وإذا كان الحديث عن ثقة ومجروح، أو ثقتين فالأَوْلى أن يذكرهما لاحتمال انفراد أحدهما بشيء، فإن اقتصر على ثقة واحد في الصورتين، جاز لأن الظاهر اتفاقهما.
الثاني عشر: إذا سمع بعض حديث من شيخ وبعضه من آخر فخلطه ورواه جملةً عنهما، وبيَّن أن بعضه من أحدهما وبعضه من الآخر جاز، كما فعله الزهري في حديث الإفك؛ فإنه رواه عن ابن المسيب وعروة وعبيد الله ... وعلقمة وقال: وكلٌ حدثني طائفةً من حديثها، قالوا: قالت عائشة وساق الحديث إلى آخره.
ثم ما من شيء من ذلك الحديث إلا وهو في الحكم كأنه رواه عن أحد الرجلين على الإبهام، حتى لو كان أحدهما مجروحًا، لم يجز الاحتجاج بشيء منه، ما لم يبيِّن أنه من الثقة.
ولا يجوز أن يُسقط أحدَ الراويين، بل يجب ذكرهما مبيِّنًا أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر، والله أعلم.
стр. 142
الباب الرابع
في أَسْمَاءِ الرِّجال وطَبَقَاتِ العُلَمَاءِ ومَا يَتَّصِلُ بِذَلِك
هذا فن مهم عظيم الفائدة يُعرف به المرسل والمتَّصل وفيه فصول:
الفصل الأول
في معرفة الصحابة ﵃ -:
وأجود ما صُنِّف فيها الاستيعاب لابن عبد البر (١)، لولا أنه ذكر فيما شجر بين الصحابة وما حكي عنهم على طريق الأخباريين، وقد جمع فيها ابن الأثير كتابًا حسنًا جامعًا وضبط وأجاد فيه (٢).
وفي هذا النوع فروع:
الأول: الصَّحابي عند المحدثين هو كل مسلم رأى رسول الله ﷺ .
وعند بعض الأصوليين، من طالت مجالسته على طريق التَّتَبع والأخذ عنه وعند سعيد بن المسيَّب، هو من صَحِب النبي ﷺ سَنَةً أو غزا غزوةً، وهو ضعيف لما يقتضي أن لا يكون جريرٌ وأضرابه صحابيًا.
وتعرف الصُّحبة بالتواتر والاستفاضة أو قول صحابي أو قوله إذا كان
стр. 143
عدلاً.
الثاني: الصحابة كلهم عُدول سواء لابَسوا الفتن أم لا، بإجماع من يُعتد بهم.
قال أبو زُرعة الرازي: قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن سمع منه وروى عنه من أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما والأعراب ومن شهد معه حجة الوداع (١).
واختلف في عدد طبقاتهم.
والنظر في ذلك إلى السبق بالإسلام والهجرة وشهود المشاهد الفاضلة مع النبي ﷺ .
وجعلهم الحاكم اثني عشرة طبقة (٢)، وأفضلهم عند أهل السُّنة الخلفاء الأربع على الترتيب ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم أهل بيعة الرِّضوان وممن له مزية أهل العقبتين.
الثالث: أولهم إسلامًا من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال ﵃.
الرابع: أكثرهم حديثًا أبو هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس وجابر، وأنس.
стр. 144
وقال مسروق (١): انتهى علم الصحابة إلى عُمر، وعلي، وأُبَيّ، وزيد ... وأبي الدَّردَاء، وابن مسعود.
وأكثرهم فُتيا: ابن عباس، ومنهم العبادلة: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير وابن عمرو بن العاص، وليس ابن مسعود منهم.
قال البيهقي: لأنه مقدم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم وكذا سائر من يسمى عبد الله وهم نحو مائتين وعشرين (٢).
стр. 145
الفصل الثاني
في معرفة التابعي:
وهو كل مسلم صَحِب صحابيًا، وقيل من لقيه وهو الأظهر.
قال الحاكم (١): هم خمس عشرة طبقة.
الأولى: من أدرك العشرة: قيس ابن أبي حازم وابن المسيب وغيرهما ... وغُلِّط في ابن المسيب فإنه ولد في خلافة عمر ﵁، ولم يسمع من أكثر العشرة، وقيل لم يصح سماعه من غير سعد.
وأما قيسٌ فسمعهم، وروى عنهم، ولم يشاركه في هذا رجل، وقيل لم يسمع عبد الرحمن.
ويليهم: الذين وُلدوا في حياة النبي ﷺ من أولاد الصحابة ومن التابعين المخضرمون، واحده مُخضرَم بفتح الراء، وهو الذي أدرك الجاهلية وزمن النبي ﷺ ، ولم يره.
وعدَّهم مسلم (٢) عشرين نفسًا وهم أكثر، وممن لم يذكره، أبو مسلم الخولاني والأحنف، ومن أكابر التابعين الفقهاء السبعة: ابن المسيَّب والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار.
стр. 146
وأنشدنا الشيخ فخر الدين المالكي التِّلمساني:
أَلاَ كُلُّ من لا يَقْتَدِي بِأَئِمَّةٍ ... فَقِسْمَتُهُ ضِيْزَىَ عنِ الدِّينِ خَارِجَة
فَخُذْهُمْ عُبَيدُ اللهِ عُروَةُ قَاسِمٌ ... سَعيِدٌ أبُو بَكرٍ سُلَيْمانُ خَارِجَة
وجعل ابن المبارك سالم بن عبد الله بدل أبي سلمة.
وجعل أبو الزناد بدلهما: أبا بكر بن عبد الرحمن.
وعن أحمد بن حنبل قال (١): أفضل التابعين ابن المسيَّب، قيل: فعلقمة والأسود؟ فقال: هو وهما.
وعنه: لا أعلم فيهم مثل أبي عثمان النَّهدي، وقيس.
وعنه: أفضلهم قيس، وأبو عثمان، وعلقمة، ومسروق.
وقال أبو عبد الله بن خفيف (٢): أهل المدينة يقولون أفضل التابعين ابن المسيب، وأهل الكوفة يقولون: أُوَيس، وأهل البصرة: الحسن.
وقال ابن أبي داود (٣): سيدتا التابعيات حفصة بنت سيرين وعَمرة بنت عبد الرحمن وتليهما أم الدرداء.
وقد عدَّ قوم طبقة في التابعين ولم يلقوا الصحابة، وطبقة هم الصحابة فليتفطن لذلك (٤).
стр. 147
الفصل الثالث
في الأسماء والكُنَى والألقاب
وفيه أنواع:
النوع الأول في الأسماء:
وهو أقسام:
الأول: معرفة من ذُكر بأسماء مختلفة أو نُعوت متعدِّدة وهو فن عويصٌ تمسُّ الحاجة إليه لمعرفة التدليس مثاله:
"محمد بن السائب الكلبي" هو: "أبو النضر" المروي عنه حديث تميم الداريِّ وعَديِّ بن بدَّاء، وهو "حماد بن السائب" المروي عنه ذكاة كل مَسْك دباغه، وهو "أبو سعيد" الذي يروي عنه عطية العَوْفي التفسير ويدلس به مُوهمًا أنه أبو سعيد الخدري.
الثاني: معرفة الأسماء المفردة، وهو فن حسن.
فمن الصحابي:
أجمد: بالجيم.
جُبَيْب: بالجيم على التصغير.
شَكَل: بفتحتين والشين المعجمة.
سَنْدر: فتح السين.
стр. 148
شمعون: بالشين المعجمة والعين المهملة ويقال بالغين المعجمة.
صُدَى: بضم الصاد المهملة مصغر.
صُنابح: بضم الصاد والنون والباء الموحدة.
قال ابن الصلاح (١): ومن قال فيه صنابحي فقد أخطأ.
كَلَدة: بفتحهما.
وابِصَة: بفتح الصاد المهملة.
نُبَيشَة الخير: بالنون والشين المعجمة مصغرًا.
هُبَيب: مصغرًا بالباء الموحدة.
لُبَيُّ: باللام على وزن أُبَيّ.
ومن غير الصحابة:
أوسط.
وتَدُوم: بفتح المُثنَّاة من فوق وقيل من تحت وضم الدال.
جِيلان: بكسر الجيم، أبو الجَلَد (٢): بفتحهما.
الدُجَين: بالجيم مصغر.
стр. 149
زِر (١): بكسر الزاي.
شُعَير: بالشين مصغرًا.
وفِردان: بالفاء المكسورة.
ومُستمر.
وعَزوان: بفتح العين المهملة وإسكان الزاي.
نوفٌ البِكالي: بكسر الباء وتخفيف الكاف، وغلب على ألسنتهم الفتح والتشديد.
ضُرَيب وشُمَير: مصغران.
هَمَذان: بَرِيدُ عمر بن الخطاب ﵁ بالذال المعجمة وفتح الميم، كالبلدة وقيل بالدال المهملة، وإسكان الميم كالقبيلة.
الثالث: المؤتلف والمختلف
وهو ما يتفق في الخط دون اللفظ، يجب للمحدث معرفته وإلا فيكثر خطأه وأكمل ما صُنِّف فيه الإكمال لابن ماكولا (٢)، وفيه إعواز.
وما ضُبط قسمان:
أحدهما: على العموم كسَلاَّم، كله مشدد إلا خمسة:
стр. 150
والد عبد الله بن سَلاَم الصحابي.
محمد بن سَلاَم شيخ البخاري.
وسَلاَم بن محمد بن ناهض المقدسي.
وسلاَم جد محمد بن عبد الوهَّاب بن سلاَم المُتكلِّم الجُبَّائي أبي علي المعتزلي.
وسلاَم ابن أبي الحُقَيق.
وعُمارة ليس فيهم بكسر العين، إلا أُبي بن عِمارة الصحابي، ومنهم من ضَمَّهُ، ومن عداه جمهورهم بالضم، وفيهم جماعة بالفتح وتشديد الميم.
والقسم الثاني: ما في الصحيحين، أو الموطأ على الخصوص:
(يسار) كلهم بالمثناة ثم المهملة، إلا محمد بن بشار، فبالموحدة والمعجمة وفيهما يسار بن سلامة، وابن أبي سيَّار بتقديم السين، وغير ذلك.
الرابع: المتفق والمفترق
وهو متفق خطًا ولفظًا، وللخطيب فيه كتاب نفيس (١).
وهو أقسام:
الأول: اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم؛ كالخليل بن أحمد، ستة.
الثاني: اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم؛ كأحمد بن جعفر بن
стр. 151
حمدان.
الثالث: اتفقت الكنية والنسبة معًا؛ كأبي عمران الجوني (١).
الخامس: المتشابهون في الاسم والنسب، المتمايزون بالتقديم والتأخير؛
كيزيد بن الأسود الخزاعي الصحابي القرشي المخضرم، المشتهر بالصلاح وهو الذي استسقى به معاوية، والأسود بن يزيد النخعي التابعي الفاضل.
السادس: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم، هم أقسام:
الأول: من نُسِب إلى أمه؛ كمُعاذ ومعوِّذ وعوذٍ بنو عفراء، هي أمهم وأبوهم حارث بن رفاعة الأنصاري.
وبلال بن حَمَامة، وأبوه رَبَاح.
الثاني: إلى جَدته؛ كيعلَى بن مُنية، وأبوه أُمية.
الثالث: إلى جده؛ كأبي عبيدة بن الجراح ﵁، هو عامر بن عبد الله بن الجراح.
الرابع: إلى أجنبي لسبب؛ كالمقداد بن عمرو الكندي، يقال له ابن الأسود لأنه كان في حِجْرِ الأسود بن عبد يغوث فتبنَّاه.
السابع: النِّسَب التي على خلاف ظاهِرِها:
стр. 152
أبو مسعود البدري، لم يشهدها (١) في قول الأكثر بل نزلها.
وسليمان التيمي، نزل فيهم وليس منهم.
الثامن: المُبهمات.
صنف فيها عبد الغني، ثم الخطيب، ثم غيرهما.
وهو أقسام:
الأول أبهَمُها: رجل أو امرأة كحديث ابن عباس: أن رجلاً قال: يا رسول الله الحج كل عام؟ وهو الأقرع بن حابس، وحديث السائلة عن غسل الحيض، فقال ﷺ : خُذي فرصة، هي أسماء بنت يزيد بن السَّكن.
الثاني: الابن والبنت؛ كحديث أم عطية في غسل بنت النبي ﷺ بماء وسدر، وهي زينب ﵂.
الثالث: العم والعمة؛ كرافع بن خَدِيج عن عمه، وهو ظهير بن رافع ... وزياد بن عِلاقَة عن عمه، وهو قطبة بن مالك.
وعمة جابر التي بكت أباه يوم أحد، وهي فاطمة بنت عمرو، وقيل هند.
الرابع: الزوج والزوجة: زوج سُبَيعة؛ سعد بن خَوَلَة، وزوج بَروع بفتح الباء، وعند المحدثين بالكسر؛ هلال بن مرة.
стр. 153
النوع الثاني في الكُنَى
وهو أقسام:
الأول: من سُمي بالكنية، ولا اسم له غيرها، وهم ضربان:
أحدهما: من له كنية غير اسمه؛ كأبي بكر بن عبد الرحمن، أحد الفقهاء السبعة، اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن.
والثاني: لا كنية له غير الكنية التي هي اسمه؛ كأبي بلال، عن شريك ... وأبي حَصِين بفتح الحاء، عن أبي حاتم الرازي.
الثاني: من عُرف بكنيته، ولم يُعرف، ألَهُ اسمٌ غيرها، أم لا؟ (١)
كأبي أناس بالنون صحابي، وأبي مُوَيْهبة مولى رسول الله ﷺ .
الثالث: من لُقِّب بكنية، وله اسم وكنية غيرها؛ كأبي تراب؛ علي بن أبي طالب وأبي الحسن ﵁.
الرابع: من له كنيتان أو أكثر؛ كابن جُرَيج: أبي الوليد وأبي خالد.
ومنصور الفَراوي: أبي بكر وأبي الفتح وأبي القاسم.
стр. 154
النوع الثالث في الألقاب
هي كثيرة، ومن لا يعرفها، قد يظنها أسامي، فيجعل من ذُكر باسمه في موضع، ولَقَبٍ في موضع آخر، شخصين.
وألَّفَ فيه جماعة، وما كَرِهَهُ المُلقَّب فلا يجوز، وما لا، فيجوز.
كمعاوية الضَّال (١)، ضَلَّ في طريق مكة فلُقِّب ضَالاً.
وعبد الله بن محمد بن الضَّعيف، كان ضعيفاً في جسمه.
غُنْدَر: لَقَبُ جماعة كل منهم محمد بن جعفر، أولهم محمد بن جعفر (٢) صحاب شعبة.
стр. 155
الفصل الرابع
في أنواع شتَّى
النوع الأول:
في معرفة الموالي:
أهم ذلك معرفة الموالي المنسوبين إلى القبائل مطلقًا.
كفلان القرشي ويكون مولى لهم.
ثم منهم من يقال مولى فلان، ويراد مولى عَتاقة وهو الغالب.
ومنهم مولى الإسلام؛ كالبخاري الإمام مولى الجعفيين، لأن جَدَّه كان مجوسيًا فأسلم على يد اليمان الجُعفي.
ومنهم مولى الحلف؛ كمالك بن أنس الإمام ونفره، هم أَصبَحيون وحِميَرِيُّون صَليِبَةً، موالي لتيم قريش بالحِلف.
النوع الثاني:
في معرفة مواطن الرواة:
وقد كانت العرب إنما تُنسب إلى قبائلها، فلما جاء الإسلام وغلب عليهم سُكنى القرى، انتسبوا إلى القُرى كالعجم، ثم من كان ناقلة من بلد إلى بلد وأراد الانتساب إليها، فليُبدأ بالأول، فنقول في الناقلة من مِصر إلى دِمَشق: المصري ثم الدِّمَشقي.
стр. 156
ومن كان من أهل قرية بلدة، فيجوز أن ينسب إلى القرية وإلى البلدة وإلى الناحية وإلى الإقليم، فيقال في من هو من داريَّا: الدَّاراني والدِّمَشْقي والشامي.
قال عبد الله بن المبارك وغيره: من أقام في بَلدة أربع سنين نُسِب إليها (١).
النوع الثالث: في التواريخ والوفيات:
وهو فن مهم به يُعرف اتصال الحديث وانقطاعه، وقد ادَّعى قوم الرواية عن قوم، فنُظِر في التاريخ فظهر أنهم زعموا الرواية عنهم بعد وفاتهم بسنين.
فروع:
الأول: الصحيح في سِن سيِّد البشر رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄، ثلاث وستون سنة.
قُبِض رسول الله ﷺ ضُحى الاثنين لاثني عشر خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من هجرته ﷺ إلى المدينة، ومنها التاريخ.
وأبو بكر ﵁ في جمادى الأول سنة ثلاث عشرة.
وعمر ﵁ في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
وعثمان ﵁ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ابن اثنين وثمانين سنة وقيل ابن تسعين سنة وقيل غيره.
وعلي ﵁ في شهر رمضان سنة أربعين، ابن ثلاث وستين، وقيل أربع
стр. 157
وقيل خمس.
وطلحة والزبير في جمادى الأول سنة ست وثلاثين.
قال الحاكم (١): كانا ابني أربع وستين، وقيل غيره.
وسعد بن أبي وَقَّاص سنة خمس وخمسين على الأصح، ابن ثلاث وسبعين.
وسعيد بن زيد سنة إحدى وخمسين، ابن ثلاث أو أربع وسبعين.
وعبد الرحمن بن عوف سنة اثنين وثلاثين، ابن خمس وسبعين.
وأبو عبيدة عامر سنة ثماني عشرة ابن ثمان وخمسين، وفي بعض هذا خلاف.
الثاني: صحابيان عاشا ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام، وماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين: حكيم بن حزام وحسَّان بن ثابت بن المنذر بن حزام.
قال ابن إسحاق (٢): عاش حسان وآباؤه الثلاثة كل واحد منهم مائة وعشرين سنة، ولا يعرف لغيرهم من العرب مثله، وقيل مات حسان سنة خمسين.
الثالث: أصحاب المذاهب المتبوعة.
стр. 158
سفيان الثوري، مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة مولده سنة سبع وتسعين.
مالك بن أنس، مات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، قيل ولد سنة ثلاث وتسعين، وقيل إحدى، وقيل أربع، وقيل سبع.
أبو حنيفة النُّعمان بن ثابت، مات ببغداد سنة خمسين ومائة، وكان ابن سبعين.
أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، مات بمصر، آخر رجب سنة أربع ومائتين، وولد سنة خمسين ومائة.
أبو عبد الله أحمد بن حنبل، مات ببغداد في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وولد سنة أربع وستين ومائة.
الرابع: أصحاب كتب الحديث المعتمدة.
أبو عبد الله البخاري: ولد يوم الجمعة لثلاث عشر خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ومات بسمرقند ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين.
ومسلم: مات بنَيْسابور لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين ابن خمس وخمسين.
وأبو داود السجستاني: مات بالبصرة في شوال سنة سبع وسبعين ومائتين.
وأبو عيسى التِّرمذي مات بتِرْمِذ لثلاث عشرة مضت من رجب سنة
стр. 159
تسع وسبعين ومائتين.
وأبو عبد الرحمن النَّسائي: مات سنة ثلاث وثلاثمائة بمكة وقيل بالرملة.
ثم سبعة من الحفاظ بعدهم أحسنوا التصنيف وعظم النفع بتصانيفهم:
أبو الحسن الدارقطني: مات ببغداد في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وولد فيها سنة ست وثلاثمائة.
ثم الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، مات بها في صفر سنة خمس وأربعمائة وولد بها في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.
ثم أبو محمد عبد الغني بن سعيد، حافظ مصر، ولد في ذي القعدة سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة، ومات بمصر في صفر سنة تسع وأربعمائة.
ثم أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني: ولد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ومات في صفر سنة ثلاثين وأربعمائة بأصفهان.
وبعدهم: أبو عمر بن عبد البر، حافظ المغرب، ولد في ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وتوفي بشاطبة في سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
ثم أبو بكر البيهقي، ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ومات بنيسابور في جمادى الأول سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
ثم أبو بكر الخطيب البغدادي، ولد في جمادى الآخر سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة، ومات ببغداد في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
стр. 160
خاتمة
في آداب الشيخ والطالب والكاتب
اعلم: أن علم الحديث علم شريف يُناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشِّيَم ويُنافي مساوئ الأخلاق ومشاين الشيم، وهو من علوم الآخرة، لا من علوم الدنيا، فمن أراد التَّصدي لإسماع الحديث أو لاستماعه أو لإفادة شيء من علومه، أو لاستفادته فليقدم تصحيح النية وإخلاصها وليُطَهِّر قلبه من الأغراض الدنيوية وأدناسها، وليحذر بلية حب الرياسة ورُعُوناتها وطلب مال، وغير ذلك مما لا يراد به وجه الله تعالى، وفيها فصول:
الفصل الأول:
في أدب الشيخ:
يستحب للمُتَصدي لإسماع الحديث أن يَبْلغ أربعين لأنها انتهاء الكهولة وفيه مجتمع الأشُد.
نُبِّئ رسولُ اللهِ ﷺ وهو ابن أربعين.
وقال ابن الصلاح (١): هذا محمول على من تصدى للتحديث بنفسه من غير براعة في العلم، والحق أنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لنشره في أي سن كان، كمالك فإنه تصدى له، وله نيف وعشرون سنة،
стр. 161
وقيل سبع عشرة.
والشافعي أُخِذَ عنه العلم وهو في سن الحداثة.
وعمر بن عبد العزيز لم يبلغ الأربعين.
وغيرهم ممن نشروا عُلومًا لا تحصى، ولم يبلغوا ذلك.
ومتى خُشي عليه الهرم والخرف والتخليط أمسك عن التحديث، ويختلف ذلك باختلاف الناس.
فقد حَدَّث خلق بعد مجاوزة الثمانين لَمَّا ساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة كأنس ابن مالك، وسهل بن سعد، وعبد الله بن أبي أوفىَ من الصحابة.
وكمالك، وابن عيينة، والليث، وابن الجعد.
وحدَّث قوم بعد المائة كالحسن بن عرفة وأبي القاسم البغوي وغيرهما.
وينبغي أن لا يُحَدِّث بحضرة من هو أولى منه، لِسنِّه أو علمه أو غير ذلك وقيل لا يحدث في بلد فيه من هو أولى منه، وإذا طُلِب منه ما يعلمه عند من هو أولى منه أرشد إليه لأن الدِّينَ النصيحة، ولا يمتنع من تحديث أحد لعدم صحة نيته، فإنه يُرجى له تصحيحها وليحرص على نشره وليبتغ جزيل أجره وإذا أراد حضور مجلس التحديث فليقتدِ بالإمام مالك ﵁، فإنه إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرَّح لحيته وتَطيَّب وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة وحدَّث وقال: أُحِبُّ أن أُعظِّم حديثَ رسول
стр. 162
الله ﷺ وكان يكره أن يُحدِّث في الطريق أو هو قائم أو مستعجل، فإن رَفَع أحدٌ صوته في مجلسه زَجَره، ويستحب له أن يُقبِل على الحاضرين كلهم ولا يسرد الحديث سَرْدًا، يمنع السامع من إدراك بعضه وليفتح مجلسه بقراءة قارئ حسن الصوت، فإذا فرغ استنصت المستملي أهلَ المجلس ثم الشيخ يُبَسمِل ويدعو ويقول: الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على كل حال، والصلاة والسلام الأَتمَّان على سيد المرسلين، كلما ذكره الذاكرون، وكُلَّما غفل عنه الغافلون، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وسائر النبيين، وآل كلٍّ وسائرِ الصالحين، نهايةَ ما ينبغي أن يسأله السائلون.
ويستحب له الثناء على شيخه في حالة الرواية عنه بما هو أهل له فقد فعل ذلك غير واحد من السلف.
ولا بأس أن يذكره بما يُعرَفُ به من لقبٍ أو نسبةٍ، ولو إلى أُمٍّ أو صنعة أو وصفٍ في بدنه.
وحَسَنٌ أن يجمع في إملائه جمعًا من شيوخه، مُقدِّمًا أفضلهم ويُملي عن كل شيخ حديثًا، ويختار ما علا سنده وقَصُر متنه، ويُنبِّه على ما فيه من علوٍ وفائدةٍ وضبط مشكل.
ويتجنب ما لا يحتمله عقول الحاضرين، أو يخاف عليهم الوهم في فَهمه ويستحب أن يتخذ مُستمليًا مُحصِّلاً مُتيقظًا، يُبلِّغ عنه إذا كثر الجمع ويستملي مُرتفعًا على مكانٍ، كالكرسي ونحوه، وإلا قائمًا.
وعليه تبليغ لفظه على وجهه، ثم يختم إملاءه بشيء من الحكايات
стр. 163
والنوادر والإنشادات في الزهد والآداب ومكارم الأخلاق.
وإذا قصر المحدث عن التخريج، أو اشتغل عنه، استعان ببعض الحفاظ في التخريج له، فإذا فرغ من الإملاء قابل ما أملاه.
стр. 164
الفصل الثاني
في أدب الطالب:
ينبغي في طلبه أن يبتهل إلى الله تعالى في التوفيق والتيسير، ويأخذ نفسه بالآداب السَّنِيَّة والأخلاق المرضية، وقد تقدم الكلام في السِّن الذي يبتدئ فيه بسماع الحديث، وليغتنم مدة إمكانه، ويفرغ جهده في تحصيله، وليبدأ بسماع أرجح شيوخ بلده إسنادًا وعلمًا ودينًا وشهرة، فإذا فرغ من مهمات بلده، رحل في الطلب، فإن الرحلة من عادة الحفاظ المبرَّزين، ولا يحمله الشره في الطلب على التساهل في السماع والتحمل، فيخل بشيء من شروطه، وليعمل بما يمكنه العمل به مما يسمعه من الحديث في أنواع العبادات والآداب؛ فذلك زكاة الحديث كما قال بشر الحافي: يا أصحاب الحديث! أدُّوا زكاة هذا الحديث؛ اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، وهو سبب حفظه.
وليُعَظِّم شيخه وكل من يسمع منه؛ فإن ذلك من إجلال العلم، وليَتَحرَّ رضاه ولا يُطيل عليه، بحيث يضجره، فربما كان ذلك سبب حرمانه.
وعن الزهري قال (١): إذا طال المجلس، كان للشيطان فيه نصيب.
وليستشر شيخه في أموره، وكيفية ما يعتمده من أشغاله، وما يشتغل فيه وإذا فاز بفائدة؛ أرشد غيره من الطلبة إليها، فإنَّ كتمان ذلك لومٌ يُخاف
стр. 165
على فاعله عدم النفع، فإن بركة الحديث أفادته، وبنشره ينمو.
ولا يمنعه الحياء والكِبر من السَّعي في التحصيل، وأَخْذِ العلم ممن دونه في سنٍّ أو نَسبٍ أو منزلةٍ، وليصبر على جفاء شيخه، وليتعنّ بالمهم، ولا يضيع زمانه في الإكثار من الشيوخ بمجرد الكثرة.
وليكتب وليسمع ما يقع له من كتاب أو جزء بكماله، ولا ينتخب منه لغير ضرورة، فإن احتاج إليه تولاَّه بنفسه، فإن قصر عنه، استعان بحافظ.
ولا يقتصر على مجرد سماعه وكَتْبه دون معرفته وفَهمه، بل يتعرف صحته وضعفه ومعانيه وفقهه وإعرابه ولغته وأسماء رجاله، ويحقق كل ذلك ... ويعتني بإتقان مشكله حفظًا وكتابة.
ويقدم في ذلك كله الصحيحين، ثم بقية كتب الأئمة، كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، ثم كتاب السنن الكبير للبيهقي؛ فإنَّا لا نعلم مثله في بابه، ثم من المسانيد؛ كمسند الإمام أحمد بن حنبل، وغيره ثم من كتب العِلَل؛ كتابه (١)، وكتاب الدارقطني.
ومن التواريخ؛ تاريخ البخاري، وابن أبي خيثمة.
ومن كتب الجرح والتعديل؛ كتاب ابن أبي حاتم.
ومن مشكل الأسماء؛ كتاب ابن ماكولا.
ويعتني بكتب غريب الحديث وشروحه، كلما مر به مشكل بحث عنه
стр. 166
وأتقنه ثم حفظه وكتبه.
ويتحفظ الحديث قليلاً قليلاً، ويشتغل بالتَّخريج والتصنيف، إذا تأهل له مُعتنيًا بشرحه وبيان مشكله وإتقانه، فقلَّ ما تَمَهَّر في علم الحديث من لم يفعله.
ولعلماء الحديث في تصنيفه طريقان:
أجودهما: على الأبواب؛ كما فعله البخاري ومسلم، فيذكر في كل باب ما عنده فيه.
الثاني: على المسانيد؛ فيجمع في ترجمة كل صحابي ما عنده من حديثه صحيحه وضعيفه، وعلى هذه الطريقة يرتب على الحروف أو على القبائل فيقدم بنو هاشم، ثم الأقرب، فالأقرب، وقد يرتب بالسابقة، فيقدم العشرة ثم أهل بدر، ثم الحديبية، ثم من هاجر بينها وبين الفتح، ثم أصاغر الصحابة ثم النساء، يبدأ بأمهات المؤمنين.
стр. 167
الفصل الثالث
في أدب الكاتب:
اختلف السلف في كتابة الحديث، فكرهها طائفة وأباحها أخرى.
ثم أجمع أتباع التابعين على جوازه، فقيل أول من صنَّف فيها ابن جُرَيج وقيل مالك، وقيل الربيع بن صُبيح، ثم انتشر تدوينه وجمعه، وظهرت فوائد ذلك ونفعه.
وعلى كَاتِبهِ صرف الهمة إلى ضبطه، وتحقيقه شَكلاً ونَقطًا، بحيث يُؤمَن اللبس معه، ولا يشتغل بتقييد الواضح، ثم قيل يشكل الجميع لأجل المبتدئ وغير المتبحر، ويكون اعتناؤه بضبط الملتبس من أسماء الرجال أكثر، لأنه نَقْلي مَحض، ويُستحب ضبط المُشكِل في المتن وبيانه في الحاشية، لأنه أبلغ ويحقق حروف الخطِّ ولا يعلقه تعليقًا، ولا يُدققه لتخفيف حمله في السفر فإن الخط علامة، فأحسنه أبينه.
قال بعضهم: أكتب ما ينفعك وقت حاجتك إليه، أي وقت الكبر وضعف البصر.
ولا يصطلح مع نفسه برمز لا يعرفه الناس، إلا أن يبين مراده في أول الكتاب ليعرفه من يقف عليه، ويعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها فيجعل كتابه على رواية، ثم ما كان في غيرها من زيادة ألحقها في الحاشية أو نقص أَعلَم عليه، أو خلاف نبَّه عليه، ويُسمي روايةً مبينًا.
стр. 168
فروع:
الأول: يجعل بين كل حديثين دارةً، واستحب الخطيبُ (١) أن يكون غَفْلاً أي بلا علامة فإذا قابل، نَقَطَ وسطها.
ولا يكتب المضاف في آخِر سطر والمضاف إليه في أول الآَخر، وإذا كتب اسم الله تعالى، اتبعه بالتعظيم، كعز وجل ونحوه، ويحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ كلَّما كتبه، ولا يسأم من تكراره ... وإن لم يكن في الأصل، ومن أغفل ذلك حُرِم حظًّا عظيمًا، ويصلي بلسانه على النبي ﷺ كلما كتبه أيضًا، وكذلك التَّرضِّي والترحم على الصحابة والعلماء ويكره الاقتصار على الصلاة دون التسليم وبالعكس.
روى ابن الصلاح عن حمزة الكِناني (٢): قال كنت أكتب الحديث وأكتفي بالصلاة على رسول الله ﷺ ، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي مالك لا تُتِم الصلاة عليَّ؟ قال: فما كتبت بعد ذلك الصلاة إلا مع التسليم.
ويكره الرمز بالصلاة، والترضي في الكتابة، بل يكتب ذلك بكماله.
وعليه مقابلة كتابه بأصل شيخه، وإن كان إجازة، ويكفي مقابلة ثقة ... ولو بفرع قُوبِل بأصل الشيخ، فإن لم يُقابَل به وكان الناقل صحيح النقل قليل السقط ونقل من الأصل، فقد جوَّز الرواية منه الأستاذ أبو إسحاق والخطيب (٣)، وغيرهما.
стр. 169
وإذا خرج الساقط وهو اللَّحَق بفتح اللام والحاء، فَلْيَخُط من موضع سقوطه في السطر خطًّا صاعدًا قليلاً معطوفًا بين السطرين عطفة يسيرة إلى جهة اللحق، ثم يكتب اللحق قبالة العطفةِ في الحاشية، وجهة اليمين إن اتَّسعت أَولَى، إلا أن يسقط في آخر السطر، وليكتبه صاعدًا إلى أعلى الورقة، ثم إن زاد اللحق على سطر، ابتدأ سطوره من جهة طرف الورقة إن كان في عين الورقة، بحيث ينتهي سطوره إلى أسطر الكتاب، وإن كان في الشِّمال ابتدأ بالأسطر من جهة أسطر الكتاب، ثم يكتب في انتهاء اللحق "صح" ولا بأس بكتابة الفوائد المهمة على حواشي كتاب يملكه، لا بين الأسطر.
الثاني: التصحيح والتمريض والتضبيب، من شأن المتقنين، فالتصحيح كتابة "صح" فيما عرضة الشك أو الخلاف، ليدل على صحته روايةً ومعنًى.
والتَّضْبِيبُ، وقد يسمى التمريض: أن يمُد خطًّا أوَّله كرأس الضاد، على ثابتٍ نقلاً فاسد لفظًا أو معنى، أو على ضعيف أو ناقص.
ومن الناقص موضع الإرسال أو الانقطاع، وربما اقتصر بعضهم على الصاد المجردة في علامة التصحيح فأشبهت الضبة، وإذا وقع في الكتاب خطأ وحققه، كتب عليه "كذا" صغيرة، وكتب في الحاشية صوابه كذا إن تحققه وإن وقع فيه ما ليس منه، نُفِي بالضرب أو الحكِّ.
وإذا ضرب، يَخُطّ فوقه خطًّا بيِّنًا مُختَلِطًا به، ويتركه ممكن القراءة، فإن كان الضرب على مكرر، فقيل على الثاني، وقيل يُبقى أحسنهما
стр. 170
وأبينهما صورة.
وفصَّل القاضي عِياض ﵀ فقال (١): إن كان المتكرران في أول السطر ضرب على الثاني، وإن كان في آخره، ضرب على أولهما، صيانة لأوائل الأسطر وأواخرها، فإن كان أحدهما في أول سطر والآخَر آخِره، ضرب على ما في آخِره لأن أول السطر أولى بالمراعاة.
وأما الحك والكشط، فكرهما أهل العلم للتهمة.
والثالث: غلب على كَتَبَةِ الحديث، الاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا وشاع بحيث لا يخفى، فيكتبون مِن حدثنا: (ثنا) أو (نا) أو (دنا).
ومن أخبرنا (أنا) أو (بنا) أو (رنا).
وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد مُسمى "حاء" مفردة مهملة صورة (ح) لأن حاء اسم ومُسمَّاه (ح) كما أن الصاد اسم ومسماه (ص).
قال ابن الصلاح (٢): ولم يأتنا عن أحد ممن يُعتَمَد، بيان لأمرها، غير أني وجدت بخط جماعة من الحفاظ في مكانها بدلاً عنها "صح" صريحه وهذا يشعر بكونها رمز إلى صح، وحَسُن إثباته لِئَلاَّ يُتَوَهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولِئلا يُركَّب الإسناد الثاني على الإسناد الأول فيُجعَلا إسنادًا واحدًا.
وعن بعض الأصبهانيين، أنها من التَّحَول من إسناد إلى إسناد، وقيل
стр. 171
من حائل، أي تَحُولُ بين الإسنادين، وليست من الحديث، فلا يُتَلفظ بشيء عند الانتهاء إليها في القراءة.
وقال بعض المتأخرين: هي إشارة إلى قولنا "الحديث".
وحُكِى عن جميع أهل المغرب أنهم يقولون إذا وصلوا إليها في القراءة "الحديث".
وقال بعض البغداديين: من العلماء من يقول إذا انتهى إليه في القراءة (حا) مقصورة ويَمرّ، هذا هو المختار الأحوط الأعدل، والله أعلم.
الرابع:
قال الخطيب (١): ينبغي للطالب أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه وكنيته ونسبه، ثم يسوق ما سمعه منه على لفظه، ويكتب فوق سطر التسمية أسماء من سمع معه، وتاريخ السماع، وإن أحب كتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب، كذا فعله الشيوخ.
ولا بأس بكتبه آخر الكتاب، وحيث لا يخفى منه، وينبغي أن يكون التسميع بخط شخص موثوق به معروف الخط، ولا بأس عند ذلك في أن لا يكتب المستمع خطه بالتصحيح، ولا بأس على صاحب الكتاب إذا كان موثوقًا به أن يقتصر على إثبات سماعه بخط نفسه، فقد فعله الثقات، وعلى كاتب السماع التحرِّي في ذلك، وبيان السامع والمستمع والمسموع، بلفظ بيِّن واضح، وعليه تجنب التساهل فيمن ثَبت اسمه، والحذر من
стр. 172
إسقاط بعض السامعين لغرض فاسد، وإذا لم يحضر مُثبِت السَّماع مجلسًا، فله أن يعتمد في حضورهم خبر الشيخ أو خبر ثقة حضره، ومن أثبت سماع غيره في كتابه قَبُح منه كتمانه أو منعه نسخه أو نقل سماعه، وإذا أعاره إياه فلا يبطئ به وإن منعه الكتاب، فإن كان سماع المستعير قد أُثبِت في كتابه بخطه، لزمه إعارته إياه وإلا فلا يلزمه، لأن خطه يدل على رضاه.
روى الخطيب (١) عن قاضٍ تُحُوكِمَ إليه في ذلك، قال للمدَّعى عليه: إن كان سماعه في كتابك بخطك يلزمك أن تعيره، وإن كان بغير خطك فأنت أعلم.
هكذا قال الأئمة الأجلة، حفص بن غياث القاضي الحنفي، وإسماعيل القاضي المالكي، وأبو عبد الله الزبيري الشافعي.
ولا ينبغي لأحد أن يكتب السماع في كتاب لم يصحح تصحيحًا مرضيًا كيلا يغير بصحته، إلا أن يبين كون النسخة غير مقابلة، وإذا قابل كتابه أَعْلَمَ على مواضع وقُوِفِه وإن كان في السَّماع كتب:
بلغ في المجلس الأول والثاني إلى آخرها.
ولنَخْتِم الخَاتِمِة بِخِتَام خَاتَم الأنبيَاءِ وسَيدِ المُرسَليِن ﷺ ، وهو قوله ﷺ :" يَحْمِلُ هذَا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه يَنْفُوُنَ عنهُ تَحرِيفَ الغَالِين وانتِحَالَ المُبطِلِين وَتَأويِلَ الجَاهِلِين" (٢).
стр. 173
رواه محيي السنة في المصابيح (١).
"مِن" في الحديث كما في التنزيل:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر﴾ (٢)
جرد من الخلف الصالح، العدول النُقَّاب الثقات (٣)، وهم هم، تفخيمًا لأمرهم وتعظيمًا لشأنهم، وينفون استئناف كأنه قيل: لم خُص هؤلاء بهذه المَنْقَبة العَليَّة؟
فأجيب لأنهم يَحمُون مَشَارِع الشَّريعة، ومتون الروايات، من تحريف الغالين، والأسانيد من الانتحال والقلب، وتولي الكاذبين، والمتشابه من تأويل الزائغين، بنقل النصوص المحكمة، لرد المتشابه إليها، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤتِيِه مَنْ يَشَاء وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيم.
تَمَّ المُختَصَر في عِلمِ الحَدِيثِ والحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ
وصلَّى اللهُ علَى سَيِّدِنَا محمَّدٍ
وآلهِ وصَحبِه وسَلَّم
وَحَسْبُنَا اللهُ
وَنِعمَ
الوَكِيلْ