← Фикх общий

Фикх общий · id 17796

إرشاد العباد في فضل الجهاد

حسن البيطار

Полный текст (45 стр.). Показаны 36–45 · переход к 41.

стр. 36

يوشك أن يعمَّهم بعذاب من عنده" (١). فانتبهوا رحمكم الله من نوم هذه الغفلة، وبادروا بالأعمال الصالحات، فقد أزلفت النُّقْلَةُ. أَوَلَم تعلموا أنَّ بإقامة الحدودة تنزل الرحمة من الرب المعبود؟ وتستقيم بإذن الله جميع الأمور؟ وينقطع أهل البغي والفجور؟ فالقطع في السرقة فيه حِفظ الأموال، التي بها قامت سائر الأحوال، والحدُّ في الزنا فيه حفظ الإنساب، التي التباسها يؤدي إلى التخليطِ في الانتساب، والالتباسِ في المواريث التي أحلَّها رب الأرباب، أو، الحدُّ في القتل فيه حفظ النفوس، التي خُلقت لخدمة الملك القدوس، والحدُّ في القذف فيه حفظ الأعراض، وكذلك جميع حدود الشرع الشريف، المحفوظ من التبديل والتحريف. فبدَّلتم وغيَّرتم أغلب ما إليه نُدِبتم، وأسعفتم الشيطان حيث دلَّكم بغروره، واستنزلكم بإضلاله وفجوره. وعصيتم سيّد البشر، في غالب ما نهى عنه وأمر، وجعلتم لأنفسكم ارتباطات استحسنتم ظواهرها بمخالطة الأجانب من أهل الملل، هي خلاف معتبر العادات، فأعقب ذلك خللاً (٢) وعللاً كإدخال السم في المطعومات، لا يصغي لاستماعها عاقل، ولا يرضى بذكرها ناقل.

стр. 37

وبعتم أنفسكم بالدينار والدرهم، الذي آخر الأول نار وآخر الثاني هم. فلما اتَّبعتم أهواءكم، وتبعتم أراذلكم ونساءكم وصغاركم وسفهاءكم؛ فَسَدت بها بتقدير الله جميع الأحوال، ورفعت البركة من الأموال، وحُجِبتْ القلوب عن سماع المواعظ، فلم يؤثر فيها كلام حكيم ولا وعظ واعظ؛ فنعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق في السرِّ والِإعلان. فسارعوا عباد الله لدخول حرز التوبة، وأقلعوا عن كل زلّة وحَوْبة، فعسى تنالوا إن شاء الله قُربة؛ لأنَّ التوبة تطهِّر العبد من قبائح سيِّئاته، ويكتسب بها في أعلا الفردوس جزيل هباته، فيصير بعد البعد قريبًا، وبعد الهجر حبيبًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال رسول الله ﷺ : "التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١). ومبدؤها الصبر عن المعاصي، ونهايتها اتباع سُنَّة شفيع الخلق من الداني والقاصي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقال في فضل اتِّباع سُنَّة نبته وحبيبه ﵊: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. فإنكم إن امتثلتم أمر ربكم، واستغفرتموه من جميع ما سَلَف من مخالفتكم وقُبح ذنبكم، واتَّبعتم سُنَّة نبيّكم، وأحببتم بعضكم؛ نَفَس عنكم

стр. 38

ما اشتدَّ من كربكم، وأصلح لكم ما اختلَّ من أحوال عزكم وظفركم بأعدائكم، وآتاكم النصر من أمامكم وورائكم، وأمدَّكم بنصره وعزّه، وأدخلكم في كنفه وحرزه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، أي: إن تنصروا دين الله ورسوله وخليفته ينصركم ويثبِّت أقدامكم. فالبدارَ البدارَ معاشرَ المسلمين! والعجلَ العجلَ عبادَ الله المؤمنين! فهذا منادي التوجُّهِ يناديكم، وهذه الآيات والأحاديث تستفزكم لجهاد من طغى عليكم من أعاديكم، مذكَّرةً لكم بعض ما أعدَّ الله للمجاهدين من عظيم ثوابه، وما ادَّخر لهم من الخيرات في أعلى الجنة مع خاصة أحبابه؛ فمن كان طالبًا رضوان ربه فهذا أوانه، ومن كان طامعًا في نَيْل قربه فهذا إبانه؛ لأنَّ الأعداء -دمَّرهم الله- قد استفاض من خبرهم بأنهم عازمون على الخروج إليكم، وقد اصطلحوا على الورود عليكم. فاعزموا هممكم -رحمكم الله- للِإكثار من اكتساب العُدد، من أجاويد الخيل الموصلة للغرض في أقرب الأمد، وأقيموا إليهم الرحلة، وائتوهم على حين غفلة، ولا تعطوهم فترة ولا مُهلة، فعساكم إن أوجفتم عليهم بخيلكم ورَجِلِكم تظفروا إن شاء الله بآمالكم، وتحوزوا جميع ما بأيديهم، وتَغْنَموا أموالهم وأهليهم. قال ﷺ : "رباط ليلة على ساحل البحر أفضل من قيام الخلائق وصيامهم سنة، فإن مات (١) في رِباط فهو مرابط إلى يوم القيامة" (٢).

стр. 39

وروى مكحول عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: فضل صلاة الرجل متقلدًا بسيفه في سبيل الله على صلاة الذي يصلي بغير سيف سبعون ضعفًا، ولو قلتُ سبعمائة ضِعف لكان ذلك (١). وروي عنه ﵊ أنه قال: "ما اصطحب قوم في سبيل الله إلاَّ كان أعظمهم أجرًا أحسنهم خُلُقًا" (٢). فتمسَّكوا عباد الله بدينكم، واقتدوا بفعل نبيكم، وما كان عليه الصحابة الكرام والأئمة الأعلام، من حمايتهم ونصرهم لدين الإِسلام، وملازمتهم لسُنَّة نبيِّه ﵇، وقد بالغ في أذيَّته المشركون والمنافقون، وهو مع ذلك حين شَجُّوا وجهه الشريف وكسروا رُبَاعِيَتَه يقول: "اللَّهُمَ اغفِر لقومي فإنهم لا يعلمون" (٣). فينبغي للِإمام أو نائبه أن يأخذ بالاحتياط للمسلمين، وأن يرتبهم عند القتال كما ذكر العلماء في سائر الدواوين، فإذا وجد فيهم ضعفًا أو آنس فيهم خوفًا حضَّهم على الصبر واللَّجَإِ إلى الاستغفار، وكثرة الدعاء للملك القهَّار، الذي له القدرة والانتصار. قال النووي رحمه الله تعالى: يُستحبُّ للمجاهد استحبابًا مؤكدًا أن يقرأ من القرآن ما تيسَّر، وأن يدعو بالدعاء المأثور الذي هو في الصحيح

стр. 40

مذكور: "لا إللهَ إِلاَّ اللهُ الحليمُ العظيمُ، لا إلهَ إلاَّ اللهُ ربُّ العَرْشِ الكريم العَظِيم، لا إلله إلاَّ اللهُ رب السماوات وربّ الأرض ربّ العرش الكريم، وحسبُنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليّ العظيم، اعتصمنا بالله، واستعنَّا بالله، توكلنا على الله" (١). وكان ﵊ إذا غزا يقول: "اللَّهُمَّ أنت عَضُدِي ونصيري، بِكَ أَحُولُ وبِكَ أَصول، وَبِكَ أُقاتل ... " (٢) إلى غير ذلك من الأدعية والأذكار المأثورة عن النبي المختار ﷺ ، وبغير ذلك من التوسُّلات المأخوذة عن العلماء الأعلام والجهابذة الفخام. وليختم جميع ذلك بالصلاة على النبي ﵊، فإنها باب القبول ونِعَم الختام. * * *

стр. 41

خاتمة في حكم الغنيمة وإنما ذكرتُ حُكمها في هذه النبذة تفاؤلاً بحصولها، فأقول: الغنيمة، معناها لغة: الربح. وشرعًا: مال أو ما ألحق به، حصل لنا من كفار أصليين مما هو لهم بقتال منّا، أو إيجاف خيل أو رِكاب أو نحو ذلك، ولو بعد انهزامهم في القتال أو قبل شهر السلاح حين التِقاء الصفين. ومن الغنيمة ما أُخذ من دارهم سرقة أو اختلاسًا أو لُقَطة، أو ما أَهْدَوْا لنا أو صالحونا عليه، والحرب قائم. ومن قتل قتيلًا أُعطي سَلَبه إن اشترط له الِإمام (١) لخبر الشيخين: "مَن قَتَل قتيلاً فله سَلَبه" (٢). وروى أبو داود أنَّ أبا طلبة ﵁ قَتَل يوم خيبر عشرين

стр. 42

قتيلًا وأخذ سَلَبهم (١). والسلب: ثياب القتيل التي هي عليه، والخف، وآلة الحرب كدرع وسلاح ومركوب، وآلته من نحو سرج ولجام، وكذا سوار ومنطقة وخاتم ونفقة معه. وتقسم الغنيمة بعد ذلك -أي: بعد إعطاء السلب وإخراج المؤن- خمسة أخماس متساوية؛ فيعطى أربعة أخماسها من عقار ومنقول لمن شهد الوقعة بنيَّة القتال، وهم الغانمون؛ لِإطلاق الآية الكريمة وعملًا بفعله ﷺ في أرض خيبر، سواء أقاتل مَنْ حَضَر بنيَّة القتال مع الجيش أم لا؛ لأنَّ المقصود تهيُّؤُه للجهاد وحصوله هناك، فإن تلك الحالة باعثة على القتال، ولا يتأخَّر عنه في الغالب، مع تكثيره سواد المسلمين، وكذا من حضر لا بنيَّة القتال وقاتل في الأظهر، ومن لم يحضر أو حضر لا بنيَّة القتال ولم يقاتل لم يستحق شيئًا. ويُدفع للفارس ثلاثة أسهم، له سهم ولفرسه سهمان للاتباع فيهما، رواه الشيخان (٢). ومن حضر بفرس يركبه يُسهم له وإن لم يقاتل عليه إذا كان يمكنه ركوبه، ولا يعطى إلاَّ لفرس واحد وإن كان معه أكثر منها؛ لأنَّه ﷺ لم يعط الزبير إلاَّ لفرس وكان معه يوم خيبر أفراس (٣).

стр. 43

ويُدفع للراجل سهم واحد؛ لفعله ﷺ ذلك يوم خيبر، متفق عليه (١). ولا يُسهم إلاَّ لمن استكملت فيه سِتّ شرائط: الإِسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورية والصحة، فإن اختلَّ شرط من ذلك رُضِخَ له، ولم يُسْهَمْ لواحد منهم؛ لأنهم ليسوا من أهل الجهاد. والرضخ: اسم لما دون السهم من العطاء، مُفوَّض قدره للِإمام أو نائبه، حيث لم يَرِدْ فيه تحديد، فيُرجع فيه إلى رأيه، ويُفاوِتُ على قَدْر نفع المُرضَخ له. والخمسُ الباقي بعد أربعة أخماس الغانمين يقسَّم أثلاثًا: لليتيم والمسكين وابن السبيل، وقدم فقراء ذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب من الأصناف الثلاثة عليهم؛ لجواز الصدقات لغيرهم لا لهم، ولا حق لأغنيائهم، وذِكْرُ الله تعالى في الآية للتبرك، وسهم النبي ﷺ سقط بموته. وعند الشافعي يقسَّم السهم الخامس بعد ذلك على خمسة أسهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ...﴾ [الأنفال: ٤١]. الأول: سهم رسول الله ﷺ يُصرف بعده لمصالح المسلمين. والثاني: سهم لذوي القربى وهم آل النبي ﷺ . والثالث: سهم اليتامى؛ للآية المذكورة، جمع يتيم، وهو صغير ذكر وأنثى، لا أب له.

стр. 44

والرابع: سهم المساكين، ويدخل فيهم الفقراء. والخامس: سهم ابن السبيل، وهو منشئُ سفرٍ مباح لا مال معه يوصله إلى وطنه. وبقية مباحث ما يتعلَّق بالغنيمة من أحكام النساء والذراري والأسرى مذكورة في كتب الفقه، ليست هذه النُّبذةُ محلَّ بسطها، وفي هذا القدر كفاية لذوي الهمم العوال، مُغنية لكمال الموفقين من الرجال. فرحم الله امرأً نظر إلى المقول ولم ينظر إلى من قال وسدل بعد الستر بعد التأمل في المقال. اللهُمَّ عَذِّب الكَفَرة الذين يصدون عن سبيلك، ويقاتلون أوليائك ويكذبون رسلك، وأنزل بهم بأسك الذي لا يُردُّ عن القوم الظالمين. اللهُمَّ زلزل أقدامهم ونكِّس أعلامهم واجعلهم هم وأموالهم وأولادهم غنيمة للمسلمين. اللهُمَّ بَدِّد شملهم، اللَّهُمَّ فَرِّق جمعهم، اللَّهُم فُلَّ حَدّهم، اللهمَّ اجعل الدائرة عليهم، اللهُمَّ أرسل العذاب إليهم، اللَّهُمَّ أخرجهم عن دائرة اللطف والحلم، واسلبهم مدر الِإمهال، وغل أيديهم، واربط على قلوبهم، ولا تبلِّغهم فينا الآمال. اللهُمَّ مَزِّقهم كل مُمزَّق مزَّقته لأعدائك، وانتصر لنا انتصارك لأوليائك وأنبيائك ورسلك. اللهُمَّ انصرنا نصرك لأحِبَّائك على أعدائك. اللهمَّ لا تمكِّن الأعداء فينا ولا منَّا، ولا تسلِّطهم بذنوبنا علينا. اللهُمَّ إنَّا آمالنا في فضلك عظيمة، وأعمالنا غير مستقيمة، فلا

стр. 45

تحرمنا من فضلك وكرمك بما ضيَّعنا من حقوقكَ وانتهكنا من حُرَمك، وتقطع عنَّا ما عوَّدتنا من جزيل نعمتك يا أرحم الرَّاحمين. إلهي أنت قلتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، فها نحن متوجِّهون إليك بكليتنا فلا تردَّنا، واستجب لنا كما وعدتنا. اللَّهُمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلحهم وأصلح ذات بينهم، وألِّف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الِإيمان والحكمة، وثبِّتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يشكروا نِعمتك التي أنعمتَ عليهم، وأن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوِّك وعدوّهم إله الحق، واجعلنا منهم. اللهُمَّ صَلِّ وسلِّم على سيِّدنا محمَّد، وعلى آله وأصحابه، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. تمَّت في ٢ شهر جمادى الثاني سنة ألف ومائتين وسبعين (١). * * *