← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

عليه وسلم: إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً" يريد به قربَ الثواب والدرجة. "إمامٌ عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدَّهم عذاباً - ويروى: وأبعدهم منه مجلساً - إمامٌ جائر. غريب". * * * ٢٧٩٦ - وقال: "أفضلُ الجهادِ مَن قالَ كلمةَ حَقٍ عندَ سُلطانٍ جائرٍ". "وعن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أفضل الجهاد مَن قال"؛ أي: جهادُ مَن قال. "كلمةَ حق عند سلطان جائر" وإنما كان أفضل؛ لأن مجاهد العدو متردِّدٌ بين أن يَغْلِبَ ويُغْلَبَ، ومَن عند السلطان مقهورٌ في يده، فإذا قال الحق أو أَمر به فقد تعرَّض للتلف. * * * ٢٧٩٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إذا أرادَ الله بالأميرِ خيراً جَعلَ لهُ وزيرَ صدقٍ، إنْ نَسيَ ذَكَّرَهُ وإنْ ذَكَرَ أعانَهُ، وَإذا أرَادَ بهِ غيرَ ذلكَ جَعلَ لهُ وزيرَ سُوءٍ, إنْ نَسيَ لم يُذَكِّرْهُ، وإنْ ذَكَرَ لم يُعِنْهُ". "عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق"؛ أي: وزيراً صادقاً مصلحاً. "إن نسي" ما هو الحق "ذكَّره"؛ أي: علَّمه. "وإن ذكر"؛ أي: كان عالماً به.

стр. 1962

"أعانه" بأن يحرِّضه على إتمام الحق ورغِّبه فيه ويعلم (١) ثوابه، ولا يتركه حتى ينساه. "وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يُعنه". * * * ٢٧٩٨ - عن أبي أُمامةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الأميرَ إذا ابتغَى الرِّيبَةَ في النَّاسِ أَفْسَدَهم". "عن أبي أمامة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس"؛ أي: طلب عيوبهم وتجسَّس أحوالهم واتهمهم. "أفسدهم" لأن الإنسان قلما يخلو من صغيرة أو زلَّة، فلو آذاهم بكلِّ فعلٍ وقول لشقَّ الحال عليهم، بل ينبغي أن يستر عليهم عيوبهم ما أمكن. * * * ٢٧٩٩ - وعن مُعاويةَ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّك إذا اتَّبَعْتَ عَوراتِ النَّاسِ أَفسدْتَهم". "وعن معاوية - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: إنك إذا اتبعت عورات الناس": جمع عورة، وهي القبيح من الفعل والقول. "أفسدتهم" معناه كمعنى الحديث المتقدم. * * *

стр. 1963

٢٨٠٠ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "كيفَ أنتم وأَئمةً مِن بَعدي يسْتأثِرونَ بهذا الفَيْءِ؟ "، قلتُ: أَما والذي بعَثَكَ بالحقِّ أَضَعُ سَيْفِي على عاتِقي ثم أَضْرِبُ بهِ حتى أَلقاكَ، قال: "أَوَلا أَدُلُّكَ على خيرٍ من ذلكَ؟ تَصْبرُ حتى تَلْقاني" ". "وعن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كيف أنتم بأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء"؛ أي: يأخذون مال بيت المال وما حصل من الغنيمة ويستخلصون لأنفسهم، ولا يعطونه لمستحقيه. "قلت: أما والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي ثم أضرب به"؛ يعني: أحاربهم "حتى ألقاك"؛ أي: حتى أموت وأَصِلَ إليك. "قال: أَوَلا أدُّلك على خيرٍ من ذلك؟ تصبر"؛ يعني: لا تحاربهم بل اصْبر على ظلمهم "حتى تلقاني"؛ أي: حتى تموت. * * * ٢ - باب ما على الوُلاةِ من التيسيرِ (باب ما على الولاة من التيسير) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٨٠١ - عن أبي موسى ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا بعثَ أحداً مِن أصحابهِ في بعضِ أمرهِ قال: "بَشِّروا ولا تُنَفِّروا وَيسِّروا ولا تُعَسِّرُوا". "من الصحاح": " عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: كان رسول الله صلى الله

стр. 1964

تعالى عليه وسلم إذا بعث أحداً من الصحابة في بعض أمره قال: بشّروا"؛ أي: بشروا الناس بالأجر على الطاعات وأفعال الخيرات. "ولا تنفِّروا"؛ أي: لا تخوِّفوهم بأنْ تجعلوهم قانطين من رحمة الله بالذنب. "ويسِّروا"؛ أي: سهّلوا عليهم الأمور من أخذ الزكاة بسهولةِ وتلطُّف. "ولا تعسرِّوا" عليهم بأن تأخذوا أكثر مما يجب عليهم وتتَّبعوا عوراتهم. * * * ٢٨٠٢ - وعن أنسٍ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : "يسِّرُوا ولا تُعسِّروا، وسَكِّنوا ولا تُنَفِّروا". "عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يسِّروا ولا تعسِّروا، وسكِّنوا"؛ أي: سهِّلوا على الناس الأمور. "ولا تنفروا"؛ أي: الخلق عن الدين باليأس عن رحمة الله تعالى عند مباشرتهم المنكرات وارتكابهم السيئات، بل ادعوهم إلى التوبة والطاعات وطيبوا أنفسهم بقبولها وبالثواب على ترك المنكرات، قال ﷺ : "لعنة الله على المنفِّرين، قيل: مَن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يُقنطون الناس (١) من رحمة الله". * * * ٢٨٠٣ - وعن أبي بُردَةَ ﵁ قال: بَعثَ النبيُّ ﷺ جدَّهُ أبا موسى ومُعاذًا إلى اليَمَنِ فقالَ: "يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، وتَطاوَعا ولا تَخْتَلِفا".

стр. 1965

"عن أبي بردة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: بعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جدَّه أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن فقال: يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفرا، وتطاوَعَا ولا تختلفا". "وتطاوعوا"؛ أي: كونوا متفقين في الحكم. "ولا تختلفوا" لئلا يقع بينكم العداوةُ والبغضاء والمحاربة. * * * ٢٨٠٤ - عن ابن عمرَ ﵄: أن رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ الغادِرَ يُنصَبُ لهُ لِواءٌ يومَ القيامةِ، فيقالُ: هذهِ غَدْرَةُ فُلانِ ابن فلان". "عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن الغادر"؛ أي: ناقض العهد. "ينصب له لواء"؛ أي: راية. "يوم القيامة" تفضيحاً له. "فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان" فيشهِّره الله على رؤوس الأشهاد عمَّا ارتكبه من الغدر. "عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُعرف به" كما يُعرف زعيم الجيش بلوائه المنصوبِ خلفه. * * * ٢٨٠٥ - وقال: "لِكُلِّ غادِرٍ لواءٌ يومَ القيامَةِ يُعرَفُ به". ٢٨٠٦ - وقال: "لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ عندَ استِهِ يومَ القيامةِ، أَلا ولا غادِرَ

стр. 1966

أَعْظمُ غَدْراً مِن أميرِ عَامَّةٍ". "وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لكل غادر لواءٌ عند اسْتِهِ يوم القيامة" أراد به خلف ظهره، تحقيراً له بذكره واستهانةً بأمره وزجراً له عن غدره، وإلا فعَلَمُ العز يُنصب تلقاءَ وجه الرجل. "ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة"؛ أي: من غدرِ أمير عامة، وهو الذي يستولي على الأمور بتقديم العوام من غير استحقاقٍ، ولا مشورةٍ من أهل الحلِّ والعقد، وعظمُ غدره لنقضه العهد المشروع، إذ الولاية برأي الخواص. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٨٠٧ - عن عَمرِو بن مُرَّةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "مَن وَلَاّهُ الله شيئاً مِن أمرِ المُسلمينَ، فاحتَجَبَ دونَ حاجَتِهم وخَلَّتِهم وفقرِهم، احتجَبَ الله دونَ حاجَتِهِ وخَلَّتِهِ وفقرِهِ". وفي رواية: "أَغلَقَ الله أبوابَ السَّماءَ دونَ خَلَّتِهِ وحاجَتِهِ ومَسْكَنَتِهِ". "من الحسان": " عن عمرو بن مرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: مَن ولَاّه الله شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم"؛ يعني: منع أرباب الحوائج عند حاجتهم "وخلتهم وفقرهم" أن يلجوا عليه فيَعْرِضوها ترفُّعاً منه عن استماع كلامهم. "احتجب الله دون حاجته"؛ أي: أبعده الله ومنعه، عما يبتغيه، فلا يجد سبيلاً إلى حاجته. "وخلَّته وفقره" والحاجة والخلة والفقر متقاربةٌ في المعنى، وإنما ذكرها

стр. 1967

إما على وجه التأكيد، وإما لأنه أراد بالأولى ما هو أخفُّ مؤونةً من الثانية، وبالثانية ما هو أضعفُ، وعلى هذا الثالثة. "وفي رواية: أغلق الله أبواب السماء دون خلَّته وحاجته ومسكنته". * * * ٣ - باب العَملِ في القضاءِ والخَوفِ منهُ (باب العمل في القضاء والخوف منه) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٨٠٨ - عن أبي بَكْرَةَ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يَقْضيَنَّ حَكَمٌ بيْنَ اثنينِ وهو غَضبانُ". "من الصحاح": " عن أبي بكرة أنه قال: سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: لا يقضين حكم (١) بين اثنين وهو غضبان": لأنه لا يقدر على الاجتهاد والتفكير في مسألة الخصمين. * * * ٢٨٠٩ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إذا حَكَمَ الحاكمُ فاجْتَهَدَ فأصابَ فلهُ أجرانِ، وإذا حكمَ فاجتَهَدَ فأَخطأَ فلهُ أَجْرٌ واحدٌ". "عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:

стр. 1968

إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب"؛ أي: وقع اجتهادُه موافقاً لحكم الله. "فله أجران" أجر الإصابة، وأجر الاجتهاد. "وإذا حكم فاجتهد فاخطأ فله أجر واحد" وهو أجر الاجتهاد، وإنما يؤجَر المجتهد المخطئ على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة، وليس عليه مع خطئه إثم. وهذا في جامعٍ لشرائط الاجتهاد المذكورة في الأصول، وأما غيرُه فغيرُ معذورِ الخطأ، بل يُخاف عليه أعظم الإثم. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٨١٠ - قال رسولُ الله ﷺ : "مَن جُعِلَ قاضياً بينَ النَّاسِ فقد ذُبحَ بغيرِ سِكِّينٍ". "من الحسان": " عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من جُعل قاضياً بين الناس فقد ذُبح بغير سكين" وإنما عدل عن الذبح بالسكين إلى غيره؛ ليعلم الصرف عن الظاهر من هلاك المرء في دينه دون بدنه، أو المراد أنه كالمذبوح بغير سكين في التعذيب مبالغةً في التحذير من الحكومة، إذ الذبحُ بغيرها أشدُّ تعباً ومشقة. ويمكن أن يقال: المراد منه: أن مَن جُعل قاضياً فينبغي أن يموت جميع دواعيه الخبيثة، وشهواته الردية، فهو مذبوحٌ بغير سكين، فالقضاء على هذا الوجه مرغوبٌ فيه، وعلى الوجهين الأولين تحذيرٌ عن الحرص عليه لمَا فيه من الأخطار الردية. * * *

стр. 1969

٢٨١١ - وقال: "مَن ابتغَى القضاءَ وسألَهُ وُكِلَ إلى نَفْسِه، ومَن أُكْرِهَ عليهِ أَنزَلَ الله عليهِ ملَكاً يُسدِّدُه". "عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من ابتغى"؛ أي: طلب "القضاء وسأل": بميل نفسِه إلى المنصب. "وُكل إلى نفسه"؛ أي: لم يعنه الله؛ لأنه اتَّبع هوى نفسه. "ومن كره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدِّده"؛ أي: يحمله على الصواب. * * * ٢٨١٢ - وقال: "القضاةُ ثلاثةٌ: واحدٌ في الجنَّةِ، واثنانِ في النَّارِ، فأمَّا الذي في الجنَّةِ: فرَجُلٌ عَرَفَ الحقَّ فقَضَى بهِ، ورَجُلٌ عرفَ الحقَّ فَجارَ في الحُكْم فهوَ في النَّارِ، ورَجُلٌ قضَى للنَّاسِ على جهل فهوَ في النَّارِ". "عن أبي بردة الأسلمي - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: القضاة ثلاثةً واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار"؛ أي: ظلم "في الحكم، فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ فهو في النار". * * * ٢٨١٣ - وقال: "مَن طلَبَ قضاءَ المسلمينَ حتى ينالَهُ، ثم غلبَ عدلُه جَوْرَهُ فلهُ الجنَّةُ، ومَن غلبَ جَوْرُهُ عدلَهُ فلهُ النَّارُ". "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب"؛ أي: قوي.

стр. 1970

"عدلُه جورَه" بحيث منعه عن الجور؛ أي: الظلم في الحكم. "فله الجنة، ومن غلب جورُه عدلَه" بحيث يمنعه عن العدل "فله النار". فإن قيل: قوله: (حتى يناله) غايةٌ للطلب يُفهم منه أنه بالَغَ في الطلب ثم ناله، فمثلُ هذا موكلٌ إلى نفسه ولا ينزل عليه ملكٌ يسدده، فكيف يغلب عدلُه جورَه؟ يمكن أن يقال: بأن الطالب قد يكون مؤيَّداً بتأييد الله كالصحابة والتابعين، فمَن طلب منهم بحقه لا يكون موكلاً إلى نفسه، وهو يقضي بالحق، وقد لا يكون مؤيَّداً، وهو الذي يكون موكلاً إلى نفسه ويغلبُ جورُه عدلَه. * * * ٢٨١٤ - عن معاذِ بن جَبلٍ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ لمَّا بعثَهُ إلى اليمنِ قال: "كيفَ تقضي إذا عَرضَ لكَ قضاءٌ؟ "، قال: أقضي بكتابِ الله، قال: "فإنْ لم تَجدْ في كتابِ الله؟ "، قال: فبسُنَّةِ رسولِ الله، قال: "فإنْ لم تَجدْ في سُنَّةِ رسولِ الله؟ "، قال: أَجتهِدُ رأيي ولا آلو، قال: فضربَ رسولُ الله ﷺ على صدرِهِ وقال: "الحمدُ للهِ الذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ الله لِما يُرضي رسولَ الله". "عن معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه -: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض عليك قضاءٌ؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسُنَّة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي"؛ أي: أطلب تلك الواقعة بالقياس على المسائل التي جاء فيها نصٌّ، فإن وجدتُ مشابهةً بين تلك الواقعة وبين المسألة التي جاء فيها نصٌّ، أَحْكُمُ فيها بمثل المسألة التي جاء فيها نص لمَا بينهما من المشابهة.

стр. 1971

"ولا آلو"؛ أي: لا أقصِّر في الاجتهاد وبلوغِ الوسع منه في طلب الحق. "قال: فضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسولَ الله ﷺ " وهذا يدل على جواز الاجتهاد وحُجِّية القياس. * * * ٢٨١٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّما أقضي بينَكم برَأْيي فِيمَا لم يُنْزَلْ عليَّ فيهِ". "وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليَّ فيه" وهذا يدل على جواز الاجتهاد للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. * * * ٢٨١٦ - وقال عليٌّ ﵁: بَعثَني رسولُ الله ﷺ إلى اليمنِ قاضياً، فقلتُ: يا رسولَ الله! تُرسِلُني وأنا حديثُ السنِّ ولا عِلْمَ لي بالقضاء! فقال: "إنَّ الله تعالى سيَهدي قلبَكَ وَيُثَبتَ لِسانَك، إذا تَقاضَى إليكَ رجلانِ فلا تَقْضِ للأولِ حتى تسمعَ كلامَ الآخَرِ، فإنَّه أَحْرَى أنْ يتبيَّنَ لكَ القضاءُ"، قال: فما شكَكْتُ في قضاءٍ بَعْدَهُ. "عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: بعثني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله! ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ " لا يريد به نفي العلم مطلقاً؛ لأن علياً كان كثير العلم، بل المراد أنه لم يكن تُرفع إليه القضايا والأحكام، ولم يكن مشتغلاً بفصل الخصومات وكيفية دفع كلام الخصمين؛ لأنه ربما يَمكُر أحدهما الآخر بكلام أو

стр. 1972

فِعْلٍ، ويَخْفَى على القاضي ذلك المكر. "فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، إذا تقاضى إليك رجلان فلا تَقْض للأول حتى تسمع كلام الآخر، قيل: فيه دليلٌ على منع الحكم على غائب؛ لأنه ﷺ منع من الحكم على أحدهما عند حضور أحدهما بدون سماع كلام الآخر، ففي الغائب أَوْلى؛ لإمكان أن يكون معه حجةَ تُبطل دعوى الأخرى. "فإنه أحرى"؛ أي: أحقُّ وأجدر "أن يتبين لك القضاء، قال: فما شككتُ في قضاء بعد". * * * ٤ - باب رزقِ الوُلاةِ وهداياهم (باب رزق الولاة وهداياهم) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٨١٧ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما أُعطيكم ولا أمنعُكم، أنا قاسِمٌ أضعُ حيثُ أُمِرْتُ". "من الصحاح": " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أعطيكم ولا أمنعكم"؛ يعني: لا أعطي أحدًا شيئًا تميل نفسي إليه، ولا يمنع أحدًا شيئًا إلا بأمر الله. "أنا قاسمٌ أضع حيث أُمرت" قاله حين قَسَمَ الأموال؛ لئلا يقع في قلوبهم سخطٌ لأجل التفاضُل في القسمة. * * *

стр. 1973

٢٨١٨ - وقال: "إنَّ رِجالًا يَتَخَوَّضُونَ في مالِ الله بغيرِ حق، فلهُمُ النَّارُ يومَ القيامةِ". "وعن خولة بنت ثامر قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن رجالًا يتخوَّضون في مال الله"؛ أي: يشرعون ويتصرَّفون في مال بيت المال، أو الزكاة، أو الغنيمة. "بغير حق"؛ أي: بغير إذن الإمام، فيأخذون منه أكثر من أجرة عملهم. "فلهم النار يوم القيامة". * * * ٢٨١٩ - عن عائشةَ ﵂ قالت: لمَّا استُخْلِفَ أبو بكرٍ قال: لقد عَلِمَ قومي أن حِرْفَتي لم تكنْ تعجِزُ عن مَؤُونةِ أهلي، وشُغِلتُ بأمرِ المُسلمينَ، سيأكلُ آلُ أبي بكرٍ من هذا المالِ، ويَحترِفُ للمسلمينَ فيهِ. "وعن عائشة قالت: لمَّا استُخلف أبو بكر"؛ أي: جُعل خليفةً. "قال: لقد علم قومي" يريد به قريشًا. "أن حرفتي"؛ أي: صنعتي، وهي ما كان يشتغل به من الكسب قبل الخلافة من التجارة. "لم تكن تعجز"؛ أي: تقصر. "عن مؤونة أهلي" بل كانت تكفيهم قبل خلافتي. "وشغلت بأمر المسلمين"؛ أي: بإصلاح أمورهم من الخلافة، فلا سبيل إلى التفرُّغ للتجارة. "فسيأكل آل أبي بكر"؛ أي: أهله. "من هذا المال" إشارة إلى الحاضر في الذهن، وهو مالُ بيت المال.

стр. 1974

"ويحترف"؛ أي: أبو بكر. "للمسلمين فيه"؛ أي: في هذا المال بتثميره لهم بدل ما كان يأخذ منه. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٨٢٠ - عن بُرَيْدةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن استعْمَلناهُ على عملٍ فرَزَقْناهُ رِزْقًا، فما أخذَ بعدَ ذلكَ فهوَ غُلُولٌ". "من الحسان": " عن بريدة عن النبي ﷺ أنه قال: من استعملناه"؛ أي: جعلناه عاملًا "على عمل فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غُلُولٌ"؛ أي: خيانة. * * * ٢٨٢١ - وقال عمرُ ﵁: عَمِلْتُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ فعَمَّلَني. "وقال عمر: عملتُ"؛ أي: جُعلت عاملًا "على عهد رسول الله"؛ أي: في زمانه. "فعملني"؛ أي: أعطاني العُمالة، وهي بضم العين: أجرة العمل. * * * ٢٨٢٢ - عن مُعاذٍ ﵁ قال: بعثنَي رسولُ الله ﷺ إلى اليمنِ، فلمَّا سِرْتُ أَرسلَ في أَثَري فرَدَدْتُ، فقال: "أَتدري لِم بعثتُ إليكَ؟ لا تُصيبن شيئًا بغيرِ إذْني فإنّهُ غلولٌ ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، لهذا دَعوْتُكَ فامضِ لِعَملِك". "وعن معاذ - رضي الله تعالى عنه - قال: بعثني رسول الله صلى الله تعالى

стр. 1975

عليه وسلم إلى اليمن فلمَّا سرت أرسل في أثري"، أثر الشيء: حصول ما يدل على وجوده. "فرددت، فقال: أتدري لم بعثت إليك؟ "؛ أي: هل تعلم لمَ أرسلت إليك أحدًا؟ "لا تصيبن شيئًا"؛ أي: لا تأخذنَّه "بغير إذني فإنه غلول ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] " تفضيحًا له وتعذيبًا عليه. "لهذا"؛ أي: لأجل هذا "دعوتك فامض"؛ أي: اذهب "لعملك". * * * ٢٨٢٣ - عن المُسْتَورِدِ بن شدَّادٍ ﵁ قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "مَن كانَ لنا عامِلًا فليكتَسبْ زوجةً، فإنْ لم يكنْ لهُ خادمٌ فليكتَسبْ خادمًا، فإنْ لم يكنْ لهُ مَسْكَنٌ فليكتَسبْ مَسكنًا". ويروى: "مَن اتخذَ غيرَ ذلكَ فهو غالٌّ". "عن المستورد بن شداد أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: مَن كان لنا عاملًا فليكتسب زوجةً"؛ أي: يحل له أن يأخذ من بيت المال قَدْرَ مهرِ زوجة ونفقتها وكسوتها. "فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا" "وروي: من اتخذ غير ذلك فهو غالٌّ". * * * ٢٨٢٤ - وعن عَدِيِّ بن عُمَيْرةَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "يا أيُّها

стр. 1976

النَّاسُ، مَن عُمِّلَ منكم لنا على عملٍ، فكتَمَنا منهُ مِخْيَطًا فما فوفَهُ فهوَ غالٌّ يأتي بهِ يومَ القيامةِ"، فقامَ رجلٌ مِن الأنصارِ فقالَ: يا رسولَ الله!، اقبلْ عنِّي عَمَلَك فقال: "وما ذاكَ؟ "، قال: سمعتُكَ تقولُ كذا وكذا، قال: "وأنا أقولُ ذلكَ، مَن استعملناهُ على عَمَلٍ فليَأْتِ بقليلِهِ وكثيرِهِ، فما أُوتيَ منهُ أخذَهُ، وما نُهيَ عنهُ انتهَى". "عن عدي بن عَميرة" بفتح العين على وزن سَرِيرة. "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: يا أيها الناس مَن عَمِلَ منكم"؛ أي: جُعل عاملًا "لنا على عمل فكتمَنا"؛ أي: أخفى عنا. "منه مِخْيطًا" بكسر الميم؛ أي: إبرة. "فما فوقه" معطوف على (مخيطًا)؛ أي: شيئًا يكون فوق الإبرة في الصِّغر. "فهو غالٌّ يأتي به"؛ أي: بما غلَّ "يوم القيامة". "فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله! اقْبَلْ عني عملك": أراد به الاستقالة منه. "فقال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: وأنا أقول ذلك، مَن استعملناه على عمل فليأت بقليله وكثيره فما أُوتي منه"، أي: أُعطي من ذلك العمل "أخذه، وما نهي عنه انتهى". وفي الحديث تحريضٌ للعمال على الأمانة، وتحذيرهم عن الخيانة وإن كان في شيء قليل. * * * ٢٨٢٥ - عن عبدِ الله بن عمرِو قال: "لعنَ رسولُ الله ﷺ الرَّاشيَ والمُرْتَشيَ".

стр. 1977

"عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الراشي" وهو معطي الرشوة، "والمرتشي" وهو آخذها، قيل: الرشوة ما يُعْطِي لإبطال حق أو لإحقاق باطل، فأما إذا أَعْطَى ليتوصَّل به إلى حق، أو ليدفع عن نفسه ظلمًا، فلا بأس به، وكذا إذا أخذ ليسعى في إصابة صاحب الحق فلا بأس به، لكن هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة؛ لأن السعي في إصابة الحق إلى مستحِقِّه ودفعِ الظلم عن المظلوم واجبٌ عليهم فلا يجوز لهم الأخذ عليه. * * * ٢٨٢٦ - وعن عمرِو بن العاص قال: أرسلَ إليَّ رسولُ الله ﷺ : أَنْ اجمعْ عليكَ سِلاحَكَ وثيابَكَ ثُم ائتِني، قال: فأَتيتُهُ وهوَ يتوضَّأُ فقال: "يا عَمْرُو، إنِّي أرسلتُ إليكَ لأِبعثَكَ في وَجْهٍ يُسَلِّمُكَ الله ويُغنِّمُكَ، وأَزْعبُ لكَ زَعْبَةً مِن المالِ"، فقلتُ: يا رسولَ الله! ما كانَتْ هِجرَتي لِلمالِ، ما كانَتْ إلا للهِ ولرسوله، فقال: "نِعِمَّا بالمالِ الصَّالح للرَّجُلِ الصَّالحِ". "وعن عمرو بن العاص أنه قال: أرسل إلي رسول الله ﷺ أن اجمع عليك سلاحك وثيابك ثم ائتني، قال: فأتيته وهو يتوضأ فقال: يا عمرو! إني أرسلت إليك لأبعثك في وجه"؛ أي: أُرسلك في شغل. "يسلِّمك الله"؛ أي: يفيد السلام. "ويغنِّمك"؛ أي: يرزقك الغنيمة. "وأَزْعَبَ"؛ أي: أدفع "لك زَعْبةً؛ أي: قطعة "من المال" أجرةَ لعملك وحقًا لسعيك. "فقلت: يا رسول الله! ما كانت هجرتي للمال، ما كانت" هجرتي "إلا لله

стр. 1978

ولرسوله، فقال: نعما"، (ما) بمعنى شيئًا، والباء في "بالمال" زائدة؛ أي: نعم الشيء المال "الصالح للرجل الصالح"؛ أي: لا بأس بجمع المال الحلال، وفي وصف المال بالصالح إيماءٌ إلى أنه إذا كان يؤدَّى منه حقوق الله تعالى. * * * ٥ - باب الأقضيةِ والشَّهاداتِ (باب الأقضية والشهادات) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٨٢٧ - عن ابن عباسٍ ﵄، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "لو يُعْطَى النَّاسُ بدعْواهُم لادَّعى ناسٌ دِماءَ رِجالٍ وأموالَهم، ولكنَّ البينةَ على المُدَّعي، واليمينَ على المُدَّعَى عليهِ". "من الصحاح": " عن ابن عباس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماء رجال وأموالهم"؛ يعني: لا يُدفع إلى المدَّعي ما ادعاه بمجرد دعواه. "ولكن البينة على المدير واليمين على المدَّعى عليه" والحديث بعمومه حجة على مالك في أن اليمين إنما يتوجه على المدعى عليه المنكِر بشرطِ أن يكون بينه وبين المدعي مخالطةٌ أو مداينةٌ بشهادة شاهدين أو شاهد. * * * ٢٨٢٨ - وقال: "مَن حَلَفَ على يمينِ صَبْرٍ، وهو فيها فاجِرٌ، يَقتَطِعُ بها

стр. 1979

مالَ امرئٍ مسلم، لقيَ الله يومَ القيامةِ وهو عليهِ غضبانُ". "عن الأشعث بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من حلف على يمينِ صبرٍ" بالإضافة، وأصل الصبر: الحبس. والمراد بيمين الصبر: أن يَحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها، وهي لازمة لصاحبها من جهة الحكم، و (على) بمعنى الباء، أو المراد المحلوف عليه، فعلى هذا قيل لها: مصبورة مجازًا، وإن كان المصبور حقيقةً صاحبُها؛ لأنه إنما صُبر - أي: حُبس - لأجلها. وقيل: يمين الصبر هي التي يكون الرجل فيها متعمدًا الكذب قاصدًا لإذهاب مال مسلم، وهو المراد هنا ظاهرًا لقوله ﷺ : "وهو فيها فاجر"؛ أي: كاذب؛ أي: يَفْجُر بالكذب، فأقامه مقام الكذب ليدل على أنه من أنواعه. "يقتطع بها مال امرئ مسلم"؛ أي: يذهب بتلك اليمين بطائفة من ماله. "لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان"؛ أي: مُعْرِضٌ عنه ومعذِّبه. * * * ٢٨٢٩ - وقال: "مَن اقتَطَعَ حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيَمينِه فقد أَوْجَبَ الله لهُ النَّارَ وحرَّم عليهِ الجنَّةَ"، فقالَ لهُ رَجُلٌ: وإنْ كانَ شَيْئًا يَسيْرًا يا رسولَ الله؟ قال: "وإن كانَ قَضيبًا مِن أراكٍ". "عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من اقتطع حقَّ امرئ" وهذا بعمومه متناولٌ لما ليس بمال كحد القذف ونصيب الزوجة وغيرهما. "مسلم" تقييده به؛ لأن المخاطبين بالشريعة هم المسلمون، لا للاحتراز عن الكافر، إذ الحكم فيه كما في المسلم.

стр. 1980

"بيمينه"؛ أي: بحلف الكاذب. "فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة" شدد بإيجاب النار وتحريم الجنة تعظيمًا للأمر، ومبالغة في الزجر والتحذير، أو يُحمل على الحقيقة بتقدير الاستحلال لذلك. "فقال له رجل: وإن كان"؛ أي: حلفه "شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبًا"، وهو قطعة غصن "من أراك" وهي شجرة السواك (١). * * * ٢٨٣٠ - وقال: "إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكم تَخْتصِمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أنْ يكونَ أَلحنَ بحُجَّتِه مِن بعضٍ، فأقضيَ لهُ على نحوِ ما أسمَعُ منهُ، فمَن قضيتُ لهُ بشيءٍ مِن حقِّ أخيهِ فلا يأخُذنَّهُ، فإنَّما أَقطعُ لهُ قِطعةً مِن النَّارِ". "وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنما أنا بشرٌ، وهذا تمهيدٌ لعذره ﷺ فيما عسى يصدر عنه من سهو ونسيان؛ لأن ذلك غير مستبعد من الإنسان، ابتداءً بـ (إنما) تنبيهًا على أن الوضع البشري يقتضي أن لا يدرك من الأمور إلا ظواهرها، فمن الجائز أن يسمع الشيء فيسبق إلى وهمه أنه صدق ويكون الأمر بخلاف ذلك. "وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن"؛ أي: أفصحَ وأفطن. "بحجتهِ من بعض" فيزين كلامَه بحيث أظنه صادقًا في دعواه. "فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه

стр. 1981

فلا يأخذنه، فإنما أقطع له قطعة من النار" والحديث يدل على وجوب الحكم بالظاهر. * * * ٢٨٣١ - وقال: "إنَّ أبغضَ الرِّجالِ إلى الله الأَلدُّ الخَصِمُ". "وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ" بتشديد الدال: صفة من اللَّدَد، وهو الخصومة الشديدة. "الخصِم": بكسر الصاد: شديد الخصومة، تأكيد للألدّ، واللام فيه للعهد؛ أي: الخَصِم مع الله، وهو الكافر، خصومتُه إنكارُه إنشاء الأموات، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ [يس: ٧٧]، وإن حصل للجنس فالحديث محمول على الزجر. * * * ٢٨٣٢ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أن النبيَّ ﷺ قَضَى بيَمينٍ وشاهدٍ. "وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قضى بيمين وشاهد"؛ يعني: كان للمدَّعي شاهدٌ واحدٌ، فأمره ﷺ أن يحلف على ما يدعيه بدلًا عن الشاهد الآخر، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد ﵏. ووجهُ الحديث عند مَن لا يرى القضاء باليمين والشاهد الواحد أنه قضى بيمين المدَّعَى عليه بعد أن أقام المدَّعي شاهدًا واحدًا وعجز عن إتمام البينة. * * * ٢٨٣٣ - وعن عَلْقَمَةَ بن وائِلٍ، عن أبيهِ، قال: جاءَ رجلٌ مِن حَضْرمَوْتَ

стр. 1982

ورَجُلٌ مِن كِنْدَةَ إلى النبيَّ ﷺ ، فقالَ الحَضرَمِيُّ: يا رسولَ الله! إنَّ هذا غَلبني على أرضٍ لي، فقالَ الكِنْدِيُّ: هي أرضي وفي يَدِي ليسَ له فيها حَقٌّ، فقالَ النبيُّ ﷺ للحضْرَمِيِّ: "أَلَكَ بَينةٌ؟ "، قال: لا، قال: "فَلَكَ يمينُهُ"، قال: يا رسولَ الله! إن الرَّجُلَ فاجِرٌ لا يُبالِي على ما حَلفَ عليه، وليسَ يَتَوَرَّعُ مِن شيء، قال: "ليسَ لك مِنهُ إلَّا ذلك"، فانْطَلَقَ ليَحلِفَ، فقال رسُولُ الله ﷺ لمَّا أَدْبَرَ: "لَئِنْ حَلَفَ على مالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلمًا لَيَلْقَينَّ الله وهوَ عنهُ مُعرِضٌ". "عن علقمة بن وائل عن أبيه أنه قال: جاء رجل من حضرموت": اسم بلدة وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جعلا اسمًا واحدًا. "ورجل من كِندة" بكسر الكاف: أبو حيٍّ من اليمن، وهو كندة بن ثور. "إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: ألك بينة؟ قال لا، قال: فلك يمينه، قال: يا رسول الله! إن الرجل فاجرٌ لا يبالي على ما حلف عليه"؛ أي: لا يلتفت إلى شيء حلال أو حرام، أو خير أو شر، أو نفع أو ضر. "وليس يتورع"؛ أي: يتنزه "من شيء، قال: ليس لك منه إلا ذلك"؛ أي: اليمين. "فانطلق"؛ أي: ذهب "ليحلف، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لمَّا أدبر"؛ أي: رجع ذلك الرجل للوضوء: "لئن حلف على ماله ليأكله ظلمًا ليَلْقَينَّ الله وهو عنه مُعْرِضٌ"؛ أي: لا ينظر بنظر الرحمة. * * * ٢٨٣٤ - وقال: "مَن ادَّعى ما ليسَ لهُ فليسَ منَّا، وليَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ".

стр. 1983

"وقال: من ادعى ما ليس له"؛ يعني: مَن ادَّعى دعوى كاذبةً ليأخذ مال أحدٍ بالباطل "فليس منا" في هذا الفعل، "وليتبوأ مقعده من النار". * * * ٢٨٣٥ - وقال: "أَلَا أُخْبرُكم بخيرِ الشُّهداءَ؟ الذي يأتِي بشهادَتِهِ قبلَ أن يُسْأَلَها". "وعن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" قيل: هذا مخصوص بشهادة الحسبة من حقه تعالى كالزكاة والكفارات ورؤية هلال رمضان، أو بما له فيه حق مؤكَّد كالطلاق والعتاق والخلع والعفو عن القصاص، وتحريم الرضاع، وكذلك في حق الآدمي إذا لم يعلم صاحبُ الحق بشهادته، فيشهد بذلك ولا يكتمها كيلا يضيع حقه. * * * ٢٨٣٦ - وقال: "خيرُ النَّاسِ قَرْني، ثُمَّ الذينَ يَلُونهَم، ثُمَّ الذين يَلُونهَم، ثُمَّ يَجيءُ قومٌ تَسْبقُ شهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُهُ شهادَتَه". "عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: خير الناس قرني"؛ أي: أصحابي، وقيل: مَن رآه، وقيل: بل كلُّ من كان حيًا في عهده ﷺ ، وقيل: القرن: أهل كل زمان اقترن أهلُه فيه بعضُهم ببعض في أعمارهم وأحوالهم، وقيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون، وقيل: ستون، وقيل: ثمانون، وقيل: مئة، روي أنه ﷺ مسح رأس غلام وقال: "عش قرنًا" فعاش مئة سنة. "ثم الذين يلونهم" وهم الصحابة.

стр. 1984

"ثم الذين يلونهم" وهم التابعون. "ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادته" وذلك عبارة عن تكثير شهادة الزور واليمين الفاجرة. وقيل: أن يكون متَّهمًا في شهادته لاشتهاره بالزور، فيروِّج شهادتَه تارةَ باليمين قبلها بأن يقول: والله إني لصادق، ثم يشهد، أو بالعكس، وهذا مثلٌ في سرعة الشهادة واليمين والحرص عليهما حتى لا يدري بأيهما يبتدئ من قلة مبالاته بالدين. * * * ٢٨٣٧ - وعن أبي هُريرةَ ﵁: أن النبيَّ ﷺ عرضَ على قومٍ اليمينَ فأسرَعوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بينَهم في اليمينِ أَيُّهم يَحلِفُ. "عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عرض على قوم اليمين فأسرعوا"؛ أي: في اليمين. "فأمر أن يسهم"؛ أي: يقرع. "بينهم في اليمين أيهم يحلف" صورته: رجلان تداعيا شيئًا في يد ثالث ولا بينة لأحدهما، أو لكلٍّ منهما بينة، وقال الثالث: لا أعلم أنه لكما أو لغيركما، فيقرع بين المتداعيين فأيهما خرجت له القرعة حلف وقُضي له به، وبه قال أحمد والشافعي في أحد أقواله. وفي قوله الآخر، وبه قال أبو حنيفة أيضًا: أنه يجعل بين المتداعيين نصفين مع يمين كل منهما، وفي قول آخر له: يترك في يد الثالث. * * *

стр. 1985

مِنَ الحِسَان: ٢٨٣٨ - عن عمرِو بن شُعيْبٍ، عن أبيهِ عن جده: أن النبيَّ ﷺ قال: "البينَةُ على المُدَّعِي، واليمينُ على المُدَّعَى عليه". "من الحسان": " عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنهم -: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: البينة على المدعي واليمين على المدعَى عليه بينهما والقسمة تقطع الشركة" (١). * * * ٢٨٣٩ - عن أُمِّ سَلمةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ : في رَجُلَيْنِ اختصَما إليهِ في مَوَاريثَ لم يكنْ لهما بينَةٌ إلا دَعْوَاهُمَا فقال: "مَنْ قضَيتُ لهُ بشيءٍ مِن حقِّ أخيهِ فإنَّما أَقطعُ لهُ قِطعةً مِن النّارِ"، فقال الرَّجُلانِ كلُّ واحدٍ منهما: يا رسولَ الله! حقِّي هذا لِصَاحِبي، فقالَ: "لا ولكنْ اذهبَا فاقتسِما وتَوَخَّيا الحقَّ، ثم استَهِما ثم لْيُحَلِّلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحِبَهُ". ويُروى أن رسولَ الله ﷺ قالَ في هذا الحديث: "إنما أَقضي بينَكم برأيي فيما لم يُنْزَلْ عليَّ فيهِ". "عن أم سلمة عن النبي ﷺ في رجلين اختصما إليه في مواريث": جمع موروث؛ يعني: تداعَيا في أمتعة، فقال أحدهما: هذه لي ورثتها من مُوَرِّثي، وقال الآخر كذلك. "لم يكن لهما بينة إلا دعواهما"، (إلا) هذه بمعنى غير، ويجوز أن يجعل استثناءً منقطعًا. "فقال: من قضيتُ له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار"

стр. 1986

خوَّفهما النبي ﷺ بذلك. "فقال الرجلان كلُّ واحد منهما: يا رسول الله! حقي هذا لصاحبي، فقال: لا، ولكن اذهبا فاقتسما وتوخَّيا الحق"؛ أي: اطلبا العدل في قَسْمِه واجعلاها نصفين. "ثم اسْتَهِما"؛ أي: اقترعا ليَظهر أيُّ القسمين وقع في نصيب كلٍّ منكما. وقيل: توخَّيا في معرفة مقدار الحق، وذلك يدل على أن الصلح لا يصح إلا في شيء معلوم، والتوخِّي إنما يفيد ظنًّا فضم إليه القرعة؛ لتكون أقوى. "ثم ليُحْلِلْ كلُّ واحد منكما صاحبه": أمر بالتحليل (١) ليكون افتراقهما عن تعيُّنِ براءةٍ وطيبة نفس. "وروي أن النبي ﷺ قال في هذا الحديث: إنما أقضي بينكم برأي فيما لم ينزل علي فيه" وهذا يدل على جواز الاجتهاد له ﷺ . * * * ٢٨٤٠ - عن جابرِ بن عبدِ الله ﵁: أنَّ رَجُلينِ تَدَاعَيَا دابةً فأقامَ كلُّ واحدٍ منهما البينةَ، أنَّها دابَّتَهُ نتَجَها، فقضَى بها رسولُ الله ﷺ لِلَّذي في يَدَيْهِ. "عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رجلين تداعيا دابةً، فأقام كل واحد منهما بينةً أنها دابته نتجها"؛ أي: ولدها. "فقضى بها رسول الله ﷺ للَّذي في يده" وهذا يدل على تقديم بينة صاحب اليد على بينة غيره. * * *

стр. 1987

٢٨٤١ - عن أبي موسى الأشعريِّ: أن رَجُلَيْنِ تَدَاعَيا بعيرًا على عهدِ النبيِّ ﷺ ، فبعثَ كلُّ واحدٍ منهما شاهدَيْنِ فَقَسَمَهُ النبيُّ ﷺ بينَهما نِصفينِ. وبإسناده: أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بعيرًا ليستْ لواحدٍ منهما بينَةٌ فجَعَلَهُ النبيُّ ﷺ بينَهما. "عن أبي موسى الأشعري: أن رجلين ادعيا بعيرًا على عهد رسول الله ﷺ ، فبعث كلُّ واحد منهما شاهدين فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين". "وبإسناده: أن رجلين ادعيا بعيرًا ليست لواحد منهما بينةٌ، فجعله النبي ﷺ بينهما" وهذا يدل على أنه لو تداعيا اثنان (١) شيئًا ولا بينة لواحد منهما، أو لكلٍّ منهما بينة، وكان المدَّعَى به في أيديهما، أو لم يكن في يد واحد منهما، ينصَّف المدَّعَى به بينهما. * * * ٢٨٤٢ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رَجُلينِ اختصَمَا في دابَّةٍ وَلَيْسَ لهما بينَةٌ، فقال النبيُّ ﷺ : "استهِمَا على اليَمينِ". "وعن أبي هريرة: أن رجلين اختصما في دابة وليس لهما بينة، فقال النبي ﷺ اسْتَهِمَا"؛ أي: أقرعا "على اليمين" وهذا مثلُ الحديث الذي قبل الحسان. * * * ٢٨٤٣ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أن النبيَّ ﷺ قالَ لرجلٍ حلَّفَهُ: "احْلِفْ بالله الذي لا إله إلا هو، ما لَهُ عندَك شيءٌ".

стр. 1988

"عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال لرجل حلَّفه"، بتشديد اللام؛ أي: أراد أن يحلِّفه. "احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء". * * * ٢٨٤٤ - عن الأَشْعَثِ قال: كانَ بَيْنِي وبينَ رجُلٍ مِن اليَهودِ أرضٌ فجحدَني، فقدَّمتُهُ إلى النبي ﷺ فقالَ: "ألَكَ بَينَةٌ؟ "، قلتُ: لا، قال لليهوديِّ: "احلِفْ"، قلتُ: يا رسولَ الله، إِذَنْ يَحْلِفَ ويذهبَ بمالي، فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، صحيح. "عن الأشعث بن قيس أنه قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني"؛ أي: أنكرني. "فقدمته إلى النبي ﷺ ، فقال: ألك بينة؟ قلت: لا، قال لليهودي: احلف، قلت: يا رسول الله! إذًا يحلف"؛ يعني: لو حلَّفته لا يبالي بحلفه؛ لأنه يهودي لا يخاف الله. "ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالى" تخويفًا لمن يحلف كاذبًا، أو ينقض عهدًا بسبب متاع الدنيا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾؛ أي: يستبدلون ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما عهد إليهم من أداء الأمانة ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾: الكاذبة ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: شيئا قليلًا من حطام الدنيا ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾؛ أي: لا نصيب لهم من الخير ﴿فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ بما يَسرُّهم ويُفْرِحهم. ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: نظر الرحمة ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾؛ أي: لا يطهِّرهم من الذنوب ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]. * * *

стр. 1989

٢٨٤٥ - عن الأَشْعَثِ بن قيْسٍ: أنَّ رَجُلًا مِن كِنْدَةَ ورَجُلًا مِن حَضْرَمَوْتَ اختصَمَا في أرضٍ مِن اليمنِ، فقال الحَضْرَمِيُّ: يا رسولَ الله، إنَّ أرضي اغتَصبنيها أبو هذا وهي في يَدِهِ، قال: "هَلْ لَكَ بَينَةٌ؟ "، قال: لا ولكن أُحَلِّفُه: والله ما يَعْلمُ أنَّها أرضي اغتَصَبنيها أبوهُ، فتَهَيَّأَ الكِنْدِيُّ لليمينِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَقْتَطِعُ أحدٌ مالًا بيمينٍ إلا لقيَ الله وهو أَجْذَمُ"، فقالَ الكِنْدِيُّ: هي أَرْضُه. "وعنه: أن رجلًا من كندة ورجلًا من حضرموت اختصما في أرض من اليمن، فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا، وهي في يده، قال: هل لك بينة؟ قال: لا ولكن أُحلِّفه والله يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين"؛ أي: أراد أن يحلف. "فقال رسول الله ﷺ : لا يقتطع أحد مالًا بيمين إلا لقي الله وهو أجذم"؛ أي: مقطوع اليد، أو المراد: أجذم الحجة لا لسان له يتكلم به، ولا حجة في يده تكون عذرًا له في أخذ مال مسلم ظلمًا وفي حلفه كاذبًا. "فقال الكندي: هي أرضه". * * * ٢٨٤٦ - عن عبد الله بن أُنيسٍ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ مِن أكبرِ الكَبائِرِ الشِّركَ بالله وعُقوقَ الوالدَيْنِ، واليمينَ الغَمُوسَ، وما حَلَفَ حَالِفٌ بالله يمينَ صَبْرٍ، فأَدْخَلَ فيهِ مثلَ جَناحِ بعُوضَةٍ إلا جُعِلَتْ نُكْتَةً في قلبهِ إلى يومِ القِيامَةِ"، غريب. "وعن عبد الله بن أنيس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن من أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوقُ الوالدين، واليمين الغموس"؛ أي: الحلف على فعلٍ ماضٍ كاذبًا، سميت غموسًا لأنها تغمسُ صاحبها في الإثم.

стр. 1990

"وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها"؛ أي: في تلك اليمين. "مثل جناح بعوضة" من الكذب والخيانة، وما يخالف ظاهرُه باطنَه؛ لأن اليمين على نية المستحلِف. "إلا جعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة" خصَّ الأخير من هذه الثلاثة بالوعيد لزيادة التحذير؛ لكثرة وقوعها في الناس واحتقارهم لها. "غريب". * * * ٢٨٤٧ - عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَحْلِفُ أَحَدٌ عندَ مِنبري هذا عَلَى يَمِينٍ آِثمَةٍ - ولو على سِوَاكٍ أخضرَ - إلا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ من النَّارِ، أو وَجَبَتْ لهُ النَّارَ". "عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمينٍ آثمة"؛ أي: كاذبةٍ، سميت اليمين بها كتسميتها فاجرة اتساعًا، أو وُصفت بصفة صاحبها، أو: ذات إثم. "ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار" شكٌّ من الراوي، قيَّد الحلف بكونه عند منبره تغليظًا لشأن اليمين وتعظيمه وشرفه، وإلا فاليمين الآثمةُ موجبةٌ لسخط الله حيثما وقعت، فتكون في الموضع الشريف أكثر إثمًا. * * * ٢٨٤٨ - عن خُرَيْم بن فَاتِكٍ قال: صلى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصُّبح فلمَّا انصرفَ قامَ قائِمًا وقالَ: "عُدِلَت شَهادةُ الزورِ بالإشراكِ بالله، ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم

стр. 1991

قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ". "عن خريم بن فاتك أنه قال: صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال: عُدلت شهادةُ الزور بالإشراك بالله"؛ أي: ساوته، قالها "ثلاث مرات، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ -] " جعلت الشهادة الكاذبة مماثلة للإشراك بالله في الإثم، لكن الشرك كذب على الله بما لا يجوز، وشهادة الزور كذب على العبيد بما لا يجوز، وكلاهما غير واقعٍ في الواقع. * * * ٢٨٤٩ - عن عائشةَ ﵂ تَرْفَعُه قالتْ: لا تَجُوزُ شَهادةُ خائنٍ ولا خائِنَةٍ ولا مَجلُودٍ حدًّا، ولا ذِيْ غِمْرٍ على أخيهِ، ولا ظَنِينٍ في وَلاءٍ, ولا قَرابَةٍ، ولا القانِعِ لِأَهْلِ البيتِ. ضعيف. "عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - ترفعه: لا تجوز شهادة خائن" أراد به الخائن بأمانات الناس لا الخائن في أحكام الدين، وقيل: أراد به الفاسق، والخيانة من جملة الفسوق، والفاسق: مَن فعل كبيرة، أو أصرَّ على الصغيرة (١). "ولا خائنةٍ، ولا مجلودٍ حدًا" وهو الذي جُلد في حد القذف على ما ورد به التنزيل، وبه ذهب أبو حنيفة إلى أن المجلود فيه لا تقبل شهادته أبدًا وإن تاب. "ولا ذي غمر"؛ أي: حقد "على أخيه" وهو أن يكون بينه وبين المشهود

стр. 1992

عليه عداوةٌ ظاهرة، وهذا يدل على أنه لا يقبل شهادة عدو، وبه قال الشافعي. "ولا ظنينٍ"؛ أي: متهم، فعيل بمعنى مفعول، من الظِّنَّة بمعنى التهمة. "في ولاء" بأن ينسب إلى غير مواليه. "ولا قرابة" بأن ينسب إلى غير أبيه. "ولا القانع مع أهل البيت" المراد به: خادمهم، تردُّ شهادته لهم للتهمة بجلب النفع إلى نفسه. وفي الأصل: هو السائل، من القنوع: الرضا بيسير العطاء. "ضعيف". * * * ٢٨٥٠ - عن عَمرِو بن شُعيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ، ولا خائنةٍ، ولا زانٍ، ولا زانيةٍ، ولا ذِيْ غِمْرٍ على أخيهِ"، ورَدَّ شهادةَ القانِعِ لأهلِ البيتِ. "وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زانٍ ولا زانية، ولا ذي غمرٍ على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، تقدم بيانه. * * * ٢٨٥١ - وعن أبي هُريرةَ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تجوزُ شهادةُ بَدَويٍّ على صاحِبِ قَرْيةٍ". "وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية، لجهالة البدوي أحكامَ الشريعة، وكيفيةَ تحمُّلِ

стр. 1993

الشهادة وأدائها (١)، وغلبة النسيان عليهم، فإن عَلِمَ هذه يجوز. وقيل: لمَا بينهما من العداوة بسبب غبن أهل القرية إياهم. عَمِل مالك بظاهر الحديث وردَّ شهادته، والأكثر على جواز شهادة البدوي العدل على القروي، وأوَّلوا الحديث بما بينَّا. * * * ٢٨٥٢ - عن عَوْفِ بن مالكٍ ﵁: أن النبيَّ ﷺ قَضَى بينَ رَجُلينِ، فقالَ المَقْضىُّ عليهِ لَمَّا أَدبرَ: حَسْبيَ الله ونِعْمَ الوكيلُ، فقالَ النَّبىُّ ﷺ : "إن الله يَلُومُ على العَجْزِ، ولكنْ عليكَ بالكَيْسِ، فإذا غَلَبَكَ أمرٌ فقلْ: حَسْبيَ الله ونِعْمَ الوكيلُ". "عن عوف بن مالك: أن النبي ﷺ قضى بين رجلين فقال المقضىُّ عليه لما أدبر"؛ أي: رجع. "حسبي الله ونعم الوكيل": إنما قال المقضيُّ عليه هذا الكلام إشارة إلى أن المدَّعي أخذ المال منه باطلًا. "فقال النبي ﷺ : إن الله يلوم على العجز" وهو القصور عن فعل ما ينبغي، يعني: أنت مقصِّرٌ في الاحتياط ومَلُومٌ من قِبَل الله بترك ما أقام الله لك من الأسباب. "ولكن عليك بالكيس" وهو التفطُّن والتيقُّظ في الأمور؛ أي: عليك أن تثبت حجتك حتى لاتغلب. "فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل".

стр. 1994

ولعل المقضيَّ عليه كان عليه دينٌ فأداه بغير بينة، فعابه النبي ﷺ على التقصير في الإشهاد. * * * ٢٨٥٣ - عن بَهْزِ بن حَكِيْمٍ، عن أبيه، عن جده: "أنَّ رسولَ الله ﷺ حَبَسَ رَجُلًا فَي تُهْمةٍ ثم خلَّى عنه". "عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ حبس رجلًا في تهمة": بأن ادعى عليه شخص ذنبًا أو دينًا، فحبسه ﷺ ليعلم صدق الدعوى بالبينة. "ثم" لما لم يقم بينة. "خلى عنه" وهذا يدل على أن الحبس من أحكام الشرع. * * *

стр. 1995

١٧ - كِتابُ الجِهَاد

стр. 1996

١٧ - كِتَابُ الجهَاد (كتاب الجهاد) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٨٥٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ آمَنَ بالله وَبرَسُولِهِ، وأقامَ الصلاةَ، وصامَ رمضانَ، كانَ حَقًّا على الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجنَّةَ، جاهدَ في سبيلِ الله أو جَلَسَ في أرضهِ التي وُلِدَ فيها"، قالوا: أفلا نبُشِّرُ الناسَ؟ قال: "إنَّ في الجَنَّةِ مئةَ درجةٍ أعدَّها الله للمُجاهِدِينَ في سبيلِ الله، ما بين الدَّرجتَيْنِ كما بيْنَ السَّماءِ والأرضِ، فإذا سَأَلتمُ الله فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فإنَّه أَوْسَطُ الجَنَّةِ وأَعلى الجَنَّةِ، وفوقَهُ عَرْشُ الرَّحمَنِ، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ". "من الصحاح": " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان" خصَّهما بالذكر من بين العبادات البدنية تنبيهًا على عظم شأنهما، وتحريضًا عليهما؛ لصعوبة موقعهما على الطباع، ومَن راعاهما على كونهما أشق لا يترك غيرهما غالبًا. "كان حقًا على الله"؛ أي: ثابتًا عليه بوعده الصدق. "أن يدخله الجنة" بمزيد رفع الدرجات، أو بالتجاوز عن السيئات. "جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها" وإنما سوى ﷺ -

стр. 1997

بين الجهاد في سبيله تعالى، وبين عدمه في دخول الجنة؛ لأنه فرض كفاية. وروي: (هاجر) مكان (جاهد)، وهذا يدل على أن الحديث صَدَرَ بعد فتح مكة؛ لأن الهجرة قبله كانت فريضة لكل مؤمن؛ ليجتمعوا عند النبي ﷺ وينصروا دينه. "قالوا: أفلا نبشر الناس، قال: إن في الجنة مئة درجة" المراد بالمئة هنا الكثرة، وبالدرجة: المرقاة. "أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله" وهم الغزاة والحجَّاج (١)، أو الذين جاهدوا أنفسَهم لمرضاة ربهم. "ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" قال القاضي: يحتمل أن تجري الدرجات على ظاهرها محسوسًا كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون كالكوكب الدري، وأن يجري على المعنى، والمراد: كثرة النعم وعظم الإحسان مما لم يخطر على قلب بشر. "فإذا سألتم الله"؛ أي: إذا سألتم على الجهاد من الله تعالى درجةً من درجات الجنة المعدة للمجاهدين. "فاسألوا الفردوس" وهو بستان في الجنة جامعٌ لأصناف الثمر. "فإنه أوسط الجنة"؛ أي: أفضلها وأشرفها. "وأعلى الجنة" وضع المُظْهَر موضع المضمر؛ أي: أعلاها. "وفوقه عرش الرحمن" وهذا يدل على أنه فوق جميع الجنان. "ومنه"؛ أي: من الفردوس "تفجَّر"؛ أي: تتفجر "أنهار الجنة" وهي أربعة مذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ

стр. 1998

وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] المراد منها أصول أنهار الجنة. * * * ٢٨٥٥ - وقال: "مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ الله كمثلِ الصائمِ القائمِ القانِتِ بآياتِ الله، لا يَفْتُرُ مِن صِيامٍ ولا صَلاةٍ حتى يرجِعَ المُجاهدُ في سَبيلِ الله". "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه تعالى عليه وسلم: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم بالليل القانت بآيات الله"؛ أي: القارئ للقرآن في صلاته، أو طويل القيام في الصلاة، وهو أخصُّ من القائم. "لا يَفْتُر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله" هذا مِن وَضْعِ الظاهر موضع المضمَر. * * * ٢٨٥٦ - وقالَ: "انتدَبَ الله لِمَن خَرجَ في سَبيلهِ لا يُخْرِجُه إلا إيمانٌ بي، وتصدِيقٌ برُسُلِي، أنْ أُرْجِعَهُ بما نالَ مِن أجْرٍ أو غَنِيمةٍ، أو أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ". "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: انتدب الله"؛ أي: أجاب أو تكفَّل. "لمن خرج في سبيله" قائلًا: "لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي" فالجملة معمولٌ لقول هو حال عن (الله). "أن أرجعه" بدل عن (من خرج)، أو ضمِّن (انتدب) معنى ضَمِنَ، فيكون مفعوله؛ أي: ضمن الله لمن خرج في سبيله أن يرجعه سالمًا. "بما نال من أجر أو غنيمة" معناه: مع ما حصل له من الأجر بلا غنيمة إن لم يغنموا، أو مع الأجر والغنيمة إن غنموا، وروي: (من أجر وغنيمة) بالواو

стр. 1999

أيضًا، وهذه أولى. "أو أدخله الجنة". * * * ٢٨٥٧ - وقال: "والذي نفسِي بيدِهِ، لو أَنَّ رِجَالًا مِن المؤمنينَ لا تطيبُ أنفسُهم أنْ يتخلَّفوا عني، ولا أجدُ ما أَحمِلُهم عليه، ما تَخلَّفتُ عن سَرِيَّةٍ تَغْزو في سَبيلِ الله، وقال: والذي نفسِي بيدِهِ، لَوَدِدْتُ أنِّي أُقْتَلُ في سَبيلِ الله ثم أُحيا، ثم أُقْتَلُ ثم أُحيَا، ثم أُقْتَل ثم أُحْيَا ثم أُقْتَلُ". "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: والذي نفسي بيده لولا أن رجالًا من المؤمنين" والمراد بعض أصحابه الفقراء. "لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني" لعدم مركوبهم. "ولا أجد ما أحملهم عليه"، وجواب (لولا): "ما تخلفت عن سرية" وهي طائفةٌ من الجيش يبلغ أقصاها أربع مئة. "تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت" واللام جواب القسم؛ أي: تمنيت "أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل" وفيه فضل الجهاد، وأنه ﷺ كان يترك أحيانًا رفقًا بالمؤمنين الدين لا مركب لهم. * * * ٢٨٥٨ - وقال: "رِبَاطُ يومٍ في سَبيلِ الله خيرٌ مِن الدُّنيَا وما فيها". "وعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رباط يوم" بكسر الراء: المرابطة، وهو ملازمة ثغر العدو.

стр. 2000

وقيل: هو أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في ثغرهم؛ ليكون كل واحد منهم معدًا لصاحبه معترضًا لقصده. "في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها" من المال. * * * ٢٨٥٩ - وقال: "لَغَدوَةٌ في سَبيلِ الله أو رَوْحَةٌ خيرٌ مِن الدُّنيَا وما فيها". "وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لغدوة" بفتح الغين: الذهاب في أول النهار واللام للابتداء. "في سبيل الله أو روحة" بفتح الراء: الذهاب في آخره. "خير من الدنيا وما فيها" معناه: فضل الغدوة والروحة في سبيل الله وثوابُها خير من نعيم الدنيا كلها؛ لأنه زائل، ونعيم الآخرة باقٍ. * * * ٢٨٦٠ - وقال: "رِباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صِيامِ شَهرٍ وقِيامِهِ، وإنْ مَاتَ جَرَى عليهِ عَمَلُه الذي كانَ يعمَلُهُ، وأُجْرِيَ عليهِ رِزقُهُ، وأَمِنَ الفَتَّانَ". "وعن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات"؛ أي: المرابط؛ لدلالة الرباط عليه. "جرى عليه عمله الذي كان يعمله" من الجهاد لو لم يمت، فإنه رابَطَ ليجاهد؛ يعني: يُعطَى ثواب الجهاد، فيعطَى ثواب عمله ناميًا غير منقطع إلى يوم القيامة. "وأجري عليه رزقه" وهو الرزق الموعود للشهداء، كما قال الله تعالى:
следующие страницы →