ورأيتُ الشيخ الأكبر قُدَّس سرّه ذَكَرَ: أنه رأى رجلاً من أهل المحبة في مجلس، فتكلما فيه رجل على المحبة، فأخذ ذلك المحبُّ يذوب جسمه حتى عاد نطفة، فقام بعض الحاضرين وأخذ تلك النطفة فوضعها في قطنة ووضع القطنة في شق الحائط (١)!!
قلتُ: ولم أرَ من تكلم في الحديث بما ذكرتُه.
واعلم أنَّهم فرَّقوا بين العام المخصوص والذي أُريد به الخصوص بفروق، منها: أنَّ العام المخصوص قرينته لفظية كالشرط والاستثناء وغيرهما، والعام الذي أريد به الخصوص قرينته عقلية. ومنها: أنَّ العام المخصوص مستعمل فيما وضع له فهو حقيقة، والذي أريد به الخصوص مستعمل في غير ما وضع له فهو مجاز، وذلك كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]؛ لأنَّ المراد بالناس الأُولى رجل واحد وهو نُعَيْم بن مسعود الأشجعي (٢)، وكقوله: (أَو
стр. 37
﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]؛ لأنه أراد بهم نبينا ﷺ كما ذكره المفسِّرون (١).
وبما تقرَّر عُلِم أنَّ الحديث من الدِّين المفسر بالنصيحة لخاصة المؤمنين وعامَّتهم.
وقوله في الحديث: "هَونًا" بفتح أوله، أي: لينًا سهلاً رفيقًا بسكينة ووقار.
قلت: وذلك لأنَّ المؤمن هيِّن ليِّن، فناسب أن يكون حُبُّه وبغضه مثله في اللين والرقة والسهولة. تقول: هان الشيء يهون، كقال يقول؛ إذا سهل ولسان. وأما الهُون بضم أوله فهو الذلُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩].
وقوله في الحديث: "ما" يصحُّ أن يراد هنا من معانيها العشرة ثلاثة معانٍ، كما استخرجتُ ذلك من كلام القاضي البيضاوي (٢) ومَنْ كَتَب على عبارته كشيخ الإِسلام، والشهاب الخَفَاجي، وشَيْخِي زَادَه، وابن تَمجيد (٣)
стр. 38
وغيرهم، ومن شرح الميداني لأمثاله (١)، ومن إعراب القرآن المبين للسَّمِين (٢)، ومن المُنَاوي والعَلْقَمي والعَزِيزي (٣):
المعنى الأول: أن تكون "ما" زائدة للتأكيد.
المعنى الثاني: أن تكون صفة للنكرة التي قبلها، ويكون المعنى: أيُّ هون. قال البيضاوي (٤): فـ "ما" إبهامية تزيد النكرة إبهامًا، أي: خفاءً. وشِياعًا، أي: عمومًا. قال ابن تمجيد: ويتفرع على الِإبهام
الحقارة، كقولك: أعطِ شيئًا ما، أي: شيئًا حقيرًا. أو الفخامة كقولهم:
стр. 39
لأمر ما يسّود من يسوَّد. وقولهم: لأمر ما جَدَع قصيرٌ أنفه. اهـ.
قلت: لكن المراد في الحديث هنا التحقير؛ لأن المقصود حبًّا قليلاً.
المعنى الثالث: أن تكون "ما" نكرة، كما نقله قطب دائرة الولاية وكنز دُرِّ بحر الهداية والعناية، مَنْ تشرف به العالم المثالي والعالم الحسِّيّ (١)، سيِّدي العارف باللهِ تعالى الشيخ عبد الغني النابلسي قُدَّس سرّه في كتابه "الحاوي على البيضاوي" عن الفرَّاء وثعلب والزجَّاج في تفسير قوله تعالى: (سَلامًا) [هود: ٦٩]، وأنها إذا كانت نكرة كانت بدلاً مما قبلها. اهـ.
والتقدير: أحبب حبيبك حبًّا متوسطًا؛ لأنَّ المبدل منه في نية الطرح فيكون المقصود الأعظم هو التوسُّط في الحب الذي أفادته "ما".
قلت: وقد رأيت في "مجمع البحار" المؤلَّف في تفسير ألفاظ صحيح البخاري، تأليف العلَّامة شمس الدين محمَّد طاهر الهندي الفَتَّني (٢) -بفتح الفاء وتشديد المثناة من فوق وكسر النون وبياء النسبة-
نسبة إلى بلدة فتَّن من بلاد كجرات من قطر الهند: أنَّ "ما" في الحديث للتقليل.
стр. 40
قلت: وهو كالذي قدمناه عن ابن تمجيد أنه يتفرَّع من كونها للِإبهام التحقير والتفخيم، ويصح في آية: (مَثَلًا مَّا) هذه الأوجه الثلاثة، ويزاد على ذلك وجهان في قراءة مَنْ رفع (بَعُوضَةً):
الأول: كونها موصولة حذف صدر صلتها والتقدير: مثلاً الذي بعوضة.
والثاني: أنها استفهام، هي المبتدأ وبعوضة خبرها ويكون الاستفهام في الآية لتقرير عدم الاستحياء.
قال شيخى زاده؛ ويكون المعنى: ما البعوضة فما فوقعها حتى لا يَضرب الله بها المثل، بل له تعالى أن يُمثل بما هو أحقر من ذلك. اهـ.
قلت: وذلك لعدم تفاوت الخلق كما قال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]،
أي: في إحكام الصنعة؛ لأنَّ البعوضة وإن كانت حقيرة لا تفاوت بينها وبين الفيل في إحكام صنعتها. أو المراد بعدم تفاوت الخلق من حيث دلالة كل من الكبير والصغير والعظيم والحقير على
وجود اللطيف الخبير، وعلى انفراده بالألوهية وبالصفات الكمالية، كما قيل: [من المتقارب]
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنَّه واحدُ ورحم الله من قال: [من الكامل]
ورقُ الغصونُ إذا نظرتَ دفاتِرُ ... مشحونةٌ بأدلةِ التوحيدِ
وقوله في الحديث: "أحبب" بهمزة القطع في الرواية، فيكون مما ماضيه رباعي. وفي ماضيه أربع لغات ذكرها في المصباح (١):
هذه أولها: وهي: أَحْبَبَ.
стр. 41
ثانيها: ثلاثية، وهي: حَبَبْتُه أحِبُّه من باب ضَرَبَ، والقياس أَحُبُّه بالضم لكنه غير مستعمل. اهـ. قلت: وإنما كان القياس فيه الضم لأنه فعل مضاعف متعدٍّ، وكل ما كان كذلك كان مضارعه بالضم؛ لأنه يكون من باب قتل، وذلك كقولهم: ردّه يردُّه، وعدّه يعدُّه، وضرّه يضُرُّه، وَسَرَّه يَسُرُّه، وهكذا .. فجاء هذا مخالفًا للقياس.
اللغة الثالثة: حَبِبْتُه أَحَبُّه، من باب تَعِبَ.
رابعها: لغة هُذَليَّة، وهي: حَابَبْتُه حِبَابًا، من باب قَاتَل، فهو مَحبُوب وحَبيبٌ والأنثى حَبِيبة، وجَمعُها حبائب، وجمع المذكر أَحِبَّاء.
وكان القياس أن يجمع جمع شُرَفاء، لكنهم كرهوا اجتماع المثلين، وقد قال أعلام اللغة: كل ما كان على فعيل من الصفات، فإن كان غير مضاعف فبابه فُعَلاء كشَرِيف وشُرَفاء، وإن كان مضاعفًا فبابه أفعلاء مثل حَبيب وطَبيب وخَلِيل.
واختُلفَ في حدِّ الحبِّ واشتقاقه وسببه وفي كونه اختياريًّا أو اضطراريًّا.
أما الحدُّ فقال قوم: إنه لا يُحَدُّ، فقد حُكي أنه قيل لامرأة عُذْرية: ما الحب؟ فقالت: والله إنه أجلُّ من أن يُرى، وخفي عن أبصار الورى، فهو كامن كُمُون النار في الحجر؛ إن قدحته ورى وإن تركته توارى. وعلى هذا قول سلطان العشاق سيِّدي عمر بن الفارض في بكر من أبكار
أفكاره (١): [من الطويل]
هو الحُبُّ فاسلمْ بالحَشَا ما الهوى سَهلُ ... فما اختارهُ مُضْنًى به وله عَقلُ
стр. 42
فانظر كيف أتى بهذا الضمير الجليل الذي لا يؤتى به إلاَّ في مقام التعظيم والتهويل كقول أبي العلاء المعرِّي: [من الطويل]
هو الهَجرُ حتى ما يُلمَّ خيالُ ... وبعض صدودِ الزائرينَ وِصَالُ
والضمير في قوله: (هو الحب) عائد على حاضر في الذهن كأنَّ الذهن استحضره لعظمته وتصوَّره لرفعته وهو مبتدأ خبره الحب، والجملة بعده استئنافية والفاء في المصراع الأول واقعة في جواب شرط مقدَّر تقديره حيثما حكمتَ بأنَّ الحب في هذه المرتبة العالية العظيمة، فأسلم بنفسك قبل أن تنشب المنية فيك أظفارها وترسل عليك شِوَاظها وشَرارها.
وقال قوم: بل الحب يحدُّ، وأنه ميل القلب، وذلك الميل ناشئ إما عن رؤية المحبوب أو سماع أوصافه، ويقال للثاني حبٌّ موسوي كما قال بعضهم: [من مجزوء الكامل]
فعلمتُ أني مُوسوي م ... العِشقِ إدراكًا
ويعني: أهوى بجارحة السماع ولا أرى عين المسمَّى.
وقال آخر (١): [من البسيط]
.................... والأذْنُ تَعشقُ قَبلَ العينِ أحياناً
فإذا رأى الرائي صورة أو سمع بأوصافها صوَّرها في ذهنه فمال إليها قلبه متوهّمًا أنها اختصَّت بصفات كمالية لا توجد في غيرها. ولا تقع محبة بين شخصين إلاَّ بعد وجود مشاكلة ما بينهما، ولذا قال الشاعر: [من السريع]
وقَائلٍ كيفَ تفرقتُما ... فقلتُ قولًا فيه إنصافُ
стр. 43
لم يَكُ من شكلي ففارقتُهُ ... والقومُ أشكالٌ وأوصافُ
ومن اللطائف ما حكي أنَّ التِّيمور كان يحبّ السيد الجُرجُاني لفضله، وكان يبالغ في إكرامه حتى مال السيد إليه لما جُبِلتْ عليه القلوب من حُبِّ مَنْ أحسن إليها، فتذكر السيِّد يومًا في ميله إلى ذلك الرجل وصحبته له وتردُّده عليه فشرع يوبخ نفسه قائلاً: لولا مناسبة ومشاكلة فيكِ لهذا الرجل لما كان منكِ ميل إليه. ثم انقطع عن التردُّد إلى التيمور، فاستبطأه وأرسل يستحضره فلم يحضر، فذهب التيمور إليه مستخفيًا، فلما رآه قال له: سألتك بالله ما الذي قطعك عني؟ فأخبره السيِّد بواقعة الحال،
فلما أتمَّ كلامه قال: سبحان الله كيف خفيت عليك المناسبة بيني وبينكَ إلى هذا الوقت، أتريد مناسبة أحسن من كوني وإيَّاكَ نحب أهل البيت، فعند ذلك انشرح صدر السيِّد لهذا المقال وكأنما نَشِط من عِقَال، وعاد إلى صحبته والتردُّد عليه (١).
وقال بعض الحكماء: الحب داء وسواسي لا يعرض إلاَّ للقلوب الفارغة. وقيل: الحبُّ عمى المحبّ عن إدراك عيوب المحبوب، أو عرض وسواسي يجلبه الِإنسان إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور.
قلت: وعليه قول المجنون (٢): [من الطويل]
أتاني هَواهَا قبلَ أنْ أعرفَ الهوى ... فصادفَ قلبًا خاليًا فتمكَّنا
стр. 44
قلت: وبما قدَّمتُه عُلِم سببه، والمعتمد أنه اختياريٌّ ابتداء اضطراري انتهاء، وذلك كاستعمال الأفيون.
وأما اشتقاقه، فقيل: من حبَّة القلب فمعنى أحببت زيدًا أصبت به حبَّة قلبي كما أن الشغف إصابة شغاف القلب، وهو غشاؤه الذي يحيط به، وقيل: هو من حباب الماء وحببه لصفائه ورقَّته. وقيل: من الحب بالضم وهو إناء كبير يوضع فيه الماء، وذلك لأنَّ الحب الذي هو ميل القلب يحتوي على الرقة واللطافة كما يحتوي حُب الماء على ذلك الجوهر اللطيف السيّال.
واعلم أنَّ الحب يزداد حتى يبلغ الشغف، وهو أن يصل إلى شغاف القلب كما قدمنا، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠]، أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، فإن زاد على ذلك وجاوز الحدَّ سُمِّي عشقًا مأخوذ من شجر تسمى العشقة تعود بعد نضرتها وخضرتها معفَّرة الأوراق ثم تذبل وتصير هشيمًا تذروه الرياح، شبهوا العاشق بها في ذلك.
فإن زاد العشق وأفرط كان هُيامًا وصاحبه هايم، وهو الذي لا يدري أين يتوجَّه، وحينئذ يختل نظامه ويقل كلامه ويطير كَراه من وكر جفنه وينفد دهن مصباح عقله وذهنه. فإذا انقلب والحالة هذه حبيبه بغيضًا زادت البليّه وعظمت الرزيَّة، فلذلك قال سيِّد المرشدين وإمام الهادين والمهتدين صلَّى الله علي وسلَّم وعلى مَن آلَ بالقرابة أو المحبة أو بهما إليه: " أحبب حبيبك هونا ما"، أي: مقتصدًا في المحبة لا مائلاً إلى إفراط ولا تفريط، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: لا يكن
стр. 45
حبُّكَ كَلَفًا ولا بغضك تلفًا (١).
قوله: كلفًا -بفتح الكاف واللام- هو العشق، وقد تقدَّم أنه مجاوزة حدِّ المحبَّة؛ وأما الكَلِف -بكسر اللام- فهو مَنْ قام به الكَلَف. وقوله: ولا بغضك تلفًا، أي: مفضيًا بكَ إلى تلف من أبغضته.
وقال الشاعر: [مجزوء الرجز]
حبُّ التناهي غَلَطْ ... خَيرُ الأمورِ الوَسَطْ
لأنَّ ما يخرج عن الوسط خرج عن الاعتدال، ولذلك جعل الله هذه الأمة وسطًا عدولاً غير مائلة إلى طرف من الأطراف، كالأمم قبلها، فإنَّ منها من مال إلى طرف الِإفراط، ومنها من مال إلى طرف التفريط.
قلت: وقوله: "أحبب" ليس المراد به حقيقة الأمر بالحب بل المراد به الأمر بمعاملة من يحبه معاملة من لا يُفرِط في محبته ولا يفرِّط، وذلك يفهم من قرينة عقلية وهي أن الحب اختياري ابتداءًا ضطراري انتهاءً كما تقدَّم، وإذا كان كذلك وأحبَّ الشخص حبيبًا كيف يتأتى له أن يجعل حبه غير مفرط، وقد ثبت أنه غير داخل تحت اختياره فكيف يسوغ أمره بعدم جعله مُفْرِطًا، هذا وليس الأمر في الحديث للندب حتى نقول برأي مَنْ يرى التكليف بالمُحَال، فتعيَّن أن يكون قوله: "أحبب" من المجاز المرسل وعلاقته هنا السببية لأنَّ الحب سبب لمعاملة المحبوب، ويكون المعنى:
عامل حبيبكَ معاملة مَنْ لا يخرج عن حدِّ المحبَّة ولا تعامله معاملة مَنْ يخرج عن حدّها بحيث تطلعه على عُجَرك وبُجَرك وسرائرك وضمائرك
стр. 46
وذخائرك، فلربما استحالت صداقته عداوة ومرّ ما كنتَ تعهده فيه من الحلاوة، كما قال الشاعر: [من مجزوء الكامل]
احذر عدوَّك مرَّةً ... واحذرْ صديقكَ ألف مرَّهْ
فلربما انقلب الصديـ ... ـقُ فكانَ أدرى بالمضرَّهْ
وقال آخر: [من الوافر]
سَلمتُ من العدوِّ فما دَهانِي ... سِوى مَن كان معتمدي عليهِ
وقال آخر: [من المجتث]
لو قيل لي سَلْ أمانًا ... من حادثات الزمانِ
لما سألتُ أمانًا ... إلاَّ من الِإخوانِ
وقال آخر: [من المجتث]
أمَّا العدو فيُبدي ... ما عنده ويكاشفْ
لكنْ توقَّ وحاذرْ ... من الصديق المُلاطفْ
وقال ابن الوردي (١): [من الرَّمَل]
لا يَغُرنَّكَ لِينٌ من فتى ... إنَّ للحيَّاتِ لِينًا يُعتَزل
وقلتُ في المعنى: [من الكامل]
لا تَطمئنَ بلَيِّنٍ فلكم ... مِنْ ليِّنٍ قد فتَّتَ القاسي
وانظر إذا استغربتَ قوليَ في ... فعلِ الرصَاصِ بمعدنِ المَاسِ
وفي الحديث: "أخوكَ البِكْري ولا تأْمنه" (٢). قوله: " أخوك" هكذا
стр. 47
الرواية" وكان القياس: أخاك؛ لأنَّ المقام مقامُ التحذير.
قال العزيزي (١): وهو مبتدأ. وقوله: "البكري" نعت له، والخبر محذوف تقديره يُخاف منه. وقال الخطابي: هذا مثل مشهور عند العرب، وفي هذا الحديث إثبات الحذر واستعمال سوء الظن إذا كان على وجه السلامة. اهـ.
قوله: (واستعمال سوء الظن)، اعلم أن سوء الظن بالأخ المسلم حرام؛ لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، فما ورد من الأحاديث مما ظاهره يخالف ذلك كهذا الحديث، وحديث: "الحزم سوء الظن بالناس" (٢) محمول على معاملة الأصدقاء معاملة من يُساء به الظن مع حسن الظن بهم، فإنْ تَرَكَ ذلك كان تاركًا
стр. 48
للحزم فلربما ندم على تركه حيث لا ينفعه الندم. وعلى ما تقدَّم يُحمل، مثل قول الشاعر: [من الرمل]
لا يكُنْ ظَنُّكَ إلاَّ سيِّئًا ... إنَّ سُوء الظنِّ مِنْ أقوى الفِطَنْ
ما رمى الِإنسانَ في مَهلَكَةٍ ... غير حُسْنِ الظنِّ والفِعْلُ الحَسَنْ
وقوله في الحديث: "البِكري" -بكسر الباء- هو أول ولد الوالدين، فهذا لا تأمنه فضلاً عن الأجنبي.
وفي الحديث أيضًا: "أُخْبُرْ تَقلُه" (١)، قوله: "أخْبُر" بإسكان الخاء المعجمة وضم الموحدة، وقوله "تُقْلُه" بتثليث اللام كما قاله العزيزي (٢)، وهو من القلى وهو البغض. قلت: والأمر فيه بمعنى الخبر كما في قوله: "إذا لم تَسْتَحِ فاصنَع ما شِئتَ" (٣)، أي؛ صنعتَ، وهنا معناه إذا اختبرت الناس قليتهم لما يظهر لك من سوء بواطنهم، وحُذف معمولُ الخبر لِإرادة العموم؛ لأنَّ حذف المعمول يؤذن بالعموم، والتقدير أخبر من شئت أو أي صاحب. والهاء في قوله: "تقله" هاء السكت، ويصح أن تكون ضميرًا
عائدًا على المعمول المقدَّر، أي: أخبر صاحبك تقله.
стр. 49
وفي المعنى قول الشاعر: [من البسيط]
جَرَّبتُ دهري وأهليه فما تَرَكَتْ ... ليَ التجاربُ في ودِّ امرئٍ غَرضَا
ويرحم الله أبا نُوَاس حيث يقول (١): [من الطويل]
إذا اختبرَ الدنيا لبيبٌ تكشَّفتْ ... له عن عدوٍّ في ثيابِ صديقِ
وقال آخر: [من الطويل]
وزهَّدني في الناسِ معرفتي بهم ... وطولُ اختباري صاحبًا بعد صاحبِ
فلم تُرني الأيامُ خِلاًّ تَسرُّني ... مباديه إلاَّ ساءني في العواقبِ
وقال آخر: [من الطويل]
وقد كان حُسْنُ الظن بعضَ مذاهبي ... فأذهبه هذا الزمانُ وأهلهُ
وقال آخر: [من مجزوء الخفيف]
جَنِّب الناس جانبا ... وارْضَ باللهِ صَاحِبَا
قَلِّب الناسَ كيف شئـ ... ـتَ تجدهم عَقَاربَا
وقال آخر: [من المجتث]
الناسُ بحرٌ عميقٌ ... والبُعْدُ عنهم سَفينهْ
وقد نصحتُكَ فانظرْ ... لنفسكَ المسكينهْ
وقال آخر: [من الكامل]
جرَّبتُهم فإذا المُعَاقرُ عَاقرٌ ... والآلُ آلٌ والحَميمُ حَميم
стр. 50
وقلت في المعنى: [من الوافر]
لقد جرَّبتُ أصحابي فكانوا ... على التجريب من شَوكِ القَتَادِ
قليتُهمُ فباتوا يسلُقوني ... إذا غابوا بِأَلسِنَةٍ حِدَادِ
وقلتُ أيضًا: [من الوافر]
إلى ذي العدلِ أشكو من أناسٍ ... إذا قابلتُهم كانوا مَرآئي
وإن غابوا عن العينين عادوا ... مَقاريضًا لعِرْضي في الخَلاءِ
وقوله في الحديث: "عسى أن يكون بغيضك" عسى هذه من أفعال المقاربة، وهي فعلٌ ماضٍ جامد، وفيه ترجٍّ وطمع، وعمله عمل كان، كما قال في الخلاصة (١): [من الرجز]
ككانَ كادَ وعسى لكنْ نَدَرْ ... غَيرُ مضارع لهذَيْنِ خَبَرْ
وتكون مثل كان ناقصةً وتامة، فالناقصة مثل قولك: عسى زيد أن يقوم، والتامة مثل: عسى أن يقوم زيد، فجملة أن يقوم فاعل، والتقدير:
قارب قيام زيد. فإن قيل: أين يكون الفاعل جملة في اللفظ؟ فقل: مثل أن المصدرية توصَل بالفعل، وكما تكون عسى للترجِّي والطمع كذلك تكون بمعنى اليقين، كما في المصباح (٢).
وقال بعضهم: إنَّ كاد تختصُّ عن أخواتها يكون إثباتها يكون نفيًا ونفيها إثباتًا، وعلى ذلك قول أبي العلاء المعرِّي: [من الطويل]
أنحْويَّ هذا العصرِ ما هي لَفظةٌ ... جَرَتْ في لسانَيْ جُرهُمٍ وثمودِ؟
стр. 51
إذا استُعملتْ في حالة الجَحْد أثْبتَتْ ... وإن أُثبِتَتْ قامتْ مقام جُحودِ
ومما يؤيد ما ذكره ما حُكي أن ذا الرُّمة (١) -وهو غيلان صاحب ميَّة- لما أنشد قوله (٢): [من الطويل]
إذا غيَّر الهَجْرُ المحبينَ لم يكد ... رسيسُ الهوى من حُبِّ مَيَّةَ يَبرحُ
اعترضه السامعون بأن كاد إثباتها نفي ونفيها إثبات، وأنَّ الواقع في بيته منفي فيكون مثبَتًا، ويصير المعنى: أنَّ رسيس الهوى قد زال من حب ميّة، مع أنَّ مراده دعوى عدم ذهابه. وأنَّ ذا الرُّمَّة لما سمع اعتراضهم سَلَّم فغيَّر قوله: لم يكد بلم تجد.
وقال المحققون: إن كاد كغيرها من الأفعال نفيًا وإثباتًا وأنَّ المعترض مخطئ وأنَّ تسليم ذي الرمة له خطأ والصواب بقاء البيت على ما هو عليه. ويكون معناه: لم يقرب رسيس الهوى من الزوال إذا زال
حب المحبِّين من البعاد بل قوله أبلغ من قولكم: لم يبرح رسيس الهوى، وذلك لأن مقاربة الزوال إذا انتفت، فالزوال من باب أولى. ومثله قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، وهو في الآية أبلغ من لم يرها لما عرفتَ، ولأن من لم يرَ قد يقاربُ الرؤية.
وقالوا: إن عسى لا تكون من الله تعالى إلاَّ واجبة، ومثلها لعلَّ
стр. 52
لاستحالة التوقُّعُ والطمع عليه تعالى، والتحقيق: أنَّ عسى ولعلَّ إذا وقعتا في كلامه تعالى كانتا على معناهما الأصلي وهو التوقُّعُ والطمع ويكون ذلك بالنسبة إلى المخاطَبين لا بالنسبة للمتكلِّم، كما قال تعالى لموسى وهارون ﵉: (﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٤]،
والمعنى أنَّ كُلاًّ من تَذَكُّرِه وخشيته متوقَّعٌ ومظنون لكما، والذي في علمي القديم أنه لا يتذكَّر ولا يخشى، ولكن أرسلتكما إليه لئلا يكون للناس على الله حجَّة بعد الرسل.
وقوله في الحديث: "وأبغض بغيضكَ" بهمزة القطع لأنه رباعي، يُقال: أَبغضَ زيدٌ عمرًا، قال في المصباح (١): قالوا: ولا يقال: بَغَضْتُه بغير ألف. اهـ.
قلت: وتعبيره بصيغة التبرِّي تشير إلى أنَّ بَغَضَه لغةٌ. أقول: ويشهد له ما في الحديث وهو قوله: "بغيضك" لأنَّ صفة فعيل لا تصاغ إلاَّ من ثلاثي، لكن الإنسب في الحديث أن يكون رباعيًّا، وتكون همزته همزة قطع ليشاكل قوله فيها قوله: "أحبب". ولا يخفى أنَّ المشاكلة من أنواع البديع.
وفي الحديث أيضًا من أنواع البديع الطباق بين قوله: "حبيبك" و"بغيضك" و"أحبب" و"أبغض"، وفيه الاشتقاق بين "أحبب" و"حبيبك" و"أبغض" و"بغيضك"، وفيه الفرائد: وهو الِإتيان بلفظة لا يقوم غيرُها مقامها، وهي في الحديث لفظ: "ما"، وفيه الانسجام والِإيجاز، وفيه الموازنة بين قوله: "أحبب حبيبك" و"أبغض بغيضك"،
стр. 53
وفيه المجاز كما عرفتَهُ مما تقدَّم. فهذه ثمانية أنواع من البديع، وفيه غيرها.
وأما رتبة هذا الحديث فالحُسْنُ (١)، كما ذكره العزيزي (٢) عن شيخه (٣). واعلم أنَّ الحديث الحَسَنُ قسمان: حَسَن لغيره: وهو ما في رجاله مستور لم تحقق أهليته وليس بمغفَّل ولا متَّهم وعُرِفَ متنه بأن يُروى من وجه آخر، والثاني: حَسَنٌ لذاته: وهو ما كان راويه مشهورًا بالصدق لكنه مقصر عن رجال الصحيح في الحفظ وهو مرتفع عن حال من يُعَدُّ تفرُّده منكرًا.
واللهَ أسألُ أنْ يَمُنَّ علينا بحبِّه وحبِّ مَنْ مَنَّ عليه بحبِّه، وأن يحفظنا مما يوجب بغضه من الآثام، وأن يتفضَّل علينا وعلى أحبابنا بحُسْن الختام. وقد قيَّدتُ هذه الشوارد بالكتابة خوفًا من شرودها من الأفكار التي تبلبلت، والأهوال التي تسلسلت، وكفى بعصرنا هذا عذرًا لكل معتذر، وعظة لكلِّ مدَّكر، نسأل الله فيه المعافاة الدائمة، وحفظ الدِّين وحُسْنَ الخاتمة بوسيلة من كان للأنبياء خير ختام، عليه من الله تعالى أفضل الصلاة والسلام (٤).