (عاضّ يعاضّ) و (حادّ يحادّ) ولو أسقطوا الألف لالتبس وتدخل عليه التاء فيصير (تفاعل يتفاعل) وكقولك (تمادوا يتمادون) و (تعاضوا يتعاضون) " وأما " افعالّ " فنحو (احمارّ يحمارّ) و (اشهابّ يشهابّ) و (ادهامّ يدهامّ) فاعرفه.
هذا باب اختلاف العرب في تحريك الحرف الآخر لأنه لا يستقيم أن يسكن هو والأول (من غير أهل الحجاز)
قال أبو سعيد: اعلم أن العرب من غير أهل الحجاز إذا أدغموا في الجزم كانوا في حركة الحرف الأخير على مذاهب:
فمنهم من يتبع الحرف الأخير ما قبل الحرف المدغم فيه إن كان مضموما ضمه وإن كان مكسورا كسره وإن كان مفتوحا فتحه وذلك قولك في المضموم: (ردّ يا هذا) و (لم يردّ زيد) وعلى هذا قراءة من قرأ: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ (١) وهو في موضع جزم وتقول في المكسور: (فرّ يا هذا) و (فرّ يا هذا) و (استعدّ) و (اطمئنّ) وتقول
في المفتوح: (عضّ يا هذا) و (إن تعضّ أضربك) و (إن تعدّ تعدّ معه) ومثله (اجترّ) و (احمرّ) و (ضارّ زيدا)، و (مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ) (٢) يفتح ذلك فيما قبله ألف، لأنك تفتحه فيما قبله فتحة، والألف أجدر، لأن الفتحة منها ولا يتغير ذلك إلا أن يدخل عليها ألف التثنية فتفتحها كقولك: (ردّا وفرّا وعضّا) أو ياء التأنيث فتكسرها كقولك: (ردّي وفرّي وعضّي) أو واو الجماعة فتضمها كقولك: (ردّوا وفرّوا وعضّوا).
قال سيبويه: فإذا جاءت الهاء والألف فتحوا أبدا يعني في قولك (ردّها) و (عضّها) و (استعدّها).
قال: وسألت الخليل لم ذلك؟ فقال: لأن الهاء خفية فكأنهم قالوا: (ردّا وأمدّا) أراد أنهم لم يعتدوا بالهاء لخفائها.
قال: " وإذا كانت الهاء مضمومة ضموا كأنهم قالوا: (مدّوا) و (عضّوا) إذا قالوا (مدّه) و (عضّه).
стр. 1760
وقد يتغير أيضا حكمه إذا جئت بالألف واللام والألف الخفية فتكسر في الموضع الذي لا تكسره فيه إذا لم تكن ألف ولام وهو قولهم (رد الرجل) و (غضّ الطرف) و (عضّ القوم) وما أشبه ذلك.
وإنما كسروا هذا على الأصل، لأن الأصل في (غضّ الطّرف) (اغضض الطرف) و (أعضض القوم) فتكسره كما تكسر (اضرب الرّجل) و (اضرب ابنك) ولا خلاف في هذا، فكأنهم إذا بقي المجزوم ألف ولام أو ألف خفية اتفقوا على لغة أهل الحجاز وهو الأصل وأقول في هذا وإن الذي يقول: (ردّ) و (عضّ) و (فرّ) كان الأصل فيه (اردد) و (افرر) و (أعضض) فلما أرادوا الإدغام أدغم الحرف الأول في الثاني الذي هو ساكن للجزم أو للأمر وألقى حركة الأول على ما قبله فأسقط ألف الوصل كما بينا ثم اجتمع ساكنان الحرف المدغم والحرف الذي بعده الساكن بالجزم أو بالأمر فاحتاج أن يحركه لا لشيء يلقاه بعده فذهبوا به مذهبين منهم من بناه على الفتح كما بنوا (ثم) و (أين) و (كيف) ومنهم من اتبع كما قالو (منذ) ومنهم من كسر كما قالوا (أمس) و (جبر)، فإذا لقيه ألف ولام أو ألف وصل ليس معها لام التعريف وهي الألف التي يسميها سيبويه الألف الخفية، قدر بعضهم تقديرا غير هذا فجعل الأصل كأنه قال: (أردد الرّجل) و (أعضض القوم) و (أمدد ابنك) و (أعدد اسمك) فتكسر لألف الوصل الذي بعده، وهي توجب كسر ما قبلها من السواكن ثم تدغم بعد ذلك على الترتيب الذي ذكرناه.
وإنما سمي سيبويه ألف الوصل التي لا لام معها الألف الخفية، لأنها تسقط في حال وتثبت في حال فيكون سقوطها في حال خفية لها وشبه كسر من كسر (رد الرجل) و (غضّ الطرف) على الأصل بقولهم: (مذ اليوم) و (ذهبتم
اليوم) لأن (مذ) مخففة من (منذ) و (ذهبتم) مخففة من (ذهبتمو).
فإذا احتيج إلى تحريك ذلك حركوه بالحركة التي يوجبها الأصل.
قال سيبويه: ومنهم من يفتح إذا اجتمع ساكنان على كل حال إلا في الألف واللام والألف الخفية وهم من بني أسد وغيرهم من (بني) تميم.
يعني أنهم يقولون: (مدّ يا فتى) و (إن تردّ أردّ) و (فرّ) و (عضّ) يختار الفتح كما اختير في " أين " و " كيف " و " ثم " لخفتها ولم يتبع الآخر الأول كما أتبعه من ذكرنا أولا، والذين أتبعوا شبهوه بقولهم في الرفع: (أمرؤ) و (أبنم) وفي الخفض (امرئ) و (ابنم) وفي النصب (امرأ) و (ابنما).
стр. 1761
ومن العرب من إذا جاء بالألف واللام والألف الخفيفة تركه على حاله مفتوحا في جميع الأشياء ك (أين).
وقد ذكر يونس أنه سمعهم يقولون:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... ... (١)
كأنهم حركوه بالفتح من قبل أن يلقاه الألف واللام ثم دخل عليه الألف واللام وهو مفتوح وقد أجمعت العرب على فتح " هلم " على كل حال؛ لأنه ضعف تمكنه وتصرفه بما ضم إليه فألزموه أخف الحركات كما اجتمعوا على فتح الدال من (رويد) وقد مضى نحوه.
" ومن العرب من يكسر هذا أجمع على كل حال فيجعله بمنزلة (اضرب الرجل) فيقول: " رد " و " عض " و " فر " وإن لم يلقه ألف وصل على قياس الكسرة في اجتماع الساكنين وهم (كعب) و (غنى) (٢) ولا يكسر أحد " هلم " لما ذكرته فإذا اتصلت نون جماعة المؤنث وتاء المتكلم بالفعل سكن ما قبلها وأجمع على ذلك جل العرب من أهل الحجاز وبني تميم وأكثر العرب فيقولون: (رددت) و (هن يرددن) و (يضربن) و (يذهبن) ولزم بنو تميم وغيرهم الإظهار في هذا؛ لأن الحرف الثاني لزمه سكون يؤمن من الحركة فيه لساكن يلقاه من بعد كما يلقاه في قولك: (اردد الرجل) و (اضرب القوم) فلما كان الحرف المتصل به منعه ذلك لم يحركوه بحال.
وزعم الخليل وغيره أن ناسا من بكر بن وائل وغيرهم يقولون: (ردّنّ) و (مرنّ) و (ردّت) جعلوه بمنزلة (ردّ) و (مر ") كأنهم أدخلوا النون والتاء على حرف قد أدغم فيه ما قبله فكرهوا نقض بنية الحرف.
وهذه لغة رديئة فاشية في عوام أهل بغداد.
قال سيبويه: فأما " ردّد " ويردّد " فلم يدغموه لأنه لا يجوز أن يسكن حرفان
стр. 1762
فيلتقيا ولم يكونوا ليحركوا العين الأولى؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لم ينجوا من أن يرفعوا ألسنتهم مرتين فلما كان ذلك لا ينجيهم أجروه على الأصل ولم يجز غيره.
يريد أنا لو أدغمنا الدال الثانية من (ردّد) و (يردّد) في الدال الثالثة لوجب أن تلقي حركتها على الدال الأولى فنقول: (رددّ) و (يرددّ) وكذلك كل ما كان على (فعّل يفعّل) من هذا نحو (عضّض يعضّض) ولو فعلنا هذا لم ننج من ذكر حرفين أحدهما غير مدغم في الآخر؛ لأن العين الأولى إذا وقعت عليها حركة العين الثانية واندغمت العين الثانية في لام الفعل، فقد ظهرت العين الأولى غير مدغمة والحرف الذي بعدها غير مدغم، وإنما يريد بالإدغام التخفيف، فإذا أدغمنا (ردّد) و (عضّض) فالذي نكرهه من إظهار الحرفين نقع في مثله.
وذكر سيبويه:
" أن الشعراء إذا اضطروا إلى إظهار المدغم وإخراجه على الأصل فعلوا ذلك ".
وأنشد ما قد ذكره في أول الكتاب من الضرورة كقول قعنب ابن أم صاحب:
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أنيّ أجود لأقوام وإن ضننوا (١)
وقال الآخر:
تشكو الوجى من أظلل وأظلل (٢)
وقد ذكرناه في موضعه.
هذا باب المقصور والممدود
ويقال للمقصور- أيضا- منقوص، فأما قصرها فهو حبسها عن الهمزة بعدها وأما نقصانها فنقصان الهمزة منها.
قال أبو سعيد: اعلم أن المقصور والممدود كل واحد منهما على ضربين فأما ضربا المقصور فأحدهما أن يقع واو
أو ياء طرف الاسم وقبلها فتحة فتنقلب ألفا ولا يدخلها إعراب لأنها لا تتحرك، فإذا احتيج إلى تحريكها في التثنية ردت إلى الأصل الذي منه
стр. 1763
انقلبت الألف إن كانت واوا ردت إلى الواو وإن كانت ياء ردت إلى الياء.
فأما الواو فنحو قولك (رجا) و (عصا) و (قفا) ورجا الشيء: جانبه إذا ثنيت قلت (رجوان ") و (عصيان) و (قفوان) وفي (منا الحديد) (منوان) وكان أصل ذلك (منو) و (عصو) وأما الياء فنحو (رحى) و (فتى) إذا ثنيت قلت: (رحيان) و (فتيان) لأن الأصل في (رحى) و (فتى) وقد تدخل الألف زائدة غير منقلبة من شيء، فإذا دخلت زائدة فإنما تدخلت للتأنيث أو للإلحاق على ما عدته ثلاثة أحرف أو أكثر فإذا احتجت إلى تثنية ذلك ثنيته بالياء على كل حال؛ لأن الواو لا تثبت فيما زاد عدته على ثلاثة أحرف وتنقلب ياء فصار الباب فيما لم يكن له أصل أن يرد إلى الياء إذ كانت الواو لا تثبت في ذلك وإذ كانت الألف لا تتحرك.
وأما ألف التأنيث فنحو (حبلى) و (سكرى) و (حبارى) و (جمادى) فإذا ثنيت قلت:
(حبليان) و (سكريان) و (حباريان) و (جماديان).
وأما ما زيدت الألف فيه لغير التأنيث نحو (أرطي) و (حبنطي) و (قبعثرى) فإذا ثنيت قلت: (أرطيان) و (حبنطيان) و (قبعثريان) كما ذكرته لك.
وقد جاء في حرف نادر التثنية بالواو مما زاد على ثلاثة أحرف وذلك قولهم:
(مذروان) وكان القياس أن يقال: (مذريان) كما يقال (ملقيان) و (ملهيان) وما أشبه ذلك، وإنما جاء بالواو لأنه لا يفرد له واحد، وينبني على التثنية بالواو كما يبنى على الواو إذا كان بعدها هاء التأنيث في قولهم: (شقاوة) و (غباوة) و (قلنسوة) و (عرقوة) ولولا الهاء لانقلبت الواو فجعلوا لزوم علامة التثنية في بنات الواو كلزوم الهاء.
وأما ضربا الممدود فأحدهما أن يقع واو أو ياء طرفا وقبلها ألف فتنقلب همزة والهمزة إذا كانت طرفا وقبلها ألف في اسم سمي ممدودا وذلك قولك: (عطاء) و (كساء) و (رداء) و (ظباء) والأصل (عطاو) و (كساو) لأنه من (عطوت) و (كسوت) وأصل (رداء) و (ظباء)، (رداي) و (ظباي) لأنه من حسن الرّدية، ومن قولك: (ظبي).
وأما الضرب الآخر من الممدود، فإن تقع ألف التأنيث وقبلها ألف زائدة، فلا يمكن اجتماع الألفين في اللفظ، ولا يجوز حذف أحدهما فيلتبس المقصور بالممدود فتنقلب الثانية، التي هي طرف همزة؛ لأنها من مخرج الألف فيصير الاسم ممدودا، لوقوع الهمزة طرفا، وقبلها ألف وذلك نحو (حمراء) و (صفراء)، و (فقهاء) و (أغنياء) وما أشبه ذلك.
ويدخل الممدود الإعراب، لأن الهمزة تتحرك بوجوه الحركات.
واعلم أن بعض المنقوص يعلم بقياس، وبعضه يسمع من العرب سماعا فأما ما يعلم
стр. 1764
بقياس، فأن تعرف أن نظيره من الصحيح قبل آخره حرف مفتوح، وذلك (معطى) و (مشترى) و (مغزى) و (ملهى) و (مسلنقى) هذه مقصورات ونظير " معطى ": (مخرج) ونظير " مشترى ": (معترك) و (مستمع) لأنه مفتعل، ونظير " مغزى " و " ملهى " (مفعل) مثل (مضرب) و (مطرح) و (مطرف) و (مخرج) و (مسلنقى) نظيره: " محرنجم " ونظير (مسلقى) " مدحرج " لأن (اسلنقيت) مثل (احرنجمت) و " سلقيت " مثل (دحرجت) و (عمى) و (عشى) و (قنى) من قنى الأنف مقصورات، لأنك تقول للأعشى به (عش) وللأعمى به (عمى) وللأقنى به (قنى) فيكون كقولك للأحول به (حول) وللأصلع به (صلع) فعمى وقنى بمنزلة (فعل).
ومن ذلك أيضا أن ما كان على (فعل يفعل) وهو (فعل) يكون مصدره على (فعل) كقولك: (فرق يفرق فرقا) وهو (فرق) و (كسل يكسل كسلا) وهو (كسل) و (لحج يلحج لحجا) وهو (لحج) إذا نشب في شيء.
فإذا جاء من نظير هذا من المعتل شيء علمت أن مصدره مقصور كقولك: (هوى يهوى هوى) و (هو هو) و (" ردي يردى ردى) وهو (رد) ومعناه (هلك) و (الرّدى) مقصور: الهلاك، و (لوي يلوى لوى) وهو (لو) " والّلوى مقصور وهو وجع الجوف، و (صدى يصدى صدى) " وهو (صد)، والصّدى: العطش، و " (كري يكرى كرى) وهو (كر) والكرى: النوم و (غوي الصّبر يغوى غوى) وهو (غو) والغوى: أن يشرب اللبن حتى تخثر نفسه.
ومن ذلك أن يكون على (فعل يفعل) وفاعله على " فعلان " نحو: (عطش يعطش عطشا) وهو (عطشان) و (ظمي يظمى ظما) وهو (ظمآن) و (غرث يغرث غرثا) وهو (غرثان) ونظيره (طوي يطوى طوى) إذا جاع وهو " (طيّان) وصدي يصدى صدى) وهو (صديان) إذا عطش.
قال سيبويه: وقد قالوا: (غري يغرى غرى) وهو (غر) والغراء ممدود شاذ كما قالوا (الظّماء).
قال أبو سعيد: الغراء ممدود. وقد اختلف فيه أهل اللغة فأما الأصمعي فكان يقول:
(غرى) مقصور، وكان الفراء يقول: (غراء) ممدود وقول كثير ينشد على وجهين:
стр. 1765
إذا قيل مهلا فاضت العين بالبكا ... غراء ومدّتها مدامع نهّل (١)
فمد غراء
ومن الناس من ينشد:
إذا قيل مهلا فاضت العين بالبكا ... غراء ومدّتها مدامع نهّل
فجعلت " غارت " فاعلت كأنه قال: (غارى يغارى) وكسر الغين من (غراء)، لأنه مصدر فاعل يفاعل كما تقول: (رامي يرامي رماء) و (عادى يعادي عداء)
وبعض أصحابنا يقول: إن (غرى): هو المصدر والغراء: الاسم، وكذلك يقول في (الظّماء) كما يقول (تكلّم كلاما) وإنما المصدر (تكلم تكلّما) والكلام الاسم للمصدر على غير الفعل.
والذي عندي أنه حمل على ما جاء من المصدر على (فعال) كقولك: (ذهب ذهابا) و (بدأ بداءة) وهو على كل حال شاذ كما ذكره سيبويه، وذكر أشياء من المصادر قد ذكرناها في باب المصدر بما أغني عن ذكره.
وأما نظائر الممدود فنحو (استخرجت) و (استمتعت) و (أكرمت) و (احرنجمت) وما جر مجراه مما يكون قبل آخر مصدره ألف، وذلك الاستخراج والاستمتاع والإعطاء والاحرنجام ونظائره من المعتل الممدود (الاشتراء) و (الإعطاء) و (الاحبنطاء) و (الاستسقاء)؛ لأن نظير (استسقيت): " استخرجت " و (أعطيت) نظير (أكرمت)، و (احبنطيت) نظير (احرنجمت).
ومما يعلم أنه ممدود أن تجد المصدر مضموم الأول ويكون للصوت نحو (الدّعاء) و (الزّقاء) وقياسه من الصحيح (الصّراخ)، و (النّباح) و (البغاح) و (الصّياح) و (النّهاج) وهو أكثر من أن يحصى.
و (البكاء) يمدّ ويقصر، فمن مده ذهب به مذهب الأصوات، ومن قصر جعله كالحزن ولم يذهب به مذهب الصوت ونظيره من المصادر (الهدى) والسّرى: وليسا بصوتين ويكون (فعال) أيضا للعلاج فما كان منه معتلا فهو ممدود نحو (النزاء)
стр. 1766
و (الغناء) و (الهواء) ونظيره من غير المعتل: (القماص).
وقلما يجيء مصدر على فعل بل لا أعرف غير (الهدى) و (السرى) و (البكا) المقصور فهذه وجوه من المقصور
والممدود دل القياس على القصر فيها، والمد من نظائرها.
ومنها ما لا يقال له: مدّ لكذا ولا يطرد له قياس وإنما تعرفه بالسمع فإذا سمعته علمت في المقصور أنه ياء أو واو وقعت طرفا فقلبت ألفا كقولك: (قلى يقلي قلى) على (فعل)، و (رضي يرضى رضا) وغير ذلك مما لا يعرف إلا بالسماع.
ومن الممدود قولهم " الألاء " وهو نبت و (المقلاء) وهي خشبة يلعب بها الصبيان.
وقد يدل الجمع على المقصور والمدود فإذا رأيت جمعا على أفعلة علمت أن واحده ممدود فتستدل بالجمع على الواحد كقولك في جمع فناء: " أفنية " وفي " رشاء " (أرشية)، وفي (سماء): " أسمية " فذلك " أفعلة " على مد الواحد، لأن " أفعلة " إنما هي جمع (فعال) أو (فعال) أو (فعال) كقولك: (قذال) و (أقذلة) و (حمار) و (أحمرة) و (غراب)، و (أغربة) وقالوا: (ندى) و (أندية) وهو فيما ذكره سيبويه.
والذي أوجب الكلام فيه البيت الذي أنشدوه فيه:
في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطّنبا (١)
وفيه ثلاثة أوجه منهم من يقول: (أندية) جمع (نديّ) وهو المجلس الذي يجتمعون فيه ليتحاضوا على إطعام الفقراء.
ومنهم من يقول: إنه جمع (ندي) على (نداء) كما قالوا: (جمل) و (جمال) و (جبل) و (جبال) ثم جمع (فعال) على (أفعلة) ومنهم من قال إنه شاذ وإذا رأيت الواحد على (فعلة) أو (فعلة) ثم جمع مكسرا كان الجمع مقصورا؛ لأن (فعلة) يجمع على (فعل) و (فعلة) يجمع على (فعل) و (فعل) نظيره؛ لأن قبل آخره فتحة، ولك قولهم: (عروة) و (عرى) و (فرية) و (فرى) نحو (ظلمة) و (ظلم) و (قربة) و (قرب).
هذا باب الهمزة
قال سيبويه: اعلم أن الهمزة يكون فيها ثلاثة أشياء: التحقيق، والتخفيف،
стр. 1767
والبدل. فالتحقيق قولك: (فرأت)، و (رأس)، و (سأل) و (لؤم) و (يئس) وأشباه ذلك.
قال أبو سعيد: أنا أقدم جملة موجزة في تخفيف الهمزة والبدل منها على مذهب سيبويه قبل ذكر كلامه فيما بعد، لأوطّئ بها من جامح كلامه، ومستصعب حكم الهمزة، واذكر ما خالفه فيه غيره في الموضع الأشكل به إن شاء الله تعالى.
قال أبو سعيد: اعلم أن الهمزة إذا وقعت أولا ولا كلام قبلها فهي محققة لا غير، مضمومة كانت أو مفتوحة أو مكسورة نحو همزة: (أب) و (أم) و (إبل) وهي لا تعد وإذا وقعت غير أول ثلاثة أوجه:
إما أن تكون ساكنة، وقبلها متحرك.
أو متحركة وقبلها ساكن.
أو متحركة، وقبلها متحرك.
فإن كانت ساكنة، وقبلها متحرك وأردت تخفيفها فإنك تقلبها إلى الحرف الذي منه حركة ما قلبها فإن كان ما قبلها مفتوحا قلبتها ألفا كقولك في (رأس): (راس)، وفي (فأس): (فاس) وفي (قرأت): (قرات) وإن كان ما قبلها مكسورا قلبتها ياء كقولك (ذئب): (ذيب) وفي (بئر) (بير) وفي (جئت) (جيت).
وإن كان ما قبلها مضموما قلبتها واوا كقولك في (جؤنة) (جونة) وفي (لؤم) (لوم) وفي (سؤب) (سوب).
وإذا كانت متحركة، وقبلها ساكن فإنها تنقسم قسمين، فإن كان الساكن الذي قبلها من حروف المد واللين فإنك تقلبها إلى ما قبلها وتدغم ما قبلها فيها إن كان ما قبلها ياء قلبتها ياء كقولك في (خطيئة): (خطيّة) وفي (بريء): (بريّ).
وإن كان ما قبلها واو قلبتها واوا كقولك في (مقرؤة): (مقروّة) وفي (أزد شنؤه):
(أزد شنوّه) وإن كان ما قبلها ألفا جعلتها بين بين، ولم تقلبها ألفا كما قبلتها واوا، لأنه لا يجتمع ألفان ولأن الألف لا تدغم في الألف كقولك في (ساءل): (سال)، وفي (التساؤل):
(التساول) وفي (قائل): (قايل) ومعنى قولنا بين بين في هذا الموضع وفي كل موضع يرد بعده من الهمز أن تجعلها من مخرج الهمزة ومخرج الحرف الذي منه حركة الهمزة، فإذا كانت مفتوحة جعلناها متوسطة في إخراجها بين الهمزة وبين الألف؛ لأن الفتحة من الألف وذلك قولك (في) " سأل " إذا خففنا: (سال)، وفي (اقرأ يا فتى) إذا خففنا " إقرأ " وإذا كانت مضمومة فجعلناها بين بين أخرجناها متوسطة بين الهمزة والواو كقولنا: (لؤم)
стр. 1768
في تخفيف (لؤم) فإذا كانت مكسورة جعلناها بين الياء وبين الهمزة وذلك قولنا في تخفيف (قائل)، (قايل) فهذا أحد الوجهين فيها إذا كانت متحركة وقبلها ساكن.
والوجه الآخر أن يكون الساكن الذي قبلها من غير حروف المد واللين فإذا كان كذلك فحكمها والحد فيها أن تلقى حركتها على ما قبلها وتحذف كقولنا في (مسألة) (مسلة) وفي (مرأة) (مرة) وفي (مرآة) (مراة). وفي قولك: (من أبوك؟): " من أبوك؟ " و (من أمك؟): (من أمّك) وفي: (من إبل) (من أبل).
وإن كانت متحركة وقبلها متحرك فانك تجعلها بين بين في كل حال إلا حالين وهما أن تكون مفتوحة وقلبها كسرة أو ضمة، فإن كانت ضمة قلبتها واوا محضة.
وإن كانت كسرة قلبتها ياء محضة، فأما حالها بين بين فنحو: (سال) و (لوم) و (سيل) و (ديل) و (شوون) و (رووس) ومن ذلك " يستهزيون " فالهمزة في هذا أجمع إذا خففته عند سيبويه جعلته بين بين على ما عرفتك.
وأما إذا كان قبلها كسرة وهي مفتوحة فنحو قولك: (مئر) جمع (مئرة)، وهي التضريب بين القوم والفساد، يقال (مأرت) و (مأست) بينهم: إذا ضربت بينهم، فتخفيف هذا أن تقول: (مير) وتخفيف (جؤن) جمع جؤنة (جون).
فإن قال قائل: لم قلبتها في هذه المواضع ياء محضة، واوا محضة وجعلتها بين بين فيما قبل؟
فالجواب في ذلك أن يقال إن همزة بين بين إنما هي الهمزة في الحرف الذي منه حركتها فإذا كانت مفتوحة وقبلها ضمة أو كسرة لم يستقم أن تجعلها بين بين وتنحو بها نحو الألف، لأنها مفتوحة والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا فقلبناها واوا محضة.
وقد كان الأخفش يقلبها أيضا ياء، إذا كان قبلها كسرة، وهي مضمومة ولا يجعلها بين بين وذلك نحو (يستهزئون) إذا خففها قال: " يستهزيون " واحتج بأن همزة بين بين تشبه الساكن للتخفيف الذي لحقها.
قال: وليس في الكلام كسرة بعدها واو ساكنة فلذلك جعلها ياء محضة، لأنه لو جعلها بين بين لكان قد نحا بها نحو الواو الساكنة وقبلها كسرة.
والهمزة إذا كانت أولا فهي لا تجعل بين بين وذلك أن الابتداء لا يقع إلا بمتحرك، وإذا جعلت بين بين قربت من الساكن وإن كانت متحركة في التحصيل، ولا يبتدأ إلا بما قد تمكنت فيه حركته وقد قال أهل الكوفة لهذه العلة بعينها إنها ساكنة واحتج سيبويه على إنها متحركة وإن كانت قد خففت وأخفى حركتها ضربا من الإخفاء بحجة لا يستطاع
стр. 1769
دفعها وهو إنها قد تقع مخففة بين بين في الشعر وبعدها ساكن في الموضع الذي لو اجتمع (فيه ساكنان) لانكسر البيت ولم يتزن كقول الأعشى:
أأن رأت رجلا أعشى أضرّبه ... ريب المنون ووهر مفسد خبل (١)
فالنون ساكنة وقبلها همزة مخففة بين بين فعلم إنها متحركة لاستحالة اجتماع الساكنين في هذا الموضع.
قال: وإنما جعل هذه الحروف بين بين ولم تجعل ألفات ولا ياءات ولا واوات، لأن أصلها الهمزة فكرهوا أن يخففوا على غير ذلك فتحول عن بابها فجعلوها بين بين ليعلموا أن أصلها عندهم الهمز.
يعني أن الهمزة التي حكمها أن تجعل بين بين لم تقلب واوا محضة ولا ياء محضة؛ لئلا تخرج عن حكم الهمزة في جميع وجوهها، فأبقوا فيها بقية من آثار الهمزة على ما قدمنا وصفه.
قال: وإنما منعك أن تجعل هذه السواكن بين بين إنها حروف ميّتة وقد بلغت غاية ليس بعدها تضعيف ولا يوصل إلى ذلك ولا تحذف؛ لأنه لا يجيء أمر تحذف له السواكن فألزموا البدل كما ألزموا المفتوح الذي قبله كسرة أو ضمة البدل.
قال أبو سعيد: يعني أن الهمزة إذا كانت ساكنة وقبلها متحرك نحو (رأس) و (ذئب) و (لؤم) إذا خففنا قلبناها ألفا أو ياء أو واوا على ما وصفنا ولم نجعلها بين بين؛ لأن معنى قولنا بين بين إنها بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها، فلما وقعت ههنا ساكنة لم تتعلق بحرف آخر يجعلها بين الهمزة وبين ذلك الحرف وأيضا إن همزة بين بين إنما تضرب من الساكن على ما بينا وهي في هذا الموضع ساكنة فقد بلغت غاية ليست بعدها تضعيف، لأن السكون في نهاية الضعف ولا يجوز أن ينحى بالساكن نحو شيء آخر هو أضعف منه كما ينحى بالمتحرك نحو ما هو أضعف منه وهو الساكن.
فلم يوصل إلى تضعيف هذا الحرف الساكن بأكثر مما هو فيه وقوله: " ولا تحذف " يريد لا تحذف الهمزة الساكنة إذا خففت؛ لأنه لم يرد ما يوجب حذفها فلما لم تجعل بين بين ولم تحذف أبدل على حركة ما قبله كما تبدل الهمزة في " مئر " ياء وهو في معنى قول
стр. 1770
سيبويه، كما ألزموا المفتوح الذي قبله كسرة يعني قوله في (مئر) (مير) أو ضمه يعني في قولنا (جؤن): (جون) وقد تقدم الكلام في هذا وقال الراجز:
عجبت من ليلاك وانتيابها (١) ... من حيث زارتني ولم أورابها
والأصل أورأبها، ولا يجوز الهمز في البيت لأن القصيدة مردفة، ولا بدّ من ألف قبل حرف الروي وهو الياء ولو همز لم يجز أن تكون الهمزة ردفا ومعنى قوله: لم أورأ بها لم أعلم بها.
قال لبيد يصف الناقة:
تسلب الكانس لم يورأ بها ... شعبة الساق إذا الظّلّ عقل (٢)
وهذا البيت يجوز فيه أربعة أوجه، يجوز لم (أورأ بها) مثال (أورع بها) معناه أشعر بها وهو من (الوراء) اشتقاقه، كأنه قال لم أشعر بها من ورائي وهذا على مذهب من يجعل الهمزة في وراء أصلية ويقول في تصغيرها: (وريّتة) تقديرها (وريّعة) وتقول في تصريف الفعل منها (ورّأت) بكذا وكذا كأنه قال: (ساترت بكذا) ومنه الحديث أن النبي ﷺ : " كان إذا أراد السفر ورّى عنه بغيره " (٣). وأصحاب الحديث لم يضبطوا الهمزة.
والوجه الثاني من هذا المعنى أن تجعل الهمزة غير أصلية، وتجعلها منقلبة من ياء، أو واو، ويقول (لم يور بها) ويجعل (وراء) مثل (عطاء) والهمزة منقلبة، ومن قال هذا قال في تصغير (وراء) و (وريّة) وأصله (ورية) وتسقط واحدة منها كما قلت في (عطاء) (عطيّ) والأصل (عطيي) وفي (عطاءة) (عطيّة) والأصل: (عطيية).
ويقول: (ورّيت عن كذا وكذا) بغير همز.
ويجوز أن يقال: (لم يوأر بها)، تقديره لم (يوعر بها) وفاء الفعل منها واو ومعناه لم
стр. 1771
يذعر بها وهو مشتق من (الإرة) والإرة النّار وهي مثل (عدة) وأصلها (وئرة) وحذفت الواو، وألقى كسرتها على الهمزة ومعناه أنه لم يصبه حر الذعر.
ويجوز أن يقال: (تسلب الكانس لم يؤر بها) تقديره: لم يعربها وهو مأخوذ من (الأوار) وهو حر الشمس وفاء الفعل من هذا همزة وعينه واو ولامه راء كأن فعله (آر) " يؤور " وما لم يسم فاعله (إير يؤار) مثل قيل يقال فإذا جزم سقط الألف.
قال: فأبدلوا هذه الحروف التي منها الحركات وليست حرف يخلو منها أو من بعضها وبعضها حركات.
يعني أنهم أبدلوا الهمزة ألفا في حال وياء في حال، وواوا في حال وهي الحروف المأخوذة منها الحركات، وليس حرف يخلو منها، يعني ليست كلمة تخلو من هذه الحروف أو من بعضها يعني من الحركات المأخوذة منها.
قال: وليس حرف أقرب إلى الهمزة من الألف وهي إحدى الثلاث والواو والياء شبيهة بها أيضا مع شكرتها أقرب
الحروف منها وسترى ذلك إن شاء الله تعالى.
يعني بذلك أن الألف هي شبيهة بالهمزة، والواو والياء أيضا شبيهة بالهمزة، مع شركة الواو والياء لأقرب الحروف منها، أعني من الهمزة وهي الألف، وإنما أراد سيبويه بهذا الذي ذكره تقريب أمر هذه الحروف الثلاثة من الهمزة ليبين أنه شائع إبدالهن منها.
فإن قال قائل: ما شبه الواو والياء بالهمزة، فإن شبههما بالهمزة أن الواو والياء يقلبان إليها في مواضع ضرورة.
ولا يجوز قلبها إلا إليها نحو قولنا في جمع (عجوز): (عجائز)، وفي اسم الفاعل من قال يقول: (قائل)، وفي (سفينة): (سفائن)، وفي اسم الفاعل من (رام يريم): (رائم).
ثم ذكر سيبويه الهمزة المتحركة إذا كان قبلها حرف ساكن على النحو الذي ذكرنا.
فقال: ومثل قولك: (الأحمر) على إلقاء حركة الهمزة على اللام.
وفي ذلك وجهان: فمنهم من يلقي حركة الهمزة على اللام فتتحرك اللام وتبقى ألف الوصل، فيثبتها ولا يحذفونها.
ومنهم من يقول: " لحمر " فيحذف ألف الوصل فأما من أثبتها مع تحريك اللام فلأن هذه اللام ينوي سكونها. وأن هذه الحركة للهمزة المقدورة وقد يحرك الحرف لمعنى عارض فلا يجري على حكم المتحرك في جميع جهاته.
وكذلك يسكن فلا يجري مجرى الساكن في جميع جهاته إذا لم يكن السكون لازما له.
стр. 1772
فأما المتحرك، فنحو قولك: (لم يقم الرّجل) حركت الميم ولم ترد الواو التي ذهبت لاجتماع الساكنين، وكذلك الانطلاق حركت لام التعريف لسكونها وسكون النون ولم تحذف ألف الوصل؛ لأن الحركة عارضة في اللام ومن قال (لحمر) فإنه حذف ألف الوصل لما تحركت اللام، وإنما الحاجة الداعية إليها سكون اللام.
ومن قال في (الأحمر): " (الأحمر) لزمه أن يقول في (اسأل) (اسل)، لأنه يلقي حركة الهمزة على السين، والسين في نية السكون.
من قال (لحمر) فحذف ألف الوصل لتحرك اللام في اللفظ لزمه أن يقول في (اسأل) (سل) غير أن الأكثر في كلام العرب إبقاء ألف الوصل مع لام المعرفة وحذفها في غير ذلك.
وذلك لأن هذه اللام من صيغتها السكون في أحوالها كلها لا تعتورها الحركة، إلا بسبب غيرها فكأن نية السكون فيها أقوى وألف الوصل إليها أجلب.
وحكى الكسائي والفراء أن من العرب من يقلب الهمزة لاما في مثل هذا فيقول في (الأحمر) (اللحمر) وفي
(الأرض) (اللرض)، وفي جميع هذا الباب. فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالقائلون بها إنما قلبوها ولم يلقوا حركتها على اللام، لأنه ليس من شأن هذه اللام أن تحرك فقلبوها من جنس اللام على جهة المجاورة للتكثير لها كما يقولون (لو ") إذا جعلوها اسما فيزيدون واوا من جنس الواو التي في (لو).
قال: ومثله قولك في (المرأة) " المرة " و (الكمأة) " الكمة " فهذا من التخفيف الذي ذكرناه وإلقاء حركة الهمزة على ما قبلها وحذفها.
قال: وقد قالوا (الكمأة)، و (المرأة) ومثله قليل.
والذي قال: (الكمأة)، قلب الهمزة ألفا لانفتاحها وفتح ما قبلها، لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، وهذا عند سيبويه والبصريين غير مطرد، والوجه ما ذكرناه في أحكام الهمز، والكسائي والفراء يريان هذا الباب مطّردا، ويقيسان ذلك عليه.
قال: وقد قال الذين يخففون: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (١) حدثنا بذلك يونس، وإنما حذفت الهمزة هاهنا؛ لأنك لم ترد أن تتم وأردت إخفاء الصوت فلم يكن ليلتقي ساكن وحرف هذه قصته ".
يعني أنك إذا خففت الهمزة التي قبلها ساكن لم يجز أن تجعلها بين بين لأن همزة بين
стр. 1773
بين قد نحي بها نحو الساكن فلو جعلناها بين بين كان كالجمع بين الساكنين.
قال: " ألا ترى أن الهمزة إذا كانت مبتدأة محققة في كل لغة فلا تبتدئ بحرف قد أوهنته، لأنه بمنزلة الساكن كما لا تبتدئ بساكن.
يعني أن الهمزة إذا كانت مبتدأة لا تجعل بين بين كما لا يبتدأ بساكن.
قال: ولم يبدلوا، لأنهم كرهوا أن يدخلوها في بنات الياء والواو اللتين هما لامان يعني أنهم لم يقولوا (الخبو) ولا (الخبي) وكذلك ما كان من نحو هذا ك (دفء) و (ملء) و (رفء) لا يقال فيها عند سيبويه: " دفو " ولا " دفي " بل يلقى حركة الهمزة على الحرف الذي قبلها وتحذف.
وقد أجاز الإبدال الكوفيون وغيرهم من البصريين نحو أبي زيد على وجوه مختلفة فمنه ما يبدلونه واوا ومنه ما يبدلونه ياء على غير قياس محصل يقولون في (رفء) مصدر (رفأت الثوب رفو) وفي (خبء): (خبي) كما قالوا في (رفأت): (رفوت) وفي (نشأت):
(نشوت ") وفي (خبأت) (خبيت)، وفي (قرأت): (قريت) وهذا عند سيبويه رديء كله وليس له أصل يطرد عليه والباب ما ذكرناه من إلقاء حركة الهمزة وحذفها.
قال: فإنما تحتمل الهمزة أن تكون بين بين في موضع لو كان مكانها ساكن لجاز إلا الألف وحدها فإنه يجوز ذلك بعدها فجاز ذلك فيها.
يعني أن همزة بين بين لا تقع بعد ساكن إلا الألف نحو قولك في (قائل) إذا خففتها:
(قيل) وإنما كانت كذلك في الألف وحدها؛ لأن الألف وحده لا يمكن إلقاء الحركة عليها.
قال: " ولا تبالي إن كانت الهمزة في موضع الفاء أو العين أو اللام فهو بهذه المنزلة إلا في موضع لو كان فيه ساكن لجاز ".
يعني أن همزة بين بين لا تقع إلا في موضع يقع فيه الساكن لأنه ينحى بها نحو الساكن.
فإن قال قائل (فأنت) قد جعلت الهمزة في قولنا: " أأن رأت رجلا " بين بين ولا يصلح أن يكون في موضعها ساكن، لأن النون التي بعدها ساكنة فيجتمع ساكنان؟
قيل له: موضع الهمزة يجوز أن يقع فيه ساكن، لأنها بعد حرف متحرك ولكن متى وقع فيه ساكن لم يجز أن يأتي ساكن آخر لئلا يجتمع ساكنان.
وهمزة بين بين إن كانت لا تقع إلا في موضع يقع فيه الساكن فهي عندنا متحركة بالدليل الذي ذكرناه.
стр. 1774
قال، ومما حذف في التخفيف لأن ما قبله ساكن قوله: (أرى) و (ترى) و (يرى) و (نرى).
يعني أن الأصل في (أرى) و (ترى): (أرأى) و (ترأى) وماضيه (رأى)، فألغيت حركة الهمزة على الساكن الذي قبلها وحذفتها على ما بينا من حكمها ولم يحذفوا الهمزة في الماضي، لأن قبلها متحركا فلا يكون تخفيفها بإلغائها، وخففوا (ترى) وألزموه التخفيف استثقالا للهمزة مع كثرة استعمالهم له وجواز هذا التخفيف في نظائره.
قال: " غير أن كل شيء كان أوله زائد سوى ألف الوصل فقد أجمعت العرب على تخفيفه لكثرة استعمالهم إياه جعلوا الهمزة تعاقب "
يعني أن كل شيء كان في أوله زائدة نحو الألف للمتكلم والنون للجماعة والتاء للمخاطب والياء للغائب، فإن العرب تلزمه التخفيف وحذف الهمزة وقوله (سوى) ألف الوصل وهي مستثناة من الزوائد، وذلك أنك متى أدخلت همزة الوصل سكنت الراء، ولا بدّ أن تأتي بالهمزة فتقول: (ارأ) يا فتى فدخول ألف الوصل قد أوجبت تحقيق الهمزة؛ لأنك إذا لم تحققها وخففتها حركت الراء وإذا حركت الراء بطلت ألف الوصل والوجه أن لا تدخل ألف
الوصل فتقول: (ره رأيك يا زيد)، لأن الأمر من الفعل المستقبل وقد جرى الفعل المستقبل على حذف الهمزة.
وقوله: جعلوا الهمزة تعاقب يعني تعاقب هذه الزوائد، يعني أن العرب اجتمعت على حذف الهمزة في (أرى) و (ترى) و (نرى) و (يرى) كأنهم عوضوا همزة (أرى) التي للمضارعة من الهمزة التي هي عين الفعل وجرى سائر حروف المضارعة على الهمزة.
قال: وإذا أردت أن تخفف همزة (ارأوه) قلت: (روه) تلقي حركة الهمزة على الساكن وتلقي ألف الوصل، حيث حركت الذي بعدها؛ لأنك إنما ألحقت ألف الوصل لسكون ما بعدها ويدلك على ذلك: و (ذاك) و (سل) خففوا (ارأ)، و (اسأل) وقد مضى الكلام في نحو هذا.
قال: وإذا كانت الهمزة المتحركة بعد ألف لم تحذف؛ لأنك لو حذفتها ثم فعلت بالألف ما فعلت بالسواكن التي ذكرت لك لتحولت حرفا غيرها فكرهوا أن يبدلوا مكان الألف حرفا ويغيروها، لأنه ليس في كلامهم أن يغيروا السواكن فيبدلوا مكانها إذا كان بعدها همزة فخففوا ولو فعلوا ذلك لخرج كلام كثير من حد كلامهم (لأنه ليس من كلامهم) أن تثبت الواو والياء ثانية، فصاعدا وقلبها فتحة إلا أن تكون الياء
стр. 1775
أصلها السكون وسنبين ذلك في بابه.
والألف، تحتمل أن يكون الحرف المهموز بعدها بين بين؛ لأنها مدّ، كما تحتمل أن يكون بعدها ساكن وذلك قولك في (هباءة): (هباأة) وفي المسائل: (مسايل) " بين بين " وفي (جزاء أمه) " جزاؤامّه ".
وقد ذكر سيبويه أن الهمزة إذا كانت متحركة وقبلها ساكن أن تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على ما قبلها إذا كان من غير حروف المد واللين ولحروف المد واللين أحكام غير ذلك.
وابتدأ سيبويه فيها بذكر الهمزة التي بعد الألف إذا حققتها وحكمها أن تجعل بين بين؛ لأنه لا يمكن إلقاء حركتها على الألف إذا كانت الألف لا تتحرك أبدا، فلو ألقينا حركتها على الألف تحركت الألف وذلك غير ممكن.
ولو قلبنا الهمزة ألفا وأدغمنا الألف فيها كما يفعل بالهمزة بعد الواو والياء في (مقروة) و (بريه) لحركتا الألف. واستحال ذلك لأن الواو والياء يتحركان ولا تتحرك الألف، ولو حذفنا الهمزة رأسا ولم نلق حركتها لخرجت عن باب تخفيف الهمزة على الوجه الذي ذكرنا وقول سيبويه (لم تحذف) أي لم تجعل بين بين.
وقوله: " لأنك لو حذفتها يعني لو حذفتها وفعلت بالألف ما فعلت بالسواكن من إلقاء حركة الهمزة عليها لتحولت إلى غير الألف؛ لأن الألف لا تتحرك، فكنت تحتاج إلى أن تجعل مكانها حرفا آخر وليس هذا في تخفيف الهمزة المتحركة إذا كان قبلها ساكن ".
وقوله: " ولو فعلوا ذلك لخرج كلام كثير من حد كلامهم؛ لأنه ليس من كلامهم أن تثبت الياء والواو ثانية وقبلها فتحة "
يريد أنّا لو حولنا الألف حرفا آخر وألقينا عليه حركة الهمزة ما كانت تحول إلا إلى ياء أو واو؛ لأن الألف لا تنقلب إلا إليهما ولو جعلت لوجب قلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، لأن ذلك حكم الواو والياء المتحركين المفتوح ما قبلهما وإنما تثبت الياء والواو إذا كان أصلهما السكون، وذلك حكمهما في التصريف.
ولقائل أن يقول: إن ما تحرك من الياء والواو بإلقاء حركة الهمزة عليها لا يجب قلبها ... كقولنا في تخفيف (جيأل): (جيل)، و (مؤألة) (مؤلة)، فلا وجه للاحتجاج بهذا، وفيما احتج به قبله كفاية.
стр. 1776
ولا مذهب للهمزة بعد الألف في التخفيف إلا جعلها بين بين أي ألف كانت وأما الواو والياء إذا كانت الهمزة بعد واحدة منهما فتخفيفها على وجهين: أحدهما أن تقلب الهمزة من جنس الواو إن كان قبلها واو ومن جنس الياء إن كان قبلها ياء ويدغم فيها ما قبلها.
والوجه الآخر أن تلقي حركتها على ما قبلها من الواو والياء وتحذف كسائر الحروف فأما الواو والياء اللتان تبدل الهمزة بعدهما من جنسهما وتدّغمان فهي الواو الزائدة الساكنة المضموم ما قبلها في حشو الكلام كقولك في (مقروءة) و (مذروءة)، (مقرّرة) و (مذروّة) والياء الزائدة الساكنة المكسور ما قبلها في (حشو) الكلمة كقولنا في (بريئة) و (خطيئة): (برّية) و (خطيّة).
وياء التصغير بهذه المنزلة إذا كان بعدها همزة، وإن كان ما قبلها مفتوحا كقولك في تصغير (أفؤس) و (سائل): (أفيئس) و (سويئل) فإن خففت الهمزة قلبتها ياء وأدغمت فيها ما قبلها كقولك: (أفيس) و (سويل) وإنما كرهوا إلقاء حركة الهمزة في ذلك على الواو والياء؛ لأنهم شبهوهما بالألف أما الواو المضموم ما قبلها والياء المكسور ما قبلها فمشبهان بالألف لاشتراكها في المد، وأما ياء التصغير فلا تكون إلا ساكنة وهي أيضا مشبهة بالألف؛ لأن موقعها من التصغير كموقع الألف من الجمع كقولهم: (دريهم) و (دراهم ") ولم تجعل الهمزة بعدهما بين بين؛ لأن الياء والواو قد يتحركان ويدّغمان، ويدغم فيهما.
وكان الأخفش يرى إبدال الهمزة من جنس ما قبلها.
وأما الياء والواو اللتان تلقى عليهما حركة الهمزة فهما ما كان أصليا أو ملحقا أو علامة جمع أو طرفا تقول في (أبي إسحاق)، و (أبو إسحاق): (أبي سحاق) و (أبو سحاق) وفي (أبي أيوب) و (ذو أمرهم): (أبي يّوب) و (ذو مرهم) وفي (قاضي أبيك) (قاضي بيك) وفي (يغزو أمه)، (يغزومّه) لأن هذا من نفس الحرف وتقول في (حوايه) (حويه)
وهي الدلو الضخمة
قال الشاعر:
حوأية تنقض بالضلوع (١)
لأن هذه الواو ألحقت بنات الثلاثة ببنات الأربعة، وإنما هي كواو (جدّول)، ألا
стр. 1777
تراها لا تتغير إذا كسرت للجمع تقول: (حوائب) وإنما هي بمنزلة (عين جعفر).
قال سيبويه: " وكذا سمعنا العرب الذين يخففون يقولون: " اتبعومره " لأن هذه الواو ليست بمدّة بعدها همزة في كلمة كواو " مقروءة " فصارت بمنزلة همزة في كلمة بعد واو " يدعو " وتقول (اتبعي مره) صارت كياء " يرمي " حيث انفصلت ".
قال: ولم تكن مدّة في كلمة واحدة مع الهمزة " لأنها " إذا كانت منفصلة ولم تكن من نفس الحرف أو بمنزلة ما هو من نفس الحرف أو لم تجئ لمعنى، فإنما تجيء لمدة
لا لمعنى وواو " اضربوا " و " اتبعوا " هي لمعنى الأسماء وليس بمنزلة الياء في " خطيئة " تكون في الكلمة لغير معنى. ولم تجئ مع المنفصلة لتلحق بناء ببناء فيفصل بينها وبين ما لا يكون ملحقا (بناء ببناء).
قوله: (ولم تكن مدّة في كلمة واحدة مع الهمزة)
يريد لم تكن واو " اتبعو مره " مدة لغير معنى مع الهمزة في كلمة واحدة، وكذلك ياء خطيئة. والهمزة في اتبعوا أمره من كلمة أخرى وهي (أمره) وقوله: لأنها إذا كانت متصلة، يعني الواو أو الياء إذا اتصلا بالهمزة في كلمة وقوله: ولم تكن من نفس الحرف أي ولم تكن من نفس الحرف كواو " سوءة " وياء " هيئة " أو بمنزلة ما هو من نفس الحرف يعني الملحق كواو " حوأبه " وياء " جيأل ".
أو تجيء لمعنى كواو (اتبعوا أمره) وياء (اتبعي أمره) وهذه كلها تلقي عليها حركة الهمزة.
وقوله: فإنما تجئ لمدّة إذا لم تكن الواو والياء من نحو ما ذكرنا فهي مدّة لغير معنى كواو مقروءة وياء (خطيئة) وإنما فعل هذا بالهمزة من لم يخففها استثقالا لهما لأنه بعد مخرجها، ولأنها نبرة في الصدر تخرج باجتهاد وهي أبعد الحروف مخرجا فثقل ذلك عليهم؛ لأنه كالتهوع.
قال سيبويه: واعلم أن الهمزتين إذا التقتا وكانت كل واحدة منهما من كلمة فإن أهل التحقيق يخففون إحداهما
ويستثقلون تحقيقهما لما ذكرت لك، كما يستثقل أهل الحجاز تحقيق الواحدة، فليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان فتحققا.
ومن كلام العرب تخفيف الأولى وتحقيق الآخرة وهو قول أبي عمرو وذلك قولك:
стр. 1778
فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها (١) ويا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ (٢).
ومنهم من يحقق الأولى ويخفف الأخيرة سمعنا ذلك من العرب وهو (قول) " فقد جاء أشراطها " و (يا زكريّا إنّا) وقال:
كل غرّاء إذا ما برزت ... ترهب العين عليها والحسد (٣)
أي أن تحسد سمعنا من يوثق به من العرب ينشده هكذا.
وكان الخليل يستحب هذا القول فقلت له: " لمه؟ "
فقال إني رأيتهم حين أرادوا أن يبدلوا إحدى الهمزتين اللتين تلتقيان في كلمة واحدة أبدلوا الأخيرة وذلك قولك " جائي " و (آدم) و (رأيت) أبا عمرو أخذ بهن في قوله: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ (٤) حقق الأولى، وكل عربي.
وقياس من خفف الأولى أن يقول: يا ويلتا األد، والمخففة فيما ذكرنا بمنزلتها محققة في الزّنة، ويدلك على ذلك قول الأعشى:
أأن رأت رجلا أعشى أضرّبه ... ريب المنون ودهر تابل خبل (٥)
فلو لم تكن بمنزلتها محققة لانكسر البيت.
وقد تقدم تخفيف الهمزة الواحدة لما فيها من الاستثقال فإذا اجتمعت همزتان ازداد الثقل ووجب التخفيف في كلام العرب.
أما إذا اجتمعت همزتان في كلمة فلم يحك سيبويه غير تخفيف إحداهما ولم يجز غير ذلك.
ومما يحتج له في ذلك أنه لا خلاف في قوله: " آدم " و " آمر " ولم يقل (أأدم) ولا (أأمر) وإن كان أصل ذلك بهمزتين.
وأما أبو زيد فحكى أن من العرب من يحقق الهمزتين جميعا فيقول: أأنت قلت ذاك؟
стр. 1779
و (يا زيد أأبوك هذا؟).
قال: وسمعت من العرب من يقول: (اغفر لي خطائئي) كقولك: (خطا عمي) همزها أبو السمح ورداد ابن عمه.
قال: وتخفيف الهمزة من قولك: (أابوك هذا) و (أأعطيت) أكثر في الكلام لثقل الهمزتين.
وقد اختار جماعة من قراء الكوفة ومن غيرهم الجمع بين الهمزتين حتى جمعوا بين همزتين في كلمة فقرؤوا (أأنت) و (أئمة) وقد عرفتك من قوة التخفيف ما وقفت عليه.
وإذا اجتمعت همزتان، ولم تكن الأولى منهما ابتداء فإن من كلام العرب تخفيف الأولى وتحقيق الثانية.
وذكر سيبويه أنه قول أبي عمرو ومثله فقد جاء " أشراطها و " يا زكريّا إنا نبشرك والذي رأيت عليه أبا بكر بن مجاهد ﵀ والقراء الذين يقرؤون بحرف أبي عمرو في الهمزتين المختلفتين يحققون الأولى ويلينون الثانية كقوله: آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ (١) يحقق الهمز من (السفهاء) ويجعل همزة ألا واوا؛ لأنها مفتوحة وقبلها ضمة وإذا كانتا متفقتين أسقط إحداهما كقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها وأَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) والله أعلم بذلك.
وقد رويت عن أبي عمرو روايات كثيرة مختلفة، ولعله كان يختار اختيارات في أوقات فينقل كل فريق ما يسمعونه.
أما تخليف الأولى من الهمزتين إذا لم تكن مبتدأة فمشبهة بالتقاء الساكنين بغير الأول منهما دون الثاني كقولك: (ذهبت الهندات) و (لم يقم القوم).
وأما تخفيف الثانية، فقد ذكر فيه عن الخليل ما تقدم عن الحجة، يقول: ذلك أن الأولى لو كانت مبتدأة ما جاز غير تحقيقها.
وأما أهل الحجاز فيخففون الهمزتين؛ لأنه لو لم تكن إلا واحدة لخففت فيقولون في اقرأ آية: (اقرا آية) يقلبون الأولى ألفا لأنها ساكنة وقبلها فتحة ويجعلون الثانية بين بين وكان أبو زيد يجيز إدغام الهمزة في الهمزة ويحكى ذلك عن العرب ويقول (اقرأيه) يجعلها كسائر الحروف ومن خفف الأولى وحقق الثانية قال (اقرا آية) ويجعل الأولى ألفا ويجعل
стр. 1780
الثانية همزة ومن حقق الأولى وخفف الثانية قال: (إقرأيه) فيلقي حركة الهمزة الثانية على الساكن الذي قبلها ويحذفها كما بينا في مثل ذلك.
وإذا قلت: (أقرئ أباك السّلام) فإنه على لغة أهل الحجاز إذا خففوهما (اقرئ باك السّلام) فيقلبون الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثم يلقون حركة الثانية على الياء وتسقط الثانية، ولا يفعلون ذلك في " اقرأ آية "، لأنهم قلبوا الهمزة في (اقرأ) ألفا، والألف لا يلقى عليها حركة غيرها فإذا قلت: (قرأ أبوك) فإنهما جميعا بين بين على لغة أهل الحجاز، وعلى لغة غيرهم إذا حققوا الأولى جعلوا الثانية بين بين وإن حققوا الثانية جعلوا الأولى بين بين.
قال: ومن العرب ناس يدخلون بين ألف الاستفهام وبين الهمزة ألفا إذا التقتا، وذلك أنهم كرهوا التقاء الهمزتين ففصلوا كما قالوا (اخشيتان) ففصلوا بالألف كراهية التقاء هذه الحروف المضاعفة.
قال ذو الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقاآ أنت ام أمّ سالم (١)
وما حكاه مشهور وقد حكاه أبو زيد
وقال أنشدنا الأعراب:
حزقّ إذا ما القوم أبدوا فكاهة ... تفكّر أاإيّاه يعنون أم قردا (٢)
وهي قراءة تروى عن عبد الله بن عامر اليحصبي.
قال: وأما أهل الحجاز إذا أدخلوا ألف الاستفهام فمنهم من يقول (آإنك) و (آأنت) وهي التي يختار أبو عمرو وذلك أنهم يخففون الهمزة كما يخفف بنو تميم في اجتماع الهمزتين فكرهوا التقاء الهمزة والذي هو بين بين (فأدخلوا الألف كما أدخلته بنو تميم في التحقيق) يعني أن أهل الحجاز يدخلون ألفا بين الهمزتين لئلا يلتقي همزتان ثم
стр. 1781
يلينون الثانية.
وبنو تميم لينوا الثانية من غير إدخال ألف بينهما إذ كانت همزة بين بين كالهمزة في النية.
قال: وأما الذين لا يخففون (الهمزة) فيحققونهما جميعا ولا يدخلون بينهما ألفا فإن جاءت ألف الاستفهام وليس قبلها شيء لم يكن من تحقيقها بدّ وخففوا الثانية على لغتهم يعني أنه لا سبيل إلى تخفيف ألف الاستفهام على كل لغة لأنها تقع أولا.
ثم ذكر سيبويه لزوم تخفيف إحدى الهمزتين إذا التقتا في كلمة واحدة وقد ذكرنا ذلك.
ثم قال متصلا بذلك:
وسألت الخليل عن فعلل من جئت فقال: " جيأى " وتقديرها (جيعا) كما ترى والأصل فيه (جيأأ) على تقدير (جيعع) لأن لام الفعل من جئت همزة فكررت الهمزة فالتقت همزتان فقلبت الثانية ألفا لانفتاح ما قبلها.
قال: وإذا جمعت (آدم) قلت: (أوادم).
يعني إذا جعلته اسما وجمعته. وإن كان نعتا قلت: (أدم) وإذا حقرت قلت: (أويدم) وذلك أن " آدم " وإن كان الأصل فيه همزة فقد قلبتها ألفا على سبيل التخفيف فصار بمنزلة ما كان ثانيه ألفا نحو (ضارب) و (بازل) و (خابط) فإذا كسرته أو صغرته صيرته بمنزلة هذا فقلت: " أوادم " كما قلت: " بوازل " وقلت " أويدم " كما قلت: " بويزل ".
وأما " خطايا " فكأنهم قلبوا ياء أبدلت من آخر (خطايا) ألفا؛ لأن ما قبل آخرها مكسور كما أبدلوا ياء (مطايا) ونحوها ألفا وأبدلوا مكان الهمزة التي قبل آخره ياء وفتحت للألف كما فتحوا راء " مدارى " فرّقوا بينها وبين الهمزة التي تكون من معنى الحرف أو بدلا مما هو من الحرف نفسه.
اعلم أن الأصل في (خطايا) (خطائئ) وذلك أن واحدها خطيئة على (فعيلة) ولامها همزة فإذا جمعتها على فعائل انقلبت ياء فعيلة همزة أيضا فصارت (خطائئ) فالتقت همزتان في كلمة واحدة فوجب تخفيف الثانية منهما فجعلت ياء لانكسار ما قبلها فصارت (خطائئ) ثم إنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كانت الهمزة في واحده وبين ما عرضت الهمزة في جمعه، ولم تكن الهمزة في واحده، و (خطائئ) لم تكن الهمزة في واحده.
أعني الهمزة التي هي بدل من الياء وإنما هي عارضة في الجمع فرأوا الجمع الذي
стр. 1782
عرضت فيه الهمزة أحق بالتغيير من الجمع الذي الهمزة في واحده فقالوا في (خطائي):
(خطاأا) جعلوا مكان الياء ألفا فصار (خطاأا) وجعلوا قلب الياء ألفا لازما في ذلك، وذلك أنهم يقلبون الياء ألفا طلبا للتخفيف؛ لأن الألف أخف من الياء فيقولون في (مداري) (مدارى) فلما جاز هذا القلب فيما لم يريدوا به الفرق بينه وبين شيء آخر جعلوه لازما في (خطايا) فلما قلبوها ألفا في (خطاأا) اجتمعت ألفان بينهما همزة مفتوحة
والهمزة تشبه (الألف) فصارت كثلاث ألفات، فقلبوا الهمزة ياء، فقالوا: (خطايا).
وإنما قلبوها ياء لأن الياء أقرب إلى الهمزة من الواو، فلم يريدوا إبعادها عن شبه الحرفين اللذين اكتنفاها وكان الخليل يقدر غير هذا التقدير وذلك أنه كان يقول: إن خطيئة لما جمعناها قدمنا لام الفعل على ياء فعيلة فوقعت لام الفعل بعد ألف الجمع، فصار (خطائي) وهذه الهمزة التي بعد الألف همزة " (خطيئة) التي بعد الياء والياء في (خطائي) هي الياء التي في (خطيئة) قبل الهمزة وكذلك مذهبه في " جاءي " مخالف لمذهب النحويين.
وذلك أن النحويين يقولون في " جائي " إن الأصل فيه (جائئ) بهمزتين من قبل أنه جاء بمنزلة باع، وقال، وعين الفعل منه معتلة فإذا بنيت منه اسم الفاعل جعلت عين الفعل همزة كما قلت (قائل) فيلزم في " جائي " على هذا القياس أن يقولوا (جائي) فيلتقي همزتان فتنقلب الثانية ياء لانكسار ما قبلها.
وزعم الخليل أن الهمزة في " جائي " هي لام الفعل وأن الياء هي عين الفعل وإنما قدموا وأخروا قال: لأني رأيت العرب قد تؤخر عين الفعل إذا كانت معتلة إلى موضع اللام كقولهم في (شائك السلاح) (شاكي السلاح) وقولهم في (هاير) هاري.
قال: فلما أخروا عين الفعل إذا كانت معتلة إلى موضع اللام مع صحة اللام لئلا يهمزوا عين الفعل إذ ليس أصلها الهمز لزمهم هذا القلب فيما كان لام الفعل فيه همزة، إذا كانت العين (معتلة) لئلا ينضم همز عين الفعل إلى همز لامه وإذا أخروا لم يلزمهم؛ لأنهم إنما يهمز لوقوعه بعد الألف ثم يعمل الخليل في " خطايا " (ما عمل فيها غيره ممن لا يذهب مذهبه من الإعلال).
وقد أنكر ذلك عليه أبو العباس المبرد وادعى عليه (مخالفته لما هو شائع).
وذلك أن الهمزة إذا كانت غير عارضة في الجمع لم يجب تغيير الجمع كقولك في (مرآة): (مرائي).
فقال: إذا كانت الهمزة في (خطائي) هي الهمزة التي كانت في الواحد فهي غير
стр. 1783
عارضة في الجمع فينبغي أن لا تغير في الجمع.
وللخليل أن يقول إني فرقت بالتغيير بين ما كانت الهمزة فيه مقدمة من آخره إلى أوله في الجمع وبين ما لم يعرض ذلك له في الجمع ولا يجعل العلة أن الهمزة عارضة في الجمع، ولكن يجعل العلة تقديمها عارضا في الجمع.
على أن سيبويه قد حكى عن الخليل خلاف هذا المذهب وذلك أنه حكى عنه أنه يختار في المذهبين إذا التقتا من كلمتين تحقيق الأولى وتخفيف الثانية.
قال: فقلت له (لمه) فقال: رأيتهم إذا اجتمعت همزتان في كلمة اختاروا تخفيف الأخيرة كقولهم (جائي) و (أادم) " فقد جعل الياء من (جائي) منقلبة من همزة والهمزة في جاء لام الفعل.
فهذه الحكاية في " جاء " تدل على أنه لم يقدم.
وقد قال بعض النحويين في قلب الياء في " خطايا " ونحوها ألفا قولا قويا وهو أن الياء لو لم تقلب ألفا لوجب إسقاطها في الوقف كما يقال (جوار) و (غواش) في (جواري) و (غواشي) وإذا أسقطنا الياء بقيت الهمزة ساكنة في الوقف فلا فرق بينها وبين أن تكون من الحرف نفسه أو بدلا مما هو من نفس الحرف فالذي هو من نفس الحرف (نائية) و " نوائي " لأنه من (نأيت) فالهمزة عين الفعل.
والذي هو يدل مما هو من نفس الحرف الهمزة في (جائية) و (سائية)؛ لأنها بدل من عين الفعل في (جاء) و (ساء) وعين الفعل في (جاء) ياء وفي (ساء) واو. فأما قوله فرقوا بينه وبين الهمزة التي من نفس الحرف أراد الهمزة التي في قولك (رأيت براء) لأن الهمزة في " براء " من الحرف نفسه، لأنه من (برئت).
وقوله: أو بدلا مما هو من نفس الحرف أراد الهمزة التي في (رأيت قضاء) وذلك أن الهمزة في (قضاء) منقلبة من ياء؛ لأنه من (قضيت)، فإذا قلت (رأيت براء وقضاء) لم يلزمك أن تقلب هذه الهمزة ياء كم قلبتها في (خطايا).
باب ذكرك الاسم الذي تبين به العدة كم هي مع تمامها الذي هو من ذلك اللفظ
(فبناء الاثنين وما بعده إلى العشرة " فاعل " وهو مضاف إلى الاسم الذي يبين به العدد).
ذكر سيبويه في هذا الباب من كتابه ثاني اثنين وثالث ثلاثة إلى عاشر عشرة. فإذا قلت: هذا ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة أو رابع أربعة فمعناه أحد ثلاثة أو بعض ثلاثة أو تمام
стр. 1784
ثلاثة، وقوله في ترجمة الباب: الاسم الذي تبين به العدة كم هي يعني (ثلاثة).
وقوله: مع تمامها الذي هو من ذلك اللفظ يعني (ثالثا) لأنه تمام ثلاثة وهذا التمام يبنى على " فاعل " كما قلنا فيقال: ثاني اثنين وثالث ثلاثة، وتجري الأول منها بوجوه الإعراب إلى عاشر عشرة.
قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ (١).
وقال تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ (٢) وقد كنت ذكرت في المبنيّات من أحد عشر إلى تسعة عشر ما فيه كفاية، ولكني أذكرها هنا منه جملة، فيها ما لم أذكره هناك إذ كان هذا بابه إن شاء الله تعالى.
قال أبو سعيد: هذا الباب يشتمل على شيئين أحدهما وهو الأكثر في كلام العرب على ما قاله سيبويه: أن يكون
الأول من لفظ الثاني على معنى أنه تمامه وبعضه وهو قولك هذا ثاني اثنين وثالث ثلاثة وعاشر عشرة ولا ينون هذا فينصب ما بعده فيقال: ثالث ثلاثة؛ لأن ثالثا في هذا ليس يجري مجرى الفعل فيصير بمنزلة (ضارب زيدا) وإنما هو بعض ثلاثة وأنت لا تقول بعض ثلاثة وقد أجمع النحويون على ذلك إلا ما ذكره أبو الحسن بن كيسان عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب أنه أجاز ذلك، قال أبو الحسن قلت له، إذا أجزت ذلك فقد أجريته مجرى الفعل، فهل يجوز أن تقول (تثلّث ثلاثة) فقال:
(نعم) على معنى " أتممت ثلاثة " والمعروف قول الجمهور فإذا زدت على العشرة فالذي ذكر سيبويه بناء الأول والثاني وذلك (حادي عشر) و (ثاني عشر) و (ثالث عشر) ففتح الأول والثاني وجعهلما اسما واحدا وفتحهما كفتح ثلاثة عشر وذكر أن الأصل أن يقال (حادي عشر) " أحد عشر " و (ثالث عشر) " ثلاثة عشر " فيكون (حادي عشر) بمنزلة (ثالث) ويكون (أحد عشر) بمنزلة (ثالث). لأن " ثالثا " قد استغرق حروف ثلاثة وبنى معها فكذلك ينبغي أن تستغرق (حادي عشر) حروف " أحد عشر " وقد حكاه أيضا فقال:
وبعضهم يقول (ثالث عشر) ثلاثة عشر وهذا القياس.
وقد أنكر ثعلب هذا. وذكر أنه غير محتاج إلى أن يقول (ثالث عشر) " ثلاثة عشر " وأن الذي قال سيبويه خلاف مذهب الكوفيين.
стр. 1785
وكأن حجة الكوفيين فيما يتوجه فيه أن (ثلاثة عشر) لا يمكن أن يبنى من لفظها " فاعل " وإنما يبنى من لفظ أحدهما وهو الثلاثة.
فذكر العشر مع ثالث لا وجه له.
قال أبو سعيد: وقد قدمت احتجاج سيبويه لذلك مع حكايته (إياه) عن بعضهم ويجوز أن يقال: إنه لما لم يمكن (أن) يبنى منهما فاعل وبني من أحدهما احتيج إلى ذكر الآخر لينفصل ما هو أحد ثلاثة مما هو أحد ثلاثة عشر فأتى باللفظ كله.
قال أبو سعيد: والضرب الثاني من الضربين أن يكون التمام يجري مجرى اسم الفاعل الذي يعمل فيما بعده ويكون لفظ التمام من عدد هو أكثر من المتمم بواحد كقولك:
(ثالث اثنين ") و (رابع ثلاثة) و (عاشر تسعة) ويجوز أن ينون الأول فيقال (رابع ثلاثة) و (عاشر تسعة) لأنه مأخوذ من الفعل تقول: (كانوا ثلاثة) فربعتهم وتسعة فعشرتهم فأنا عاشرهم كقولك: (ضربت زيدا) فأنا (ضارب زيدا) و (ضارب زيد).
قال الله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ (١) وقال سيبويه: فيما زاد على العشر في هذا الباب " هذا رابع ثلاثة عشر " كما قلت (خامس أربعة).
ولم يحكه عن العرب والقياس عند النحويين أنه لا يجوز ذلك وقد ذكره أبو العباس محمد بن يزيد عن نفسه وعن الأخفش والمازني أنهم لم يجيزوه؛ لأن هذا الباب يجري مجرى الفاعل المأخوذ من الفعل. ونحن لا نقول ربعت ثلاثة عشر ولا أعلم أحدا حكاه.
وإن صح أن العرب قالته فقياسه ما قاله سيبويه. وأما قولهم (حادي عشر) وليس (حادي) من لفظ واحد والباب أن يكون اسم الفاعل الذي هو تمام من لفظ ما هو تمامه ففيه قولان؛ أحدهما: أن (حادي) مقلوب من (واحد) استثقالا للواو في أول اللفظ فلما قلب صار (حادو) فوقعت الواو طرفا وقبلها كسرة فقلبوها ياء كما قالوا (غازي) وهو من (غزوت).
وأصله " غازو "، وذكر الكسائي أنه سمع من الأسد أو بعض عبد القيس (واحد عشر يا هذا).
وقال بعض النحويين وهو الفراء: (حادى عشر) من قولك: (يحدو) أي يسوق
стр. 1786
كأن الواحد الزائد يسوق العشرة وهو معها وأنشد (١):
... أنعت عشرا والظليم حادي ... ... كأنّهنّ بأعالي الوادي
... يرفلن في ملاحف جيادي
وفي ثالث عشر وبابها ثلاثة أوجه، فإن جئت بها على التمام على ما ذكر سيبويه فقلت: (ثالث عشر) ثلاثة عشر فتحت الأولين والآخرين لا يجوز غير ذلك.
وإن حذفت فقلت: (ثالث ثلاثة عشر) أعربت ثالثا بوجوه الإعراب وفتحت الآخرين فقلت: هذا ثالث ثلاثة عشر، ورأيت (ثالث ثلاثة عشر) ومررت بثالث ثلاثة عشر لا يجوز غير ذلك عند النحويين كلهم.
وإن حذفت ما بين (ثالث وعشر الأخير) فالذي ذكره سيبويه فتحهما جميعا.
وذكر الكوفيون أنه يجوز أن يجرى ثالث بوجوه الإعراب ويجوز أن يفتح فمن أجرى بوجوب الإعراب أراد هذا ثالث ثلاثة عشر ومررت بثالث ثلاثة عشر ثم حذف ثلاثة تخفيفا وبقّى ثالثا على حكمه.
ومن بني ثالثا مع عشر أقامه مقام ثلاثة حين حذفها، وهذا قول قريب، ولم ينكره أصحابنا.
وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: هذا ثالث عشر وثالث عشر فرفعوا ونصبوا.
قال سيبويه: " وتقول: هذا حادي أحد عشر إذا كّن عشر نسوة معهن رجل، لأن المذكر يغلب المؤنث، ومثل ذلك قولك: خامس خمسة إذا كن أربع نسوة فيهن رجل كأنك قلت هو تمام خمسة "
ونقول: هو خامس أربع إذا أردت أنه صيّر أربع نسوة خمسا ".
قال سيبويه: (وأما بضعة عشر فبمنزلة تسعة عشر في كل شيء، وبضع عشرة كتسع عشرة في كل شيء).
قال أبو سعيد: (بضعة) بالهاء عدد مبهم من ثلاثة إلى تسعة من المذكر، وبضع بغير الهاء عدد مبهم من ثلاث إلى تسع من المؤنث وهي تجرى مفردة ومع العشرة مجرى
стр. 1787
الثلاثة إلى التسعة في الإعراب والبناء تقول: هؤلاء بضعة رجال، وبضع نسوة.
قال الله تعالى: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ (١).
وفيما زاد على العشرة هؤلاء بضعة عشر رجلا وبضع عشرة امرأة.
وهي مشتقة- والله اعلم- من (بضعت الشيء) إذا قطعته كأنه قطعة من العدد وقد كان حقه أن يذكر في الباب الأول، لأن هذا الباب إنما ذكر فيه العدد المتمم نحو (ثالث ثلاثة) و (رابع أربعة) ولكنه ذكرها هنا لترى أنه ليس بمنزلة (ثالث عشر) أو (ثالثة عشرة) فاعلمه.
ومن قول الكسائي: " هذا الجزء العاشر عشرين ومن قول سيبويه والفراء: (هذا الجزء العشرون) و " هذه الورقة العشرون " على معنى تمام العشرين فنحذف التمام ونقيم العشرين مقامه، وكذلك نقول: " هذا الجزء الواحد والعشرون " و " الأحد والعشرون " و (هذه الورقة الإحدى والعشرون) و " الواحدة والعشرون ".
وكذلك " الثاني والعشرون " و " الثانية والعشرون " وما بعده إلى قولك:
" التاسع والتسعون ". ونقول: هو الأول والثاني والثالث والرابع والخامس وقد قالوا:
" الخامي ".
قال أبو سعيد: وهو من شواذ المحوّل كقولهم: (أمليت) في أملك ولا (أملاه) يريدون (لا أملّه).
إلا أن هذا حوّل للتضعيف " وخامس " ليس فيه تضعيف فإذا هو من باب حسيت " و " أخسيت " في " حسست " و " أحسست ".
وقالوا: (سادس وساد) على حد (خام). وأنشد ابن السكيت:
إذا ما عدا أربعة فسال ... فزوجك خامس وحموك سادي (٢)
وفي هذا ثلاث لغات، جاء (سادسا) و (ساديا) و (ساتّا)، فمن قال: (سادسا) أخرجه على الأصل ومن قال (ساتا) فعلى اللفظ ومن قال (ساديا) فعلى الإبدال والتحويل الذي قدمنا.
وأنشد ابن السكيت:
стр. 1788
يوجزل أعوام أذاعت بخسة ... وتجعلني إن لم يق الله ساديا (١)
وأنشد أيضا:
مضى ثلاث سنين منذ حل بها ... وعام حلّت وهذا التابع الخامي
يريد الخامس.
قال أبو سعيد في العقود كلها: هو الموفّى كذا وهي الموفّية كذا كقولك:
(الموفّى عشرين) والموفّية عشرين.
هذا باب المؤنث الذي يقع على المؤنث والمذكر وأصله التأنيث
اعلم أن المذكر قد يعبر عنه باللفظ المؤنث فيجري حكم اللفظ على التأنيث وإن كان المعبر عنه مذكرا في الحقيقة ويكون ذلك بعلامة التأنيث، وبغير علامة.
فأما ما كان بعلامة التأنيث فقولك: (هذه شاة) وإن أردت تيسا، و (هذه بقرة) وإن أردت ثورا، و (هذه حمامة) و (هذه بطة) وإن أردت الذكر
وأما ما كان بغير علامة فقولك: (عندي ثلاث من الغنم)، و (ثلاث من الإبل)
وقد جعلت العرب (الإبل) أو (الغنم) مؤنثين وجعلت الواحد منها مؤنث اللفظ كأن فيه هاء، وإن كان مذكرا في المعنى، كما جعلت العين والأذن والرجل مؤنثات بغير علامة.
فإن قال قائل: فلم لا يقال (هذه طلحة) لرجل يسمى طلحة لتأنيث اللفظ كما قالوا: (هذه بقرة) للثور؟
فالجواب أن (طلحة) لقب وليس باسم موضوع له في الأصل وأسماء الأجناس موضوعة لها لازمة ومن ثم فرقت العرب بينهما.
وقد ذكر سيبويه في الباب أشياء محمولة على الأصل الذي ذكرته وأشياء قريبة منها.
وأنا أسوق ذلك وأفسر ما أحتاج منه إلى تفسيره.
قال سيبويه: " فإذا جئت بالأسماء التي تبين بها العدة أجريت الباب على التأنيث في التثليث إلى تسع عشرة وذلك قولك: (له ثلاث شياه ذكور)، و (له ثلاث من
стр. 1789
الشاء) فأجريت ذلك على الأصل؛ لأن الشاء أصلها التأنيث، وإن وقعت على المذكر كما أنك تقول: (هذه غنم ذكور) فالغنم مؤنثة وقد تقع على المذكر "
قال أبو سعيد: يعني أنها تقع على ما فيها من المذكر من التيوس والكباش، ويقال: (هذه غنم) وأن كانت كلها كباشا أو تيوسا. وكذلك: (عندي ثلاث من الغنم) وإن كانت كباشا أو تيوسا، لأنه جعل الواحد منها كأن فيه علامة التأنيث كما جعلت العين والرجل كأن فيهما علامة التأنيث.
وقال الخليل: قولك: (هذا شاة) بمنزلة قوله تعالى: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي (١).
قال أبو سعيد: يريد أن تذكير هذا مع تأنيث شاة كتذكير هذا مع تأنيث رحمة والتأويل في ذلك كأنك قلت: (هذا الشيء شاة) و (هذا الشيء رحمة من ربي).
قال سيبويه: " وتقول له خمس من الإبل ذكور وخمس من الغنم ذكور من قبل أن (الإبل) و (الغنم) اسمان مؤنثان، كما أن ما فيه الهاء مؤنث الأصل وإن وقع على المذكر "
فلما كان (الإبل) و (الغنم) لذلك جاء تثليثها على التأنيث، لأنك إنما أردت التثليث من اسم مؤنث بمنزلة (قدم) ولم يكسر عليه مذكر للجمع فالتثليث منه كتثليث ما فيه الهاء كأنك قلت: (هذه ثلاث غنم) بهذا يوضح وإن كان لا يتكلم
به كما تقول:
(ثلاثمائه) فتدع الهاء؛ لأن المائة أنثى.
قال أبو سعيد: قول سيبويه (الغنم) و (الإبل) و (الشاء) مؤنثات يريد كل واحد منها إذا قرن بمنزلة مؤنث فيه علامة التأنيث أو مؤنث لا علامة فيه كقولك: (هذه ثلاث من الغنم) ولم تقل: (ثلاثة) وإن أردت بها كباشا أو تيوسا، وكذلك (ثلاث من الإبل) وإن أردت بها مذكرا أو مؤنثا.
وقوله: بمنزلة (قدم)، لأن (القدم) أنثى بغير علامة وكذلك (الثلاث) فقولك:
(ثلاث من الإبل والغنم) لا يفرد لها واحد فيه علامة التأنيث.
وقوله: لم يكسر عليه مذكر للجمع يعني لم يقل ثلاثة ذكور فيكون ذكور جمعا مكسرا لذكر فتذكر ثلاثة من أجل ذلك.
وقوله: كأنك قلت: (هذه ثلاث غنم) يريد كأن (غنما) تكسير للواحد المؤنث
стр. 1790
كما تقول: (ثلاثمائة) فتترك الهاء من (ثلاث)؛ لأن المائة مؤنثة ومائة واحد في معنى جمع المؤنث قال سيبويه: وتقول: (له) ثلاث من البط؛ لأنك تصيره إلى بطة.
قال أبو سعيد: يريد كأنك قلت له: (ثلاث بطات) من البط
قال سيبويه: " وتقول له ثلاثة ذكور من الإبل لأنك لم تجئ بشيء من التأنيث، وإنما ثلثت الذكر ثم جئت بالتفسير من الإبل لا تذهب الهاء.
كما أن قولك: (ذكور) بعد قولك (من الإبل) لا تثبت الهاء " ...
قال أبو سعيد: يريد أن الحكم في اللفظ للسابق من لفظ المؤنث أو المذكر، فإذا قلت: ثلاث من الإبل أو الغنم (ذكور) نزعت الهاء، لأن قولك من الإبل أو من الغنم يوجب التأنيث.
وإنما قلت: (ذكور) بعد ما يوجب تأنيث اللفظ فلم تغير.
وكذلك إذا قلت: (ثلاثة ذكور من الإبل) فقد لزم حكم التذكير بقولك: (ثلاثة ذكور) فإذا قلت بعد ذلك من الإبل لم يتغير اللفظ الأول.
قال سيبويه: وتقول: ثلاثة أشخص، وإن عنيت نساء لأن الشخص اسم مذكر.
قال أبو سعيد: هذا ضد الأول، لأن الأول تؤنثه للفظ وهو مذكر في المعنى، وهذا تذكره للفظ وهو مؤنث في المعنى.
قال سيبويه: " ومثله قولهم: ثلاث أعين وإن كانوا رجالا لأن العين مؤنثة.
قال أبو سعيد: وهذا يشبه الأول، وإنما أنثوا لأنهم جعلوا الرجال كأنهم أعين من ينظرون لهم.
قال سيبويه: " وقالوا ثلاثة أنفس، لأن النفس عندهم إنسان ألا ترى أنهم يقولون نفس واحد ولا يدخلون الهاء ".
قال أبو سعيد: النفس مؤنث وقد حمل على المعنى في قولهم ثلاثة أنفس إذا أريد به الرجال.
قال الشاعر وهو الحطيئة:
ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد جار الزمان على عيالي (١)