← Фикх общий

Фикх общий · id 17793

تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور

أحمد المحمصاني

Полный текст (44 стр.). Показаны 36–44 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الرابع في التنفير من الكذب والاعتصام بالصدق وذكر بعض الآيات والأحاديث في ذلك لمَّا كانت شهادة الزور من أنواع الكذب ناسب أنْ نُورد بعض الآيات والأحاديث الواردة في التنفير منه والبعد عنه، وما أوعد الله به الكاذبين، ونُتْبع ذلك بلمعة في فضيلة الصدق وما أعدَّه الله للصادقين. قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ [النساء: ٤٩، ٥٠]. وقال : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧]. وروى الخطيب البغدادي في المتفق عن عبد الله بن جَرَاد قال: قال

стр. 37

أبو الدرداء: يا رسول الله هل يكذب المؤمن؟ قال: "لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر مَنْ إذا حَدَّث كذب" (١). وفي رواية أنَّ أبا الدرداء سأل النبي ﷺ : هل يكذب المؤمن؟ قال: "لا" ثم أَتْبعها نبي الله ﷺ حيث قال هذه الكلمة: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) [النحل: ١٠٥]. وروى ابن ماجه والنسائي عن أوسط بن إسماعيل: قال سمعت أبا بكر الصدِّيق ﵁ يخطب بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي هذا عام أول ثم بكى وقال: "إيَّاكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار" (٣). وقال ابن مسعود: قال النبي ﷺ : "لا يزال العبدُ يكذبُ ويتحرَّى الكذب حتى يُكتبَ عند الله كَذَّابَا" (٤). وعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر ﵁ يقول: إيَّاكم والكذب فإنَّ الكذب مجانبٌ للِإيمان (٥).

стр. 38

وعن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ قال: إياكم والكذب فإنَّ الكذب يَهدي إلى النار. وقال بعض الحكماء: الكذاب لِصّ؛ لأن اللصّ يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك. وقال الِإمام أبو محمَّد علي ابن حزم الأندلسي في كتاب "الأخلاق والسِّير" ما نصه (١): (لا شيء أقبح من الكذب، وما ظَنُّكَ بعيب يكون الكفر نوعًا من أنواعه، فكل كُفر كذب، فالكذب جنس والكفر نوع تحته. والكذب متولد من الجَوْر والجُبْن والجهل؛ لأن الجبن يولِّد مهانة النفس والكذاب مَهِين النفس بعيد عن عزتها المحمودة). الاعتصام بالصدق قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وقال في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. وقال ﷺ : "عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البِرِّ" (٢). وقال ﷺ : "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا فتح له قُفل قلبه وجعل فيه اليقين

стр. 39

والصدق، وجعل قلبه واعيًا لما سَلَك فيه وجعل قلبه سليمًا ولسانه صادقًا وخليقته مستقيمة، وجعل أذنه سميعة وعينه بصيرة" (١). وقال ﷺ : "تحرَّوا الصدق وإنْ رأيتم أنَّ فيه الهَلَكَة فإنَّ فيه النجاة، واجتنبوا الكذب وإنْ رأيتم فيه النجاة فإنَّ فيه الهَلَكَة" (٢). وروي عن النبي ﷺ أنَّه قال للحسن بن علي ﵄: "دع ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبك، فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب رِيبة" (٣). وقال بعض الأدباء: لا سيف كالحق ولا عون كالصدق، ولذلك قيل: مَنْ قلَّ صدقه قلَّ صديقه. وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]. وقال : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾ [الأحزاب: ٢٣، ٢٤]: ويَجْمُل بنا أن نذكر نبذة في الصدق أوردها الِإمام شمس الدين

стр. 40

محمَّد ابن قَيِّم الجوزية في كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد ﷺ " (١)، وهي: إنَّ الله عظَّم مقدار الصدق وعلَّق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرَّهما به، فما أنجى الله مَنْ أنجاه إلاَّ بالصدق، ولا أهلكَ من أهلكَه إلاَّ بالكذب. وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. وقد قسَّم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق، والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب، وهو تقسيم حاصر مطَّرد منعكس، فالسعادة دائرة مع الصدق والتصديق، والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب. وأخبر أنَّه لا ينفعُ العبادَ يوم القيامة إلاَّ صدقهم، وجعل عَلَم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذبَ في أقوالهم وأفعالهم. فجميع ما نَعَاه عليهم أصلُه الكذب في القول والفعل، فالصدق بريد الِإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه، (بل هو لُبُّه وروحه. والكذب بريد الكفر والنفاق ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه) (٢) ولُبُّه. فمضادة الكذب للِإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والِإيمان إلاَّ ويطرد أحدهما صاحبه ويستقرُّ موضعه. والله سبحانه أنجى الثلاثة بصدقهم (٣) وأهلك غيرهم من المتخلِّفين بكذبهم،

стр. 41

فما أنعم الله على عبد بعد الإِسلام بنعمة أفضلَ من الصدق الذي هو غذاء الإِسلام وحياته، ولا ابتلاه ببليَّة أعظمَ من الكذب الذي هو مرض الإِسلام وفساده. انتهى ببعض تصرف. * * *

стр. 42

خَاتمَة ينبغي للمسلم أن يكون هَمُّه وقصده دائمًا في جميع شؤونه إطاعته لله ورضوانه، والبعد عما يدنِّسه من المعاصي والمُوبقات، وأن يعمل لاتِّباع ما جاء به الرسول ﷺ ويجتنب الابتداع، فالخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع. وليلزم التقوى فإنَّها العماد والسبب الأقوى، وهي وصية الله إلينا وإلى الأُمم من قبلنا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. واعلم يا أخي أنَّ جُمَاع الخير كله في تقوى الله واعتزال شرور الناس، ومن حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وقد قيل إنَّ العاقل لا ينبغي أن يُرى إلاَّ ساعيًا في تحصيل حسنة لمعاده أو دِرهم لمعاشه، فكيف به مع ذلك إذا كان مؤمنًا عالمًا بما أعدَّ الله له من ثواب وعقاب على الطاعة والمعصية. وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَرَّه أنْ يكون أعزَّ الناس فليتقِّ الله، ومن سَرَّه أنْ يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثقَ منه بما في يده، ومَنْ سَرَّه أنْ يكون أقوى الناس فليتوكَّل على الله" (١).

стр. 43

وقال سيِّدنا عليَّ بن أبي طالب ﵁: مَنْ سَرَّه الغِنى بلا مال والعزّ بلا سلطان والكثرة بلا عشيرة فليخرج من ذُلِّ معصية الله إلى عِزِّ طاعته فإنه واجدٌ ذلك كله. وقال رسول الله ﷺ : "أمرني ربي بتسع: الِإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الغضب والرضاء، والقصد في الفقر والغنى، وأنْ أعفو عمن ظلمني، وأصل مَن قطعني، وأعطيَ مَنْ حرمني، وأن يكون نُطقي ذِكْرًا وصمتي فكرًا، ونظري عِبرة" (١). ومن كلام إمامنا الشافعي ﵁: مَنْ لم تعزَّه التقوى فلا عزَّ له. ورحم الله القائل: لكل شيء إذا ضيَّعتَه عِوضُ ... وليس لله إنْ ضَيَّعتَ مِن عوضِ والقائل: إذا أبقتِ الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليسَ بضائر ولا خير في حياة لا تُصرف في طاعة الله والعمل لما يرضيه. وواجب على أهل العلم أن يصدعوا بالحق، ويقودوا الناس إلى طريق الرشاد، ويقفوا في سبيل المنكرات والمفسدات، ويُحذِّروا الناس

стр. 44

مما يضرهم ويهلكهم. ومن شِيَم العالِم أنْ يكون عارفًا بزمانه، مُقبلاً على شأنه وكلُّ من لا يشعر من نفسه في أي عمل كان أنَّه مرتبطٌ بأمةٍ يسعَدُ بسعادتها ويشقى بشقائها فهو إما مُفرِّط أو غَاشٌّ أو مقصر. وقد قال سيدنا عليّ كرَّم الله وجهه ورضي عنه: مَنْ قَصَّر في العمل ابتُلي بالهم (أي: الحسرة على فوات الثمرة)، ولا حاجة لله فيمن ليس لله في ماله ونفسه نصيب. وقال ﵁: قيمة كل امرئ ما يُحسنه. وفقنا الله جميعًا لما فيه خير الأمة والعمل لما يصلحها ويرقيها، آمين، اللهم آمين. ووافق الفراغ من هذه الرسالة ضحى يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة عام ألف وثلاثمائة وسبعة وعشرين من الهجرة النبوية، والحمد لله بنعمته تتم الصالحات، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليمًا كثيرًا (١).