كان يستعمل إذا قالوا لست بمدرك ما مضى، وأما الصابئون، فالذي قال سيبويه على أنه على التقديم والتأخير كأنه قال: إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصّابئون والنّصارى كذلك. وفيه وجه آخر نحو هذا غير خارج عن مذهبه، وهو أنّ يجعل من آمن بالله واليوم
الآخر إلى آخر الآية للصابئين والنصارى خبرا وتضمر مثل الذي ظهر للذين آمنوا والذين هادوا؛ لأنه يجوز أن تقول: زيد وعمرو قائم، تجعل قائم خبرا لأيهما شئت.
وفي رفع الصابئون غير هذين الوجهين، مما كرهنا الإطالة بذكره، وفي قوله:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق (١)
وجهان أحدهما التقديم والتأخير الذي ذكره سيبويه، والثاني أنّا نضمر لأن خبرا محذوفا يدل عليه ما بعده ونجعل بغاة خبر أنتم، كأنه قال: وإلا فاعلموا أنّا بغاة وأنتم بغاة، وحذف خبر الأول اكتفاء بخبر الثاني. وقد حمله بعض أصحابنا على الغلط كأنه شبه (نا) في (أنّا) ب (نا) الذي هو ضمير الرفع في نحو قلنا: وذهبنا. فتوهم (نا) مرفوعا في أنّا لإشباهه (نا) في (قلنا) ولست أحب هذا الوجه.
هذا باب كم
" اعلم أن ل (كم) موضعين: أحدهما الاستفهام وهو الحرف المستفهم به بمنزلة كيف وأين.
والموضع الآخر: يكون فيه معناها معنى (ربّ).
وقد تكون في الموضعين اسما فاعلا، ومفعولا، وظرفا، ويبنى عليها إلا أنّها لا تتصرف تصرفّ يوم وليلة، كما أن حيث وأين لا يتصرفان تصرف تحتك، وخلفك، وهما موضعان بمنزلتهما، غير أنها حروف لم تتمكن في الكلام، إنما لها مواضع تلزمها في الكلام، ومثل ذلك- في الكلام- كثير، وقد ذكر فيما مضى وستراه فيما يستقبل إن شاء الله.
أما (كم) في الاستفهام إذا عملت فيما بعدها فهي بمنزلة اسم متصرف في الكلام منون، قد عمل فيما بعده لأنه ليس من صفته، ولا محمولا على ما حمل عليه، وذلك الاسم عشرون وما أشبهها نحو ثلاثين وأربعين.
стр. 982
وإذا قال لك رجل: كم لك؟ فقد سألك عن عدد، لأن (كم) هو اسم لعدة.
فإذا قال: كم لك درهما؟ أو كم درهما لك؟ ففسرت ما يسأل عنه قلت:
عشرون درهما. فعملت في الدرهم عمل العشرين في الدرهم ولك مبنية على كم.
واعلم أن (كم) تعمل في كل شيء حسن للعشرين أن تعمل فيه، فإذا قبح للعشرين أن تعمل في شيء قبح ذلك في
(كم) لأن العشرين عدد منوّن، وكذلك (كم) هو منون عندهم، كما أن خمسة عشر عندهم بمنزلة ما قد لفظوا بتنوينه، لولا ذلك لم يقولوا: خمسة عشر درهما ولكن التنوين ذهب منه كما ذهب مما لا يتصرف، وموضعه موضع اسم منون.
وكذلك (كم) موضعها موضع اسم منون، وذهبت منها الحركة، كما ذهبت من (إذ) لأنهما غير متمكنين في الكلام، وذلك أنك لو قلت: كم لك الدرهم لم يجز، كما لم يجز في قولك: عشرون الدرهم، ولأنهم إنما أرادوا عشرون من الدراهم، هذا معنى الكلام، ولكنهم حذفوا الألف واللام وصيروه إلى الواحد، وحذفوا (من) استخفافا كما قالوا: هذا أول فارس في الناس وإنما يريدون: هذا أول من الفرسان فحذف الكلام.
وكذلك (كم) إنما أرادوا كم لك من الدراهم؟
وزعم أن قولك العشرون لك درهما فيها قبح، ولكنها جازت في (كم) جوازا حسنا؛ كأنه صار عوضا من التمكن في الكلام؛ لأنها لا تكون إلا مبتدأة ولا تؤخر فاعله ولا مفعوله، ولا تقول: رأيت كم رجلا، وإنما تقول: كم رجلا رأيت.
وتقول: كم رجل أتاني، ولا تقول: أتاني كم رجل.
ولو قال: أتاك ثلاثون- اليوم- رجلا كان قبيحا؛ لأنه لا يقوى قوة الفاعل وليس مثل (كم) لما ذكرت لك. وقال الشاعر:
على أنني- بعد ما قد مضى- ... ثلاثون للهجر حولا كميلا
يذكر منك حنين العجول ... ونوح الحمامة تدعو هديلا (١)
و (كم رجلا أتاك) أقوى من: (كم أتاك رجلا)، وكم هاهنا فاعلة.
و (كم رجلا ضربت) أقوى من: (كم ضربت رجلا)، وكم هاهنا معقولة.
стр. 983
وتقول: كم مثله لك، وكم خيرا منه لك، وكم غيره لك، كلّ هذا جائز حسن؛ لأنه يجوز بعد عشرين- فيما زعم يونس.
وتقول: كم غيره مثله لك، انتصب غيره (بكم)، وانتصب مثله لأنه صفة له ولم يجز يونس والخليل: كم غلمانا لك؛ لأنك لا تقول: عشرون ثيابا لك إلا على وجه: لك مائة بيضاء وعليك راقود خلا.
فإن أردت هذا المعنى قلت: كم لك غلمانا، ويقبح أن تقول: كم غلمانا لك؛ لأنه قبيح أن تقول: عبد الله قائما فيها، كما قبح أن تقول: قائما فيها زيد، وقد فسرنا ذلك في بابه.
وإذا قلت: كم عبد الله ماكث، فكم أيام، وعبد الله فاعل، وإذا قلت: كم عبد الله عندك، فكم ظرف من الأيام، وليس يكون عبد الله تفسيرا للأيام لأنه ليس منها.
والتفسير: كم يوما عبد الله ماكث أو كم شهرا عبد الله عندك؟ فعبد الله يرتفع بالابتداء كما ارتفع بالفعل حين قلت: كم رجلا ضرب عبد الله.
فإذا قلت: كم جريبا أرضك؟ فأرضك مرتفعة ب (كم) لأنها مبتدأة، والأرض مبنية عليها وانتصب الجريب؛ لأنه ليس بمبني على مبتدإ، ولا وصف فكأنك قلت:
عشرون درهما خير من عشرة.
وإن شئت قلت: كم غلمان لك؟ فتجعل (غلمان) في موضع خبر، وتجعل (لك) صفة لهم.
وسألته: على كم جذع بيتك مبني؟ فقال: القياس النصب، وهو قول عامة الناس
فأما الذين جرّوا فإنهم أرادوا معنى (من) ولكنهم حذفوها هاهنا.
تخفيفا على اللسان، وصارت (على) عوضا منها.
ومثل ذلك: الله لا أفعل، فإذا قلت: لاها الله لا أفعل لم يكن إلا الجر، وذلك أنه يريد لاها والله، ولكنه صار (ها) عوضا من اللفظ بالحرف الذي يجر وعاقبه.
ومثل ذلك: الله ليفعلنّ؟ إذا استفهمت أضمروا الحذف الذي يجرّ وحذفوا تخفيفا على اللسان، وصارت ألف الاستفهام بدلا منه في اللفظ معاقبا.
واعلم أن (كم) - في الخبر- بمنزلة اسم يتصرف في الكلام غير منّون يجر ما بعده إذا سقط التنوين، وذلك الاسم نحو: مائتي درهم، فانجر الدرهم؛ لأن التنوين
стр. 984
ذهب ودخل فيما قبله، والمعنى معنى ربّ، وذلك قولك:
كم غلام لك قد ذهب.
قال: فإن قال قائل: ما شأنها في الخبر صارت بمنزلة اسم غير منون؟
فالجواب فيه أن تقول: جعلوها في المسألة مثل (عشرين) وما أشبهها، وجعلت في الخبر بمنزلة ثلاثة إلى العشرة
تجر ما بعدها، كما جرت هذه الحروف ما بعدها فجاز (ذا) في (كم) حين اختلف الموضعان، كما جاز في الأسماء المتصرفة التي هي للعدد.
واعلم أن (كم) في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه ربّ؛ لأن المعنى واحد، إلا أن كم اسم و (ربّ) غير اسم بمنزلة من، الدليل عليه أن العرب تقول: كم رجل أفضل منك، تجعله خبر (كم) أخبرنا بذلك يونس عن أبي عمرو.
واعلم أن ناسا من العرب يعملونها فيما بعدها في الخبر كما يعملونها في الاستفهام فينصبون بها كأنها اسم منون.
ويجوز لها أن تعمل في هذا الموضع في جميع ما عملت فيه (ربّ) إلا أنها تنصب لأنها منونة، ومعناها منونة وغير منونة سواء، لأنه لو جاز في الكلام أو اضطر شاعر فقال: ثلاثة أثوابا كان معناه معنى ثلاثة أثواب.
وقال يزيد بن حنية ويروى للربيع:
إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب المسرة والفتاء (١)
وقال الآخر:
أنعت عيرا من حمير خنزره ... في كل عير مائتان كمّره (٢)
وبعض العرب ينشد قول الفرزدق:
كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علي عشاري
وهو كثير، منهم الفرزدق.
وقد قال بعضهم: كم على كل حال منونة، ولكن الذين جروا في الخبر أضمروا
стр. 985
(من) كما جاز لهم أن يضمروا (رب) وزعم الخليل أن قولهم: (لاه أبوك) ولقيته أمس إنما هو على: لله أبوك، ولقيته بالأمس، ولكنهم حذفوا الجار تخفيفا على اللسان، وليس كل جار يضمر؛ لأن المجرور داخل في الجار، فصارا عندهم بمنزلة حرف واحد، فمن ثمّ قبح، ولكنهم يضمرونه ويحذفونه فيما كثر في كلامهم؛ لأنهم إلى تخفيف ما أكثروا استعماله أحوج.
قال الشاعر العنبري:
وجدّاء ما يرجى بهاذ وقرابة ... لعطف وما يخشى السماة ربيبها (١)
وقال امرؤ القيس:
ومثلك بكرا قد طرقت وثّيبا ... وألهيتها عن ذي تمام مغيل (٢)
أي رب مثلك.
ومن العرب من ينصبه على الفعل:
ومثلك رهبي قد تركت رذية ... تقلّب عينيها إذا مرّ طائر (٣)
سمعنا ذلك ممن يرويه عن العرب.
والتفسير الأول في (كم) أقوى لأنه لا يحمل على الاضطرار والشاذ، وإذا كان له وجه جيد ولا يقوى قول الخليل في أمس لأنك تقول: ذهب أمس بما فيه.
فإذا فصلت بين (كم) وبين الاسم بشيء استغني عليه السكوت أو لم يستغن فاحمله على لغة الذين يستعملونها بمنزلة اسم منون؛ لأنه قبيح أن يفصل بين الجار والمجرور، لأن المجرور داخل في الجار فصارا كأنهما كلمة واحدة، والاسم المنون يفصل بينه وبين الذي يعمل فيه، تقول: هذا ضارب بك زيدا، ولا تقول: هذا ضارب بك زيد. قال زهير:
تؤم سنانا وكم دونك ... من الأرض محدودبا غارها (٤)
وقال القطامي:
стр. 986
كم نالني منهم فضلا على عدم ... إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل (١)
وإن شاء رفع فجعل كم المرار التي ناله فيها الفضل، فارتفع الفضل ب (نالني) كقولك: كم قد أتاني زيد، فزيد فاعل وكم مفعول فيها وهي المرار التي أتاه فيها.
وليس زيد من المرار، وقد قال بعض العرب.
كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علىّ عشار
وقال الآخر:
كم قد فاتني بطل كميّ ... وياسر فتية سمح هضوم (٢)
فجعل (كم) مرارا كأنه قال: كم مرة قد حلبت علي عماتك.
وقال ذو الرمة ففصل بين الجار والمجرور:
(كأنّ أصوات من أيغالهنّ بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج (٣)
وقد يجوز في الشعر أن تجر وبينها وبين الاسم حاجر: فتقول: كم فيها رجل.
كما قال الأعشى:
إلا علالة أو بداهة قارج بهذا الجزارة (٤)
فإن قال قائل: أضمر (من) بعد (فيها) قيل له ليس في كل موضع يضمر الجارّ، ومع ذلك إن وقوعها بعد (كم) أكثر.
وقال: يجوز على قول الشاعر:
كم بجود مقرف نال العلا ... وكريم نجله قد وضّعه (٥)
الجر والرفع والنصب على ما فسرنا. كما قال:
كم فيهم ملك أغر وسوقة ... حكم بأردية المكارم مرتدي (٦)
وقال:
стр. 987
كم في بني بكر بن سعد سيد ... ضخم الدسيفة ماجد نفاء (١)
وتقول: كم قد أتاني لا رجل ولا رجلان، وكم عبد لك ولا عبد ولا عبدان، فهذا محمول على ما حمل عليه (كم) لا على ما تعمل فيه كم، فإنك قلت:
لا رجل أتاني ولا رجلان، ولا عبد لك ولا عبدان، وذلك لأن (كم) يفسر ما وقعت عليه من العدد بالواحد المنكور، كما قلت: عشرون درهما، أو بجميع منكور نحو ثلاثة أثواب وهذا جائز في التي تقع في الخبر، فأما التي تقع في الاستفهام فلا يجوز فيها إلا ما جاز في العشرين.
ولو قلت: كم لا رجلا ولا رجلين في الخبر أو الاستفهام كان غير جائز؛ لأنه ليس هكذا تفسير العدد.
ولو جاز (ذا) لقلت: عشرون لا عبدا ولا عبدين.
ولا رجل ولا رجلان توكيد ل (كم)، لا للذي عمل فيه؛ لأنه لو كان عليه كان حالا وكان نقضا. ومثل ذلك قولك للرجل: كم لك عبدا؟ فيقول: عبدان، أو ثلاثة أعبد، حمل الكلام على ما حمل عليه (كم) ولم يرد من المسؤول أن يفسر له العدد الذي يسأل عنه، إنما على السائل أن يفسر له العدد حتى يجيبه المسؤول على العدد ثم يفسره بعد، إن شاء فيعمل في الذي يفسر به العدد، كما أعمل السائل في (كم) في العدد. ولو أراد المسؤول عن ذلك أن ينصب عبدا أو عبدين على (كم) كان قد أحال، كأنه يريد أن يجيب السائل بقوله: كم عبدا فيصير سائلا، ومع هذا أنه لا يجوز لك أن تعمل (كم) وهي مضمرة، في واحد من الموضعين؛ لأنه ليس بفعل ولا اسم أخذ من الفعل. ألا ترى إنه إذا قال المسؤول: عبدين أو ثلاثة أعبد فنصب على (كم) أنه قد أضمر (كم).
وزعم الخليل أنه يجوز أن تقول: كم غلاما لك ذاهب، تجعل لك صفة للغلام، وذاهبا خبرا ل (كم)، ومن ذلك أن تقول: كم منهم شاهد على فلان، إذا جعلت شاهدا خبرا ل (كم)، وكذلك هو في الخبر أيضا.
تقول: كم مأخوذ بك إذا أردت أن تجعل مأخوذا بك في موضع (لك) إذا قلت: كم لك؛ لأن لك لا تعمل فيه كم ولكنه مبنيّ عليها، كأنك قلت: كم رجل لك،
стр. 988
وإن كان المعنيان مختلفين؛ لأن معنى كم مأخوذ بك غير معنى: كم رجل لك.
ولا يجوز في (ربّ) ذلك؛ لأن كم اسم، وربّ غير اسم، ولا يجوز أن تقول:
رب رجل لك.
قال أبو سعيد: هذا الباب أكثره مفهوم، ومنه ما قد مضى تفسيره في غير هذا الباب، وأنا أسوق هذا الباب إلى آخره جملة، ليقع تفسير ما يفسر منه جملة غير مفرقة والله المعين بطوله.
فمن ذلك قوله: وهي: يعني (كم) في الاستفهام تكون اسما فاعلا، وكم لا تكون فاعلة؛ لأنها أول الكلام في اللفظ،
فإذا كان الفعل لها فإنما يرتفع ضميرها به. وهي مرفوعة بالابتداء، وإنما سماها فاعلة لأن الفعل في المعنى لها. وقوله: لا تصرّف تصّرف يوم وليلة؛ لأن يوما وليلة يتقدمان ويتوسطان ويتأخران، و (كم) لها صدر الكلام.
وشبهت (بعشرين) لأنها تنصب، ومنصوبها واحد من النوع، فمذهبها مذهب ما ينصب واحدا منكورا، وهي من أحد عشر إلى تسعة وتسعين، وتقدر (كم) تقدير اسم كان منونا بنصب ما بعده بالتنوين، ودخله البناء، وحذف التنوين لوقوعه موقع حرف الاستفهام فصار ينصب ما بعده بتقدير التنوين، ودخله البناء، كما تنصب ما بعد خمسة عشر بتقدير التنوين.
ولا يستقبح الفصل بين عشرين وبين منصوبها من النوع؛ لأن (كم) كانت مستحقة للتمكن بالاسمية ثم منعته بما أوجب لها البناء، فصار الفصل واستحسان جوازه عوضا مما منعته من التمكن و (العشرون) وبابها باق على التمكن، وإن كان ذلك يجوز في العشرين ونحوها في الشعر على ضعفه لضعف عمل (عشرين).
فمما لم ينشده سيبويه قول عبد بني الحسحاس من:
أشوقا ولما تمض لي غير ليلة ... رويد الهوى حتى تغب لياليا
فأشهد عند الله أني رأيتها ... وعشرون منها إصبعا من ورائيا (١)
وذكر أبو العباس محمد بن يزيد أنه قرأ على عمارة لجرير:
في خمس عشرة من جمادى ليلة ... لا أستطيع على الفراش رقادي (٢)
стр. 989
فإن قال قائل: ذكر سيبويه أن الفصل بين (كم) وبين ما نصبته تلك يجوز في (كم) جوازا حسنا؛ لأنه كأنه صار عوضا من التمكن، فيلزم في خمس عشرة ونظائره من (أحد عشر) إلى (تسعة عشر) أن يجوز الفصل جوازا حسنا، فللمحتج عن سيبويه أن يقول: قد كثر الكلام ب (كم) لأنه في كل مستفهم عنه من المقدار فاجتمع كثرة الاستعمال إلى منع التمكن، ولم تكثر في باب (خمسة عشر).
والذي عندي أن جواز ذلك في (كم) لكثرة استعمالها وترددها في المواضع واعلم أنه يجوز أن تحذف من (كم) مفسره كما تحذف من عشرين ونظائره، وتكتفي بالدلالة عليه مما يجري (ذكره) أو مما يقتضيه الكلام ولا
يكون مميزه إلا واحدا منكورا من النوع، كما لا يكون إلا ذلك في عشرين ونظائره.
فإذا لم يكن بعد (كم) ما يصح أن يكون مميزا له علمت أنه قد حذف مميّزه وذلك قولك كم عبد الله ماكث، فعبد الله مبتدأ، وماكث خبره، وعريت (كم) من ذكر المميز، وكانت مسألة السائل عن مقدار مكث عبد الله من الزمان، فقدرت كم يوما أو كم شهرا، أو ما أشبه ذلك، وكم في موضع نصب، ينصبه ماكث، وهو ظرف من الزمان، ولأن (كم) يسأل بها عن كل مقدار جاز أن يسأل بها عن الزمان وعن المكان وعن المصادر وعن الأسماء.
فعن أي شيء سئل بها صارت من ذلك الجنس، فإذا قلت: كم سرت؟ وأنت تريده ما ساره من المسافة فهو ظريف من المكان، كأنك قلت: كم فرسخا سرت، أو كم ميلا، ونحو ذلك.
وإذا أردت مساره من الأيام فهو ظرف من الزمان، وتقديره: كم يوما سرت؟ أو كم ساعة، أو نحو ذلك مما تقصد ويفهم عنك.
فإذا قلت: كم غلمانا لك لم يجز على وجه من الوجوه؛ لأنك إن نصبت غلمانا على التمييز لم يجز؛ لأن (كم) في الاستفهام لا يميز إلا بواحد، كعشرين.
وإن أردت نصبها على الحال لم يجز؛ لأن العامل (لك) وهي مؤخرة، فلا يجوز ذلك. كما لا يجوز: زيد- قائما- فيها.
فإن قدمت فقلت: كم لك غلمانا جاز كما يجوزه عبد الله- فيها قائما، وتقديره:
كم مماليكك في حال ما هم غلمان، أو كم ولدك غلمانا، كما تقول: لك مائة بيضا، أي في حال ما هي بيض.
وإذا قال: كم غلمان لك فتقديره: كم غلاما غلمان لك، فيكون كم مبتدأ،
стр. 990
وغلمان خبره، ولك صفة، وقد ذكرنا أن (كم) في الاستفهام تنصب لا غير.
وقد ذكر سيبويه عن الخليل: على كم جذع بيتك مبنيّ؟ وذكر أن القياس النصب، وإنما خفض بإضمار (من) وصارت (على) في أول الكلام عوضا منها، ولاها الله لا أفعل، وآلله ليفعلن، ألف الاستفهام في اسم الله تعالى، و (ها) في (لاها) عوض من واو القسم، وقد ذكر ذاك في موضعه.
و (كم) في الخبر تخالف (كم) في الاستفهام في المميز وفي إعراب المميز، أما المميز في (كم) للاستفهام فهو واحد منكور، وإعرابه النصب.
وأما (كم) في الخبر، فمميز ويكون واحدا وجميعا، ويكون مخفوضا ومنصوبا، والأكثر فيه الخفض، وذكر أصحابنا أنهم نصبوا بها في الاستفهام وخفضوا في الخبر للفرق بين المعنيين.
ولقائل أن يقول: فلم صارت التي للاستفهام أولى بالنصب والأخرى أولى بالخفض؟ فالجواب عن ذلك: أن التي في الخبر تضارع (ربّ) وهي حرف، وكم للتكثير ورب للتقليل، فلما وجب في التي تضارع (رب) في الخبر الخفض بمضارعة (رب) وجب للأخرى النصب؛ لأن العدد إما عمل نصبا أو خفضا.
ومما تقوي ذلك أن الاستفهام مضارع للفعل، والفعل له النصب، فكذلك جعلت بمنزلة ما ينصب، وإنما أضيف التي في الخبر إلى الجمع والواحد؛ لأنه لما وجب لها الخفض وكان العدد الخافض بعضه يميّز بجمع كقولك: ثلاثة أثواب وخمسة أجمال وبعضه يميّز بواحد كقولك: مائة ثوب وألف درهم، فيجوز في (كم) الوجهان، كما جاء في العدد الذي تعمل عمله. والذين ينصبون بها في الخبر يحملونه على الاستفهام، وهو الأصل لأن (كم) عدد منهم فأصلها الاستفهام؛ لأن المستفهم يحتاج أن يبهم لشرح ما يسأل عنه، وليس الأصل في الإخبار والإبهام، فذلك صار الأصل الاستفهام، فإذا نصب بما في الخبر جاز أن يكون المنصوب جماعة؛ لأنه يزد به ما لباب فيه.
والأكثر الخفض، فصار كقولك: مائتين عاما وثلاثة أثوابا إذا احتاج إلى نصبه الشاعر فإذا فصلت بين (كم) وهي خافضة، وبين ما تخفضه فإن الأحسن حملها على لغة من ينصب بها لقبح الفصل بين الخافض والمخفوض، وقد ذكرت ما أنشده في ذلك.
وبيت الفرزدق من ينشد على ثلاثة أوجه:
أجوده الخفض؛ لأنه خبر، كم عمة لك يا جرير، هي في معنى (عمات) وبعدها النصب، وهي- أيضا- في معنى عمات، وإذا رفع فقيل:
стр. 991
كم عمة لك فهي عمة واحدة، كأنه قال: كم عمتك؟ وكم واقعة على مرار الحلب، وكأنه قال: كم مرة عمتك حلبت علىّ، وعمة لك بتلك المنزلة.
وأهل الكوفة يخفضون ما بعد كم في كل حال بمن، فإن أظهرتها فهي الخافضة وإن حذفت وخفضت فهي مقدرة، فلذلك فصلوا بين (كم) وبين المخفوض.
وتقول: كم قد أتاني لا رجل ولا رجلين، وكم عبد لك لا عبد ولا عبدان، كم رفع بالابتداء ومميزه محذوف، وتقديره: كم رجل؛ لأنه في الخبر، وخبر (كم) قد أتاني، فصار التقدير: رجال أتوني، ولا رجل ولا رجلان: عطف على (كم).
كما تقول: زيد أتاني لا عمرو ولا بكر.
ولا يجوز أن تعمل (كم) في لا رجل ولا رجلين؛ لأن تفسير (كم) استفهاما كانت أو خبرا- لا تقع كذلك، أما في
الاستفهام فمنزلتها منزلة (عشرين) وأنت لا تقول في تمييز العشرين: عندي عشرون لا رجلا ولا رجلين، وأما في الخبر فهي تجري مجرى (ربّ) وأنت لا تقول: ربّ لا رجل ولا رجلين، ومعنى قوله: كان محالا وكان نقضا؛ أي نصبت وجئت ب (كم) بعد (لا) فقلت:
لا كم رجلا، أو أضمرت (كم) لم يجز وانتقض الكلام؛ لأنه يصير في الخبر بمنزلة لا ربّ رجل ولا كم رجل، والقائل إذا قال: كم أتاني الرجل والرجلان يريد تكثير من أتاه، فإذا حمل لا رجل ولا رجلين على (كم) صار لا كم، فإذا أظهرها وأضمرها استحال وذهب معنى الكلام.
وعلى ذلك جواب من يقال له: كم لك عبدا؟ فيقول: عبدان أو ثلاثة أعبد، عبدان أو ثلاثة جواب (كم) وهو رفع بالابتداء وخبره (لي) محذوفة، كما كان (لك) خبر (كم).
قوله: ولم يرد من المسؤول أن يفسر على السائل فيفسر فيقول: كم درهما أو دينارا لك فيقول المسؤول: عشرون أو ثلاثون، وإن شاء ذكر المعدود فقال: ثلاثون درهما أو دينارا وما شاء، وإن شاء لم يفسر النوع؛ لأن السائل قد ذكره فلا اضطرار بالمجيب إلى ذكره لأنه إذا قال: كم عندك من الدراهم فقال: عشرون فقد عرف ما يعني، فلو لم يبين السائل ويفسر العدد لم يدر المسؤول بأي شيء يجيبه؟
ومعنى قوله: ولو أراد المسؤول عن ذلك أن ينصب عبدا أو عبدين على (كم) كان قد أحال يعني: أن المسؤول لو نصب خرج عن حد الجواب فصار سائلا؛ لأنه إذا نصب فإنما ينصبه ب (كم) والذي يلفظ ب (كم) هو سائل.
وإن أظهرها فقال في جوابه: كم لا عبدا ولا عبدين فقد أحال؛ لأنه سأل وحقه أن
стр. 992
يجيب وإن لم يظهر (كم) فلا بد من أن يقدرها مضمرة فيشارك من أظهرها ويزيد عليه في إعماله (كم) مضمرة، وهي وأمثالها لا تضمر لضعفها.
وقد يجوز أن يسأل السائل فيقول: كم عندك؟ فيعدل المجيب عن جوابه إلى الإخبار بأن عنده عددا كبيرا فيقول: كم رجل عندي أو كم رجال عندي؟ على استئناف إخبار منه بكثرة ما عنده على غير ما يقتضيه الجواب من ذكر مبلغ ما عنده، ومعناه: عندي رجال كثير، وإن لم يخبره بعدتهم.
وذكر بعض أصحابنا أن رجلا لو قال لآخر كم لا رجلا عندك ولا امرأة، وأراد كم عندك غير رجل كأنه قال: كم بعيرا عندك لا رجلا ولا امرأة، أي إنما أسألك عن الإبل لا غير.
وبيّن بما ذكر من المسائل- في آخر الباب- أن (كم) اسم و (رب) حرف وذلك أنه جاء (كم) بخبر كخبر المبتدأ كقولك: كم غلاما لك ذاهب، وكم منهم شاهد، فذاهب وشاهد خبران لكم، وكذلك: كم مأخوذ بك، وتأويله: كم
رجلا مأخوذ بك، ومأخوذ خبر، ولو نصب مأخوذا لم يتم الكلام واحتجت إلى خبر إذا قلت: كم مأخوذا بك، لم يتم حتى تقول: في الحبس، أو معاقب، أو ما أشبه ذلك.
وكذلك: كم لك، أو كم رجل لك، هو الخبر، ولا يجوز في (رب) ذلك. لا تقول: رب مأخوذ بك، ولا رب رجل قائم.
هذا باب ما جرى مجرى كم في الاستفهام
وذلك قولك: له كذا وكذا درهما، وهو مبهم في الأشياء، بمنزلة (كم) وهو كناية للعدد، بمنزلة فلان، إذا كنيت به في الأسماء، وكقولك: كان من الأمر ذية وذية، وذيت وذيت وكيت وكيت، صار (ذا) بمنزلة التنوين؛ لأن المجرور بمنزلة التنوين.
وكذلك: كأيّ رجلا قد رأيت، وزعم ذلك يونس. وكأين- قد أتاني- رجلا، إلا أن أكثر العرب إنما يتكلمون بها مع من. قال الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ (١)
وقال عمرو بن شأس:
وكائنّ رددنا عنكم من مدجج ... يجيء أمام الألف يردى مقنّعا (٢)
стр. 993
فإنما ألزموها لأنها توكيد، فجعلت كأنها شيء يتم به الكلام وصار كالمثل.
ومثل ذلك: ولا سيّما زيد، ف (ربّ) توكيد لازم حتى يصبر كأنه من الكلمة.
وفي نسخة مبرمان كأنه من الكلمة. وكأين معناها معنى ربّ.
وإن حذفت (من) و (ما) (١) فعربي. وقال: إن جرها أحد من العرب فحسن أن يجرها بإضمار (من) كما كان ذلك عند ذكرنا إياها في (كم).
وقال في كذا وكأين: عملتا فيما بعدها كعمل أفضلهم في رجل حين قلت:
أفضلهم رجلا، فصار أي وذا بمنزلة التنوين كما كان المجرور بمنزلة التنوين.
وقال الخليل: كأنهم قالوا: له كالعدد درهما، كالعدد من قرية، فهذا تمثيل وإن لم يتكلم به. فإنما تجيء الكاف للتشبيه فتصير- وما بعدها- بمنزلة شيء واحد. من ذلك قولك: كأن، أدخلت الكاف على أن للتشبيه ".
قال أبو سعيد: قد مضى الكلام في (كذا وكذا درهما) وفي ذيّة وذيت وفي كية وكيت، وفي كل واحد من ذيت وكيت إذا خفضت ثلاث لغات: الضم والفتح والكسر.
كقولنا: ذيت وذيت وذيت، وكيت وكيت وكيت، وإذا شددت فالفتح لا غير كقولنا: ذيّة وكيّة. قال أبو العباس محمد بن يزيد: لأن الهاء- وما قبلها- بمنزلة خمسة عشر وأما قوله: كأي رجلا، وهي كاف التشبيه دخلت على أي وفيها خمس لغات:
أصلها كلها: كأيّ (وهي كأي)، وكأئن، وكأيّن، وكئن، وكأن، وهي تنصب ما بعدها بلزوم التنوين لها.
وقد كثر في كلام العرب وقوع (من) بعدها، وإنما اختارت العرب أن يتكلموا بها مع (من) فيما ذكر أبو العباس محمد بن يزيد أنه إذا قال: كأين رجلا أهلكت، جاز أن يكون رجلا نصبا بكأي، فيكون واحد في معنى جميع، ويجوز أن تجعل، كأي ظرفا، كأنه قال: كأي مرة، وتنصب رجلا بأهلكت، فيصير واحدا في معنى نفسه.
فإذا أدخلت (من) صار واحدا في معنى (جميع) ويخرج أن يكون واحدا في معنى نفسه. فأما اللغات فأصلها وأفصحها.
كأيّ مشددة والوقوف عليها بغير نون، وبعدها في الفصاحة والكثرة:
كائن، على مثال: كاعن، وهي أكثر من الأولى في شعر العرب.
стр. 994
وقال الشاعر- غير ما أنشده سيبويه:
فكائنّ ترى من يلمعيّ مخطرب ... وليس له عند العزائم جول (١)
وقال آخر:
وكائن بالأباطح من صديق ... يراني لو أصبت هو المصابا (٢)
والوقف على هذا- على ما قاله أبو علي محمد بن المستنير قطرب في القياس- وكائن. ذهب إلى أنها مقلوبة أخرت همزتها، وينبغي- على قوله- أن تكون الألف بعد الكاف منقلبة من ياء.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: لما أدخلت الكاف جعلت اسما واحدا، وحذفت الياء الأولى من أي، وجعل التنوين عوضا من الياء المحذوفة.
والذي يوجبه مذهبه أن يجعل على وزن فاعل، (الكاف) منه كفاء الفعل، وبعد الكاف ألف (فاعل) وبعدها الهمزة
التي هي أول أي، وقد حذفت إحدى الياءين، فتكون الهمزة في موضع عين الفعل، والياء الباقية في موضع لام الفعل، ودخل عليه التنوين الذي كان في أي، فسقطت الياء لاجتماع الساكنين فصار كائنّ، ولزمت النون عوضا وينبغي أن تكون النون ثابتة في الوقف.
وحكى محمد بن المستنير أن يونس بن حبيب كان يزعم أن (كائن) فاعل من كان يكون، فإذا وقفت على هذا القول قلت: كائن بإثبات النون.
وأما كأن على وزن كيعبن، فقد حكاه أبو العباس.
وأما كأين بهمزة ساكنة بعدها ياء مكسورة فحكاها أبو الحسن بن كيسان.
وحكى أبو الحسن بن كيسان عن بندار- يعني أبا عمرو بندار بن كره الكرخي عن بعض البصريين ولم يسمه بندار: كين بتقدير كعن.
قال سيبويه: وكأي معناه معنى (رب).
وقال الفراء: معناها (كم).
وكثر استعمال النحويين- من البصريين والكوفيين تفسيرها بكم.
والذي قال سيبويه أصبح؛ لأن الكاف حرف دخوله على ما بعده كدخول (رب)، و (كم) في نفسها اسم، وأنت تقول: كم لك؟ ولا تقول كأيّ لك. كما لا تقول: ربّ
стр. 995
لك.
وما بقي من الباب مفهوم والله أعلم بالصواب.
هذا باب ما ينصب نصب كم إذا كانت منونة في الخبر والاستفهام
" وذلك ما كان من المقادير نحو قولك: ما في السماء موضع راحة سحابا، ولي مثله عبدا، وما في الناس مثله فارسا، وعليها مثلها زيدا، وذلك إذا أردت أن تقول: لي مثله من العبيد، ولي ملؤه من العسل، وما في السماء موضع كفّ من السحاب، فحذف ذلك تخفيفا كما حذفه في (عشرين) حين قال: عشرون درهما، وصارت الأسماء
المضاف إليها المجرورة بمنزلة التنوين، ولم يكن ما بعدها من صفتها ولا محمولا على ما حملت عليه فانتصب ب (ملء) كفّ ومثله، كما انتصب الدرهم بالعشرين؛ لأن (مثل) بمنزلة عشرين، والمجرور بمنزلة التنوين؛ لأنه قد منع الإضافة كما منع التنوين.
وزعم الخليل أن المجرور بدل من التنوين.
ومع ذلك أنك إذا قلت: لي مثله، فقد أبهمت، كما أنك إذا قلت لي عشرون فقد أبهمت الأنواع، فإذا قلت درهما، فقد اختصصت نوعا منه، وبه يعرف من أي نوع ذلك العدد، وكذلك مثل هو مبهم يقع على أنواع:
على الشجاعة والفروسية والعبيد، فإذا قال: عبدا فقد بيّن من أي أنواع المثل، والعبد ضرب من الضروب التي تكون على مقدار المثل، فاستخرج على المقدار نوعا، والنوع هو المثل، ولكنه ليس من اسمه، والدرهم ليس بالعشرين ولا من اسمه، ولكنه ينصب كما تنصب (العشرون) وتحذف من النوع كما يحذف من نوع العشرين، والمعنى مختلف، مثل ذلك: عليه شعر كلبين دينا، الشعر: مقدار، وكذلك:
لي ملء الدار خيرا منك عبدا، ولي ملء الدار أمثالك؛ لأن خيرا منك نكرة، وأمثالك نكرة، وإن شئت قلت: لي ملء الدار رجلا وأنت تريد جميعا، فيجوز ذلك كمنزلة في كم وعشرين، وإن شئت قلت: رجالا كما جاز في (كم) حين دخل فيها معنى رب؛ لأن المقدار معناه مخالف لمعنى كم في الاستفهام، فجاز في تفسيره بالواحد.
والجميع، كما جاز في (كم) إذ دخلها معنى (ربّ) كما تقول: ثلاثة أثوابا، أي تجعله بمنزلة التنوين ومثل ذلك: لا كزيد فارسا، إذا كان الفارس هو الذي سميت، كأنك قلت: لا فارس كزيد فارسا، قال كعب بن جعيل:
стр. 996
لنا مرفد سبعون ألف مدجّج ... فهل في معد فوق ذلك مرفدا (١)
ومثل ذلك: تالله رجلا، كأنه أضمر تالله ما رأيت كاليوم رجلا، وما رأيت مثله رجلا ".
قال أبو سعيد: المقادير في المكيل والموزون والعدد والمساحة وغير ذلك يجري مجرى واحد.
وقوله: ما في السماء موضع كفّ: مقدار من المساحة، كما أن (عشرين) مقدار من العدد، و (سحابا) هو النوع الذي يفسره، كما أن درهما نوع يفسر العشرين.
ولي مثله: أي لي مقداره، أي: ما يقادره ويماثله في عدد. و (عبدا) هو النوع.
وكذا: ما في الناس مثله فارسا، وعليها مثلها زيدا، وإنما يريد: ثمرة عليها مثل: ولي ملؤه عسلا.
ومذهب البصريين فيه كمذهب نصب (العشرين) لما بعده، وقد ذكرنا ذلك قبل هذا الموضع.
وقد جعل سيبويه بعض هذه المنصوبات من الأنواع هو الأول، بعضه غير الأول.
فأما ما كان منه هو الأول: فهو ما كان الأول منه مثله وشبهه وملؤه، وتعتبر ذلك بأنك لو جعلت المنصوب في موضع الأول وجعلت الأول تابعا له لم يتغير معناه مرفوعا ومنصوبا.
ألا ترى أنك تقول: لي ملؤه عسلا، و (عسل) منصوب، ولو قلت: لي عسل ملؤه لأدى ذلك المعنى ولم يكن بينهما فضل.
وكذلك: لي مثله عبدا. لو قلت: لي عبد مثله لأدى ذلك المعنى.
وهذا معنى قوله: فاستخرج على المقدار نوعا، والنوع هو المثل، ولكنه ليس من اسمه، يعني ليس بنعت له، وإن كان هو هو.
وعلى هذا المذهب قوله: فهل في معدّ فوق ذلك مرفدا؟
لأن المرفد مثل: المردّ للجيش، فقال كعب: لنا مرفد هذا عددهم على التكثير، فهل في معدّ فوق ذلك؟ أي: هل في معد عدد فوق ذلك مرفدا؟
فهو كقولك: لي مثله عبدا، فمرفد هو العدد المقدّر.
وفضل سيبويه بين: لي مثله عبدا، وبين: عشرين درهما؛ لأن الدرهم ليس
стр. 997
بالعشرين. كما كان مثله هو العبد، ولأنك لا تجعل الدرهم مكان العشرين، فتقول: لي درهم (عشرون) وإن كان (العشرون) و (لي مثله) يشتركان في نصب ما بعدهما.
ولو قلت: لي ملء الدار رجلا، لم يكن (رجلا) هو الأول؛ لأن ملء الدار لجماعة ورجلا هو واحد، ولكن ملء الدار العشرين.
وقوله: وإن شئت قلت: رجالا؛ لأنه خبر يجري مجرى (كم) التي في معنى (رب) في جواز الجمع، ويصير: لي ملء الدار رجالا من باب: لي ملؤه عسلا؛ لأن الثاني هو الأول، ولا كزيد فارسا من باب لي مثله عبدا؛ لأن معناه: لا مثل زيد. وقولهم تالله رجلا تقديره: تالله ما رأيت رجلا كرجل أراه اليوم، وقد فسرته وذكرت ترتيب الحذف فيه في غير هذا الموضع بما يغني عن إعادته.
стр. 998
شرح كتاب سيبويه
تأليف
أبي سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى سنة ٣٦٨ هـ
تحقيق
أحمد حسن مهدلي
علي سيد علي
[المجلد الثالث]
دار الكتب العلمية
стр. 999
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا باب ما ينتصب انتصاب الاسم بعد المقادير
وذلك قولك: ويحه رجلا! ولله دره رجلا! وحسبك به رجلا! وما أشبه ذلك، وإن شئت قلت: ويحه من رجل! وحسبك به من رجل! فتدخل (من) هاهنا كدخولها في (كم) توكيدا وانتصب الرجل لأنه ليس من الكلام الأول، وعمل فيه الكلام الأول فصارت الهاء بمنزلة التنوين، ومع هذا- أيضا- أنك إذا قلت: ويحه! فقد تعجبت وأبهمت، من أي الأمور تعجبت؟ وأي الأنواع تعجبت منه، فإذا قلت: فارسا أو حافظا فقد اختصصت ولم تبهم، وبينت في أي نوع هو. ومثل ذلك قول عباس بن مرداس:
ومرة يحميهم إذا ما تبدّدوا ... ويطعنهم شزرا فأبرحت فارسا (١)
كأنه قال: فكفى بك فارسا، وإنما يريد: كفيت فارسا، ودخلته هذه الباء توكيدا.
ومثل ذلك قول الأعشى:
تقول ابنتي حين جدّ الرحيل ... فأبرحت ربّا وأبرحت جارا (٢)
ومثله: أكرم به رجلا.
قال أبو سعيد: جميع ما ذكر في هذا الباب من الهاءات إنما هو ضمير ما قد ذكر، وإنما يجري ذكر رجل- زيد أو عمرو أو غيرهما- فيبقي عليه ويذكر اللفظ الذي يستحق به المدح فيقال: ويحه رجلا! فإذا قلت ذلك دللت على أنه محمود في الرجال، متعجب من فضله.
وإذا قلت: ويحه فارسا أدللت على أنه متعجب منه في فروسيته.
وإذا قلت: ويحه حافظا! فالتعجب وقع من حفظه دون سائر الأشياء فيه.
وكذلك لو قلت: ويح زيد بزّازا! كأن المدح له والتعجب منه وقع في البزّ، وقد
стр. 1000
يكون مذموما مقصرا في غيره، فلذلك صار المنصوب به على التمييز؛ لأنه يقتضي الجنس الذي يذكره ويعلم المعنى الذي مدح به، وهو يشبه باب (نعم راجلا وبئس غلاما).
ولو قال قائل: ويح زيد ولله دره وحسبك به، لم يجر بأي شيء مدحه وكان مبهما وصار بمنزلة قولك: عندي عشرون بغير تفسير، فإذا فسرته صار بمنزلة عشرين غلاما، وإنما أدخلت (من) في هذا الباب؛ لأنه قد يجوز حمل المنصوب فيه على الحال إذا قلت حسبك به فارسا، وحسبك به معينا، وتنصبه على الحال كما تقول احسبني زيد فارسا، وكفاني معينا، أي في هذه الحال فأدخلوا (من) ليعلم أنها تزاد للدلالة على الجنس المستحق به المدح دون الحال، وكذلك يجوز دخول (من) في كل ما كان من المقادير يكون المنصوب فيه هو الأول وكقولك: لي مثله رجلا، ولي ملؤه عسلا؛ لأنه قد يجوز أن يقع فيه ما يذهب به مذهب الحال، كقولك لي مثل زيد أخا وصديقا، فيكون دخول (من) لتحقيق باب التفسير وقد ذكرت (من) في كائن (وكم) مثلها.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: دخول من في (كائن) و (كم) و (كذا كذا) من درهم لما منعته هذه الحروف من التمكن، فعوضت هذا كما عوضت أن يعمل فيما فصل بينه وبينها. نحو: كم في الدار- رجلا-.
وأما راقود من خلّ وموضع كفّ من سحاب، فإن ذلك جنس يستوي تعريفه وتنكيره، وجمعه وواحده، ألا ترى
أنه يستوي في المعنى المفهوم عنك أن تقول: اصطنعت بالخل وبخلّ، وشربت ماء وشربت الماء. وأما (عشرون) وما جرى مجراها من المقادير المعلومة، فإذا دخلت (من) بعدها وقع على الجنس والجمع الذي يكون المميز تقول:
عندي عشرون من الدراهم، وخمسون من الثياب، ولو قلت: عشرون من درهم، وخمسون من ثوب لم يجز.
ومن الفرق بين: عشرين وما جرى مجراها من الأعداد المعلومة وبين كم وكأيّ وكذا وكذا ونحو ذلك، أن العشرين قد عرف مقدارها، وإنما تدخل (من) على النوع الذي (العشرون بعضه) فتحتاج أن تكون أكثر من العشرين في اللفظ.
(وكم) مبهم، يجوز أن يكون جوابها واحدا، كقولك: كم غلاما عندك؟ فيقول المجيب: غلام أو غلامان. إلا أنه يجوز أن تقول: عندي عشرون من درهم ودينار ومن غلام وجارية على غير التمييز، ولكن على قولك: من بين درهم ودينار، وليس ذلك بمنزلة ما أخلصته لجنس، ولكن يقع كما يقع في غير التمييز، كقولك: الناس من بين
стр. 1001
قائم وقاعد، والمال عندي من ذهب وفضة، فاعرف ذلك إن شاء الله.
وقوله: فأبرحت فارسا وأبرحت ربّا، هو مأخوذ من البرح وهو الشدة التي يتعجب منها، وقد استعمل البرح والبرحين في أسماء الدواهي.
فإذا قيل: أبرحت فارسا فقد تعجب من فروسيته وأنه أتى فيها بما لم يأت به غيره.
كما قيل: كفى بالله شهيدا! وكفى بالشيب واعظا! ومعناه: كفى الله، وكفى الشيب، وعلى هذا تقول: كفى بك فارسا وكفيت فارسا، وهو مثل: أبرحت فارسا.
هذا باب ما لا يعمل في المعروف إلا مضمرا
وذلك لأنهم بدءوا بالإضمار لأنهم شرطوا التفسير، وذلك نووا، فجرى ذلك في كلامهم هكذا، كما جرت (إنّ) مجرى الفعل الذي تقدم مفعوله قبل الفاعل، فلزم هذا هذه الطريقة في كلامهم كما لزمت (إنّ) هذه الطريقة في كلامهم.
وما أنتصب- في هذا الباب- فإنه ينتصب كانتصاب ما انتصب في باب:
حسبك به، وويحه، وذلك قولهم: نعم رجلا عبد الله، كأنك قلت: حسبك به رجلا عبد الله؛ لأن المعنى واحد.
ومثل ذلك: ربّه رجلا، كأنك قلت: ويحه رجلا في أنه عمل فيما بعده لا في المعنى.
وحسبك به رجلا مثل: نعم رجلا في المعنى وفي العمل؛ وذلك أنهما ثناء في استيجابهما المنزلة الرفيعة، ولا يجوز لك أن تقول: نعم، ولا ربه، وتسكت؛ لأنهم إنما بدءوا بالإضمار على شريطة التفسير، وإنما هو إضمار مقدم قبل الاسم، والإضمار الذي يجوز السكوت عليه إضمار بعد ما ذكر الاسم مظهرا، والذي تقدم من الإضمار لازم له التفسير حتى يبينه ولا يكون في موضع الإضمار في هذا الباب مظهر.
ومما يضمر لأنه يفسره ما بعده ولا يكون في موضعه مظهرا قول العرب: إنه كرام من قومك، وإنه ذاهبة أمتك، وفاعلة فلانة، فالهاء إضمار الحديث الذي ذكرت بعد الهاء. كأنه في التقدير- وإن كان لا يتكلم به- قال: إن الأمر ذاهبة أمتك وفاعلة فلانة فصار هذا الكلام كله خبرا للأمر، فكذلك ما بعد الهاء في موضع خبره.
وأما قوله: نعم الرجل عبد الله فهو بمنزلة: ذهب أخوه عبد الله. عمل (نعم) في الرجل ولم يعمل في (عبد الله).
وإذا قال: عبد الله نعم الرجل فهو بمنزلة عبد الله ذهب أخوه، وكأنه قال:
стр. 1002
نعم الرجل فقيل لك من هو؟ فقال: عبد الله.
وإذا قال: عبد الله فكأنه قيل له: ما شأنه؟ فقال: نعم الرجل، فنعم تكون مرة عاملة في مضمر يفسره ما بعده، فتكون هي وهو بمنزلة: ويحه ومثله، ثم يعملان- في الذي فسر المضمر- عمل مثله وويحه إذا قلت: لي مثله عبدا، ويكون مرة أخرى يعمل في المظهر لا يجاوزه فهي بمنزلة: ربّه رجلا، ومرة بمنزلة: ذهب أخوه، فتجري مجرى المضمر الذي قدّم لما بعده من التفسير، وسد مكانه؛ لأنه قد بينه؛ وهو نحو قولك: أزيدا ضربته؟ واعلم أنه محال أن تقول: عبد الله نعم الرجل والرجل غير عبد الله، كما أنه محال أن تقول: عبد الله هو فيها وهو غيره.
واعلم أنه لا يجوز أن تقول: قومك نعم صغارهم وكبارهم، إلا أن تقول:
قومك نعم الصّغار ونعم الكبار وقومك نعم القوم؛ وذلك لأنك أردت أن تجعلهم من جماعات ومن أمم كلّهم صالح.
كما أنك إذا قلت: عبد الله نعم الرجل، فإنما تريد أن تجعله من أمة كلهم صالح، ولم ترد أن تعرف شيئا بعينه بالصلاح بعد نعم.
مثل ذلك قولك: عبد الله فاره العبد فاره الدابة، فالدابة لعبد الله، ومن سببه، كما أن الرجل هو عبد الله حين قلت: نعم الرجل، ولست تريد أن تخبر عن عبد بعينه ولا عن دابة بعينها، وإنما تريد أن تقول: أن في ملك زيدا لعبد الفاره والدابة الفارهة، إذا لم ترد عبدا بعينه ولا دابة بعينها.
فالاسم الذي يظهر بعد (نعم) إذا كانت: نعم عاملة الاسم الذي فيه الألف واللام نحو: الرجل، وما أضيف إليه، وما
أشبهه نحو: غلام الرجل إذا لم ترد شيئا بعينه.
كما أن الاسم الذي يظهر في (ربّ) قد يبدأ بإضمار رجل قبله حين قلت: ربّه رجلا لما ذكرت لك، وتبدأ بإضمار رجل في (نعم) لما ذكرت لك.
فإنما منعك أن تقول: نعم الرجل إذا أضمرت، أنه لا يجوز أن تقول: حسبك به الرجل إذا أردت معنى: حسبك به رجلا.
ومن زعم أن الإضمار الذي في (نعم) هو عبد الله- فقد ينبغي له أن يقول: نعم عبد الله رجلا، وقد ينبغي له أن يقول: نعم أنت رجلا، فتجعل (أنت) صفة للمضمر.
стр. 1003
وإنما قبح هذا المضمر أن يوصف؛ لأنه مبدوء به قبل الذي يفسره، والمضمر المقدّم قبل ما يفسره لا يوصف؛ لأنهم إنما ينبغي لهم أن يبينوا ما هو.
فإن قال قائل: هو مضمر مقدم وتفسيره: عبد الله (بدلا) منه (محمولا) على نعم، فأنت قد تقول: عبد الله نعم رجلا فتبدأ به، ولو كان (نعم) بمضمر لعبد الله لما قلت: عبد الله نعم الرجل فترفعه، فعبد الله ليس من (نعم) في شيء. والرجل هو: عبد الله ولكنه منفصل منه كانفصال الأخ منه إذا قلت: عبد الله ذهب أخوه فهذا تقديره، وليس معناه كمعناه، ويدلك على أن عبد الله ليس تفسيرا للمضمر أنه لا تعمل فيه نعم بنصب ولا برفع ولا يكون عليها أبدا في شيء.
واعلم أن (نعم) تؤنث وتذكر، وذلك قولك: نعمت المرأة، وإن شئت قلت:
نعم المرأة كما قالوا: ذهب المرأة. والحذف في (نعمت) أكثر.
واعلم أنك لا تظهر علامة المضمرين في (نعم) لا تقول: نعموا رجالا يكتفون بالذي يفسره كما قالوا: مررت بكلّ. كما قال تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (١) فحذفوا علامة الإضمار، وألزموا الحذف كما ألزموا (نعم) و (بئس) الإسكان وكما ألزموا (خذ) الحذف.
ففعلوا هذا بهذه الأشياء لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم.
وأصل نعم وبئس: نعم وبئس، وهما الأصلان اللذان وصفا في الرداءة والصلاح، ولا يكون منهما فعل لغير هذا المعنى.
وأما قولهم: هذه الدار نعمت البلد؛ فإنه لما كان البلد الدار أقحموا التاء فصار كقولك: من كانت أمك وما جاءت حاجتك؟
ومن قال: نعم المرأة قال: نعم البلد، وكذلك: هذا البلد ونعم الدار، كانت البلد ذكرت فلزم هذا في كلامهم لكثرته ولأنه صار كالمثل، كما لزمت التاء في: ما جاءت حاجتك؟
ومثل ذلك قول الشاعر وهو لبعض السعديين:
هل تعرف الدار يعفيها المور
стр. 1004
لكلّ ريح فيه ذيل مسفور ... والدخن يوما والعجاج المهمور (١)
قال (فيه) لأن الدار مكان فحماه على ذلك.
وزعم الخليل أن حبّذا بمنزلة: حبّ الشيء، ولكن (ذا) وحب بمنزلة كلمة نحو (لولا) وهو اسم مرفوع كما تقول: يا ابن عمّ، فالعم مجرور.
ألا ترى أنك تقول للمؤنث: حبّذا ولا تقول: حبذه؛ لأنه صار مع (حبّ) على ما ذكرت لك، وصار المذكر هو اللازم لأنه كالمثل. وسألته عن قول الراعي:
فأومأت إيماء خفيّا لحبتر ... ولله عينا حبتر أيما فتى (٢)
فقال: (أيما) تكون صفة للنكرة وحالا للمعرفة، وتكون استفهاما مبنيّا عليها، ومبنية على غيرها، ولا تكون لتبين العدد ولا في الاستثناء نحو قولك:
أتوني إلا زيدا. ألا ترى أنك لا تقول: له عشرون أيما رجل، ولا أتوني إلا أيما رجل.
فالنصب في: لي مثله رجلا كالنصب في: عشرين رجلا، فأيما لا تكون في الاستثناء ولا تختص بها نوعا من الأنواع ولا يفسر بها عدد.
وأيما فتى: استفهام. ألا ترى أنك تقول: سبحان الله ما هو ومن هو؟ فهذا استفهام فيه معنى التعجب، ولو كان خبرا لم يجز ذلك؛ لأنه لا يجوز في الخبر أن تقول: من هو؟ وتسكت.
وأما أحد وكرّاب وأرم وكتيع وعريب وما أشبه ذلك فلا يقعن واجبات ولا حالا ولا استثناء. ولا يستخرج به نوع من الأنواع فيعمل ما قبله فيه عمل عشرين في الدرهم، إذا قلت: عشرون درهما.
ولكنهن يقعن في النفي مبنيّا عليهن ومبنية على غيرهن، فمن ثم تقول. وما في الناس مثله أحد، حملت (أحدا) على مثل ما حملت عليه (مثلا)، وكذلك: ما مررت بمثلك أحد. وقد فسرنا لم ذلك، فهذه حالها كما كانت تلك حال إنما.
стр. 1005
فإذا قلت: لي عسل ملء جرة، وعليه دين شعر كلبين، فالوجه الرفع لأنه وصف، والنصب يجوز كنصب: عليه مائة بيضا.
وإن شئت قلت: لي مثله عبد، فرفعت وهي كثيرة في كلام العرب، وإن شئت رفعته على أنه صفة، وإن شئت كان على البدل.
فإذا قلت: عليها مثلها زيد، فإن شئت رفعت على البدل، وإن شئت رفعت على قوله: ما هو؟ فتقول: زيد أي هو زيد، ولا يكون (الزيد) صفة لأنه اسم والعبد يكون صفة؛ تقول: هذا رجل عبد ".
قال أبو سعيد: اعلم أن (نعم وبئس) فعلان ماضيان موضوعان للمدح والذم، ف (نعم) للمدح العام، وبئس (للذم العام) ومبناهما على فعل في الأصل، وفي كل واحد منهما أربع لغات فعل: نعم وبئس. وفعل: نعم وبئس، وكذلك كل ما كان من الأسماء والأفعال على فعل وثانيه حرف من حروف الحلق ففيه أربع لغات.
فالاسم نحو: فخذ يقال فيها: فخذ وفخذ وفخذ وفخذ والفعل نحو: شهد وشهد وشهد وشهد.
وإنما ألزموها الإسكان لكثرة استعمالها تخفيفا. وقد جاء على الأصل.
فقل لبني قيس على ما ... أصاب الناس من شرّ وضرّ
ما أقلت قدم ناعلها ... نعم الساعون في الأمر المبّر (١)
ويلزم باب نعم وبئس ذكر شيئين:
أحدهما: الاسم الذي يستحق به المدح أو الذم. والآخر: الممدوح أو المذموم.
وذلك قولك: نعم الرجل زيد ونعم البزاز أخوك. وبئس الخادم غلامك. فالذي يستحق به المدح أو الذم هو الاسم الذي تعمل فيه نعم أو بئس، وهو الدال على المعنى الذي يستحق به المدح أو الذم والآخر هو زيد.
فإذا قلت: نعم البزاز زيد، فالمعنى الذي استحق به المدح البزاز أنه محمود في البزازين. والمستحق للمدح هو زيد، ولا بد من الإتيان بهما جميعا.
فإذا قلت: نعم البزاز زيد (فنعم) فعل ماض و (البزاز) فاعله وهو دال على المعنى المستحق به المدح، وزيد مرفوع على أحد وجهين:
стр. 1006
- إما أن يكون مبتدأ النية فيه التقديم، ونعم الرجل خبره فيكون تقديره:
زيد نعم الرجل ثم أخرته على هذه النية.
- وإما أن يكون على كلامين، كأنك لما قلت: نعم الرجل فأبهمته ولم يعرّف به شيء بعينه قيل لك: من هو؟ فقلت: زيد. على تقدير: هو زيد.
ورد أبو العباس محمد بن يزيد- على سيبويه- ترجمة الباب وألزمه فيه المناقضة؛ لأنه قال: هذا باب ما لا يعمل في المعروف إلا مضمرا ثم جاء بعده:
نعم الرجل عبد الله فجاء بالرجل مظهرا.
والذي أراده سيبويه: أنه لا يعمل في المعروف إلا مضمرا إذا بني ذاك المعروف على أن يفسر بما بعده ولا يكون ذاك إلا مضمرا. وشبهه بقولك: إنه كرام قومك، وإنه ذاهبة أمتك، فالهاء إضمار الحديث الذي يأتي بعده ولا يجيء إلا مضمرا؛ لأنه قد لزمه التفسير.
وكذلك الاسم الذي تعمل فيه (نعم) ويبنى على التفسير لا يكون إلا مضمرا.
قال: فإن قال قائل: قد ذكرتم في قولنا: نعم الرجل زيد وجهين: أن زيدا مبتدأ في نية التقديم وتقديره: زيد نعم الرجل. فهل يجوز على هذا القياس أن تقول: زيد قام الرجل، فالجواب أن هذا لا يجوز لأنه ليس في الخبر ما يعود إلى الاسم.
فأما زيد نعم الرجل فالضرورة فيها خاصة أدت إلى جعل الظاهر بمنزلة المضمر؛ لأن في شرط (نعم وبئس) أن يقع بعدهما ما يدل لفظه على الجنس الذي يستحق به المدح والذم فلا بد من ذكر ذلك الظاهر.
وصار ذكر الظاهر بمنزلة المضمر الذي ينعقد به خبر الابتداء.
ومن أجل ذلك قال سيبويه: عبد الله نعم الرجل، الرجل هو: عبد الله لأن الرجل قد قام مقام ضميره.
وأما قولهم: نعم رجلا عبد الله فإن في (نعم) ضميرا قدم على شريطة التفسير، وتفسيره: النكرة التي بعده. والمضمر فيها معرفة من لفظ تلك النكرة.
ومما قدم من الضمائر على شريطة التفسير: إنه كرام قومك وإنه ذاهبة فلانة.
ومنه قولهم: ربّه رجلا. وليست الهاء بضمير شيء جرى ذكره، لو كانت ضمير شيء قد جرى ذكره لصارت معرفة، ولم يجز أن تلي (رب) لأنها لا يليها إلا نكرة. ولكنها
стр. 1007
ضمير مبهم. أشبهت بإبهامها النكرات؛ لأنك إذا قلت: ربه رجلا احتاج إلى أن تفسره بغيره فضارع النكرات إذا كانت لا تخص (كما أن النكرات لا تخص) ومعنى:
ربّه رجلا: رب رجل.
وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى: ربّه رجلا. أقلل به في الرجال.
ومن أجل ما وضعت له (نعم وبئس) من دلالة ما بعدهما على الجنس على معنى المدح والذم احتيج إلى أن يكون ما يرتفع بهما من أسماء الأجناس أو الصفات أو ما كان مضافا إلى ذلك.
ولا يجوز أن ترفع بهما الأعلام ولا المبهم ولا المكني ولا المضاف إلى شيء من ذلك؛ لأنه ليس في شيء منه معنى يقع به مدح ولا ذم.
فلذلك لم يجز: نعمت ولا نعمت ولا نعم زيد ولا نعم هذا ولا بئس غلام هذا.
وإنما يقع على ما يتحصل به معنى عام يقع به المدح والذم كقولك: نعم الغلام، ونعم غلام الرجل، ونعم الصديق وما أشبه ذلك.
وأما علامة التأنيث التي تلحق الفعل فإنها تلحق نعم وبئس إذا كان بعدهما مؤنث كقولك: نعمت المرأة وبئست الجارية، وحذف علامة التأنيث منهما أحسن وأكثر من حذفهما من سائر الأفعال لنقصان تمكنهما في الأفعال. وبطلان استعمال المستقبل منهما وذلك أنّ دخول علامة التأنيث في المستقبل أقوى منه في الماضي؛ لأن علامة التأنيث في الماضي زيادة وفي المستقبل وضع حرف مكان حرف؛ وهو التاء مكان الياء، فلخفة تكلف العلامة في المستقبل صارت ألزم.
ولما كانت (نعم وبئس) لا مستقبل لهما صار: نعم المرأة وبئس الجارية أحسن من قام المرأة وذهب الجارية؛ لأنك في المستقبل يلزمك: تقوم المرأة وتذهب الجارية، وليس ذلك في نعم وبئس.
فإن قال قائل: لم لم يكن لهما مستقبل؟ والأفعال لا تمتنع من الاستقبال إذا أريد بهما الاستقبال؟ قيل له: المانع من الاستقبال أنهما وصفا للمدح والذم ولا يصح المدح والذم إلا بما قد وجد وثبت في الممدوح والمذموم.
وفيما قاله سيبويه: هذه الدار نعمت البلد. قال ذو الرمة.
стр. 1008
أو حرة عيطل ثبجاء مجفرة ... دعائم الزور نعمت زورق البلد (١)
وأما (حبذا) فإن (حب) فعل (وذا) فاعل، وبني معه وجعلا جميعا بمنزلة شيء واحد يقع موقع اسم مبتدإ في الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث والمذكر بلفظ واحد في معنى المدح والحمد.
فإذا قيل: حبذا زيد فكأنه قال: المحمود زيد، وإذا قال: حبذا الزيدان فكأنه قال:
المحمودان الزيدان، وإذا قال: حبذا هند فكأنه قال: المحمودة هند، وإذا قال حبذا الهندات فكأنه قال: المحمودات الهندات.
وناب لفظ (حبذا) عن ذلك كله وجرى مجرى الفعل للذي جعل مع الحرف كشيء واحد، فجرى مع الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث والمذكر على لفظ واحد، وذلك (هلمّ) في لغة أهل الحجاز للرجل الواحد والاثنين والجماعة، قال الله تعالى: وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا (٢).
وذكر من الأسماء التي لا تستعمل إلا في النفي أسماء ليبين حكمها ومواقعها.
والذي ذكر: أحد وكرات وأرم وكتيع وعريب، ومثله: ما بالدار دبيح ودبى وطويّ وطوري وطرأني، ولا يقعن إلا في المواضع التي ذكرها من النفي.
وقد يصحّ في النفي ما لا يصح في الإيجاب كقولك: مررت برجل قائم ولا مضاجع، وزيد لا أسود ولا أشقر. ولا يجوز: مررت بقائم مضطجع وزيد أسود أشقر.
وإنما كان كذلك لأنه يجوز نفي الضرين في الأشياء التي يتعاور فيها ثلاثة أضداد فصاعدا. والموجود منه واحد والماضي منفي كالألوان والأكوان في الأماكن؛ لأن الألوان كثيرة كالسواد والبياض والحمرة والخضرة والصفرة وغير ذلك، ولا يكون الشيء إلا على واحد منها موجود فيه، وكذلك أكوان الأماكن كثيرة غير محصلة نحو كونه ببغداد بالكوفة وبمكة وبمصر وأندلس، ولا يوجد إلا في واحد منها.
ويجري مجرى هذا من غير الأناس ما عليها من الحلي: هلبسيسة ولا خربصيصة وما به ظبظاب (٣) وما به وذية (٤)، وغير ذلك مما تحيط به كتب اللغة.
стр. 1009
ولا يدخل على شيء فيه من العوامل إلا ما كان متصلا بالجحد كقولك: ما بالدار أحد وما رأيت بها عربيا، وما بها تومريا أحسن من زيد.
وقد ذكرت في أول الكتاب من ذلك ما فيه كفاية.
وتركت من الباب ما كلام سيبويه فيه مفهوم.
هذا باب النفي «بلا»
و (لا) تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين، ونصبها لما بعدها كنصب (إنّ) لما بعدها، وترك التنوين لما تعمل فيه لازم؛ لأنها جعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر؛ وذلك لأنها لا تشبه سائر ما ينصب مما ليس باسم وهو الفعل وما أجري مجراه؛ لأنها لا تعمل إلا في نكرة و (لا) وما تعمل فيه في موضع ابتداء.
فلما خولف بها عن حال أخواتها خولف بلفظها كما خولف بخمسة عشر.
(فلا) لا تعمل إلا في نكرة كما أن (رب) لا تعمل إلا في نكرة. وكما أن (كم) لا تعمل- في الخبر والاستفهام- إلا في نكرة. لأنك لا تذكر بعد (لا) - إذا كانت عاملة- شيئا بعينه كما لا تذكر ذلك بعد (رب).
وذلك لأن (رب) إنما هي للعدّة بمنزلة (كم) فخولف بلفظها حين خالفت أخواتها كما خولف ب (أيهم) حيث خالفت (الذي) وكما قالوا " يا الله " حين خالفت ما فيه الألف واللام.
وسترى أيضا نحو ذلك إن شاء الله.
فجعلت وما بعدها كخمسة عشر في اللفظ وهي عاملة فيما بعدها كما قالوا:
" يا ابن أم " فهي مثلها في اللفظ وفي أن الأول عامل في الآخر.
وخولف بخمسة عشر لأنها إنما هي خمسة وعشرة " فلا " لا تعمل إلا في نكرة من قبل أنها جواب- فيما زعم الخليل- لقوله: هل من عبد أو جارية؟ فصار الجواب نكرة كما أنه لا يقع في هذه المسألة إلا نكرة.
واعلم أن (لا) وما عملت فيه في موضع ابتداء، كما إنك إذا قلت: هل من رجل فالكلام في موضع اسم مرفوع مبتدأ، وكذلك " ما من رجل " و " ما من شيء " والذي يبنى عليه في زمان أو مكان ولكنك تضمره وإن شئت أظهرته وكذلك " لا رجل " و " لا شيء " إنما تريد لا رجل في مكان ولا شيء في زمان.
стр. 1010
والدليل على أن " لا رجل " في موضع اسم مبتدأ و " ما من رجل " في موضع اسم مبتدأ في لغة تميم: قول العرب من
أهل الحجاز " لا رجل أفضل منك ".
وأخبرنا يونس إن من العرب من يقول:
ما من رجل أفضل منك وهل من رجل خير منك.
كأنه قال: ما رجل أفضل منك وهل رجل خير منك.
واعلم أنك لا تفصل بين " لا " وبين المنفي كما لا تفصل بين " من " وما تعمل فيه وذلك أنه لا يجوز أن تقول في الذي هو جوابه: هل من فيها رجل؟
ومع (ذا) أنهم جعلوا (لا) وما بعدها بمنزلة خمسة عشر فقبح أن يفصلوا بينهما عندهم كما لا يجوز أن يفصلوا بين خمسة و " عشر " بشيء من الكلام لأنها مشبهة بها.
قال أبو سعيد: " لا رجل في الدار " جواب " هل من رجل في الدار " وذلك أنه إخبار وكل إخبار يصح أن يكون جواب مسألة.
ولما كان " لا رجل في الدار " نفيا علما كانت المسألة عنه مسألة عامة ولا يتحقق لها العموم إلا بإدخال " من ".
وذلك إنه لو قال في مسألته: هل رجل في الدار؟ جاز أن يكون سائلا عن رجل واحد. كما تقول: هل عبد الله في الدار؟ وهل أخوك في الدار؟
فالذي يوجب عموم المسألة دخول " من " لأنها لا تدخل إلا على واحد منكور في معنى الجنس، ولا تدخل على معروف، لا تقول: هل من عبد الله في الدار؟ وهل من أخيك؟
وسبيل الاستفهام سبيل الجحد تقول: ما في الدار رجل، فيحتمل العموم ويحتمل أن يكون رجلا بعينه، كقولك: " ما في الدار عبد الله "، فإذا قلت: ما في الدار من رجل لم يكن إلا عموما.
ولما كان: لا رجل في الدار جواب هل من رجل في الدار؟ وهل من رجل معبرا عن: هل رجل في الدار؟ بإدخال عامل عليه يخرجه إلى تحقيق عموم المسألة جعل معبرا عن الابتداء ليدل على عموم النفي، فلم يبق بعد الرفع إلا النصب والخفض، فعدلوا عن الخفض؛ لأن الباب في حروف الخفض أن لا تأتي مبتدأة وإنما تأتي في صلة شيء؛ كقولك أخذت من زيد، ومضيت إلى عمرو. أو زائدة بعد شيء كقولك: هل من رجل في الدار
стр. 1011
أو ما من رجل في الدار.
ونصبوا بحرف النفي الذي هو جواب؛ إذ في حروف الجحد ما يعمل في الأسماء الرفع والنصب وهو (ما) في لغة أهل الحجاز على أن (لا) تعمل الرفع والنصب بمعنى (ليس) وسنقف على ذلك إن شاء الله.
ولما نصبوا بها (وكان الناصب بها لا يعمل) لم تعمل إلا في نكرة على سبيل حرف الخفض الذي في المسألة، والخافض والمخفوض بمنزلة شيء واحد؛ لأن مجرى حرف الخفض وما خفضه كمجرى المضاف والمضاف إليه. جعل (لا) وما نصبته بمنزلة شيء واحد. ودلوا على جعلهما كشيء واحد بحذف التنوين مما بعدها ولم يقولوا في الجواب:
لا من رجل؛ لأن التعبير الذي يكون " بمن " يحصل " بلا " فاكتفوا بتأثير " لا " في الاسم الذي بعدها عن إدخال (من).
واختلف أصحابنا في فتحة الاسم المبني مع (لا).
فقال أبو العباس محمد بن يزيد إنها بناء.
وقال أبو إسحاق الزجاج إنها إعراب.
وقد سقت كلامهما على ما حكى أبو بكر مبرمان عنهما:
قال أبو العباس: " الذي أوجب ل (لا) أن تعمل: إنها وليت الأسماء فلم تفارقها وكل شيء ولي شيئا فلم يفارقه وجب أن يعمل فيه. والذي أوجب لها النصب: أنها داخلة على مبتدإ وخبر، وكل داخل على مبتدإ وخبر يجب أن يعمل النصب إذا ولي الأسماء دون الأفعال نحو: ليت وإنّ وكأن " ومضارعتها " " أن " إنها لا تلي الأفعال.
والذي أوجب البناء أنها خالفت العوامل؛ لأن العوامل تتصرف، وتصرفها أنها تلي المعارف والنكرات، كقولك: " إنّ زيدا " و " إنّ رجلا " و " لا " هذه لا تفارق النكرات، فلما لزمت النكرة هذا اللزوم وخالفت نظائرها من الحروف العوامل في الأسماء فعل بها ذلك.
وقال أبو إسحاق الزجاج " ليست مبنية وإنما شبهها بخمسة عشر- يعني سيبويه- لأنها لا تفارق ما تعمل فيه كما أن خمسة لا تفارق عشر " واحتج أبو إسحاق بقولك: لا رجل وغلاما عندك، ولا رجل ظريفا عندك. واستدل بعطف المعطوف عليه أنه معرب.
قال أبو بكر: " فقلت له: فأنت تقول: لا رجل ظريف عندك، فنبني " رجل " مع " ظريف " ... قال: " هذا قول بعضهم ويحتاج أن ننظر فيه ".
وقال- أيضا- أبو إسحاق: " إنما حذفت التنوين للفرق بين معنيين " أي: لتفرق بين الذي هو جواب " هل من رجل "؟ وبين الذي هو جواب " هل رجل "؟
стр. 1012
قال أبو سعيد: " قد سقت كلام هذين. والذي عندي: أن الفتحة في الاسم بعد (لا) إعراب وهو مذهب سيبويه لأنه قال " فتنصبه بغير تنوين، ونصبها لما بعدها كنصب (إن) لما بعدها. وترك التنوين لما تعمل فيه لازم.
قال أبو سعيد: قد يعمل العامل في الشيء ويمنع التصرف الذي لنظائره ولا يكون ذلك مبطلا لعمله كقولك: حبذا زيد.
" حب " فعل ماضي و " ذا " فاعله وجعلا جميعا كشيء واحد، ولا يغيّر في التثنية والجمع والتأنيث، ولا يمنع ذلك من أن يكون " حب " قد عمل في " ذا " ومنع التنوين لما ذكرته لك من الدلالة على جعلهما كشيء واحد على مذهب (لا) المقابلة حرف الجر وما بعده في قولك هل من رجل في الدار "؟
وقد أجمعوا على أن ما بعد (لا) إذا كان مضافا أو كان تمامه بشيء يتصل به أنه منصوب معرب، وأن ما لم يكن من ذلك مضافا فالتنوين يدخله، وذلك قولك: لا غلام رجل في الدار ولا خيرا من زيد عندنا، وله باب يأتي فيما بعد.
وقوله: و (لا) وما عملت فيه في موضع ابتداء.
إن قال قائل: أنتم تزعمون أنّ " ليت " و " لعل " و " كأن " إذا دخلن على المبتدإ وخبره غيرن معنى الابتداء حتى لا يعطف على موضع الابتداء كما يعطف في (إن) و (لا) حرف جحد دخل على الابتداء فهلا غيّر موضع الابتداء؟
والجواب: أن هذه الحروف لها معان لا تصح في الأسماء إذا كانت مبتدأة وقد يصح الابتداء فيها مع الجحد كقولك: لا زيد في الدار ولا عمرو.
ويقال: أقل رجل يقول ذلك. وأقل مبتدإ وفيه معنى الجحد؛ لأن معناه: ما يقول ذاك أحد " ولا " أيضا جواب حرف دخل على مبتدإ وخبر لأن قولك: هل من رجل في الدار؟ " من رجل " في موضع مبتدإ و " في الدار " خبره و " لا " عملت في " رجل " وفيها جحد فقابلت (لا) (هل) في الجواب وقابلت (من) في العمل فصار " لا رجل " بمنزلة " هل من رجل؟ " في عملهما فيما بعدهما.
وأما استدلال سيبويه على أن " لا رجل " في موضع اسم مبتدإ في لغة بني تميم بقول العرب من أهل الحجاز:
لا رجل أفضل منك فكان بنو تميم يقولون: لا رجل ويسكتون عن إظهار الخبر، واحتج بلغة أهل الحجاز لأنهم يظهرون الخبر.
وذكر أبو بكر مبرمان عن أبي العباس محمد بن يزيد: أنه زعم أن " لا " تعمل رفعا
стр. 1013
ونصبا كما تعمل " إن " وقد يجوز " أفضل منك " أن يكون رفعا " بلا " ويجوز أن يكون رفع بخبر الابتداء لأن " لا " وما بعدها في موضع مبتدإ.
هذا باب المنفي المضاف ب (لام) الإضافة
اعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع إذا قلت:
لا غلام لك، كما يقع من المضاف إلى اسم وذلك إذا قلت: لا مثل زيد.
والدليل على ذلك قول العرب: لا أبا لك ولا غلامي لك. وزعم الخليل أن التنوين إنما ذهب للإضافة؛ ولذلك لحقت الألف الأب التي لا تكون إلا في الإضافة.
وإنما كان ذلك من قبل أن العرب قد تقول: لا أباك في معنى لا أبا لك، فعلموا أنهم لو لم يجيئوا باللام لكان التنوين ساقطا كسقوطه في " لا مثل زيد " فلما جاءوا بلام الإضافة تركوا الاسم على حاله قبل أن تجيء اللام إذ كان المعنى واحدا وصارت اللام بمنزلة الاسم الذي ثنى به في النداء.
ولم يغيروا الأول عن حاله قبل أن يجيئوا به وذلك قولهم:
يا تيم تيم عديّ ... (١)
وبمنزلة الهاء إذا لحقت " طلحة " في النداء لم يغيروا آخر " طلحة " عما كان عليه قبل أن تلحق وذلك قولهم (في بيت النابغة):
كيلني لهم يا أميمة ناصب ... ... (٢)
ومثل هذا: " اللام " قول الشاعر إذ اضطر:
... ... يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام (٣)
حملوه على أن اللام لو لم تجئ لقلت يا بؤس الجهل.
стр. 1014
وإنما فعل هذا بالمنفي تخفيفا كأنهم لم يذكروا اللام كما أنهم إذا قالوا: يا طلحة أقبل. فكأنهم لم يذكروا الهاء وصارت اللام من الاسم بمنزلة الهاء من طلحة.
لا تغير الاسم عن حاله قبل أن تلحق، فالنفي في موضع تخفيف كما أن النداء في موضع تخفيف، فمن ثمّ جاء فيه مثل ما جاء في النداء.
وإنما ذهبت النون في " لا مسلمي لك " على هذا المثال جعلوه بمنزلة ما لو حذفت بعده اللام، وذلك قولك: لا أباك، فكأنهم لو لم يجيئوا باللام قالوا: لا مسلميك.
فعلى هذا الوجه حذفوا النون في: لا مسلمي لك، وذا تمثيل وإن لم يتكلم " بلا مسلميك " ليعلم أن النون إنما ذهبت حيث صارت اللام هاهنا بمنزلتها بعد الأب إذا قلت لا أبا لك.
قال مسكين الدارمي (١):
وقد مات شمّاخ ومات مزرد ... وأيّ كريم لا أبا لك يمنّع (٢)
ويروى " يخلّد ".
وتقول: لا يدين بها لك ولا يدين اليوم لك إثبات النون أحسن. وهو الوجه، وذلك أنك إذا قلت: لا يدي لك ولا أبا لك فالاسم بمنزلة اسم ليس بينه وبين المضاف إليه شيء نحو: لا مثل زيد، فكما قبح أن تقول: لا مثل بها زيد فتفصل قبح أن تقول:
" لا يدي بها لك " ولكن تقول: لا يدين بها لك ولا أب يوم الجمعة لك. كأنك قلت لا يدين بها ولا أب يوم الجمعة ثم جعلت " لك " خبرا فرارا من القبح.
وكذلك إن لم تجعل (لك) خبرا ولم تفصل بينهما وجئت ب " لك " بعد أن تضمر مكانا أو زمانا كإضمارك إذا قلت: لا رجل ولا بأس. وإن أظهرت فحسن ثم تقول (لك) لتبين المنفي عنه.
وربما تركتها استغناء بعلم المخاطب وقد تذكرها توكيدا وإن علم من تعني.
стр. 1015
فكما قبح أن تفصل بين المضاف والاسم المضاف إليه قبح أن تفصل يبن (لك) وبين المنفي الذي قبله.
لأن المنفي الذي قبله إذا جعلته كأنه اسم لم يفصل بينه وبين المضاف إليه، قبح فيه ما قبح في الاسم المضاف إلى اسم لم تجعل بينه وبينه شيئا؛ لأن اللام كأنها هاهنا لم تذكر.
ولو قلت هذا لقلت: لا أخا هذين اليومين لك، وهذا يجوز في الشعر؛ لأن الشاعر إذا اضطر فصل بين المضاف والمضاف إليه.
قال ذو الرمة (١):
كأنّ أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج (٢)
وإنما اختير الذي تثبت فيه النون في هذا الباب كما اختير في " كم " إذا قلت:
" كم بها رجلا مصابا " وأنت تخبر لغة من ينصب بها لئلا يفصل بين الجار والمجرور.
ومن قال: " كم بها رجل مصاب " فلم يبال القبح قال: لا يدي بها لك، ولا أخا يوم الجمعة لك ولا أخا- فاعلم- لك.
والجر في: كم بها رجل مصاب وترك النون في:
لا يدي بها لك قول يونس.
واحتجّ بأن الكلام لا يستغنى إذا قلت: كم بها رجل، والذي يستغنى به الكلام وما لا يستغنى به قبحهما واحد إذا فصلت بكل واحد منهما بين الجار والمجرور.
ألا ترى أن قبح: " كم بها رجل مصاب " كقبح " كم فيها رجل " ولو حسن بالذي لا يستغنى به الكلام لحسن بالذي يستغنى به، كما أن كل كلام حسن لك أن تفصل فيه بين العامل والمعمول فيه بما يحسن عليه السكوت حسن لك أن تفصل فيه بينهما بما يقبح عليه السكوت.
وذلك قولك: " إنّ بها زيدا مصاب وإنّ فيها زيدا قائم " وكان بها زيد مصابا وكان فيها زيد مصابا.
стр. 1016
وإنما يفرق بين الذي يحسن عليه السكوت والذي لا يحسن في موضع غير هذا.
وإثبات النون قول الخليل ﵀.
وتقول: لا غلامين ولا جاريتي لك. إذا جعلت الآخر مضافا ولم تجعله خبرا له وصار الأول مضمرا له خبر، كأنك
قلت: لا غلامين في ملكك ولا جاريتي لك.
كأنك قلت: " ولا جاريتيك " في التمثيل. ولكنهم لا يتكلمون به.
فإنما اختصت " لا " في " الأب " بهذا كما اختصت " لدن " مع " غدوة " بما ذكرت لك.
ومن كلامهم أن يجري الشيء على ما لا يستعملونه في كلامهم نحو قولهم:
ملامح ومذاكير. لا يستعملون لا ملمحة ولا مذكارا، وكما جاء " عذيرك " على مثال ما يكون نكرة ومعرفة نحو: ضربا وضربك، ولا يتكلم به إلا معرفة مضافة وسترى نحو هذا إن شاء الله ومنه ما قد مضى.
وإن شئت قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك إذا جعلت " لك " خبرا لهما، وهو قول أبي عمرو، وكذلك إذا قلت: لا غلامين لك. وجعلت لك خبرا لأنه لا يكون إضافة وهو خبر؛ لأن المضاف يحتاج إلى الخبر مضمرا أو مظهرا.
ألا ترى أنه لو جاز: تيم تيم عدي في غير النداء لم يستقم لك إلا أن تقول ذاهبون.
فإذا قلت: لا أبا لك فهاهنا إضمار مكان ولكنه ترك استخفافا واستغناء.
قال نهار بن توسعة اليشكري فيما جعله خبرا:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم (١)
وإذا ترك النون فليس الاسم مع " لا " بمنزلة: خمسة عشر؛ لأنه لو أراد ذلك لجعل " لك " خبرا وأظهر النون أو أضمر خبرا ثم جاء بعدها ب (لك) توكيدا، ولكنه أجراه مجرى ما ذكرت لك في النداء؛ لأنه موضع حذف وتخفيف كما أن النداء كذلك.
وتقول أيضا- إن شئت- لا غلامين ولا جاريتين لك، ولا غلامين وجاريتين
стр. 1017
لك. كأنك قلت: لا غلامين ولا جاريتين في مكان كذا وكذا لك، فجاء ب " لك " بعد ما بني على الكلام الأول في مكان كذا وكذا، كما قال: لا يدين بها لك، حين صيره كأنه جاء ب " لك " فيه بعد ما قال: " لا يدين بها في الدنيا ".
واعلم أن المنفي الواحد إذا لم يل " لك " فإنما يذهب منه التنوين كما أذهب من آخر " خمسة عشر " لا كما أذهب من المضاف.
والدليل على ذلك أن العرب تقول: لا غلامين عندك ولا غلامين فيها. ولا أب فيها، وأثبتوا النون فيها؛ لأن النون لا تحذف من الاسم الذي يجعل وما قبله أو وما بعد بمنزلة اسم في واحد. ألا تراهم قالوا: الذين في الدار. فجعلوا "
الذين " وما بعده من الكلام بمنزلة اسمين جعلا اسما واحدا، ولم يحذفوا النون؛ لأنها لا تجيء على حد التنوين. ألا تراها تدخل في الألف واللام وفيما لا ينصرف، وإنما صارت الأسماء حين وليت " لك " بمنزلة مضاف لأنهم كأنّهم ألحقوا اللام بعد اسم كان مضافا، كما أنك إذا قلت: يا تيم تيم عدي فإنما ألحقت الاسم اسما كان مضافا، ولم يغير الثاني المعنى، كما أن اللام لا تغير معنى: لا أباك.
وإذا قلت: " لا أب فيها " فليست (في) من الحروف التي إذا لحقت بعد مضاف لم تغير المعنى الذي كان قبل أن تلحق.
ألا ترى أن " اللام " لا تغير معنى المضاف إلى الاسم إذا صارت بينهما، كما أن الاسم الذي يثنى به لا يغير المعنى إذا صار بين الأول والمضاف إليه، فمن ثم صارت اللام بمنزلة الاسم الذي يتثنى به.
وتقول: لا غلام وجارية فيها؛ لأن " لا " إنما تجعل وما تعمل فيه اسما واحدا، إذا كانت إلى جنب الاسم، فكما لا يجوز أن تفصل خمسة من عشرة كذلك لم يستقم هذا لأنه أي (لا) مشبه به، فإذا فارقه جرى على الأصل، قال الشاعر:
لا أب وابنا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا (١)
وتقول: " لا رجل ولا امرأة يا فتى " إذا كانت " لا " بمنزلتها في " ليس " حين تقول: ليس لك رجل ولا امرأة فيها.
قال رجل من بني سليم وهو أنس بن العباس:
стр. 1018
لا نسب اليوم ولا خلة ... اتسع الخرق على الراقع (١)
ويروى: " اتسع الفتق على الراتق "
كما وتقول: " لا رجل ولا امرأة فيها " فتعيد " لا " الأولى كما تقول: ليس عبد الله وليس أخوه فيها. وتكون حال الآخرة في تثنيتها كحال الأولى.
فإن قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك، إذا كانت الثانية هي الأولى أثبت النون؛ لأن " لك " خبرا عنهما والنون لا تذهب إذا جعلتهما كاسم واحد؛ لأن النون أقوى من التنوين، فلم يجروا عليها ما أجروا على التنوين في هذا الباب. لأنه مفارق للنون ولأنها ثبت فيما لا يثبت فيه.
واعلم أن كل شيء حسن لك أن تعمل فيه " رب " حسن لك أن تعمل فيه " لا ".
وسألت الخليل عن قول العرب " ولا سيما زيد " فزعم أنه مثل قولك " ولا مثل زيد " و " ما " لغو وقال: ولا سيما وزيد. كقولهم: دع ما زيد، وكقوله: مَثَلًا ما بَعُوضَةً (٢) ف " سي " في هذا الموضع بمنزلة " مثل " فمن ثم عملت فيه " لا "
كما تعمل " رب " في " مثل " وذلك قولك: " رب مثل زيد ".
قال أبو محجن الثقفي:
يا رب مثلك في النساء غريرة ... بيضاء قد متعتها بطلاق (٣)
قال أبو سعيد: إذا كان بعد الاسم المنفي لام إضافة ففي الاسم الأول وجهان:
أحدهما: أن يبنى الاسم الأول مع " لا " وتكون اللام في موضع النعت للاسم أو في موضع الخبر، وهذا هو الأصل والقياس، وتكون منزلة " اللام " كمنزلة سائر حروف الجر وذلك قولك " لا غلام لك ".
كما تقول: لا رجل في الدار ولا غلامين لك، كما تقول لا رجلين في الدار ولا أب لزيد.
كما تقول: " لا أب كزيد " والاسم الأول مبني مع " لا " وحرف الجر بعده في موضع النعت له أو الخبر.
стр. 1019
والوجه الآخر: أن يكون الاسم الذي بعد " لا " مضافا إلى الاسم الذي بعد " اللام " وتكون اللام زائدة مؤكدة للإضافة، ويكون لفظ الاسم الأول كلفظ الاسم المضاف و " لا " عاملة فيه غير مبنية معه وذلك قولك " لا أبا لزيد ولا أخا لك ولا مسلمي لك ".
وعلم بثبات الألف في " أبا " وأخا " أنهما مضافان إذ كانت هذه الألف وأختاها الواو والباء إنما يدخلن على (أبوك وأخوك وحموك وفوك وذو) وإذا كانت مضافة فتكون الواو علامة الرفع والياء علامة الجر والألف علامة النصب.
وعلم بسقوط النون من: لا غلامي لزيد، ولا جاريتي لأخيك، ولا مسلمي لك أنه مضاف وزيادة اللام شاذة، ولا تزاد إلا في " لا " وفي النداء كقوله:
... يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام (١)
وأخرجه عن القياس سيبويه وطول الكلام عليه والاحتجاج له وذكر الأشياء الشاذة ليؤنس بشذوذه.
وأصل هذا عنده: إن الإضافة وقعت قبل اللام، وهي في نية التنوين المانع من الإضافة، كما لا تعرف إضافة " مثل " إلى " زيد " في قولك: لا مثل زيد.
والأصل عنده في: لا أبا لك. ولا مسلمي لك. لا أباك ولا مسلميك. قال الشاعر:
وقد مات شماخ ومات مزرد ... وأي كريم لا أباك يخلّد (٢)
وقال آخر (٣):
أبا لموت الذي لا بدّ أني ... ملاق لا أباك تخوّفيني (٤)
وأدخلوا " اللام " بين المضاف والمضاف إليه توكيدا؛ لأن الإضافة بمعنى " اللام " كما أدخلوا " تيم " الثاني بين " تيم " الأول وبين " عدي " في: يا تيم تيم عدي ".
وكما زادوا " الهاء " في طلحة بعد أن رخموه.
стр. 1020
وزادوا " اللام " في: يا بؤس للحرب ... (١)
وشبه باب النفي بباب النداء لما يقع فيهما من التغيير وحذف التنوين.
وما كان من ذلك في تقدير الإضافة إلى ما بعد اللام، ولا يحسن أن تفصل بينه وبين اللام. فإذا فصلت بطلت الإضافة، تقول: لا يدين به لك، ولا يدين اليوم لك إثبات النّون أحسن؛ والوجه لأنك إذا حذفت النون فإنما تحذفها للإضافة إلى ما بعد اللام، وقد فصلت بينهما بقولك " بها " و " اليوم " فلم يحسن، فعدلت إلى الوجه الذي لا إضافة فيه فقلت: لا يدين بها لك ولا أب يوم الجمعة لك، وجعلت " لك " خبرا أو نعتا أو بيانا بعد أن تضمر خبرا هو: مكان أو زمان ".
والبيان " بلك " أن تقدر " أعني " كما تقدر ذلك في: سقيا لك، وإذا أردت هذا المعنى فليس " لك " بنعت ولا خبر.
وإن تركت " لك " استغناء يعلم المخاطب بها كقولهم: " لا رجل " " ولا بأس " فهو جائز وإن ذكرته توكيدا وأنت تعلم أنّ المخاطب يعلمه جاز.
وإن أضفت مع الفصل ففيه قبح، وهو مع قبحه جائز في الشعر وشاهده:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج (٢)
أضاف " أصوات " إلى " أواخر الميس " وفصل بما بينهما من الكلام.
ولا يقع الفصل بين المضاف والمضاف إليه إلا بالظرف وحروف الجر، وقد استقبح سيبويه الفصل بين الجار والمجرور بما يتم به الكلام وبما لا يتم.
وأجاز يونس الفصل بما لا يتم الكلام به كقوله:
لا يدي بها لك. ومعناه: لا طاقة بها لك. " وبها " في هذا الموضع لا يكون خبرا ولا يتم. وقد احتج سيبويه بما ذكره.
ومعنى قول سيبويه " وقد يفرق بين الذي يحسن عليه السكوت والذي لا يحسن في موضع غير هذا " يعني نحو قوله:
في الدار زيد قائم وقائما؛ لأن الكلام يتم بقوله: في الدار، ولا تقول: بعمرو زيد