لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٩)
ثمرة التسارع إلى الحب في الله تعالى وترك التقاطع
تأليف
العلامة الشيخ محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي (١٢٨٣ - ١٣٣٢ هـ)
تحقيق وتعليق
محمد بن ناصر العجمي
ساهم بطبعه بعض أهل الخير بالمدينة المنورة
دار البشائر الإسلامية
стр. 2
الورقة الأولى من "ثمرة التسارع" بخط المصنف
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمَّد وآله أجمعين، وبعد:
فهذه رسالة سمَّيتها: "ثَمَرةُ التَّسارع إِلى الحب في الله تعالى وترك التقاطع" ذكرت فيها شذرة ممَّا ورد في ذلك عن النبي ﷺ .
فممَّا وَرَدَ في الحُبِّ في الله تعالى: قوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يقولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَحابُّونَ بِجَلاَلِي، اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي، يَوْمَ لَا ظِلَّ إلا ظِلِّي". رواه مسلم عن أبي هريرة (١).
وعنه ﷺ : "أنَّ رَجُلًا زارَ أَخًا لَهُ في قَرْيةٍ أُخرى، فَأَرْصَدَ (٢) الله لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ (٣) مَلَكًا، قَال: أَيْنَ تُرِيد؟ قَال: أُرِيدُ أَخًا لِي في هذِهِ الْقَرْيةِ. قَال: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تربُّها (٤)؟ قَال: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ في اللهِ.
стр. 4
قَال: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ الله قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ". رواه مسلم عن أبي هريرة (١).
وَعَنْ أَنَس أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُول الله، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَال: "وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ "، قَال: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إلا أَنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ. قَال: "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ".
قَالَ أَنَس: فَمَا رَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا بِشَيء بَعْدَ الإِسْلاَمِ فَرَحَهُم بِهَا. رواه البخاري ومسلم (٢).
وَعَن مُعَاذ بن جبل قَال: سمعت رَسُول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، والمُتَجَالِسِينَ فيَّ، والمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، والمُتبَاذِلِينَ فِيَّ"". رواه مالك (٣).
وفي رواية التِّرمذي (٤): "قَال: يقُولُ الله تَعَالى: المُتَحَابُّونَ في جَلاَلِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِن نُورٍ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُهَدَاءُ".
وَعَن عمر قَال: قَال رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ والشُهَدَاءُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ الله"، قَالُوا: يَا رَسُول الله، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرَوحِ الله عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللهِ إِنَّ
يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلاَث، فَإِنْ مَرَّت بِهِ ثَلاَثٌ فَلْيَلْقَه فَلْيُسَلِّم عليه، فَإِنْ رَدَّ ﵇ فَقَد اشْتَرَكَا في الأَجْرِ، وإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإِثْمِ، وَخَرَجَ المُسَلِّمُ مِنَ الهِجْرَةِ". رواه أبو داود (١).
وَعَن أَبي الدَّرْدَاء قَال: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ والصَّدَقَةِ والصَّلاةِ؟ "، قَال: قُلْنَا: بَلَى. قَال: "إِصْلاَحُ ذَاتِ البَيْنِ، وفَسَادُ ذَاتِ البَيْنِ هِي الحَالِقَةُ". رواه أبو داود، والترمذي (٢).
وَعَن الزُّبَيْر قَال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَبَّ إِلَيْكُم دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُم: الحَسَدُ، والبَغْضَاءُ؛ هِي الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولكِنْ تَحْلِقُ الدِّين". رواه الإِمام أحمد، والترمذي (٣).
وَعَن أسماء بنت يزيد قالت: قال رَسُول الله ﷺ : "لا يَحِلُّ الكَذِبُ إِلَّا في ثَلاَثٍ: كَذِبُ الرَجُل مَعَ امْرَأَتِهِ لِيُرْضِيَهَا، والكَذِبُ في الحَرْبِ، والكَذِبُ ليصلحَ بَيْنَ النَّاسِ". رواه أحمد، والترمذي (٤).
стр. 11
وَعَن أُمِّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط قالت: سمعت رَسُول الله ﷺ يقول: "لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ ويقُولُ خَيْرًا ويُنمي خَيْرًا". رواه الشيخان (١).
وزَادَ مُسْلِم: "قَالَت: ولَمْ أَسْمَعه -تعني النَّبِيّ ﷺ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا في ثَلاَثٍ: الحَرْبُ، والإِصلاَحُ بَيْنَ النَّاسِ، وحَدِيثُ الرَّجُل امْرَأَتَهُ وحَدِيثُ الْمَرْأَة زَوْجها" (٢).
قَالَ الخطَّابِي: "هذِهِ أُمُورٌ قد يَضطرُّ الإِنسان فيها إِلى زيادة القَوْلِ، ومجاوزة الصِّدق، طلبًا للسلامة، ودفعًا للضرر. فالكذب في الإِصلاح بين اثنين هو: أن يُنمي من أحدهما إِلى صاحبه خيرًا، ويبلغه جميلًا، وإِن لم يكن سمعه منه؛ يريد بذلك الإِصلاح. والكذب في الحرب: أن يظهر من نفسه قوَّة، ويتحدث بما يقوي به أصحابه ويكيد به عدوه. وأما كذب الرجل زوجته، هو: أن يعدها ويُمنِّيها ويُظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه؛ يستديم بذلك صحبتها ويُصلح به خلقها" (٣). انتهى.
والأحاديث في ذلك كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية لأُولي الهداية، والحمد لله في البداية والنِّهاية، على يد جامعه محمَّد جمال الدِّين القاسمي.