← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

شريعته التي هي شريعته لا يحتاج معها إلى غيرها، وإنما يحتاج إلى غيرها مَنْ لم يُحِطْ بها علمًا أو لم يقم بها (١) عملًا. [ما في ضمن المحرمات من المفاسد يمنع أن يشرع إليها التحيل] والمقصود أن ما في ضمن المحرمات من المفاسد والمأمورات من المصالح يمنع أن يشرع إليها التحيل بما يبيحها ويسقطها، وأن ذلك مناقضة ظاهرة، ألا ترى أنه بالَغَ في لعن المحلِّل للمفاسد الظاهرة والباطنة التي في التحليل التي يعجز البشر عن الإحاطة بتفاصيلها؛ فالتحيل على صحة هذا النكاح بتقديم اشتراط التحيل عليه وإخلاء صُلْبه عنه إن لم يَزدْ مفسدتَه فإنه لا يُزِيلها ولا يخّففها، وليس تحريمه والمبالغة في لعن فاعله تعبدًا لا يُعْقَل معناه، بل هو معقول المعنى من محاسن الشريعة، بل لا يمكن شريعة الإسلام ولا غيرها من شرائع الأنبياء (٢) أن تأتي بحيلة؛ فالتحيّل على وقوعه وصحته إبطال لغرض الشارع وتصحيح لغرض المتحيل المخادع. [لِمَ حرم الصيد في الإحرام] وكذلك الشارع حَرَّم الصيد في الإحرام وتوعَّدَ بالانتقام على مَنْ عاد إليه بعد التحريم (٣)، لما فيه من المفسدة الموجبة لتحريمه وانتقام الرب من فاعله، ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بنصب الشِّباك له قبل الإحرام بلحظة، [فإذا وقع فيها حال الإحرام أخذه بعد الحِلّ بلحظة] (٤)، فإباحته لمن فعل هذا إبطال لغرض الشارع الحكيم وتصحيح لغرض المخادع. [حكمة إيجاب الكفّارة على من وطئ نهار رمضان] وكذلك إيجاب الشارع الكفارة على مَنْ وطئ في نهار رمضان فيه من المصلحة جَبْر وَهن الصوم، وزجر الواطئ، وتكفير جُرمه، واستدراك فرطه، وغير ذلك من المصالح التي علمها مَنْ شرَع الكفارة وأحبها ورضيها، فإباحةُ التحيل لإسقاطها بأن يتغدَّى قبل الجماع ثم يجامع نقضٌ لغرض الشارع، وإبطالٌ له،

стр. 2032

وإعمال لغرض الجاني المتحيل وتصحيح له، ثم إن ذلك جناية على حق اللَّه وحق العبيد؛ فهو إضاعة للحقين وتفويت لهما. [حكمة تشريع حدود الجرائم] وكذلك الشارع شَرَعَ حدود الجرائم التي تتقاضاها الطباع أشَدَّ تَقاضٍ لما في إهمال عقوباتها من مفاسد الدنيا والآخرة، بحيث لا يمكن سياسة ملكٍ ما من الملوك أن يخلو من عقوباتها ألبتة، ولا يقوم ملكه بذلك، فالإذن في التحيل لإسقاطها بصورة العقد وغيره مع وجود تلك المفاسد بعينها أو أعظم منها نَقْضٌ وإبطال لمقصود الشارع، وتصحيح لمقصود الجاني، وإغراء بالمفاسد، وتسليط للنفوس على الشر. [عود مرة أخرى إلى إبطال الحيل] وياللَّه العجب! كيف يجتمع في الشريعة تحريم الزنا والمبالغة في المنع منه وقتل فاعله شر القتلات وأقبحها وأشنعها وأشهرها ثم يسقط بالتحيل عليه بأن يستأجرها لذلك أو لغيره ثم يقضي غرضه منها؟ وهل يعجز عن ذلك زانٍ أبدًا؟ وهل في طباع وُلاة الأمران يقبلوا قول الزاني: أنا استأجرتها للزنا، أو استأجرتها لتَطويَ ثيابي ثم قضيت غرضي منها (١)، فلا يحل لك أن

стр. 2033

تقيم (١) عليّ الحد؟ وهل ركَّبَ اللَّه في فِطَرِ الناس سقوطَ الحد عن هذه الجريمة التي هي من أعظم الجرائم إفسادًا للفراش والإنساب بمثل هذا؟ وهل يسقط الشارع الحكيم الحد عمن أراد أن ينكح أمه أو ابنته أو أخته بأن يعقد عليها العقد ثم يطأها بعد ذلك (٢)؟ وهل زادهُ صورة العقد المحرم إلا فجورًا

стр. 2034

وإثمًا واستهزاء بدين اللَّه وشرعه ولعبًا بآياته؟ فهل يليق به مع ذلك رفع هذه العقوبة عنه وإسقاطها بالحيلة التي فعلها مضمومة إلى فعلها الفاحشة بأمه [وأخته] (١) وابنته؟ فأين القياسُ وذكر المناسبات والعلل المؤثرة والإنكار على الظاهرية؟ فهل بلغوا بالتمسك بالظاهر عُشْرَ مِعْشار هذا؟ والذي يقضي منه العجب أن يقال: لا يعتد بخلاف المتمسكين بظاهر القرآن والسنة، ويعتد بخلاف هؤلاء، واللَّه ورسوله منزَّه عن هذا الحكم. وياللَّه العجب! كيف يَسقطُ القطعُ عمن اعتاد سرقة أموال الناس وكلما أمسك معه المال المسروق قال: هذا ملكي، والدار التي دخلتها داري، والرجل الذي دخلت داره عبدي؟ قال أرباب الحيل: فيسقط عنه الحد بدعوى ذلك، فهل تأتي بهذا سياسة قط جائرة أو عادلة، فضْلًا عن شريعة نبي من الأنبياء، فضْلًا عن الشريعة التي هي أكمل شريعة طرقت العالم؟ وكذلك الشارع أوجب الإنفاق على الأقارب؛ لما في ذلك من قيام مصالحهم ومصالح المنفق، ولما في تَرْكهم من إضاعتهم؛ فالتحيل لإسقاط الواجب بالتمليك في الصورة مناقضة لغرض الشارع وتتميم لغرض الماكر المحتال، وعَوْدٌ إلى نفس الفساد الذي قصد الشارع إعدامَه بأقرب الطرق، ولو تحيل هذا المخادع على إسقاط نفقة دَوابه لهلكوا، وكذلك ما فرضه اللَّه تعالى للوارث من الميراث هو حق له جعله أولى من سائر الناس به، فإباحةُ التحيل لإسقاطه بالإقرار بماله كله للأجنبي وإخراج الوارث مُضادَّة لشرع اللَّه ودينه ونقض لغرضه وإتمام لغرض المحتال، وكذلك تعليم المرأة أن تقر بدَيْنٍ لأجنبي إذا أراد زوجُهَا السفر بها. فصل [أكثر الحيل تناقض أصول الأئمة] وأكثر هذه الحيل لا تمشي على أصول الأئمة، بل تناقضها أعظم مناقضة. وبيانه أن الشافعي ﵁ يحرم مسألة مُدِّ عجوة ودرهم بمد ودرهم (٢)، ويبالغ في

стр. 2035

تحريمها بكل طريق خوفًا أن يُتَّخذ حيلة على نوع ما من ربا الفَضْل، فتحريمُهُ للحيل الصريحة التي يتوصل بها إلى ربا النساء أولى من تحريم مد عجوة بكثير؛ فإن التحيل بمد ودرهم من الطرفين على ربا الفضل أخف من التحيل بالعِينَةِ على ربا النساء، وأين مفسدة هذه من مفسدة تلك؟ وأين حقيقة الربا في هذه من حقيقته في تلك؟ وأبو حنيفة يحرِّم مسألة العِينة (١)، وتحريمه لها يوجب تحريمه للحيلة في مسألة مد عجوة بأن يبيعه خمسة عشر درهمًا بعشرة في خرقة؛ فالشافعي يبالغ في تحريم مسألة مد عجوة ويبيح العينة، وأبو حنيفة يبالغ في تحريم العينة ويبيح مسائل مد عجوة، ويتوسع فيها، وأصل كل من الإمامين ﵄ في أحد البابين يستلزم إبطال الحيلة في الباب الآخر، وهذا من أقوى التخريج على أصولهم ونصوصهم، وكثير من الأقوال المُخَرَّجة دون هذا. [الحيل تقتضي رفع التحريم] فقد ظهر أن الحيل المحرمة في الدين تقتضي رفع التحريم مع قيام موجبه ومقتضيه وإسقاط الوجوب مع قيام سببه، وذلك حرامٌ من وجوه: أحدها: استلزامها فعل المحرم وترك الواجب. والثاني: ما تتضمنه (٢) من المَكْر والخِداع والتلبيس. والثالث: الإغراء بها والدلالة عليها وتعليمها مَنْ لا يحسنها. والرابع: إضافتها إلى الشارع وأن أصول شرعه ودينه تقتضيها. والخامس: أن صاحبها لا يتوب منها ولا يعدّها ذنبًا. والسادس: أنه يُخادع اللَّه كما يخادع المخلوق. والسابع: أنه يسلِّط أعداء الدين على القَدْح فيه وسوء الظن به وبمن شرعه. والثامن: أنه يُعْمِلُ فكره واجتهاده في نقض ما أبرمه الرسولُ وإبطال ما أوجبه وتحليل ما حرمه.

стр. 2036

والتاسع: أنه إعانة ظاهرة على الإثم والعُدْوان، وإنما اختلفت الطريقُ؛ فهذا يعين عليه بحيلة ظاهرُهَا صحيح مشروع يتوصل بها إليه، وذاك يعين عليه بطريقه المفْضية إليه بنفسها، فكيف كان هذا معينًا على الإثم والعدوان والمتحيّل المخادع يعين على البر والتقوى. العاشر: أن هذا ظلمٌ في حقِّ اللَّه، وحق رسوله، وحق دينه، وحق نفسه، وحق العبد المُعيَّن، وحق (١) عموم المؤمنين؛ فإنه يُغْرِي به ويعلمه ويدل عليه، والمتوصل إليه بطريق المعصية لا يظلم إلا نفسه، ومَنْ تعلق به ظلمه من المعيَّنين فإنه لا يزعم أنَّ ذلك دينٌ وشرع ولا يقتدي به الناس. فأين فسادُ أحدهما من الآخر وضرره من ضرره؟ وباللَّه التوفيق. فصل [حجج الذين جوَّزوا الحيل] قال أرباب (٢) الحيل: قد أكثرتم من ذم الحيل، وأجلبتم بخَيْل الأدلة ورَجْلها وسمينها ومهزولها، فاسمعوا (٣) الآن تقريرها واشتقاقها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأئمة الإسلام، وأنه لا يمكن أحدًا إنكارها. [أدلتهم من القرآن] قال اللَّه تعالى لنبيه أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فأذن لنبيه أيوب أن يتحلل من يمينه بالضرب بالضِّغْث، وقد كان نَذَر أن يضربها ضرباتٍ متعددة (٤)، وهي في المتعارف الظاهر إنما تكون متفرقةً؛ فأرشده تعالى إلى الحيلة في خروجه من اليمين، فنقيس عليه سائر الباب، ونسميه وجوه المخارج من المضائق، ولا نسمّيه بالحيل التي ينفر الناس من اسمها. وأخبر اللَّه تعالى عن نبيه يوسف ﵇ أنه جعل صُواعَه في رَحْل أخيه ليَتوَّصل بذلك إلى أخذه من إخوته، ومَدَحَه بذلك، وأخبر أنه برضاه وإذنه، كما قال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ

стр. 2037

[نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] (١)﴾ [يوسف: ٧٦] فأخبر أن هذا كيده لنبيه، وأنه بمشيئته، وأنه يرفع درجة عبده بلطيف العلم ودقيقه الذي لا يهتدي إليه سواه، وأن ذلك من علمه وحكمته. وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] فأخبر تعالى أنه مكر بمن مكر بأنبيائه ورسله، وكثير من الحيل هذا شأنها، يمكر بها على الظالم والفاجر ومن يعسر تخليص الحق منه؛ فتكون وسيلة إلى نصر مظلوم وقهر ظالم ونصر حق وإبطال باطل. واللَّه تعالى قادر على أخذهم بغير وجه المكر الحسن، ولكن جازاهم بجنس عملهم، وليعلّم عباده أن المكر الذي يتوصَّلُ به إلى إظهار الحق ويكون عقوبة للماكر ليس قبيحًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وخداعه لهم أن يظهر لهم أمرًا ويبطن لهم خلافه. فما تُنكرون على أرباب الحيل الذين يظهرون أمرًا يتوصلون به إلى باطن غيره اقتداءً (٢) بفعل اللَّه تعالى؟ [أدلتهم من السنة] وقد روى البخاري في "صحيحه" من حديث أبي هريرة وأبي سعيد "أن رسول اللَّه ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمرٍ جَنيبٍ (٣)، فقال: أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصالح من هذا بالصَّاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا" (٤) وقال في الميزان مثل (٥) ذلك، فأرشده إلى الحيلة على التخلص من الربا بتوسط العقد الآخر، وهذا أصل في جواز العِينَةِ. وهل الحيل إلا معاريض في الفعل على وِزان (٦) المعاريض في القَوْل؟ وإذا كان في المعاريض مَنْدوحة عن الكذب ففي معاريض الفعل مَنْدُوحة عن المحرمات وتخلّص من المضايق.

стр. 2038

ولقد لقي النبي ﷺ طائفةً من المشركين وهو في نَفَرٍ من أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "نحن مِنْ ماء" فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: أحياء اليمن كثير، فلعلهم منهم، وانصرفوا (١). و [قد] (٢) جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: احملني، فقال: "ما عندي (٣) إلا ولد ناقة" فقال: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي ﷺ : "وهل يلد الإِبلَ إلا النوقُ؟ " (٤). وقد رأت امرأةُ عبدِ اللَّه بن رواحة عبدَ اللَّه على جارية له، فذهبت وجاءت بسكين، فصادفته وقد قضى حاجته، فقالت: لو وجدتك على الحال التي كنت عليها لوَجَأتك، فأنكر، فقالت: فاقرأ إن كنت صادقًا، فقال: شَهِدْتُ بأنَّ وَعْدَ اللَّه حقٌّ ... وأن النار مَثْوَى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طَافٍ (٥) ... وفوق العرش رَبُّ العالمينا وتحملُه ملائكة كِرَام (٦) ... ملائكة الإلهِ مُسَوَّمينا قالت (٧): آمنت بكتاب اللَّه وكذَّبت بصري، فبلغ النبي ﷺ ، فضحك ولم

стр. 2039

ينكر عليه (١)، وهذا تحيل منه بإظهار القراءة لما أوهم أنه قرآن ليتخلص به من مكروه المغيرة.

стр. 2040

[أدلة من عمل السَّلف] وكان بعض السلف إذا أراد أن لا يطعم طعامًا لرجل (١) قال: أصبحت صائمًا، يريد أن أصبح فيما سلف [صائمًا] (٢) قبل ذلك اليوم، وكان محمد ابن سيرين إذا اقتضاه بَعْضُ غُرَمائه وليس عنده ما يعطيه قال: أعطيك في أَحدِ اليومين إن شاء اللَّه، يريد بذلك يومي الدنيا والآخرة، وسأل رجل عن المروزي وهو في دار أحمد بن حنبل، فكره الخروج إليه، فوضع [أحمد] (٣) أصبعه في كفّه، فقال: ليس المروزي هاهنا، وما يصنع المروزي هاهنا (٤)؟ وحضر سفيان الثوري مجلسًا، فلما أراد النهوض منعوه، فحلف أن (٥) يعود، ثم خرج وترك نَعْله كالناسي لها، فلما خرج عاد وأخذها وانصرف، وقد كان لشُرَيح في هذا الباب فقه دقيق كما أعجب رجلًا فرسُه وأراد أخذها منه، فقال له شريح: إنها إذا ربضت (٦) لم تقم حتى تقام، فقال الرجل: أف أف (٧)، إنما أراد شريح أن اللَّه هو الذي يُقيمها، وباع من رجل ناقة، فقال له المشتري: كم تحمل؟ فقال: احمل على الحائط ما شئت، فقال: كم تَحْلِب؟ قال: احلب في أي إناء شئت، فقال: كيف سيْرُها؟ قال: الريح لا تُلْحَقُ، فلما قبضها المشتري لم يجد شيئًا من ذلك، فجاء إليه وقال: ما وجدتُ شيئًا من ذلك، فقال: ما كذَبتك. [أدلة أخرى لأصحاب الحيل] قالوا: ومن المعلوم أن الشارع جعل العُقُود وسائلَ وطرقًا إلى إسقاط الحدود والمأثم، ولهذا لو وطئ الإنسان امرأة أجنبية من غير عقد ولا شُبهة لزمه الحد، فإذا عقد عليها عقد النكاح ثم وطئها لم يلزمه الحد، وكان العقد حيلة على إسقاط الحد، بل قد جعل اللَّه سبحانه الأكل والشرب واللباس حيلة على دفع أذى الجوع والعطش والبرد، والاكتفاء حيلة إلى (٨) دفع [أذى] (٩) الصائل من

стр. 2041

الحيوان وغيره، وعقد التبايع حيلة على حصول الانتفاع بملك الغير (١)، وسائر العقود حيلة على التوصل إلى ما لا يباح إلا بها، وشرع الرهن حيلة على رجوع صاحب الدَّيْن في ماله من عين الرهن إذا أفلس الراهن أو تعذَّر الاستيفاء منه. وقد روى سلمة بن صالح (٢)، عن يزيد الواسطي، عن عبد الكريم، عن عبد اللَّه بن [أبي] (٣) بريدة قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن أعظم آية في كتاب اللَّه، فقال: لا أخرج من المسجد حتى أخبرك، فقام رسول اللَّه ﷺ من مجلسه، فلما أخرج إحدى رجليه أخبره بالآية قبل أن يخرج رجله الأخرى (٤). [كتاب الخصاف في الحيل] وقد بني الخصاف (٥) كتابه في الحيل على هذا الحديث، ووجَّه الاستدلال به أن من حلف [أن] (٦) لا يفعل شيئًا فأراد التخلص من الحِنْثِ بفعل بعضه لم يكن حانثًا، فإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف ولا يأخذ هذا المتاع فليَدَعْ بعضَه ويأخذ الباقي ولا يحنث، وهذا أصل في بابه في التخلص من الأيمان (٧). [عود إلى الاستدلال بعمل السلف في جواز الحيل] وهذا السلف الطيب قد فتحوا لنا هذا الباب، ونهجوا لنا هذا الطريق،

стр. 2042

فروى قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: إني (١) لي معك حقًا، [فقال: لا] (٢)، فقال: احلف لي بالمشي إلى بيت اللَّه، فقال: يحلف له بالمشي إلى بيت اللَّه، ويعني به مسجد حَيِّهِ (٣). وبهذا الإسناد أنه قال له رجل: إن فلانًا أمرني أن آتي مكان كذا وكذا، وأنا لا أقدرُ على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ قال: يقول: واللَّه ما أُبصرُ إلا ما سدَّدني غيري (٤). وذكر عبد الملك بن مَيْسرة عن النَّزَّال بن سَبْرة قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان بن عفان على أشياء باللَّه ما قالها، وقد سمعناه يقولها، [فقلنا: يا أبا عبد اللَّه، سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتها، وقد سمعناك قلتها، فقال:] (٥) إني أشتري (٦) ديني بعضه ببعضٍ مخالفَةَ أن يذهب كله (٧)، وذكر قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن إبراهيم أن رجلًا قال له: [إني] (٨) أنال من رجل شيئًا فيبلغه عني، فكيف أعتذر إليه؟ فقال له إبراهيم: قل: واللَّه إن اللَّه ليعلم ما قلت من ذلك من شيء (٩)، وكان إبراهيم يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده وهو مُستخفٍ من الحجَّاج: إن سُئلتم عني [وحلّفتم] فاحلفوا باللَّه لا تدرون أين أنا، ولا في أي موضع أنا، واعْنُوا [أنكم] لا تدرون أين أنا من البيت، وفي أي

стр. 2043

موضع منه، وأنتم صادقون (١). وقال مجاهد عن ابن عباس: ما يسرُّني بمعاريض الكلام حُمُرُ النِّعَمِ (٢). [الأدلة من الحديث] قد ثبت في "الصحيح" من حديث حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلْثُوم بنت عُقْبَة بن أبي مُعَيْط -وكانت من المهاجرات الأول- "أن رسول اللَّه ﷺ رخَّصَ في الكذب في ثلاث: في الرجل يُصْلِحُ بين الناس، والرجل يكذب لامرأته، والكذب في الحرب" (٣).

стр. 2044

وقال مُعْتمر بن سُليمان التَّيميّ، عن أبيه: حدثني نُعيم بن أبي هِنْد، عن سُويد بن غَفَلَةَ أن عليًا كرم اللَّه وجهه في الجنة لما قتل الزنادقة نظر في الأرض، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: صدق اللَّه ورسوله، ثم قام فدخل بيته، فأكثر الناس في ذلك، فدخلْتُ عليه فقلتُ: يا أمير المؤمنين أشيء عَهِدَ إليك رسولُ اللَّه ﷺ أم شيء رأيته؟ فقال: هل عليّ من بأس أن أنظر إلى السماء؟ قلت: لا، قال: فهل عليّ من بأس أن انظر إلى [السماء أو إلى] الأرض؟ قلت: لا، قال: فهل عليّ من بأس أن أقول صدق اللَّه ورسوله؟ قلت: لا، قال: فإني رجلٌ مُكائِد (١). وقال حجاج بن مِنْهال: ثنا أبو عَوَانة، عن أبي مِسْكين قال: كنت عند إبراهيم وامرأتُه تعاتبه في جاريته وبيدها (٢) مروحة، فقال: أشهدكم أنها (٣) لها،

стр. 2045

فلما خرجنا قال: علامَ شهدتم؟ قلنا: أشْهَدْتَنا أنك جعلت الجارية لها، قال: أما رأيتموني أشير إلى المروحة؟ (١). [قولهم لا بأسَ بالحيل] وقال محمد بن الحسن، عن عمرو بن ذر (٢) عن الشعبي: لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز، وإنما الحيل شيء يتخلَّص به الرجل من [المآثم و] الحرام (٣)، ويخرج به (٤) إلى الحلال، فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به، وإنما يكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق الرجل حتى يُبْطله، أو يحتال في باطل حتى يُوهم أنه حق (٥)، أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة، وأما ما كان على السبيل (٦) الذي قلنا فلا بأس بذلك (٧). [استدلالهم بالقرآن] قالوا: وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وقال غير واحد من المفسرين: مخرجًا مما ضاق على الناس، ولا ريب أن هذه الحيلَ مخارجُ مما ضاق على الناس، ألا ترى أن الحالف يضيق عليه إلزام (٨) ما حلف عليه، فيكون له بالحيلة مخرج منه، وكذلك الرجل تشتد به الضرورة إلى نفقة ولا يجد مَنْ يُقْرضه فيكون له من هذا الضيق مخرج بالعِينة والتورق (٩) ونحوهما، فلو لم يفعل ذلك لهلك ولهلكت عياله، واللَّه تعالى لا يشرع ذلك، ولا يضيق عليه (١٠) شرعه الذي وسع جميع خلقه؛ فقد دار أمره بين ثلاثة لا بد له من واحد منها: إما إضاعة نفسه وعياله، وإما الربا صريحًا، وإما المخرج من هذا الضيق [بهذه

стр. 2046

الحيلة] (١)، فأوجدونا أمرًا رابعًا نصير إليه، وكذلك الرجل ينزغه (٢) الشيطان فيقع به الطلاق فيضيق عليه جدًا مفارقةُ امرأته وأولاده وخراب بيته، فكيف ينكر في حكمة اللَّه ورحمته أن نتحيل له بحيلة تُخْرجه من هذا الإصر والغل؟ وهل الساعي في ذلك إلا مأجور غير مأزور كما قاله إمام الظاهرية في وقته أبو محمد بن حزم (٣) وأبو ثور (٤) وبعض أصحاب أبي حنيفة (٥)، وحملوا أحاديثَ التحريم على ما إذا شرط في صلب العقد أنه نكاح تحليل؟ [استدلالهم بعمل السلف وقولهم] قالوا: وقد روى عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن محمد ابن سيرين قال: أرْسَلَت امرأة إلى رجل، فزوَّجته نفسها ليحلها لزوجها، فأمره عمر [بن الخطاب ﵁] أن يُقيمَ معها ولا يطلقها، وأوْعَده إن يعاقبه أن طلَّقها (٦)؛ فهذا أمير المؤمنين قد صحح نكاحه، ولم يأمره باستئنافه، وهو حجة في صحة نكاح المحلل والنكاح بلا ولي. وذكر عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه كان لا يرى بأسًا بالتحليل، إذا لم يعلم أحد الزوجين (٧)، قال ابن حزم (٨): "وهو قول سالم بن عبد اللَّه والقاسم بن محمد". وصح عن عطاء فيمن نكح امرأة محلِّلًا ثم رَغِبَ فيها فأمسكها، قال: لا بأس بذلك (٩).

стр. 2047

وقال الشعبي: لا بأس بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج (١). وقال الليث بن سعد: إن تزوَّجها ثم فارقها لترجع إلى زوجها ولم يعلم المطلِّق ولا هي بذلك وإنما كان ذلك إحسانًا منه (٢) فلا بأس أن ترجع إلى الأول، فإن بيَّن الثاني ذلك للأول بعد دخوله بها لم يضرُّه. وقال الشافعي وأبو ثور: المحلِّل الذي يفسد نكاحه هو الذي يعقد عليه في نفس عقد النكاح أنه يتزوجها (٣) ليحلها ثم يطلقها، فأما من لم يشترط ذلك [عليه] في عقد النكاح فعقده (٤) صحيحٌ لا داخلة فيه، سواء شرط ذلك عليه قبل العقد أو لم يشرط (٥)، نوى ذلك [في نفسه] أو لم ينوه، قال أبو ثور: وهو مأجور (٦). وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن (٧) أبي حنيفة مثل هذا سواء. وروى أيضًا محمد وأبو يوسف (٨) عن أبي حنيفة: إذا نوى الثاني تحليلها (٩) للأول لم تحل له بذلك. وروى الحسن بن زياد عن زفر وأبي حنيفة (١٠): "أنه [و] إن اشترط (١١) عليه في نفس العقد أنه إنما يتزوجها (١٢) ليحلها للأول فإنه نكاحٌ صحيح [ويحصنان به]، ويبطل الشرط، وله أن يقيم معها" (١٣). فهذه ثلاث روايات عن أبي حنيفة.

стр. 2048

قالوا: وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذا زوج، قد (١) عقد بمهر وولي ورضاها وخلوّها من الموانع الشرعية، وهو راغب في رَدِّها إلى الأول؛ فيدخل في حديث ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا نكاح إلا نكاح رغبة" (٢) وهذا نكاح رغبة في تحليلها للمسلم كما أمر اللَّه تعالى بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والنبي ﷺ إنما شرط في عَوْدها إلى الأول مجردَ ذَوْق العُسَيْلة بينهما، وغيَّى (٣) الحلَّ بذلك فقال: "لا، حتى تذوق عُسَيْلته ويذوق عسيلتها" (٤) فإذا تذاوقا العسيلة حَلَّتْ له بالنص (٥).

стр. 2049

قالوا: وأما نكاح الدُّلْسَة فنعم هو باطل، ولكن ما هو نكاح الدُّلْسَة (١)؟ فلعله أراد به أن تدلَّسَ له المرأة بغيرها، أو تدلِّسَ له أنها انقضت (٢) عدتها ولم تنقض لتستعجل عَوْدَهَا إلى الأول. [لم يلعن كل مُحلِّل] وأما لعنة للمحلِّل فلا ريب أنه ﷺ لم يُرِد كل محلل ومحلل له؛ فإن الولي مُحلّل لما كان حرامًا قبل العقد، والحاكم المزوج محلل بهذا الاعتبار، والبائع لأَمَتَه محلل للمشتري وَطْأها، فإن قلنا: "العام إذا خُصَّ صار مجملًا" بطل الاحتجاج بالحديث، وإن قلنا: "هو حجة فيما عدا محل التخصيص" فذلك مشروط ببيان المراد منه (٣)، ولسنا ندري المحلِّل المراد من هذا النص، أهو الذي نَوَى التحليل أو شرطه قبل العقد أو شرطه في صُلْب العقد؟ أو الذي أحلَّ ما حرمه اللَّه ورسوله؟ ووجدنا كُلَّ من تزوج مطلقة ثلاثًا فإنه محلل، ولو لم يشترط التحليل ولم ينوه؛ فإن الحل حصل بوطئه وعقده (٤)، ومعلوم قطعًا أنه لم يدخل في النص، فعُلِمَ أن النص إنما أراد به مَنْ أحل الحرام بفعله أو عَقْده، ونحن وكلُّ مسلم لا نشك في أنه أهل للعنة اللَّه، وأما مَنْ قصد الإحسان إلى أخيه المسلم ورَغِب في جمع شمله بزوجته، ولمَّ شَعَثِهِ وشَعَثِ أولاده وعياله؛ فهو محسن، و ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فضلًا عن أن تلحقهم لعنة رسول اللَّه ﷺ . [قواعد الفقه لا تحرم الحيل] ثم قواعد الفقه وأدلَّته لا تحرم مثل ذلك (٥)؛ فإن هذه العقود التي لم يشترط

стр. 2050

المُحرَّم في صُلْبها عقود صدرت من أهلها في محلِّها مقرونة بشروطها (١)، فيجبُ الحكم بصحتها؛ لأن السبب هو الإيجاب والقبول وهما تامَّان، وأهلية العاقد لا نِزاعَ فيها، ومحليَّةُ العقد قابلة، فلم يبق إِلا القصد المقرون بالعقد، ولا تأثير له في بطلان الأسباب الظاهرة، لوجوه: أحدها: أن المعتان (٢) مثلًا إنما قصد الربح الذي وُضِعت له التجارة، "وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣) فإذا حصل له الربح حصل له مقصوده، وقد سلك الطريق المُفْضِية إليه في ظاهر الشرع، والمحلِّلُ غايتُه أنه قصد الطلاق ونواه إذا وطئ المرأة، وهو مما ملَّكه الشارع إياه، فهو كما [لو] (٤) نوى المشتري إخراج المبيع عن ملكه إذا اشتراه، وسرُّ ذلك أن السببَ مقتضٍ لتأبُّد الملك، والنية لا تُغيّر موجب السبب حتى يقال: إن النية توجبُ تأقيت العقد، وليست (٥) هي منافيةً لموجب العقد، فإن له أن يطلِّق. ولو نوى بعقد الشراء إتلاف المبيع وإحراقه أو إغراقه لم يقدح في صحة البيع، فنيّةُ الطلاق أولى، وأيضًا فالقصدُ لا يقدح في اقتضاءِ السبب لحكْمِه؛ لأنه خارج عما يتم به العقد، ولهذا لو اشترى عصيرًا ومن نيّته أن يتخِذَه خمرًا أو جاريةً ومن نيته أن يكرهها على البِغَاء أو يجعلها مغنية أو سلاحًا ومن نيته أن يقتل به معصومًا؛ فكلُّ ذلك لا أثر له في صحة البيع من جهة أنه منقطع عن السبب؛ فلا يخرج السبب عن اقتضاء حكمه. [الفرق بين القصد والإكراه والشرط المقارن] وقد ظهر بهذا الفرقُ بين هذا القصد وبين الإكراه؛ فإن الرضا شرطٌ في صحة العقد، والإكراه ينافي الرضا، وظهر أيضًا الفرقُ بينه وبين الشرط المقارِن؛ فإن الشرط المقارن يقدح في مقصود العقد؛ فغاية الأمر أن العاقد قصد محرَّمًا، لكن ذلك لا يمنع ثبوت الملك، كما لو تزوجها ليضارّ بها امرأة له أخرى، ومما يؤيد ما ذكرناه أن النية إنما تعملُ في اللفظ المُحتملِ للمنويِّ وغيره، مثل الكنايات، ومثل أن يقول: اشتريتُ كذا؛ فإنه يحتمل أن يشتريه لنفسه ولموكِّله، فإذا نوى أحدهما صح، فإذا كان السبب ظاهرًا متعينًا لمسببه لم يكن للنية الباطنة أثر في تغيير حكمه.

стр. 2051

[عن النية] يوضّحه أن النية لا تؤثِّر في اقتضاء الأسباب الحسّيّة والعقلية المستلزمة لمسبِّباتها ولا تؤثر النية في تغييرها، يوضحه أن النية إمّا أن تكون (١) بمنزلة الشرط أو لا تكون، فإن كانت منزلة الشرط لزم أنه إذا نوى أن لا يَبيعَ ما اشتراه ولا يَهبَه ولا يتصرف فيه، أو نوى أن يخرجه عن ملكه، أو نوى أن لا يطلِّق (٢) الزوجة أو يبيت عندها [كل ليلة] (٣) أو لا يسافر عنها، بمنزلة أن يشترط ذلك في العقد، وهو خلاف الإجماع، وإن لم تكن بمنزلة الشرط فلا تأثير له حينئذ. [لنا الظواهر وللَّه السرائر] وأيضًا فنحن لنا ظواهر الأمور، وإلى اللَّه سرائرها وبواطنها؛ ولهذا يقول الرسُلُ لربهم تعالى [يوم القيامة] (٤) إذا سألهم: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أنت عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] كان لنا ظواهرهم، وأما ما انطوت عليه ضمائرهم وقلوبهم فأنت العالم به. [زعمهم أنه ظهر عذرهم في الأخذ بالحيل] قالوا: فقد ظَهَر عذرُنا، وقامت حجتنا، فتبين أنا لم نخرج فيما أصَّلْناه -من اعتبار الظّاهر (٥)، وعدم الالتفات إلى القُصُود في العقود، وإلغاء الشروط المتقدمة الخالي عنها العقدُ، والتحيُّل على التخلّص من مضايق الأيْمان وما حرَّمه اللَّه ورسوله من الربا وغيره- عن كتاب رَبَّنَا وسنة نبيّنا وأقوال السلف الطيب. [ادعاء أن في مذاهب الأئمة فروعًا ينبنى عليها تجويز الحيل] ولنا بهذه الأصول رهنٌ عند كل طائفة من الطوائف المنكرة علينا. [الحيل عند الشافعية] [فلنا] (٦) عند الشافعية رُهُون كثيرة في عدة مواضع، وقد سلَّموا لنا أن

стр. 2052

الشرط المتقدم على العقد مُلْغَى، وسلموا لنا أن القصود غير معتبرة في العقود، وسلموا لنا جواز التحيّل على إسقاط الشُّفعة، وقالوا: يجوز (١) التحيل على بيع المعدوم من الثمار فضلًا عما لم يَبْدُ صلاحه بأن يؤجِّره الأرض ويُسَاقيه على الثمر من كل ألف جُزْء على جزء، وهذا نفسُ الحِيلة على بيع الثمار قبل وجودها، فكيف تنكرون علينا التحيل على بيعها قبل بدوّ صلاحها؟ وهل مسألة العِينَة إِلا مَلِك باب الحيل؟ وهم يبطلون الشرك (٢) بالعروض ثم يقولون: الحيلَة في جوازها أن يبيعَ كلُّ منهما نصف عَرَضِه لصاحبه، فيصيران شريكين حينئذ بالفعل، ويقولون: لا يصح تعليق الوكالة بالشرط، والحيلة على جوازها أن يوكله الآن ويعلق تصرفه بالشرط، وقولهم في الحيل على عدم الحنث بالمسألة السُّرَيجية (٣) معروف. وكل حيلة سواه (٤) محلل بالنسبة إليه؛ فإن هذه المسألة حيلة على أن يحلف دائمًا بالطلاق ويحنث ولا يقع عليه الطلاق أبدًا. [الحيل عند المالكية] وأما المالكية فهم من أشد الناس إنكارًا علينا للحيل، وأصولهم تخالف أصولنا في ذلك؛ إذ عندهم أن الشرط المتقدِّم كالمقارِن، والشرط العُرْفي كاللفظي، والقُصُود في العقود معتبرة، والذرائع يجب سدها، والتغرير الفعلي كالتغرير القولي، وهذه الأصول تسد باب الحيل سدًا محكمًا. ولكن قد عِلِقْنا لهم برهون نطالبهم بفكاكها أو بموافقتهم لنا على ما أنكروه علينا، فجوَّزوا التحيل على إسقاط الشُّفعة، وقالواة لو تزوَّجها ومن نيته أن يقيم معها سنةً صح

стр. 2053

النكاح، ولم تعمل هذه النية في فساده (١). [الحيل عند الحنابلة] وأما الحنابلة فبيننا وبينهم مُعْتَرك النزال في هذه المسائل؛ فإنهم هم الذين شنَّوا علينا الغارات، ورَمَوْنا بكل سلاح من الأثر والنظر، ولم يُراعوا (٢) لنا حُرمة، ولم يرقبوا فينا إِلا ولا ذمَّة. وقالوا: لو نَصَب شِباكًا للصيد قبل الإحرام ثم أخذ ما وقع فيها حال الإحرام بعد الحِلِّ جَاز. وياللَّه العجب! أي فرق بين هذه الحيلة وحيلة أصحاب السَّبتِ على الحيتان؟ وقالوا: لو نوى الزوج الثاني أن يحلّها للأول ولم يشترط ذلك جاز وحلَّت له؛ لأنه لم يشترط ذلك في العقد، وهذا تصريح بأن النية لا تؤثر في العقد. وقالوا: لو تزوجها ومن نيته أن يقيم معها شهرًا ثم يطلقها صح العقد، ولم تكن نيّة التوقيت مؤثِّرة فيه، وكلامهم في باب المخارج من الأَيْمان بأنواع الحيل معروف، وعنَّا تلقوه، ومنا أخذوه (٣). وقالوا: لو حلف أن لا يشتري [منه] ثوبًا فاتهبه (٤) منه وشرط له العوض لا يحنث. وقالوا بجواز مسألة التورّق (٥) وهي شقيقة مسألة العِينة؛ فأي فرق بين مصير السلعة إلى البائع وبين مصيرها إلى غيره؟ بل قد يكون عَوْدُها إلى البائع أرْفَقَ بالمشتري وأقل كلفة عليه وأرفع لخسارته وتعنيه (٦). فكيف تحرِّمون الضرر اليسير وتبيحون ما هو أعظم منه والحقيقة في الموضوعين (٧) واحدة وهي عشرة بخمسة عشر وبينهما حَرِيرة رجعت في إحدى الصورتين إلى مالكها وفي الثانية إلى غيره؟ وقالوا: لو حلف بالطلاق لا يزوج عبده بأَمَته أبدًا ثم أراد تزويجه بها ولا يحنث فإنه يبيع العبد والجارية من رجل ثم يزوجها المشتري ثم يستردّهما منه، قال القاضي: وهذا غيرُ مُمتنعٍ على أصلنا؛ لأن عقد النكاح قد وجد في حال

стр. 2054

زوال ملكه عنهما، ولا يتعلق الحنث باستدامة العقد بعد أن ملكهما؛ لأن التزويج عبارة عن العقد وقد انقضى وإنما بقي حكمه فلم يحنث باستدامة حكمه. وقالوا: لو كان له عليه مال وهو محتاج فأحب أن يَدَعَه له من زكاته فالحيلة أن يتصدَّق عليه بذلك القدر ثم يقبضه منه، ثم قالوا: فإن كان له شريكٌ فيه فخاف أن يخاصمه فيه فالحيلة أن يهب المطلوب للطالب مالًا بقدر حصة الطالب مما له عليه (١) ويقبضه منه للطالب ثم يتصدَّق الطالب على المطلوب بما وهبه له ويحتسب بذلك من زكاته ثم يهب المطلوب ما له عليه من الدَّين ولا يضمن الطالب لشريكه شيئًا؛ لأن هبةَ الدين لمن في ذمته براءة، وإذا أبرأ أحدُ الشريكين الغريم من نصيبه لم يضمن لشريكه شيئًا، وإنَّما يضمن إذا حصل الدَّين في ضمانه. وقالوا (٢): لو أجَّره الأرض بأُجرة معلومة وشَرَط عليه أن يؤدّي خَرَاجها لم يجز؛ لأن الخراج على المالك لا على المستأجر، والحيلة في جوازه أن يؤجِّره إياها بمبلغ يكون زيادته بقدر الخراج ثم يأذن له أن يدفعَ في خراجها ذلك القدر الزائد على أجرتها. قالوا: لأنه متى زاد مقدار الخراج على الأجرة حصل ذلك دَيْنًا على المستأجر، وقد أمره أن يدفعه إلى مستحق الخراج وهو جائز. وقالوا (٣): ونظير هذا أن يؤجره دابة ويشترط عَلَفها على المستأجر لم يجز، والحيلة في جوازه هكذا سواء، يزيد في الأجرة ويوكّله أن يعلف الدابة بذلك القدر الزائد. وقالوا: لا يصح استئجار الشجرة المثمرة (٤)، والحيلة في ذلك أن يؤجِّره الأرض ويُسَاقيه على الثمرة من كل ألف جزء جزء مثلًا. وقالوا: لو وكله أن يشتري له جارية معيَّنة بثمن معين دفعه إليه، فلما رآها أراد شراءها لنفسه، وخاف أن يحلفه أنه إنما اشتراها بمال الموكِّل له، وهو وكيله، فالوجه أن يعزل نفسه عن الوكالة، ثم يشتريها بثمن في ذمته، ثم ينقد ما معه من الثمن، ويصير لموكله في ذمته نظيره. قالوا: وأما نحن فلا تأتي (٥) هذه الحيلة على أصولنا؛ لأن الوكيل لا يملك عَزل نفسه إِلا بحضرة موكله.

стр. 2055

قالوا: وقد قالت (١) الحنابلة أيضًا: لو أراد إجارة أرض له فيها زرع [لم يجز، والحيلة] (٢) في جوازه أن يبيعه الزرع ثم يؤجره الأرض، فإن أراد بعد ذلك أن يشتري منه الزرع جاز. وقالوا: لو شَرَط رب المال على المضارب ضمان مال المضاربة لم يصح، والحيلة في صحته أن يقرضه المال في ذمته ثم يقبضه المضارب منه، فإذا قبضه دفعه إلى مالكه الأول مضاربة ثم يدفعه رب المال إلى المضاربِ بضَاعةً فإن توى (٣) فهو من ضمان المضارب؛ لأنه قد صار مضمونًا عليه بالقَرْض فتسليمه إلى رب المال مضاربة كتسليم مال له آخر. وحيلة أخرى، وهي أن يُقْرِضَ ربُّ المال المضاربَ ما يريد دفعه إليه، ثم يخرج من عنده درهمًا واحدًا، فيشاركه على أن يعملا بالمالين جميعًا على أن ما رزقه اللَّه فهو بينهما نصفين، فإن عمل أحدهما بالمال بإذن صاحبه فربح كان الرِّبح بينهما على ما شرطاه، وإن خسر كان الخسران على قدر المالين، على رب المال بقدر الدرهم وعلى المضارب بقدر رأس المال، وإنما جاز ذلك لأن المضارب هو الملزِمُ نفسَه الضمان بدخوله في القرض. وقالوا: لا تجوز المضاربة على العرض، فإن كان عنده عرض فأراد أن يضارب عليه فالحيلة في جوازه أن يبيعه العرض ويقبض ثمنه فيدفعه إليه مضاربة ثم يشتري المضارب ذلك المتاع بالمال. وقالوا (٤): لو حلفته امرأته أن كل جارية يشتريها فهي حرة، فالحيلة في جواز الشراء ولا تُعتق أن يعني بالجارية السفينة ولا تعتق، وإن لم تحضره هذه النية وقت اليمين فالحيلة أن يشتريها صاحبه ويهبه إياها ثم يهبه نظير الثمن. وقالوا: لو حلَّفته أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق، وخاف من هذه اليمين عند من يصحح هذا التعليق فالحيلة أن ينوي كل امرأة أتزوجها على طلاقك: أي يكون طلاقُكِ صداقَهَا، أو كل امرأة أتزوجها على رقبتك: أن تكون

стр. 2056

رقبتُك صداقها فهي طالق، فلا يحنث بالتزويج على غير هذه الصفة. وقالوا: لو أراد أن يصرف دنانير بدراهم ولم يكن عند الصيرفي مبلغ الدراهم وأراد أن يصير عليه بالباقي لم يجز، والحيلة فيه أن يأخذ ما عنده من الدراهم بقدر صَرْفه ثم يقْرِضه إياها فيصرف بها الباقي، فإن لم يوف (١) فعل ذلك مرارًا حتى يستوفي صرفه، ويصير ما أقرضه دينًا عليه، لا أنه عوض الصرف. وقالوا: لو أراد أن يبيعه دراهم بدنانير إلى أجل لم يجز، والحيلة في ذلك أن يشتري منه متاعًا وينقده ثمنه ويقبض المتاع، ثم يشتري البائع منه ذلك المتاع بدنانير إلى أجل، والتأجيل جائز في ثمن المتاع. وقالوا: لو مات رب المال بعد أن قبض المضارب المال انتقل إلى ورثته، فلو اشترى المضارب به بعد ذلك متاعًا ضمن؛ لأنه تصرف بعد بطلان الشركة، والحيلة في تخلص المضارب من ذلك أن يشهد رب المال أن حِصَّته من المال الذي دفعه إليه مضاربة لولده، وأنه مقارض إلى هذا الشريك بجميع ما تركه، وأمره أن يشتري لولده ما أحب في حياته، وبعد وفاته، فيجوز ذلك؛ لأن المانع منه كونه متصرفًا في ملك الغير بغير وكالة ولا ولاية، فإذا أذن له في التصرف بريء من الضمان، وإن (٢) كانت هذه الحيلة إنما تتم إذا كان الورثة أولادًا صغارًا. وقالوا: لو صالح عن المؤجل ببعضه حالًا لم يصح، والحيلة في تصحيحه أن يفسخا العقد الذي وقع على المؤجل ويجعلاه بذلك القدر الحال. وقالوا: لو لبس المتوضئ أحد الخفين قبل غسل [الرجل] (٣) الأخرى ثم غسل الأخرى ولبس عليها لم يجز المسح؛ لأنه لم يلبس على كمال الطهارة، والحيلة في جواز المسح أن يخلع هذه الفردة الثانية ثم يلبسها (٤). قالوا: ولو أوصى لرجل بخدمة عبدِه أو بما في بطن أمته جاز، فلو أراد الورثة شراء خدمة العبد أو ما في بطن الأمة من الموصى له لم يجز، والحيلة في جوازه أن يصالحوه عن (٥) الموصى به على ما يبذلونه له فيجوز، وإن لم يجز البيع فإن الصلح يجوز فيه ما لا يجوز في البيع.

стр. 2057

قالوا: ولا (١) تجوز الشركة بالعروض، فإن كان لأحدهما عرض يساوي خمسة آلاف درهم وللآخر عرض يساوي ألفًا فأحَبَّا أن يشتركا في العرضين، فالحيلة أن يشتري صاحب العرض الذي قيمته خمسة آلاف [من الآخر خمسَةَ أسداس عرضه بسدس عرضه هو؛ فيصير للذي يساوي عرضه ألفًا سدس جميع المال، وللآخر خمسة أسداسه] (٢)؛ لأن جميع ماليهما ستة آلاف، وقد حصل كل واحد من العرضين بهذه الشركة بينهما أسداسًا، خمسة أسداسه لأحدهما وسدسه للآخر، فإذا هلك أحدهما هلك على الشركة. قالوا: ولا تقبل شهادة الموكل لموكله فيما هو وكيل (٣) فيه، فلو لم يكن [له] (٤) شاهد غيره وخاف ضياع حقه فالحيلة أن يَعْزِلَه حتى يشهد له ثم يوكله بعد ذلك إن أراد. قالوا: ولو أعتق عبده في مرضه، وثلثه يحتمله، وخاف عليه من الورثة أن يجحدوا المال ويرثوا ثلثيه؛ فالحيلة أن يدفع إليه مالًا يشتري (٥) نفسه منه بحضرة شهود، ويشهدون أنه قد أَقْبضه الماله، وصار العبد حرًا. قالوا: وكذلك الحيلة لو كان لأحد الورثة دَيْن على الموروث (٦)، وليست له به بينة، فاراد بيعه (٧) العبد بَدْينه الذي له عليه فعل مثل ذلك [سواء] (٨). قالوا: ولو قال: "أوصيتُ إلى فلان، وإن (٩) لم يقبل فإلى فلان" وخاف أن تبطل الوصية على مذهب مَنْ لا يرى جواز تعليق الوصية (١٠) بالشرط، [فالحيلة] (١١) أن يقول: "فلانٌ وفلانٌ وصيّان، فإن لم يقبل أحدهما وقبل الآخر فالذي قبل هو الوصي" فيجوز على قول الجميع؛ لأنه لم يعلّق الولاية بالشرط. قالوا: ولو أراد ذمي أن يُسْلِم وعنده خمرٌ كثير، فخاف أن يذهب عليه

стр. 2058

بالإسلام؛ فالحيلة أن يبادر ببيعها من ذمي آخر ثم يسلم، فإنه يملك تقاضيه بعد الإسلام، فإن بادر الآخر وأسلم لم يسقط عنه ذلك، وقد نصّ عليه الإمام أحمد (١) في مجوسي باع مجوسيًا خمرًا ثم أسلما يأخذ الثمن، قد وجب له يوم باعه. قال أرباب الحيل: فهذا رهن الفرق عندنا بأنهم قالوا بالحيل وأفتوا بها، فماذا ينكرون علينا بعد ذلك ويشنّعون (٢)؟ ومثالنا ومثالهم في ذلك كقوم وَجَدُوا كنزًا فأصاب كل منهم طائفة منه في يديه، فمستقل ومستكثر، ثم أقبل بعضُ الآخذين ينقم (٣) على بقيتهم، وما أخذه من الكنز في يديه (٤)، فليَرْم بما أخذ منه ثم ليُنكر على الباقين. [جواب الذين أبطلوا الحيل] قال المبطلون للحيل: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إلهَ إِلَّا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حولَ ولا قوة إِلَّا باللَّه [العلي العظيم] (٥)، فسبحان [اللَّه] (٥) الذي فرَضَ الفرائض [وحرَّم المحارم] (٥) وأوجب الحقوق رعاية لمصالح العباد في المعاش والمعاد، وجعل شريعته الكاملة قيامًا للناس وغذاءً لحفظ حياتهم، ودواءً لدفعِ أدوائهم، وظله الظليل الذي من استظلَّ به أَمِنَ من الحَرَور، وحِصْنه الحصين الذي من دخله نجا من الشُّرور، فتعالى شارعُ هذه الشريعة الفائقة لكل شريعة أن يشرع (٦) فيها الحيل التي تُسْقِطُ فرائضه، وتحل محارمه، وتبطل حقوق عباده، ويفتح للناس أبواب الاحتيال وأنواع المكر والخداع، وأن يحيى التوصل بالأسباب المشروعة، إلى الأمور المحرمة الممنوعة، وأن يجعلها مُضْغة (٧) لأفواه المحتالين، عرضه لأغراض المخادعين الذين يقولون ما لا يفعلون، ويُظهرون خلاف ما يبطنون، ويرتكبون العَبَثَ الذي لا فائدة فيه سوى ضحكة الضاحكين

стр. 2059

وسخرية الساخرين، فيخادعون اللَّه كما يخادعون الصبيان، ويتلاعبون بحدودِه كتلاعب المُجَّان، فيحرمون الشيء ثم يستحلّونه [إياه] (١) بعينه بأدنى الحيل، ويسلكون إليه نفسه طريقًا توهم أن المراد غيره [وقد علموا أنه هو المراد لا غيره] (٢)، ويسقطون الحقوق التي وصَّى اللَّه بحفظها وأدائها بأدنى شيء، ويفرقون بين متماثلين [من كل] (٣) وجه لاختلافهما في الصورة أو الاسم أو الطريق الموصل إليهما، ويستحلون بالحيل ما هو أعظم فسادًا مما يحرمونه ويسقطون بها ما هو أعظم وجوبًا مما يوجبونه. [كمال الشريعة الإلهية وعظمتها وأثرها] والحمد للَّه الذي نزَّه شريعته عن هذا التناقض والفساد، وجعلها كفيّة (٤) وافية (٥) بمصالح خلقه في المعاش والمَعَاد، وجعلها من أعظم آياته الدالة عليه، ونَصَبها طريقًا مرشدًا لمن سلكه إليه؛ فهو نورُه المبين، وحِصْنُه الحصين، وظله الظليل، وميزانه الذي لا يَعُولُ، لقد تعرَّف بها إلى ألِبَّاء عباده غاية التعرف (٦)، وتحبب بها إليهم غاية التحبب، فأنِسُوا [بها] (٧) منه حكمته البالغة، وتمت بها عليهم منه نعمُه السابغة، ولا إله إلّا اللَّه الذي في شرعه أعظم آية تدل على تفرده بالإلهية وتوحده بالربوبية، وأنه الموصوف بصفات الكمال، المستحق لنعوت الجلال، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى وله المَثَلُ الأعلى، فلا يدخل السوء في أسمائه ولا النقص والعيب في صفاته، ولا العبث ولا الجور في أفعاله، بل هو منزَّه في ذاته وأوصافه وأفعاله وأسمائه عما يضاد كماله بوجه من الوجوه، وتبارك اسمه، وتعالى جَدُّه، وبهرت حكمته، وتمت نعمتُه، وقامت على عباده حجتُه، واللَّه أكبر كبيرًا أن يكون في شرعه تناقض واختلاف، فلو ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] بل هي شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبّرأة من كل نقص، ومطهَّرة من كل دَنَس، ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١]، مؤسسة على العدل والحكمة، والمصلحة والرحمة، قواعِدُها

стр. 2060

ومبانيها، إذا حَرَّمت فسادًا حرمت ما هو أولى منه أو نظيره، وإذا رَعَت صلاحًا رَعَتْ ما هو فوقه أو شبهه؛ فهي (١) صراطه المستقيم الذي لا أمْتَ فيه ولا عِوَج، ومِلّته الحنيفية السَّمْحَة التي لا ضيق فيها ولا حرج، بل هي حنيفية التوحيد سمحة العمل، لم تأمر بشيء فيقول العقل: لو نهت عنه لكان أوفق، ولم تَنْهَ عن شيء فيقول الحِجَى: لو أباحته لكان أرفق، بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث، فأوامرها غذاءٌ ودواء، ونواهيها حِمْيَة وصيانة، وظاهرُها زينةٌ لباطنها، وباطنُها أجملُ من ظاهرها، شعارُهَا الصدق، وقوامها الحق، وميزانها العدل، وحكمها الفَصْل، لا حاجة بها البتة إلى أن تكمل بسياسة ملك أو رَأي ذي رأي أو قياس فقيه أو ذوق ذي رياضة أو منام ذي دين وصلاح، بل بهؤلاء (٢) كلهم أعظم الحاجة إليها، ومَنْ وفق منهم للصواب فلاعتماده وتعويله عليها، لقد أكملَهَا الذي أتم نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك، وحيل المتحيلين، وأقيسه القياسيين، وطرائق الخلافيين، وأين كانت هذه الحيل والأقْيسَة والقواعد المتناقضة والطرائق القِدَدُ وقتَ نزول قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وأين كانت يوم قوله ﷺ : "لقد تركتكم على المَحَجَّةِ البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها [بعدي] إِلَّا هالك" (٣) ويوم

стр. 2061

قوله ﷺ : "ما تركت من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم عن (١) النار إِلا أعلمتكموه" (٢)؟ وأين كانت عند قول أبي ذر: لقد توفي رسول اللَّه ﷺ وما طائر يقلِّبُ جناحيه في السَّماء إِلا ذكَرَ لَنَا منه علمًا (٣)، وعند قول القائل لسَلْمَان: لقد

стр. 2062

علَّمكم نبيكم كلَّ شيء حتى الخِرَاءَة، فقال: أجل (١)؟ فأين علَّمهم الحيل والمخادعة والمكر وأرشدهم إليه ودلهم عليه؟ كلا واللَّه! بل حَذَّرهم (٢) أشد التحذير، وأوعدهم عليه أشد الوعيد، وجعله منافيًا للإيمان، وأخبر عن لعنة اليهود لما ارتكبوه، وقال لأمَّته: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم اللَّه تعالى بأدنى الحيل" (٣)، وأغلق أبواب المكر والاحتيال، وسَدّ الذرائع، وفصل الحلال من الحرام، وبَيَّنَ الحدودَ، وقسم شريعته إلى حلال بَيِّن وحرام بَيِّن وبَرْزَخ بينهما، فأباح الأول، وحرم الثاني، وحض الأمة على اتقاء الثالث خشية الوقوع في الحرام (٤)، وقد أخبر اللَّه تعالى عن عقوبة المحتالين على حِلِّ ما حرَّمه عليهم وإسقاط ما فرضه (٥) عليهم في غير موضع من كتابه. قال أبو بكر الآجري (٦)، وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها [بعض] (٧) الناس: لقد مسخ اليهود قِرَدَة بدون هذا. وصدق واللَّه لآكِلُ حوتٍ صِيدَ يوم السبت أهونُ عند اللَّه وأقل جرمًا من آكل الربا الذي حرمه اللَّه بالحيل والمخادعة! ولكن كما قال الحسن: عُجِّل لأولئك عقوبة تلك الأكْلَة الوخيمة وأرجِئَت عقوبة هؤلاء (٨). وقال الإمام أبو يعقوب الجُوْزجَاني: وهل أصاب الطائفة من بني إسرائيل المسخُ إِلا باحتيالهم على أمر اللَّه بأن حفروا الحفائر (٩) على الحيتان في يوم سبتهم فمنعوها الانتشار يومها إلى الأحد فأخذوها؟ وكذلك السلسلة التي كانت

стр. 2063

تأخذ بعنق الظالم فاحتال لها صاحب الدُّرَّة إذ صيَّرها [في قصبة] (١) ثم دفع القصبة إلى خصمه وتقدم إلى السلسلة ليأخذها فرُفِعت (٢). وقال بعض الأئمة: في هذه القصة (٣) مزجرة عظيمة للمتعاطين الحيل على المَنَاهي الشرعية ممن تَلَبَّسَ بعلم الفقه وليس بفقيه؛ إذ الفقيه مَنْ يخشى اللَّه في الربويّات، واستعارة التيس الملعون لتحليل المطلَّقات، وغير ذلك من العظائم والمصايب الفاضحات، التي لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح، فكيف بمن يعلم السر وأخفى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (٤)؟ وقال: وإذا وازَنَ اللبيبُ بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها أرباب الحيل في كثير من الأبواب ظَهَر له التفاوت ومراتب المفسدة التي بَيْنها وبين هذه الحيل، فإذا عرف قدر الشرع وعظمة الشارع وحكمته وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح العباد تبيّنَ له حقيقة الحال، وقطع بأن اللَّه تعالى يتنزه ويتعالى أن يسوغ (٥) لعباده نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال (٦).

стр. 2064

فصل [الجواب على شبه الذين جوزوا الحيل تفصيلًا] قالوا: ونحن نذكر ما تمسكتم به في تقرير الحيل والعمل بها، ونبيِّن ما فيه، مُتَحَرِّينَ للعدل والإنصاف، منزهين لشريعة اللَّه وكتابه وسنة رسوله عن المَكْر (١) والخِدَاع والاحتيال المحرَّم، ونبيِّن انقسام الحيل والطرقِ إلى ما هو كفر محض، وفسق ظاهر، ومكروه، وجائز، ومستحب، وواجب عقلًا أو شرعًا، ثم نذكر فصلًا نبيِّن فيه التعويض بالطرق الشرعية عن الحيل الباطلة، فنقول وباللَّه التوفيق و [هو] (٢) المستعان وعليه التكلان: [الكلام على قصة أيوب] أما قوله تعالى لنبيه أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فقال شيخنا ﵀ (٣): الجواب أن هذا ليس مما نحن فيه؛ فإن للفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا قولين، يعني إذا حلف ليضربَنَّ عبده أو امرأته مئة ضربة: أحدهما: قول من يقول موجبها الضرب مجموعًا أو مُفَرَّقًا، ثم منهم من يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب؛ فعلى هذا تكون [هذه] (٤) الفُتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق، وليس هذا (٥) بحيلة، إنما الحيلة أن يُصْرَفَ اللفظُ عن موجبَه عند الإطلاق. والقول الثاني: إن موجبه الضرب المفرَّق (٦)، وإذا كان هذا موجبه في شرعنا لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعنا من شرائع من قبلنا؛ لأنَّا إن قلنا: "ليس شرعًا لنا مطلقًا" فظاهر، وإن قلنا: "هو شرع لنا" فهو مشروطٌ بعدم مخالفته لشرعنا، وقد انتفى الشرط. وأيضًا؛ فمن تأمَّل الآية علم أن هذه الفُتْيَا خاصة الحكم؛ فإنها لو كانت

стр. 2065

عامة الحكم في حق كل أحد لم يَخْفَ على نبيٍ كريم موجَبُ يمينِهِ، ولم يكن في اقتصاصها علينا كبير عبرة؛ فإنما يقص ما خرج عن نظائره [لنعتبر به ونستدل به على حكمة اللَّه فيما قَصَّه علينا] (١)، أما ما كان [هو] (١) مقتضى العادة والقياس فلا يقص، ويدل على الاختصاص قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل كما في نظائرها؛ فعلم أن اللَّه [ ] (١) إنما أفْتَاه بهذا جزاءً له على صبره، وتخفيفًا عن امرأته، ورحمةً بها، لا أن هذا [هو] (٢) موجب هذا اليمين، [وأيضًا فإن اللَّه ] (٣) إنما أفْتَاه بهذه الفُتْيَا لئلا يحنث، كما أخبر تعالى (٤). [متى شرعت كفارة اليمين ؟] وهذا يدل على أن كفارة الأَيمْان لم تكن مشروعة بتلك الشريعة، بل ليس في اليمين إِلا البر [أو] (٥) الحنث، كما هو ثابت في نذر التبرُّر في شريعتنا؛ وكما [كان في أول الإسلام] (٦) قالت عائشة ﵂: لم يكن أبو بكر يحنث في يمين، حتى أنزل اللَّه كفارة اليمين (٧)، فدلَّ على أنها لم تكن مشروعة في أول الإسلام. وإذا كان كذلك صار كأنه قد نذر ضربها، وهو نذر لا يجب الوفاء به؛ لما فيه من الضَّرر عليها، ولا يغني عنه كفارة اليمين (٨)؛ لأن تكفير النذر فرع عن (٩) تكفير اليمين، فإذا لم يكن كفارة النذر إذ ذاك مشروعة فكفارة اليمين أولى، وقد علم أن الواجب بالنذر يحتذى به حَذْوَ الواجب بالشرع، وإذا كان الضرب الواجب بالشرع يجب تفريقه إذا كان المضروب صحيحًا ويجوز جَمْعه إذا كان المضروب مريضًا مأيوسًا منه عند الكل أو مريضًا على الإطلاق عند بعضهم، كما ثبتت بذلك السنة عن رسول اللَّه ﷺ (١٠)، جاز أن يقام الواجب بالنذر مقام ذلك

стр. 2066

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2067

عند العذر، وقد كانت امرأة أيوب ﵇ ضعيفة عن احتمال مئة ضربة (١) التي حلف أن يضربها إياها، وكانت كريمةً على ربها، فخفف عنها برحمته الواجب باليمين بأنْ أفْتَاه بجمع الضربات بالضِّغْثِ كما خفف عن المريض. [عن النذر في الإسلام] ألا ترى أن (٢) السنة قد جاءت فيمن نذر الصدقة بجميع ماله أنه يجزيه الثلث (٣).

стр. 2068

فأقام الثلث في النذر مقام الجميع رحمة بالناذر وتخفيفًا عنه (١)، كما أُقيم مقامه في الوصية رحمة بالوارث ونظرًا له، وجاءت السنة فيمن نذرت الحج ماشيةً أن تركب وتُهْدِيَ (٢)، إقامةً لترك بعض الواجب بالنَّذر مقام ترك [بعض] (٣) الواجب

стр. 2069

بالشرع في المناسك عند العجز عنه كطواف الوداع عن الحائض. وأفتى ابن عباس وغيره [في] (١) مَنْ نذر ذَبْح ابنه بشاة (٢)، إقامةً لذبح الشاة مقام ذبح الابن كما شُرع ذلك للخليل [صلوات اللَّه وسلامه عليه] (١)، وأفْتَى أيضًا مَنْ نَذَر أن يطوف على أربع بأن يطوف أسبوعَيْن (٣)، إقامة لأحد الأسبوعين مقام طواف اليدين، [وأفْتَى أيضًا هو وغيره من الصحابة ﵃ المريضَ الميئوسَ منه والشيخَ الكبيرَ الذي لا يستطيع الصوم بأن يفطرًا ويطعما كل يوم مسكينًا (٤)، إقامة للإطعام مقام الصيام. وأفْتَى أيضًا هو وغيره من الصحابة الحاملَ والمرضعَ إذا خافتا على ولديهما أن تُفطرا وتُطعما كل يوم مسكينًا (٥)، إقامة للإطعام مقام

стр. 2070

الصيام (١)، وهذا كثير جدًا] (٢)، وغير مستنكر في واجبات الشريعة أن يخفف اللَّه تعالى الشيء منها عند المشقة بفعل ما يشبهه من بعض الوجوه كما في الإبدال وغيرها، لكن مثل قصة أيوب لا يحتاج إليها في شرعنا؛ لأن الرجل لو حَلَفَ ليضربَنَّ أمته (٣) أو امرأته مئة ضربة أمكنه أن يكفِّر عن يمينه من غير احتياج إلى حيلة وتخفيف (٤) الضرب بجَمْعه، ولو نذر ذلك فهو نذر معصية فلا شيء عليه عند طائفة، وعند طائفة عليه كفارة يمين (٥)، وأيضًا فإن المُطْلَق من كلام الآدميين محمولٌ على ما فسر به المطلق من كلام الشارع خصوصًا في الأيمان؛ فإن الرجوع فيها إلى عُرف الخطاب شرعًا أو عادة أولى من الرجوع [فيها] (٦) إلى موجب اللفظ في أصل اللُّغة، واللَّه قد قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ]﴾ (٧) [النور: ٤] وفهم الصحابة والتابعون ومَنْ بعدهم من ذلك أنه ضربات متعددة متفرقة لا مجموعة، إِلا أن يكون المضروب معذورًا عذرًا لا يُرْجى زواله؛ فإنه يُضرب؛ ضربًا مجموعًا، وإن كان يُرْجى زواله فهل يُؤخَّر إلى الزَّوال، أو يقام عليه مجموعًا؟ فيه خلاف بين الفقهاء، فكيف يقال: إن الحالف ليضربن موجَبُ يمينه هو الضربُ المجموع مع صحة المضروب وقوته؟ فهذه الآية هي أقوى ما يعتمد عليه أرباب الحيل، وعليها بنوا حيلهم، وقد ظهر بحمد اللَّه تعالى أنه لا متمسك لهم فيها البتَّة. فصل [الكلام عن حيلة يوسف] وأما إخباره عن يوسف ﵇ أنه جعل صُوَاعه في رَحْل أخيه
следующие страницы →