Полный текст (49 стр.). Показаны 36–49 · переход к 41.
стр. 36
لكنه لم يعيِّن الرادَّ حتى يُبْحَث عن حالِهِ، والحقُّ: أنَّ قوله: الحق، ليس بحق (١) .
ثم رأيتُ الدمْيَاطي (٢) قد نَقَلَ كلام القُهُسْتَاني في حاشيتِهِ "تعاليق الأنوار على الدُّرِّ المختار"، والعَجَب أنَّه سَكَتَ عليه.
المقامُ الرابع:
الاعتكاف على تقدير كونه سُنَّةُ كفاية كما هو الحق، هل هو سُنَّة كفايةٍ على أهلِ البلدة (٣) ، كَصَلاة الجنازة (٤) ، أم سُنَّة كفايةٍ على أهلِ كُلِّ مَحلَّةٍ، كصلاةِ التراويح بالجمَاعة (٥) ؟ الحواشي
(١) قوله (ليس بحق): لأنَّ الاعتكاف لو كان سُنَّة العين لما تَرَكَه الصحابة ﵃، ولأَنكَرَه ﷺ على مَنْ تركه بغير عذرٍ، كإنكاره على تاركي السنن.(٢) قوله (الدِّمْياطي): هو عبد المولى بن عبد الله الدِّميَاطي، تلميذ السيد أحمد الطَّحْطَاوي الحنفي، له حاشيةٌ نفيسة مسمَّاة بـ "تعاليق الأنوار على الدُّر المختار"، شَرعَ في تأليفها ليلة الأربعاء لخمس وعشرين مَضَتْ من ذي الحجَّة سنة اثنتين وثلاثين بعد الألف والمائتين، وفَرَغ عند يوم الجمعة ثالث جمادى الثانية سنة ثمان وثلاثين بعد الألف والمائتين، ولم أطلع على تاريخ ولادته ووفاته، كذا في "التعليقات السنية على الفوائد البهية" (ص ١٣ - ١٤) للأستاذ العلامة.(٣) قوله (على أهل البلدة): حتى لو ترك أهل بلدةٍ بأَسْرهم أساؤوا وأثموا جميعًا، وإلَّا فلا.(٤) قوله (كصلاة الجنازة): فإنَّها تسقطُ عن أهل بلدةٍ بأداء البعض، ولو تركوها يلحقهم الإساءة.(٥) قوله (كصلاة التراويح بالجماعة): قيل: إنَّ الجماعةَ فيه سُنَّة لأهل كلِّ مسجد من البلدة، وقيل: لأهل مسجد واحد منها، وقيل: من المحلة، فظاهر كلام =стр. 37
فظاهِرُ عباراتهم يَقْتضي الأول، ففي "مَجْمَع الأَنْهُر شرحُ مُلْتَقَى الأَبْحُر" (١) عند ذكر الأقوال: وقيل: سنَّةٌ على الكفاية، حتى لو تَرَكَ أهل بلدة بأَسْرِهم يلحقهم الإِسَاءَة، وإلَّا فلا، كالتأْذين (٢) . انتهى. الحواشي
(١) قوله (مجمع الأنْهُر): لعبد الرحمن بن شيخ محمَّد بن سليمان المدعو بشيخ زاده، المتوفى سنة ثمان وسبعين بعد الألف، كما ذكره في "الكشف" (٢: ١٨١٥)، وهو مشتَمِلٌ على المجلَّدين، كتب في آخر المجلَّد الأول: وقد انتهى هذا النِّصْف الأول من شرح "مُلتقى الأبحر"(٣٩) في يوم الخميس رابع عشر من ذي القعدة الشريفة لسنة سبعين وألف، وكتب في خاتمةِ المجلد الثاني: وقد انتهى هذا الشَّرح، وتمَّ بفضله تعالى ببلدة أَدَرْنة قاضيًا بعساكر في ولاية روم إِيلي في ليلةِ الخميس في اليوم التاسع عشر من جُمادى الآخرة من شهور سنة سبع وسبعين وألف من هجرةِ مَنْ له العزُّ والشَّرف. انتهى ملخصًا.(٢) قوله (كالتأذين): فإنَّه ليس بواجب على الأصح، بل هو سُنَّةٌ كفاية، بمعنى: أنَّ الواحدَ يكفي عن أهل البلدِ لا عن البلاد كلِّها، لعدم حُصولِ الإِظْهارِ به.
فإن قلتَ: قد يُستفاد من كلام محمَّد ﵀ أنَّه واجبٌ، حيث نقلوا عنه أنه قال: لو اجتمع أهل بلدة على تركه قاتلتهم، ولو تركَهُ واحدٌ ضربتُه وحَبَسْتُهُ.
قلتُ: إنَّ محمدًا ﵀ لا يخصُّ الحكمَ المذكرر بالواجب، بل هو في سائر السّنن، كذا قال الطحْطَاوي.
_________(٣٩) "ملتقى الأبحر" للإمام إبراهيم بن محمَّد الحلبي المتوفى سنة ٩٥٦ رحمه الله تعالى.стр. 38
وقال الطَّحْطَاويُّ (١) في شرح قول الحَصْكَفي: أي سُنَّة كفاية، إذا قام بها البعض، ولو فردٌ أُسْقِطَتْ عن الباقين. انتهى.
ومثلُه في "شرح النُّقَاية" لعليٍّ القاري (٢) وغيره. الحواشي
(١) قوله (الطَّحْطَاوي): أي السيِّد أحمد الطحْطَاوي، مُحَشِّي "الدر المختار"، من رجال المائة الثالثة عشر(٤٠) ، كما يظهرُ من كتاب الإِجَارات من "رد المحتار على الدر المختار" لمحمد أمين بن عابدين الشامي، المتوفى سنة ١٢٥٢.(٢) قوله (لعليٍّ القاري): أي علي بن سُلطان محمَّد الهروي، نزيل مكة، المعروف بالقاري الحنفي، مات بمكة في شوال سنة أربع عشر بعد الألف، وقد أُعجب الفاضل القِنَّوجي(٤١) رئيس بهوفال في تصانيفِه، حيث أرَّخ وفاته في موضعٍ منها بسنة عشرة بعد الألف، وفي موضع آخر بسنة أربع عشرة، وفي موضع آخر منها بسنة أربع وأربعين، ولا عَجَبَ منه، فإنَّه غيرُ ملتزم الصحة، جامع لكل يابسة ورَطْبة، كما شَهدت به أنصاره بارتضائه، وأقرَّ هو أيضًا به، وللهِ درُّ الأستاذ العلَّام، حيث أظهر مَكَايِدهُ، وَبيَّنَ مفاسِدَهُ في تصانيفه، كـ "إبراز الغي"، =
_________(٤٠) هو العلامة الفقيه الشيخ أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الطحْطَاوي، وربما قيل: الطهطاوي، وُلد بِطَحطا (وهي طهطا) بالقرب من أسيوط بمصر، وتعلَّم بالأزهر، ثم تقلَّد مشيخة الحنفية، وخلعَه بعضُ المشايخ، وأُعيد إليها، فاستمرَّ إلى أن تُوفي بالقاهرة خامس عشر شهر رجب سنة ١٢٣١ رحمه الله تعالى، وقد اشتهر بكتابه "حاشية الدر المختار" طبع في أربع مجلدات، وحاشية على "نور الإيضاح". له ترجمة في "حلية البشر" ١: ٢٨١، و"فهرس الفهارس" ١: ٤٦٧، و"الأعلام" ١: ٢٤٥.(٤١) هو الأمير صديق حسن خان القنُّوجي البهوبالي الأثري المولود سنة ١٢٤٨، والمتوفى سنة ١٣٠٧ رحمه الله تعالى، ولعصريِّه أبي الحسنات اللكنوي تعقُّبات وردودٌ عليه، منها: "إبراز الغي الواقع في شفاء العي"، و"تذكرة الراشد بردِّ تبْصرة الناقد"، و"تنبيه أرباب الخِبْرة على مسامحات مؤلِّف الحِطَّة"، وكلها مطبوعة.стр. 39
المقام الخامس:
هل هو سُنَّة مؤكَّدة مُطْلقًا؟ أم في العشر الأواخر من رمضان ؟
قولان نقلهما في "مَجْمَعِ الأنْهُر"، وقد مَال إلياس زادَه في "شرح النُّقاية" (١) إلى الأول، وتفصيل الزَّيْلعي الذي دَارَ عليه مَدَار الحق يقتضي أنَّه سُنَّة مُؤَكَّدةٌ في العَشْرِ الأواخرِ من رمضان، ومُسْتَحَبٌّ في غيره.
وقال العلامة الهدّاد الجُونفوري (٢) في "حاشيَة الهداية": لا شَكَّ أنَّ الاعتكافَ في نفسِ الأمر مُسْتَحَب، إنَّما السُّنَّة في العَشْر الأواخر من رمضان.
المقام السادس:
هل السنَّة اسْتيعابُ العشر الأواخر من رمضان بالاعتكاف ؟ أم الحواشي
(١) قوله "شرح النُّقَاية": لمحمود بن إلياس الرُّومي، أتمَّه في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، كذا في "كشف الظنون" (٢: ١٩٧١).(٢) قوله (الهداد الجُونْفُوري): هو من مريدي راجي أحمد شاه، وهو من مشايخ جونفُور في زمان السُّلطان إسكندر، وقد طَلَبه من جُونْفُور إلى دِهلي، وأقامَ هناك مدةً إلى أنْ تُوفي في ربيع الأول سنة تسع وتسعمائة، وهو مِن تلامذةِ القاضي شِهاب الدين الدَّوْلت آبادي بواسطة واحدة، كذا في "أخبار الأخيار" للشيخ الدهلوي، وفي "سُبْحة المرجان" لغلام علي آزاد البلجرامي: أنَّه من تلامذةِ عبد الله التُّلنبي(٤٢) ، مؤلِّف "بديع الميزان"، ومن مصنَّفاته: "حاشية الهداية"، و"الحاشية على تفسير المدارك"، و"حاشية البزدوي".
_________(٤٢) نسبة إلى تُلنبه بضم الفوقية، قرية من أعمال ملتان، توفي سنة ٩٢٢، كما في "نزهة الخواطر"٤: ١٨٢.стр. 40
الاعتكاف في جُزْء منه؟
الظاهر هو الأول؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فعلَ كذلك دائمًا.
ثم رأيتُ في حاشية "الهداية" للجُونفوري، قال: الظاهر أنَّ السنَّة هو استيعابُ العَشْرِ الأواخر مِن رمضان بالاعتكاف، لا الاعتكاف في العَشْر، ولو في جُزءٍ منه، روى به الإِمام شِهَاب المِلَّة والدين (١) ، نوَّرَ الله مرقَدَه؛ إذ المواظَبَة من النبيِّ ﷺ كانت على سبيلِ الاستيعاب، فيكون سنةً مع وصفِ الاستيعاب، ثم قال: ولقائلٍ أن يقول: إنَّه وإنْ واظَبَ بصفَة الاستيعابِ، فالقولُ بِسُنية استيعابِ العَشْر الأوَاخِرِ من رمضان بالاعتكاف يؤدِّي إلى الحَرَج؛ لظهور أنَّ الرجالَ لو اعتكفُوا في المساجد، والنِّساء في دُورِهنَّ لم يكن مَنْ يقوم بأمر معاشِهِم، وفيه من الحَرَج ما لا يَخْفى، فَلِهَذِهِ الضَّرورة جَعَلنَا السُّنَّةَ وهو اللُّبْثُ في العَشْر، ولو بِجُزْء منه (٢) دونَ الاستيعاب. الحواشي
(١) قوله (شهاب المِلَّة والدين): هو مَلكُ العلماء أحمد شهاب الدين بن شمس الدين عمر الزاولي الدولت آبادي، والدولت آباد محلة من دِهْلي، دار ملوك الهند، توفي في سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وقيل: سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، ودُفن بجونفور. ومن تصانيفه: "البحر الموَّاج" تفسير بالفارسية، و "شرح قصيدة بانَتْ سُعَاد"، و"شرح الكافية"، و"مناقب السَّادات"، و "فتاوى إبراهيم شاهي"، وغيرها، كذا في "سُبْحة المرجان"، وقد عُدَّت فتاوى إبراهيم شاهي من الكتب غير المعتبرة، كما نقله عبد القادر البدايوني في "منتخب التواريخ" عن أستاذه العلامة أجلِّ علماء العهد الأكبري الشيخ حاتم السُّنبهلي، المتوفى في سنة ثمان وستين بعد التسعمائة، كذا في "مقدمة عُمْدة الرِّعاية" للأستاذ العلامة.(٢) قوله (ولو بجُزءٍ منه): لا يخفى على مَنْ تَشَرَّف بمطالعةِ كتب الحديث أنَّ =стр. 41
ثم قال: وَمَا يقال مِنْ أَنَّ السُّنَّة هي استيعاب العشر، لكن على وجهِ الكفاية، حتى لو قام بها البعض سَقَط عن الباقين، ففيه نظر؛ لأنَّ القول بالكفاية إنَّما يَصِحُّ إذا كان فعلُ البعض مُؤدِّيًا للمقْصُود من السُّنَّة أو الوجوب، والمقْصود من الاعتكاف لا يحصل بفعل البعض، فلا معنى بكونه سُنَّةً على وجه الكفاية. انتهى.
قلت: الحق أنَّ استيعابَ العشر سُنَّةُ كفاية، فلا يحصل الحَرَج. وما أورده من النظر، ففيه نظرة إذ المقصودُ من الاعتكاف هو أداءُ حقوقُ المَسَاجد، وذلك يحصل بفعل البعض، كَمَا أنَّ المقصودَ من صلاة الجنَازة أداءُ حقِّ المسلم، وذلكَ يحصلُ بفعل البعض، وإنْ كان فردًا منهم فَلْيُتَدَبَّر.
فقد ثَبَتَ من هذه المَقَامَات: أنَّ الاعتكافَ في نفسِه مُسْتَحَبٌّ،
الحواشي
(٤٣) .
_________(٤٣) أقلُّ مدة الاعتكاف عند أكثر الفقهاء: لحظة، جاء في "الدر المخْتار" ١: ٤٤٥: "وأقله نفلًا ساعة من ليل أو نهار عند محمَّد، وهو ظاهر الرواية عن الإِمام، وبه يُفتى، والساعة في عُرف الفقهاء جزءٌ من الزمان لا جزء من أربعة وعشرين كما يقول المنجِّمون". وفي "المجموع" للنووي ٦: ٤٨٩: "الصحيح المنصوص الذي قَطَع به الجمهور: أنه يشترط لبث في المسجد، وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة ... ".
وهناك رواية ثانية عن أبي حنيفة أن أقل مدة الاعتكاف: يوم (الهداية ٢: ٣٩١، والاختيار ١: ١٣٦)، وبه قال بعض المالكية، وهو وجْهٌ عند الشافعية (روضة الطالبين ٢: ٣٩١).стр. 42
ويجبُ بالنَّذْرِ وغيره، وهو سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ كفاية في العَشْر الأواخر من رمضان على سبيلِ الاستيعاب.
فإن قلت: ما السرُّ في اعتكاف النبي ﷺ في العَشْر الأواخر استيعابًا دونَ غيره من الأزمنة (١) ؟
قلت: لأخذِ فضيلةِ ليلة القدر (٢) ، فإنَّها في العَشْرِ الأواخر من الحواشي
(١) قوله (فإن قلتَ: ما السرُّ ...): فإن قلتَ: ما الحكمةُ في إخفاء ليلة القدر، قلتُ: لتحصيل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عُيِّنَتْ لها ليلة لاقْتُصر عليها، كما في ساعةِ الإِجابةِ من يوم الجمعة، وهذه الحكمةُ مُطَّرِدةٌ عندَ من يقول: إنَّها في طول السَّنة، أو في جميع رمضان، أو في جميعِ العشرِ الأخير، أو في أوتاره خاصة، كذا في "الفتح"(٤٤) .(٢) قوله (ليلة القَدْر): بفتح القاف وسكون الدال، سُمِّيت بذلك لِعِظَم قدْرها؛ أي: ذات القَدْر العظيم؛ لأن القرآن قد نَزَل فيها؛ ولأن الله تعالى قد وَصَفها في كتابه القديم بأنَّها ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ولأنَّ منْ أحيَاها بالعبادةِ يحصل له من القَدْر الجسيم، أو لأنَّ الأشياء تُقَدَّر فيها وتُقْضَى، كما قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
وقيل: بفتح الدال على أنَّه مصدر قَدَّر الله الشيء قَدْرًا وقَدَرًا، وفيه لغتان، كالنَّهْر والنَّهَر، كذا في "إرشاد السَّاري"(٤٥) للعلَّامة القَسْطَلاني المتوفى سنة تسعمائة وثلاث وعشرين لا سنة تسعمائة وعشرين كما صَدَر عن غيرِ مُلْتَزِمِ الصحة القِنَّوجي البُهوفالي في بعض تصانيفه، فإنَّه غَلَطٌ صريح، كما أنَّ قوله في "أبجد العلوم": إنَّ ابن حجر صاحب "فتح الباري" مات سنة ٨٥٨ غلطٌ قبيح، فإنَّ وفاتَه كانت سنة ٨٥٢.
_________(٤٤) فتح الباري ٤: ٢٦٦.(٤٥) إرشاد الساري ٣: ٤٢٩.стр. 43
رمضان على القول الأصحِّ الأشْهَرِ، وفي تعيينها اختلافٌ كثير على أكثر من أربعين قولًا (١) ، بَسَطَها الحافظ ابن حجر الحواشي
(١) قوله (على أكثر من أربعين): قال الحافظ في "الفتح": وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافًا كثيرًا. قال ابن العربي: الصحيح أنَّها لا تُعلم، وأنكر هذا النووي، وقال: قد تظاهَرَت الأحاديث بإمكان العلم بها، وأخبر به جماعةٌ من الصالحين، فلا معنى لإِنكار ذلك.
وبالجملة: تَحصَّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولًا، كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشتركتا في إخفاء كلٍّ منها ليقعَ الجِدُّ في طلبهما.
القول الأول: أنها رُفِعَت أصْلًا ورأسًا، حكاه المتولي في "التتمة" عن الروافض، والفاكِهَانيُّ في "شرح العمدة" عن الحنفية، وكأنَّه خطأٌ منه، والذي حكاه السُّروجي أنَّه قول الشيعة.
الثاني: أنها خاصَّةٌ بسنةٍ واحدة وقعت في زمنِ رسول الله ﷺ ، حكاه الفاكِهانيُّ أيضًا.
الثالث: أنَّها خاصَّة بهذه الأمة، ولم تكن فيمن قبلهم، جَزَمَ به ابنُ حَبيب وغيرُهُ من المالكية، ونَقَله عن الجمهور صاحبُ "العمدة" من الشافعية، ورجحه.
الرابع: أنها مُمكنةٌ في جميع السَّنَة، وهو قولٌ مشهورٌ عن الحنفية، حكاه قاضي خان، وأبو بكر الرازي منهم.
الخامس: أنَّها مختصَّة برمضان، مُمكنةٌ في جميع لياليه، وهو قولُ ابن عمر، ومرويٌّ عن أبي حنيفة، وقال بِهِ ابنُ المنذر، والمحاملي، وبعض الشافعية، وَرَجَّحه السُّبْكي، وحكاه ابن الحَاجب.
السادس: أنَّها في ليلةٍ معيَّنة مُبْهمة، قاله النَّسَفي في "منظومته".
السابع: أنَّها أولُ ليلةٍ من رمضان، حكي عن أبي رَزينِ العُقيلي الصحابي، ورواه ابن أبي عاصم عن أنس. =стр. 44
...............................................
الحواشي
(١) _
[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]
= الثامن: أنَّها ليلة النصف من رمضان، حكاه شيخنا ابنُ الملقِّن في "شرح العمدة".
التاسع: أنها ليلةُ النصف من شعبان، حكاه القرطبي في "المُفْهم"، وكذا نقله السُّروجي عن صَاحب "الطِّراز"، ثم رأيتُ في شرح السُّروجي عن "المحيط" أنها في النصف الأخير.
العاشر: أنَّها ليلة سبع عشرة من رمضان، رواه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم، وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود أيضًا.
الحادي عشر: أنَّها مُبْهَمة في العَشْر الوسط، حكاه النوويُّ، وعزَاه الطبري إلى عثمان بن أبي العاص والحسن البصري، وقال به بعض الشافعية.
الثاني عشر: أنَّها ليلة ثمان عشرة، قرأتُهُ بخط القُطْب الحلبي في شرحه، وذكره ابنُ الجوزي في "مُشْكله".
الثالث عشر: أنَّها ليلة تسع عشرة، رواه عبد الرزاق عن علي ﵁، وعَزَاه الطبريُّ إلى زيد بن ثابت، وَوَصله الطحاويُّ عن ابن مسعود.
الرابع عشر: أنَّها أوَّلُ ليلةٍ من العَشْر الأخير، وإليه مَالَ الشافعي، وجَزَمَ به جماعةٌ من أصحابه، ولكن قال السُّبْكي: إنَّه ليس مجزومًا به عندهم.
الخامس عشر: مثل الذي قبله، إلَّا أنها إن كان الشهر تامًّا، فهي ليلة العشرين، وإن كان ناقصًا، فهي ليلة إحدى وعشرين، وهكذا في جميع العَشْر، وهو قولُ ابنِ حزم، ودليلُه ما رواه أحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن أُنيس.
السادس عشر: أنَّها ليلة اثنين وعشرين، ودليله ما أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن أنيس أيضًا.
السابع عشر: أنَّها ليلة ثلاث وعشرين، رواه مسلم عن عبد الله بن أُنيس مرفوعًا، ورواه ابن أبي شيبة عن معاوية، ورواه إسحاق في مسنده من طريق أبي حازم، وعبد الرزاق عن مَعْمَر، ومن طريق يونس بن سيف أيضًا. =стр. 45
..........................................................
الحواشي
(٤٦) ، وروى الطيالسي من طريق أبي نَضْرة، وروي ذلك عن ابن مسعود، والشعبي، والحسن، وقَتَادة، وحجَّتُهم حديث واثلة، وما رواه أحمد من طريق ابن لَهيعة.
التاسع عشر: أنَّها ليلةُ خمس وعشرين، حكاه ابن العربي في "العارضة"، وعزاهُ ابنُ الجوزي في "المُشْكل" إلى أبي بكرة.
القول الموفي للعشرين: أنَّها ليلةُ ستٍّ وعشرين، وهو قول لم أره صريحًا سوى ما قاله عياض.
الحادي والعشرون: أنَّها ليلة سبع وعشرين، وهو الجادَّة من مذهب أحمد، ورواية عن أبي حنيفة، وبِهِ جَزَمَ أُبي بن كعب، وحكاه صاحب "الحلية" من الشافعية عن أكثر العلماء.
الثاني والعشرون: أنَّها ليلة ثمان وعشرين، وقد تقدَّم توجيهُه قبل بقول.
الثالث والعشرون: أنها ليلة تسع وعشرين، حكاه ابن العربي.
الرابع والعشرون: أنَّها ليلة الثلاثين، حكاه عِيَاض والسُّروجي في "شرح الهداية"، ورواه محمَّد بن نصر والطبري عن معاوية، وأحمد من طريق أبي سَلَمَة عن أبي هريرة.
الخامس والعشرون: أنها في أوتار العشر الأخير، وعليه يَدُلُّ حديث عائشة وغيرها، وهو أرجحُ الأقوال، وصَارَ إليه أبو ثور والمُزَني وابنُ خُزيمة وجماعةٌ من علماء المذهب. =
_________(٤٦) روى البخاري(٢٠٢٢) عن ابن عباس ﵄: "التمسوا في أربع وعشرين" يعني ليلة القدر.
قال العراقي في "طرح التثريب" ٤: ١٥٥: "ذَكَرَهُ عَقِبَ حديثه: "هي في العشر في سبع تمضين أو سبع تبقين" وظاهرُه أنَّه تفسيرٌ للحديث، فيكون عمدة. وفي مسند أحمد عن بلال أن رسول الله ﷺ قال: "ليلة القدر ليلة أربع وعشرين".стр. 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٧) ، ويخرَّج من ذلك القول الثاني والثلاثون.
الثالث والثلاثون: أنَّها تتَنَقَّل في النصف الأخير، ذكره صاحب و"المحيط" عن أبي يوسُف ومحمد، وحكاه إمام الحرمين عن صاحب "التقريب".
الرابع والثلاثون: أنَّها ليلةُ ست عشرة أو سبع عشرة، رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث عبد الله بن الزبير.
الخامس والثلاثون: أنَّها ليلة سَبْع عشرة أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين، رواه سعيد بن منصور من حديث أنس بإسناد ضعيف. =
_________(٤٧) في قوله ﷺ : "فمن كان متحريها فلْيَتَحرَّها في السبع الأواخر". قال الحافظ ٤: ٢٥٦: الظاهر أنَّ المرادَ به أواخر الشهر.
وقيل: المراد به السبع التي أوَّلها ليلة الثاني والعشرين، وآخرها: ليلة الثامن والعشرين، فعلى الأول: لا تدخل ليلة إحدى عشرين ولا ثالث عشرين، وعلى الثاني: تدخل الثانية فقط، ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين". انتهى.стр. 47
..........................................................
الحواشي
(٤٨) .
الحادي والأربعون: أنَّها مُنحصرة في السبع الأواخر من رمضان؛ لحديث ابن عمر(٤٩) في الباب الذي قبله.
الثاني والأربعون: أنها ليلة اثنين وعشرين أو ثلاث وعشرين، لحديث عبد الله بن أُنيس عند أحمد.
الثالث والأربعون: أنَّها في أشفاع العشر الوسط، والعشر الأخير، قرأتُه بخط مُغلطاي.
الرابع والأربعون: أنها ليلةُ الثالثة من العشر الأواخر، أو الخامسة منه، رواه =
_________(٤٨) في قوله ﷺ : "فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" رواه البخاري في فضل ليلة القدر ٤: ٢٦٧(٢٠٢٣) .(٤٩) في قوله ﷺ : "فمن كان متحرِّيَها فَلْيَتَحَرَّها في السبع الأواخر" رواه البخاري(٢٠١٥) .стр. 48
العسقلاني (١) في "فتح الباري شرح صحيح البخاري" فعليكَ بِهِ، والله أعلم. الحواشي
(٥٠) ، أوردْناه مُخْتَصرًا.(١) قوله (الحافظ ابن حجر): هو إمام الحفاظ، أبو الفَضْل أحمد بن علي بن محمَّد العسقلاني المصري الشافعي، وُلد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وتوفي في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة على ما ذكره السُّيوطي في "حُسْن المُحَاضَرة".
وقال الأستاذ في "التعليقات السنية" (ص ١٦): وقد طالعتُ من تصانيفه: "الدُّرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"، و"المجمع المؤسَّس"، و"تهذيب التهذيب"، و"تقريب التهذيب"، و"لسان الميزان"، و"الإِصابة في أحوال الصحابة"، و"نخبة الفكر"، وشرحه، و"التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الوجيز الكبير"، و"تخريج أحاديث الأذكار"، و"تخريج أحاديث الهداية" واسمه: "الدراية"، و"بذل الماعُون في فضل الطاعون"، و"القول المُسَدَّد في الذبِّ عن مُسْند أحمد"، و"فتح البَاري شرح صحيح البخاري"، ومقدمته: "الهدي الساري"، و"الخصال المكفرة للذنوب المقدَّمة والمؤخَّرة"، ورسالة في تعدد الجمعة ببلد واحد، وله "نكت على مقدمة ابن الصلاح"، و"رجال الأربعة"، و"تقريب المنهج بترتيب المدرج" وغير ذلك. انتهى.
وقد أخطأ بعض أفاضل قنوج في بعض رسائله، وبعض علماء دهلي في فتوى
_________(٥٠) فتح الباري ٤: ٢٦٢ - ٢٦٦.стр. 49
قال مؤلِّفُهُ: هذا آخر ما ألهمني ربي للتحرير في هذا المطْلَب المُنيف، ولم يَسْبِقْني أحدٌ في تَنْقيح هذا المَبْحث الشَّريف، فَلِلَّهِ الحمدُ.
وقد وَقَعَ الفراغُ منه نهار الأحد، تاسع شهر رمضان من شهور سَنة أربع وثمانين بعد الألف والمائتين من الهجرة، على صَاحبها أفْضَلُ الصَّلاة والتَّحيَّةِ، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين، والصَّلاة على رسولهِ محمدٍ وآله أجمعين.
* * *
الحواشي
(١) _
[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]
قنوت النوازل، حيث سميا تخريج أحاديث الهداية لابن حجر بنصب الراية، وقد تبعهما مهتمُّ طبعِهِ في دهلي مع أنَّ هذا الاسم لتخريج أحاديث الهداية للزيلعي كما صرَّح به السَّخَاويُّ وغيره، فَلْيُعْلَم، والله أعلم.
هذا آخر التعليقات على رسالةِ "الإِنصاف في حكم الاعتكاف" المسمَّاة بـ "الإِسعاف"، كان الاختتام في ربيع الأول من شهور سنة ١٣٠٢ هـ.
* * *
_________
يقول العبد الضعيف الفقير إلى الله تعالى مَجْد بن أحمد مكي:
انتهيت من خدمة هاتين الرسالتين "الإِنصاف" و"الإِسعاف" في مساء يوم الجمعة ٢٣ جمادى الأولى سنة ١٤٢٠.
وأسال الله أن ينفع بهما عباده الصالحين وأن يوفقني للعمل الصالح الذي يرضيه، ويُحسن ختامنا، ويصلح أحوالنا، ويمنَّ علينا بالقَبول والرحمة والرضوان وصلَّى الله على نبيِّنا وسيِّدنا محمدٍ وآلهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.