← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

حكمه، (أ) ﷺ أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت، وإن أحبت انتظرته، فإن أسلم كانت زوجته مِن غير حاجة إلى تجديد نكاح، ولا أنعلم أحدًا] (ب) جدد بعد الإسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد الأمرين؛ إما افتراقهما [و] (جـ) نكاحها غيره، وإما بقاؤها عليه وإن تأخر إسلامه. وأما تنجيز الفرقة أو مراعاة العدة فلا نعلم أن رسول الله ﷺ قضى بواحد منهما مع كثرة من أسلم في عهده وقرب إسلام أحد الزوجين من الآخر وبعده منه، ولولا إقراره ﷺ الزوجين على نكاحهما وإن تأخر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح -لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وقد روى مالك في "موطئه" (١) عن ابن شهاب قال: كان بين إسلام صفوان بن أمية وبين إسلام امرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر (د)، أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد حنينًا والطائف وهو كافر، ثم أسلم، ولم يفرق النبي ﷺ بينهما، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح. قال ابن عبد البر (٢): وشهرة هذا

стр. 2767

الحديث أقوى من إسناده. وقال ابن شهابٍ (١): أسلمت أم حكيم يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلي الإسلام، فأسلم وقدم على رسول الله ﷺ عام الفتح، فلما [قدِم على] (أ) رسولِ اللهِ ﷺ وثب [إليه] (ب) فرحًا وما عليه رداء حتى بايعه، [فثبتا] (جـ) على نكاحهما ذلك. [قال] (د) ابن شهابٍ: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى [الله و] (هـ) رسول الله ﷺ وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبينه إلا أن يقدم زوجها مهاجرًا قبل انقضاء عدتها. ذكره مالك في "الموطأ" (٢)، ومن المعلوم أن أبا سفيان خرج فأسلم عام الفتح قبل دخول النبي ﷺ [مكة] (و)، ولم تسلم هند امرأته حتى فتح رسول الله ﷺ مكة، فبقيا على نكاحهما، وأسلم حكيم بن حزام قبل امرأته، وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية عام الفتح فلقيا النبي ﷺ بالأبواء، فأسلما [قبل

стр. 2768

منكوحتيهما، فبقيا على نكاحهما] (أ)، ولم يعلم أن رسول الله ﷺ فرق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته. وجواب من أجاب بتجديد نكاح من أسلم في غاية البطلان، و [من] (ب) القول على رسول الله ﷺ بلا علم. ثم قال في اعتبار العدة (١): قال ابن شبرمة: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته، وإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما. ولكنه منقطع. انتهى (٢). وذهب الخلال وأبو بكر صاحبه وابن المنذر وابن حزم وهو مذهب الحسن وطاوس وعكرمة وقتادة والحكم -قال ابن حزم: وهو قول عمر ابن الخطاب وجابر بن عبد الله وابن عباس، وبه قال حماد بن زيد والحكم بن عتيبة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وعدي بن عدي الكندي [والحسن البصري وقتادة] (جـ) والشعبي وغيرهم- وإحدى الروايتين عن أحمد (ب)، أنه تقع الفرقة بالإسلام من غير توقف على مضي العدة كسائر أسباب الفرقة، كالرضاع والخلع والطلاق، وقد تُعقب ابن حزم في الرواية عن عمر؛ فإنه قد ثبت عنه من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب وقتادة، كلاهما عن ابن سيرين، عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيًّا أسلمت

стр. 2769

امرأته، فقال عمر: إن أسلم فهي امرأته، وإن لم يسلم فرق بينهما. فلم يسلم، ففرق بينهما. وكذلك قال لعبادة بن النعمان التغلبي وقد أسلمت امرأته: إما أن تسلم وإلا نزعتها منك. فأبى، فنزعها منه (١). فهذه الآثار صريحة في خلاف ما حكاه ابن حزم عن عمر، ومتمسكهم آثار، فروي عن عمر وابن عباس وجابر أنهم فرقوا بين الرجل وبين امرأته بالإسلام، وهي آثار مجملة ليست بصريحة في تعجيل الفرقة بالإسلام، وقد عارضها الرواية عن عمر وعن علي، و (أ) مثل هذا صرح به الإمام المهدي في "البحر"، قال: إذا أسلم أحدهما دون الآخر انفسخ النكاح إجماعًا؛ لقوله ﷺ : "لا تناكح بين أهل ملتين" (٢). [فالحربية المدخولة] (ب) إنما تبين بمضي العدة، فهي قبل مضيها كالمطلقة رجعيًّا، (جـ أي إن جـ) أسلم كان كالرجعة؛ [لأن] (د) له مداناتها مع الكفر، فإن مضت العدة قبل الرجعة إلى الإسلام بانت. اقتضى ذلك خبر أبي سفيان وعكرمة وصفوان، لولاه كان إسلام أحدهما كردته، لكن فرق الدليل. فأما غير المدخولة فتبين بنفس الإسلام كلو طلقت. وهذا تخريج المؤيد وتخريج أبي طالب. فأما الذمية فلا تبين إلا بأحد أمرين، إما بعرض الإسلام، أو بمضي العدة، إذ كُفْر

стр. 2770

الذمي أخف؛ بدليل جواز تقريره، لكن إذا عرض عليه الإسلام فامتنع، استأنفت المدخولة لا غيرها، إذ عرض على عمر ذمي أسلمت امرأته، فعرض عليه الإسلام فامتنع، ففرق بينهما بعد امتناعه، ولم ينكره أحد، المؤيد وتخريجه والشافعي، بل حكمهما كالحربيين أسلم أحدهما، وقد مر. إذ هو معنى أوجب الفرقة فاقتضاها في الحال كالطلاق. قلنا: فرق خبر عمر. أبو العباس: والفرق بين ذلك وردة أحدهما أن كفر الردة أغلظ، بدليل جواز إقرار الذمي على دينه لا المرتد، ولأنه قد طعم حلاوة الإيمان بخلاف الأصلي، فجعل حكمه أغلظ بأن بانت بمجرد الردة من دون انتظار عدة، فأما مضي العدة فموجب للفرقة اتفاقًا كحربيين أسلم أحدهما. أبو حنيفة: بل يعرض الإسلام على المتأخر منهما، حربيًّا كان أم ذميًّا، إن كان في دار الإسلام، فإن أسلم بقي النكاح، والا فسخه الحاكم بطلقة وتعتد المدخولة، فإن لم يعرض الإسلام فالنكاح باقٍ ما بقيا في دارنا، مدخولة كانت أم لا، فإن كان المتأخر في دار الحرب بانت بانقضاء العدة. قلت: لا تأثير للدار، بل الملة؛ للخبر. مالك: إن أسلم الزوج بانت في الحال لا الزوجة، فبعد العدة في المدخولة لا غيرها، ففي الحال، قلنا: لا وجه له. انتهى. وحكى في "نهاية المجتهد" (١) عن مالك، أنه إذا أسلم الرجل قبل المرأة وقعت الفرقة إذا عرض عليها الإسلام فأبت. انتهى. فظهر من ذلك أن الحديث المذكور يقضي بما ذكره في "الهدي النبوي"، وأن البينونة بعد انقضاء العدة ثبتت مِن قول ابن شهابٍ والحديث المنقطع عن ابن شبرمة، وأن عرض الإسلام في حق الذمي إنما ثبت عن عمر، ولكنه في حكم الإجماع لعدم المخالف، والله أعلم.

стр. 2771

٨٣٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص (أ) بنكاح جديد (١). قال الترمذي (٢): حديث ابن عباس أجود إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. حديث عمرو بن شعيب تكلم فيه البخاري (٣)، وعلته تدليس حجاج بن أرطاة، وله علة أشد مِن ذلك وهي ما ذكره أبو عبيد (٤) في كتاب النكاح عن يحيى القطان، أن حجاجًا لم يسمعه مِن عمرو بن شعيب، وإنما حمله عن العرزمي، والعرزمي ضعيف جدًّا (٥)، وكذا قال أحمد (٦) عقب (ب) تخريجه، قال: والعرزمي لا يساوي حديثه شيئًا. قال: والصحيح أنهما أقرا على نكاحهما الأول. وجنح ابن عبد البر (٧) إلى ترجيح ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب، وأن حديث ابن عباس لا يخالفه. قال: والجمع بين الحديثين أولى من إلقاء أحدهما، فحمل قوله في حديث ابن عباس بالنكاح الأول؛

стр. 2772

أي بشروطه، وأن معنى: لم يحدث شيئًا. أي لم يزد على ذلك شيئًا. قال: وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول، وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد، ومهر جديد، والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل (أ)، ويؤيده مذهب ابن عباسٍ، فإنه قائل بما دل عليه حديث عمرو بن شعيب، فإن كانت الرواية عنه المخرجة في السنن ثابتة، فلعله كان يرى تخصيص ما وقع في قصة أبي العاص بذلك العهد كما جاء ذلك عن أتباعه كعطاء ومجاهد؛ ولهذا أفتى بخلاف ظاهر ما جاء عنه في ذلك الحديث، على أن الخطابي (١) قال في إسناد ابن عباس: هذه نسخة ضعفها علي بن المديني وغيره من علماء الحديث. وهو يشير إلى أنه من رواية داود بن الحصين عن عِكرمة. قال: وفي حديث عمرو بن شعيب زيادة ليست في حديث ابن عباسٍ، والمثبت يقدم على النافي، غير أن الأئمة رجحوا إسناد حديث ابن عباسٍ. انتهى. والكلام فيما (ب) دل عليه الحديث تقدم (جـ) في الحديث الأول. وقوله: والعمل على حديث عمرو بن شعيب. هذا حكاه الترمذي عن يزيد بن هارون، فإنه حدث بالحديثين عن ابن إسحاق وعن حجاج بن أرطاة، ثم قال يزيد: حديث ابن عباسٍ أقوى إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. يريد عمل أهل العراق. وقال الترمذي (٢) في حديث ابن

стр. 2773

عباسٍ: لا يعرف وجهه. وأشار بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد سنتين أو بعد ثلاث مشكل؛ لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة، وقد عرفت الجواب عن ذلك. ٨٣١ - وعن ابن عباس ﵁ قال: أسلمت امرأة فتزوجت، فجاء زوجها (أ) فقال: يا رسول الله، إني كنت أسلمت وعلمتْ بإسلامي. فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر وردها إلى زوجها الأول. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (١). الحديث فيه دلالة على أن الزوج إذا أسلم قبل أن تزوج امرأته بعد إسلامها أن النكاح باق بينهما، وظاهره من غير فرق بين أن تكون المرأة قد انقضت عدتها أو لا، فإنه لم يستفصل النبي ﷺ ذلك وهو في محل البيان، فترك الاستفصال يدل على عودها إلى زوجها إذا كان زواجها وقع بعد إسلام الزوج، وهذا يقوي ما ذهب إليه صاحب "الهدي" (٢) كما تقدم قريئا. وأما احتمال أن يكون ترك الاستفصال لكونه ﷺ عرف قرب العهد من الزوجة بالإسلام، وأن إسلامه وقع قبل تجويز انقضاء العدة -فبعيد متكلف، والله أعلم.

стр. 2774

٨٣٢ - وعن زيد بن كعب بن عجرة، عن أبيه قال: تزوج رسول الله ﷺ العالية (أ) من بني غفار (١)، فلما دخلت إليه ووضعت ثيابها رأى بكشحها بياضًا، فقال: "البسي ثيابك والحقي بأهلك". وأمر لها بالصداق. رواه الحاكم (٢). وفي إسناده جميل بن زيد وهو مجهول، واختلف عليه في شيخه اختلافًا كثيرًا. وقع في الحديث اختلاف عن جميل، فقيل: عنه. كما في الأصل، وقيل: عن ابن عمر. وقيل: عن (ب زيد بن كعب ب). وقيل: عن كعب بن زيد. وأخرجه بن عدي، وأخرجه أبو نعيم في "الطب"، والبيهقي من حديث ابن عمر من دون تعيين اسمها ونسبها، وإنما هو بلفظ (جـ): تزوج بامرأة (٣). وجميل بن [زيد] (د) هو الطائي، قال ابن معين (٤): ليس بثقة. وقال البخاري (٥): لم يصح حديثه. وروى أبو بكر بن عياش (هـ عن جميل هـ) قال: هذه أحاديث ابن عمر ما سمعت من ابن عمر شيئًا، إنما قالوا لي: اكتب

стр. 2775

أحاديث ابن عمر. فقدمت المدينة فكتبتها (١). وقال إسماعيل بن زكريا: حدثنا جميل بن زيد، ثنا ابن عمر قال: تزوج النبي ﷺ امرأة وخلَّى سبيلها (٢). وروى أبو معاوية (٣) والقاسم ليت مالك (٤) وغيرهما عن جميل عن زيد بن كعب أو كعب بن زيد. وذكر الحديث. الحديث فيه دلالة على (أ) أن البرص منفر (ب)؛ لرده ﷺ ، وأما كونه يفسخ به النكاح فلا يدل على ذلك صريحًا؛ لاحتمال قوله ﷺ : "إلحقي بأهلك". أنه قصد به الطلاق، فقد خرجت منه بالطلاق، وقد اختلف العلماء في فسخ النكاح بالعيوب؛ فذهب ابن عباس، وابن عمر، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب (٥)، والعترة جميعًا، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، إلى أن النكاح يفسخ بالعيوب، وإن اختلفوا في تفصيل ذلك، فروى (جـ) أصغ، عن ابن وهب، عن عمر وعلي: لا ترد النساء إلا

стр. 2776

من العيوب الأربعة؛ الجنون، والجذام، والبرص، والداء في الفرج (١). وهو منقطع، وقد رواه سفيان، عن عمرو بن دينار (أ)، عن ابن عباسٍ (٢) متصلًا، وروى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن ابن المسيب قال: قال عمر: أيما امرأة زوجت وبها جنون، أو جذام، أو برص، فدخل بها ثم اطلع على ذلك، فلها مهرها بمسيسه إياها، وعلى الولي الصداق بما دلس كما غره (٣). وأهل الحديث قاطبة مجمعون على قبول رواية ابن المسيب عن عمر. والخلاف للناصر في أحد قوليه في البرص، قال: لأنه (ب) ليس بمفسد للبدن. وزاد الإمام أحمد: أن تكون المرأة فتقاء منخرقة ما بين السبيلين. وزاد الهدوية: العَفَلَة (٤) في المرأة، والقَرْن (٥)، والرَّتَق (٦). وأما الرجل فيشارك المرأة في الثلاثة، وبالجَب (٧) والعُنَّة خلافًا للهَدوية في العُنَّة، وزاد أصحاب أحمد:

стр. 2777

نتن الفرج والفم، وانخراق مجرى البول والمني في الفرج، والقروح السيالة فيه، والبواسير والناصور، والاستحاضة، واستطلاق البول و (أ) النجو (١)، والخصي وهو قطع البيضتين، والسل وهو سلهما، والوجاء وهو رضهما. ووافق الهدوية في الثلاثة الأخيرة، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أن المرأة ترد بكل عيب ترد به الجارية في البيع، ونسب هذا القول الإمام المهدي إلى القاضي حسين [و] (ب) ابن كجٍّ، وأكثرهم لا يعرف هذا القول ولا مظنته ولا من قاله، وحكاه [أبو] (جـ) عاصم العَبَّاداني في كتاب "طبقات أصحاب الشافعي"، ورده الإمام المهدي بأنه لا دليل على ذلك، وارتضى هذا القول ابن القيم، واحتج له في "الهدي النبوي" (٢)، قال: والقياس أن كل عيب ينفِرُ الزوجُ الآخرُ منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة، يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشروطة في النكاح أولى بالوفاء من الشروط في البيع، ومَن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح -لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة. ثم قال: وكذلك حكم قاضي الإسلام حقًّا الذي يضرب المثل بعلمه ودينه وحكمه، شريح، قال عبد الرزاق: عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: خاصم رجل إلى شريح،

стр. 2778

فقال: إن هؤلاء قالوا لي: إنَّا نزوجك أحسن الناس. فجاءوا لي بامرأة عمياء. فقال شريح: إن كان دلس لك بعيب لم يجز. فتأمل هذا القضاء، وقوله: إن كان دلس لك بعيب. كيف يقتضي أن كل عيب دلست به المرأة فللزوج الرد به. وقال الزهري: يرد النكاح من كل داء عضال. وبما عرفت أن الدليل على الفسخ هو الحديث المذكور وهو محتمل إلا أن في رواية أحمد [ما] (أ) يقرب الاحتجاج به على الفسخ، وهي عن زيد بن كعب بن عجرة، أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها وضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضًا فامَّاز (١) عن الفراش، ثم قال: "خذي عليك ثيابك". ولم يأخذ مما آتاها شيئًا (٢). فاللفظ هذا أظهر في قصد الرد وبعده (ب) عن إفادة الطلاق، ويتأيد ذلك بما روي عن علي وعمر وابن عباسٍ، فإن قضاءهم بذلك مما يدل صريحًا بأن هذا أمر ثابت معمول به، ويكون نصًّا في العيوب المنصوصة الواردة، وقياسًا فيما شاركها في المعنى المناسب للعوض المقصود من النكاح، فيتأيد ما ذهب إليه ابن كج وابن القيم (جـ من التعميم جـ) لما وجد فيه ذلك المعنى، وقد روى في "البحر" (٣) عن علي أنه فسخ العِذْيَوط، وهو بالعين المهملة المكسورة بعدها ذال ساكنة ثم ياء

стр. 2779

مفتوحة (أ) باثنتين من أسفل، وواو ساكنة آخره طاء مهملة، وهو من يتغوط عند الجماع، وذهب إليه السرخسي من أصحاب الشافعي، وذكره في "الكافي" وفي "الزوائد"، وكذا إذا كان بوَّالًا عند الجماع أو حبَّاقًا (١)، وأجاب الإمام (ب) المهدي بأن ذلك اجتهاد من علي ﵁ فلا يلزمنا. قال الإمام يحيى: ووجه ذلك هو أن هذه حالة تعاف وتستقذر فأشبه البرص، فافهم أن ذلك قياس، وإذا قاس هذه المذكورة اطرد القياس فيما وجد فيه المعنى، ولعل القائلين بانحصار العيوب أخذوا بمفهوم الحصر كما في الرواية عن علي وعمر، ولكنهم لم يقتصروا عليها فلزمهم العمل بالقياس، وذهب الإمام يحيى، وهو أحد قولي الشافعي، إلى أنه لا يفسخ بالسِّل والخصي، قالوا: لأنه يمكنه الوطء، بل جماعه أكثر، إذ لا ينزل فلا يفتر. قال الإمام المهدي: وهو قوي إن كان كذلك. وإذا عم الزوجين العيب لم يبطل الخيار، وإن اتفق جنسه؛ إذ قد يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه. وأحد قولي الشافعي يبطل؛ لاستوائهما. قال الإمام يحيى: والصرع عيب وإن تباعدت نوباته. وقال ابن الجليل: لا لنا تنفيره وإيحاشه. المرتضى: ولا فسخ بعدم البكارة ولو شرطها. أبو العباس: لكن يسقط ما زاد من المهر لأجلها. والخلاف في الفسخ بالعيوب لداود الظاهري وابن حزم ومن تابعهما، فقالوا: لا يفسخ النكاح بعيب البتة. وكأنهم لما لم يكن في الحديث

стр. 2780

تصريح بردها (أ) من دون احتمال طلاق، ولما في [رواته] (ب) من جهالة واختلاف، وعقد النكاح قد ثبت فلا يرتفع إلا برافع ثابت بنص صحيح؛ ولذا قال ابن القيم (١): إن القول بالتعميم هو القياس، يعني إذا بني على دلالة الحديث والآثار على ما دلت عليه وقيس ما ناسبها في المعنى، أو قول ابن حزم ومن تابعه، يعني على فرض عدم العمل بالحديث، وأما الاقتصار على عيبين أو أربعة أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها فلا وجه له، فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين والرجلين أو أحدهما، أو كون الرجل كذلك -من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو مناف للدين، والإطلاق إنما ينصرف إلى السلامة فهو كالمشروط عرفًا، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لمن تزوج امرأة وهو لا يولد له: أخبرها أنك عقيم. فماذا يقول ﵁ في العيوب التي هذا عندها كمال لا نقص. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ٨٣٣ - وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أيما رجل تزوج امرأة فدخل بها فوجدها برصاء أو مجنونة [أو مجذومة] (جـ)، فلها الصداق بمَسيسِه إياها، وهو له على مَن غَرَّه منها.

стр. 2781

أخرجه سعيد بن منصور ومالك وابن أبي شيبة، ورجاله ثقات (١). وروى سعيد (٢) أيضًا عن عليٍّ نحوه وزاد: أو بها قَرَنٌ، فزوجها بالحيار، فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها. ومن طريق سعيد بن السيب أيضًا (أ) قال: قضى عمرُ في العِنِّين أن يؤجَّل سنةً. ورجاله ثقات (٣). أخرجه سعيد بن منصور، عن هُشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن ابن السيب، عن عمر. وهو في "الموطأ" عن يحيى، وعن الشافعي (٤) عن مالك، وعن [ابن] (ب) أبي شيبة عن ابن إدريس، عن يحيى. وحديث عليٍّ أخرجه سعيد أيضًا، وحديث العِنِّين أخرجه البيهقي (٥) من رواية ابن المسيب عن عمرَ وتابعه العلماء عليه، ونقله البيهقي (٦) عن عليٍّ والمغيرة وغيرهما، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (٧) عنهما وعن ابن مسعود.

стр. 2782

تقدَّم الكلام على الردِّ بالعيوب. وقوله: وهو له على مَن غَرَّه منها. هذا ذهب إليه الهادي ومالك وأصحاب الشافعي، والعلة المناسبة لذلك هو أنه غُرْمٌ لَحِقَه بسببه، إلا أنهم اشترطوا علمه بالعيب، فأما إذا جهِل فلا رجوع عليه، وقد أومئ إلى ذلك في الأثر، فإن قوله: على من غرَّه. يدل على العلم، إذ لا غَرَرَ منه إلا مع ذلك، إلا أنه ذكر الإمام يحيى في "الانتصار" أنه يرجع على المحرَم كالأب والجد إذا فرَّط بترك الاستعلام وإن لم يعلم [بالعيب] (أ). ومالك قال: إن كان يُظَن به لقُربه منها أنه عالم بالعيب مثل الأب والأخ رجع عليه، فعلق الحكم بالمظنة، لا غير المحرم كابن العم إلا حيث علم، والقول له في عدم العِلم مع يمينه، ويرجع على من علم من الأولياء وإن لم يكن مباشرًا للعقد؛ إذ هو مدلس. هذا قول الإمام يحيى، ولكنه يرد عليه أنه لا بسبب (ب) منه، لعدم مباشرته (جـ) للعقد، وإن كان لعدم بذله للنصيحة الواجبة لزم غيره من الأجانب. ولا قائل به، فإن تعذر الرجوع على الولي كان الرجوع على المرأة عند المؤيد بالله إذا كانت حرةً، وعند أبي طالب ولو كانت أمَة، للتدليس منها الذي هو وجه الضمان. وذهب أبو العباس والإمام يحيى إلى أنه لا رجوع على المرأة؛ لأنه قد استوفى بَدَله منها، وهو الوطء، فلو رجع عليها كان كآخِذ الغُرْمِ مرتين بخلاف الولي المدلِّس، فلم [يأخذ] (د) منه شيئًا

стр. 2783

يسقط به أرشَ تدليسه، وعلى قول المؤيد وأبي طالب أنه يرجع على المرأة بالمهر كاملًا. وللإمام يحيى وجه، أنه يرجع عليها بما زاد على أقل المهر، إذ لا يخلو الوطء عن عوض. وهو قول مالك؛ لأنه قال: يرجع بالصداق كله إلا ربع دينار فقط. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا رجوع له على أحد. قالوا: قياسًا على النكاح الفاسد الذي وطئ [فيه] (أ)؛ فإنه يلزمه المهر بالمسيس. ويرد عليهم بالأثر المذكور، وحديث تأجيل العِنِّين. العنين هو العاجز عن الوطء لعدم انتشار ذَكَره، وهو مأخوذ من عَنَّ الشيءُ إذا عَرَض، لتعرض الإحليل إلى أحد جانبي الفرج وعدم ثباته، أو من عنان الدابة للِينِه ورخاوته (ب)، والمرأة توصف به إذا كانت لا تشتهي الوطء، ويسمى السرس بمهملتين ككتفٍ، وكأميرٍ بزيادة ياء، ويطلق السرس على الذي لا يأتي النساء ومَن لا يولد له، والفحل الذي لا يلقح. كذا في "القاموس" (١)، ومَصْدر عَنّ هنا (جـ) عَنانة وعَنِينة وعَنِينية (د) بزيادة الياء المصدرية، وقول الفقهاء عنَّة بضم العين أو بكسرها خطأ، والعنة الخطيرة (هـ). كذا في "شرح البحر"، والأثر يدل على أن ذلك عَيبٌ يُفسخ به النكاحُ بعد تحققه، وهو

стр. 2784

بعد إمهاله سنةً. وقد ذهب إليه عليٌّ وعمر وابن مسعود والمغيرة (أوعثمان ومعاوية أ) وسمرة والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة والباقر والصادق وزيد بن علي والناصر والمؤيد بالله والإمام يحيى وأبو حنيفة والشافعي ومالك، وقياسًا على المجبوب، إلا أنهم اختلفوا في التأجيل، فعمر وابن مسعود أجَّلوه سنة، وعثمان ومعاوية وسَمُرة لم يؤجِّلوه، والحارث بن عبد الله أجَّله عشرة أشهر، وذهب الهادي والقاسم والمرتضي وأبو طالب وأبو العباس وأحمد وداود والحكم بن عُتَيبةَ مِن التابعين إلى أنه لا فسخ بذلك. قالوا: لأن امرأة رفاعة شكت منه ذلك، ولم يخيرها ﷺ ، وهو في موضع التعليم. قال الإمام الهدي ردًّا عليهم: قلنا: لعل زوجها أنكر، والظاهر معه. قالوا: أمَر عليٌّ (ب) امرأة شكت ذلك بالصبر، وقال: لا أستطيع أن أفرق بينكما. قلت: لعل ذلك فيمن عرَضت له العنة بعد الدخول. قالوا: كمن عجز للمرض. قلنا: هو بالمجبوب (جـ) أشبه. انتهى. وأقول: إن الاحتجاج بقصة أبي رُكَانةَ أظهر، لما نكح امرأة من مُزَينة، فجاءت النبي ﷺ فقالت: ما يُغني عني إلا كما تُغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرِّق بيني وبينه. فأخذت النبي ﷺ حمِيَّة، فدعا بركانة لاخوته، ثم قال لجلسائه: "أترون فلانًا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيدَ، وفلانًا -لابنه الآخر- يشبه منه كذا وكذا؟ ". قالوا: نعم. فقال النبي ﷺ لعبد يزيد: "طلقها". ففعل. الحديث. أخرجه

стр. 2785

أبو داود (١) عن ابن عباسٍ، فإنه ﷺ أمره بالطلاق بعد أن طلبت المفارقة بالفسخ للعنة، واحتمال أنه ﷺ لم تثبت عنده العنة بقولها -بما يُفهم من تَعرُّف الشَّبَه بينه وبين أولاده- بعيدٌ؛ لأن العنة قد تكون من امرأة دون امرأة، وقد تحدث بعد أن كان بخلافها، ولم يستفصل ذلك ﷺ ، ولا طلب منه إجابة الدعوى، بل عدل إلى طريقة أجمل في دفع ما يُخشَى من الضرر بالإمساك، وهو طلب الطلاق منه؛ فدل على أن هذا العيب لا يقتضي الفسخ. وأما حديث رفاعة، فإنما قالت زوجته: كنتُ عند رفاعة القرظي فأبَتَّ طلاقي، فتزوجتُ عبد الرحمن بن الزَّبير، إنما معه مثل هدبة الثوب. فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (٢) الحديث. فلم تطلبِ الفُرْقَةَ بينها وبين عبد الرحمن، ولعله قد كان فارقها بالطلاق، وإنما طلَبها رجوعها إلى رفاعة، وهذا أيضًا صريح في رواية "الموطأ" (٣)، ولفظه: أن رفاعة طلَّق امرأته تميمة بنت وَهب في عهد رسول الله ﷺ ثلاثا؛ فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها، ففارقها، فأراد رفاعة أن ينكحها وهو زوجها الأول. الحديث. فصرَّح بأنه طلَّقها، وهذه الرواية تفسر الرواية الأولى؛ لاتحاد القصة، فلا يستقيم الاحتجاج به فتَنَبَّه، ولا حاجة إلى ما أجاب به الإمام المهدي، وعلى القول باختلاف القصَّتين، فقد ذكر الطلاق أيضًا في كل

стр. 2786

واحدة منهما، وقد تقدَّم الكلام في كل (أ) منهما مستوفًى فارجع إليه. وقال ابن المنذر (١): اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع؛ فقال الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرةً واحدةً لم يؤجَّل أجل العِنِّين. وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق. وقال أبو ثور: إن ترك جماعها لعِلَّة أجِّل لها سنة، وإن كان لغير عِلةٍ فلا تأجيل. وقال عياض: اتفق كافة العلماء على أن للمرأة حقًّا في الجماع، فيثبت الخيار لها إذا تزوجت المجبوب والمسوح (٢) جاهلة بهما، ويُضْرَب للعِنِّين أجل سنة لاختبار زوالِ ما به. انتهى. [وقال الفقيه (ب) أبو منصور: وإذا أقر بالعنة فسخ في الحال من غير إمهال. ونظره الإمام يحيى، وروي خلافه عن أكثر العِترة و (جـ) الفقهاء. انتهى] (د).

стр. 2787

باب عشرة النساء ٨٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ملعون من أتى امرأة في دبرها". رواه أبو داود والنسائي (١) واللفظ له، ورجاله ثقات لكن أُعل بالإرسال. الحديث روي بألفاظ ومن طرقٍ متعددة إلى أبي هريرة وإلى غيره من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب وخزيمة وعمر وعلي بن طلق وطلق بن علي وابن مسعود وجابر وابن عباسٍ وابن عمرو بن العاص والبراء وعقبة بن عامر وأنس وأبو ذر، وجميع الطرق متكلم فيها، ولكنه مع الكثرة يقوي بعضها بعضًا لا سيما مع اختلاف الطرق واختلاف الروي عنهم من الصحابة. والحديث فيه دلالة على تحريم الإتيان في دبر المرأة، وقد ذهب إلى هذا العترة جميعًا، وأكثر الفقهاء قالوا: لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٢). فشبههن بالحرث، والحرث المطلوب منه نبات الزرع، فكذلك النساء يكون الغرض مِن إتيانهن هو (أ) طلب التناسل لا قضاء الشهوة، وهذا لا يكون إلا في القبل، وهذا وإن (ب لم يكن ب) فيه تعرض لتحريم مَا عدا القبل إلا أنه يفهم من

стр. 2788

قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (١). أن الإباحة وقعت لذلك المحل، فيبقى ما عداه على التحريم، إذ الأصل هو تحريم المباشرة إلا ما أحل بالعقد، وهذا بيان لما حل بالعقد عليهن، فيوقف عليه، ولا يقاس غيره عليه، لعدم المشابهة في كونه محلًّا للزرع، وأما تحليل الاستمتاع فيما عدا الفرج فهو مأخوذ من دليل آخر، كما ورد في إباحة الاستمتاع بما عدا الفرج في حق الحائض، ولهذا الحديث ونحوه، وهو ما أخرجه الترمذي والنسائي (٢) وابن ماجه (١) عن علي ﵁: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن". وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: سئل عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، فقال؛ "هي اللوطية الصغرى" (٣). وأخرجه النسائي (٤) أيضًا وأعله، والمحفوظ عن عبد الله بن عمرو من قوله. كذا أخرجه عبد الرزاق (٥) وغيره. وذهبت الإمامية إلى حله في الزوجة وفي الأمة، بل وفي المملوك. وروى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري -أحد فقهاء المالكية، وتفقه بالشافعي وبأبيه، وثقه ابن أبي حاتم (٦)

стр. 2789

والنسائي (١)، وروى عنه، وهو في غاية من الزهد والورع، وله تصانيف عديدة، منها كتاب "الرد على الشافعي" -عن الشافعي ﵀ أنه قال: لم يصح عن رسول الله ﷺ في تحريمه ولا في (أ) تحليله شيء، والقياس أنه حلال. روى هذا ابن أبي حاتم بسماعه من محمد المذكور، وكذلك الطحاوي (٢)، وأخرجه عنه في "مناقب الشافعي" (٣) له، وأخرجه الحاكم (٤) في "مناقب الشافعي" عن الأصم عنه، وأخرجه عن الخطيب (٥) عنه، عن أبي سعيد بن موسى، عن الأصم، وروى الحاكم (٥) عنه قال: قال لنا الشافعي كلامًا كلم به محمد بن الحسن، فقلت: في مسألة إتيان المرأة في دبرها؛ قال: سألني محمد بن الحسن فقلت له: إن كنت تريد [المكابرة] (ب) وتصحيح الروايات وإن لم تصح فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك. قال: على المناصفة. قلت: فبأي شيء حرمته؟ قال: بقول الله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٦). وقال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٧). والحرث لا يكون إلا في الفرج. قلت: فيكون ذلك محرِّمًا لما سواه؛ قال: نعم. قلت: فما تقول لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها أو

стр. 2790

تحت بطنها، أو أخذت ذكره بيدها، أفي ذلك حرث؟ قال: لا. قلت: أفتحرم ذلك؟ قال: لا. قلت: فلم تحتج بما لا حجة فيه؟ قال: فإن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (١) الآية. قال: فقلت له: إن هذا ما يحتجون به للجواز، إن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجه وما ملكت يمينه. فقلت: أنت تتحفظ من زوجتك ومَا ملكت يمينك؟ انتهى. وبما ذكرناه أولًا في الاحتجاج للتحريم، يؤخذ الجواب عن هذا. قال الحاكم: لعل الشافعي كان يقول بذلك في القديم، فأما في الحديث، فالمشهور أنه حرمه. انتهى. مع أن الربيع كذب رواية محمد بن عبد الله عن الشافعي، قال الربيع: كذب، والله الذي لا إله إلا هو قد نص الشافعي على تحريمه في ستة كتب، روى هذا أبو العباس الأصم، وحكاه عنه جماعة، منهم الماوردي في "الحاوي" وأبو نصر بن الصباغ في "الشامل" وغيرهم. قال المصنف ﵀ (٢): تكذيب الربيع [لمحمد] (أ) لا معنى له؛ فإنه قد تابعه عليه عبد الرحمن بن عبد الله عن الشافعي، وأخرجه أحمد بن أسامة بن أبي السمح [المصري] (ب) عن أبيه، قال: سمعت عبد الرحمن. فذكر نحوه عن الشافعي. وأخرج الحاكم عن الأصم، عن الربيع قال: قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. احتملت الآية معنيين؛ أحدهما: أن تؤتى المرأة من حيث شاء زوجها، لأن ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ تأتي بمعنى أين شئتم. ثانيها: أن الحرث إنما يراد به النبات وموضعه دون ما سواه.

стр. 2791

فاختلف أصحابنا في ذلك، وأحسب (أ) كلًّا من الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية. قال: وطلبنا الدلالة من السنة فوجدنا حديثين مختلفين؛ أحدهما ثابت، وهو حديث خزيمة في التحريم. قال: فأخذنا به. انتهى. وهو قوله ﷺ : "لا تأتوا النساء في أدبارهن". أخرجه الشافعي (١) من حديث خزيمة بن ثابت، وفي إسناده [عمرو بن أحيحة (٢) وهو مجهول الحال، واختلف في إسناده] (ب) اختلافًا كبيرًا، وقد أطنب النسائي (٣) في تخريج طرقه وذكر الاختلاف فيه، وقال البزار (٤): لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا لا في الحظر ولا في الإطلاق، وكل ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه فغير صحيح. انتهى. وكذا روى الحاكم عن أبي علي النيسابوري، ومثله عن النسائي، وقاله قبلهما البخاري، وذكر الجويني في "مختصره" أن بعضهم أقام ما رواه محمد عن الشافعي قولًا للشافعي، ولكنه يكون مرجوعًا عنه كما قال الربيع، وهذا أولى من تكذيبه، فإنه لا خلاف في ثقته وأمانته، ولعل محمدًا اغتر بكون الشافعي قص له القصة التي وقعت له بطريق المناظرة بينه وبين محمد بن الحسن، ولا شك أن العالم في المناظرة يتقلد القول وهو لا يختاره، فيذكر أدلته إلى أن ينقطع خصمه،

стр. 2792

وروي مثل هذا عن مالك، قال القاضي أبو الطيب (١) في تعليقه: نص في كتاب "السر" عن مالك على إباحته، ورواه عنه أهل مصر وأهل المغرب (أ). انتهى. وقد أنكر الأبهري من المالكية كتاب "السر"، وأنكروا رواية [ذلك عن مالك، وكذا قال الرافعي أن أصحابه العراقيين لم يثبتوا الرواية] (ب)، والرواية عن مالك إنما هو في دبر الزوجة فقط، فأما رواية جواز ذلك في دبر الذكر المملوك فغلط فاحش، ورواية نشوان ذلك في رسالة "الحور العين" غير صحيحة، ولعله مأخوذ من تشنيع المعري على علماء الإسلام ذلك في قوله (٢): وأجاز مالك الفقاح (٣) تطرفًا. وهم منزهون عن ذلك. قال المصنف ﵀ (٤): وكتاب "السر" وقفت (جـ) عليه في كراسة لطيفة من رواية الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، وهو يشتمل (د) على نوادر من المسائل، وفيها كثير مما يتعلق بالخلفاء، ولأجل هذا سمي كتاب "السر"، وفيه هذه المسألة، وقد رواها أحمد بن أسامة التجيبي وهذبه ورتبه على الأبواب،

стр. 2793

وأخرج له أشباهًا ونظائر في كل باب، وروى فيه من طريق معن بن عيسى قال: سألت مالكًا عنه، فقال: ما أعلم فيه تحريمًا. وقال ابن رشد (أ) في كتاب "البيان والتحصيل في شرح العُتبية": روى العُتْبي، عن ابن القاسم، عن مالك أنه قال وقد سأله عن ذلك مختليًا به، فقال: حلال ليس به بأس. قال ابن القاسم: ولم أدرك أحدًا أقتدي به في دين يشك (ب) فيه، والمدنيون يروون فيه الرخصة عن النبي ﷺ . يشير بذلك إلى ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد؛ أما حديث ابن عمر فله طرق رواه عنه نافع وزيد بن أسلم و [عبيد] (جـ) الله بن عبد الله بن عمر وسعيد بن يسار (د) وغيرهم، أما نافع فاشتهر عنه من طرق كثيرة جدًّا، منها ما أخرجه مالك مما رواه خارج "الموطأ" عن نافع قال: قال ابن عمر: أمسك عليَّ المصحف يا نافع. فقرأ حتى أتى على هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. فقال: [أتدري] (هـ) يا نافع فيم أنزلت هذه الآية (و) قلت: لا. قال: فقال لي: في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم ذلك [الناس] (ز)، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية. قال نافع: فقلت لابن عمر: من دبرها في قبلها؟ قال: لا، إلا في دبرها (١). قال أبو ثابت:

стр. 2794

وحدثني به الدراوردي عن مالك وابن أبي ذئب، وأخرج البخاري (١) في تفسير سورة "البقرة" من حديث ابن عون، عن نافع مثله، إلا أنه أبهم الآية. قال: حتى انتهى إلى مكان فقال: أتدري فيما أنزلت؟ قلت: لا. قال: [أنزلت] (أ) في كذا وكذا. ثم مضى. وأخرج (٢) من حديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. قال: يأتيها في دبرها. قال: ورواه محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن [عبيد] (ب) الله بن عمر، عن نافع. هكذا وقع عنده. انتهى. والرواية الأولى المبهمة تفسيرها في "تفسير إسحاق بن راهويه"، فإنه ساق مثل ما ساق، وذكر الآية وهي: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. وعبر عن كذا وكذا، فقال: أنزلت [في] (جـ) إتيان النساء في أدبارهن. وكذا رواه الطبراني (د) من طريق ابن علية، عن ابن عون، ورواية عبد الصمد هي في "تفسير إسحاق" (٣) أيضًا عنه. وقال فيه (هـ): يأتيها في الدبر. ورواية محمد بن يحيى أخرجها الطبراني في "الأوسط" (٤) بلفظ: إنها أنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. رخصة في إتيان

стр. 2795

الدبر. وأما زيد بن أسلم فأخرج الرواية عنه النسائي والطبراني (١) (أ). وأما عبيد الله بن عبد الله بن عمر فأخرج عنه النسائي (٢). وأما سعيد بن يسار فروى عنه النسائي والطحاوي والطبراني (٣) (ب) من طريق عبد الرحمن بن القاسم قال: قلنا لمالك: إن عندنا [الليث بن سعد] (جـ) يحدث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فنحمض لهن. والتحميض (د) الإتيان في الدبر، فقال: أفٍّ، أو يفعل هذا مسلم؟ فقال مالك: أشهد (هـ) على ربيعة [لحدثني] (و) عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه، فقال: لا بأس به. وأما حديث أبي سعيد فأخرج أبو يعلى وابن مردويه وابن جرير والطحاوي (٤) من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلًا أصاب امرأة في دبرها

стр. 2796

فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: ثفرها. فأنزل الله هذه الآية. وعلقه النسائي (١) عن هشام بن سعد، عن زيد. وهذا السبب في نزول هذه الآية مشهور، وكأن حديث أبي سعيد لم يبلغ ابن عباسٍ وبلغه حديث ابن عمر فوهَّمه فيه؛ فروى أبو داود (٢) من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: ابن عمر أوهم والله يغفر له، إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن (أ) مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب، وكانوا يأخذون بكثير من فعلهم، وكان أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك أستر (ب) ما تكون المرأة، فأخذ ذلك الأنصار عنهم، وكان هذا الحي من قريش يتلذذون بالنساء مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار فذهب يفعل بها ذلك فامتنعت، فسرى [أمرهما] (جـ) حتى بلغ رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. مقبلات ومدبرات ومستلقيات في الفرج. وأخرج أحمد والترمذي (٣) من وجهٍ آخر صحيح عن ابن عباسٍ قال: جاء عمر فقال: يا رسول الله، هلكت؛ حولت رحلي البارحة. فأنزلت هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. "أقبل وأدبر، واتق

стр. 2797

الدبر والحيضة". ومثل هذا أخرج أحمد (١) عن أم سلمة، وفي "الصحيحين" وغيرهما (٢) عن جابر أن نزول هذه الآية في اليهود (أ)، كانت تقول: إذا أتى الرجل امرأته مِن خلفها في قبلها جاء الولد أحول. فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية. والجواب عن هذه الروايات بأنها معارضة بمثلها في سبب النزول، وإذا تعارض المبيح والحاظر فالحظر أرجح على المختار؟ ولقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٣). وأما تغليط (ب) نافع في روايته عن ابن عمر، فيرده ما أخرجه النسائي عن سالم بن عبد الله بن عمر (٤)، قال النسائي: عن عبد الرحمن بن القاسم: قلت لمالك: إن ناسًا يروون عن سالم أنه قال: كذب العبد على أبي. فقال مالك (جـ): أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مثل ما قال نافع. فعرفت أن التغليط (د) غير صحيح عن سالم. وقول الإمام المهدي في "البحر" (٥) قلنا: قد غلط نافع في روايته عن ابن عمر. فبنى على هذه الرواية المدفوعة. وقال الإمام يحيى: لا وجه للتغليط ولتكذيب الربيع؛ إذ المسألة اجتهادية، والواجب الحمل على السلامة. انتهى. وهذا التعليل لا

стр. 2798

يستقيم؛ إذ [التغليط] (أ) إنما هُو لصحة الرواية بخلاف مَا رَوى الراوي، والتكذيب كذلك، فتنبه (ب). قال الإمام المهدي: وذكر أبو حامد الجاحري (جـ) وبعض أهل المذهب أنها قطعية (د). ولعل حجته التواتر المعنوي بالتحريم وإجماع أهل البيت، فحينئذٍ للتغليط حكم. انتهى. قال المصنف (١) ﵀: فائدة، ما تقدم نقله عن المالكية لم ينقل عن أصحابهم إلا عن (هـ) ناس قليل. قال القاضي عياض: كان القاضي أبو (و) محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي يُجيزه ويذهب فيه إلى أنه غير محرم، وصنف في إباحته محمد بن سحنون ومحمد بن شعبان، ونقل ذلك عن [جمع] (ز) كثير من التابعين. وفي كلام ابن العربي و [المازري] (ح) مَا يومئ إلى جواز ذلك أيضًا (٢). وحكى ابن بزيزة في "تفسيره" عن عيسى بن دينار أنه كان يقول: هذا أحل من الماء البارد. وأنكره كثير منهم أصلًا. وقال

стр. 2799

القرطبي في "تفسيره" وابن عطية قبله (١): لا ينبغي لأحد أن يأخذ بذلك ولو ثبتت الرواية فيه؛ لأنها من الزلات. وذكر الخليلي في "الإرشاد" (٢) عن ابن وهب أن مالكًا رجع عنه. وفي "مختصر ابن الحاجب" (٣) عن مالك إنكار ذلك وتكذيب من نقله عنه، لكن الذي روى ذلك عن ابن وهب غير موثوقٍ (أ) به، والصواب ما حكاه الخليلي؛ فقد ذكر الطبري عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن مالك أنه أباحه. وروى الثعلبي في "تفسيره" (٤) من طريق المزني قال: كنت عند ابن وهب وهو يقرأ علينا رواية مالك، فجاءت هذه المسألة، فقام رجل فقال له: يا أبا محمد، ارو لنا ما رويت. فامتنع أن يروي لهم ذلك، وقال: أحدكم يصحب العالم، فإذا تعلم منه لم يوجب له من حقه ما يمنعه من أقبح ما يروي عنه. و [أبي] (ب) أن (جـ) يروي (د) ذلك. وروي عن مالك كراهيته وتكذيب من نقله عنه من وجه آخر أخرجه الخطب في "الرواية عن مالك" من طريق إسماعيل بن [حصن] (هـ)، عن إسرائيل بن رَوح (و)، قال: سألت مَالِكًا عنه فقال: ما أنتم

стр. 2800

قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون ذلك. قال: يكذبون علي. والعمدة في هذه الحكاية على إسماعيل؛ فإنه واهي الحديث، وقد روينا في "علوم الحديث" للحاكم (١) قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن الوليد البيروتي، ثنا أبو عبد الله بشر بن (أ) بكر، سمعت الأوزاعي يقول: (ب يتجنب أو يترك (ب) من قول أهل الحجاز خمس، ومِن قول أهل العراق خمس؛ من [قول] (جـ) أهل الحجاز؛ استماع الملاهي، والمتعة، وإتيان النساء في أدبارهن، والصرف، والجمع بين الصلاتين من غير عذر، ومن [قول] (جـ) أهل العراق؛ شرب النبيذ، وتأخير العصر حتى يكون ظل الشيء أربعة أمثاله، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار، والفرار من الزحف، والأكل بعد الفجر في رمضان. وروى عبد الرزاق، عن معمر قال: لو أن رجلًا أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء، وإتيان النساء في أدبارهن، وبقول أهل مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في المسكر -كان شر عباد الله. وقال أحمد بن أسامة التجيبي: ثنا أبي، سمعت الربيع بن سليمان الجيزي يقول: أنا أصبغ، قال: سئل القاسم عن هذه المسألة وهو في الجامع فقال: لو جعل لي ملء (د) هذا المسجد ذهبًا ما فعلته. قال: وحدثنا أبي قال: سمعت الحارث بن مسكين

стр. 2801

يقول: سألت ابن القاسم عنه فكرهه لي. قال: وسأله [غيري] (ب) فقال: كرهه مالك. انتهى. ٨٣٥ - وعن ابن عباسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينظر اللهُ إلى رجل أتَى رجلًا أو امرأة في دُبُرها". رواه الترمذي والنسائي وابن حبان (١) وأُعل بالوقف. الحديث رواه النسائي (٢) موقوفًا، وهو أصح عندهم من المرفوع. تقدم الكلام فيما يتعلق بالحديث في الحديث الأول. ٨٣٦ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يؤذي جارَه، واستوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن خُلقن من ضِلَع، وإن أعوجَ شيء في الضِّلَع أعلاه، إذا ذهبت تقيمه كسرتَه، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا". متفق عليه (٣)، واللفظ

стр. 2802

للبخاري. ولمسلم (١): "فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها". الحديث هو حديثان؛ ذكر البخاري الأول في كتاب الأدب (٢)، والثاني، وهو: "استوصوا" إلخ. في بدء الخلق (٣) وهو من طريق حسين بن علي الجعفي شيخ شيخ البخاري. وأخرج مسلم (٤) الحديث الثاني، وذكر بدلَ الأوَّلِ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شَهِد أمرًا فليتكلم بخيرٍ أو ليسكت". والذي يظهر أنها أحاديث كانت عند حسين الجعفي عن زائدة (أ)، فربما جمع، وربما أفرد، وربما استوعب، وربما اقتصر. وزاد في رواية الإسماعيلي (٥): "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن قِرَى ضيفه". وفيه دلالة على تحريم إيذاء الجار، وهو يدل بمفهوم (ب) الشرط أن مَن آذى الجارَ فليس بمؤمنٍ (جـ) بالله واليوم الآخر، وهذا وإن كان يلزم منه إثبات الكفر لمن كان كذلك، ولكنه محمول على قصد المبالغة بأن من حَقِّ الإيمانِ ذلك، فلا ينبغي للمؤمن

стр. 2803

الاتصافُ به، وقد عُدَّ إيذاء الجار مِن الكبائر، وورَد في ذلك أحاديث كثيرة، وكفى في ذلك التوصية في كتاب الله بالجار. وحَدُّ الجار إلى أربعين بيتًا؛ كما أخرج الطبراني (١) أنه أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله، إني نزلت في محِلةِ بني فلانٍ، وإن أشدهم لي أذًى أقربهم (أ) لي جوارًا. فبعث ﷺ أبا بكر وعمر وعليًّا يأتون (ب) المسجد فيقومون على بابه فيصيحون: "ألَا إنَّ أربعين دارًا جارٌ، ولا يدخل الجنة من خاف جارُه بوائقه". وأخرج الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" (٢): "إن اللهَ ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة بيت من جيرانه البلاءَ". وهذا فيه زيادة على الأول. والأذَى وإن كان مُحرَّمًا في حقِّ غير الجار، إلا أنه في حق الجار أشد، فلا يُغتَفر منه شيءٌ وإن كان يسيرًا، بل ما يُعَدُّ في العُرف أذً ى، بخلاف إيذاء غيره فإنه لا يكون كبيرة (جـ) إلا إذا كان فيه ضررٌ بحيث لا يحتمل عادة، ووجه الفرق بينهما ظاهر لما علم من الأحاديث الصحيحة من تأكد حرمة الجار والمبالغة في رعاية حقوقه، حتى كان من حقه ألا يؤذيَه بقُتار (٣) قِدْرِه

стр. 2804

إلَّا أن يغرف له من مَرَقَته، ولا يحجب عليه الريحَ إلا بإذنه، وإن اشترى فاكهةً أهدَى إليه منها (١). وغير ذلك من الحقوق التي دلت عليها السُّنة الصحيحةُ. وقوله: "استوصوا". أي اقبلوا الوصية. والمعنى: إني أوصيكم بهن خيرًا، أو بمعنى: يوصي بعضكم بعضًا فيهن خيرًا. [وقوله: "فإنهن خُلقن من ضِلَع"] (أ). أي: خُلِقن خلقًا فيه اعوجاج، فكأنهن خُلقن مِن أصلٍ مُعْوجٍّ، فعبَّر عنهن بالضِّلَع لما كان معوجًّا، والضِّلَع بكسر الضاد وفتح اللام، وقد يسكن، واحدُ الأضلاع، أو المراد بالضلع ضلع آدم الذي خلق منه حواء -بالمد- فإنها (ب) -كما قاله الفقهاء- خُلِقت من ضِلَع آدم ﵇ كما قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٢). وبين النبي ﷺ أنها خُلقت من ضِلع من ضِلَع آدم كما أخرجه ابن إسحاق (٣) في "المبتدأ" عن ابن عباسٍ، أن حواء خُلقت مِن ضِلَع آدمَ الأقْصَر الأيسر وهو نائم. وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم وغيره (٤) من حديث مجاهد. وكأن المعنى أن النساء خُلِقْن من أصلٍ خُلِق من شيءٍ معوجٍّ، وهذا لا يخالف تشبيه المرأة بالضلع، بل يستفاد منه نُكتة التشبيه فإنها عوجاء مثله؛

стр. 2805

لكون أصلها منه. وقوله: "وإن أعوج شيء في الضلع". ذكره تأكيدًا لمعنى الكسر؛ لأن الإقامة أمرُها أظهر في الجهة العُليا، أو إشارة إلى أنها خُلقت من أعوج أجزاء الضلع مبالغةً في إثبات هذه الصفة لهن، ويحتمل أن يكون ضرب ذلك مثلًا لأعلى المرأة؛ لأن أعلاها (أ) رأسها وفيه لسانها وهو الذي يحصل منه الأذى، وأعوج هنا هو من باب الصِّفة لا من التفضيل، والظاهر أنه للتفضيل، وقد جاء ذلك شاذًّا، ووجهه لعدم الالتباس بالصفة، والامتناع إنما هو للَّبس، والضمير [في]، (ب) "تقيمه"، وفي "كسرته" للضِّلَع لا لأعلى الضلع، وهي تُذكَّر وتؤنَّث، وقد جاء في روايةٍ للبخاري (١): "أقمتها كسرتها". والضمير للضلع، ويحتمل أن يكون للمرأة، كما في رواية مسلم. والحديث فيه دلالة على حُسن ملاطفة النساء، والإحسان إليهن، والصبر على عِوج أخلاقِهِن، واحتمال ضعف عُقولِهن، وكراهة طلاقهن بلا سببٍ، وأنه لا يطمع الزوج في سلامة حالهن. وقوله: "استمتعت بها وبها عوج". قال النووي (٢) (جـ) رحمه الله تعالى: ضبطه بعضهم هنا بفتح العين، وضبطه بعضهم بكسرها، ولعل
следующие страницы →