← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17806

الإعلام الملتزم بفضيلة زمزم

أحمد الشافعي

Полный текст (41 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٥) الإعلام الملتزم بفضيلة زمزم تأليف الشيخ أحمد بن علي الشافعي رئيس المحدثين بجامع أياصوفيا المتوفى سنة ١١٧٩ هـ تحقيق رمزي سعد الدين دمشقية ساهم بطبعه بعض أهل الخير من الحرمين الشريفين ومحبيهم دار البشائر الإسلامية

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع هاتف: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١ بيروت- لبنان ص ب:٥٩٥٥/ ١٤ e-mail: bashaer@cyberia.net.lb

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للهِ الذي مِنَ الماء خلق كل شيء حيٍّ وأبدع، والصلاة والسلام على مَنْ فار مِنْ بين أصابعه الماء ونبع، وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار ما سجد لله مسلم وركع. أما بعد، فهذه رسالة لطيفة فيها ذكر ماء زمزم وأسمائها وفضلها للشيخ أحمد الشافعي، أحد علماء الدولة العثمانية، رئيس المحدثين بجامع أيا صوفيا المتوفى سنة ١١٧٩ هـ، طبعت هذه الرسالة قديمًا سنة ١٣٣١ هـ بمطبعة الترقي الماجدية العثمانية بمكة المشرَّفة على نفقة مالكها محمَّد ماجد الكردي المكي. ولمَّا وقفت على نسختها المطبوعة -وهي عزيزة الوجود- رأيت من المناسب دخولها في رسائل "لقاء العشر الأواخر" لتعلقها بالحرم الشريف ثم إحياء لذكرها وتعميمًا لفوائدها بذكر زمزم وأخبارها. وقد ألَّف العلماء في زمزم قديمًا وحديثًا، ومن أحسن ما كُتب فيها كتاب: "فضل ماء زمزم" للشيخ سائد بكداش حيث ذكر تاريخ ماء زمزم وأسمائه وخصائصه وبركاته ونية شربه وأحكامه والاستشفاء به وما قيل في مدحه من الأشعار، ثم أتبعه بجزء الحافظ ابن حَجَر في الحديث

стр. 4

المشهور: "ماء زمزم لما شرب له". فمن أراد الاستفاضة فليرجع إلى الكتاب المذكور فإن فيه فوائد ونفائس. أما الرسالة التي بين يدينا فهي رسالة وجيزة تصلح أن تقرأ في مجلس أو مجلسين، وقد قمت بخدمتها عن الطبعة الأولى محاولًا ضبط ألفاظها وتقويم عباراتها من المصادر المنقولة عنها. راجيًا من اللطيف الخبير أن ينفع بها ويغفر لمؤلفها، وأن يمنَّ بفضله وكرمه على عبده الفقير إلى رحمته ورضوانه. بحمدون في ١٦/ ٦ / ١٤٢٢ هـ الموافق لـ ٤/ ٩ / ٢٠٠١ م وكتبه رمزى سعد الدين دمشقية

стр. 5

ترجمة المؤلف ورد اسم المؤلف على غلاف الطبعة الأولى لهذه الرسالة المطبوعة بمطبعة الترقي بمكة المكرمة هكذا: الشيخ أحمد الغزي الشافعي الأزهري المحدِّث. وله ترجمة في "معجم المؤلفين" لعمر رضا كحالة ٢/ ١٦ لم أقف على سواها في المصادر العربية، وهذا نصُّها: أحمد بن علي الغزي الأزهري الشافعي، نزيل القسطنطينية. رئيس المحدِّثين بجامع أيا صوفيا، توفي ودفن بأسكدار. من تصانيفه: ١ - بغية الطالب وبلوغ المآرب. ٢ - القمر المنير العلوي في أثر القدم النبوي. ٣ - قرة العين لمن وعى في استحباب رفع اليدين في الدعاء ومصادر الترجمة: إيضاح المكنون للبغدادي ٢/ ٢٢٥، ٢٤٠؛ وهدية العارفين للبغدادي أيضًا ١/ ١٧٦. * * *

стр. 6

ثم وقفتُ على ترجمة للمؤلف مختصرة في "سجل عثماني" ١/ ٢٦٠ المطبوع سنة ١٣٠٨ هـ، وقد وردت الترجمة كذلك بنصها في "الموسوعة التركية" ١/ ١٩٢ الصادرة باستنبول نقلًا عن "سجل عثماني" (١). وقد ورد اسم المؤلف فيها هكذا: أحمد عز أفندي وفيها: أنه رئيس المحدثين بجامع أيا صوفيا، وتوفي عام ١١٧٩ هـ، ودفن بأسكدار. فكأن لفظة (عز) تصحفت عند البغدادي إلى (الغزي)، والله تعالى أعلم بالصواب. * * *

стр. 7

صورة "سجل عثماني" وفيه ترجمة المؤلف وأن اسمه: أحمد العز

стр. 8

صورة غلاف الطبعة الأولى للرسالة

стр. 9

لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٥) الإعلام الملتزم بفضيلة زمزم تأليف الشيخ أحمد بن علي الشافعي رئيس المحدثين بجامع أياصوفيا المتوفى سنة ١١٧٩ هـ تحقيق رمزي سعد الدين دمشقية

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على نِعم جلَّتْ فكَثُرَت أن تُعَدَّ، وجَلَّت فكَبُرت أن تُحدَّ، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد سيِّد العرب والعجم، الذي غُسِل قلبه الشريف بعد شقِّ صدره ليلة الإِسراء بماء زمزم، وعلى آله وأصحابه وسلم. وبعد، فهذه أوراق أذكر فيها إن شاء الله تعالى بعض ما لزمزم من الأسماء والفضائل، ومن أظهرها من الأوائل، مرتبًا ذلك على مقدمة وثلاثة أبواب: فالأول: فيمن أظهرها. والثاني: في فضلها. والثالث: في بيان الترتيب في الفضيلة بينها وبين أنواع الماء. وأما الخاتمة: ففي بيان أن الماء من سما هو، هل له لون وطعم أو لا؟. وسميتها: "الإِعلام الملتزَم بفضيلة زمزم". فأقول وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي وإستنادي، هذه:

стр. 11

مقدمة أما زمزم فهي وإن كانت أشهر من أن تُذكر، بركاتها أجلُّ من أن تُحصر، بئر المسجد الحرام، بينها وبين الكعبة شرَّفها الله تعالى قريب أربعين ذراعًا كما قاله الحافظ العسقلاني في "الفتح" (١). وأما عمق البئر: فقال العلَّامة البكري (٢): قد ذَرَعتُ الحبل

стр. 12

الذي كنتُ أستقي به فوجدته عشر قامات، انتهى (١).

стр. 13

وأول من عمل الرخام على زمزم وفرش أرضها بالمرمر: أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء العباسية (١). وأما أسماؤهما: فزمزم، وشَبَّاعَة، ومُرْوِيَة، ونافعة، وعافية، وميمونة، وبركة، وبَرَّة، ومَضْنُونة، وكافية، ومُعْذِبَة، وشفاء سُقْم، وطعام طُعْم، وهَزْمَة جبريل، وسُقْيَا إسماعيل. فأما زمزم: ففيه لغات، المشهورة: زَمْزَم، بفتح الزاي وسكون الميم، الثانية: زَمَّزَم بفتحها أيضًا وتشديد الميم، الثالثة: زِمَّزِم بكسر الزاءين وتشديد الميم (٢). سُمِّيَت بذلك لوجوه، فقيل: لكثرة مائها، فتكون مشتقة من قولهم: ماءٌ زَمْزُوم وزَمْزام، أي: كثير. وقيل: لزمزمة الماء فيها، أي: حركته. وقيل: لزمزمة جبريل ﵊، أي: كلامه. قال في "القاموس" (٣): الزَمْزَمَة -أي: بفتح الزاي الأولى والثانية وسكون الميم الأولى وفتح الثانية-: الصوت البعيد له دوي، وتتابع صوت الرعد، وهو أحسنه صوتًا وألينه (٤) مطرًا.

стр. 14

وفي "النهاية" (١): الزمزمة الصوت الخفي. انتهى. وقيل: لزمِّ هاجر لمائها حين انفجرت، أي: ضمها إياها وحصرها لها بالتراب. وقيل: لأنها زُمَّت بالميزان لئلا تأخذ يمينًا وشمالًا (٢). وقيل: لأن عبد المطلب أُرِي في منامه أن قائلًا يقول له: احفر زمزم. كما يأتي (٣). وأما شَبَّاعَةُ: فبفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة وفتح العين المهملة، من الشِّبَع ضد الجوع. سمِّيت بذلك لحصول الشبع عند شربها بقصد ذلك (٤)، كما يأتي. وأما مُرْوِيَة: فبضم الميم وسكون الراء المهملة وكسر الواو وتخفيف المثناة التحتية، من الري ضدُّ العطش، يقال: رَوِي من الماء واللبن كرضي، رِيًّا بكسر الراء ورَيًّا بفتحها، ورِوَىً بكسرها أيضًا. سُمِّيت بذلك لشدة قمعها للظمأ.

стр. 15

وأما نافعة: فبنون بعدها ألف ثم فاء فعين مهملة، من النفع ضد الضُّر. سمِّيت بذلك لكثرة منافعها التي لا تحصر، من جملتها أن شربها يقوِّي القلب ويسكِّن الرَّوع، كما يأتي (١). وأما عافية: فبالعين المهملة والفاء بعدها مثناة تحتية، من عافاه الله من كذا معافاة (٢) وعافية، وهب له العافية من العلل والبلايا. سمِّيت بذلك لدفع كثير من العلل بشرب مائها، فكم أبرأ الله بمائها من الأمراض ما عَجَزت عنه حُذَّاق الأطباء. وأما مَيْمُونة: فبفتح الميم الأولى وسكون المثناة التحتية وضم الميم الثانية، من اليُمن، وهو البركة. سمِّيت بذلك لأن بركتها مأثورة، فقد شربها جماعة من السلف والخلف لكثير من المقاصد والمآرب فنالوها، كما يأتي (٣). وأما بَرَّه: فهو بدون ال، وبفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المهملة، من البِرِّ بكسر الموحدة ضد العقوق، أي: ذات بر وإحسان لشاربها؛ لما يناله ويحصل له من بركتها. وأما مَضْنُونَة: فهو بفتح الميم وسكون الضاد المعجمة وضم النون بعدها واو ثم نون مفتوحة بعدها هاء، من ضَنَّ به يَضِنُّ ضِنًّا إذا منعه عن غيره، أي: لنفاسته، إذ الضَّنين: النفيس. سمِّيت بذلك لأن

стр. 16

الناس يضن بعضهم على بعض بها لكونها نفيسة. وقد منع الله تعالى منها قومًا من العرب سكنوا حولها فعصوا وتهاونوا بحرمة الكعبة، فطردهم الله عنها ومنعهم إيَّاها (١). وأما كافية: فمن الكفاية، أي: التي تكفي من شربها عن الميل والطلب لغيرها؛ لما يحصل له من الرَّي بها. وأما مُعْذِبَة: فهو بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الذال المعجمة وفتح الموحدة، من أعذب الماء، أي: صار عَذْبًا، أي: مانعًا للعطش لحلاوته، يعني: ذات عذوبة وحلاوة، فهو بمعنى مُرْوِيَة. وأما شفاء سُقْم: فهو عَلَمٌ إضافي، والإِضافة فيه على معنى اللام. سمِّيت بذلك لأن شرب مائها سبب في شفاء كثير من الأسقام ودفع الآلام. وأما طَعَام طُعْم: فهو عَلمَ إضافي أيضًا، بضم الطاء الثانية وسكون العين المهملة التي بعده، وهو الذي يشبع من أكله. سمِّيت بذلك لحصول الشِّبَع عند تناولها، فهو بمعنى شَبَّاعَة. وأما هَزْمَة جبريل: فبفتح الهاء وسكون الزاي وفتح الميم، من هزمه يهْزِمُه إذا غمزه بيده فصارت فيه حُفرة، فالهزمة موضع الهزم، أي: الغمز والضرب. ويروى: هَمْزة جبريل بفتح الهاء وسكون الميم

стр. 17

مقدَّمة على الزاي، من همز يَهْمِز بكسر الميم في المضارع، ويَهْمُز بضمها أيضًا همزًا، إذا غمزه أيضًا أو ضغطه أو دفعه أو ضربه، فهو بمعنى ما قبله. سُمِّيت بذلك لضرب جبريل ﵊ بعَقِبه لها؛ ولأن عبد المطلب أُرِيَ في الرؤيا الآتي ذكرها قائلًا يقول له: زمزم وما زمزم! هزمة جبريل برجله وسُقيا إسماعيل وأهله، زمزم البركات تروي الرُّفات الواردات، شفاء سقم وخير طعام (١). وقد جاء أيضًا في مبتدأ حديث الوضوء مثل هذا: وهو أن جبريل هَمَز للنبي ﷺ بعَقِبِه في الوادي فنبع الماء (٢). * * *

стр. 18

الباب الأول فيمن أظهرها فأول من أظهرها جبريل ﵊ سقيا لإِسماعيل ﵊ عندما ظمئ وهو صغير، ثم حفر الخليل ﵊، ثم أظهرها عبد المطلب جد النبي ﷺ . وذلك أن الله أمر إبراهيم الخليل بالمسير من الشام إلى بلد الله الحرام، فركب البُراق، وحمل إسماعيل أمامه وكان رضيعًا، وقيل: كان ابن سنتين، وهَاجَر خلفه، ومعه جبريل يدلُّه على موضع البيت، فوضعهما إبراهيم عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس فيها ماء ولا عمارة ولا زراعة، وأمرها أن تتخذ فيها عريشًا. فلما أراد إبراهيم أن ينصرف راجعًا إلى الشام ورأت هاجر أن ليس بحضرتها أحد من الناس ولا ماء ظاهر، تركت ابنها إسماعيل في مكانه وتبعت إبراهيم، فقالت: يا إبراهيم إلى مَنْ تدعنا؟ فسكت عنها حتى إذا دنا من كَدَاء (١) قال: إلى الله أدعكم. قالت: فالله

стр. 19

أمركَ بهذا؟ قال: نعم. قالت: فحسبي، تركْتَنا إلى كافٍ. وخرج إبراهيم حتى وقف على كداء ولا بناء ولا ظل ولا شيء يحول دون ابنه إسماعيل، فنظر إليه فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة لولده، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ الآية، وانصرفت هاجر إلى ابنها وعمدت فجعلت عريشًا في موضع الحِجْر -بكسر الحاء المهملة- من سَمُر (١) -بفتح السين المهملة وضم الميم- وألقت عليه ثُمامًا (٢) -بضم المثلثة وتخفيف الميم-. وفي رواية: أن إبراهيم ﵊ وضع عندهما جِرَابًا فيه تمر وسِقَاء فيه ماء، فلما نَفِدَ الماء عطش إسماعيل وعطشت أمه وانقطع لبنها، فأخذ إسماعيل كهيئة الموت فظنَّت أنه ميت فجَزِعَت، وخرجت جزعًا أن تراه على تلك الحالة، وقالت: يموت وأنا غائبة عنه أهون عليَّ. ثم ظهر لها جبريل فانطلق بها حتى وقف على موضع زمزم فضرب بعَقِبِه مكان البئر فظهر الماء فوق الأرض (٣). وفي "الحدائق": فبحث جبريل بعقبه، أو قال: بجناحه -على شك الراوي- وجعلت هاجر تَزمُّ الماء، أي: تحصره خِيفَة

стр. 20

أن يفوتها قبل أن تأتي بشَنِّها (١)، فاستقت وبادرت إلى ابنها فسقته. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "يرحم الله أمَّ إسماعيل لو تركت زمزم"، أو قال: "لو لم تَغرِف من الماء لكانت عينًا مَعينًا" (٢). ثم إن الجُرْهُمي عمرو بن الحارث (٣) لما أحدث قومه بحرم الله تعالى الحوادث قيَّض الله لهم من أخرجهم من مكة، فعمد عمرو المذكور إلى نفائس من أموال الكعبة -وكان من جملتها غزالان من ذهب وأسياف سبعة كان ساسان ملك الفرس قد أهداها إلى الكعبة- ووضعها في زمزم وطمَّها وبالغ في طمها

стр. 21

ودفنها (١)، وفر إلى اليمن بقومه (٢). فلم تزل زمزم مدفونة مغيبة أكثر من خمسمائة سنة لا يُعرف مكانها إلى أن أظهرها عبد المطلب جَدُّ النبي ﷺ بعلامات عَرَف بها موضعها في رؤيا رآها متكررة ثلاثة مرات، فحفرها وأظهرها (٣)، ولم تزل ظاهرة بحمد الله تعالى إلى الآن وإلى ما شاء الله تعالى. * * *

стр. 22

الباب الثاني في فضلها قد ورد في فضل زمزم أحاديث كثيرة، لكن البخاري لم يذكرها لكونها لم تكن على شرطه صريحًا. ووقع في صحيح مسلم (١) من حديث أبي ذر: "ماء زمزم طَعَامُ طُعْم"، وزاد الطيالسي (٢): "وشفاء سُقْم". وفي "المستدرك" (٣) من حديث ابن عباس مرفوعًا: "ماء زمزم لما شُرِب له". وصححه البيهقي في الشُّعَب وابن عيينه وابن حبان. ووثَّق رجاله الحافظ الدمياطي (٤)، وكذلك الحافظ العسقلاني حيث قال في "الفتح" (٥) بعد نقله هذا الحديث: رجاله ثقات إلَّا أنه

стр. 23

اختُلف في إرساله ووصله، وإرساله أصح، انتهى (١). وحذا حذوهما القسطلاني حيث قال بعد إيراده حديث "المستدرك" المذكور (٢): وبالجملة فقد ثبتت صحة هذا الحديث، أعني حديث: "ماء زمزم لما شُرِب له". ومعناه: أنكَ إنْ شربته لتستشفي به شفاكَ الله، وإن شربته لشبعكَ أشبعكَ الله، وإن شربته لقطع ظمأ قطعه الله تعالى، وهكذا. وقد ورد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه شربه للعلم والفقاهة فكان أفقه [أهل] زمانه (٣). قال البكري (٤) رحمه الله تعالى: وأنا قد جرَّبت ذلك فوجدته صحيحًا على أني لم أشربه إلَّا على يقين من هذا وتصديق بالحديث، انتهى.

стр. 24

وفي البخاري (١) عن الشعبي أن ابن عباس ﵄ حدَّثه قال: "سَقيتُ رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم". قال الحافظ بن حجر في "الفتح" (٢): فيه -أي: الحديث المذكور- الرخصة في الشرب قائمًا، انتهى. أي: فيكون النهي عن الشرب قائمًا الوارد في الصحيح نهي أدب وإرفاق؛ ليكون تناول الماء على سكون وطمأنينة، فيكون أبعد من الفساد، كما قاله محيي السنة (٣). قال علي القاري: أقول: ويمكن أن يكون القيام مختصًّا بماء زمزم، ونكتة التخصيص الإِشارة إلى استحباب التضلع من مائه. ثم قال: ورأيت بعضهم صرَّح بأنه يُسن الشرب من زمزم قائمًا اتباعًا له ﷺ ، انتهى. وبالجملة فيستحب الشرب من مائها والتضلُّع منه (٤)، لما روى الدارقطني والبيهقي مرفوعًا (٥): "آيةُ ما بيننا وبين المنافقين إنهم

стр. 25

لا يتضلَّعون من زمزم". وقد جاء في حديث علي ﵁: (خير بئر

стр. 26

في الأرض زمزم) (١). ولهذا الصلحاء يشربونه ويحملونه معهم في أسفارهم تباعًا له ﷺ ؛ فإنه أول منه حمل ماء زمزم عند رجوعه من حج البيت تبركًا به واستشفاءً (٢). والدعاء عند شربه مستجاب. وأولى (٣) ما يُشرب؛ لتحقق التوحيد والموت عليه، والعزة بطاعة الله تعالي، قال ابن المُنيِّر: وكأنه عنوان على حُسن العهد وكمال الشوق؛ فإن العرب أعتادت الحنين إلى مناهل الأحبة وموارد أهل المودَّة، وزمزم هو منهل أهل البيت، فالمتعطش إليها قد أقام

стр. 27

شعار المحبة وأحسن العهد للأحبة والشرب منها، ولذا جُعل التضلع منها علامة فارقة بين الإِيمان والنفاق، ولله در القائل: [من الطويل] وما شُربي للماءِ (١) إلَّا تَذَكُّرًا ... لماءٍ به أهلُ الحبيبِ نُزُولُ وروى الفاكهي (٢) وغيره عن ابن عباس: صلُّوا في مُصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار، قيل: وما مصلى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب، قيل: فما شراب الأبرار؟ قال: ماء زمزم (٣). وبالجملة فمعرفة أسمائها وفضلها والتضلع من مائها من جملة البرِّ بها والوفاء بحقها وحق أهلها، كما أشار لذلك الفقيه الزاهد يوسف بن محمَّد المعروف بابن الشيخ (٤) رحمه الله تعالى، حيث

стр. 28

قال (١) [الوافر]: لَعمرُكَ إنَّ تَرْكي زمزمًا لَـ (٢) ... أُسمِّيها لَمِن بابِ العقوقِ وكيفَ ومَاؤُها بردت منه (٣) ... أوارتي (٤) أحرُّ من الحريقِ وأرجو من سِقَايته (٥) هنا أن ... سيسقيني كذاكَ من الرحيقِ أَزمزمُ ها أنا أُسميكِ أيضًا ... لما قدّمتِ عندي من حقوقِ وما المحمودُ إلَّا اللهُ ربِّي ... وربُّ الكلِّ والبيتِ العتيقِ فائدة: حكى في "المجموع" (٦) من كتب أئمتنا الشافعية الإِجماع على صحة الطهارة بماء زمزم.

стр. 29

وأنه لا ينبغي إزالة النجاسة به سيما الاستنجاء؛ لما قيل إنه يورث البواسير (١)، وذكر نحوه ابن الملقن في شرح البخاري. وهل إزالة النجاسة به حرام أو مكروه أو خلاف الأولى؟ أوجُهٌ حكاها الدَّمِيري والطيِّب الناشري من غير ترجيح تبعًا للأذوعي، والمعتمد الكراهة (٢). * * *

стр. 30

الباب الثالث في بيان أفضل أنواع الماء مطلقًا وبيان الترتيب في الفضيلة بينها فنقول: أفضل أنواع الماء على الإِطلاق الماء الذي نبع من بين أصابعه ﷺ (١). وقصة نبع الماء من الأصابع الشريفة كما قال ابن حجر (٢) نقلًا

стр. 31

عن القرطبي وغيره: في عدة مواطن ومشاهد عظيمة، وردت من طُرق كثيرة، وقد تكررت منه ﷺ ، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي. منها: عن جابر ﵁: "أنه ﷺ كان يتوضأ من رَكْوَة (١) فجاؤه يشكون العطش، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه ﷺ كأمثال العيون، فتوضأوا كلهم، وكانوا ألفًا وخمسمائة"، بل قال جابر ﵁: لو كنا مائة ألف لكفانا (٢). وظاهر هذه الرواية وغيرها: أن الماء نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع الشريفة، وهو ما صححه النووي وجزم به غيره (٣). وإنما استدعى بقليل ماء كما في رواية تأدُّبًا مع ربه، فإنه المنفرد بإيجاد المعدومات من غير أصل. نعم في رواية عند جماعة أنه فعل ذلك مرة من غير ماء، لكن استدعى بشن يابسة ووضع يده ﷺ فيها فنبعت عيون الماء. فهو أفضل أنواع الماء مطلقًا الدنيوية والأخروية. ويليه في الفضيلة ماء زمزم لما جاء في رواية أن قلبه الشريف ﷺ غسَّله المَلَك ليلة الإِسراء به، فأخذ البُلقيني من إيثار

стр. 32

الملَك له على ماء الكوثر أن زمزم أفضل منه (١). قال ابن حجر الهيتمي: وهو ظاهر، خلافًا لمن نازع فيه بما لا يجدي كما بينته في "شرح العباب"، ثم قال: والحكمة في غسله به دون غيره أنه يقوِّي القلب ويسكِّن الرَّوْع. فماء زمزم أفضل المياء شرعًا وأفضلها طبًّا سواء كان في موضعه المعروف أو منقولًا إلى موضع آخر، لأن فضله لعينه لا لأجل البقعة التي هو فيها. ثم يليه في الفضيلة ماء الكوثر وهو كما جاء: "نهر في الجنة حَافَتَاه من ذهب ومجراه على الدُّرِّ والياقوت، تُربته أطيبُ من المِسكِ، وماؤُه أحلا من العسل وأبيضُ من الثَّلج".

стр. 33

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). ثم يليه في ذلك ماء نيل مصر ثم بقية الأنهر. ونظم ذلك بعضهم فقال: [من الرَّجز] وأفضلُ المياهِ ماءٌ قد نَبَعْ ... من بين أصابع النَّبِيِّ المُتَّبَعْ يليهِ ماءُ زمزمٍ فالكوثرِ ... فنيلِ مِصْرَ ثم باقي الأَنْهُر * * *

стр. 34

خاتمة نسأل الله حسن الختام سُئل الحارث بن كَلَدَة (١) طبيب العرب عن طعم الماء؟ فقال: شيء لا يوصف. وسئل عن لونه؟ فقال: اشتبه على الأبصار لأنه يشابه لون كل شيء يكون فيه. وقال بعضهم: لا لون له وإنما يتلوَّن بلون الآنية التي يُجعل فيها. وإلى ذلك أشار المعرِّي بقوله: [من المتقارب] ولا لونَ للماءِ فيما يُقَا ... ل ولكن يكونُ بلون الأواني

стр. 35

وقال غيره: لونه البياض، واحتج بأنه إذا جمد ابيضَّ (١). قال البكري (٢): وأما طعم ماء زمزم ساعة يخرج من البئر فيخيل إليكَ أنه ماء شِيب -أي: خُلط- بلبن حار رطب لين ليس فيه مرارة. فإذا برد ربما وجدت فيه قليل مرارة، وكنتُ أفطر عليه وأتبركُ به ورأيت بركته، انتهى. فإن قلتَ: هل لوجود ذلك فيه من حكمة؟ قلتُ: رأيتُ لبعضهم ما نصه: الحكمة في أن ماء زمزم فيه قليل ملوحة أن مكة شرفها الله تعالى عين الدنيا وزمزم ماؤها، وماء العين يكون فيه ملوحة. ونظم بعض الفضلاء السؤال عن حكمة ذلك فقال (٣):

стр. 36

[من الطويل] تفكرتُ يا مولاي في بئرِ زمزم ... بمكةَ أرضٌ فخرُها لا يمثّلُ وفي كونِ ما فيها من الماءِ مالحًا ... على أنها من سائِر الأرضِ أفضلُ وقلتُ ألا هل من جوابٍ مبيِّنٍ ... وهل عندكم من حِكمة فيه تُعقلُ فأجاب والد السائل عن ذلك نظمًا فقال: [من الطويل] نعم عندنا فيه الجوابُ وأنه ... نفيسٌ أتى كالدُرِّ بل هو أمثلُ فمكةُ عينُ الأرضِ والعينُ ماؤُها ... كما قد علمتمُ مالحٌ ليس يُجْهلُ وسئل الحارث أيضًا (١) عن شرب الماء؟ فقال: هو حياة البدن، وبه ينتفع ما شرب منه بقدر، وشربه بعد النوم ضرر، وألطف المياه ماء الأنهار الجارية العظام وأبرده وأصفاه. وقالت الحكماء (٢): الماء كله واحد وإنما تغيره الأرض، فمنه الخفيف والثقيل والعذب والملح والسخن والبارد، حكمة من اللطيف الخبير.

стр. 37

فائدة: نقل الشيخ ابن حجر رحمه الله تعالى في "حسن التوسل" عن ولي الله تعالى سيدي زرُّوق في نصائحه ما نصه: أن مَنْ قال على ماءٍ يريد شُرْبه والأمان من ضرره: (يا ماء ماء زمزم يقريك السلام)؛ أمِنَ من ضرره بإذن الله تعالى، انتهى (١). واعلم أن في الماء بركة، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾. وقال عمر بن الخطاب ﵁: إذا كان يوم صوم أحدكم فليفطر على ماء فإنه بركة، ولا يتمضمض ثم يمجه، ولكن يشربه؛ فإن أوله خير. وكان النبي ﷺ إذا أفطر من صيام دعا بماء فشرب ثم قال: "الحمد لله ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى" (٢).

стр. 38

وليكن هذا آخر ما تيسر جمعه في هذه الرسالة على سبيل الاختصار، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وأصحابه الأخيار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما تعاقب الليل والنهار (١). * * *

стр. 39

المصادر والمراجع ١ - أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، للفاكهي، تحقيق د. عبد الملك الدهيش. ٢ - أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، للأزرقي، تحقيق رشدي بلحس، دار الأندلس. ٣ - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، للقسطلاني، مصورة الطبعة الأميرية. ٤ - الإصابة في معرفة الصحابة، لابن حجر العسقلاني، دار إحياء التراث العربي. ٥ - الأعلام، لخير الدين الزركلي، ط ٦، دار العلم للملايين. ٦ - ألف باء، لأبي الحجاج البلوي، عالم الكتب. ٧ - إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، للبغدادي. ٨ - البداية والنهاية، للحافظ ابن كثير، مؤسسة المعارف. ٩ - التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم، لمحمد طاهر الكردي، نشر د. عبد الملك الدهيش. ١٠ - التكملة لوفيات النقلة، للمنذري، تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة. ١١ - الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها، لابن ظهيرة القرشي، عيسى البابي الحلبي.

стр. 40

١٢ - زمزم طعام طعم وشفاء سقم، للمهندس يحيى حمزة كوشك. ١٣ - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ﷺ ، للصالحي، المجلس الأعلى للشؤون الإِسلامية بمصر. ١٤ - سجل عثماني، تذكرة مشاهير عثمانية، لمحمد ثريا، المطبعة العامرة، استنبول ١٣٠٨ هـ. ١٥ - سنن ابن ماجه، تحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي. ١٦ - سنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر وعبد الباقي، دار إحياء التراث العربي. ١٧ - سنن الدارقطني، تصحيح عبد الله هاشم اليماني، دار المعرفة. ١٨ - السنن الكبرى، للبيهقي، دار المعرفة. ١٩ - سير أعلام النبلاء، للحافظ الذهبي، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة. ٢٠ - السيرة النبوية، لابن هشام، تحقيق الأساتذة السقا والأبياري وشلبي. ٢١ - شرح صحيح مسلم، للإِمام النووي، بهامش إرشاد الساري. ٢٢ - شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، للفاسي، عيسى البابي الحلبي. ٢٣ - صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري. ٢٤ - صحيح مسلم، تحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي. ٢٥ - عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة، دار الثقافة. ٢٦ - غريب الحديث، لابن قتيبة، دار الكتب العلمية. ٢٧ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، دار المعرفة. ٢٨ - فضل ماء زمزم، لسائد بكداش، دار البشائر الإِسلامية. ٢٩ - القاموس المحيط، للفيروز أبادي، مؤسسة الرسالة. ٣٠ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، دار الكتاب العربي. ٣١ - المجموع شرح المهذَّب، للنووي، دار الفكر. ٣٢ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري، دار المعرفة. ٣٣ - المعالم الأثيرة في السُّنَّة والسيرة، لمحمد شراب، دار القلم، دمشق.
следующие страницы →