Полный текст (828 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ويُقَالُ إنَّهُ أولُ مسندٍ صنِّفَ وكمسندِ أحمدَ بنِ حنبلٍ وأبي بكرِ بن أبي شيبةَ، وأبي بكرٍ البّزارِ، وأبي القاسم البغويِّ، وغيرهم وقد عَدَّ فيها ابنُ الصلاحِ مسندَ الدارميِّ، فَوَهِمَ في ذلك؛ لأنَّه مُرتّبٌ عَلَى الأبوابِ، لا عَلَى المسانيدِ وأشرتُ إِلَى ذَلِكَ بقولي وَعَدَّهُ، أي ابنُ الصلاحِ وقولُهُ فيُدْعَى الجَفَلى، كَنَّى به عن بيانِ كونِ المسانيدِ دونَ السننِ في مرتبةِ الصحةِ؛ لأنَّ من جَمَعَ مسندَ الصحابيِّ يجمعُ فيه ما يقعُ له من حديثِهِ، سواءٌ كان صالحاً للاحتجاجِ أم لا؟ والجَفَلى بفتح الجيمِ والفاءِ معاً مقصورٌ وهي الدعوةُ العامةُ للطعامِ فإنَّ الدعوةَ عندَ العربِ على قسمينِ الجفلى وهي العامةُ، والنقرى وهي الخاصّةُ قال طَرَفةُ
نَحْنُ في المَشْتَاةِ نَدْعُو الجَفَلَى ... لا تَرَى الآدِبَ فينا يَنْتَقِرْ
وفي خطبةِ الإلْمَامِ لِلشَّيخِ تقيِّ الدينِ: ولم أدعُ الأحاديثَ إليهِ الجَفَلَى.
стр. 142
٨٣.... والحُكْمُ لِلإسْنَادِ بِالصِّحَّةِ أوْ ... بِالْحُسْنِ دُوْنَ الحُكْمِ لِلمَتْنِ رَأَوْا
... وَاقْبَلْهُ إنْ أَطْلَقَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ ... وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بِضَعْفٍ يُنْتَقَدْ
أي: ورأوا الحكمَ للإسنادِ بالصحةِ كقولهم: ((هذا حديثٌ إسنادُهُ صحيحٌ)) ، دونَ قولِهِم: ((هذا حديثٌ صحيحٌ)) . وكذلك حكمُهُم على الإسنادِ بالحسن، كقولهم: ((إسنادُهُ حسنٌ)) دونَ قولِهِم: ((حديثٌ حسنٌ)) ؛ لأنَّهُ قَدْ يصحُّ الإسنادُ لثقةِ رجالِهِ، ولا يصحُّ الحديثُ لشذوذٍ أو علّةٍ. قال ابنُ الصلاحِ: ((غير أنَّ المصنفَ المعتمدَ منهم إذا اقتصرَ على قولِهِ: إنّهُ صحيحُ الإسنادِ، ولم يذكرْ له علّةً، ولم يقدحْ فيه، فالظاهرُ منه الحكمُ له بأنَّهُ صحيحٌ في نفسهِ؛ لأنَّ عدمَ العلةِ والقادحِ، هو الأصلُ والظاهرُ)) . قلتُ: وكذلك إنِ اقتصرَ على قولِهِ: حَسَنُ الإسنادِ، ولم يُعَقِّبْهُ بضعفٍ، فهو أيضاً محكومٌ له بالحُسْنِ.
٨٥.... وَاسْتُشْكِلَ الحُسْنُ مَعَ الصِّحَّةِ في ... مَتْنٍ، فَإنْ لَفْظاً يُرِدْ فَقُلْ: صِفِ
... بِهِ الضَّعِيْفَ، أوْ يُرِدْ مَا يَخْتَلِفْ ... سَنَدُهُ، فَكَيْفَ إنْ فَرْدٌ وُصِفْ؟
أي: واستُشْكِلَ الجمعُ بَيْنَ الصحةِ والحسنِ في حديثٍ واحدٍ، كقولِ الترمذيِّ وغيرِهِ: ((هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)) ؛ لأنَّ الحسنَ قاصرٌ عن الصَّحِيحِ، كما سبقَ، فكيفَ يجتمعُ إثباتُ القصورِ ونفيُهُ في حديثٍ واحدٍ. وقد أجابَ ابنُ الصلاحِ بجوابٍ، ثمَّ جَوَّزَ جواباً آخرَ. وضَعَّفَ الجوابينِ ابنُ دقيقِ العيدِ، فمزجتُ الجوابينِ بردِّهِما. فقولُهُ:
стр. 143
(فإنْ لفظاً يُردْ) ، أي: ابنُ الصلاحِ، فإنَّهُ قالَ: ((إنّه غيرُ مستنكَرٍ أنْ يُرادَ بالحسنِ معناهُ اللُّغويُّ دون الاصطلاحيِّ)) . قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((ويلزمُ عليهِ أنْ يطلقَ على الحديثِ الموضوعِ إذا كان حسنَ اللفظِ أنَّهُ حسنٌ)) .
وقولُهُ: (أو يُرِدْ ما يختلف سندُهُ) ، هذا هو الجوابُ الأولُ الذي أجابَ به ابنُ الصلاحِ أنَّ ذلك راجعٌ إلى الإسنادِ بأنْ يكونَ له إسنادانِ: أحدُهما صحيحٌ، والآخر: حسنٌ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((يَرِدُ عليهِ الأحاديثُ التي قيلَ فيها: حسنٌ صحيحٌ مع أنَّهُ ليس لها إلاّ مخرجٌ واحدٌ. وفي كلامِ الترمذيِّ في مواضعَ يقولُ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لا نعرفهُ إلا مِنْ هذا الوجه)) . وهذا معنى قولِهِ: (فكيفَ إنْ فردٌ وُصِف) ، أي: فكيفَ إنْ وصفَ حديثٌ فردٌ بأنّهُ حسنٌ صحيحٌ، كحديث العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ: ((إذا بقي نصفُ شعبانَ فلا تصوموا)) ، فقالَ فيه الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ لا نعرِفُهُ إلا مِنْ هذا الوجهِ على هذا اللفظِ.
стр. 144
٨٧.... وَ (لأَبِي الفَتْحِ) في الاقْتِرَاحِ ... أنَّ انفِرَادَ الحُسْنِ ذُوْ اصْطِلاَحِ
٨٨.... وَإنْ يَكُنْ صَحَّ فَليْسَ يَلْتَبِسْ ... كُلُّ صَحِيْحٍ حَسَنٌ لاَ يَنْعَكِسْ
٨٩.... وَأوْرَدوا مَا صَحَّ مِنْ أفْرَادِ ... حَيْثُ اشْتَرَطْنَا غَيْرَ مَا إسْنَادِ
وهذا جوابٌ عن الاستشكالِ المذكورِ، أجابَ به ابنُ دقيقِ العيدِ في كتاب " الاقتراحِ "، بعدَ رَدِّ الجوابينِ المتقدّمينِ، وحاصلُهُ أنَّ الحسنَ لا يُشتَرطُ فيه القصورُ عن الصِّحَّةِ إلا حيثُ انفردَ الحسنُ فيرادُ بالحسنِ حينئذٍ المعنى الاصطلاحيُّ. وأمّا إنِ ارتفعَ إلى درجةِ الصحةِ فالحسنُ حاصلٌ لا محالةَ تبعاً للصحةِ؛ لأنَّ وجودَ الدرجةِ العُليا، وهي الحفظُ والإتقانُ، لا ينافي وجودَ الدنيا، كالصدقِ؛ فيصحُّ أنْ يُقالَ: حسنٌ باعتبارِ الصفةِ الدنيا، صحيحٌ باعتبارِ الصفةِ العليا.
قال: ويلزَمُ على هذا أنْ يكونَ كُلُّ صحيحٍ حسناً ويؤيِّدُهُ قولُهُم: حَسَنٌ في الأحاديثِ الصحيحةِ وهذا موجودٌ في كلامِ المتقدّمين. انتهى. وقد تقدّمَ أنَّ ابنَ الموّاقِ أيضاً، قال: كُلُّ صحيحٍ عند الترمذيِّ حسنٌ، وليسَ كلُّ حَسَنٍ صحيحاً.
стр. 145
وقولُهُ: (وأوردوا إلى آخرهِ) : هذا إيرادٌ أوردَهُ ابنُ سَيِّدِ الناسِ على ابن الموّاقِ، فقالَ: قدْ بَقِيَ عَلَيْهِ أنَّهُ اشترطَ في الحسنِ أنْ يُروى نحوُهُ من وجهٍ آخرَ، ولم يشترطْ ذلك في الصحيحِ، فانتفى أن يكونَ كلُّ صحيحٍ حسَنَاً. انتهى. فعلى هذا: الأفرادُ الصحيحةُ ليست بحسنةٍ عند الترمذيِّ إذ يشترطُ في الحسنِ أن يُروى من غير وجهٍ، كحديثِ: ((الأعمالُ بالنياتِ)) ، وحديثِ: ((السَّفرُ قِطْعةٌ من العذَابِ)) ،
стр. 146
وحديث: ((نهى عن بيعِ الوَلاءِ وعن هِبَتِهِ)) . قلتُ: وجوابُ ما اعترضَ به أنَّ الترمذيَّ إنَّما يشترطُ في الحسنِ، مجيئَهُ من وجهٍ آخرَ، إذا لم يبلغْ رُتْبَةَ الصحيحِ، فإنْ بلغَها لم يشترطْ ذلك بدليلِ قولِهِ في مواضعَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، فلمّا ارتفعَ إلى درجةِ الصحةِ أثبتَ له الغرابةَ باعتبارِ فرديَّتِهِ.
стр. 147
الْقِسْمُ الثَّالِثُ الضَّعِيْفُ
... أمَّا الضَّعِيْفُ فَهْوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ ... مَرْتَبَةَ الحُسْنِ، وإنْ بَسْطٌ بُغِي:
٩١.... فَفَاقِدٌ شَرْطَ قَبُوْلٍ قِسْمُ ... وَاثْنَيْنِ قِسْمٌ غَيْرُهُ، وَضَمُّوْا
... سِوَاهُما فَثَالِثٌ، وَهَكَذَا ... وَعُدْ لِشَرْطٍ غَيْرَ مَبْدُوٍّ فَذَا
٩٣.... قِسْمٌ سِوَاهَا ثُمَّ زِدْ غَيْرَ الَّذِي ... قَدَّمْتُهُ ثُمَّ عَلى ذَا فَاحْتَذِي
أي ما قَصَرَ عَلَى رتبةِ الحسنِ فَهُوَ ضعيفٌ وقولُ ابنِ الصلاحِ هُوَ ما لَمْ يجمعْ صفاتِ الصحيحِ، ولا صفاتِ الحسنِ فذِكْرُ الصحيحِ غيرُ محتاجٍ إِلَيْهِ؛ لأنَّ ما قصرَ عن الحسنِ فهو عن الصحيحِ أقصرُ، وإنْ كان بعضُهُم يقولُ إنَّ الفردَ الصحيحَ لا يُسَمَّى حسناً، على رأي الترمذيِّ فقد تقدّمَ ردُّه وقولُهُ وإنْ بَسْطٌ بُغِي ... إلى آخره، أي وإنْ أُريدَ بَسْطَ أقسامِ الضعيفِ، فما فُقدَ فيه شرطٌ من شروطِ القبولِ قِسْمٌ وشروطُ القبولِ هي شروطُ الصحيحِ والحسنِ، وهي ستةٌ
اتصالُ السندِ حيث لم ينجبرِ المرسلُ بما يُؤَكِّدُهُ على ما سيأتي
стр. 148
وعدالةُ الرجالِ
والسلامةُ من كثرةِ الخطأ والغفلةِ
ومجيءُ الحديثِ من وجهٍ آخرَ حيثُ كان في الإسنادِ مستورٌ لم تُعْرَفْ أهليتُهُ، وليس متّهماً كثيرَ الغَلَطِ
والسلامةُ من الشذوذِ
والسلامةُ من العلةِ القادحةِ
فما فقد فيه الاتّصالُ قسمٌ، ويدخل تحتَهُ قسمان
الأولُ المنقطعُ، الثاني المرسلُ الذي لم ينجبرْ
وقولُهُ واثنينِ قسمٌ غيرُهُ، أي وما فقد فيه شرطٌ آخرُ مع الشرطِ المتقدّمِ، قسمٌ آخرُ ويدخلُ تحتَهُ اثنا عَشَرَ قِسْمَاً؛ لأنَّ فقدَ العدالةِ يَدْخُلُ تحتَهُ الضعيفُ والمجهولُ وهذه أقسامُهُ
الثالث مرسلٌ في إسنادِهِ ضعيفٌ الرابعُ منقطعٌ فيه ضعيفٌ الخامسُ مرسلٌ فيه مجهولٌ السادس منقطعٌ فيه مجهولٌ السابعُ مرسلٌ فيه مغفَّلٌ كثيرُ الخطأ، وإنْ كانَ عدلاً الثامنُ منقطعٌ فيهِ مغفَّلٌ كذلك التاسعُ مرسلٌ فيه مستورٌ، ولم ينجبر بمجيئِهِ من وجهٍ آخرَ العاشرُ منقطعٌ فيه مستورٌ، ولم يَجِئ من وجهٍ آخرَ الحادي عشر مرسلٌ شاذٌّ الثاني عشر منقطعٌ شاذٌ الثالث عشر مرسلٌ معلّلٌ الرابعَ عشر منقطعٌ معللٌ
стр. 149
وقولُهُ وضموا سواهما فثالث، أي وضموا إلى فقدِ الشرطينِ المتقدمَينِ فقدَ شرطٍ ثالثٍ، فهو قسمٌ ثالثٌ من أصلِ الأقسامِ ويدخل تحتَهُ عشرَةُ أقسامٍ، وهي هذهِ
الخامس عشر مرسلٌ شاذٌّ فيه عدلٌ مغفلٌ كثيرُ الخَطَأ السادسَ عشرَ منقطعٌ شاذٌّ فيه مغفلٌ كذلك السابعَ عشرَ مرسلٌ معللٌ فيه ضعيفٌ الثامنَ عشرَ منقطعٌ معللٌ فيه ضعيفٌ التاسعَ عشرَ مرسلٌ معللٌ فيه مجهولٌ العشرونَ منقطعٌ معللٌ فيه مجهولٌ الحادي والعشرون مرسلٌ معللٌ فيه مغفلٌ كذلك الثاني والعشرونَ منقطعٌ معللٌ فيه مغفلٌ كذلك الثالث والعشرون مرسلٌ معللٌ فيه مستورٌ ولم ينجبر الرابعُ والعشرون منقطعٌ معللٌ فيه مستورٌ كذلك
وقولُهُ وهكذا، أي وهكذا فافعلْ إلى آخرِ الشروطِ، فخذ ما فَقَدَ فيه الشرطَ الأولَ، وهو الاتصالُ مع شرطينِ آخرينِ، غيرَ ما تقدم، وهما السلامةُ من الشذوذِ والعلةِ ثم خذ ما فُقِدَ فيه شرطٌ آخرُ مضموماً إلى فَقْدِ هذهِ الشروطِ الثلاثةِ، وهي هذهِ
الخامسُ والعشرون مرسلٌ شاذٌّ معللٌ السادسُ والعشرون منقطعٌ شاذٌّ معللٌ السابع والعشرون مرسلٌ شاذٌّ معللٌ فيه مغفلٌ كثيرُ الخطأ الثامنُ والعشرون منقطعٌ شاذٌّ معللٌ فيه مغفلٌ كذلك
وقوله وعُدْ لشرطٍ غَيرَ مبدوٍّ، أي وَعُدْ فابدأ بما فُقِدَ فيه شرطٌ واحدٌ غيرَ ما بدأتَ به أولاً، وهو ثقةُ الرواةِ، وتحتَهُ قسمانِ وهما
التاسعُ والعشرون ما في إسنادِهِ ضعيفٌ الثلاثون ما فيه مجهولٌ
وقولُهُ ثُمَّ زِدْ غيرَ الذي قدمتُهُ، أي ثم زِدْ على فَقْدِ عدالةِ الراوي فَقْدَ شرطٍ آخرَ غيرَ ما بدأتَ به، وتحتهُ قسمان وهُما
الحادي والثلاثون ما فيه ضعيفٌ وعلّةٌ الثاني والثلاثون ما فيه مجهولٌ وعلةٌ
стр. 150
وقولُهُ ثم على ذا فاحتذي، أي ثم احذُ على هذا الحذوِ وأدخلتِ الياءُ في آخرِهِ؛ لضرورةِ القافيةِ، والمرادُ فكمل هذا العملُ الثاني الذي بدأتَ فيهِ بفَقْدِ الشرطِ المثنى به، كما كَمَّلْتَ الأولَ، أي فَضُمَّ إلى فقدِ هذينِ الشرطينِ فقدَ شرطٍ ثالثٍ، ثم عُدْ فابدأْ بما فُقِدَ فيه شرطٌ آخرُ غيرُ المبدوِّ به، والمثنى به وهو سلامةُ الراوي من الغَفْلَةِ ثم زِدْ عليهِ وجودَ الشذوذِ أوِ العلَّةِ أو هما معاً ثمَّ عُدْ فابدأْ بما فُقِدَ فيه الشرطُ
الرابعُ، وهو عدمُ مجيئه من وجهٍ آخرَ حيث كان في إسنادِهِ مستورٌ ثم زِدْ عليهِ وجودَ العِلَّةِ ثمَّ عُدْ فَابدَأْ بما فُقِدَ فيه الشرطُ الخامسُ، وهو السلامةُ من الشذوذِ ثم زدْ عليه وجودَ العلةِ معه، ثم اخْتِمْ بفَقْدِ الشرطِ السادسِ
ويدخلُ تحتَ ذلك أيضاً عشرةُ أقسامٍ، وهي الثالثُ والثلاثونَ شاذٌّ معلّلٌ فيه عدلٌ مغفلٌ كثيرُ الخطأ الرابعُ والثلاثونَ ما فيه مغفلٌ كثير الخطأ الخامسُ والثلاثون شاذٌّ فيهِ مغفلٌ كذلك السادسُ والثلاثون معللٌ فيه مغفلٌ كذلك السابعُ والثلاثون شاذٌّ معللٌ فيه مغفلٌ كذلك الثامنُ والثلاثونَ ما في إسنادِهِ مستورٌ لم تُعْرفْ أهليتُهُ، ولم يُرو من وجهٍ آخرَ التاسعُ والثلاثون معللٌ فيه مستورٌ كذلك الأربعون الشاذُّ الحادي والأربعون الشاذُّ المعلل الثاني والأربعون المعللُ فهذهِ أقسامُ الضعيفِ باعتبارِ الانفرادِ، والاجتماع وقد تركتُ من الأقسامِ التي يظنُّ انقسامُهُ إليها بحسَبِ اجتماعِ الأوصافِ عدّةُ أقسامٍ، وهي اجتماعُ الشذوذِ، ووجودُ ضعيفٍ أو مجهولٍ أو مستورٍ في سندِهِ؛ لأنَّه لا يمكنُ اجتماعُ ذلك على الصَّحِيْحِ؛ لأنَّ الشّذوذَ تفردُ الثقةِ فلا يمكنُ وصفُ ما فيه راوٍ ضعيفٌ، أو مجهولٌ أو مستورٌ بأنَّهُ شاذٌّ، واللهُ أعلمُ
стр. 151
ومن أقسامِ الضعيفِ ما لَهُ لقبٌ خاصٌّ كالمُضطَرِبِ، والمَقْلوبِ، والمَوضوعِ، والمُنْكَرِ، وهو بمعنى الشاذِّ كما سيأتي
... وَعَدَّهُ (البُسْتِيُّ) فِيما أوْعَى ... لِتِسْعَةٍ وَأرْبَعِيْنَ نَوْعَا
أي: عَدَّ أبو حاتِم محمّدُ بنُ حبّانَ البستيُّ أنواعَ الضعيفِ تسعةً وأربعينَ نوعاً. وقولُهُ: (أوعَى) ، أي: جمعَ، حكاه صاحبُ " المشارقِ ". ويقال: وَعَى العلمَ، وأوعاه: حَفِظَهُ وجمعَهُ.
المَرْفُوْعُ
٩٥.... وَسَمِّ مَرْفُوْعاً مُضَافاً لِلنَّبِيْ ... وَاشتَرَطَ الخَطِيْبُ رَفْعَ الصَّاحِبِ
... وَمَنْ يُقَابِلْهُ بِذي الإرْسَالِ ... فَقَدْ عَنَى بِذَاكَ ذَا اتِّصَالِ
стр. 152
اختلفَ في حدِّ الحديثِ المرفوعِ ، فالمشهورُ أنَّهُ: ما أُضيف إلى النبي ﷺ قولاً له، أو فعلاً سواءٌ أضافَهُ إليه صحابيٌّ أو تابعيٌّ، أو مَنْ بعدَهما، سواءٌ اتّصلَ إسنادُهُ أم لا.
فعلى هذا يدخلُ فيه المتصلُ والمرسلُ والمنقطعُ والمعضلُ. وقال الخطيبُ: هو ما أخبرَ فيه الصحابيُّ عن قولِ الرسولِ ﷺ ، أو فعلِهِ. فعلى هذا لا تدخلُ فيه مراسيلُ التابعينَ ومَنْ بعدَهُم. قال ابنُ الصلاحِ: ((ومَنْ جَعَلَ من أهلِ الحديثِ المرفوعَ في مُقَابَلَةِ المُرْسَلِ، فقد عَنَى بالمرفوعِ المتصلَ)) .
المُسْنَدُ
٩٧.... وَالمُسْنَدُ المَرْفُوْعُ أوْ مَا قَدْ وُصِلْ ... لَوْ مَعَ وَقْفٍ وَهوَ في هَذَا يَقِلْ
٩٨.... وَالثالِثُ الرَّفْعُ مَعَ الوَصْلِ مَعَا ... شَرْطٌ بِهِ (الحَاكِمُ) فِيهِ قَطَعَا
أُخْتُلِفَ في حَدِّ الحديثِ المسنَدِ على ثلاثةِ أقوالٍ:
стр. 153
فقالَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ في " التمهيد ": هو ما رُفع إلى النبيِّ ﷺ خاصّةً - قال -: وقد يكونُ متّصلاً مثلُ: مالكٍ، عن نافعِ، عن ابنِ عمرَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ . وقد يكونُ منقطعاً، مثلُ: مالكٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ عبّاسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ . قال: فهذا مسندٌ؛ لأنَّهُ قَدْ أُسندَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو منقطعٌ، لأنَّ الزهريَّ لم يَسْمَعْ من ابنِ عبّاسٍ. انتهى.
فعلى هذا يستوي المسندُ والمرفوعُ. وقالَ الخطيبُ: هو عندَ أهلِ الحديثِ: الذي اتّصلَ إسنادُهُ من راويهِ إلى منتهاهُ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وأكثرُ ما يستعملُ ذلك فيما جاءَ عن رسولِ اللهِ ﷺ دونَ ما جاءَ عن الصحابةِ وغيرهم. وكذا قال ابنُ الصَّبَّاغِ في"العُدَّة" المسندُ: ما اتصلَ إسنادُهُ. فعلى هذا يَدخُلُ فيه المرفوعُ والموقوفُ. ومقتضى كلامِ الخطيبِ أنَّهُ يدخلُ فيه ما اتصلَ إسنادهُ إلى قائِلِهِ مَنْ كان، فيدخلُ فيه المقطوعُ، وهو قولُ التابعيِّ، وكذا قولُ مَنْ بعدَ التابعينَ، وكلامُ أهلِ الحديثِ يأباهُ. وقولُهُ: أو، هي لتنويعِ الخلافِ، يدلُّ عليه قولُهُ بَعدُ: (والثالثُ) ، وهو أنَّ المسندَ لا يقعُ إلا على ما رُفِعَ إلى النبيِّ ﷺ بإسنادٍ متصلٍ، وبه جزمَ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ النَّيْسابوريُّ في " علومِ الحديثِ "
стр. 154
، وحكاهُ ابنُ عبدِ البرِّ قولاً لبعضِ أهل الحديثِ.
المُتَّصِلُ وَالمَوصُولُ
٩٩.... وَإنْ تَصِلْ بِسَنَدٍ مَنْقُوْلاَ ... فَسَمِّهِ مُتَّصِلاً مَوْصُوْلا
... سَوَاءٌ المَوْقُوْفُ وَالمَرْفُوْعُ ... وَلَمْ يَرَوْا أنْ يَدْخُلَ المَقْطُوْعُ
المتّصلُ والموصولُ: هو ما اتّصلَ إسنادُهُ إلى النبيِّ ﷺ ، أو إلى واحدٍ مِنَ الصحابةِ حيثُ كان ذلكَ موقوفاً عليهِ. وأما أقوالُ التابعينَ إذا اتصلتِ الأسانيدُ إليهم،
стр. 155
فلا يسمّونها متصلةً. وهذا معنى قولِهِ: (ولمْ يَرَوْا أنْ يدخُلَ المقطوعُ) ، وإنِ اتصلَ السندُ إلى قائلِهِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ومطلقُهُ، أي: المتصلِ، يقعُ على المرفوعِ و الموقوفِ . قلتُ: وإنّما يَمتنعُ اسمُ المتصلِ في المقطوعِ في حالةِ الإطلاقِ. أما مع التقييدِ فجائزٌ واقعٌ في كلامِهِم، كقولِهِم: هذا متصلٌ إلى سعيدِ بنِ المسيِّبِ، أو إلى الزهريِّ، أو إلى مالكٍ ونحو ذلك.
المَوْقُوْفُ
١٠١.... وَسَمّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ ... بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ
... وَبَعضُ أهْلِ الفِقْهِ سَمَّاهُ الأثَرْ ... وَإنْ تَقِفْ بِغَيرِهِ قَيِّدْ تَبَرّْ
أي: والموقوفُ ما قصرْتَهُ بواحدٍ من الصحابةِ قولاً له، أو فعلاً، أو نحوَهُما. ولم تتجاوز به إلى النبيِّ ﷺ سواءٌ اتصلَ إسنادهُ إليه، أولم يتصلْ. وقال أبو القاسمِ الفُوْرانيُّ من الخُراسانيينَ: ((الفُقهاءُ يقولون: الأثرُ ما يُروى عن الصَّحابةِ)) .
стр. 156
وقولُهُ: (وإن تَقِفْ بغيره قيّدْ تبرِ) ، أي: وإنِ استعملتَ الموقوفَ فيما جاءَ عن التابعينَ فمَنْ بعدَهُم، فقيِّدْهُ بهم. فَقُلْ: موقوفٌ على عطاءٍ، أو على طاوُسٍ، أو وقفهُ فلانٌ على مجاهدٍ، ونحوَ ذلكَ. وفي كلامِ ابنِ الصلاحِ أنَّ التقييدَ لا يتقيدُ بالتابعيِّ، فإنَّهُ قال: وقد يستعملُ مقيّداً في غير الصحابيِّ. فعلى هذا يُقالُ موقوفٌ على مالكٍ، على الثوريِّ، على الأوزاعيِّ، على الشافعيِّ، ونحو ذلك.
المَقْطُوْعُ
١٠٣.... وَسَمِّ بِالمَقْطُوْعِ قَوْلَ التَّابِعي ... وَفِعْلَهُ، وَقَدْ رَأى للشَّافِعِي
... تَعْبِيرَهُ بِهِ عَنِ المُنقطِعِ ... قُلْتُ: وَعَكسُهُ اصطِلاحُ (البَردَعِي)
стр. 157
قَالَ الخَطيبُ في كتابِ " الجامعِ بين آدابِ الراوي والسامعِ ": من الحديثِ: المقطوعُ . - وقال أيضاً -: المقاطعُ، هي الموقوفاتُ على التابعينَ. قال ابنُ الصلاحِ: ويقالُ في جمعِهِ المقاطيعُ، والمقاطعُ. وقولُهُ: (وقد رَأى) أي: ابنُ الصلاحِ، فقالَ: وقد وجَدْتُ التعبيرَ بالمقطوعِ عن المنقطعِ في كلامِ الإمامِ الشافعيِّ، وأبي القاسمِ الطبرانيِّ، وغيرِهما. انتهى. ووجدْتُهُ أيضاً في كلامِ أبي بكرٍ الحميديِّ، وأبي الحَسَنِ الدارقطنيِّ. وقولُهُ: (وعكسُهُ اصطلاحُ البرذعي) ، وهو أنَّ الحافظَ أبا بكرٍ أحمدَ بنَ هارونَ البَرْدِيجيَّ البَرْذعيَّ، جعلَ المنقطعَ هو قولُ التابعيِّ. قال ذلك في جزءٍ له لطيفٍ. وقد ذكرَ ابنُ الصلاحِ هذا القولَ في آخرِ كلامهِ على المنقطعِ أنَّ الخطيبَ حكاهُ عن بعضِ أهلِ العلمِ، واستبعدَهُ ابنُ الصلاح. وأتيتُ هنا بـ (قلتُ) : لأنَّ تعيينَ
стр. 158
القائلِ لها من الزوائدِ على ابنِ الصلاحِ، وإن كانت المسألةُ في مَوضِعٍ آخرَ من كتابِهِ غيرَ معزوةٍ إلى قائِلِها.
فُرُوْعٌ
١٠٥.... قَوْلُ الصَّحَابيِّ (مِنَ السُّنَّةِ) أوْ ... نَحْوُ أُمِرْنَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلَوْ
... بَعدَ النَّبِيِّ قالَهُ بِأَعْصُرِ ... عَلى الصَّحِيْحِ، وَهْوَ قَوْلُ الأكْثَرِ
قولُ الصحابيِّ: ((من السنةِ كذا)) ، كقولِ عليٍّ ﵁: ((من السُّنَّةِ وَضْعُ الكفِّ على الكفِّ في الصلاةِ، تحتَ السُّرَّةِ)) . رواهُ أبو داودَ في روايةِ ابنِ داسةَ، وابنِ الاعرابيِّ. قالَ ابنُ الصَلاحِ: فالأصحُّ أنَّهُ مسندٌ مرفوعٌ؛ لأنَّ الظاهرَ أنّهُ لا يريدُ بهِ
стр. 159
إلا سُنَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وما يجبُ اتباعُهُ. قالَ ابنُ الصَّبَّاغ في " العُدَّة ": وحُكِيَ عن أبي بكرٍ الصَّيْرفيِّ، وأبي الحَسَنِ الكَرْخيِّ وغيرهِما أنّهم قالوا: يحتملُ أنْ يُريدَ به سنةَ غير النبيِّ ﷺ ، فلا يحملُ على سنتهِ. انتهى.
و قولُ الصحابيِّ: أُمِرْنا بكذا ، أو نُهينا عن كذا، كقولِ أُمِّ عَطيّةَ: أمِرنا أن نُخِرجَ في العِيدَيْنِ العَوَاتِقَ، وذَوَاتِ الخُدُورِ، وأُمِرَ الحُيَّضُ أنْ يعتزِلْنَ مُصَلَّى المُسلِمِينَ.
стр. 160
وكقولها أيضاً: نُهِينا عن اتِّباعِ الجنائزِ، ولم يُعْزَمْ علينا وكلاهما في الصحيح، هو من نوعِ المرفوعِ والمسندِ عند أصحابِ الحديثِ، وهو الصحيحُ، وقولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، قاله ابنُ الصلاح. قال: لأنَّ مطلقَ ذلك ينصرفُ بظاهرِهِ إلى من إليهِ الأمرُ والنهي وهو رسول اللهِ ﷺ . - قال -: وخالفَ في ذلك فريقٌ، منهم: أبو بكرٍ الإسماعيليُّ. قلتُ: وجزَم بهِ أبو بكرٍ الصَّيْرفيُّ في " الدلائل ". قال ابنُ الصلاحِ: وكذلك قولُ أنسٍ: أُمِرَ بلالٌ أنْ يَشْفعَ الأَذانَ ويُوترَ الإقامةَ. قال: ولا فَرْقَ بينَ أنْ يقولَ ذلك في زمنِ رسول الله ﷺ ، أو بعدَهُ. انتهى. أما إذا صَرَّحَ الصحابيُّ بالآمر، كقوله: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ ، فلا أعلمُ فيه خلافاً، إلا ما حكاهُ ابنُ الصَّبَّاغِ في " العُدَّة " عن داودَ وبعضِ المتكلّمينَ أنّهُ لا يكونُ ذلك حُجَّةً، حتى يُنقلَ لنا لفظُهُ. وهذا ضعيفٌ مردودٌ،
стр. 161
إلا أنْ يريدوا بكونِهِ لا يكونُ حجةً، أي في الوجوب. ويدلُّ على ذلك تعليلُهُ للقائلينَ بذلكَ، بأنَّ مِنَ الناسِ مَنْ يقولُ: المندوبُ مأمورٌ به. ومنهم مَنْ يقولُ: المباحُ مأمورٌ به أيضاً. وإذا كانَ ذلكَ مرادَهم، كان له وجهٌ، والله أعلم.
١٠٧.... وَقَوْلُهُ (كُنَّا نَرَى) إنْ كانَ مَعْ ... عَصْرِ النَّبِيِّ مِنْ قَبِيْلِ مَا رَفَعْ
... وَقِيْلَ: لا، أوْ لا فَلا، كَذاكَ لَه ... و (لِلخَطِيْبِ) قُلْتُ: لكِنْ جَعَلَهْ
١٠٩.... مَرفُوعاً الحَاكِمُ والرَّازِيُّ ... إبنُ الخَطِيْبِ، وَهُوَ القَوِيُّ
стр. 162
أي و قولُ الصحابيِّ كُنَّا نَرَى كذا ، أو نفعلُ كذا، أو نقولُ كذا، ونحو ذلك إنْ كان مع تَقْييدِهِ بعصر النَّبيِّ ﷺ كقولِ جابرٍ كُنَّا نعزِلُ على عَهدِ رسولِ الله ﷺ متفقٌ عليه وكقولِهِ كُنَّا نأكلُ لحمَ الخيلِ على عهد النبيِّ ﷺ رواهُ النسائيُّ، وابنُ ماجه فالذي قَطَعَ به الحاكمُ وغيرُهُ من أهلِ الحديثِ وغيرهم، أنَّ ذلك من قبيلِ المرفوعِ وصَحَّحَهُ الأصوليون الإمامُ فخرُ الدين، والسيفُ الآمديُّ وأتباعهما قالَ ابنُ الصلاحِ وهو الذي عليه الاعتمادُ؛ لأنَّ ظاهرَ ذَلِكَ مشعرٌ بأنَّ رَسُوْل اللهِ ﷺ اطّلعَ عَلَى ذلكَ وقرَّرَهُم عَلَيْهِ وتقريرُهُ أحدُ وُجوهِ السُّنن المرفوعةِ، فإنَّها أقوالُهُ، وأفعالُهُ، وتَقرِيرُهُ، وسكوتُهُ عن الإنكارِ بَعْدَ اطلاعِهِ - قَالَ وبلغني عن البَرْقانيِّ أنهُ سألَ الإسماعيليَّ عن ذلكَ فأنكَرَ كونَهُ من المرفوعِ قُلْتُ أمَّا إذا كانَ في القِصَّةِ اطلاعُهُ فحكمُهُ الرفعُ اجماعاً، كقولِ ابنِ عمرَ كُنَّا نقولُ ورسولُ اللهِ ﷺ حيٌّ
стр. 163
أفضلُ هَذِهِ الأمةِ بَعْدَ نَبيِّها، أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، ويسمَعُ ذَلِكَ رَسُوْل الله ﷺ فَلاَ يُنكرُهُ رواهُ الطبرانيُّ في المعجمِ الكبيرِ والحديثُ في الصحيحِ لكنْ لَيْسَ فِيْهِ اطّلاعُ النبيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ بالتصريح وقولُهُ أو لا فَلاَ أي وإنْ لَمْ يكنْ مقيّداً بعصرِ النَّبيِّ ﷺ فليس مِنْ قَبِيْلِ المرفوعِ وقولُهُ كذاك لَهُ أي هذا لابنِ الصلاحِ تَبَعاً للخطيبِ فجزما بأنَّه من قبيلِ الموقوفِ
وقولُهُ قُلتُ إلى آخر البيتِ الثالثِ من هذهِ الأبياتِ، هو من الزوائدِ على ابنِ الصلاحِ، وهو أنَّ الحاكمَ، والإمامَ فخرَ الدين الرازيَّ جَعلاهُ من قبيلِ المرفوعِ، ولولم يقيِّدْهُ بعهدِ النبيِّ ﷺ وقال ابنُ الصَّبَّاغِ في العُدَّةِ إنَّهُ الظاهرُ، ومَثَّلَهُ بقولِ عائشةَ ﵂ كانتِ اليدُ لا تُقْطعُ في الشيء التافِهِ ومقتضى كلامِ
стр. 164
البيضاويِّ موافقٌ لما قالَهُ ابنُ الصلاحِ، ولكنَّ الإمامَ، والسيفَ الآمديَّ لم يُقييدا ذلك بعهدِهِ ﷺ وقال به أيضاً كثيرٌ من الفقهاءِ، كما قالَهُ النوويُّ في شرح المُهَذَّبِ، قال وهو قويٌّ من حيثُ المعنى
... لكنْ حَدِيْثُ (كانَ بَابُ المُصْطَفَى ... يُقْرَعُ بالأَظْفَارِ) مِمَّا وُقِفَا
١١١.... حُكْماً لَدَى الحَاكِمِ والخَطِيْبِ ... وَالرَّفْعُ عِنْدَ الشَّيخِ ذُوْ تَصْوِيْبِ
أي لكنَّ هذا الحديثَ حكمُهُ حكمُ الموقوفِ عندَ الحاكمِ والخطيبِ، وإنْ كان الحاكمُ قد تقدّمَ عنه ما يقتضي في نظيرِهِ أنَّهُ مرفوعٌ وهذا الحديثُ رواهُ المغيرةُ ابنُ شعبةَ، قال كان أصحابُ رسول اللهِ ﷺ يقرعونَ بابَهُ بالأظافيرِ قالَ الحاكمُ هذا يتوهمُهُ مَنْ ليس من أهلِ الصنعةِ مسنداً لذكرِ رسولِ الله ﷺ فيه، قال
стр. 165
وليس بمسنَدٍ بل هو موقوفٌ وذكرَ الخطيبُ في الجامع نحوَ ذلك أيضاً قال ابنُ الصلاحِ بل هو مرفوعٌ كما سبق ذِكْرُهُ، وهو بأنْ يكونَ مرفوعاً أحرى؛ لكونِهِ أحرَى باطلاعِهِ ﷺ عليه قالَ والحاكمُ معترفٌ بكونِ ذلك من قبيلِ المرفوعِ، وقد كُنَّا عددْنَا هذه فيما أخذناه عليهِ ثم تأولناهُ له على أنَّهُ أراد أنَّهُ ليس بمسنَدٍ لفظاً، وإنَّما جعلْنَاهُ مرفوعاً من حيثُ المعنى
... وَعَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابِيْ ... رَفْعاً فَمَحْمُوْلٌ عَلَى الأسْبَابِ
قولُهُ: (رفعاً) ، أي: مرفوعاً فأتى بالمصدرِ موضعَ المفعولِ، أي: وعَدُّ تفسيرِ الصحابةِ مرفوعاً محمولٌ على تفسيرٍ فيه أسبابُ النزولِ. ولم يعيّن ابنُ الصلاحِ القائلَ بأنَّ مطلقَ تفسيرِ الصحابيِّ مرفوعٌ، وهو الحاكمُ وعزاهُ للشيخينِ فقال في " المستدركِ ": ليعلمَ طالبُ العلمِ أنَّ تفسيرَ الصحابيِّ الذي شَهِدَ الوحيَ والتنزيلَ عندَ الشيخينِ حديثٌ مسندٌ. قال ابنُ الصلاحِ إنَّما ذلك في تفسيرٍ يتعلقُ بسببِ نزولِ آيةٍ يخبرُ بها الصحابيُّ أو نحوِ ذلك، كقولِ جابرٍ: ((كانتِ اليهودُ تقولُ: مَنْ أتَى امرأتَهُ مِن دُبرِها في قُبُلِها جاءَ الولدُ أحولَ، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿نِسَاْؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية)) . قال:
стр. 166
فأمّا سائرُ تفاسيرِ الصحابةِ التي لا تشتمِلُ على إضافةِ شيءٍ إلى رسول الله ﷺ فمعدودةٌ في الموقوفاتِ.
١١٣.... وَقَوْلُهُمْ يَرْفَعُهُ يَبْلُغُ بِهْ ... رِوَايَةً يَنْمِيْهِ رَفْعٌ فَانْتِبَهْ
١١٤.... وَإنْ يَقُلْ (عَنْ تَابعٍ) فَمُرْسَلُ ... قُلْتُ: (مِنَ السُّنَّةِ) عَنْهُ نَقَلُوْا
١١٥.... تَصْحِيْحَ وَقْفِهِ وَذُو احْتِمَالِ ... نَحْوُ أُمِرْنَا مِنْهُ للغَزَالِيْ
أي و قولُهم عن الصحابيِّ يرفعُ الحديثَ ، أو يَبْلُغُ بِهِ، أو يَنْمِيهِ، أو رِوايةُ رفعٍ، أي مرفوعٍ قال ابنُ الصلاحِ وحكمُ ذلك عند أهلِ العلمِ حكمُ المرفوعِ صريحاً وذلك كقولِ ابنِ عبّاسٍ ﵁ الشفاءُ في ثلاثٍ شَرْبةِ عَسَلٍ، وشَرْطةِ مِحْجمٍ، وكَيَّةِ نارٍ وأَنْهَى أُمتي عن الكيِّ رَفَعَ الحديثَ رواهُ البخاريُّ من روايةِ سعيدِ بنِ جُبيرٍ عنه ورواهُ مسلمٌ من روايةِ أبي الزِّنَادِ، عن الأعْرَجِ، عن أبي هريرةَ
стр. 167
يَبْلُغُ به قال الناسُ تَبَعٌ لقريشٍ وفي الصحيحينِ بهذا السندِ عن أبي هريرةَ روايةً تقاتِلُون قوماً صِغارَ الأعيُنِ ... الحديثَ وروى مالكٌ في الموطأ عن أبي حازمٍ، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال كانَ الناسُ يُؤمرونَ أنْ يضعَ الرجلُ يدَهُ اليُمنى على ذِراعِهِ اليُسْرى في الصلاة، قال أبو حازمٍ لا أعلمُ إلاَّ أنَّهُ يَنْمِى ذلكَ قال مالكٌ يرفعُ ذلك هذا لفظُ روايةِ عبدِ اللهِ بنِ يوسفَ، وقد رواهُ البخاريُّ من طريقِ القعنبيِّ عن مالكٍ، فقال يَنْمِي ذلك إلى النبيِّ ﷺ ، فَصَرَّحَ برفْعِهِ
стр. 168
وقولُهُ وإنْ يَقُلْ، أي وإن يقل ذلك، أي هذه الألفاظَ عن تابعيٍّ فهو مرسلٌ، وقولُهُ قلتُ من السُنَّةِ إلى آخر الباب هو من الزوائدِ على ابنِ الصلاحِ وقولُهُ عنه، أي عن التابعيِّ وكذا قولُهُ - بعدَهُ منه فإذا قالَ التابعيُّ من السنةِ كذا فهل هو موقوفٌ متصلٌ، أو مرفوعٌ مرسلٌ كالذي قبلَهُ؟ فِيْهِ وجهانِ لأصحابِ الشافعيِّ مثالُهُ ما رَوَاهُ البيهقيُّ من قولِ عُبيدِ الله بن عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ السنَّةُ تكبيرُ الإمامِ يومَ الفطرِ ويومَ الأضحى حِيْنَ يجلسُ عَلَى المنبرِ قَبْلَ الخطبةِ؛ تسعَ تكبيراتٍ
وحكى الداوديُّ في شرحِ مختصر المُزَني أنَّ الشافعيَّ كان يَرَى في القديمِ أنَّ ذلك مرفوعٌ إذا صَدَرَ من الصحابيِّ، أو التابعيِّ ثم رَجَعَ عنه لأنَّهُم قد يُطلِقونَه ويُريدونَ سُنَّةَ البلدِ انتهى والأصحُ في مسألة التابعيِّ كما قالَ النوويُّ في شرح المهذبِ أنَّهُ موقوفٌ
وعلى هذا فما الفرقُ بينَهُ وبينَ المسألةِ التي قبلَهُ؟ يمكنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بأنَّ قولَهُ يرفعُ الْحَدِيْث تصريحٌ بالرفعِ، وقريبٌ مِنْهُ الألفاظُ المذكورةُ مَعَهُ وأما قولُهُ من السُّنَّةِ، فكثيراً ما يعبَّرُ بِهِ عَنْ سُنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ ويترجحُ ذَلِكَ إذا قالَهُ التابعيُّ بخلافِ
стр. 169
ما إذا قالَهُ الصحابيُّ، فإنَّ الظاهرَ أنَّ مرادَهُ سنةُ النبيِّ ﷺ وإذا قالَ التابعيُّ أُمِرْنا بكذا، ونحوه، فهل يكونُ موقوفاً، أو مرفوعاً مرسلاً؟ فيه احتمالان لأبي حامدٍ الغزاليِّ في المستصفى ولم يُرَجِّح واحداً مِنَ الاحتمالينِ وجَزَمَ ابنُ الصَّبَّاغِ في العُدَّة بأنَّهُ مرسلٌ وحكى فيما إذا قالَ ذلك سعيدُ بنُ المسيِّبُ، هل يكونُ حجةً؟ وجهين، والله أعلم
١١٦.... وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ بحَيْثُ لا ... يُقَالُ رَأيَاً حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى
١١٧.... مَا قَالَ في المَحْصُوْلِ نَحْوُ مَنْ أتَى ... فَالحَاكِمُ الرَّفْعَ لِهَذَا أثْبَتَا
أي و ما جاءَ عن صحابيٍّ موقوفاً عليهِ ، ومثلُه لا يُقالُ مِنْ قبلِ الرأي حكْمُهُ حكمُ المرفوعِ كما قالَ الإمامُ فخرُ الدينِ في المحصولِ فقال إذا قالَ الصحابيُّ قولاً، ليس للاجتهادِ فيه مجالٌ فهو محمولٌ على السماعِ تحسيناً للظنِّ به
стр. 170
وقولُهُ نحو مَنْ أتى، أي كقولِ ابن مسعودٍ مَنْ أتى ساحراً، أو عرّافاً، فقد كفرَ بما أُنزلَ على محمّدٍ ﷺ ، ترجمَ عليه الحاكمُ في علومِ الحديثِ معرفةُ المسانيدِ التي لا يذكرُ سندُها عن رسولِ الله ﷺ قال ومثالُ ذلك، فذكرَ ثلاثةَ أحاديثَ، هذا أحدُها وما قالَهُ في المحصولِ موجودٌ في كلامِ غيرِ واحدٍ من الأئمةِ، كأبي عمرَ بنِ عبدِ البرِّ، وغيرِهِ وقد أدخلَ ابنُ عبدِ البرِّ في كتابِهِ التقصي عِدَّةَ أحاديثَ، ذكرَها مالكٌ في الموطّأ موقوفةً مع أنَّ موضوع الكتابِ لما في الموطّأ من الأحاديثِ المرفوعةِ، منها حديثُ سهلِ بنِ أبي حَثَمةَ في صلاةِ الخوفِ وقالَ في التمهيد هذا الحديثُ موقوفٌ على سَهْلٍ في الموطّأ عند جماعةِ الرواةِ عن
стр. 171
مالكٍ - قال - ومثلُه لا يقالُ من جهةِ الرأي، وكثيراً ما شنّع ابنُ حزم في المحلى على القائلين بهذا، فيقولُ عهدناهم يقولون لا يُقالُ مثلُ هذا من قبل الرأي ولإنكارِهِ وجهٌ؛ فإنَّهُ وإنْ كان لا يقالُ مثلُهُ من جهةِ الرأي، فلعلَّ بعضَ ذلك سمعَهُ ذلك الصحابيُّ من أهل الكتابِ وقد سمعَ جماعةٌ من الصحابةِ من كعب الأحبارِ، ورَوَوا عنه كما سيأتي، منهم العبادلةُ، وقد قال ﷺ حدّثوا عن بني إسرائيلَ، ولا حرجَ
١١٨.... وَمَا رَوَاهُ عَنْ (أبِي هُرَيْرَةِ) ... (مُحَمَّدٌ) وَعَنْهُ أهْلُ البَصْرَةِ
١١٩.... كَرَّرَ قَالَ بَعْدُ، فَالخَطِيْبُ ... رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيْبُ
أي وما رواهُ أهلُ البصرةِ عن محمّدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ قَالَ قَالَ، فذكرَ حديثاً، وَلَمْ يذكرْ فِيْهِ النبيَّ ﷺ ، وإنّما كرّرَ لفظَ قَالَ بعدَ ذكرِ أبي هريرةَ فإنَّ
стр. 172
الخطيبَ رَوَى في الكفاية من طريقِ موسى بنِ هارونَ الحمّالِ بسندِهِ، إِلَى حمّادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قَالَ قَالَ الملائكةُ تصلّي عَلَى أحدِكم ما دامَ في مُصَلاَّهُ قَالَ موسى بنُ هارونَ إذا قَالَ حمّادُ بنُ زيدٍ والبصريون قالَ قالَ، فَهُوَ مرفوعٌ قَالَ الخطيبُ قلتُ للبَرْقانيِّ أحسبُ أنَّ موسى عَنيَ بهذا القولِ أحاديثَ ابنِ سيرينَ خاصّةً، فَقَالَ كَذَا يجبُ قال الخطيبُ ويحقّقُ قولَ موسى ما قال محمدُ بنُ سيرين كلَّ شيءٍ حدَّثتُ عن أبي هريرةَ، فهو مرفوعٌ قلتُ ووقعَ في الصحيحِ من ذلكَ ما رواهُ البخاريُّ في المناقبِ، حدّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا حمّادٌ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال قال أسلمُ وغِفَارُ وشَيءٌ مِنْ مُزَيْنةَ، ... الحديث والحديثُ عند مسلمٍ من
стр. 173
روايةِ ابنِ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ مصرحٌ فيه بالرفعِ وأما الحديثُ الذي رواهُ الخطيبُ فهو عند النسائيِّ في سننِه الكبرى من روايةِ ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ ومن روايةِ ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ أيضاً كذلك
المُرْسَلُ
... مَرْفُوعُ تَابعٍ عَلى المَشهُوْرِ ... مُرْسَلٌ اوْ قَيّدْهُ بِالكَبِيْرِ
... أوْ سَقْطُ رَاوٍ مِنْهُ ذُوْ أقْوَالِ ... وَالأوَّلُ الأكْثَرُ في استِعْمَالِ
стр. 174
اختلفَ في حدِّ الحديثِ المرسلِ فالمشهورُ أنَّهُ مَا رَفَعهُ التابعيُّ إلى النبيِّ ﷺ ، سواءٌ كانَ مِنْ كبارِ التابعينَ، كعُبيدِ اللهِ بنِ عَدِيِّ بنِ الخِيَارِ وقيسِ بن أبي حازمٍ، وسعيدِ بنِ المسِّيبِ، وأمثالِهم أو من صغارِ التابعينَ، كالزهريِّ وأبي حازمٍ، ويحيى ابنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، وأشباهِهِم
والقولُ الثاني أنّهُ ما رفَعهُ التابعيُّ الكبيرُ إلى النبيِّ ﷺ ، وهذا معنى قولِهِ او قيّدهُ بالكبيرِ، أي بالكبيرِ من التابعينَ، فهذه الصورةُ لا خلافَ فيها، كما قالَ ابنُ الصلاحِ أما مراسيلُ صغارِ التابعينَ، فإنّها لا تسمّى مرسلةً على هذا القولِ، بل هي
стр. 175
منقطعةٌ هكذا حكاهُ ابنُ عبد البرِّ عن قومٍ من أهلِ الحديثِ؛ لأنَّ أكثرَ رواياتِهِم عن التابعينَ ولم يلقَوا من الصحابةِ إلا الواحدَ والاثنين قلتُ هكذا مَثَّلَ ابنُ الصلاحِ صغارَ التابعينَ بالزهريِّ ومَنْ ذَكَرَ، وذكرَ في التعليلِ أنَّهم لم يلقَوا من الصحابةِ إلا الواحدَ والاثنينِ، وليس ذلك بصحيحٍ بالنسبةِ إلى الزهريِّ، فقد لقي من الصحابةِ اثني عشرَ فأكثرَ، وهم عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وأنسُ بن مالكٍ، وسهلُ بنُ سعدٍ، وربيعةُ بنُ عِبادٍ، وعبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، والسائبُ بنُ يزيدَ، وسُنَيْن أبو جَميلةَ، وعبدُ الله بنُ عامرٍ بنِ ربيعةَ، وأبو الطُّفيلِ، ومحمودُ بنُ الربيعِ، والمِسورُ بنُ مَخْرمة، وعبد الرحمن بنُ أزهر ولم يسمع من عبدِ الله بنِ جعفر، بل رآه رؤيةً وقيل إنّه سمعَ من جابرٍ وقد سمعَ من محمودِ بنِ لبيدٍ، وعبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ، وثعلبةَ بنِ مالكٍ القرظيِّ وهم مختلفٌ في صحبتِهم وأنكرَ أحمدُ ويحيى سماعَهُ من ابنِ عمرَ، وأثبتَهُ عليُّ بنُ المدينيِّ
стр. 176
القولُ الثالثُ إنهُ ما سقطَ راوٍ من إسنادِهِ، فأكثرُ، من أيِّ موضعٍ كان، فعلى هذا المرسلُ والمنقطعُ واحدٌ قالَ ابنُ الصلاحِ والمعروفُ في الفقهِ وأصولِهِ أنَّ ذلك يُسمّى مرسلاً وبهِ قطعَ الخطيبُ، قال الخطيبُ إلا أنَّ أكثرَ ما يوصفُ بالإرسالِ من حيثُ الاستعمالُ ما رواهُ التابعيُّ عن النبيِّ ﷺ وقطعَ الحاكم وغيرُهُ من أهلِ الحديثِ أنَّ الإرسالَ مخصوصٌ بالتابعينَ وسيجيءُ في فصلِ التدليسِ أنَّ ابنَ القطّانِ قال إنَّ الإرسالَ روايتُهُ عمَّنْ لم يسمع منه
فعلى هذا مَنْ رَوَى عمَّنْ سمعَ منه ما لم يسمعْهُ منه، بل بينَه وبينَه فيه واسطةٌ، ليس بإرسالٍ، بل هو تدليسٌ، وعلى هذا فيكونُ هذا قولاً رابعاً في حَدِّ المرسلِ
... وَاحتَجَّ (مَاِلِكٌ) كَذا (النُّعْمَانُ) ... وَتَابِعُوْهُمَا بِهِ وَدَانُوْا
١٢٣.... وَرَدَّهُ جَمَاهِرُ النُّقَّادِ؛ ... لِلجَهْلِ بِالسَّاقِطِ في الإسْنَادِ
... وَصَاحِبُ التَّمهيدِ عَنهُمْ نَقَلَهْ ... وَ (مُسْلِمٌ) صَدْرَ الكِتَابِ أصَّلَهْ
اختلفَ العلماءُ في الاحتجاجِ بالمرسلِ، فذهبَ مالكُ بنُ أنسٍ وأبو حنيفةَ
стр. 177
النعمانُ بنُ ثابتٍ وأتباعُهُما في طائفةٍ إلى الاحتجاج به.
فقولُهُ: (وتابعُوهما) أي: التابعونَ لهما. (ودانوا) أي: جعلَوهُ دِيناً يدينونَ به، وذهب أكثرُ أهلِ الحديثِ إلى أنَّ المرسلَ ضعيفٌ لا يحتجُّ به. وحكاه ابنُ عبد البرِّ في مقدّمة " التمهيد " عن جماعةٍ من أصحابِ الحديثِ. وقال مسلمٌ في صَدْرِ كتابهِ " الصحيحِ ": ((المرسلُ في أصلِ قولِنا، وقولِ أهل العلمِ بالأخبارِ ليس بحُجَّةٍ)) . هكذا أطلقَ ابنُ الصلاحِ نَقْلَهُ عن مسلمٍ. ومسلمٌ إنّما ذكرَهُ في أثناءِ كلامِ خَصْمِهِ الذي رَدَّ عليهِ اشتراطَ ثبوتِ اللقاءِ، فقال: ((فإنْ قال: قُلْتُهُ لأنِّي وَجَدْتُ رواةَ الأخبارِ قديماً وحديثاً يَروي أحدُهُم عن الآخر الحديثَ، ولمّا يُعاينْهُ، وما سَمِعَ منه شيئاً قَطُّ،
стр. 178
فلمّا رأيتُهُم استجازُوا روايةَ الحديثِ بَينهُم هكذا على الإرسالِ مِنْ غَيْرِ سماعٍ - والمرسلُ من الرواياتِ في أصلِ قولِنا، وقولِ أهلِ العلمِ بالأخبارِ، ليس بحجّةٍ - احتجتُ لما وصفْتُ من العلّةِ إلى البحث عن سماعِ راوي كُلِّ خبرٍ عن راويه، إلى آخر كلامهِ)) . فهذا كما تراهُ حكاهُ على لسانِ خَصْمِهِ، ولكنَّهُ لمّا لم يرد هذا القدرَ منه حين رَدَّ كلامَهُ، كان كأنَّهُ قائلٌ به، فلهذا نسبَهُ ابنُ الصلاحِ إليه.
وقولُهُ: (للجهلِ بالساقطِ) ، هو تعليلٌ لردِّ المرسلِ، وذلك أنهُ تقدّمَ أنَّ مِن شرطِ الحديثِ الصحيحِ ثقةَ رجالِهِ. والمرسلُ سقطَ منه رجلٌ لا نعلَمُ حالَه. فعدمُ معرفةِ عدالةِ بعض رواتِهِ، وإنِ اتفقَ أنَّ الذي أرسلَهُ كان لا يَروي إلا عن ثقةٍ، فالتوثيقُ في الرجلِ المبهمِ غيرُ كافٍ، كما سيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى.
١٢٥.... لَكِنْ إذا صَحَّ لَنَا مَخْرَجُهُ ... بمُسْنَدٍ أو مُرْسَلٍ يُخْرِجُهُ
... مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ الأوَّلِ ... نَقْبَلْهُ، قُلْتُ: الشَّيْخُ لَمْ يُفَصِّلِ
١٢٧.... والشَّافِعِيُّ بِالكِبَارِ قَيَّدَا ... وَمَنْ رَوَى عَنِ الثِّقاتِ أبَدَا
... وَمَنْ إذا شَارَكَ أهْلَ الحِفْظِ ... وَافَقَهُمْ إلاّ بِنَقْصِ لَفْظِ
стр. 179
هذا استدراكٌ؛ لكونِ المرسلِ يُحتجُّ به إذا أُسندَ من وجهٍ آخرَ، أو أرسلَهُ مَنْ أخذَ العلمَ عن غيرِ رجالِ المُرسِلِ الأولِ.
وقولُهُ: (نقبلْهُ) ، هو مجزومٌ جوابٌ للشرطِ على مذهبِ الكوفيينَ والأخفشِ كقولِ الشاعرِ:
وإذَا تُصِبْكَ مُصِيْبَةٌ فاصبرْ لَهَاْ ... وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فتجَمَّلِ
وقولُهُ قلتُ الشيخُ، إلى آخر الأبياتِ الأربعةِ، من الزوائدِ على ابنِ الصلاحِ، وهو اعتراضٌ عليهِ في حكايتِهِ لكلامِ الشافعيِّ ﵁ قالَ ابنُ الصَّلاحِ اعلم أنَّ حكمَ المرسَلِ حكمُ الحديثِ الضعيفِ، إلاّ أنْ يصحَّ مخرجُهُ بمجيِئهِ من وجهٍ آخرَ، كما سبق بيانُهُ في نوعِ الحسن، والذي ذكرَ أنَّهُ سبقَ أنّه حكى هناكَ نصَّ الشافعيِّ في مراسيلِ التابعينَ أنّهُ يُقْبَلُ منها المرسلُ الذي جاءَ نحوَهُ مسنداً، وكذلك لو وافقَهُ مرسلٌ آخرُ أرسلَهُ مَنْ أخذَ العلمَ عن غيرِ رجالِ التابعيِّ الأولِ في كلامٍ لهُ ذكرَ فيه وجوهاً من الاستدلالِ على صحةِ مخرجِ المرسلِ بمجيئِهِ من وجهِ آخرَ انتهى كلامُ ابنِ الصلاحِ
стр. 180
ووجهُ الاعتراضِ عليه أنَّهُ أطلقَ القولَ عن الشافعيِّ بأنَّهُ يقبلُ مطلقَ المرسلِ إذا تأكَّدَ بما ذكرَهُ الشافعيُّ والشافعيُّ إنّما يقبلُ مراسيلَ كِبارِ التابعينَ، إذا تأكدتْ مع وجودِ الشرطينِ المذكورينِ في كَلامي، كما نصَّ عليه في كتابِ الرسالة وممَّنْ روى كلامَ الشافعيِّ كذلك أبو بكرٍ الخطيبُ في الكفاية، وأبو بكرِ البيهقيُّ في المدخلِ بإسنادَيهما الصحيحينِ إليه، أنّهُ قالَ والمنقطعُ مختلِفٌ فمَنْ شاهدَ أصحابَ رسولِ الله ﷺ مِن التابعينَ فحدَّثَ حديثاً منقطعاً عن النبيِّ ﷺ اعتُبِرَ عليه بأمُورٍ، منها أنْ يُنظرَ إلى ما أرسلَ من الحديثِ فإنْ شَرِكَهُ فيه الحفّاظُ المأمونونَ فأسندوهُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، بمثلِ معنى ما روي؛ كانت هذهِ دلالةً على صحةِ ما قَبِلَ عنه وحفْظَهُ وإنِ انفردَ بإرسالِ حديثٍ لم يَشْرَكْهُ فيه مَنْ يُسنِدُهُ قُبِلَ ما يَنفردُ به من ذلك ويُعتبرُ عليه بأنْ يُنظرَ هل يوافقُهُ مُرْسِلٌ غيرُهُ ممَّنْ قَبِلَ العلم من غيرِ رجالِهِ الذينَ
قَبلَ عنهم؟ فإنْ وُجِدَ ذلك كانت دلالةً تُقَوِّي له مرسله، وهي أضعفُ من
следующие страницы →