← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17726

شرح كتاب سيبويه للسيرافي

السيرافي، أبو سعيد

Полный текст (2 488 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ضربته " والرفع في هذا أقوى منه في قولك: " أعبد الله ضربته "، وهو أيضا قد يجوز). يعني أن الفعل لم يقم في قولك: " أعبد الله مررت به " على ضمير " عبد الله "، وإنما وقع على الباء، واتصلت الباء بضميره، وكذلك " أعبد الله ضربت أخاه "، وقع الفعل على " الأخ "، واتصل " الأخ " بضميره، وإذا قلت: " أعبد الله ضربته "، فقد وقع الفعل على ضميره، فصار " عبد الله " من الفعل أقرب، والفعل أشد له ملابسة، فيكون النصب فيه أجود، والرفع فيه أضعف منه في قولك: " أعبد الله مررت به "، و " أعبد الله ضربت أخاه " ومع هذا يجوز الرفع في قولك: " أعبد الله ضربته "، كما جاز الابتداء إذا قلت: " أعبد الله ضربته "، وكما جاز فيما بعد الجملة المبنية على فعل في قولك: " ضربت زيدا وعمرو كلمته "، وإنما جاز هذا؛ لأنك تجعل " عبد الله " مبتدأ، وتجعل ما بعده خبرا له، فيصير بمنزلة قولك: " أعبد الله أخوك ". وقال أبو الحسن: تقول: " أزيدا لم يضربه إلا هو " لا يكون فيه إلا النصب، وإن كانا جميعا من سببه؛ لأن المنصوب ها هنا اسم ليس بمنفصل من الفعل، وإنما يكون الأول على الذي ليس بمنفصل؛ لأن المنفصل يعمل كعمل سائر الأسماء، ويكون هو في مواضعها. وغير المنفصل لا يكون هكذا، وكذلك " أزيد لم يضرب إلا إياه "؛ لأن فعل " زيد " إذا كان مع اسم غير منفصل، لم يتعد إلى " زيد " ولم يتعد فعل " زيد " إليه، ألا ترى أنك لا تقول: " أزيدا ضرب "، وأنت تريد: " زيدا ضرب نفسه " ولا " أزيد ضربه " وأنت تريد أن توقع فعل " زيد " على " الهاء "، و " الهاء " لزيد؛ فلذلك لم يعمل في " زيد ". قال أبو سعيد: أعلم أن الأخفش ذكر هاتين المسألتين، وبناهما على أصول النحويين وتحتاج إلى شرح وإيضاح، وأنا أذكر ذلك مشروحا إن شاء الله تعالى. اعلم أن الأفعال المؤثرة إذا وقعت من الفاعل بنفسه لم يجز أن تتعدى ضميره المتصل إلى ضميره المنفصل كقولك: " ضربتني "، ولا " ضربتك "، ولا ما أشبه ذلك، وإنما يقال: " ضربت نفسي " و " شتمت نفسي "، و " أكرمت نفسي " وما أشبه ذلك. وإنما لم يجز هذا من قبل أن أكثر العادة الجارية من الفاعلين، أنهم يقصدون إلى إيقاع الفعل بغيرهم، فجرت الألفاظ على ذلك، والذي يوقعون به الفعل غيرهم. وأفعال الإنسان بنفسه هي الأفعال التي لا تتعدى نحو: " قام "، و " ذهب "، و " انطلق "، وما أشبه ذلك، فإذا أوقع الإنسان فعلا بنفسه على سبيل ما يفعله بغيره أجرى

стр. 422

لفظه على لفظ غيره فلم يعدّه إلى ضميره، وأتى بلفظ النفس فصار بمنزلة قولك: " ضربت غلامي ". وكان أبو العباس المبرد يقول: " إنما لم يجز ذلك؛ لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية ". قال أبو سعيد: وهذا قول يضمحل، ويبطل؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه يجوز أن تقول: " ما ضربني إلا أنا "، وضمير الفاعل هو ضمير المفعول، فلو كان الأول غير جائز؛ لأن الفاعل لا يكون مفعولا، لما جاز هذا؛ لأن الفاعل هو المفعول، وإن كان الضمير منفصلا. وكان الزّجّاج يقول: إنهم استغنوا بالنفس عن الضمير، كما استغنوا بكليهما عن " أجمعين "، ألا ترى أنك تقول: " قام الزيدون أجمعون "، و " قام الزيدون كلهم "، وتقول: " قام الزيدان كلاهما "، ولا تقول: " قام الزيدان أجمعان " فكذلك استغنوا ب " ضربت نفسي " عن قولهم " ضربتني "، والقول الذي بدأنا به أحسن. ويجوز تعدي ضمير الفاعل إلى ضميره في الأفعال الملغاة وهي: " ظننت " و " حسبت "، و " خلت "، و " علمت "، و " رأيت " من رؤية القلب، و " وجدت " من وجود القلب، و " زعمت "، تقول: " رأيتني وادّا لك "، و " وجدتك غنيا فطغيت ". وإنما يتعدى ضمير الفاعل في هذه الأفعال إلى ضميره الذي هو المفعول الأول دون المفعول الثاني؛ لأنك إذا قلت: " ظننتك منطلقا "، " فالتاء ": الفاعل، و " الكاف ": المفعول الأول، و " منطلقا ": المفعول الثاني، وجاز ذلك في هذه الأفعال واختير من قبل أن تأثير هذه الأفعال في المفعول الثاني، لا في المفعول الأول، والدليل على ذلك أنك إذا قلت: " ظننت زيدا منطلقا "، فالشك لم يقع في " زيد "، الذي هو المفعول الأول، وإنما الشك في انطلاقه، فصار المفعول الأول كاللغو في التحصيل. وقد حكى الفراء: أن العرب تقول: " عدمتني "، و " فقدتني "، فأجروهما مجرى الأفعال الملغاة، وإنما جاز ذلك؛ لأن فقدان الرجل نفسه وعدمه نفسه ليس مما يصح، ولا يتأتى؛ لأنه محال أن يعدمه في التحصيل، ألا ترى أنك إذا عدمت شيئا فمعناه أنك تعلمه غير موجود، ومحال أن تعلم أنك غير موجود؛ لأنه إذا صح منك العلم فأنت موجود، فهذان الفعلان مستعاران، والمعنى: عدمت غيري وفقدت غيري وإن كان الفعل

стр. 423

منقولا إلى لفظه. واعلم أنه لا يجوز أن يتعدى ضمير فعل إلى ظاهر نفسه في الأفعال كلها، ولا ظاهره إلى ضمير نفسه في هذه الأفعال المؤثرة. لا يجوز أن تقول: " زيدا ضرب "، فتنصب " زيدا " بضرب. وتجعل في " ضرب " ضميرا من " زيد " وأوقع الفعل بظاهره، ولا " الزيدين ضربا " ولا " الهندات ضربن ". ولا يجوز مثل هذا في الأفعال الملغاة، لا تقول: " زيدا ظن منطلقا " ولا " أخويك ظنّا منطلقين ". ولا يجوز أيضا أن تقول: " ضربه زيد " تريد: ضرب نفسه، كما تقول: " ضرب غلامه زيد " ويجوز هذا في باب الملغى؛ تقول: " ظنه زيد منطلقا "، و " ظنهما الزيدان منطلقين ". وإنما لم يجز " زيدا ضرب " ولا " الزيدين ضربا "؛ لأنا لو أجزنا ذلك، ثم حذفنا المفعول بطل الكلام، والمفعول فضلة في الكلام، ولا يجوز أن تكون الفضلة لازمة لا يجوز إلغاؤها. وإذا كان الضمير منفصلا كان بمنزلة الأجنبي، وجاز فيه ما أبطلناه في غيره من الضمير المتصل، تقول: " ما ضربني إلا أنا "، و " ما ضربت إلا إياي " و " ما ضرب زيدا إلا هو "، وصار بمنزلة قولك: " ما ضربني إلا زيد "، و " ما ضرب زيدا إلا عمرو ". ثم نعود إلى كلام الأخفش. قوله: " أزيدا لم يضربه إلا هو "، لا يكون فيه إلا النصب، وإن كانا جميعا من سببه؛ يعني أن " زيدا " يعود إليه عائدان؛ الهاء التي في " يضربه " وهي منصوبة، و " هو " التي بعد " إلا " وهي مرفوعة، ولا يجوز حمل " زيد " إلا على المنصوب، وذلك أن يحمل عليه الأول، كأنا نقيم الأول مقامه ونحذفه، فلو جعلناه مكان الهاء في " يضربه " فالتقدير في الهاء أنها محذوفة فتصير كقولك: " أزيدا لم يضرب إلا هو ". وهذا كلام مستقيم جائز؛ لأن الفاعل ضمير منفصل، فكأنا قلنا: " أزيدا لم يضرب إلا عمرو؟ ". ولو حملناه على الضمير المنفصل فرفعناه صار تقديره: " أزيد لم يضربه؟ " ولو قلنا ذلك لفسد الكلام؛ لأن ضمير الفاعل حينئذ كان يتعدى إلى ضميره، وقد بيّنا أن ذلك لا يجوز. قال: وكذلك " أزيد لم يضرب إلا إيّاه "، لا يكون في " زيد " إلا الرفع حملا على ضميره الذي في " يضرب "؛ لأنا إذا فعلنا ذلك، ثم حذفنا ذلك الضمير ووضعنا " زيدا " موضعه صار التقدير: " لم يضرب زيد إلا إياه "، وهذا مستقيم؛ لأن الظاهر يتعدى إلى

стр. 424

ضميره المنفصل، وهو كالأجنبي. ولو حملناه على " إياه "، فقلنا: " أزيدا لم يضرب إلا إياه "، ثم حذفنا الذي حملنا " زيدا " عليه لبقي " أزيدا لم يضرب "، وهذا غير جائز كما لم يجز " زيدا ضرب "، وقد جعلت في " ضرب " ضميرا فاعلا ل " زيد ". قال الأخفش: فإن قيل: " آلخوان أكل عليه اللحم "، فتنصب " الخوان "، وأنت لا تقول: " آلخوان أكل اللحم "؛ فلأن " اللحم " اسم منفصل، والأسماء المنفصلة يعمل فعلها في الأول، فجرت كلها على ذلك كما تقول: " الدرهم أعطيه زيد ". قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الكلام قد اضطرب فيه النحويون، ولم يتكلم فيه أحد منهم بكلام محصل. وذلك أنه ليس في ظاهره ما يصله بما قبله، فهو في الظاهر كالمنقطع مما قبله. والوجه فيه عندي أنه متصل بالكلام الذي قبله، وذلك أنا قد قدّمنا أن الاسم الذي بعد حرف الاستفهام إنما يحمل على سببه، أو ضميره في الفعل الذي بعده؛ إذا كنا متى ألغينا الضمير وصل الفعل إليه؛ لأنه قال: " أزيدا لم يضربه إلا هو "، تنصب " زيدا "؛ لأنك لو ألغيت الهاء التي في " تضربه "، لقلت: " أزيدا لم يضرب إلا هو " فقال له قائل: فأنت تقول: " آلخوان أكل عليه اللحم "، وأنت لو حذفت الضمير العائد إلى " الخوان "، فقلت: " آلخوان أكل اللحم "، لبطل الكلام، فلا ينبغي أن نعتبر الأول بحذف ضميره، وقد اعتبرت نصب " زيد " بحذف ضميره الذي في " تضربه "، ففصّل الأخفش فقال: " إذا قلنا: " آلخوان أكل اللحم " لم يجز؛ لأن " الخوان " لا يتعدى الفعل إليه إلا بحرف جر، كما لا يجوز أن نقول: " مررت زيدا "، وقد يكون في الفعل ما يتعدى بغير حرف جر كقولك: " لقيت زيدا " و " جزت زيدا "، فالمعنى الذي أفسد " آلخوان أكل اللحم "، غير المعنى الذي أفسد قولنا: " أزيد لم يضربه إلا هو "؛ لأن المعنى الذي أفسد: " أزيد لم يضربه إلا هو "، هو أنّا لو حذفنا الاسم الذي حملنا رفع " زيد " عليه، لبقي " أزيد لم يضربه "، ونحن إذا قلنا هذا، صار الضمير متعديا إلى ضميره، وقد بينا فساد هذا في كل فعل. وهذا الوجه الآخر في " آلخوان أكل اللحم " إنما يفسد؛ لحذف حرف الجر، كما يفسد: " مررت زيدا ". والأسماء التي تتعدى أفعالها بغير حرف جر والتي تتعدى بحرف تستوي أحكامها فيما يختار من نصب الأول؛ ألا ترى أنك تقول: " أزيدا مررت به "، كما تقول: " أزيدا رأيت " فقال الأخفش: " اللحم " في قولنا: " الخوان أكل عليه اللحم " اسم

стр. 425

منفصل، والأسماء المنفصلة لا يمتنع تعدي فعلها إلى كل شيء من الأسماء. وقولنا: أزيدا لم يضربه إلا هو "، و " أزيد لم يضرب إلا إياه "، لو غيّرنا فقلنا: " أزيد لم يضرب إلا هو " حملا على " هو " و " أزيدا لم يضرب إلا إياه "، حملا على " إياه " لصار تقدير الأول: " أزيد لم تضربه "، وصار تقدير الثاني: " أزيدا لم يضرب "، فيكون الأول: يتعدى ظاهره إلى ضميره، والثاني يتعدى ضميره إلى ظاهره وكلاهما فاسد على ما بيّناه. و " اللحم " اسم منفصل غريب أجنبي عن الأول. ثم قال: والأسماء المنفصلة يعمل فعلها في الأول، فجرت كلها على ذلك، كما تقول: " الدرهم أعطيه زيد "، يريد: أن الأسماء المنقطعة الأجنبية من المفعول، الغريبة منه، يعمل فعلها في المفعول إذا تقدم، سواء تعدّت أفعالها بحرف، أو بغير حرف، فيكون " آلخوان أكل عليه اللحم "، بمنزلة قوله: " آلدرهم أعطيه زيد "، وإن كان " أكل " إنما قد تعدى إلى ضمير " الخوان " بحرف، و " أعطي " قد تعدّى إلى ضمير " الدرهم " بغير حرف، كما أن قولك: " أزيدا مررت به "، بمنزلة قولك: " أزيدا لقيته "، وإن كان " المرور " متعديا بحرف، و " اللقاء " بغير حرف. قال: " فاللحم " اسم منفصل، إلا أنه لا يقع على " الخوان " إلا بحرف جر، والأسماء غير المنفصلة لم تجر مجراها، لأن المنفصلة إن كان فيها ما لا يجوز أن يلفظ به، فقد يكون من المنفصلة ما يلفظ به كثيرا، على أن يعمل أحدهما في الآخر، فشبهت ما لا يحسن في التقديم بهذا الذي يحسن، وأما غير المنفصلة فلم يكن فيها شيء يشّبّه به. قوله: (والأسماء غير المنفصلة لم تجر مجراها). يعني: الأسماء المنفصلة الغريبة الأجنبية في التعدي إلى المفعول الذي هو غيرها، لم تجر مجرى تعدي الأسماء إلى ضميرها، وقد بينا هذا. وقوله: لأن المنفصلة إن كان فيها ما لا يجوز أن يلفظ به، فقد يكون من المنفصلة ما يلفظ به كثيرا، على أن يعمل أحدهما في الآخر. يعني: أن قولنا: " آلخوان أكل عليه اللحم "، و " أزيدا مررت به "، وما أشبه ذلك من الأفعال التي تتعدى بحرف، وفاعلها منفصل من مفعولها: إن كان لا يجوز أن يلفظ به بحذف حرف الجدر، ففي الأفعال ما يتعدى بغير حرف كقولك: " آلخوان ألزم اللحم "، و " أزيدا لقي عمرو ".

стр. 426

وقوله: (فشبهت ما لا يحسن في التقديم بهذا الذي يحسن). يعني فشبهت " آلخوان أكل عليه اللحم "، و " أزيدا مررت به " ب " آلخوان ألزم اللحم "، و " أزيدا لقي عمرو ". وقوله: (وأما غير المنفصلة فلم يكن فيها شيء تشبه به). يعني: قولبك: " أزيدا لم يضرب "، إذا جعلت في " يضرب " ضميرا من " زيد "، وعديته إلى " زيد "، وقولك: " لم يضربه زيد "، إذا عديت فعل " زيد " إلى ضميره وليس شيء يشبّه به من الأفعال؛ لأن الأفعال كلها لا يجوز فيها ذلك. (ومما يقبح بعده ابتداء الأسماء، ويكون الاسم بعده إذا أوقعت الفعل على شيء من سببه نصبا في القياس: " إذا "، و " حيث "، تقول: " إذا عبد الله تلقاه فأكرمه "، و " حيث زيدا تجده فأكرمه؛ لأنهما يكونان في معنى حروف المجازاة). قال أبو سعيد: قد قدمنا أن الحرف إذا كان بالفعل أولى، فوليه اسم بعده فعل واقع عليه بضميره، فالاختيار إضمار فعل ينصب الاسم. و " إذا " فيها معنى المجازاة التي لا تكون إلا بفعل، فالاختيار إضمار فعل بعدها، فقولك: " إذا عبد الله تلقاه فأكرمه "، تقديره: " إذا تلقى عبد الله تلقاه "، وكذلك " حيث " قد تجري مجرى " إذا "، في قولك: " حيث زيدا تجده فأكرمه "، على تقدير: " حيث تجد زيدا تجده " وفيهما معنى المجازاة؛ لأن قولك: " إذا عبد الله تلقاه "، يوجب الأوقات المستقبلة كلها، ولا يخص وقتا دون وقت، فهو بمنزلة قولك: " متى تلق عبد الله فأكرمه "، و " حيث تجد زيدا فأكرمه "، يوجب الأماكن كلها، لا يخص مكانا دون مكان، فهو بمنزلة " أين " فكأنك قلت: " أين تجد زيدا فأكرمه "، غير أن " متى "، و " أين " يجزمان، و " إذا " و " حيث " لا يجزمان عند البصريين إلا في ضرورة الشعر وسترى ذلك إن شاء الله. قال: (ويقبح إن ابتدأت الاسم بعدهما إذا كان بعده الفعل لو قلنا: " اجلس حيث زيد جلس "، و " أو جلس " " إذا زيد يجلس "، و " إذا زيد جلس " كان أقبح من قولك: " إذا جلس زيد "، و " إذا يجلس "، " وحيث يجلس "، و " حيث جلس "). يعني: أن تقديم الفعل أولى؛ لأنهما أحق بالفعل، كما قبح " هل زيد جلس " و " أين زيد جلس ". قال: (والرفع بعدهما جائز؛ لأنك قد تبتدئ بالاسم بعدهما فتقول: " اجلس حيث

стр. 427

عبد الله جالس "، و " اجلس إذا عبد الله جلس "). قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه قدر حالة الرفع بعدهما على الابتداء بهذا الكلام الذي ذكرناه. فأما " حيث ": فلا شك في جواز ذلك فيها؛ لأنها قد تخرج عن معنى المجازاة إلى أن يكون ما بعدها مبتدأ وخبرا كقولك: " لقيته حيث زيد جالس "، فيكون نظيرها من الزمان " إذ "، كقولك: " لقيته إذ زيد جالس ". وأما " إذا ": فلا تقع إلا للمستقبل، ولا تنفك عن معنى المجازاة، فقال قائلون: متى ما وليها الاسم، فلا بد من أن يكون الفعل بعدها مقدرا، فإذا قلت: " اجلس إذا عبد الله جلس " فتقديره: " اجلس إذا جلس عبد الله جلس " كما أنا إذا قلنا: " اجلس إن عبد الله جلس "، فتقديره " اجلس إن جلس عبد الله. والبصريون يقولون في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ (١) إن " أحد " يرتفع بفعل مضمر لا بالابتداء، كأنا قلنا: " وإن استجارك أحد من المشركين استجارك "، فالظاهر تفسير للمضمر قالوا: ومما يقوى أن " إذا " لا بد من فعل بعدها، أنك لا تقول: " اجلس إذا عبد الله جالس " كما تقول: " اجلس حيث عبد الله جالس "، فقد بان الفصل بينهما. وللمحتج عن سيبويه أن يقول: لما كانت " إذا " غير عاملة في الفعل كعمل " إن "، جاز أن يكون الواقع بعدها مرفوعا بالابتداء، ويكون معنى المجازاة يصح لها بالفعل الذي بعد المبتدأ، كما أن " لو " هي بالفعل أولى، وفيها معنى المجازاة. فإذا قلت: " لو أنك جئتنا لأكرمناك "، ف " إنك جئتنا " في موضع اسم مبتدأ، وجاز لأن الفعل الذي هو خبر " أن " يصحح لها معنى المجازاة. وللقائل الأول أن يقول: قولك: " لو أنك جئتنا لأكرمناك " يرتفع أن بفعل مضمر؛ لأن " أن "، وما بعدها بمنزلة المصدر، فيكون تقديره: " لو وقع أنك جئتنا " على معنى: لو وقع مجيئك. وللمحتج عن سيبويه أن يقول: لو كان الأمر كذلك لجاز: " لو أن زيدا قائم

стр. 428

أتيناك "، على معنى لو وقع هذا. قال سيبويه: (ول " إذا " موضع آخر يحسن فيه ابتداء الاسم بعدها فيه تقول: " نظرت فإذا زيد يضربه عمرو "؛ لأنك لو قلت: " نظرت فإذا زيد يذهب " لحسن). اعلم أن " إذا " تقع في الجواب والمفاجأة، ويليها المبتدأ والخبر، فتكون هي وما بعدها بمعنى الفعل، فإذا قلت: " نظرت فإذا زيد يضربه عمرو "، تقديره: نظرت فأبصرت زيدا يضربه عمرو. وقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (١)، كأنه قال: قنطوا ف " إذا " وما بعدها بمنزلة فعل، غير أن الذي قصده سيبويه في هذا الموضع أن " إذا " لما كان حكمها أن يليها الاسم لا الفعل، ثم أتى بعد الاسم الذي وليها فعل واقع على ضميره لم تنصب الاسم الأول بإضمار فعل بعد " إذا "؛ لأن " إذا " في هذا الموضع بالاسم أولى، وليست بمعنى المجازاة، فيختار الفعل بعدها. ألا ترى أنك تقول: " نظرت فإذا زيد قائم "، وقد كان بعض النحويين البصريين: يجعل " إذا " بمنزلة الحضرة والمكان. فإذا قلت: " خرجت فإذا زيد قائم "، كأنه قال: " فحضرتي زيد قائم "، و " زيد " مرفوع بالابتداء و " قائم " خبره، و " حضرتي " في موضع نصب ب " قائم "، كما تنتصب ظروف المكان. قال: ويجوز أن تقول: " خرجت فإذا زيد "، فتجعل " زيدا " مبتدأ، و " إذا " خبره، كأنه قال: " بحضرتي زيد ". ويجوز على ذلك أن تقول: " خرجت فإذا زيد قائما "، فتجعل " إذا " خبر " زيد "، وينصب " قائما " على الحال. ومن جعل " إذا " حرفا، وجعل ما بعدها مبتدأ وخبرا، فإنه يقول: " خرجت فإذا زيد " الخبر محذوف، كأنه قال: " فإذا زيد بحضرتي ". و " الفاء " إذا كانت جوابا فالحذف فيها شائع، كقولك: " إن تأتنا فمحسن " تريد: فأنت محسن، وجملة الحذف أنه متى فهم الكلام معه جاز ولا سيما مع استعمال العرب لذلك. قال: (وأما " إذ "، فيحسن ابتداء الاسم بعدها تقول: " جئت إذ عبد الله قائم " و " جئت إذ عبد الله يقوم "، إلا أنها في " فعل " قبيحة تقول: " جئت إذ عبد الله قام "، ولكن " إذ " إنما تقع في الكلام الواجب، فاجتمع فيها هذا، وأنك قد تبتدئ الاسم بعدها، فحسن الرفع).

стр. 429

يقول: إن " إذ " ليس فيها معنى المجازاة والذي يليها الجمل. قال: فإذا قلت " جئت إذ عبد الله أكرمه "، كان الاختيار رفع " عبد الله "؛ لأن " إذ " ليست بالفعل أولى، كما كانت " إذا "؛ لأن معناها الماضي، وهي لوقت مبهم، يفسّر بالجملة التي بعدها، والجملة التي بعدها مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل ماضيا كان الفعل أو مستقبلا، كقولك: " جئت إذ قام زيد "، و " إذ يقوم زيد "، و " جئت إذ زيد قائم "، و " إذ زيد يقوم ". فإذا قلت: " جئت إذ زيد قام "، قبح أن يكون خبر المبتدأ الذي بعدها فعلا ماضيا. فإن قال قائل: وكيف حسن " جئتك إذ قام زيد "، ولم يحسن " جئتك إذ زيد قام "؟ قيل له: لأن " قام " في قولك: " زيد قام "، موضعها رفع بخبر الابتداء، وخبر الابتداء حكمه أن يكون الاسم أو ما يضارعه، والفعل الماضي مضارعته ليست بتامة، وليس بالكلام حاجة إلى لفظ المضي؛ لأن " إذا " قد دلت على المضي. وإذا قلت: " جئتك إذ قام زيد "، فليس " قام " في موضع اسم. فإن قال قائل: فأنت تجيز " زيد قام " ولا تستقبحه، و " قام " في موضع خبره، فلم استقبحت ذلك في " إذ "؟ قيل له: من أن قولنا: " زيد قام "، لو قلنا مكان " قام " " يقوم "، لتغير معنى الفعل؛ لأن لفظ الفعل هو الذي يدل على الماضي والمستقبل، وفي " إذ "، قد دل على الماضي، فلا حاجة بالكلام إلى لفظ الماضي بعد الذي يدل على المبتدأ. ثم قوى سيبويه الفرق بين " إذ "، و " إذا " بأن: قال: (إن " إذ " إنما تقع في الكلام الواجب). يعني: الماضي، وارتفع الاسم المبتدأ والخبر بعدها، ليرى أنها بعيدة من معنى المجازاة، وأن الرفع حسن في نحو قولك: " جئتك إذ زيد أكرمه ". قال: (ومما ينتصب أوله؛ لأن آخره ملتبس بالأول قولك: " أزيدا ضربت عمرا وأخاه "، و " أزيدا ضربت رجلا يحبه "، و " أزيدا ضربت جاريتين يحبهما "، فإنما نصبت هذا الأول؛ لأن الآخر ملتبس به إذ كانت صفته ملتبسة به). قال أبو سعيد: اعلم أن الجملة إذا كان فيها ضمير اسم متقدم فهي من سبب ذلك الاسم، وإن كان في الجملة اسم ليس فيه ضمير ولا تبالي في أي موضع من الجملة وقع ذلك الضمير؛ فإذا قلت: " أزيدا ضربت عمرا وأخاه "، ف " عمرو " منصوب ب " ضربت "،

стр. 430

و " أخاه " عطف عليه، ف " عمرو " و " الأخ " منصوبان ب " ضربت " متصلان به داخلان في جملته، فصار بمنزلة قولك: " أزيدا ضربت أخاه "، ولو قلت: " أزيدا ضربت عمرا في داره "، لكان الوجه أيضا النصب؛ لأن قولك: " في داره " ظرف وقع فيه الضرب فهو في جملة " ضربت "، وكذلك إذا قلت: " أزيدا ضربت رجلا يحبه "، ف " يحبه " نعت لرجل، والنعت والمنعوت يتسلط عليهما عامل واحد. ف " يحبه " في جملة " ضربت " فصار الاسم المنصوب ب " ضربت " من سبب الاسم الأول؛ إذ كان في جملته عائد إليه، لو كان الذي يلي الاسم جملة ليس فيها ذكر له، ثم جئت بجملة أخرى، فعطفتها على الجملة الأولى، وفيها ذكر للاسم لم يجز، وذلك قولك: " أزيدا ضربت عمرا وضربت أباه "، لأن قولك: " وضربت أباه " جملة أخرى، والجملة الأولى قد مضت بلا ذكر. قال: (وإذا أردت أن تعلم التباسه به، فأدخله في الباب الذي تقدم فيه الصفة، فما حسن تقديم صفته فهو ملتبس بالأول، وما لا يحسن فليس ملتبسا به). قال أبو سعيد: اعلم أن الجملة قد تكون نعتا للنكرة وقد ينعت الاسم بفعل سببه، فيجري النعت على إعراب الأول، ويرتفع سببه بفعله، وذلك قولك: " مررت برجل أبوه قائم "، " فأبوه قائم " نعت لرجل، وفيها ذكر يعود إليه، والقيام للأب، فيجوز تقديم القيام وإجراؤه على " رجل " ورفع " الأب " به، فتقول: " مررت برجل قائم أبوه "، وكذلك " مررت برجل عمرو قائم في داره "؛ لأن " عمرو قائم في داره " جملة فيها ذكر يعود إليه، فتقول على هذا: " مررت برجل قائم في داره عمرو "، ولو قلت: " مررت برجل عمرو قائم " لم يجز أن يكون نعتا لرجل، إنما يكون على أنك قطعت الكلام وخبّرت بخبر ثان، فلو قلت: " مررت برجل قائم عمرو " لم يجز. فقال سيبويه: (إذا أردت أن تعلم الملتبس، فتقدم فعل الثاني، فإن صلح أن يكون نعتا للأول، فهو ملتبس به، وإن لم يصلح، فليس بملتبس به). ثم قال: (ألا ترى أنك تقول: " مررت برجل منطلقة جاريتان يحبهما "، و " مررت برجل منطلق زيد وأخوه "). " فمنطلقة ": نعت ل " رجل "، والفعل للجاريتين؛ لأن في " يحبهما " ضميرا مرفوعا يرجع إلى الرجل، و " مررت برجل منطلق زيد وأخوه "، فتصف الرجل بانطلاق زيد وأخيه؛ لأنهما مرفوعان بفعل واحد.

стр. 431

قال: (ولو قلت: " أزيدا ضربت عمرا وضربت أخاه "، لم يجز) لأنك تقول: " مررت برجل منطلق زيد وأخوه "، ولو قلت: " مررت برجل منطلق زيد ومنطلق أخوه "، لم يجز؛ لأنك إذا قلت ذلك فقد نعت " رجلا " بقولك: " منطلق زيد "، و " منطلق " هذا الأول لم يتصل به ما فيه ضمير لرجل؛ لأن " أخاه " إنما ارتفع ب " المنطلق " الثاني؛ فقط نعت " رجلا " بفعل ليس فيه ما يعود إليه وذلك لا يجوز. وإذا قلت: " مررت برجل منطلق زيد وأخوه "، فقد رفعت " الأخ " بمنطلق، كما رفعت به " زيدا " فلا عليك أقدمت أم أخرت. وهذه مسائل متصلة تشاكل: " أزيدا لم يضربه إلا هو " وتقول: " أأخواك ظناهما منطلقين "، فللأخوين هاهنا سببان مرفوع ومنصوب، وهما جميعا غير منفصلين، فحملت الأول على المرفوع من قبل أن الظاهر يتعدى فعله في هذا الباب إلى مضمره نحو: " ظنهما أخواك ذاهبين "، ولا يتعدى فعل المضمر إلى الظاهر في هذا الباب، ولكن يتعدى فعل المضمر إلى المضمر مثل قولك: " أظنني ذاهبا "، و " ظننتني ذاهبا "، كما قد ذكرنا فيما تقدم أن الأفعال الملغاة التي هي " ظننت "، وأخواتها، يتعدى ضميرها إلى ضميرها كقولك: " أظني منطلقا " و " ظننتني منطلقا "، وظاهرها إلى ضميرها كقولك: " ظننته زيدا منطلقا "، ولا يتعدى ضميرها إلى ظاهرها كقولك: " الزيدين ظنا منطلقين " فإذا قلت: " أأخواك ظناهما منطلقين " فللأخوين ضمير مرفوع وهو الألف في " ظنّا "، وضمير منصوب وهو " هما "، فتحمله على ضمير المرفوع، لأنك إذا فعلت ذلك فجعلت " هما " مكان الضمير المرفوع، صار " أظنهما أخواك منطلقين "، وهذا جائز سائغ كما ذكرنا وبيّنا، ولو حملتهما على ضميرها المنصوب فقلت: " أأخويك ظناهما منطلقين " لم يجز؛ لأنك لو حذفت ضميرها المنصوب لقلت: " أخويك ظنّا منطلقين " فكنت تنصب الظاهر بضميره المضمر وقد بيّنا أن المضمر لا يتعدى إلى الظاهر. قال: (وتقول: " إياهما ظنّا منطلقين " لأنك تقول: " إياهما ظن أخواك منطلقين "، إذا كانا ظنّا أنفسهما، فيتعدى فعل المضمر المرفوع إلى المضمر المنصوب في هذا الباب في الشك والعلم). يعني: أن قولك: " إياهما ظنّا منطلقين " جائز، كما يجوز: " ظننتني منطلقا "، وإن

стр. 432

كان " إياهما " ضميرا منفصلا؛ لأن الضمير المنفصل أقوى من الضمير المتصل في تعدي الفعل إليه؛ ألا ترى أنك إذا قلت: " ظننتني منطلقا "، ثم قدّمت لقلت: " إياي ظننت منطلقا " إذ كان لا يمكن اتصال الضمير وهو قبل الفعل. قال: وتقول: " أأنت حسبتك منطلقا "، و " أإياك حسبتك منطلقا " فتحمل الضمير الأول إن شئت على التاء في " حسبتك "، فتقول: " أأنت " وإن شئت على الكاف، فتقول: " أإياك ". قال: (وتقول: " عبد الله أخوك يضربه " كما فعلت في قولك: " أأنت زيدا ضربته "؛ لأن الاسم ها هنا بمنزلة مبتدأ ليس قبله شيء). يعني: أنك لا تنصب " الأخ "، وإن كانت الهاء في " تضربه " تعود إليه. وعلى مذهب الأخفش " أعبد الله أخاه يضربه "، على تقدير: أتضرب عبد الله أخاه تضربه، وقد مضى الكلام في هذا. قال: (فإن نصبته على قولك: " زيدا ضربته "، قلت: " أزيدا أخاه تضربه "). يعني من قال: " ضرب زيدا ضربه " في الابتداء، وإن كان الاختيار غيره، قال هاهنا: " أزيدا أخاه تضربه "؛ لأن " الأخ " بمنزلة مبتدأ إذ كان " زيد " قد حال بينه وبين ألف الاستفهام. قال: (فأما قولك: " أزيدا مررت به "، فبمنزلة قولك: " أزيدا ضربته ". والرفع في هذا أقوى منه في قولك: " أعبد الله ضربته " وهو أيضا قد يجوز، إذا جاز هذا، كما كان ذلك فيما قبله من الابتداء، وفيما جاء بعد ما بني على الفعل، وذلك لأنه ابتدأ " عبد الله "، وجعل الفعل في موضع المبني عليه كأنه قال: " أعبد الله أخوك "). أما قوله: " أزيدا مررت به "، بمنزلة قولك: " أزيدا ضربته "، وقد بيّنا ذلك، وإن كنا ننصب " زيدا " في قولنا: " أزيدا مررت به " بإضمار فعل يتعدى بغير حرف، كأنا قلنا: " أجزت زيدا مررت به ". وقوله: (والرفع في هذا أقوى منه في: " أعبد الله ضربته "). يعني: أن قولك: " أزيد مررت به "، أقوى من قولك: " أزيد ضربته "؛ لأن الفعل لم يصل إلى ضميره في " مررت " إلا بحرف، وفي " ضربت " قد وصل بغير حرف، فبعد الاسم الأول في المرور أكثر من بعده في الضرب وقد بيّنا هذا.

стр. 433

وقوله: (وهو أيضا قد يجوز). يعني أن قولك: (أعبد الله ضربته) جائز، وإن كان الرفع في الآخر أقوى. وقوله: (كما كان ذلك في الابتداء). يعني: كما كان ذلك في قولك: " أعبد الله ضربته "، وفيما جاء بعد ما بني على الفعل، وهو قولك: " كلمت عمرا وزيد ضربته ". وقوله: (وذلك لأنه ابتدأ " عبد الله " وجعل الفعل في موضع المبني عليه). يعني: أنك إذا قلت: " أعبد الله ضربته "، فقد جعلت " عبد الله " مبتدأ، و " ضربته " في موضع خبره كأنك قلت: " أعبد الله أخوه ". قال: (ومن زعم أنه إذا قال: " أزيدا مررت به "، فإنما نصبه بهذا الفعل، فهو ينبغي له أن يجره لأنه لا يصل إلا بحرف إضافة). يعني: أن قائلا إذا قال في قولنا: " أزيدا مررت به "، إنما انتصب " زيدا " بإضمار " مررت "، كأنه قال: " أمررت زيدا مررت به ". يلزمه ألا ينصب " زيدا "؛ لأن " مررت " لا يتعدى إلا بحرف جر، ويلزمه أن يقول: " أبزيد مررت به "، فأبطل سيبويه قول من يقول: إنا نقدر " أمررت زيدا مررت به ". ثم قال: (وإذا أعملت العرب شيئا مضمرا، لم تصرفه عن عمله مظهرا كالجر الرفع والنصب). يعني: أن العرب لا تقول: " مررت زيدا " مظهرا، فلما لم يجز ذلك لم يجز أن تقدر: " أمررت زيدا مررت به " ثم أكد ذلك: فقال: (تقول: " وبلد " تريد: ورب بلد، وتقول: " زيدا "، تريد: عليك زيدا، وتقول: " الهلال " تريد: هذا الهلال، فكله يعمل عمله مظهرا). فأراك أن ما يعمل عمله مضمرا جرا، أو رفعا، أو نصبا، فإنه يعمل مثله مظهرا، ليعلم أن " مررت " لو كان يتعدى بغير حرف جر مضمرا لتعدى مظهرا. هذا باب ما جرى في الاستفهام من أسماء الفاعلين والمفعولين مجرى الفعل، كما يجري في غيره مجرى الفعل اعلم أن أسماء الفاعلين الجارية على أفعالهم، نحو: ضارب، وقاتل، ومضارب،

стр. 434

ومكسّر، ومستغفر، وما أشبه ذلك، إذ كانت جارية على: ضرب، وقاتل، وكسر، واستغفر؛ وأسماء المفعولين: نحو: معطى، ومكسوّ، ومعرّف، ومعلم إذا كانت جارية على: أعطى، وكسي، وعرّف، وأعلم، تعمل عمل الفعل الذي جرت عليه، إذا كان الفعل للحال، أو المستقبل، وتتصرف تصرفه، تقول: " هذا ضارب زيدا "، كقولك: " هذا يضرب زيدا "، " وهو مكسوّ جبة "، و " معرّف زيدا "، كما تقول: " هذا يضرب زيدا "، و " يعرّف زيدا "؛ وإن شئت قلت: " هذا زيدا ضارب "، و " هذا زيدا معرف "، كما تقول: " هذا زيدا يضرب "، و " هذا زيدا يعرف "، فيجري مجرى الفعل ويعمل عمله. فإن قال قائل: لم أعملتم هذه الأشياء، وهي أسماء عندكم؟ قيل له: حمل الأسماء على الأفعال إذا كانت بينهما مشاكلة، وحمل الأفعال على الأسماء جائز، فمن ذلك أنّا قد حملنا الأفعال المضارعة التي في أوائلها الزوائد الأربع على الأسماء، فأعربناها للمضارعة التي بينها وبين الأسماء، وقد ذكرنا تلك المضارعة، ولم تكن في الأصل معربة، ولا مستحقة للإعراب، فبالمضارعة التي حملنا بها الأفعال على الأسماء، وأعربناها حملنا أيضا الأسماء على الأفعال فأعملناها؛ لأن العمل في الأصل للأفعال. فإذا كان الاسم في معنى فعل ماض لم تعمله؛ لأن ذلك الفعل الذي الاسم في معناه لم يضارع الاسم مضارعة تامة، فيحمل عليه في إعرابه، وكذلك الاسم لم يضارعه فيحمل عليه في عمله، لا تقول: " زيد ضارب عمرا أمس "، ولا " وحشيّ قاتل حمزة يوم أحد "، لأنه في معنى: ضرب، وقتل، وليس بينهما مضارعة، بل تضيفه إليه فتقول: " زيد ضارب عمرو أمس "، و " وحشيّ قاتل حمزة ". وهذا قول النحويين إلا الكسائي، وقد مضت الحجة فيه. فإذا قلت: " هذا معطي زيد درهما أمس "، " وهذا ظان زيد منطلقا أمس " فكثير من أصحابنا يزعمون أن الثاني ينتصب بإضمار فعل آخر، كأنه قال: " هذا معطي زيد أعطاه درهما أمس "، و " هذا ظان زيد ظنه منطلقا أمس ". والأجود عندي أن يكون منصوبا بهذا الفعل بعينه، وذلك لأن الفعل الماضي فيه بعض المضارعة، ولذلك بني على حركة، فبذلك الجزء من المضارعة يعمل الاسم الجاري عليه عملا ما، دون عمل الاسم الجاري على الفعل المضارع، فعمل في الاسم الثاني لمّا لم يمكن إضافته إليه، لأنه لا يضاف إلى اسمين، فأضيف إلى الاسم الذي قبله، وصارت إضافته بمنزلة التنوين له، وعمل في الباقي

стр. 435

بما فيه من معنى الفعل والتنوين. قال سيبويه عقيب ذكر هذا: (وذلك قولك: " أزيدا أنت ضاربه "، " وأ زيدا أنت ضارب له "، و " أعمرا أنت مكرم أخاه "، و " أزيدا أنت نازل عليه ". كأنك قلت: " (أزيدا) " أنت ضارب "، " وأنت مكرم "، و " أنت نازل "، كما كان ذلك في الفعل؛ لأنه يجري مجراه، ويعمل في المعرفة كلها، والنكرة مقدما ومؤخرا، ومظهرا ومضمرا). يعني أن قولنا: " أزيدا أنت ضاربه " بمنزلة قولك: " أزيدا أنت تضربه " وقد بينا أن اسم الفاعل يجري مجرى الفعل، ويعمل عمله. فإن قال قائل: فأنت إذا قلت: " أزيدا أنت ضاربه "، الهاء في موضع جر، فكيف نصبت زيدا، وضميره مجرور؟ قيل له: جر ضميره لا يمنع أن يكون " ضارب " في معنى الفعل، كما كان ذلك في قولك: " أزيد مررت به "؛ لأن ضميره مجرور، وإنما الجر في اللفظ، والنية نية التنوين في " ضاربه "، كأنك قلت: " ضارب له ". وقوله: (ويعمل في المعرفة والنكرة، مقدما ومؤخرا، ومظهرا ومضمرا). يعني: اسم الفاعل، تقول: " هذا ضارب زيدا "، و " قاتل رجلا "، و " هذا زيدا ضارب "، و " هذا أباك قاصد "، فذكر سيبويه هذا؛ ليثبت أنه يعمل عمل الفعل ويجري مجراه. قال: (وكذلك " آلدار أنت نازل فيها " وتقول: " أعمرا أنت واجد عليه "، و " أخالد أنت عالم به "، و " أزيدا أنت راغب فيه "؛ لأنك لو ألقيت " عليه " و " فيه " و " به " مما ها هنا لتعتبر، لم يكن ليكون إلا مما ينتصب، كأنه قال: " أعبد الله أنت ترغب فيه "، و " أعبد الله أنت تعلم به "، و " أعبد الله أنت تجد عليه "، فإنما استفهمته عن علمه به، وعن رغبته فيه في حال مسألتك). يعني: أن اسم الفاعل إذا كان متعديا بحرف جر، فليس يمنعه ذلك من أن يجري مجرى الفعل، وينصب الاسم الأول بإضمار فعل. فإذا قلت: " أعبد الله أنت راغب فيه " صار بمنزلة قولك: " أعبد الله أنت ترغب فيه "، إذا كان راغبا فيه، فتنصب كما نصبت في قولك: " أعبد الله أنت مررت به " وقد بينا هذا. وإنما تنصب " عبد الله " في قولك: " عبد الله أنت راغب فيه " إذا كان راغبا في معنى " يرغب " لا في معنى " رغبت ".

стр. 436

وهذا معنى قول سيبويه: (فإنما استفهمته عن علمه به، ورغبته فيه في حال مسألتك). لأن الذي يعمل عمل الفعل من أسماء الفاعلين ما كان في معنى الفعل المضارع، وقد بيّنا ذلك. قال: (ولو قال: " آلدار أنت نازل فيها "، فجعل " نازلا " اسما رفع، كأنه قال: " آلدار أنت رجل فيها "). يعني: أن اسم الفاعل قد يجوز ألا يذهب به مذهب الفعل؛ لأنه اسم، ويجري مجرى الأسماء التي لم تؤخذ من الأفعال. فإذا فعلت ذلك لم تنصب الاسم الأول؛ لأنه ليس بعده فعل، ولا شيء جعل في معنى الفعل، ووقع على ضميره. فإن قال قائل: فإذا قلت: " آلدار أنت نازل فيها "، فجعلته بمنزلة قولك: " آلدار أنت رجل فيها "، فما موضع " فيها " من الإعراب؟ وما العامل فيها؟ قيل له: أما قولنا: " آلدار أنت رجل فيها "، فموضعها رفع " باستقر "، وهي في موضع النعت لرجل، كقولك: " مررت برجل في الدار "، و " مررت برجل خلفك "، وأما قولك: " آلدار أنت نازل فيها "، فقد يكون على هذا الوجه، وقد يكون أيضا على معنى الفعل الماضي، ويكون عاملا في الظرف الذي هو " فيها " بمعناها لا بلفظها، وقد تعمل المعاني في الظروف، ولا تعمل في الأسماء. ألا ترى أنك تقول: " زيد غلامك اليوم "، و " غلام " ليس باسم فاعل، ولا مأخوذ من الفعل. قال: (ولو قال: " أزيد أنت ضاربه " فجعله بمنزلة: " أزيد أنت أخوه "، جاز). يعني: أنه لا يجريه مجرى الفعل، فيكون اسم الفاعل المضاف، فإذا لم يجر مجرى الفعل كان بمنزلة " أخوه "، فإذا لم يكن مضافا، كان بمنزلة " رجل ". قال: (" ومثل " ذلك في النصب: " أزيدا أنت محبوس عليه "، و " أزيدا أنت مكابر عليه "). يعني: أنك إذا قلت: " أزيدا أنت محبوس عليه "، فعلى موضعه نصب، وقد اتصل به ضمير " زيد "، فوجب أن ينصب " زيد " بإضمار فعل، وكذلك في: " أزيدا أنت مكابر عليه "، كأنك قلت: " أتنتظر زيدا أنت محبوس عليه "، " واستلبت زيدا أنت مكابر عليه "، وفي " محبوس " و " مكابر " ضمير يقوم مقام الفاعل؛ لأن معناه: أنت " تحبس عليه، وتكابر

стр. 437

عليه "، وهذا من أسماء المفعولين التي تجري مجرى الفعل. قال: (وإن لم يرد به الفعل، وأراد به وجه الاسم رفع). يريد أن " محبوسا "، و " مكابرا "، إذا ذهبت به مذهب " رجل " في المسألة الأولى، قلت: " أزيد أنت محبوس عليه "، و " أزيد أنت مكابر عليه ". قال: (" وكذلك جميع هنا " فمفعول مثل يفعل، وفاعل مثل يفعل). يريد أن " مفعول " مثل " محبوس " و " مكابر " وما أشبهه " يجري مجرى " يحبس "، و " يكابر " والأفعال التي لم تسم فاعلوها. و " ضارب، وشاتم، ومقاتل، ومكسّر "، يجري مجرى " يضرب، ويشتم، ويقاتل، ويكسر ". والأفعال التي تسمى فاعلوها. قال: (ومما يجرى مجرى فاعل من أسماء الفاعلين " فواعل " أجروه مجرى " فاعله "، حيث كان جمعه وكسّروه عليه، كما فعلوا ذلك بفاعلين، وفاعلات). قال أبو سعيد: قد قدمنا أن اسم الفاعل الجاري على فعله يعمل عمل الفعل على الشرط الذي شرطنا، وقد علمت أن الفاعل يثنى ويجمع على حسب ما يكون له من الفعل، فيكون تثنية الفاعل وجمعه جاريا مجرى الفعل، وأحق الجموع بذلك الجموع السالمة؛ لأنها تطرد على الواحد اطرادا لا ينكسر ويسلم فيه لفظ الواحد، وطريقته طريقة واحدة وذلك قولك: " الزيدان ضاربان عمرا "، و " الزيدون ضاربون عمرا "، وتقدم فتقول: " الزيدان عمرا ضاربان "، و " الزيدون عمرا ضاربون "، و " الهندات ضاربات عمرا " و " عمرا ضاربات "، ثم أجروا الجمع المكسر على الجمع السالم؛ إذ كانا جميعا جمعين، وكان القصد فيهما إلى معنى واحد، وإن كانت وجوه الجمع المكسر كثيرة، فقالوا: " الزيدون ضراب عمرا، وعمرا ضراب " و " الهندات ضوارب عمرا، وعمرا ضوارب " ثم أجروا اسم الفاعل الذي فيه معنى المبالغة مجرى الفعل الذي فيه معنى المبالغة في العمل، وإن لم يكن جاريا عليه في اللفظ، فقالوا: " زيد ضراب عبيده "، و " قتاال أعداءه "، كما قالوا: " يضرب، ويقتل " إذ أكثر ذلك منهم، فكان " قتّال، وضرّاب " بمنزلة: قاتل، وضارب، كما كان " يضرّب ويقتّل " بمنزلة يضرب ويقتل. قال: (فمن ذلك قولهم: " هنّ حواجّ بيت الله) وفي حواج نية التنوين، كأنك قلت: " هنّ حواجّ بيت الله " جمع " حاجة " وسقط التنوين؛ لأنه لا ينصرف، وتجوز إضافته فتقول: " هن حواج بيت الله "، ويسقط التنوين للإضافة لا لمنع الصرف.

стр. 438

قال أبو كبير الهذلي: ممّن حملن به وهنّ عواقد ... حبك النّطاق فشبّ غير مهبّل (١) فصرف " عواقد " للضرورة، ونصب " حبك "، ويروى " مما حملن به " والهاء في " به " تعود إلى " ما " و " من ". (وقال العجاج: أو الفا مكة من ورق الحمى) (٢) فصرف " أو الفا "، ونصب " مكة " وقد ذكرنا في أول الكتاب الكلام في الحمى. قال: (وقد جعل بعضهم " فعّالا " بمنزلة " فواعل "، فقالوا: " قطّان مكة " و " سكان البلد الحرام "، لأنه جمع " كفواعل "). قال أبو سعيد: قد بينا أن الجمع المكسر- وإن كانت له وجوه- يجري مجرى الجمع السالم، غير أن بعض الجمع المكسر أشدّ اطرادا من بعض. فأشده اطرادا " فواعل "، وذلك أنه تكسير جمع الفاعل والفاعلة على القياس الذي لا ينكسر؛ لأن قياس تكسير الاسم الذي على أربعة أحرف أن تدخل ألف الجمع ثالثة، ويفتح أوله ويكسر ما بعد الألف، فلما جمعت " فاعلة " أدخلت بعد ألف " فاعلة " ألفا للجمع، وقلبت ألف " فاعلة " واوا، لاجتماع الساكنين ثم حملوا " فعّالا " عليه. قال: (وأجروا اسم الفاعل، إذا أرادوا أن يبالغوا في الأمر، مجراه إذا كان على بناء " فاعل "؛ لأنه يريد به ما أراد بفاعل من إيقاع الفعل، إلا أنه يريد أن يحدّث عن المبالغة، فمما هو الأصل الذي عليه أكثر هذا المعنى: فعول، وفعّال، ومفعال، وفعل. وقد جاء " فعيل ": كرحيم، وسميع، وعليم، وقدير، وبصير، يجوز فيهن ما جاز في " فاعل " من التقديم والتأخير، والإضمار والإظهار). قال أبو سعيد: وقد بينا أن اسم الفاعل الذي فيه معنى المبالغة نحو قتّال، وضرّاب، يجري مجرى اسم الفاعل، كما كان: " يضرّب، ويقتّل "، يجري مجرى: يقتل، ويضرب، فجمع سيبويه الأبنية التي تكون للمبالغة، فقال: فعول، وفعال مفعال وفعل، وفعيل،

стр. 439

كقولك: " ضروب زيدا "، و " ضرّاب أخاه، و " منحار إبله "، و " حذر أمرك "، و " رحيم أباه "، والتقديم في ذلك كله والتأخير، والإضمار والإظهار جائز. قال: (لو قلت: " هذا ضروب رؤوس الرجال "، وسوق الإبل على: وضروب سوق الإبل، جاز، كما تقول: " هذا ضارب زيد وعمرا " تضمر: " وضارب عمرا "). ومثل هذا في الفعل: " مررت بزيد وعمر "، تخفض الأول ثم تضمر فعلا في معناه تعديه إلى الثاني بغير حرف، فكأنك قلت: " مررت بزيد ولقيت عمرا ". قال: (ومما جاء فيه مقدما مؤخرا على نحو ما جاء في فاعل قول ذي الرمة: هجوم عليها نفسه غير أنه ... متى يرم في عينيه بالشّبح ينهض) (١) فعدى " هجوم " إلى " نفسه "، كأنه قال: " يهجم نفسه عليها ". يصف ظليما طرح نفسه على البيض ما لم ير إنسانا، فإذا رأى إنسانا، قام فتنحى حتى لا يهتدي للبيض. (وقال أبو ذؤيب الهذلي: قلى دينه واهتاج للشّوق إنّها ... على الشّوق إخوان العزاء هيوج) (٢) هذا البيت منسوب إلى أبي ذؤيب في نسخة كتاب سيبويه، وهو غلط وإنما هو للراعي يريد: أن المرأة هيوج إخوان العزاء، أي تهيجهم، وتشوقهم، وإخوان العزاء: ذوو الصبر، فإذا كانت تهيج ذوي البصائر والصبر فهي لغيرهم أهيج؛ يصف امرأة، وأنها لو تراءت لراهب قلى دينه، وذلك في بيت تاليه، هذا البيت وهو قوله: ليالي سعدى لو تراءت لراهب ... برومة بحر عنده وحجيج (٣) وقال القلاخ: أخا الحرب لباسا إليها جلالها ... وليس بولاج الخوالف أعقلا (٤) أراد: لباسا جلالها. قال: (وسمعت من العرب من يقول: " أما العسل فأنا شرّاب ").

стр. 440

فنصب " العسل ". " بشراب "، كما يقول: " أما العسل فأنا شارب، أو أنا أشرب ". قال: (بكيت أخا اللأواء يحمد يومه ... كريم، رؤوس الدّارعين ضروب) (١) أراد: ضروب رؤوس الدارعين، فقدم كما يقدّم في " ضارب ". وقال: (أبو طالب ابن عبد المطلب): ضروب بنصل السّيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنّك عاقر) (٢) أراد: ضروب سوق سمانها بنصل السيف. وقال: (وقد جاء في " فعل " وليس في كثرة ذلك. قال الشاعر: أو مسحل شنج عضادة سمحج ... بسراته ندب لها وكلوم) (٣) قال أبو سعيد: اعلم أن النحويين قد خالفوا سيبويه في تعدي " فعل، وفعيل "، وجريهما مجرى الأفعال، فقالوا: لا تتعدى، ولا تعمل عمل الفعل. فلا يقال: " رجل حذر عمرا "، ولا " زيد رحيم أخاه ". وقالوا من قبل أن " فعيل، وفعل " هما اسمان يبنيان للذات، لا لأن يجريا مجرى الفعل، فيكون كقولك: " رجل كريم ونبيل " و " رجل عجل، ومغث، ولقس "، إذا كان ذلك في طبعه، وأنشد سيبويه بيتين في تعدي " فعل "، وبيتا في تعدي " فعيل ". وقد أنكر مخالفوه احتجاجه بالأبيات: فأما البيت الأول، فقوله: أو مسحل شنج عضادة سمحج- وهو للبيد- وموضع الاحتجاج: نصب " عضادة " ب " شنج " - فقال النحويون: انتصاب " عضادة " على الظرف، لا على المفعول به، ومعنى " عضادة ": القوائم، " وشنج " لازم، و " مسحل ": هو العير، و " سمحج ": هي الأتان، كأنه قال على مذهب النحويين: أو حمار لازم يمنة أتان، أو يسرة أتان، أو ناحية أتان على تقدير: لازم في ناحية أتان. وقال المحتج عن سيبويه: شنج: في معنى لازم والعضادة: هي القوائم، وهي لا تكون

стр. 441

ظرفا؛ كأنه قال: هو لازم قوائم سمحج. كما قال الآخر: قالت سليمى لست بالحادي المدلّ ... ما لك لا تملك أعضاد الإبل (١) " فأعضاد " بمنزلة " عضادة "، وقد نصبها " بتلزم ". وشنج في معنى ذلك. والبيت الثاني في " فعل " قوله: حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار فنصب " أمورا " " بحذر ". قال النحويون: هذا بيت لا يصح عن العرب، ورووا عن أبي عثمان المازني عن اللاحقي عن الأخفش أنه قال: سألني سيبويه عن شاهد في تعدي " حذر "، فعملت له هذا البيت. ويروى أيضا: أن البيت لابن المقفع. وأما الشاهد في فعيل فقول ساعدة بن جؤيّة: حتّى شآها كليل موهنا عمل ... باتت طرابا وبات الليل لم ينم (٢) فعدّى " كليل " إلى " موهن ". فقال النحويون: هذا غلط من سيبويه بيّن، وذلك أن " الكليل " هو البرق، ومعناه: البرق الضعيف: وكذا " رجل كليل " إذا كان ضعيفا، وفعله لا يتعدى كقولك: كلّ. يكلّ، ولا تقول: " كلّ زيد عمرا ". و " الموهن ": الساعة من الليل، فهو ينتصب على الظرف، وإنما يصف حمارا وأتانا. و " شآها ": في معنى: شاقها، يعني شاق هذه الحمير هذا البرق الضعيف في هذه الساعة من الليل؛ حين نقلها من الموضع الذي كانت فيه، إلى الموضع الذي كان منه البرق. و " عمل ": تعب كليل، ومعناه: أن هذا البرق الضعيف كان يبدو مرة بعد مرة، فذلك البدوّ عمل. وباتت الأتن طرابا وقد استخفها الشوق، وبات الحمار لم ينم من الشوق أيضا، والنزاع إلى الموطن. وقد خرج لسيبويه أن " كليل " في معنى " مكل "، ووزنه " مفعل "، و " فعيل " في معنى الفعل المتعدي مثل " عذاب أليم " و " داء وجيع "، إذا وضع بمعنى المؤلم والموجع، والمؤلم

стр. 442

والموجع يتعديان، فيصير كأنه: مكلّ موهنا بدوامه عليه، كما يقال: " أتعبت يومك "، ونحو ذلك من المجاز والاتساع. وكان الجرمي يجيز تعدي " فعل " على مذهب سيبويه، قال: لأنه جاء على وزن الفعل، فأشبه أن يكون جاريا مجراه وليس بكثير. قال سيبويه: (ويقال إنه لمنحار بوائكها). يعني: سمانها وأقناها، الواحد بائك. " ومنحار ": مفعال وقد ذكرناه. قال: (وفعل أقل من فعيل بكثير). يعني: أن اسم الفاعل على " فعيل " أكثر منه على " فعل ". وقد ذكرنا مذهبه ومذهب من يخالفه في تعدي " فعيل، وفعل ". قال: (وأجروه حين بنوه للجمع يعني فعولا كما كان أجرى في الواحد؛ ليكون " كفواعل " حين أجرى مجرى مثل " فاعل "، من ذلك قول طرفة: ثمّ زادوا أنّهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فجر) (١) ويروى: فخر يعني: أنهم أجروا جمع " فعول "، و " فعيل "، وما كان للمبالغة في باب التعدي مجرى جمع " فاعل " في التعدي، و " غفر " جمع: غفور، وقد عدوّه إلى ذنبهم، كما عدوا غفور. وقال الكميت: وليس بحجة عند الأصمعي: شمّ مهاوين أبدان الجزور مخا ... ميض العشيّات لا خور ولا قزم (٢) فعدى " مهاوين " إلى أبدان الجزور، وهي جمع " مهوان "، مثل: منحار ومعناه: أنه يهين اللحم إذا نحر الجزور، ويعطي. قال: (ومنه قدير، وعليم، ورحيم، لأنه يريد المبالغة في الفعل، وليس هذا بمنزلة قولك: حسن وجه الأخ؛ لأن هذا لا يقلب ولا يضمر، وإنما حده أن يتكلم به في الألف واللام، أو نكرة ولا يعني أنك أوقعت فعلا سلف منك إلى أحد، ولا يحسن أن تفصل بينهما، فتقول: " هو كريم " فيها حسب الأب). يعني: أن قديرا وعليما يتعدى كتعدي الفعل، ويقدم المفعول عليه ويؤخر ويضمر

стр. 443

" عليم "، فيعمل مضمرا وقد ذكرنا ذلك في اسم الفاعل، وليس كذلك الصفة المشبهة، وهو: باب " حسن الوجه "، إذا قلت: " هذا حسن الوجه " لم يحسن أن تقول: " هذا الوجه حسن "، كما تقول: " هذا زيدا ضارب " فهذا هو معنى قوله: لأن هذا لا يقلب أي لا يقدم. وإذا قلت: " هذا حسن الوجه والعين " لم يصلح أن تنصب العين بإضمار " وحسن العين " كما تقول: " هذا ضارب زيد وعمرو " ثم تقول: " هذا ضارب زيد وعمرا "، على إضمار " وضارب عمرا "، فاسم الفاعل يتصرف، ويجري مجرى الفعل، وليس بمنزلة الصفة المشبهة. وقوله: (وإنما حده أن يتكلم به في الألف واللام لا يعني أنك إذا أوقعت فعلا سلف منك إلى أحد). يعني: باب " حسن الوجه "، وذلك أن " حسن الوجه " ليس بجار على فعله. ألا ترى أنك لا تقول: " زيد يحسن الوجه، ولا " زيد حسن الوجه "، وإنما شبه " حسن " بالفاعل، والاختيار عندهم أن يكون في الوجه الألف واللام، وأن يضاف فيقال: " حسن الوجه "، ولا يحسن أن تفصل بين " حسن " وما يعمل فيه، فتقول: " هو حسن في الدار الوجه "، و " كريم فيها الأب "، كما تقول: " هو ضارب في الدار زيدا "، وأنا أستقصي الكلام في " حسن الوجه " إذا انتهيت إليه، وأبين علله إن شاء الله تعالى. قال: (ومما أجري مجرى الفعل من المصدر قوله: يمرون بالدّهنا خفافا عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحقائب على حين ألهى الناس جلّ أمورهم ... فندلا زريق المال ندل الثّعالب) (١) قال أبو سعيد: اعلم أن المصادر تعمل عمل الأفعال التي أخذت منها، كما عملت أسماء الفاعلين عمل الأفعال التي جرت عليها، وذلك أن الفعل متوسط بين المصدر واسم الفاعل لأنه مأخوذ من المصدر، واسم الفاعل مأخوذ منه، وقد تقدم ذلك. غير أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول به، لأنه متعلق بهما، وهو غيرهما، كقولك: " هذا بناء الحائط "، و " هذا بناء زيد ". واسم الفاعل لا يضاف إلى الفاعل كما يضاف إلى المفعول به، لا تقول: " هذا ضارب زيد "، والضارب هو " زيد " لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، واسم

стр. 444

الفاعل قد يتقدم عليه المفعول، والمصدر لا يتقدم عليه مفعوله، تقول: " هذا زيدا ضارب " على تقدير: " هذا ضارب زيدا "، ولا يجوز: " هذا زيدا ضربك " على تقدير: " هذا ضربك زيدا "؛ لأن المصدر مقدر " بأن " والفعل بعدها، وما بعد " أن " لا يعمل فيما قبلها، لا يجوز أن تقول: " زيدا أن أضرب خير له "، على تقدير: " أن أضرب زيدا خير له "، والمصدر يعمل في المفعول، ماضيا كان أو مستقبلا، واسم الفاعل لا يعمل إلا في المستقبل والحال، والفرق بينهما: أن المصدر وإن كان في معنى الماضي فلا بد أن يقدر فيه " أن " والفعل، فليس بمنزلة الفعل المحض فصار محله كمحل الألف واللام إذا كانتا بمعنى الذي، وهي تعمل في الماضي والمستقبل، تقول: " أعجبني الضارب زيدا " في معنى: الذي يضرب زيدا، ويعجبني: " الضارب زيدا " بمعنى: " الذي يضرب زيدا "، فيعمل في الماضي والمستقبل إذا كان تقديره: تقدير الذي ضرب، والذي يضرب. وكذلك المصدر، تقديره: أن ضرب، وأن يضرب، فقد خالف المصدر اسم الفاعل من ثلاثة أوجه: أولهما: الإضافة إلى الفاعل. الثاني: أن مفعوله لا يتقدم عليه. الثالث: أنه يعمل في الماضي والمستقبل، واسم الفاعل لا يجوز فيه شيء من ذلك. واعلم أنك إذا أضفت المصدر جررت الذي تضيفه إليه بالإضافة، وأجريت ما بعد المضاف إليه على حكم إعرابه، إن كان فاعلا رفعته، إن كان مفعولا به نصبته، كقولك: " أعجبني قطع اللصّ الأمير "، و " أعجبني دقّ الثوب القصّار " وإن شئت: " أعجبني دق القصار الثوب " و " قطع الأمير اللص "، وإن نونت وأدخلت الألف واللام أجريت كل واحد منهما على حكمه، فقلت: " أعجبني ضرب زيد عمرا "، و " أعجبني القطع اللص الأمير "؛ لأنك أبطلت الإضافة بدخول الألف واللام والتنوين. وأما قوله: (فندلا زريق المال ندل الثعالب) فظاهر كلام سيبويه أنه ينصب " المال " ب " ندلا "، وأنا أبين حقيقة ذلك: اعلم أنك إذا قلت: " ضربا زيدا "، فتقديره: " اضرب ضربا زيدا " فضرب منصوب بالفعل المضمر، فينبغي أن يكون " زيد " منصوبا بذلك الفعل أيضا، وقد جرت عادة النحويين في هذا بأن يقولوا: إن " زيدا " منصوب بالضرب، وحقيقته ما ذكرته لك. غير أنهم توسعوا لما ناب المصدر عن الفعل الذي هو عامل أن يقولوا: إنه عامل، ولو أضمرنا

стр. 445

في قولنا: " ضربا زيدا " فعلا غير أضرب، كقولنا: " أوقع ضربا زيدا "، و " افعل ضربا زيدا "، حتى يكون الضرب مفعولا لذلك الفعل المضمر لا مصدرا، لانتصب " زيدا " ب " ضربا "، فكان يصير بمنزلة قولك: " رأيت ضربا زيدا "، فعلى هذا قوله: " فندلا رزيق المال " هو على وجهين: إما أن يكون على قولك: " اندل ندلا المال "، فيكون " المال " منصوبا باندل على الحقيقة و " ندلا " نائب عنه، وإما أن يكون " ندلا " منصوبا " بأوقع " أو " أفعل "، فيكون " المال " منصوبا ب " ندلا ". (وقال المرار الأسدي: أعلاقة أم الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالثّغام المخلس) (١) قال: فالقول في: " أعلاقة أم الوليد "، كالقول في: " ندلا رزيق المال ". وقوله: " بعد ما أفنان رأسك كالثّغام المخلس ": " أفنان " مبتدأ، وخبره " كالثغام " و " ما " وما بعدها من الابتداء والخبر بمعنى المصدر، كما تكون هي وما بعدها من الفعل بمعنى المصدر، وكما تكون " أنّ " المشددة وما بعدها من الاسم والخبر بمعنى المصدر، فيكون تقديره: " بعد إشباه رأسك الثغام "، كما لو قلت: " بعد ما أشبه رأسك الثغام " كان تقديره: " بعد إشباه رأسك " (وقال الشاعر: بضرب بالسّيوف رؤوس قوم ... أزلنا هامهنّ عن المقيل) (٢) نصب " رؤوسا " ب " ضرب "، لما نونه. قال: (وتقول: " أعبد الله أنت رسول له " و " رسوله "، لأنك لا تريد " بفعول " ها هنا، ما تريد به في " ضروب "؛ لأنك لا تريد أن توقع منه فعلا عليه، فإنما هو بمنزلة قولك: " أعبد الله أنت عجوز له). يعني: أن " رسولا " لا يجري مجرى الفعل، كما جرى " ضروب " مجرى الفعل، ألا ترى أنك لا تقول: " هذا رسول زيدا "، كما تقول: " هذا ضروب زيدا "، وذلك أن

стр. 446

" الرسول "، اسم للمرسل لا للمرسل عند مبالغة فعله، فهو بمنزلة عجوز التي لا تجري على الفعل، فلذلك لا تنصب " عبد الله "، الذي يلي حرف الاستفهام؛ لأنه ليس بعده فعل واقع به ولا اسم. وتقول: (" أعبد الله أنت عديل له "، و " أعبد الله أنت له جليس "؛ لأنك لا تريد مبالغة في فعل، ولم تقل: مجالس، فيكون " كفاعل "، وإنما هذا اسم بمنزلة قولك: " أزيد أنت وصيف له " أو " غلام له "، وكذلك: " البصرة أنت عليها أمير "). يعني: أن " جليسا " و " أميرا " لا يجريان مجرى الفعل، فلا ينصب الاسم الأول. وإنما " جليس "، بمنزلة " وصيف "، وبمنزلة " غلام "، وكذلك " الأمير "، وكذلك لو قلت: " أعبد الله أنت مجالس له " لنصبت " عبد الله "؛ لأن " مجالس " يجري على " يجالس " فكأنك قلت: " أعبد الله أنت تجالسه " على تقدير: " أتجالس عبد الله أنت تجالسه ". وقوله: (لأنك لم ترد به مبالغة في الفعل). يعني: أن " جليس " ليس للمبالغة، كما كان " رحيم ". لا تقول: " هذا جليس زيدا "، كما تقول: هذا رحيم زيدا، إذا كثرت منه الرحمة؛ لأن " الجليس " و " الأمير " قد يقال لهما في أول جلسة وأول إمارة. قال: (فأما الأصل الأكثر الذي يجري مجرى الفعل من الأسماء " ففاعل ". وإنما جاز في التي بنيت للمبالغة؛ لأنها بنيت للفاعل من لفظه). يعني: أن اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل، ما جرى على الفعل، كضارب من " ضرب " ومجالس من " جالس "، وما كان من مبالغة الفاعل " فضروب " و " ضرّاب " و " جليس " و " أمير " على غير هذين الوجهين. قال: (وليست هي بالأبنية التي هي في الأصل أن تجري مجرى الفاعل، يدلك على ذلك أنها قليلة. فإذا لم يكن فيها مبالغة الفعل، فإنما هي بمنزلة " غلام " و " عبد "؛ لأن الاسم على " فعل ويفعل " فاعل، وعلى فعل ويفعل: مفعول). يعني: أن فعيلا ليست من الأبنية التي تجري مجرى الفعل في الأصل، ومع ذلك فهي قليلة وإنما يحتج بذلك كله؛ ليرى أن " جليسا " لا يتعدى إذا لم يكن جاريا على الفعل، وإذا لم يكن فيها مبالغة الفعل، ولم تكن للمبالغة. والاسم الجاري على الفعل أن يكون من " فعل يفعل " " فاعل " نحو: " ضرب يضرب ضارب ". وفاعل يفاعل فهو مفاعل نحو:

стр. 447

" جالس يجالس فهو مجالس " وعلى " فعل يفعل " فهو " مفعول " نحو: " كسي يكسى فهو مكسو ". و " جولس يجالس فهو مجالس ". وجملة ذلك أن الاسم الجاري على الفعل في الفعل الثلاثي، ما كان على لفظ فاعل كقولك: " ضرب يضرب فهو ضارب "، " وقتل فهو قاتل "، و " علم فهو عالم "، و " سمع فهو سامع ". وما كان على أكثر من ثلاثة أحرف، فإن اسم الفاعل الجاري عليه لفظ مستقبله وعدة حروفه، إلا أن الحرف الأول منه ميم " مضمومة " مكان حرف الاستقبال، وما قبل آخره مكسور نحو قولك: " قاتل فهو مقاتل "، و " جالس فهو مجالس "، و " استغفر فهو مستغفر "، و " تعشى فهو متعشّ "، و " كسرّ فهو مكسّر "، و " دحرج فهو مدحرج "؛ لأنك تقول: " يقاتل، ويجالس، ويستغفر، ويتعشى، ويكسر، ويدحرج ". والمفعول من الفعل الثلاثي على لفظ المفعول كقولك: " ضرب فهو مضروب "، و " كسي فهو مكسوّ ". وإذا كان على أكثر من ثلاثة أحرف فهو على لفظ فعله المستقبل كقولك: " قوتل فهو مقاتل، وأعطي فهو معطى، وكسّر فهو مكسر " لأنك تقول: يعطى، ويقاتل، ويكسّر. والأفعال التي للمبالغة، ولم تجر مجرى الفعل هي ما قدمناه، وذلك خمسة أسماء: فعول، وفعّال، ومفعال، وفعل، وفعيل على قول سيبويه. قال: (وتقول: " أكلّ يوم أنت فيه أمير "، ترفعه لأنه ليس بفاعل، وقد خرج " كل " من أن يكون ظرفا، فصار بمنزلة " عبد الله "، ألا ترى أنك تقول: " أكلّ يوم ينطلق فيه " صار كقولك: " أزيد يذهب به "). يعني: أن قولك: " أكلّ يوم أنت فيه أمير "، يرتفع " كلّ "، ولا يجوز نصبه فيه، وذلك لأن " أمير " ليس في معنى فعل، فيضمر فعل " ينصب " " كل ". فإن قال قائل: فإن الأسماء التي لا تجري مجرى الفعل، تعمل في الظروف، و " كل يوم " هو ظرف، فهلا أضمرت فعلا ينصبه، ويكون " أمير " هذا الذي يفسر ذاك الفعل، كما كان " أمير " ينصب الظرف، إذا قلنا: " زيد أمير يوم الجمعة "، " وزيد يوم الجمعة غلامك "؟ قيل له: المعاني وإن كانت تعمل في الظروف؛ فإنها لا تبلغ من قوتها أن تكون تفسيرا لفعل مضمر إذا كانت هي لا تجري مجرى الأفعال، ولا تكون لها تلك القوة.

стр. 448

ولو قلت: " أكلّ يوم أنت أمير " نصبت، وصار " كل " ظرفا للأمير، فإذا قلت: " أكلّ يوم أنت فيه أمير " فقد صارت " فيه " هو الظرف للأمير، وارتفع " كلّ " بالابتداء. وكذلك إذا قلت: " أكلّ يوم ينطلق فيه " وجعلت " فيه " في موضع رفع، وأقمتها مقام الفاعل في " ينطلق "، ورفعت " كل " بالابتداء، وفي هذا وجه آخر وهو: أن تجعل في " ينطلق " ضمير مصدر تقيمه مقام الفاعل، فيصير " فيه " موضعه نصب، فينتصب " كلا "؛ لأن ضميره اتصل بمنصوب على تقدير: أكلّ يوم ينطلق الانطلاق فيه، ويكون الناصب " لكل يوم " فعلا مبهما كأنك قلت: " أينطلق الانطلاق كلّ يوم ينطلق الانطلاق فيه ". قال: (ولو جاز أن تنصب " كل يوم " وأنت تريد بالأمير الاسم لقلت: " أعبد الله عليه ثوب "؛ لأنك تقول: " أكلّ يوم لك فيه ثوب "). يعني أن " الأمير " ليس يجري مجرى الفعل، فهو بمنزلة " الثوب " ولا ينصب الاسم الأول، وإن كان في الكلام ضمير يعود إليه متصل بمنصوب؛ لأن ذلك المنصوب نصبه كنصب الظرف بمعنى استقر، فإذا قلت: " أعبد الله عليه ثوب "، فتقديره: أعبد الله استقر عليه ثوب كما تقول: " أعبد الله خلفه ثوب "، ولو أظهرت الاستقرار لنصبت " عبد الله "، كقولك: " أعبد الله استقر عليه ثوب "، وقولك: " أكلّ يوم لك ثوب " تنصب " كل يوم " بالظرف، والعامل فيه " لك " بمعنى الاستقرار، فإذا شغلت الظرف بضمير " اليوم "، خرج " اليوم " من أن يكون ظرفا، ورفعته بالابتداء فقلت: " أكلّ يوم لك فيه ثوب "، ولا تنصب " اليوم "؛ لأنه لم يظهر فعل ولا اسم فاعل. قال: (ولو جاز أن تقول: " أكلّ يوم لك فيه ثوب "، لجاز أن تقول: " أعبد الله عليه ثوب "؛ لأن " عليه " في موضع نصب مثل: " فيه ". وهذا لا يجوز فيهما جميعا، لأنك لم تأت بفعل). هذا باب الأفعال التي تستعمل وتلغى (وهي ظننت، وحسبت، وخلت، ورأيت، وزعمت، وما يتصرف من أفعالهن كأحسب وتظن). قال أبو سعيد: أعلم أن هذه الأفعال تدخل على جمل، هي أسماء وأخبار قد كانت قائمة بنفسها فيحدث الشك أو اليقين في أخبارها، فلذلك لم يجز الاقتصار على أحد المفعولين دون الآخر، وذلك أنك إذا قلت: " حسبت زيدا منطلقا "، فالمحسبة وقعت منك

стр. 449

على انطلاق زيد، فلم يجز أن تقول: " حسبت زيدا " وتسكت؛ لأن المحسبة لم تقع على زيد فلا يجوز أن تأتي بما لم تقع عليه المحسبة، وتترك ما وقعت عليه المحسبة ولا يجوز أن تقول: حسبت منطلقا وتسكت؛ لأن الانطلاق الواقع عليه المحسبة إذا لم يكن مسندا إلى صاحب فلا فائدة فيه؛ ألا ترى أنك تقول: " زيد منطلق "، تكون الفائدة للمخاطب في الانطلاق؛ لأن المخاطب قد عرف " زيدا "، ولا يجوز مع هذا أن تفرد أحدهما من دون الآخر، فتقول: " زيد " أو تقول: " منطلق "؛ لأنك إذا قلت: " زيد " فلا فائدة فيه إذ لم تخبر عنه بخبر. وإذا قلت: " منطلق " فلا فائدة فيه؛ إذا لم تذكر الذي له الانطلاق. فهذه الأفعال إنما دخلت على مبتدإ وخبر، فلم يجز الاقتصار على أحدهما، كما لم يجز الاقتصار على المبتدإ، ولا على الخبر. ويجوز ترك المفعولين جميعا والاقتصار على الفاعل كقولك: " ظننت "، و " حسبت "؛ لأنك لم تأت باسم يحتاج إلى خبر، ولا خبر يحتاج إلى صاحب، وإنما جئت بالفعل والفاعل فكان الفعل خبرا عن الفاعل، وتم الكلام. وفي بعض أمثال العرب: " من يسمع يخل "، فلم يأت " ليخل " بمفعول. فإن قال قائل: فما الفائدة في قولنا: " ظننت، وخلت "، إذا لم تأت بالمفعولين؟ قيل له: الفائدة فيه: أنه وقع منه ظن، ومخيلة، كما تقول: أكلت، وشربت "، فتكون الفائدة أنه وقع منه أكل، ولا تذكر منه المأكول والمشروب. وجميع الأفعال التي تجري هذا المجرى أربعة عشر فعلا: منها سبعة أفعال قد سميّ فاعلوها، وسبعة أفعال لم يسمّ فاعلوها. فأما السبعة الأفعال التي سمي فاعلوها فهي: " ظننت، وحسبت، وخلت، ورأيت من رؤية القلب-، ووجدت- من وجود القلب- وعلمت وزعمت ... ". وأما السبعة التي لم يسم فاعلوها فهي: " أعلمت، وأريت، ونبئت، وأنبئت، وخبّرت، وأخبرت، وحدّثت ". فأما ظننت وحسبت وخلت فمعناها واحد، وهو أن تتصور الشيء من غير استثبات ولا دليل عليه، وقد يكون ل " ظننت " فقط، من هذه الثلاثة الأفعال مذهب يتعدى فيه إلى مفعول واحد، وهو أن تقول: " ظننت زيدا "، بمعنى: اتهمت زيدا، ومنه

стр. 450

" رجل ظنين "، أي متهم قال الله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (١) أي بمتهم. وقد يكون بمعنى العلم كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ (٢) أي: يعلمون. وإنما يقع الظن بمعنى العلم في كل ما لم تدركه الحواس، وعلم من طريق الاستدلال، فقلت: " ظننت الحائط مبنيا "، وأنت قد شاهدته، لم يجز ذلك. وأما " رأيت ": فإنه من رؤية العين، يتعدى إلى مفعول واحد كقولك: " رأيت زيدا " أي: أبصرته، وإن قلت: " رأيت زيدا قائما " من رؤية العين فإنما ينصب " قائما " على الحال. ورؤية القلب لا يجوز فيها الاقتصار على أحد المفعولين ولها مذهبان: مذهب العلم، ومذهب الظن، قال الله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً. وَنَراهُ قَرِيباً (٣)، معناه: أنهم يظنونه بعيدا، ونعلمه قريبا. وأما " وجدت " من وجود القلب، فإنه بمعنى العلم يقال: " وجدت زيدا قائما وجودا " بمعنى: علمته قائما، قال الله تعالى: وَجَدْناهُ صابِراً (٤) أي: علمناه صابرا. وإذا كان " وجدت " في غير معنى العلم، فليس مصدره " وجودا "، ولا يتعدى إلى مفعولين، وذلك قولك: " وجدت الضالة وجدانا "، بمعنى: أصبتها و " وجدت على زيد موجدة "، إذا عتبت عليه، وغير ذلك من وجوهها. وأما: " علمت ": فإن له مذهبين: إن أردت به معرفة الاسم ولم تكن عارفا به من قبل تعدّى إلى مفعول واحد، وصار بمنزلة " عرفت " فإذا قلت: " علمت زيدا اليوم "، فمعناه: عرفته اليوم، ولم تكن عارفا به من قبل، قال الله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ (٥) أي: عرفتموهم، ولم تكونوا عارفين بهم، وكذلك قوله: لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (٦). والمذهب الآخر من مذهبيه: أن يكون العلم واقعا بالثاني، كقولك: " علمت زيدا

стр. 451

منطلقا اليوم "، وقد كنت عارفا بزيد من قبل، غير أنك لم تكن عارفا بانطلاقه، فحدث لك العلم اليوم بانطلاقه. وأما " زعمت " فإنه قول يقترن به اعتقاد ومذهب، وقد يصح ذلك وقد لا يصح. ولو كان الزعم في معنى القول المحض لحكي ما بعده ولم ينصب، كما يفعل ذلك بعد القول، إذا قلت: " قال زيد عمرو قائم ". وأما السبعة التي لم يسم فاعلوها: فهي متعدية إلى ثلاثة مفعولين، إذا سمّي فاعلوها وأنا أبينها في باب: " ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين ". فإذا تقدمت هذه الأفعال عملت النصب في المفعولين جميعا، ولا يجوز إلغاؤها كقولك: " علمت زيدا منطلقا "، و " علمت أباك ذاهبا " فهي في تقدمها بمنزلة: " ضربت، وأعطيت " في الإعمال. والمفعول الثاني منها خبر للمفعول الأول، فهو ينقسم أقسام الأخبار، يجوز أن يكون اسما هو الأول كقولك: " حسبت زيدا منطلقا "، ويجوز أن يكون فعلا له ماضيا، ومستقبلا كقولك: " حسبت زيدا قام "، و " حسبت زيدا يقوم "، وظرفا له كقولك: " حسبت زيدا عندك " وجملة فيها ذكر يعود إليه كقولك: " حسبت زيدا أبوه قائم "، و " حسبت زيدا إن تأته يأتك ". وإذا توسطت هذه الأفعال، أو تأخرت جاز إلغاؤها وإعمالها كقولك: " زيد حسبت منطلق "، و " زيدا حسبت منطلقا "، و " زيد منطلق حسبت " و " زيدا منطلقا حسبت ". وإنما جاز إلغاؤها؛ لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها، فإذا تقدمت الجملة، أو تقدم شيء منها حصل لفظ الخبر، ولم يكن في الكلام لفظ شك، فحملت الجملة على منهاجها ولفظها قبل دخول الشك، وصير موضع الشك واليقين في تقدير ظرف له. فإذا قلت: " زيد منطلق ظننت "، أو " زيد ظننت منطلق "، فكأنك قلت: " زيد منطلق في ظني ". وإذا تقدم الفعل، حصل فعل الشك واليقين قبل ورود الاسم فعمل؛ لأن الاسم ورد وقد تقدم الشك في خبره، فمنعه ذلك التقدم من أن يجري على لفظه الأول قبل دخول الشك واليقين. قال سيبويه: (فإذا جاءت مستعملة فهي بمنزلة " رأيت " يعني: رؤية العين و " ضربت، وأعطيت " في الإعمال والبناء على الأول في الخبر والاستفهام، وفي كل

стр. 452

شيء). يعني أنك إذا أعملته، فقد صيرته بمنزلة " رأيت، وضربت، وأعطيت "، فينبغي أن تجرى مجراه في البناء على الأول في الخبر والاستفهام وفي كل شيء. أما البناء على الأول في الخبر، فقولك: " عبد الله حسبته منطلقا "، كما تقول: " عبد الله أعطيته درهما "، تختار الرفع في هذا كما اخترته في " عبد الله أعطيته درهما " ويجوز النصب فيه، كما جاز في " عبد الله أعطيته درهما ". وأما الاستفهام فقولك: " أعبد الله حسبته منطلقا "، يختار النصب في هذا على تقدير: أتوهمت عبد الله حسبته منطلقا، كما اخترت النصب في " عبد الله أعطيته درهما " على تقدير: أعطيت عبد الله أعطيته درهما، ويجوز الرفع فيهما جميعا بالابتداء. وقوله: (وفي كل شيء). يعني: في سائر الأفعال التي تختار فيها النصب بعد الاستفهام، كقولك: " أظنّ عبد الله منطلقا "، و " بكرا أظنه خارجا "، كما تقول: " ضربت زيدا، وعمرا ضربته "، وإن شئت قلت: " وبكر أظنه خارجا "، كما تقول: " ضربت زيدا وعمرا ضربته ". قال: (فإن ألغيت قلت: " عبد الله أظنّ ذاهب "، و " هذا أخال أخوك "، و " فيها أرى أبوك). يعني: أن " أرى " قد توسط بين الاسم والخبر؛ لأن الاسم المبتدأ هو الأب، و " فيها " خبره، و " أرى " كالفضلة؛ لأنه شيء هجين في نفسه، فأشبه باب القول في الحكاية، وضعف الفعل فيه إذا توسط، أو تأخر. وإذا تأخر كان الإلغاء فيه أحسن منه إذا توسط؛ لبعد الفعل من الأول. وكل عربي صحيح جيد. قال اللعين المنقري: أبالأراجيز يابن اللّؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللوم والخور (١) " فاللؤم " مرفوع بالابتداء، و " الخور " عطف عليه، " وفي الأراجيز " هو الخبر، و " خلت " ملغي، فهو بمنزلة " فيها أرى أبوك ". قال: (وإنما كان التأخير أقوى؛ لأنه إنما يجيء بالشك بعد ما يمضي كلامه على

стр. 453

اليقين، أو بعد ما يبتدئ، وهو يريد اليقين ثم يدركه الشك، كما تقول: " عبد الله صاحب ذاك بلغني "، وكما قال: " من يقول ذاك تدري "، فأخر ما لم يعمل في أول كلامه. وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعد ما مضى كلامه على اليقين). يعني: " زيد قائم ظننت ". وقوله: (وبعد ما يبتدئ وهو يريد اليقين). يعني: " زيد ظننت قائم ". وقوله: (ثم يدركه الشك). يكون هذا على أحد وجهين: إما أن يبتدئ كلامه وليس في قلبه منه مخالجة شك، فإذا مضى كله أو بعضه على لفظ اليقين يعني: " زيد قائم ظننت " لحقه فيه الشك، كما تقول: " عبد الله أمير "، على طريق الإخبار بذلك، و " عبد الله صاحب ذاك "، وأنت لم تشاهده، وإنما خبرت به، فيجب أن تستظهر في خبرك، فتقول: " بلغني " أي: هذا الذي قلته فيما بلغني، لا فيما شاهدته. ولو قدمت " بلغني " لم يجز أن تقول: " بلغني عبد الله أمير "؛ لأن " بلغني " فعل ولا بد له من فاعل، و " عبد الله أمير " جملة، ولا تكون فاعله، ولكن تقول: " بلغني إمارة عبد الله "، و " بلغني أن عبد الله أمير ". وإذا قلت: " عبد الله صاحب ذاك بلغني "، ففاعل " بلغني " مضمر فيه، كأنك قلت: " بلغني ذاك الأمر، أو ذاك البلاغ "، كما تقول: " من يقول ذاك بلغني "، كما تقول: " من يقول ذاك تدري؟ " مستفهما، فيرتفع بالابتداء، " ويقول " خبره، و " تدري " ملغي، ولو قدمته لعمل " تدري " في " من "، وصارت " من " بمعنى الذي، وخرجت عن الاستفهام. وقد يقول القائل: " زيد ظننت قائم "، و " زيد قائم ظننت "، وهو في أول كلامه شاك، غير أنه لا يعمل الشك، كما يقول القائل: " زيد أمير "، وهو يضمر " عندي " أو " في ظني "، فإذا جاز هذا، جاز أن يظهر ما أضمر، ويكون الكلام على حاله، كما قال الله تعالى: قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ (١)، فقال المسؤول: " لبثت يوما أو بعض يوم " على ما كان عنده الأغلب. قال: (فإذا ابتدأ كلامه على ما في نيته من الشك أعمل الفعل قدم أو أخّر، كما

стр. 454

قال: " زيدا رأيت، ورأيت زيدا "، وكلما طال الكلام ضعف التأخير إذا أعملت). يعني: إذا ابتدأ الاسم وفي نيته أن يأتي بفعل الشك، نصب، كما يفعل ذلك في " ضرب " وإذا طال الكلام ضعف التأخير الإعمال، إذا قلت: " زيدا منطلقا اليوم أظن "، كان أضعف من قولك: زيدا أظن منطلقا و " زيدا منطلقا أظن "، أضعف من قولك: " زيدا أظن منطلقا " قال: كما يضعف " زيدا قائما ضربت "؛ لأن الوجه أن تقول: " ضربت زيدا قائما "، و " زيدسا قائما ضربت " أضعف من " زيدا ضربت قائما "، ولا يجوز في " ضربت " إلا النصب. قال: (ومما جاء في الشعر معملا في زعمت قول أبي ذؤيب: فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل) أعمل الزعم في النون والياء، وهي المفعول الأول، و " كنت أجهل فيكم " جملة في موضع المفعول الثاني: (وقال النابغة الجعدي: عددت قشيرا إذ عددت فلم أسأ ... بذاك ولم أزعمك عن ذاك معزلا) فالمفعول الأول: " الكاف " في " أزعمك "، وهو في موضع نصب والثاني: معزلا. والتقدير: فلم أزعمك معزلا عن ذاك. قال: (وتقول: " أين ترى عبد الله قائما "، و " هل ترى زيدا ذاهبا "؛ لأن " هل "، و " أين "، كأنك لم تذكرهما، لأن ما بعدهما ابتداء فكأنك قلت: " أترى عبد الله قائما " و " أنظن عمرا منطلقا "). يعني: أنك إذا جعلت " قائما " هو المفعول الثاني، فقد تقدم الفعل المفعولين جميعا، فوجب النصب فيهما، ويكون " أين " ظرفا ملغي في صلة قائم. قال: (فإن قلت: " أين "، وأنت تريد أن تجعلها بمنزلة " فيها " إذا استغنى بها الابتداء، قلت: " أين ترى زيدا، وأين ترى زيد "). يعني: أنك إذا جعلت " أين " خبرا لقولك: " أين زيد "، و " في الدار زيد "، ثم جئت بالظن بعد " أين "، جاز الإعمال والإلغاء، فتصيره بمنزلة قولك: " قائما ظننت زيدا، وقائم ظننت زيد "، ويجوز أن تقول: " أين ترى زيد قائما "، على أنك تجعل " أين " خبر " زيد " وتلغي " ترى "، وتنصب " قائما " على الحال.

стр. 455

قال: (واعلم أنّ " قلت "، إنما وقعت في كلام العرب على أن يحكي بها، وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما لا قولا نحو قولك: " قلت زيد منطلق "، لأنه يحسن أن تقول: " زيد منطلق "، ولا تدخل " قلت "، وما لم يكن هكذا أسقطنا القول عليه). قال أبو سعيد: اعلم أن " قلت "، و " قال "، و " تقول "، وما تصرف منه أفعال لا بد لها من فاعلين، وهي بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى من وجه، وبمنزلة الفعل الذي يتعدى إلى مفعول من وجه. فأما شبهها بالفعل الذي لا يتعدى، فلأنها لا مفعول لها تصل إليه تنصبه غير مصدرها والظرف والحال فيها. لا تقول: " قال زيد عمرا "، كما لا تقول: " قام زيد عمرا "، ولكن تقول: " قال زيد قولا يوم الجمعة منطلقا خلفك "، كما تقول: " قام زيد قيامك خلفك يوم الجمعة ضاحكا ". وأما شبهها بالفعل الذي يتعدى إلى مفعول فهو أن الجمل تقع بعدها على لفظ اللافظ بها، فتكون الجمل التي تقع بعدها بمنزلة المفعول، وذلك قولك: " قال زيد عمرو منطلق "، و " قال زيد قام أخوك، وقال زيد " إن عمرا منطلق (فقوله): " عمرو منطلق "، و " قام أخوك " جملة وقع عليها القول فلم يغيرها، وحكيت بعدها على لفظ اللافظ بها، وصارت في موضع المفعول المنصوب فيما يتعدى من الأفعال إلى مفعول وهو قولك: " ضرب زيد عمرا ". وأما قوله: (وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما). يعني: ما كان جملة قد عمل بعضها في بعض. وقوله: (لا قولا). يعني: لا مصدرا له؛ لأنه يعمل في مصدره، كقولك: " قال زيد قولا حسنا " و " قال كلاما حسنا " لأنه في معنى: " قال قولا جيدا "، وقال خيرا "، " وقال حقا "؛ لأنه يراد: " قال قولا خيرا، وقال قولا حقا ". وقوله: (ولا تدخل " قلت "). يعني: أن الجمل التي يقع عليها القول يجوز أن تلفظ بها، ولا يدخل القول؛ لأنك إذا قلت: " قال زيد عمرو منطلق " جاز أن تقول: " عمرو منطلق "، من غير أن تقول: " قال زيد ".

стр. 456

وقوله: (وما لم يكن هكذا سقط القول عليه). يعني: ما لم تكن جملة نحو المصدر والظرف والحال سقط القول عليه وعمل فيه. قال سيبويه: (وتقول: " قال زيد إن عمرا خير الناس "، وتصديق ذلك قول الله تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ (١) ولولا ذلك لقال " أن " (الله)). يعني: أن " أنّ " إنما تكسر إذا وقعت مبتدأة، ولم يعمل فيها ما قبلها كقولك: " إن زيدا قائم "، فإذا عمل فيها ما قبلها فتحت كقولك: " بلغني أن زيدا قائم "، و " ظننت أن زيدا قائم "، فلما قال تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ ... إِنَّ اللَّهَ ... ، علمنا أن القول لم يعمل فيها، وأن الجملة حكيت على لفظها قبل أن يدخل القول، ولو عمل القول لقال " أنّ " على ما بينا في الظن. قال: (وكذلك " جميع " ما تصرف من فعله. إلا " تقول " وحدها في الاستفهام. شبهوها في الاستفهام ب " تظن "، ولم يجعلوها ك " يظن "، و " أظن " في الاستفهام؛ لأنه لا يكاد يستفهم المخاطب عن ظنّ لغيره، ولا يستفهم (هو) إلا عن ظنه، فإنما جعلت ك " تظن "، كما أن " ما " ك " ليس " في لغة أهل الحجاز ما دامت في معناها. فإذا تغيرت عن ذلك أو قدم الخبر رجعت إلى القياس، وصارت اللغات فيها كلغة بني تميم). قال أبو سعيد: أعلم أن القول قد يستعمل في معنى الظن والاعتقاد وذلك أن القول والظن يدخلان على جملة، فتصورها في القلب هو الظن أو العلم، والعبارة عنها باللسان هو القول ومن ذلك قول القائل: " هذا قول فلان "، و " مذهب فلان ". ومن العرب من يعمل القول إعمال الظن على كل حال، فيقول: " قلت زيدا منطلقا "، كما تقول: " علمت زيدا منطلقا "، و " ظننت زيدا منطلقا "، وفيهم من يجعله بمنزلة الظن إذا استفهم المخاطب خاصة، فيقول: " أقلت زيدا منطلقا "، و " أتقول زيدا منطلقا "، على معنى: " أظننت زيدا منطلقا "، و " أتظنّ زيدا منطلقا "، وإنما يفعل ذلك في المخاطب إذا استفهم عن ظنه؛ لأن أكثر ما يقول الإنسان لمخاطبه: " أتقول كذا وكذا في كذا، أو ما تقول في كذا " إنما يريد به ما يعتقد إلى أي شيء يذهب. ألا ترى أنك لو قلت

стр. 457

لفقيه: " ما تقول في تحريم المسكر؟ " فقال لك: " أنا أذهب إلى تحليل القليل منه " لكان معناه: أنا أعتقد هذا وأذهب إليه، وكثر هذا المعنى فأجروه مجرى الظن. فإذا قالوا للمخاطب: " أتقول زيد عمرو منطلق " حكوا؛ لأنه لم يكن أن يستفهم المخاطب عن ظن غيره، فجعله سيبويه بمنزلة تشبيه أهل الحجاز " ما " " بليس " إذا لم يقع استثناء ولم يقدم الخبر، فإذا وقع الاستثناء أو قدم الخبر رجع إلى القياس، لأنها لم تقو أن تعمل مع التغيير عمل " ليس " كما لم يقو القول في غير استفهام المخاطب عمل الظن؛ لأنه لم يكثر كثرته فيه فرجع إلى القياس. قال: (ولم تجعل " قلت " " كظننت "). يعني: أن " قلت " في غير الاستفهام، لم تجعل كظننت في نصب المفعولين بعدها، لأن الأصل فيها أن يكون ما بعدها محكيا، فلم تحمل على " ظننت " في مواضعها كلها، كما أن " ما " لم تحمل على " ليس " في مواضعها كلها، والأصل فيها أن يكون ما بعدها مبتدأ، كما كان الأصل في " قلت " أن يكون ما بعدها مبتدأ. قال: (وسأفسر لك- إن شاء الله- ما يكون بمنزلة الحرف في شيء، ثم لا يكون معه على أكثر أحواله، وقد بيّن بعضه فيما مضى). يعني: أن الأشياء التي قد يشبّه بها الشيء في حال، ويفارقه في أحوال كثيرة منها ما قد مضى في أول الكتاب، نحو تشبيه الفعل بالاسم في حال، وتشبيه " ما " " بليس "، وغير ذلك. ومنها ما يأتي من بعده، ثم مثل الاستفهام في: تقول. فقال: (وذلك نحو قولك: " متى تقول زيدا منطلقا "، و " أتقول عمرا ذاهبا "، و " أكلّ يوم تقول عمرا منطلقا "، لا يفصل بها كما لم يفصل بها في: " أكلّ يوم زيدا تضربه "). يريد: " متى تظن زيدا "، و " ألا تظن عمرا ". وقوله: (ولا يفصل بها). يعني: أنك إذا قلت: " أكلّ يوم تقول عمرا منطلقا " فالاستفهام قد وقع على " تقول ". فلذلك جعلته في مذهب " تظن "، و " كل يوم " لم يفصل بها بين ألف الاستفهام وبين " تقول "، كما لم يفصل في قولك: " أكلّ يوم زيدا تضربه "، وكأنك قلت: " أزيدا

стр. 458

تضربه كل يوم "، فكذلك ها هنا، كأنك قلت: " أتقول عمرا منطلقا كل يوم ". قال: (وتقول: " أأنت تقول زيد منطلق " رفعت؛ لأنه فصل بينه وبين حرف الاستفهام، كما فصل في قولك: " أأنت زيد مررت به " فصارت بمنزلة أخواتها، وصارت على الأصل). قال أبو سعيد: يعني: أنّ " أنت "، فصلت بين الاستفهام وبين " تقول "، فخرجت " تقول " عن الاستفهام، فعادت إلى حكمها وحكاية ما بعدها، كما أنك إذا قلت: " أأنت زيد مررت به " فصلت " أنت " بين ألف الاستفهام وبين " زيد "، فرفع " زيد " كحكمه في الابتداء. قال الكميت شاهدا لجعل " تقول " في مذهب " تظن " في الاستفهام: أجهّالا تقول بني لؤيّ ... لعمر أبيك أم متجاهلينا (١) وقال عمر بن أبي ربيعة: أما الرّحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدّار تجمعنا (٢) قال: (وإن شئت رفعت بما نصبت فجعلته حكاية). يعني: إن شئت حكيت بعد القول في الاستفهام، ولم تجعله في مذهب " تظن " فقلت: " أتقول زيد منطلق ". قال أبو عثمان: غلط سيبويه في قوله: وإن شئت رفعت بما نصبت؛ لأن الرفع بالحكاية، والنصب بإعمال الفعل. يريد أبو عثمان: أنك إذا قلت: " أتقول: زيد منطلق "، " فزيد " مرفوع بالابتداء، وإذا قلت: " أتقول زيدا منطلقا "، فهو منصوب بالفعل. فقال المجيب عن سيبويه: إن هذا لا يذهب على من هو دون سيبويه ولم يغز سيبويه هذا المغزى، إنما أراد: وإن شئت رفعت في الموضع الذي نصبت، ولم يعرض لذكر العامل كما تقول: " زيد بالبصرة "، وإنما تريد: " في البصرة ". وقد يجوز أن يكون المعنى: وإن شئت رفعت ما نصبت، والباء زائدة كما قال تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ (٣) أي: تنبت الدّهن وكما قال الشاعر:

стр. 459

هن الحرائر لا ربّات أحمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور (١) يريد: لا يقرأن السور. (وزعم أبو الخطاب وسألته عنه غير مرة: أن أناسا من العرب يوثق بعربيتهم، وهم بنو سليم يجعلون باب " قلت " أجمع مثل " ظننت "). وقد ذكرنا هذا فيما مضى. قال سيبويه: (واعلم أن المصدر قد يلغى كما يلغى الفعل وذلك قولك: " متى زيد ظنك ذاهب "، و " زيد ظني أخوك "، و " زيد ذاهب " ظني "). ف " زيد " يرتفع بالابتداء، وخبره " ذاهب "، و " متى " ظرف للذهاب " وظنك " منصوب بفعل مضمر ملغي، كأنك قلت: " متى زيد تظن ظنك ذاهب "، وجاز إلغاؤه؛ لأنه بين الاسم والخبر وليس بمتقدم. قال: (فإن ابتدأت فقلت: " ظني زيد ذاهب "، كان قبيحا ضعيفا، كما قبح " أظن زيد ذاهب "). يعني: أن قولك: " ظني زيد ذاهب " - لما قدمت " ظني " - صار بمنزلة قولك: " أظن ظني زيد ذاهب "، وأنت لا تقول: " أظن زيد ذاهب ". قال: (وهو في " أين، ومتى " أحسن إذا قلت: " متى ظنك زيد ذاهب ". و " متى تظن زيد منطلق "؛ لأن قبله كلاما، وإنما يضعف هذا في الابتداء كما ضعف " غير ذي شك زيد ذاهب "، و " حقا عمرو منطلق "). قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه قد أجاز في هذا الموضع إلغاء الظن، وقد تقدم الفعل المفعولين، إذا كان قبل الظن شيء متصل بالمفعول الثاني. وذلك أنه أجاز " متى تظن عمرو منطلق "، وعمر: مبتدأ ومنطلق: خبره، و " متى " ظرف للانطلاق، و " متى ظنك زيد ذاهب "، ف " زيد ": مبتدأ و " ذاهب ": خبره، و " متى ": ظرف للذهاب، وقد رد عليه ذلك أبو العباس وغيره، وقالوا: هذا نقض للباب، وذلك أنه شرط: متى ما تقدم الفعل لم يلغ، وأعمل، فوجب أن يعمل ها هنا.

стр. 460

فقال المحتج عنه: إنما شرط سيبويه أن يتقدم الفعل، وليس قبله شيء في صلة ما بعده. قال: (إذا تقدم شيء مما بعده، قبل أن يأتي بفعل الشك، فقد مضى ذلك اللفظ على غير الشك والظن جاز فيه الإلغاء، كما جاز في " أين تظن زيدا " إذا تقدم الخبر). وقوله: (وإنما يضعف هذا في الابتداء كما ضعف: " غير ذي شك زيد ذاهب "، و " حقا زيد منطلق "). قال أبو سعيد: واعلم أن " حقا، وغير ذي شك "، وما جرى مجراهما يؤكد به الجمل وتحقق، ولا تأتين مبتدأ، إذا أردت ذلك المعنى لأنك إذا قلت: " زيد منطلق حقا " فقد وكدت إخبارك بانطلاقه، كأنك قلت: حق ذلك حقا؛ لأن قولك: " زيد منطلق " ظاهره يدل على أنك تخبر بما تحقه وما هو صحيح عندك، فلا تقدم هذا التأكيد، ويؤتى بالجمل بعده فضعف تقديم الظن كضعف تقديم هذا لأنه نقيضه وذلك أن قولك: " زيد منطلق حقا " في باب التحقيق كقولك: " زيد منطلق ظنا " في باب الظن. قال: (وإن شئت قلت: " متى ظنّك زيدا أميرا " كقولك: " متى ضربك عمرا ". يعني: أنك تجعل " ظنك ": مبتدأ، و " متى ": خبره، و " زيدا أميرا " مفعولي الظن. قال: (" وقد " يجوز أن تقول: " عبد الله أظنه منطلق " تجعل هذه الهاء على ذاك، كأنك قلت: " زيد منطلق أظن ذاك "). قال أبو سعيد: إذا قلت: " عبد الله أظنه منطلق " فهذه الهاء " للظن " لا " لعبد الله "، و " أظنه " ملغي وليس بالقوي في الكلام، وذلك أن هذه الهاء إذا جعلتها للظن الذي هو المصدر، فقد أكدت " أظن " بذكر الظن، وأنت قد ألغيت " أظن " برفعك " عبد الله " و " زيدا "، فالأجود أن هذه الهاء إذا جعلتها للظن الذي هو المصدر أن تقول: " عبد الله أظن منطلق " وإذا قلت: " عبد الله أظنه منطلق " فهو أجود من أن تقول: " عبد الله أظن ظنا منطلق " و " أظن ظني منطلق؛ لأنك إذا قلت: " أظنه "، فليس فيه لفظ الظن، وإنما هو كناية عنه، والظن أبلغ في التأكيد؛ لأنه من لفظ " أظن "، وكأنه أعيد لفظه تاكيدا. وكذلك إذا قلت: " عبد الله أظنّ ذاك منطلق " وجعلت " ذاك " إشارة إلى المصدر، كان أجود من أن تقول: " عبد الله أظنّ الظن منطلق "؛ لأنه أبعد من لفظ التأكيد، وإن جعلت هذه الهاء لعبد الله لم يجز إلا نصب " منطلقا "؛ لأنه يكون " عبد الله " مبتدأ، والهاء
следующие страницы →