مقدمة المحقق
إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه؛ فلا مضل له، ومن يُضلل؛ فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد:
فهذه طبعة جديدة من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" للإمام الرباني، وشيخ الإسلام الثاني (ابن قيم الجوزية)، رحمه اللَّه تعالى، يأخذ مكانه اللائق به في المكتبة التراثية، بعد ضبط نصه، ومقابلته على عدة نسخ خطية (١)، والتعليق عليه (٢)، وتخريج أحاديثه وآثاره، وتوثيق نقولاته، مع مقارنة مواضعه بمواطن بحثها في كتبه الأخرى (٣).
* نسبة الكتاب لمؤلفه:
نسبة هذا الكتاب لابن القيم صحيحة بيقين، والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، منها:
стр. 6
أولًا: نسبه له بعنوان: "إعلام الموقعين عن رب العالمين" جماعة من العلماء ممن ترجم له، منهم: تلميذه ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٥٠)، وقال: "ثلاث مجلدات"، وعنه ابن العماد في "شذرات الذهب" (٦/ ١٦٩).
وذكر له أيضًا بالعنوان نفسه: ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٣/ ٤٠٢)، والداودي في "طبقات المفسرين" (٢/ ٦٠٣)، والسيوطي في "بغية الوعاة" (١/ ٦٣)، والشوكاني في "البدر الطالع" (٢/ ١٤٤)، والعليمي في "المنهج الأحمد" (٥/ ٩٤)، و"الدر المنضد" (٢/ ٥٢٢)، وابن ضويان في "رفع النقاب" (٣٢٠)، وحاجي في "كشف الظنون" (١/ ١٢٥)، والبغدادي في "هدية العارفين" (٢/ ١٥٨)، والزِّركلي في "الأعلام" (٦/ ٥٦)، والطريقي في "معجم مصنفات الحنابلة" (٤/ ٢٧٦).
ونسبه له بعنوان مقارب (١): تلميذه خليل بن أيبك الصفدي في "أعيان العصر" (٤/ ٣٦٩)، و"المنهل الصافي" (٣/ ق ٦٢).
ثانيًا: ذكره المصنف في ثلاثة من كتبه: "الفوائد" (ص ٣٠ - ط دار اليقين)، و"التبيان في أقسام القرآن" (ص ١٤٦ - ط طه شاهين)، و"إغاثة اللهفان" (١/ ٢٢ - ط الفقي)، وأحال في هذه الكتب على مباحث موجودة في كتابنا "الإعلام"، وسيأتي بيان هذا مفصلًا قريبًا تحت عنوان (ضبط اسمه).
ثالثًا: الموجود على النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق (٢)، وغيرها، فإنها جميعًا مطبقة على صحة نسبة هذا الكتاب لابن القيم.
رابعًا: نقولات العلماء الكثيرة المستفيضة على اختلاف أمصارهم وأعصارهم، وتنوِّع مذاهبهم وفنونهم ومشاربهم منه، وهذا النقل قد يقع بالحرف، على طول فيه أحيانًا، أو اختصار، أو بالإحالة على بحث مسألة على وجه فيه تحرير وتدقيق، وهذا بعض ما يدلّل على ذلك، واللَّه الموفق:
١ - قال برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ) في كتابه "المبدع" (٧/ ٦٨): "وقوى في "إعلام الموقعين"، أن الرجل أشدُّ شهوة من المرأة، وأنَّ حرارته أقوى من حرارة المرأة، والشهوة تتبعها الحرارة، بدليل أن الرجل إذا جامع امرأة، أمكنه مجامعة غيرها في الحال"، وهذا موجود في نشرتنا (٢/ ٣٢٦).
стр. 7
٢ - وقال أيضًا في (٧/ ٧٤): "وفي "إعلام الموقعين": وظاهره أنه إذا لم يجد طولًا لحرة مسلمة ووجد طولًا لحرة كتابيه أن له نكاح الأمة، قاله في "الانتصار" لظاهر الآية، وصرح الأكثر بعدم اشتراط الإسلام. . . " وهذا موجود في نشرتنا (٤/ ٢٦٨).
٣ - ونقل في (٧/ ٨٦)، مسألة (تزويج عبده بمطلقته) (١)، وقال: "قاله في "إعلام الموقعين"" وهذا موجود في نشرتنا (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
في نقولات عديدة جدًّا، تراها مزبورة في هذه المقدمة، تحت العناوين: (ضبط اسمه) ، (أهمية الكتاب وفائدته وأثره فيما بعده)، (موضوعه).
* ضبط اسمه (٢):
ذُكِر هذا الكتاب على وجوه وألوان، الصحيح والقوي منها اثنان:
الأول: "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، وبهذا اشتهر عند العلماء والباحثين، مع التنويه على اختلافهم (٣) في ضبط همزة (إعلام) هل هي بالكسر أم بالفتح؟ فذهب بعضهم إلى أنه بالكسر، وهذا هو الدارج على ألسنة علماء العصر، وسمعتُه هكذا -بالكسر- بالنطق من مجموعة من المشايخ والعلماء، منهم: شيخنا المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وشيخنا الفقيه العلامة مصطفى الزرقاء، مع قوله: "لا يوجد -فيما أعلم- دليل يصلح للقطع بأن مؤلفه ﵀ وضعه هكذا أو هكذا، لأني أتذكر أني تتبعتُ الدلائل كثيرًا، فلم أصل إلى نتيجة قطعية. ولكلٍ دليل:
فذِكرُه -أي ابن القيم- كبارَ أهل الفُتيا والقضاء من الصحابة والتابعين على نطاق واسع: يُوحي بالفتح جمعًا (لِعَلَم) (٤). وكونُه -أي الكتابْ- يتضمّن كثيرًا من الفقه والتوجيه والتأصيل الشرعي في رأيهِ وفهمِه واجتهاده: يُوحي بالكسر،
стр. 8
كأنما هو خطاب للمتصدّين للفتوى والقضاء، الموقّعين عن اللَّه، فهو إعلام لهم. فتكون القضية فيه قضيةَ ترجيح لأحد الوجهين، استحسانًا باختلاف التقدير، لا قضيةَ خطأ وصواب، لأنّ مدار الخطأ والصواب في أحدهما إنما هو معرفةُ ما وضَعَ المؤلف وأراد، وهذا لم يُعرف".
وأما الفتح، فهذا الذي ذهب إليه الأستاذ العلامة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، في الطبعة التي اعتنَى بإخراجها، وطُبعت بمطبعة السعادة بالقاهرة سنة ١٣٧٤ في أربعة أجزاء، فقد أَثبت الهمزة فوق الألف في كلامه لبيان اختتام كل جزء من الأجزاء الأربعة، وفي مفتتح فهرس كل جزء منها، وفي ختام كل فهرس منها أيضًا، مما دَلَّ على أن ذلك مقصود له للإشارة إلى هذا الضبط.
وقد قوّى الشيخ بكر أبو زيد (الفتح) وجوز (الكسر) في جهد بذله في مطابقة العنوان للمضمون فقال: "الإعلام -بكسر الهمزة- بمعنى (الإخبار) "، كما قال الراغب وغيره.
والموقع بمعنى المفتي والقاضي. فيكون المعنى مع تقدير متعلق الخبر (إخبار الموقعين من القضاة والمفتين عن ربّ العالمين بأحكام أفعال العبيد).
وهذا التقدير لمتعلق الخبر واضح من قول ابن القيم في مقدمته للكتاب:
"أما بعد: فإن أولى ما يتنافس فيه المتنافسون، وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون، ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلًا، وعلى طريق هذه السعادة دليلًا" (١).
ثم قال:
"ولما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا، وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها علم أحكام أفعال العبيد" (٢).
وقد أفاض ابن القيم رحمه اللَّه تعالى في أجزاء الكتاب بأحكام أفعال العبيد في جملة من أبواب الدين ومسائله.
ويضاف إلى هذا التوجيه: أن عامة الذين ذكروا هذا الكتاب من مترجميه جاء رسمه بكسر الهمزة، لكن -في الواقع- أن هذا لا يعني كثيرًا من الناسخ أو الطابع أو غيرهما".
стр. 9
ثم ذكر الفتح، ووجهه بقوله:
"ولم يزل في نفسي معرفة توجيه هذا القول من علماء الآفاق الذين ينطقونه هكذا (أعلام. .) بفتح الهمزة فوجدتهم يطبقون على التوجيه بأن ابن القيم رحمه اللَّه تعالى، قد ذكر في صدر كتابه جماعة من فقهاء الأمصار من الصحابة ﵃ فمن بعدهم فهو جمع (عَلَم) بمعنى شخص له أثره؛ جمعه (أعلام). فالمعنى (كبار أهل العلم من القضاة والمفتين الموقعين عن ربّ العالمين) "، ثم ذكر طرفًا من كلام شيخنا الزرقا السابق، فيه توجيه الفتح بنحو الذي ذكره، ورده بقوله:
"وفي الواقع أن هذا التوجيه ليس بالقائم، فإن ما ذكره ابن القيم في هذا الكتاب من كبار أهل الفتيا والقضاء هو: في نحو عشرين صحيفة في صدر الكتاب. والكتاب يقع في أربعة مجلدات تحوي نحو ألف صحيفة مادتها مباحث في الفقه والتوجيه والتقعيدات الشرعية فيكون هذا الاسم (أعلام. .) بهذا التوجيه لا يصدق إلا على نحو عشرين صحيفة لا غير، والاسم لا بد من دلالته على المسمى. فالتسمية والحالة هذه لا تدل عليه. فالفتح إذًا بناء على هذا التعليل سبيله الرفض واللَّه أعلم" ثم قال تحت عنوان (توجيه آخر) ما نصه:
"وإنني بعد التأمل والرجوع إلى مادة (عَلَم) في كتب اللغة تبين لي أن الذي ينبغي التعليل والتوجيه به لمن قال (أعلام الموقعين) بفتح الهمزة هو أن يقال:
إن العلَم في اللغة ما ينصب في الفلوات للاهتداء به وما يجعل على الطرق من منارات ومعالم ليستدل به على الأرض. وجمعه (أعلام) بالفتح.
ومنه قيل للراية (علَم) والجمع (أعلام). وقيل أيضًا للجبل (علم) ويجمع أيضًا على (أعلام).
وعليه يكون معنى الكتاب بالفتح (أعلام الموقعين. . .) هو: (الأحكام التي تصدر عن القضاة والمفتين الموقعين عن رب العالمين) فهي أعلام لهم تدلهم وتهديهم إلى الطريق السّوي والمَشْرع الرّوي. وهذا تساعد عليه مادة الكتاب التي تدور في معظمها على الأحكام لا على الأعلام وتتركز على أحكام الأشخاص.
ونستطيع من هذا أن نقول: بجواز الفتح والكسر لهمزة (أعلام) وهو بكسر الهمزة أشهر، وبالفتح أولى؛ لعدم الحاجة إلى تقدير متعلق للخبر كما تقدم" (١).
стр. 10
ووقعت تسميته هكذا -بهمزة في أوله-: "إعلام الموقعين" في مطبوعات كثير من الكتب، وبعضها لتلاميذ المصنف والمعتنين بكتبه، المهتمين بها، مثل: "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٥٠) لابن رجب (ت ٧٩٥ هـ)، و"المبدع" (٧/ ٦٨، ٧٤، ٨٦) لبرهان الدين إبراهيم بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ) و"تصحيح الفروع" (٦/ ٢٨١، ٤٢٨ - ط دار الكتب العلمية) و"الإنصاف" (٦/ ٣٤٥ - ط الفقي و ٢٠/ ٤٣٣ - ط التركي) كلاهما لعلاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) و"التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" (٢/ ٧٩٤) لأحمد بن محمد الشويكي (ت ٩٣٩ هـ)، و"شرح الكوكب المنير" (٤/ ٥٢٦، ٥٤٥، ٥٤٦) لابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) وذكره ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) هكذا في "الدرر الكامنة" (٣/ ٤٠٢) وذكره في "فتح الباري" (١٢/ ٣٣٦) مختصرًا هكذا "الإعلام"، وكذا في زياداته على "تهذيب الكمال" في "تهذيب التهذيب" ترجمة (يحيى بن أبي إسحاق الهنائي) (١) (١١/ ١٥٧)، في جمع آخرين، يأتي ذكر بعضهم.
وهكذا سمِّي في جُلِّ النسخ الخطية (٢) المعتمدة في التحقيق، وهكذا يسميه المعاصرون في أبحاثهم ومؤلفاتهم وتحقيقاتهم، ومن صنف في التراجم منهم، مثل: عمر رضا كحالة في "معجم المؤلفين" (٩/ ١٠٧) والزِّركلي في "الأعلام" (٦/ ٥٦)، وهكذا وقع اسمه في "كشف الظنون" (١/ ١٢٥).
والآخر: "معالم الموقعين عن رب العالمين".
هكذا سماه خليل بن أيبك الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) -وهو من تلاميذ المصنف- في "الوافي بالوفيات" (٢/ ١٩٦) و"أعيان العصر وأعوان النصر" (٤/ ٣٦٩) و"المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي" (٣/ ق ٦٢)، وأبو ذر أحمد بن الإمام برهان الدين سبط بن العجمي (ت ٨٨٤ هـ) في كتابه "تنبيه المعلم مبهمات صحيح مسلم" (ص ١٠٧ - بتحقيقي) ذكره مختصرًا هكذا: "معالم الموقعين".
وقد ذكره ابن القيم (المصنف) مختصرًا هكذا "المعالم" في غير كتاب من كتبه، وهذا الذي وقفتُ عليه منها:
- قال في "الفوائد" (ص ٣٠ - ط دار اليقين) بعد كلام: "وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا "المعالم"؛ بيّنا بعض ما
стр. 11
فيها من الأسرار والعبر" وهذا البيان في نشرتنا (١/ ٢٥١ - ٢٥٣).
- وقال في "التبيان في أقسام القرآن" (ص ١٤٦ - ط طه شاهين): "وقد بيّنّا في كتاب "المعالم" بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوية من أسماء الرب وصفاته" قلت: وهذا في نشرتنا (١/ ١٢٦ - ١٢٧).
- وقال في "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٢ - ط الفقي) بعد ذكر المثالين: الناري والمائي في أوائل سورة البقرة (الآية ١٧، ١٨): "وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمّناه من الحكم في كتاب "المعالم" وغيره".
وكلامه على هذه الحكم في نشرتنا (١/ ٢٧٠ - ٢٧١).
فهذه ثلاثة مواطن صرح فيها المصنف باسم كتابه هذا: "المعالم" هكذا، وهو "معالم الموقعين" على ما ذكر بعض مترجميه والناقلين عنه فيه.
وأثبت ناسخ أصل (ك) على طرة الجزء الثالث منه: "كتاب "معالم الموقعين عن رب العالمين" وضرب على "معالم" وأثبت فوقها "إعلام"، وعنوان الكتاب في نسخة (ن): "معالم الموقعين عن رب العالمين" (١).
قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد -حفظه اللَّه تعالى- بعد ذكره التسميتين السابقتين: "إعلام" و"معالم":
"وهذا غير ممتنع أن يسمي المؤلف كتابه باسمين، وله نظائر في أسماء مؤلفاته، وهو مسلك مألوف عند أهل العلم.
وهذه تسمية سليمة تنتظم موضوع، الكتاب ومادتَه، لأن (معالم) جمع (معلم) ومعلم الشيء دلالته، ومنه معلم الطريق، وما يستدل به عليه من أثر ويجمع على (معالم).
وتكون تسمية الكتاب بهذا (معالم الموقعين) مطابقة تمامًا لمن سماه بلفظ (أعلام الموقعين) بناء على التوجيه الذي استظهرته قريبًا واللَّه أعلم".
بقي بعد هذا التنبيه على ورود اسم الكتاب على وجهٍ فيه تطبيع أو خطأ، وجاء هذا أيضًا على وجهين، هما:
الأول: "إعلام -بكسر الهمزة- الموفقين -بالفاء- عن رب العالمين" هكذا أُثبِت في مطبوع "هدية العارفين" (٢/ ١٥٨) للبغدادي، وهذا خطأ قطعًا، يُعلم
стр. 12
ذلك يقينًا من خلال المرور على الكتاب، فإن الأوهام والأخطاء والتطبيعات كثيرة فيه، والآخر: "أعلام -بفتح الهمزة- الموفقين -بالفاء- أيضًا".
هكذا ذكره محمد أنور الكشميري (ت ١٣٥٢ هـ) في كتابه "فيض الباري على صحيح البخاري" (٢/ ٢٦٧) عند كلامه على مسألة (قبض اليدين في الصلاة)، قال وأغرب قلمه: "ومر عليه ابن القيم في "أعلام الموقعين" (والصحيح أنه "أعلام الموفقين")، وقال: إن الحديث رواه ابن خزيمة. . . ".
قلت: هذا الوجه كالذي قبله، "غريب، يُعدُّ من سبق القلم، وتغيير الاسم العَلَم، وهو ليس بجائز إلا بنصٍّ عن صاحبه. وقد تابعه على هذه التسمية تلميذه الشيخ محمد بدر عالَم الميرتهي ﵀ في تعليقاته على "فيض الباري" وهي من إملاءات الكشميري أيضًا، وذلك في مواضع، منها: (٢/ ٢٥٩ و ٣/ ٢٤١)، فأثبته "أعلام الموفّقين". وقد علمت ما فيه، فلا تَهِم فيه" (١).
والخلاصة أن الصواب "إعلام الموقعين" و"معالم الموقعين".
"وأنه ليس هناك نص من المؤلف أو من قدماء النقلة على فتح الهمزة أو كسرها في "إعلام"، وأن كسر الهمزة هو الأكثر المستفيض، والاستفاضة طريق من طرق الحكم الشرعي في فك الخصام وفي النزاع برد الحقوق إلى مستحقيها، فهي هاهنا من باب الأولى والأحرى. فيجوز النطق بكسرها.
كما يجوز نطقه بفتحها؛ لأنه تضمن قواعد وأحكامًا يُهتدى بها، والفتح بهذا التعليل يساعده ويقويه ورود تسمية الكتاب بلفظ (معالم الموقعين)، وأن تعليل فتح الهمزة بأنه يحوي جملة من أسماء القضاة والمفتين غير متوجه، كما أن تسميته بلفظ (أعلام الموقعين) لا مستند لها، بل هي تسمية غريبة وشاذة، واللَّه أعلم" (٢).
* حجمه:
طبع الكتاب أكثر من مرة (٣)، وجل طبعاته في أربع مجلدات وأصله في ثلاث، وقد وصفه تلميذ المصنف صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) بقوله في "أعيان العصر" (٤/ ٣٦٩) و"الوافي بالوفيات" (٢/ ١٩٦)
стр. 13
عنه: "سِفر كبير"، وقال ابن رجب (١) في "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٥٠): "ثلاث مجلدات"، وكذلك قال الداودي في "طبقات المفسرين" (٢/ ٦٣) وصديق حسن خان في "أبجد العلوم" (٣/ ١٤٠) والحجوي في "الفكر السامي" (٢/ ٢٠ - ط الرباط و ٢/ ٢٩٢ - ط الباز).
وقال علاء الدين المرداوي في "الإنصاف" (٢٠/ ٤٣٣ - ط عبد اللَّه التركي) بعد مسألة: "قال ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين" في الجزء الثالث في "الحيل" وقال في "تصحيح الفروع" (٦/ ٤٢٨ - ط دار الكتب العلمية أو ٦/ ٤٩٤ - ط عالم الكتب) في مسألة في (الحيل) -وهي (تضمين المفتي) -: "قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" في الجزء الأخير. . "، فحاصل هذين النَّقلين أن نسخته ثلاثة أجزاء، فتأمل.
وظهر الكتاب مطبوعًا في ثلاثة أجزاء في مطبعة فرج اللَّه الكردي (٢)، سنة ١٣٢٥ هـ - ١٩٠٧ م، بمصر وهكذا وقعت تجزئة الكتاب في كثير من أصوله الخطية، مثل نسخة (٣) (ك) من أصولنا المعتمدة، وكذلك النسخة المحفوظة في العراق بخط نعمان الآلوسي رحمه اللَّه تعالى، وغيرهما.
* موضوعه ومباحثه:
- توطئة:
زعم بعض المعاصرين (٤) أنه كتاب في (التوحيد)! وهذا ليس بصحيح، وفي الحقيقة أن ترتيب مؤلفات ابن القيم بالنسبة إلى موضوعها، أعني: العلم الذي يبحث فيه كل مؤلف -بحيث نقول: إن هذا الكتاب في التوحيد، وهذا في الحديث، والآخر في الأصول- أمر عسر، لأنّ أي مؤلف من مؤلفاته لا يعالج موضوعًا وفنًّا واحدًا، فكتابنا هذا على الرغم أنه ليس في التوحيد، إلا أن فيه استطرادات (٥) في
стр. 14
التوحيد، لا تكاد تجدها بالوضوح والقوة المطروقة فيه في الكتب المختصّة بذلك، وهكذا.
ومن هاهنا؛ نستطيع أن نقرر أن الغالب على كتابنا هذا (مباحث أصولية) واستطرادات (فقهية) (١)، جمعها عقدُ (أسرار الشريعة)، وأنها (قواعد) مطردة، والغالب عليها أنها (معلَّلة)، ولم يشذ منها شيء عن (العقل) الصحيح، و (القلب) السليم، و (الذوق) الجيد، التابع ذلك كله لنصوص الوحيين الشريفين، وآثار السلف الصالحين ومنهجهم في التلقِّي والاستنباط والفتوى، البالغ (الذروة)، بحيث اصطفاهم اللَّه لنبيِّه ﷺ ، كما اصطفى (نبيَّه) ﷺ لسائر الخلق، فهم القدوة، وفي منهجهم -فقط- يُعبد اللَّه بحق، وتأتي -حينئذٍ - العبادة بثمارها وبركاتها وآثارها، فينال صاحبها خيري الدنيا والآخرة، ويتقلب في مرضاة اللَّه في الدور الثلاثة: الدنيا، والبرزخ، والآخرة.
стр. 15
نعم، هنالك استطرادات في معالجة مسائل امتُحِن بسببها المصنف وشيخه ابن تيمية، هي ثمار لتلك القواعد والأصول والأسرار التي قامت بقوة في نفس صاحبها، وتبرهنت عنده أدلة جليّة قوية تخصّها، وقوّتها عنده لما رآها قد وردت على وجه القطع في عموم نصوص الشريعة، فزادته تقريرًا وزانت في أعين الناظرين إليها، ووزنت حجج المخالفين لما تقع المقارنة بينها.
- رد مؤاخذة، وبيان أمر كلّي على عجالة:
وينبغي أن ينظر إلى هذه الاستطرادات بالسياق والوقت الذي كتبت فيه، فهي -في الجملة- من انفرادات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في ذلك الوقت، ووقع تشغيب عليهما بسببها، فلا أقلّ من أن تذكر بتأصيل وتفصيل، وتعالج معالجة علمية منصفة متجردة، بعيدة عن (المألوف) آنذاك، منسجمة مع (أصولها) و (حِكَمها) و (أشباهها) و (نظائرها)، لتوضع موضعها، ويراعى فيها (الحق) و (العدل)، فلا مندوحة في هذا الاستطراد لمن راعى هذه المسوِّغات (١)، وهي بمثابة (المسائل الأنموذجية) العلمية العملية، على تلك الموائمة الرائعة بين (الألفاظ) و (المعاني)، والتخريج العلمي الرزين بين (الأصول) و (الفروع)، والربط المحكم الوثيق بين (الأحكام) و (الحِكَم).
ومما ينبغي أن لا ينسى أن هذه المسائل التي نسجها ذلك العقد من (الحِكَم) و (الأسرار) وتضمنتها تلك (المسائل) و (الفروع) القائمة على (الأصول) و (النصوص) و (الآثار)، حواها جميعًا ثوبٌ زاهٍ قَشيبٌ، ربطت فيه -كلٌّ بمقداره وموقعه منه-، وهو موضوع (الفتوى) و (المفتين)، ومعالجة ما يقعون فيه من تجاوزات، والخروج عن (السابلة)، وتورطهم في الوقوع بـ (الحيل).
- فصول نافعة وأصول جامعة في القياس:
وهذه كلمات مجموعة من العلماء والباحثين والمطلعين، فيها إبراز لمباحث مميزة في هذا الكتاب:
- قال صديق حسن خان في "ظفر اللاظي بما يجب في القضاء على القاضي" في آخر (مقدمته) (ص ٢٨):
"وفي "إعلام الموقعين عن رب العالمين" فصولٌ نافعة، وأصول جامعة في
стр. 16
تقرير القياس، والاحتجاج به، ولعلك لا تظفر بها في غير ذلك الكتاب، ولا بقريب منه" (١) انتهى.
قلت: نعم، في كتابنا هذا فصول ثلاثة عن القياس تكاد لا تجدها في كتاب، وهي:
الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام، والاكتفاء بها عن الرأي والقياس.
الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس، وبطلانها مع وجود النص.
الثالث: في بيان أنَّ أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح، وليس فيما جاء به الرسول ﷺ حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح.
قال ابن القيم في كتابنا (٢/ ١١٦) بعد ذكره هذه الفصول الثلاثة:
"وهذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب، وبها يتبيّن للعالِم المنصف مقدار الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع، وأن رسول اللَّه ﷺ كما هو عامُّ الرسالة إلى كل مكلف، فرسالته عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه، ودقيقه وجليله، فكما لا يخرج أحدٌ عن رسالته، فكذلك لا يخرج حكم تحتاج إليه الأمة عنها، وعن بيانه له".
قال: "ونحن لا نعلم أنا لا نوفِّي هذه الفصول حقَّها ولا نقارب، وأنها أجلُّ من علومنا، وفوق إدراكنا، ولكن ننبه أدنى تنبيه، ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها، وينهج طرقها، واللَّه المستعان، وعليه التكلان".
قرر هذا بعد ذكره خطأ القياسيين من خمسة أوجه (٢)، وركز في مباحث الفصول الثلاثة على ضرورة التنبيه على: "التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثيرٌ منه على أفاضل العلماء فضلًا عمن هو دونهم، فإن إدراك الصفةِ المؤثرةِ في الأحكام على وجهها ومعرفة المعاني التي عُلِّقت بها الأحكام من أشرف العلوم، فمنه الجليُّ الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدقيقُ الذي لا يعرفه إلا خواصُّهم، فلهذا صارت أقْيِسَةُ كثيرٍ من العلماء تجيءُ مخالفةً للنصوص لخفاء
стр. 17
القياس الصحيح، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام" (١).
ولم يأتِ في هذا الذي قرره ببدع من القول، بل هو الجادة المطروقة، وقد صرح هو بذلك؛ فأصغ إليه وهو يقول في (٢/ ٢٥٦):
"لم أجد أجود الأقوال إلا أقوال الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمت قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم بصحيحِ القياسِ وفاسدِه من أجَلِّ العلوم، وإنما يَعرف ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل التام، واللَّه أعلم" (٢).
واشتهر هذا المبحث عن ابن القيم، وصرح في كتابنا هذا أنه كان هو السبب في تقرير شيخه ابن تيمية إياه (٣)، قال في (٢/ ١٦٥): "وسألتُ شيخنا -قدس اللَّه روحه- عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: هذا خلاف القياس (٤). . . فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس" قال: "وأنا أذكر ما
стр. 18
حصَّلته من جوابه بخطّه ولفظه، وما فتح اللَّه سبحانه لي بيُمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه". وقال في (٣/ ١٥٨) بعد كلام: "وهذا مما حصّلته عن شيخ الإسلام -قدس اللَّه روحه- وقت القراءة عليه، وهذه كانت طريقته، وإنما يقرر أن القياس الصحيح هو ما دل عليه النص، وأنَّ من خالف النص للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معًا".
قلت: فهذا المبحث إذن عند مصنفنا وهو في أصوله من بركات وحسنات شيخه ابن تيمية، ولذا قال محمد بن أحمد الفتوحي، الشهير بـ (ابن النجار) (ت ٩٧٢ هـ) في كتابه النافع "شرح الكوكب المنير" (٤/ ٢٢٥): "وقد ذكر الشيخ تقي الدين -وتبعه ابن القيم- أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وما لا يُعقل معناه، وبيّنَا ذلك بما لا مزيد عليه".
وظفرت بنحوه للمرداوي (ت ٨٨٥ هـ)، قال في "التحبير في شرح التحرير" (٧/ ٣٥٣٩): "قلت: قد ذكر الشيخ تقي الدين وتبعه ابن القيم في "إعلام الموقعين" أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس ولا ما لا يعقل معناه، وبيَّنوا ذلك بما لا مزيد عليه، واللَّه أعلم".
ولخَّص العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في رسالته المسّماة: "الاقتباس لمعرفة الحق من أنواع القياس" كلام ابن القيم هذا، وتصرف فيه، ولم يخرج عنه، وإن لم يصرح بالنقل عن ابن القيم فيها، إلا أن اسمها "الاقتباس" يدلل على ذلك، وكذلك قوله في آخرها (ص ٥٣): "انتهى ما أردتُ نقله، وتقريبه للناظرين، وتحقيقاته للمتناظرين، وبيان طرق القايسين، وشعب الطرق بهم ذات الشمال وذات اليمين، فمن حقق ما قربناه، وكرر النظر فيما سُقناه؛ اتضح له ما كان خفيًّا، وصار بعد ذلك أمرًا جليًا، بنشرنا ما كان مجملًا ومطويًا" وصدق ﵀ فيما قال.
- عناية المصنف بكتاب عمر في القضاء:
وكانت هذه المباحث البديعة التي لا تكاد تجدها في غير كتابنا هذا استطرادًا عند شرح ابن القيم كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء (١).
وهذا الكتاب مهمٌّ، وله موقعٌ بارزٌ في "إعلام الموقعين" وأخذ شرحُه مساحة
стр. 19
واسعة منه (١)، وقد نبه على هذا العلماء.
قال صديق حسن خان في "ظفر اللاظي" (باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما) (ص ٧٦ - ٧٧) بعد أن أورد الكتاب بطوله، قال: "قال الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين": "هذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوجُ شيء إليه، وإلى تأمّله (٢)، والتَّفقّه فيه. . . " (٣) انتهى. ثم شرح هذا الكتاب، وأطال إطالة حسنةً تُستطاب، وأتى بالعجب العُجاب في ضمن الفصول إلى آخر الكتاب" انتهى.
وقال الشيخ محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي (٤) في كتابه "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" (٥):
"وهذا الكتاب كاف في سعة مدارك عمر في الفقه والتشريع وأحكام الضوابط، وفيه التنصيص على أصول مهمة كقياس الشبه، وتقديم الكتاب على السنة، ثم هي على الرأي، ولذلك خص بالشرح، وشرحه في "إعلام الموقعين" بنحو ثلاثة أسفار (٦) فانظره تَرَ ما استنبط منه من الأحكام والأسرار، ومنه استنبطت كيفية القضاء وأحكامه".
وقد أشاد جمع من المعاصرين بصنيع ابن القيم في شرحه كتاب عمر، وهذه جملة من النقولات التي تدلل على ذلك:
* قال أستاذنا العلامة مصطفى الزرقا ﵀ في كتابه "المدخل الفقهي العام" (١/ ٧٤ - ٧٥) بعد أن نقله بتمامه: "وقد تولى ابن القيم شرحه بإسهاب في مواطن عديدة من "إعلام الموقعين"".
* وقال المستشار علي منصور في "نظم الحكم والإدارة" (ص ٢٩٣): "جمع -أي عمر ﵁ فيها، جل الأحكام، واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس
стр. 20
بعده يتخذونها إمامًا ولا يجد محقُّ عنها معدلًا، ولا ظالم عن حدودها محيصًا" ثم ذكر أنه نقلها عن ابن القيم، وأنه شرحها في "إعلام الموقعين" في أكثر من أربع مئة صفحة.
*وقال الشيخ الأستاذ مناع القطان ﵀ في كتابه: "التشريع والفقه الإسلامي تاريخًا ومنهجًا" (ص ١٢٦): "وكتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، كتاب فريد في بابه، يجمع كثيرًا من قواعد الأصول والفقه واستنباط الأحكام، ويدل على أصالة رأي، ودقّة فهم، وحسن بصيرة" قال:
"وقد شرحه العلامة ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" شرحًا مستفيضًا واستخلص منه علمًا غزيرًا".
- هل كتاب "الأعلام" شرح لكتاب عمر في القضاء ؟
بل ذهب بعض المعاصرين إلى أكثر من هذا، فجعلوا كتابنا هذا "إعلام الموقعين" خاصًا بشرح كتاب عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري!
قال الحجوي الثعالبي في "الفكر السامي" (٢/ ٢٠) بعد كلام عن كتاب عمر:
"وشرحه في "إعلام الموقعين" بنحو ثلاثة أسفار، فانظره تَرَ ما استنبط منه من الأحكام والأسرار، ومنه استُنْبِطَتْ كيفية القضاء وأحكامه".
وقال الأستاذ عبد العزيز مصطفى المراغي في تحقيقه الجيد لكتاب "أخبار القضاة" لوكيع، خص هامش (١/ ٧٣ - ٧٤) لهذا الكتاب، ومما قاله فيه: "وقد تولى تفسيره كثير، منهم:. . . و"إعلام الموقعين" لابن القيم يكاد يكون كتابًا موضوعًا لشرح كتاب عمر، اتخذ التعليق عليه وسيلة للإفاضة في كثير من أسرار التشريع التي نصب ابن القيم نفسه لبيانها، والدفاع عنها".
وتصريح الأستاذ محيي هلال السرحان أوضح في الدلالة على ذلك، قال بعد كلام: "إن ابن القيم قد ألف كتابه "إعلام الموقعين" بشرحه لخصوصه" (١).
قال أبو عبيدة: في كلامه هذا تجوّز، نعم، عناية ابن القيم بشرح كتاب عمر
стр. 21
في القضاء لا تنكر، ولكن جعل كتاب "الأعلام" شرحًا له فحسب، فهذا أمر غير صحيح، وبهذه المناسبة نقرر الآتي:
إن مادة كتاب "الإعلام" بالجملة هي الفقه وأصوله، وذكرت المسائل الفقهية خدمة لأصول عالجها وأفاض فيها على طريقة لا تكاد تجدها، لا من حيث المضمون ولا الأسلوب في بطون الكتب الأصولية المطروقة (١)!
ويعجبني كلام الشيخ بكر أبو زيد في وصف مباحث الكتاب: قال عنه: "الجامع لأمهات الأحكام، وحقائق الفقه، وأصول التشريع، وحكمته وأسراره" (٢).
وإليك وصف عام لكتابنا هذا حتى الوصول إلى ما بدأنا به من الكلام على القياس (٣):
- مباحث كتاب "الأعلام" لغاية إيراد المصنف كتاب عمر في القضاء:
كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" ذخيرة جليلة، عامرة بمباحث قيمة في الفقه والأصول والأحكام والقضاء يعتد بها أهل السنة على اختلاف مذاهبهم، ويقدِّرون ما تميَّزت به من سعة الأفق وشمول النظر ودقة التناول وقوة الحجة في الدفاع عن مذاهب أصحاب السنة.
الفصول الأولى من "الأعلام" خصصت للكلام عن الفتوى (٤) وكونها توقيعًا
стр. 22
عن اللَّه تعالى (١)، وأول من وقع عنه، سبحانه، الرسول ﵊، ثم الصحابة ﵃ وفيهم مكثرون من الفتوى ومتوسطون ومُقلُّون- ومن صارت إليه الفتوى من التابعين، ثم من فقهاء الأمصار الإسلامية بالمشرق والمغرب، تليها فصول عن الأصول الخمسة لفتاوى الإمام أحمد ﵁:
النص من الكتاب والسنة، وما أفتى به الصحابة، فإذا اختلفوا في فتاويهم فأقربها إلى الكتاب والسنة، ثم الأخذ بالحديث المرسل وبالضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، ثم القياس. ومنه عقد فصولًا في: كراهة العلماء التسرع في الفتوى والجرأة عليها، وخطر ولاية القضاء، وخطر القول على اللَّه تعالى بغير علم.
وإطلاق الأئمة لفظ الكراهة على ما هو حرام، وكلامهم في أدوات الفتيا وشروطها، وهل تجوز الفتوى بالتقليد؟ وتحريم الإفتاء في دين اللَّه بالرأي إلا ما كان منه مقبولًا محمودًا، وذلك هو رأي الصحابة، والرأي المفسر للنصوص،
стр. 23
والذي تواطأت عليه الأمة وتلقاه الخلف عن السلف، فإن لم يجد المفتي، أو القاضي، ذلك، اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه ﵊ وأقضية أصحابه ﵃.
وهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة واستعملوه وأقر بعضهم بعضًا عليه. . .
وهنا ساق المصنف (كتاب عمر ﵁ في القضاء)، عند وصوله إلى (الرأي المقبول) بأنواعه الأربعة، أورده في النوع الأخير منها.
- مباحث (الفتوى) في الكتاب:
ولا بد هنا من إبراز (مباحث الفتوى) (١) في كتابنا هذا، إذ كاد أن يكون أوسع معلمة فيها، ولذا قال صديق حسن خان في "إكليل الكرامة" (ص ٨٠ - ٨١) بعد كلام: "فالكلام في شروط المفتي وما يُعتبر به مبسوط في كتب الأصول والفقه، وقد أوضحها. . . والحافظ الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين عن رب العالمين" بما يشفي العليل، ويروي الغليل، فإنْ شئت الاطلاع، فارجع إليه، يتَّضح لك الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، ولا تكن من الممترين" (٢).
وذكر عبد القادر بدران في "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (ص ٣٩٢) مسائل في (الفتوى)، وقال:
"واعلم أن أمثال هذه المباحث، يُكْثِر من ذكرها الفقهاء في كتب الفروع في (باب آداب القاضي والمفتي)، فلا نطيل بها هنا، وقد أوسع المجال في هذا المقال الإمامُ شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" بما لا مزيد عليه، فليُراجعه من أراد استطلاع الحقّ مِنْ برُوجه، فَجزاه اللَّه خيرًا" انتهى.
وصدق رحمه اللَّه تعالى، إذ إن اختياراته في (مباحث الفتوى) ظاهرة عند كثير من العلماء والباحثين والمطلعين، على حسب ما يأتي بيانه تحت عنوان (أهمية الكتاب وفائدته وأثره فيما بعده).
- الرأي وأنواعه:
وأما (الرأي وأنواعه) فتقسيمات المصنف له بديعة، واستدلالاته لها غالية،
стр. 24
رفيعة، فيها حق وعدل، وإنزال للآثار السلفية في موضعها، على وجه لا تجده بهذا التأصيل والتقسيم والتفريع والتدليل في كتاب (١)، ولذا كان محط إعجاب وتقدير كثير من الباحثين المعاصرين (٢).
- أصول الإمام أحمد:
بقي الكلام على (أصول الإمام أحمد)، فإن المصنف أولاها (عناية فائقة)، بسبب معرفته القويّة لها، وحذْقه وإعجابه بها، وسيأتيك نقل طويل من كلامه يدلل على ذلك تحت مبحث (مصادر المصنف وموارده) وقد نقل ابن بدران هذه الأصول في (العقد الثالث) -وهو خاص بها- في كتابه "المدخل" (ص ١٢١ - ١٢٩)، قال في آخرها: "هذا مجمل مسالك الإمام أحمد في الفتيا والاجتهاد واستنباط الأحكام" (٣).
هذه أهم المباحث التي تطرق إليها المصنف، قبل سرده كتاب عمر ﵁ في القضاء .
- كتاب عمر ﵁ في القضاء (٤):
يأخذ شرح (كتاب عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري) موضعًا هامًا وواسعًا من كتابنا هذا، فهو يأتي في نشرتنا هذه في جزئين (الأول والثاني)، فهو
стр. 25
يبدأ من (ص ١٥٨) من (المجلد الأول) إلى (آخره) ومن (بداية) (المجلد الثاني) إلى (ص ٤٣٨) منه، وأما بالنسبة إلى الأصول الخطية فهو عبارة عن جل المجلد الأول، فشرحه ينتهي بنهاية المجلد الأول على تقسيم المصنف (١)، فهو نحو ثلث الكتاب (٢)، عدا ما أدرجه من مباحث (سبق ذكرها) بين يديه.
ويندرج تحت هذا الشرح (عناوين) (٣) فرعية لـ (فصول) (٤) و (مباحث) و (تفريعات) و (مسائل)، بلغ عددُها فيما أحصيتُ (ثلاثًا وأربع مئة) عنوانًا، لما هو شرح (كتاب القضاء) هذا.
أدرج ابن القيم هذا الكتاب في (النوع الرابع) من (الرأي المقبول)، فذكره بسند أبي عبيد القاسم بن سلام من كتابه "القضاء" -بواسطة ابن حزم، كما سيأتي بيانه عند الحديث عن الموارد- وعقب عليه بقوله (١/ ١٦٣): "وهذا كتاب جليل تلقَّاه العلماءُ بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة" ثم بدأ في شرحه، فمضت الفقرات الأولى منه مشروحة بإيجاز، مع استطراد يسير إلى ما يتعلق بها من مسائل، ومن بديع تأصيلاته هنا ما يخص (فقه الواقع) (٥)، الذي كثر الخوض فيه بحق دون عدل، أو بظلم مع تجاوز للأحكام الشرعية، من إهمال أو تنقيص في العلماء الربانيين، وكلام المصنف في هذا الباب هو البلسم الشافي والدواء الكافي، قال في (١/ ١٦٥):
"ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فقه الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.
стр. 26
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم اللَّه الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده، واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا".
قال: "فالعالم مَنْ يتوصل بمعرفة الواقع، والتفقه فيه، إلى معرفة حكم اللَّه ورسوله. . . " ثم قال بعد كلام في (١/ ١٦٦):
"ومن تأمل الشريعة، وقضايا الصحابة، وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث اللَّه بها رسوله".
قلت: صدق ﵀، لو اطلع على هذا المتنازعون في هذه (المسألة)، التي وقع بسببها (التهاجر) و (التصارم)، وسوء (الظن)، والقيل والقال، لأراحوا واستراحوا، وجمعوا (الحق) إلى (العدل)، فاكتمل الخير، وظهرت ثمرته وبركته على طلبة العلم، واللَّه الواقي والهادي.
وأطال الاستطراد عندما ورد في كتاب عمر ﵁: "البَيِّنة على من ادعى، واليمين على من أنكر"، فأسهب جدًّا في الكلام على البينة، وغلط المتأخرين في تفسيرها، ونصاب الشهادة، وما يتعلق بشهادة الزنا وغيرها، وحكم شهادة العبد، وشهادة اليمين، والحكم بشهادة الواحد إذا ظهر صدقه، وتشرع اليمين من جهة أقوى المتداعيين، ولا يتوقف الحكم على شهادة ذكرين أصلًا، ولم يردّ الشارعُ خبرَ العدل، وجانب التحمل غير جانب الثبوت، ثم تعرض للحاكم وصفاته وما يشترط فيه، وأنه يجب تولية الأصلح للمسلمين، واستطرد في التدليل على ذلك لأهميته، ونبَّه على سر استطراده بقوله في (١/ ١٩٩):
"ولا تستطل هذا الفصل، فإنه من أنفع فصول الكتاب، واللَّه المستعان، وعليه التكلان" ثم تكلم عن الصلح بين المسلمين، وجره ذلك إلى بيان أن (الحقوق نوعان)، وأن منها المردود ومنها النافذ، وأن للقاضي أن يؤجل الحكم بحسب الحاجة، وأن حكمه قد يتغير بتغيّر اجتهاده.
واستكمل مباحث الشهادة عندما ورد في كتابه: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض" فبيّن (من ترد شهادته) (وشهادة القريب لقريبه أو عليه) و (منع شهادة الأصول للفروع) و (عكسه) و (دليله) و (ردود العلماء على بعضهم بعضًا) في هذه المسألة، و (شهادة الأخ لأخيه)، ثم صوب شهادة الابن لأبيه والعكس.
وبعدها شرح قول عمر في الكتاب: "إلا مجربًا عليه شهادة زور أو مجلودًا
стр. 27
في حد"، واستطرد في الكلام عن شهادة الزور وأنها من الكبائر، والحكمة في رد شهادة الكذاب، ورد شهادة المجلود في حد القذف، وحكم شهادة القاذف بعد توبته، ورد الشهادة بالتّهمة، وشهادة مستور الحال.
وقدم ابن القيم في هذه المباحث آراء العلماء، وأدلتهم، وتوجيه الأدلة، والكلام على صحتها، واستطرد في الاحتجاج برواية (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده) ليؤكد صحة بعض اختياراته، ولم يقتصر في هذا على شرح ما جاء في كتاب عمر فقط، واستغرق ذلك (١/ ١٦٨ - ٢٤٧).
- عودة إلى مباحث (القياس) في الكتاب:
وتابع الشرح بإيجاز إلى وصوله إلى قول عمر:
"ثم الفهم الفهم فيما أُدلي إليك، مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال".
فانصرف إلى تأصيل (القياس) (١)، وما ترك القول فيه حتى استوفاه في صفحات عديدة، استغرقت من (ص ٢٤٧) في (المجلد الأول) إلى (نهايته)، ومن (أول) (المجلد الثاني) إلى (ص ٤٢٥) منه من نشْرتنا هذه، قال في نهايته بعد استطرادات وتفريعات فيها تأصيلات بديعات:
"فهذا ما يتعلق بقول أمير المؤمنين: "واعرف الأشباه والنظائر"".
وفي لفظ: "واعرف الأمثال. . . " قال: "فلنرجع إلى شرح باقي كتابه".
فموضوع القياس بلغ في نشرتنا هذه (ست مئة وستين صفحة)، فلا غرو أن يربط العلماء بين (كتابنا) و (موضوع القياس)، كما قدمنا في مطلع هذا البحث.
وبدأ المصنف ببيان أن الصحابة كانوا متفقين على القول بالقياس، وأخذ في تقرير أنه أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه، وبيّن أن اللَّه أرشد عباده في غير موضع إليه، وقال في (١/ ٢٤٨):
"وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلًا تتضمن تشبيه الشيء بنظيره، والتسوية بينهما في الحكم".
وقال في (١/ ٢٤٨): "وقالوا: ومدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، فإنه إما استدلال بمعين على معين، أو بمعين
стр. 28
على عام، أو بعام على معين، أو بعام على عام، فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال".
وبيَّنَ كل ضرب من الأربعة، واستدل له بنصوص من القرآن الكريم، ونبه على أن القياس ينقسم إلى حق وباطل، فهو إما صحيح أو فاسد، قال (١/ ٢٥١):
"فالصحيح هو الميزان الذي أنزله تعالى مع كتابه، والفاسد ما يضاده، كقياس الذين قاسوا البيع على الربا بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وقياس الذين قاسوا الميتة على المذكى في جواز أكلها، بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح: هذا بسبب من الآدميين وهذا بفعل اللَّه، ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم استعمالَه والاستدلالَ به، وهذا حق وهذا حق. . . ".
وانتقل إلى الحديث عن الأقيسة الثلاثة المستعملة في الاستدلال: (قياس علة) و (قياس دلالة) و (قياس شبه). وقد وردت كلها في القرآن الكريم بشاهد من الآيات التي تقصاها لكل من الأقيسة الثلاثة، واقتضى الموضوع، في قياس العلة وقياس الدلالة، أن يستدل بما جاء في القرآن الكريم من آيات بتحليل الأحكام، وما ورد في السنة من علل الأحكام والأوصاف المؤثرة فيها طردًا وعكسًا، ذكرها النبي ﷺ ، ليدل على ارتباطها بها وتعديها بتعدي أوصافها وعللها. . . وقد قرب النبي ﷺ ، الأحكام إلى أمته بذكر نظائرها وأسبابها وضرب لها الأمثال. . . وجوز للحاكم أن يجتهد رأيه، وجعل له على خطئه في اجتهاد الرأي أجرًا واحدًا، إذا كان قصده معرفة الحق واتباعه. وقد كان أصحاب رسول ﷺ يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره.
وتخلل ذلك استطرادات عجيبة في الاستنباطات القرآنية، وتوظيفها في كون القياس ميزانًا، والوقوف على أسرار بديعة من الآيات، لعلك لا تظفر بها في كتاب (١).
ولم ينس ابن القيم خلال هذه المباحث ذكر لفتات تاريخية من أحداث جرت له مع مخالفيه من المنحرفين، فقال مثلًا في (١/ ٢٧٢): "وقد شاهدنا نحن
стр. 29
وغيرنا كثيرًا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة إذا سمعوا شيئًا من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين. . . ".
والمتتبع لكلامه في هذا المبحث يحسب أنه يقرأ في كتاب تفسير، يركز صاحبه على أوجه الهداية منه، وفيه أيضًا بيان أثر العقيدة على صاحبها، وذكر أمثلة للمؤمنين والكفار، وبعضها يخص اللَّه رب العالمين، من حيث الأسماء والصفات، ويكاد ينسى ما بدأ به من ذكر لتوجيه عمر ووصيته لأبي موسى في كتابه المذكور.
واستطرد في بيان السر في ضرب الأمثال، وفرع عليه أصل (عبارة الرؤيا)، وذكر قواعد جامعة وكليات نافعة لتعبير (الرؤى)، بعضها مدلل بأحاديث نبوية (١)، ورجع إلى تأصيل كون أمثال القرآن أصولًا وقواعد لعلم التعبير، ثم ربط ذلك كله بموضوع (القياس)، من إلحاق النظير بالنظير، وإنكار التفريق بين المتماثلين.
وجره هذا إلى الكلام على (مراد المتكلم) وأن ذلك يعرف تارة من عموم لفظه، وتارة من عموم علّته، والأمور تتضح بأضدادها -كما يقولون- وبناء عليه قرر أنه "قد يعرض لكل من أصحاب الألفاظ وأصحاب المعاني ما يخلُّ بمعرفة مراد المتكلّم، فيعرض لأرباب الألفاظ:
١ - التقصير بها عن عمومها، وهضمها تارة.
٢ - وبتحميلها فوق ما أريد بها تارة.
ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ".
قال في (١/ ٣٨٧): "فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين" قال:
"ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك، ليعتبر بها غيره"، وأخذ في الاسترسال بذكر قواعد شرعية مبنية على النصوص، قلَّ أن يؤصلها إلا من وفقه اللَّه لذلك.
ثم عقد مقارنةً -بناءً على تأصيله السابق- بين (القياسيين) و (الظاهرية)، وبيَّن
стр. 30
أن كلًا منهما مفرط، وذلك من خلال أمثلة في فهم بعض النصوص الشرعية وذكر وجوب إعطاء اللفظ والمعنى حقّهما، وذكر أمثلة توضيحية تدلّل على مراده، وفيها ما يدلّل على عبقريته في وضع الأشياء في أماكنها، وبعد ضرب هذه الأمثلة، تفرغ للرد على (نفاة القياس)، وبدأه مُجمِلًا ما سبق بقوله في (١/ ٤٠٠): "قد أتينا على ذكر فصول نافعة، وأصول جامعة، في تقرير القياس والاحتجاج به، لعلك لا تجده في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منه".
قال أبو عبيدة: وكلامه -واللَّه- حق، فقد طرق موضوع القياس بما يخدم النصوص، وبناه عليها، وفصل الجيد من الرديء، والسليم من السقيم، والصحيح من الضعيف، بوجه فيه اتباع للسلف، وبُعد عن المباحث الكلامية التي لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب (الأصول) المعروفة.
وتعرض بعد ذلك في صفحات عديدة من (١/ ٤٠٣ - ٤٢٥) بسرد أمثلة ذكرها النبي ﷺ ، ثم صاغ بعد ذلك إشكالات عليها وعلى الأمثلة السابقة، ذَكَرها من القرآن على لسان (نفاة القياس)، واستطرد في ذكر (أدلة نفاة القياس)، متعرضًا إلى ما ورد عن الصحابة والتابعين من نهيهم عنه، وأن القياس يعارض بعضه بعضًا (١)، وأن أهله متناقضون، مع إيراد أمثلة تدل على ذلك، ثم مثل على ما جمع فيه القياسيون بين المتفرقات، وأنهم راعوا بعض الشروط دون بعضها الآخر في بعض المسائل، وهذا من تناقضهم، وعرض تحت هذا مسائل فقهية عديدة، أطال النَّفس في بعضها، ثم عقد مقارنة بين (القائسين) و (معارضيهم) بلغة قوية، فقال في (٢/ ٨٨ - ٨٩) وعلى لسان (المعارضين):
"وهذا غَيْضٌ من فيضٍ، وقطرة من بحر، من تناقض القياسيين الآرائيين وقولهم بالقياس وتركهم لما هو نظيره من كل وجه أو أولى منه وخروجهم في القياس عن موجب القياس، كما أوجب لهم مخالفة السنن والآثار كما تقدم الإشارة إلى بعض ذلك، فليوجدنا القياسيون حديثًا واحدًا صحيحًا صريحًا غير منسوخ قد خالفناه لرأي أو قياس أو تقليد رجل، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا، فإن كان مخالفةُ القياس ذنبًا فقد أريناهم مخالفته صريحًا، ثم نحن أَسعدُ الناس بمخالفته منهم؛ لأنا إنما خالفناه للنصوص؛ وإن كان حقًّا، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
فانظر إلى هذين البَحْرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما، والحزبين اللذين قد
стр. 31
ارتفع في مُعتركِ الحَرْب عَجَاجُهما، فجرَّ كلُّ منهما جيشًا من الحجج لا تقوم له الجبال، وتتضاءل له شجاعةُ الأبطال، وأدلى كل منهما من الكتاب والسنّة والآثار بما خضعت له الرقاب، وذَلَّت له الصِّعاب، وانقاد له علم كل عالم، ونفَّذَ حكمه كلُّ حاكم، وكان نهاية قدم الفاضل النحرير الراسخ في العلم أن يفهم عنهما ما قالاه، ويحيط علمًا بما أَصَّلَاه وفصَّلاه؛ فليعرف الناظر في هذا المقام قدره، ولا يتعدى طوره، وليعلم أن وراء سويقتيه بحارًا طامية، وفوق مرتبته في العلم مراتب فوق السُّهي عالية، فمن وثق من نفسه بأنه من فرسان هذا الميدان، وجملة هؤلاء الأقران، فليجلس مجلس الحكم بين الفريقين، ويحكم بما يرضي اللَّه ورسوله بين هذين الحزبين، فإن الدين كله للَّه، وإن الحكم إلا للَّه، ولا ينفع في هذا المقام: قاعدة المذهب كيت وكيت، وقطع به جمهور من الأصحاب، وتحصَّل لنا في المسألة كذا وكذا وجهًا، وصحح هذا القول خمسة عشر، وصحح الآخر سبعة، وإن علا نسبُ علمه قال: "نصَّ عليه" فانقطع النزاع، ولزم ذلك النص في قرن الإجماع، واللَّه المستعان وعليه التكلان". ثم قرر ما رضيه، فقال على لسان -ما سماهم- (المتوسطين بين الفريقين):
"قد ثبت أن اللَّه سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض؛ فلا يناقض القياسُ الصحيحُ النصَّ الصحيحَ أبدًا".
وفصل الأمر بتقرير قاعدة مهمة هي:
بيان إحاطة الأوامر الشرعية بأفعال المكلفين، وبجميع الحوادث، ورد على ما هو شائع في كتب الأصول بأن الأصول متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع، وزيّفه من وجوه ثلاثة، وضرب أمثلة عديدة تؤتد ذلك، ثم عرج على بطلان القول بنفي الحكمة والتعليل، وربط موضوع (القياس) وبيان انحراف الغالين فيه والمنكرين له بأصول عقدية (١) تخالف معتقد أهل السنة، قال في (٢/ ٩٦، ٩٧):
стр. 32
"ومن تأمل كلام سلف الأمة وأئمة أهل السنة رآه يُنكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط؛ فينكر قول المعتزلة المكذبين بالقدر، وقول الجهمية المنكرين لِلحِكَم والأسباب والرحمة، فلا يرضون لأنفسهم بقول القدرية المجوسية، ولا بقول القدرية الجبرية نفاة الحكمة والرحمة والتعليل، وعامة البدع المحدثة في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهمية والقدرية، والجهمية رؤوس الجبرية وأئمتهم أنكروا حكمة اللَّه ورحمته وإن أقروا بلفظ مجرد فارغ عن حقيقة الحكمة والرحمة، والقدرية النفاة أنكروا كمال قدرته ومشيئته؛ فأولئك أثبتوا نوعًا من الملك بلا حمد، وهؤلاء أثبتوا نوعًا من الحمد بلا ملك؛ فأنكر أولئك عُمومَ حَمْدِه، وأنكر هؤلاء عموم مُلكه، وأثبت له الرسل وأتباعهم عموم الملك وعموم الحمد كما أثبته لنفسه؛ فله كمال الملك وكمال الحمد؛ فلا يخرج عينٌ ولا فعلٌ عن قدرته ومشيئته وملكه، وله في كل ذلك حكمة وغاية مطلوبة يستحق عليها الحمد، وهو في عموم قدرته ومشيئته وملكه على صراطٍ مستقيم، وهو حمده الذي يتصرف في ملكه به لأجله.
والمقصود أنهم كما انقسموا ثلاث فرق في هذا الأصل انقسموا في فرعه -وهو القياس- إلى ثلاث فرق: فرقة أنكرته بالكلية، وفرقة قالت به وأنكرت الحِكَم والتعليل والأسباب؛ والفرقتان أخلت النصوص عن تناولها لجميع أحكام المكلفين وأنها أحالت على القياس، ثم قالت غلاتهم: أحالت عليه أكثر الأحكام، وقال متوسطوهم: بل أحالت عليه كثيرًا من الأحكام لا سبيل إلى إثباتها إلا به" قال:
"والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلنا اللَّه ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بيَّن الأحكام كلها، والنصوص كافية: وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان: الكتاب والميزان، وقد تخفى دلالةُ النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقًا للنص فيكون قياسًا صحيحًا، وقد يظهر مخالفًا له فيكون فاسدًا؛ وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته، لكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته".
ثم قوّم أهل القياس ونفاته، بقوله في (٢/ ٩٨):
"وكل فرقة من هذه الفرق سَدُّوا على أنفسهم طريقًا من طرق الحق؛
стр. 33
فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله؛ فنفاة القياس لما سدّوا على أنفسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحِكَم والمصالح وهو من الميزان والقسط الذي أنزله اللَّه احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحمَّلوهما فوق الحاجة ووسعوهما أكثر مما يَسعَانه، فحيث فهموا من النص حكمًا أثبتوه ولم يبالوا بما وراءه، وحيث لم يفهموا منه نفوه، وحملوا الاستصحاب، وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس وتركهم له، وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه.
ولكن أخطأوا من أربعة أوجه. . . " وذكرها (١).
وفصَّل في أخطاء القياسيين، وتعرض إلى (الاستصحاب): معناه وأقسامه، وعاد إلى ذكر أخطاء أهل القياس الخمسة (٢).
وتفرغ ابن القيم بعد ذلك للرد على من أبطلوا القياس، فتعقّب أقوالهم وفندها، وكأنه في هذا المبحث يتعقب كل ما ذكره ابن حزم في رسالة "إبطال القياس" (٣) ومبحث (القياس) من كتابه "الإحكام" (٤) بحيث يمكن اعتبار ما في (إعلام الموقعين) من مباحث في القياس، رسالة مستقلة في إثباته، والرد على إبطال الظاهرية له.
ويعفيني -القارئ الكريم- من متابعة التعريف بجهد المصنف في (القياس) بما ذكرته في مطلع هذا الفصل تحت عنوان (فصول نافعة وأصول جامعة في القياس)، فإنه متمم للمذكور هنا، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإن الكتاب بين يديه، والإكثار من سياق فقراته فيه تطويل، وجميع مباحثه في هذا الباب ماتعة، نافعة، قوية، رائعة، تستحق الوقوف عندها (٥)، ليُعلم الفرق بين (التحقيق) و (التفتيش) من جهة، و (الجمع) و (التقميش)
стр. 34
من جهة أخرى، ولا سيما في باب الأصول وتخريج فروعه عليه على وفق منهج أهل السنة والجماعة، المعظمين للأثر، الواقفين عند الدليل.
ورحم اللَّه صديق حسن خان، فإنه تكلم عن القياس، وأنواعه المستعملة في الاستدلال، وقال: "وأمثلة هذه الأقيسة على وجه البسط والتفصيل ذكرها ابن القيم ﵀ في "الأعلام" لا يتسع هذا المختصر لذكرها" (١).
وأخيرًا. . . فإن المصنف بعد ذكره مباحث القياس، التي طالت وتشعبت وتفرعت، رجع إلى كتاب عمر في القضاء، قال في (٢/ ٤٢٥): "فهذا ما يتعلق بقول أمير المؤمنين ﵁: "واعرف الأشباه". . . ": وهنا تنتهي مباحث القياس، قال: "فلنرجع إلى شرح باقي كتابه" ومضى بعد ذلك في شرح ما بقي من فقراته في (٢/ ٤٢٥ - ٤٣٨).
- إلماحة في رد كون كتابنا شرحًا لكتاب عمر في القضاء فحسب:
مما مضى يتبيَّن بجلاء؛ أن ابن القيم أولى كتاب عمر في القضاء أهمية واضحة، ولكن كتابه أوسع منه، حتى خلال شرحه لفقراته، فإنه ذكر مسائل وأصولًا ما كان أصبره عليها! وأطول نفسه في عرضها ومناقشتها! وكان يعنون في خروجه عنه بـ (فصل) تارة، ويفرع ويدلل من باب تأصيل ما قاله عمر في كتابه المهيب الذي أرسى فيه قواعد عامة للقضاة (٢).
وتكرار المصنف لفقراته في مواطن من كتابه لا يأذن للمنصف أن يقرر أنه عبارة عن شرح له، فقد أورده -مثلًا- بتمامه البيهقي في "سننه الكبرى" في (كتاب القضاء)، ثم ذكر فقرات منه في كتب (الشهادة) و (البيّنة) و (اليمين)، ولم يقل أحد أن "سنن البيهقي" شرح لكتاب عمر ﵁!
- تحريم الفتوى بغير علم:
بدأ المصنف بعد إتمامه شرح كتاب عمر، وما يتعلق به من استطراد وتفصيل
стр. 35
وتأصيل وتدليل بتقرير حرمة الإفتاء في دين اللَّه بغير علم، وأن الواجب على من لا يعلم أن يقول: لا أدري، وبيَّن أنّ هذه طريقة السلف الصالح، وكان ذلك تمهيدًا لبحث:
- تفصيل القول في التقليد:
لا يخفى أنّ مسألة الاجتهاد والتقليد قد أخذت طورًا خطيرًا، ودارت كثيرًا على ألسنة أهل العلم، وتناولتها أقلام كتابنا، ونجم عنها سوءُ تفاهم، وتفرق كلم، واختلاف عظيم بين المجددين لعهد السلف، وبين المقلدين الحريصين على اتباع سبل أشياخهم، وحملوا على بعضهم حملاتٍ شديدة الوطأة، حتى كاد بعضهم يكفر بعضًا، ومنشأ ذلك استرسال الفريقين في صرف القول على إطلاقه، بدون قيد ولا شرط ولا تفصيل (١).
- وعمل ابن القيم في كتابنا هذا إلى ضبط أنواع التقليد، فقال في أول مباحثه (٢/ ٤٤٧): (ذكر تفصيل القول إلى التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه، والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب).
وقسَّم كلَّ نوع إلى أقسام، وذكر الفرقَ بين الاتباع والتقليد، وحُججَ كل فريق، وما قاله الأئمة الأربعة عن تقليدهم، ثم خص (فصلًا) في (٢/ ٤٧٠ - ٥٧٤، و ٣/ ٥ - ٣٦) (في عقد مجلس مناظرة بين مقلّد وصاحب حجة منقاد للحق حيث كان) وأطال النفس جدًّا في هذه المباحث التي أشاد الباحثون والعلماء بها، وأحالوا إليها (٢)، قال
стр. 36
الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في (رسائله الشخصية) (١) في رسالة له إلى الشيخ عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللطيف:
"والحاصل أن صورة المسألة: هل الواجب على كل مسلم أن يطلب علم ما أنزل اللَّه على رسوله، ولا يعذر أحد في تركه البتة؟ أم يجب عليه أن يتبع "التحفة" (٢) -مثلًا-" قال:
"فأعْلمُ المتأخرين وسادتهم، منهم ابن القيم، قد أنكروا هذا غاية الإنكار، وأنه تغيير لدين اللَّه" وقال بعد كلام:
"فعندكم كتاب "إعلام الموقعين" لابن القيم، فقد بسط الكلام فيه على هذا الأصل بسطًا كثيرًا، وسرد من شبه أئمتكم ما لا تعرفون أنتم ولا آباؤكم، وأجاب عنها، واستدلّ لها بالدلائل الواضحة القاطعة .. . . " (٣)، وقال فيها أيضًا:
"وإنْ أردتَ النظر في "إعلام الموقعين" فعليك بمناظرةٍ في أثنائه عقدها بين مقلد وصاحب حجة. . . " (٤).
وقال فيها بعد أن أورد نصًّا طويلًا منه ومن كتاب "الإيمان" لابن تيمية: "فتأمل هذا الكلام بشراشر قلبك، ثم نزِّله على أحوال الناس وحالك، وتفكَّر في نفسك، وحاسبها بأيّ شيء تدفع هذا الكلام، وبأي حجة تحتج يوم القيامة على ما أنت عليه" (٥).
وقال صديق حسن خان بعد كلام:
"وهاهنا أبحاثٌ في التَّقلِيد وانقسامه إلى ما يُحْرَمُ القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، إلى ما يسوغ من غير إيجاب. قد أطال الحافظُ ابنُ القيِّم في "الأعلام" في تفصيل القول في ذلك إلى كراريس طويلة، وحرَّر احتجاج المقلِّدين وأدلَّتهم، وأجاب عن كل حُجَّةٍ ودليل لهم، جوابًا شافيًا كافيًا وافيًا، لم يغادر شيئًا من الرَّدِّ على المقلِّدين. وذكر إحدى وثمانين وجهًا في الاحتجاج
стр. 37
عليهم، وليس الكلام على ذلك من غرضنا في هذا الكتاب، وما أحقَّ أبحاثَه هذه بالإفراز وجعلها كتابًا مستقلًا، مع ضَمِّ كلام القاضي العلَّامة محمد بن علي الشوكاني في مؤلَّفاته في التَّقلِيد -وهو أيضًا كثير جدًّا- في مؤلَّفات مستقلَّة، وغضون أبحاثٍ ومسائل في تفسيره "فتح القدير" وغيره" (١).
وقد أفصح ابن القيم: أن مبحثه في (التقليد) كمبحثه في (القياس) فيه جدّة وإحاطة وشمول على وجه تخلو منه الكتب، قال في (٣/ ٣٦) ما نصه:
"وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما وما لَهُم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول اللَّه وقوته ومعونته وفتحه، فله الحمد والمنة، وما كان فيه من صواب فمن اللَّه، هو المانُّ به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، وليس اللَّه ورسوله ودينه في شيء منه، وباللَّه التوفيق".
ومن نافلة القول: أن عدم إدخال ابن القيم ربقة التقليد في عنقه، من أسباب نضج عقله، وسمو فكره، ووقوفه على الشيء الكثير من أسرار الشريعة، ولو كان غيره سلك هذا المسلك لصار الناس إخوانًا، ولكان للشريعة وضع آخر، فكم أفسد التقليد عقولًا، وكم أهوت العصبية المذهبية بالأفكار إلى مكان سحيق، فقتلت المواهب، ونصبت النزاع في مواضع الوفاق، وفرقت كلمة المسلمين.
- وجوب إعمال النصوص:
ثم عاد بعد ذلك إلى التركيز على إعمال النصوص، وأن الاجتهاد والقياس إنما يعمل به عند الضرورة، والواجب رد المتشابه إلى المحكم، لا العكس، ثم ذكر ثلاثة وسبعين مثالًا لمن أبطل السنن بظاهر القرآن تمسكًا بالمتشابه في ردّ المحكم، وقال قبل سردها في (٣/ ٥٨): "ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدّة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب" وبدأها في الرد على بدع عقدية، قال بها الجهمية والقدرية والجبرية والخوارج والمعتزلة، واستطرد في (المثال الثاني عشر) فذكر ثمانية عشر دليلًا على (علوّ اللَّه على خلقه وكونه فوق عباده) وصرح بأنه اختصر الأدلة عليها، قال في (٣/ ٧٥): "فهذه أنواع من الأدلة
стр. 38
السمعية المحكمة إذا بُسطت أفرادُها كانت ألفَ دليل على علوّ الرَّبّ على خلقه واستوائه على عرشه"، واقتصر على التوحيد إلى آخر (المثال الثالث عشر)، ثم شرع في ذكر أمثلة في مسائل فقهية، جُلُّها في الرد على أهل الرأي والقياس، أعني النوع الذي أصَّل ردّه فيما سبق لمخالفته نصوص الوحي.
- الزيادة على النص:
ولم تخل مباحث هذه الأمثلة من تأصيل وتقعيد، وتفريع، فذكر -مثلًا- تحت (المثال الثامن عشر) مسألة (الزيادة على النَّصّ) وقرر أن "السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه" (١)، وسرد أمثلة كثيرة جدًّا، فيها الرد على معطلي الاستدلال بالسنة بحجة الزيادة على النّص وألزمهم بأنهم فعلوا ذلك في مسائل عديدة (٢). ثم نقل عن أهل الرأي أنواع دلالة السنة الزائدة على القرآن، وناقشهم في التأصيل والتنويع، ورده عليهم من اثنين وخمسين وجهًا، قال قبل ذكر الأخير منها (٣/ ١٣٢): "فهذا طرف من بيان تناقض من رد السنن بكونها زائدة على القرآن، فتكون ناسخة؛ فلا تقبل" (٣).
وذكر تحت (المثال الخامس والعشرين) النصوص التي فيها الرجوع عن الهبة، واعتنى بألفاظها، واضطر ليظهر الحق فيها إلى التخريج والكلام في الرواة، والعناية بالثابت من الألفاظ (٤).
стр. 39
وذكر تحت (المثال السابع والعشرين) نظائر للمسالة التي أدرجها تحته، وهي مسائل قال بها (القياسون) بـ (دعوى أنّ ذلك موجب الأصول) (١)، وكان ذلك استطرادًا حسنًا، يدلل على ملكة ابن القيم الفقهية القوية.
وذكر تحت (المثال الثامن والعشرين) استطرادًا وتأصيلًا أن (أحكام الابتداء غير أحكام الدوام)، وبرهن أن النص والإجماع والقياس فرَّق بينهما (٢).
وشد النفس في (المثال السادس والخمسين) (٣)، فجمع الأحاديث في المسألة المبحوثة وعزاها إلى دواوين السنة، وتكلم على درجتها، وبيَّن ما يخالفها، ثم استطرد فـ (تكلم على عمل أهل المدينة) (٤)، وذكر أمثلة تخرّج على هذا الأصل، وتعرض لمنهج البخاري في "صحيحه" (٥)، وحجيَّة فعله ﷺ وإقراره، ثم تعرض إلى "نقلهم لتركه ﷺ " وأنه نوعان، وكلاهما سنة، ثم تعرض لنقل العمل المستمر، للعمل الذي طريقه الاجتهاد، وحال خبر الواحد معه، ومنزلته منه، وحكم العمل في المدينة بعد انقراض عصر الصحابة، وتغير عمل أهل المدينة من عصر إلى عصر، ثم لخص ذلك بقوله في (٣/ ٢٧٣):
"وخذ بلا حسبان ما شاء اللَّه من سُننٍ قد أهملت وعُطِّل العملُ بها جملة، فلو عمل بها من يعرفها، لقال الناس: تركت السنة، فقد تقرر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل ألبتة، وإنما يقع من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عملٍ طريقه النقل، فإنه لا يخالف سنة صحيحة ألبتة" (٦).
ثم ذكر (المثال السابع والخمسين) وذكر فيه (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٩) اختلاف
стр. 40
الرواة في حكم الجهر بالتأمين، وأيَّد الجهر بستة مرجِّحات حديثيَّة.
وكذلك أطال النفس الحديثي بتتبع ما ورد في (وضع اليدين في الصلاة) وذلك في (المثال الثاني والستين) (١).
- العرف وحجيته:
وذكر في (المثال السبعين) مسألة (انتفاع المرتهن بالمرهون)، واستدل للجواز بأصلين، وأيده بأنه مأذون فيه عرفًا، ثم استرسل في (مسألة العرف)، وقال في (٣/ ٣١٦): "وقد أُجري العرف مجرى النطق في أكثر من مئة موضع. . . " وأخذ يسرد الكثير منها، ثم تعرض إلى أن (الشرط العرفي كالشرط اللفظي)، وأخذ يفرع على ذلك أمثلة لا صلة لها بعين المسألة المذكورة تحت المثال اللهم إلا الاشتراك في موضوع (العرف) فحسب.
فهو يرجح بالنظائر، ويؤكد أن الشريعة قواعد مطردة، ومن خلالها يُوضِح الحقَّ في (المسائل الأصولية)، فالقارئ يعجب من طول نفس المصنف، وتفريعاته، وتحليلاته، واستدلالاته، وإيراده كلام الخصوم، وكيفية توجيهه وردّه، على وجه لا يقدر عليه إلا من آتاه اللَّه بسطة في العلوم والفهوم، وتفننًا في الموضوعات والرسوم.
ولا يُنسَى في هذا المقام المثال قبل الأخير، وهو: (المثال الثاني والسبعون) في (الجمع بين الصلاتين للعذر) (٢)، فإنه وضع المسألة في مكانها الشرعي اللازم، وربطها بأوقات الصلوات، وأنها خمسة في السعة والرفاهية، وثلاثة في الضيق والشدة، وأن القرآن ذكر الأوقات على هذين النَّحوَيْن، وفي هذا إشارة إلى دلالة القرآن على مشروعية الجمع للعذر والحاجة. ورد على المعترضين بكلام لا تكاد تجده عند أحد غير المدرسة التي ينتسب إليها ابن القيم (٣).